عفيفي مطر وسميوطيقا الجسد

صبحي موسى

 

تعددت الدراسات الأكاديمية التي تناولت عفيفي مطر بوصفه واحداً من الشعراء الذين قدموا مشروعاً جاداً يستحق الوقوف أمامه في تاريخنا الشعري الحديث، لكن هذه الدراسات شغلت كغيرها من الدراسات الأكاديمية بالمناهج التي تقوم على إثبات مدى صحتها أكثر مما شغلت بمشروع الشاعر ذاته، وما أنجزه من حالة ورؤية شعرية حملت فكرته عن هذا الفن لمدة أربعين عاماً وأكثر، ربما لأن هذه طبيعة الدراسات الأكاديمية منذ تحول النقد عن كونه قراءة جادة للعمل الأدبي إلى مبحث فلسفي. من ثم فقد أصبح الناقد إما منظراً معنياً بالوصول إلى نظرية إنسانية عامة، وإما كيميائياً يقوم بتطبيق تجاربه على ما توافر لديه من خامات، غير معني بنتائج هذه التجارب بقدر اعتنائه بتطبيق خطواته الإجرائية على النصوص، تضافر مع ذلك ما ارتآه عفيفي ذاته في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي عن نخبوية الشعر، وقد وجد جيل السبعينات في العالم العربي هذه الرؤية منقذاً لتواجده الشعري القائم على اللغة وطواسينها، ومن ثم فقد توافقت المناهج الإجرائية مع الناتج السيريالي اللغوي في نص السبعينات ليقدما هيمنة واسعة على الفكر النقدي والإبداعي لمدة عشرين عاماً، مما أحدث قطيعة بين الشعر ومتلقيه، فالشاعر ـ خاصة عفيفي مطر ـ أخذ على عاتقه ـ منذ وجدت رؤيته هذه قبولاً لدى الجيل التالي عليه ـ الإغراق في مستغرب اللغة ومعضلها، والناقد وجد في معمله ما يغنيه عن شرح وتحليل وتوصيل ما لا يعي، وهكذا وجد المتلقي نفسه مضطراً في تواصله للتوقف عند حدود شوقي وناجي وربما بنزر قليل صلاح عبد الصبور وحجازي وأمل دنقل، وبحكم الضغط الإعلامي محمود درويش وأدونيس، ولم يجد هذا القارئ متعته في الفهم الكامل إلا لدى نزار قباني وفاروق جويدة ومن سار على دربهما.

