يكشف هذا المقال للباحث الأردني عن الكثير من الجوانب الشخصية للمفكر الكبير ومجالدته النبيلة للألم، والتغلب عليه بالعمل وحب الحياة، كما ينطوي على أحدى رسائل سعيد الشخصية التي تكشف لنا عن دماثته وحميميته.

إدوارد سعيد

تأملات في الذكرى الخامسة لرحيله

محمد شاهين

في معرض حديثه عن البنيوية عام 1982، كتب الناقد المعروف جون بيلي مقالا في الملحق الأدبي لصحيفة التايمز اللندنية قائلا أن إدوارد سعيد اخترع لغة نقدية جديدة، ودلل علي ذلك أنه استخدم هذه اللغة الجديدة في هدم صرح البنيوية الذي لم يدم أكثر من عقدين من الزمن علي الأكثر. ويضيف بيلي، أستاذ الأدب الإنجليزي في جامعة أكسفورد، أن إدوارد سعيد تنبه إلي أن البنيويين شيدوا صرحا من الكليشيهات لتثبيت دعائم البنيوية وأن سعيد استطاع أن يقيم صرحا مناهضا يحول دون استمرارها، يتكوٌن من لغة مناهضة وكأننا بالناقد بيلي يقول لا يفلٌ الحديد إلا الحديد (أو إن صح التعديل الفولاذ) وكأننا أيضا بالناقد بيلي يقول أن إدوارد سعيد قدم لغة جديدة لتنهض بالمشروع الجديد وهو التوجٌه الثقافي cultural بدل البنيوي الذي أصبح ـ أي البنيوي ـ بعد ريادة إدوارد سعيد الثقافية في ذمة التاريخ.

صدف أن قابلت إدوارد سعيد في صيف ذلك العام الذي ظهرت فيه مقالة بيلي. سألته سؤالا فضوليا ونحن في طريقنا لتناول الغداء في مطعم مجاور لجامعة كولومبيا: من أين لك كل هذه اللغة؟ لن أسرد كل إجابته المتواضعة جدا،بل سأكتفي بقوله أن أمه كانت تقول له أن "لسانه طويل". كانت أمه في ذلك الصيف لا تبرح ذاكرته وهي تقبع في حصار بيروت، وكان يحاول بشتي الطرق إحضارها لأمريكا من أجل العلاج علي الأقل.

لم يكن إدوارد سعيد عالما لغويا مثل صديقه ناعوم تشومسكي، الذي أسس شهرته في البداية علي نشاط لغوي عبقري حلقت نظرياته في الآفاق، وما زالت كذلك، لكن إدوارد سعيد اتجه مباشرة إلي الناحية العملية التطبيقية بدلا من الناحية النظرية أولا ثم العملية التطبيقية أخيرا كما فعل تشومسكي. إذ اعتقد جازما أن العالّم هو المرجع الأول والأخير للغة، أي أن واقعنا هو عملي لا نظري، إلي آخر ذلك. الذي دفعني إلي كتابة هذه السطور، ما قرأته أو أعدت قراءته من مراجعة كتبها إدوارد سعيد لكتاب في. إس. نايبول عن الإسلام وعنوانه «بين المؤمنين»وهو رحلة سياحية لمدة سبعة أشهر في أربع بلدان إسلامية هي إيران،باكستان،أندونيسيا،ماليزيا. عاد نايبول من رحلته التي بدأها في أغسطس عام1979 (بعيد ظهور الاستشراق)،بحصيلة عن الإسلام مفادها أن الإسلام يمثل كل ما هو رجعي، وأن أوروبا تمثل كل ما هو تقدمي. كتب إدوارد سعيد مراجعة قصيرة مكثفة تفي بالغرض نشرت عام1981،كرد علي نايبول وتعصبه. وليس هذا هو المكان الذي نناقش فيه تجني نايبول المعروف علي الإسلام، ولا رد سعيد عليه الذي لازمه في كتاباته السابقة واللاحقة. لكني أود أن أشير فقط إلي تركيب لغوي يقع في بداية المراجعة إذ يقول إدوارد سعيد أن نايبول "يتحسر علي ما هو ضائع من حليب الاستعمار،أيٌترجمة لمثل هذه العبارة تظل قاصرة وهو ما يبرر نقلها هنا بالإنجليزية:

crying over the split milk of colonialism Naipaul

هذه عبارة تلخص نايبول من أوله إلي آخره وتكاد تكون مفتاحالحياته وفنه ويتذكرها القارئ في كل جملة كتبها نايبول. ولو سأل سائل كيف ولماذا حاز نايبول علي جائزة نوبل عام2001،لوجد في هذه العبارة جواباشافياكافيا،إذ نتذكر علي الفور أن من يلعق فضلات الحليب الضائع للاستعمار، علي مدي عقود من الزمن، سيفوز بشيء بالمقابل. أكثر من ذلك،تذكرنا العبارة بمشاهد ومواقف لا حصر لها، بل وتجسٌم معناها لنا بوضوح لا لبس فيه، ألا تذكرنا بأولئك الزعماء، والقادة البارزين من بني القوم، الذين يظهرون علي شاشة التلفاز في حديقة البيت الأبيض،أو في مدخل قصر الإليزيه، أو علي درجات داوننغستريت رقم10. يعودون إلي عقر دارهم وقد اكتفوا بتجربة "وقوفابها صحبي". لكن الآخر لا يكتفي بما اكتفوا به. في معاهدة أوسلو المشؤومة،التي ندد بها إدوارد سعيد بشدة منذ البداية،قيل أن بطلها شعر أنه ربما قضي مآربه من مجرد السلام علي زعيم العم سام في حديقة بيته الأبيض،وأنه لو رحل عن الدنيا بعيد ذلك،لشعر أنه فاز بما كان يصبو إليه. لكن الآخر لم يتركه وشأنه بل لاحقه وحاصره في عقر داره حتي الموت. نتذكر العبارة عندما نري الطوابير المصطفة علي مداخل السفارات الأمريكية للحصول علي فيزا. نتذكر العبارة ونحن نري أن حفلات تلك السفارات بيوم استقلال بلدها تشكل المناسبات التي يجتمع فيها أكبر عدد ممكن من المواطنين. نتذكر العبارة عندما نري بعض المثقفين العرب الذين يعيشون في الغرب وهم يغازلون ويتغزلون بالغرب بغية الحصول علي الرضا كاملاأو منقوصا،إلي آخر ذلك.

قبل ما يقرب من عام أو أكثر قرأت مقالانشره مثقف لبناني بارز كان يرأس تحرير مجلة توقفت عن الصدور بسبب تغيير مواقعه في السلطة الحاكمة،يدعو المثقف العرب إلي إعطاء أمريكا فرصة نجربها فيها. ومن المؤسف حقاأن نري أن الأستاذ هيكل في إحدي حلقاته التي أذيعت علي الجزيرة يستشهد بسعة علم ذلك المثقف ودرايته السياسية!

هنا نتذكر عبارة اليوت التي تشبه في إيحائها عبارة إدوارد والتي يقتطفها في عرضه المشار إليه أعلاه،إذ قال اليوت العبارة في معرض نقده للحضارة الغربية التي جلبت الدمار في الحرب العالمية الأولي: "ليس التسامح ممكنا،حتي بعد الحصول علي معرفة كهذه بباطن الأمر"After such knowledge what forgiveness

عبارة إدوارد سعيد هذه من بين مئات العبارات التي نحتها،نذكر علي سبيل المثال لا الحصر عبارة طباق (contrapuntal) التي نحتها من الموسيقي والتي أصبحت تعرف باسمه في ميدان النقد،والتي أوحت لمحمود درويش بقصيدة بنفس العنوان ألقاها فيالذكري الأولي لرحيله. مثل هذا النحت هو الذي يميز الكتٌاب العظام ويجعل قدرتهم علي النحت تدق ناقوس التذكار. هكذا مثلانتذكر جين أوستن في مطلع روايتها تفاخر وتحامل،ونتذكر تولستوي في بداية روايته أنا كارانينا وهكذا. يذكر بارنباوم الموسيقار الكبير في الفيلم الوثائقي الذي أنجز بمناسبة ذكري رحيل إدوارد سعيد أن الموسيقار الكبير قد تعلم الكثير من صديقه إدوارد،بل أنه شكٌل وحيامستمراله،وكان يقتطف من عباراته أثناء الفيلم ليدلل علي مدي تأثره بلغة فكره وفكر لغته. كتب الشاعر دونالد ديفي كتاباعن باوند مشيدابنحته في اللغة بعنوان: الشاعر كنحٌات (Poet as Sculptor).