في واحدة من هذه الدراسات وهي "سميوطيقا الجسد في شعر محمد عفيفي مطر" التي صدرت ـ في كتاب يحمل نفس العنوان ـ عن الهيئة العمة لقصور الثقافة في القاهرة قدم الناقد شوكت نبيل المصري رؤيته لهذا الجسد العلاماتي على هيئة سيناريو، فرصد الجسد منذ كونه في علم الغيب أي نطفة لم تتكون حتى ما بعد الموت، أي العودة إلى دورة الفناء مرة أخرى، مروراً بكونه طفلاً متشكلاً بذاته، ثم طفلاً أو شاباً متعدياً غير لازم لهذه الذات ومن ثم تتوافر لديه القدرة على التدخل في بعض العالم، ثم معدلاً أو معيداًً لصياغة هذا العالم، وهي رؤية إبداعية استطاعت أن تخلق تصوراً موازياً للنص الشعري لدى عفيفي لكنها لم تقدم رؤية نقدية أو تحليلية يمكنها مقاربة النص لقارئ تستوقفه العديد من الحواجز التي وضعها الشاعر ـ بعلم أو بغير علم ـ حول مداخل نصه، ومن ثم فقد أسهمت القراءة التي قدمها الناقد في زيادة أسطرة ما هو أسطوري دون جعله متاحاً على أرض الواقع، فوجدناه يعطي الرؤية الشعرية لدى عفيفي مثالاً أو فرضية تصورية على هيئة جسد، ونسى أن هذا ميثال ليس أكثر فدخل في التعايش مع هذا المثل مستعيضاً من مصطلحات النحو العربي بعض مفرداتها كاللازم والمتعدي وغير ذلك ليعبر بها عن رؤيته لتنامي هذا الفرض على مدار نصه هو، بالطبع لم تكن الإشكالية لدى الناقد هنا غير نجاح فرضيته التي بدأ منها، وهي بالطبع ناجحة لأن العلوم الإنسانية ليس بها نتائج مادية يمكننا القبض عليها كما في العلوم الطبيعية، لكنها فرضيات نظرية يتوقف ثبوت صحتها على مدى توافر الشواهد عليها وقدرة صاحبها على السبك والإقناع، وهذا لا يتوافر إلا لباحث جاد كشوكت المصري الذي اجتهد في رصد كل العلامات الدالة على الجسد ومدى فعاليته في نص عفيفي على مدار ثلاثة فصول، حمل الفصل الأول منها عنوان "شعرية الجسد خطاب العلامة"، وهو فصل تنظيري عرض فيه خطاب الجسد من الطبيعة إلى الثقافة، والبعد الأنطولوجي لمفهوم الجسد الذي قال فيه "إن الجسد يمتد إلى العالم وعياً عبر لغة الحواس الخاصة، فالبصر لغة صورية، والسمع لغة صوتية، والشم لغة عضوية بالمعنى الكيميائي للمفردة، واللمس لغة شيئية، والتذوق لغة جمالية، ولعل القاسم المشترك في هذه اللغات الخمس هو تفعيلها لآلية التواصل المستمر بين الجسد ومفردات عالمه المتباينة، ولكن الأمر لا يقف عند حدود تحقيق الحواس لعلاقة (جسد ـ عالم) بل يتخطى ذلك لتحمل الحواس ـ بوصفها وعياً ـ وظيفة الانتقال بالجسد من حيز الطبيعة إلى حيز الثقافة، أو بمعنى أكثر دقة من الوجود الجزئي للجسد بوصفه موضوعاً من موضوعات العالم، إلى الوجود الكلي له بوصفه مفهوماً يستطيع اختزال العالم أو تحويله، بل يستطيع تحقيقه أو نفيه". كما عرض في نفس الفصل للبعد المعجمي لكلمة جسد وعلاقته بنسق العلامة، وقدم من خلاله بعدين لدلالة العلامة أولهما تجريدي نظري والآخر تطبيقي سعى لإثباته أو توضيح تجلياته في رؤيته/ الجسد التي اتخذها مدخلاً لقراءة أعمال عفيفي التي تزيد عن اثني عشر ديواناً، مضفراً هذا بعرض واف للمنهج السميوطيقي ومقولات أصحابه وتطوراته لديهم.

ويعد شوكت المصري أفضل من قدم دراسة وافية عن عالم عفيفي الشعري، فالذين قدموا دراسات مهمة مثل رمضان بسطاويسي، وشاكر عبد الحميد، وفريال جبوري غزول، جاءت دراساتهم عن عمل أو قصائد متفرقة دون التوقف أمام هذا المنجز الصعب، فعفيفي واحد من الشعراء الذين كتبوا ومازالوا يكتبون منذ نهاية الخمسينات حتى وقتنا الراهن، مر بعدد من المراحل الشعرية كالرومانسية الاشتراكية في بدء حياته، ثم الواقعية الفلسفية، ثم القومية العربية، ثم الذاتية الشعبية في ديوانه الأخير "احتفاليات المومياء المتوحشة"، ولم يكن البحث عن الحقيقة لديه نابعاً من أيديولوجيا مسبقة تسهل عمل القارئ في تلقيه وتصنيفه والخلاص منه، لكنه بحث وجودي بين عدد من الثقافات التي وجد نفسه في أتونها، بدءاً من تأثره في دواوينه الأولى بمحمود حسن إسماعيل الذي مثل لأبناء القرى من أمثاله النموذج الشعري والمعرفي الأعلى، لكنه ما لبث أن تطورت التجربة لديه ليدخل في أسئلة الثقافة الإغريقية وبحثها الفلسفي الدائم في "ملامح من الوجه الأمبيدوقليسي" وغيره.