عندما يستطيع الكاتب ناقداكان أم مفكراأو مثقفاأن يمسك بأسرار اللغة من خلال موهبة فذة مثل ما هي الحال عند إدوارد سعيد،لا يكون الأمر "مزحة" (بالمصري هزار)،أي لا يكون "طول لسان" بل عبقرية اعترف بها العالم شرقاوغربا،لأنها تعين علي استبطان الأمور حاضراوماضياومستقبلا.

وعودة إلي نايبول وتحسٌره علي ما خلٌفه الاستعمار من بقايا أشبه بالقدْر اليسير من الحليب الذي انزاح قسراعن الوعاء المعد لاحتوائه،وهو القدّر الذي يختاره البعض للعيش سعيداعلي ما تيسٌر من الغير. نتحسٌر اليوم في الذكري الخامسة لرحيل إدوارد سعيد بطريقة مغايرة طبعالتحسٌر نايبول. نتحسٌر عليغياب إدوارد سعيد المبكٌر،الذي حرمنا من المزيد من العطاء،فقد كان يؤكد علي الندية بين الأنا والآخر، (كما يؤكد مرارابارنباون في الفيلم الوثائقي المذكور)،رافضاالعيش الهامشي الذي اختارته المركزية الغربية وقبلت به الضواحي،لكن يبقي العزاء أن تراث (legacy) إدوارد سعيد الذي خلٌفه فيه ما يكفي لخطاب التنوير والتأمل في ظواهر الأمور وباطنها 

رسالة إلي الصديق توني
قبل نحو عشر سنوات اختارت كلية الأدب الانجليزي في جامعة كيمبردج ادوارد سعيد ليلقي سلسلة المحاضرات التذكارية التي خصصتها الجامعة لاحياء ذكري الناقد والشاعر الكبير ويليام امبسونwilliam Empsonوهو خريج الكلية نفسها التي قررت احياء ذكراه سنويا بدعوة واحد من كبار نقاد العالم ومفكريه ليتحدث حول أحد المحاور المعرفية،ألقي ادوارد سعيد في تلك السنة سلسلة من المحاضرات عن الاوبرا،والتي قامت جامعة كيمبردج بعد ذلك بجمعها واصدارها مطبوعة في كتاب،وخلال القاء سعيد محاضراته،كانت القاعة تضج بالحاضرين الذين كانوايتقاطرون من كل انحاء بريطانيا للاستماع الي المحاضرات التي كانت تحظي بتغطية صحافية كثيفة باعتبارها حدثا ثقافيا بارزا.

أما توني تانرTony Tannerفهو صديق حميم،وقد ذكر لي فيغير مناسبة أن حضور ادوارد سعيد الي كيمبردج في كل مرة يزور فيها بريطانيا كان من بين أغلي أمنياته،حتي تحقق له ذلك في تلك السنة بمناسبة احياء ذكري امبسون،وحدثني توني تانر بالهاتف بعد ذلك وهو فيغاية التأثر،عن قدوم ادوارد سعيد الي كلية كينغر في كيمبردج حيث يقيم تانر.

اتصل بي ادوارد سعيد هاتفيا قبل سفره الي كينجر واخبرني ان أطلب من المسئولين في كلية كينغر توفيرثلاجة صغيرة له في مكان اقامته ليحفظ فيها أدويته. وعندما استوضحت اعلمتني مساعدة عميد كلية كينغز بانهم جهزوا له فعلا سكنا مريحا بالقرب من صديقه توني تانر،وفيه ثلاجة،بل انهم أصلحوا مصعد المبني بعد ان كان مهملا حتي يتمكن ادوارد سعيد من استعماله وفوق ذلك فرشوا له السجاد الأحمر.

عن فترة تواجد ادوارد سعيد في كينغز كان مما قاله البروفيسور جون بيرJohn Beerانه كان يتمشي ذات يوم في حرم كلية كينغز في جامعة كيمبردج وتملكه شعور ببالغالاعجاب والسرور عندما شاهد ادوارد سعيد يتمشي علي البساط الاخضر ووصفه بعبارته الجميلة: «كان يسير علي المسطح الاخضر مثل ملك». أما البروفيسورة جوليان بيرGillian Beerرئيسة كلية الادب الانجليزي،فروت لي قصة حديثها علي الهاتف مع ادوارد سعيد وهي تدعوه الي الحضور لالقاء سلسلة المحاضرات المذكورة. كانت قد هاتفته بينما يتلقي احدي دورات العلاج في المستشفي، واستمر الحديث بينهما زهاء نصف ساعة قبل أن يؤكد لها سعيد حضوره وعندئذ،سقطت سماعة الهاتف من يدها من شدة الانفعال كما تقول.

فيما يلي نص رسالة من أوراق توني تانر الخاصة وهي رسالة كان ادوارد سعيد قد بعث بها إليه قبل ذهابه الي كينغز لالقاء محاضراته والتي زودني بها تانر مشكورا:

عزيزي توني
لا أستطيع أن اعبر لك عن مدي سروري بتسلمي رسالتك الاخيرة. اشكرك بالغالشكر علي الكتابة إلي والتفكير بي وانا أكتب إليك لأعرب عن بالغسروري حقا لانك ستكون قد عدت، كما آمل، من رحلتك الي استراليا ونيوزيلندا عندما اكون «أو اخطط لأن أكون» في كيمبردج.

كنت أتواصل مع جوليان بيرGillian Beerخلال الفترة الاخيرة بخصوص المواعيد وبما انني لن انتهي من التدريس حتي الاول من آب فقد اتفقنا علي وجوب حضوري عقب ذلك مباشرة أي منذ السادس من آب فصاعدا. ليس واضحا لدي بعد متي ينتهي الفصل الدراسي لديكم، أو بالأحري متي يكون منغير المناسب إلقاء المحاضرات. وسأكتب اليها حول ذلك قريبا،لكنني اخطط علي أي حال للمكوث في كيمبردج لاسبوعين أو ثلاثة خلال شهر آيار وهو أمر رائع بما انك ستكون هناك أيضا. انني لن اكون ـ كما يمكنك القول ـ بصحبة العائلة وهكذا وفي حال استطعت ان ترتب لي اقامة في كلية كينغز، فانني لن ارغب شيئا اكثر من ذلك، آمل ألا يتسبب لك ذلك بأي ازعاج أو بتجشم العناء.

مشكلة حياتي الرئيسية بالطبع، هي هذه المحنة التي تلازمني، لقد استطاعوا السيطرة علي المرض نفسه الي حد كبير، وهو ما يعني ثلاث دورات من العلاج الكيماوي في كل سنة،لكن كل ما يجري بين هذه الدورات ـ بالاضافة طبعا،الي الاعراض الجانبية المباشرة المصاحبة للعلاج الكيماوي ـ هو ما يجعل حياتي هذه الايام متسمة بهذا البؤس. ينبغي علي أن أذهب الي المستشفي كل أسبوعين، ويتم اعطائي علاجا للمناعة مرة في الشهر،كما يتحتم علي ان آخذ تلك الحقن الممضة التي يجب أن احقن بها نفسي أربع مرات في الاسبوع،أما الجزء الأسوأ فهو اننيغير قادر علي انتاج المناعة ـ وهو التعبير الطبي الملطف عن كون المرء هشا وقابلا للاختراق أمام أي حشرة عابرة أو جرثومة بغيضة. كنت دخلت المستشفي مرتين هذا العام. كانت إحداهما في أواخر آب عندما كتبت المسودة الاولي، حيث كنت اعاني من ذات الرئة وهناك كادوا يقتلوني بكل نوع متوافر من المضادات الحيوية التي يمكن أن تخطر ببالك في عصر الفضاء،والتي كانوا يعطونها لي 24 ساعة في اليوم، بغية النيل من العدوي المفترضة.

أما فيما عدا ذلك فان الحياة تظل رائعة بحق. مازلت أمارس ذلك القليل من الترحال لانني استمتع به فحسب. يبدو انني اتمتع بمنطق النعامة في اقصي حدوده، وهو ما اوصي به بقوة كوسيلة للتحايل علي هذه الفوضي الجسدية الهائلة التي تسكنني علي نحو لا مفر منه «الانكار» هي الكلمة التي يستخدمونها احيانا بخصوصي، لكنك ستتفاجأ بكم استطيع ان أكون نشاطا مع ذلك. سواء في تقمص منطق النعامة أو في كل شيء.

أجدني وانا اشرع بالتدريس ثانية في الفصل الثاني، هل ذكرت لك انني آمل بالقاء المحاضرات التي طلبت الي مطبعة جامعة كمبريدج القاءها عن الاوبرا.

ارجو أن تظل علي تواصل معي من آن لآخر واعلمني بأي حال عن موضوع كلية كينغز، ربما تستطيع أن تزودني يوما بانطباعك عن ج . بير التي لم التق بها بعد.

طلبت الي مريم أن ابعث اليك بتحياتها، وأنا ابعث اليك بتحياتي بالطبع، كما دائما من ادوارد.

ادوارد»

لدي قراءة هذه الرسالة يخطر للمرء أحيانا ان يتأمل احتمالات حياة ادوارد سعيد، لو لم يكن محكوما بقدر الرحيل وتجربة المنفي. لكن ذلك يظل تأملا عدميا لان سعيد كان هوذلك المهاجر المبعد الذي لم يعد يأسره مكان لانه خارج المكان والمفتون مع ذلك بالامكنة الجديدة والترحال. «مازلت امارس ذلك القليل من الترحال لانني استمتع به فحسب» ربما يكون صحيحا ان الحنين يظل دائما لأول منزل، أما عندما يصبح المنزل الاول موصدا دون صاحبه فان الاماكن كلها تصبح مجرد أماكن موضوعات للاستكشاف ومحطات للعبور. واذن فإن من المفهوم أن يصبح السفر قدر سعيد وهاجسه والذي اعتنقه ربما بسبب ذلك «الانكار» أو «منطق النعامة» ليتحايل علي الشعور بفقدان «المكان الخاص» ولم يقتصر هذا الاحساس علي المكان الفيزيائي ففي حقل النظرية نجد سعيد وهو يقول بسفر النظريات والأفكار، تماما مثل الناس من زمان الي زمان ومن مكان إلي مكان،ويكتب عن ذلك مطولا في مقالته الشهيرة النظرية المرتحلةوفي حقول المعرفة نراه وهو ينظر بل ويتنقل هو نفسه بين حدودها المصطنعة، وينتقد المسافة بين نخبة «العارفين» وبين العوام وباختصار كره سعيد فكرة الحدود لانها تقف دون الانتقال الحر للفكر والجسد علي السواء وهو ما جعل منه عقلا موسوعيا وكوني المنظور والرؤية.

اما المسألة الثانية اللافتة في رسالة سعيد فهي حبه للحياة وقدرته علي مقاومة المرض باستراتيجية مبتكرة لا بأس أحيانا في نظر سعيد بأن يدفن المرء رأسه في الرمل، وبأن يعمد الي «إنكار» الواقع لانغير ذلك ربما يقعده ويسلمه الي حس بالعدمية والاستسلام. هكذا استطاع سعيد أن يواصل عطاءه بكامل الطاقة في سني مرضه المزمن والميئوس من شفائه،فيكتب مسودات محاضراته وهو في المستشفي، ويواصل اتصالاته وتحضيراته لاسفاره ومحاضراته وهو لا يعرف ما يخبيء له الغد، ولا يريد أن يعرف، وهو المعروف بشغفه بالاستنطاق والاستشراف.

يقول الاعلامي الشهير ديفيد بارساميان في تقديمه لمقابلات كان قد أجراها مع ادوارد سعيد: «علي نحو ما وفي خضم انشغالاته وفي أوقات فراغه يستطيع رجل النهضة والتنوير هذا ان يجد الوقت ليعزف البيانو، ويكتب عن الموسيقي والأوبرا، وهو متأثر جدا بالشاعر أيمي سيزير، ويحب أن يقتبس من شعره:

لكنما عمل الانسان لماٌيبتديء بعد
وانما يتبقي عليه أن يقهر
كل القسوة الهاجعة في حنايا هواه
ما من سلالة تملك للجمال احتكارا
ولا للفكر ولا للقوة
وهناك مكان ومتسع للجميع
حيث ثمرة موعد مع الانتصار!

منذ أوائل التسعينيات بدأ ادوارد سعيد يصارع مرض سرطان الغدد الليمفاوية، وكان يمضي الوقت بين المشافي وخارجها إما علي وشك البدء في دورة من العلاج، أو بصدد الانتهاء منها، وتمكن خلال ذلك كله من الكتابة والقاء المحاضرات. إن خصومه يريدونه صامتا، ولكنه يقول في واحدة من المقابلات التي يضمها هذا الكتاب: «ذلك ما لن يحدث إلا اذا مت» 


عن (اخبار الأدب)