ثم انتقل إلى البحث عن الخلاص في الثقافة الإسلامية والعربية، وجاءت أعلى تجليات هذه المرحلة في ديوانه "أنت واحدها وهي أعضاؤك انتثرت" الذي وضع في مقدمته إهداء أشبه بالمانيفيستو قال فيه "إلى محمد، سيد الأوجه الصاعدة، وراية الطلائع من كل جنس، منفرط على أكمامه كل دمع، ومفتوحة ممالكه للجائعين، وإيقاع نعليه كلام الحياة في جسد العالم"، وقد أغرت الجملة الأخيرة شوكت المصري بوضعها تصديراً لكتابه "سميوطيقا الجسد" لأنها تقدم الشفرة التي يمكنه من خلالها الدخول إلى عالم عفيفي المتسع، كما أن هذا الإهداء يتوج مرحلة مهمة في شعرية مطر الذي أفرد لها الجزء الثالث من أعماله الشعرية تحت عنوان "احتفالية المومياء المتوحشة" وهو عنوان ديوانه الأخير، وربما ليقينية المصري بأن محمد هو النبي الأعظم الذي قدم لعفيفي الخلاص في هذه المرحلة فقد وضع عبارة "صلى الله عليه وسلم" توكيداً لذاته بأنه وصل إلى شفرة الدخول والتحليل، لكن عفيفي المحب للغموض رفض ذلك الإفصاح، مؤكداً على أن الحروف الأربعة (م ح م د) التي تلعب فيها الميم رمز الدائرة علامة على كل من أسس تأسيساً خالداًً في الثقافة الإنسانية، وهو بالطبع ليس محمد عفيفي مطر الذي قد يتماهى داخل طيات مشروع واحد من هؤلاء المؤسسين العظام، ومن ثم فهي ليست حصراً على مرجع بعينه حتى ولو كان مصدر الثقافة التي نشأ عليها، ولعلنا نرى هنا أنه على قدر ما يسعى عفيفي إلى وضع تعددية في التأويل النصي لأطروحاته فإن النقد يسعى لتعيين التأويل ووقفه على صيغ يمكن التعارف عليها أو التعامل معها، ومن هنا نشأت أولى الحواجز في نص عفيفي، واضطر النقد إلى أن ينشغل بما هو خارج التجربة سعياً إلى متعين يمكنه القبض عليه، ولعل اللغة هي أهون هذه الحدود والحواجز، فرغم إغراقها في معجميتها خاصة فيما يمكننا أن نسميه بالمرحلة ذات التجلي القومي، ورؤية الخلاص الوجودي في التماس مع المعرفي الإسلامي ـ والتي فيها دواوينه "رباعية الفرح، أنت واحدها وهي أعضاؤك انتثرت، فاصلة إيقاعات النمل" ـ فإن الأبعاد الفلسفية والصوفية والثقافية تعد حواجز أكبر وأكثر تعقيداً من هذه اللغة وما تمثله من حاجز ظاهري.

وقد استطاع المصري رصد تجليات هذا الأتون الثقافي الذي نبع منه عفيفي وذلك في فصله الثالث من دراسته عن دلالية الجسد ومفرداته في شعر عفيفي، الذي حمل عنوان "الجسد الآخر" والذي يقول عنه "والآخر هو أحد مفردات العالم المحيط بالذات، ولذلك فهو يعد موضوعاً من موضوعاتها الوجودية التي تحاول الذات كشف خصائصه، والوقوف على بنياته والإلمام بمفرداته، بهدف توظيفها في علاقات إنتاجية تُختبر درجة فاعليتها، بقدر ما تسهم في توسيع بنية الإدراك التبادلي بين الذات وموضوعاتها المختلفة"، وقد ذهب الناقد في هذا الفصل المهم إلى أن الآخر هنا قسمان أولهما الشعبي المتمثل في المأثور الفعلي والشفاهي لدى الجماعة البشرية التي ينتمي لها الشاعر متمثلاً في حلقات الذكر والرقص والزار وغيرها من الأشكال الفولكلورية التي ما زالت الجماعة تعيد إنتاجها رغم انتفاء السبب الداعي إلى وجودها، أما القسم الثاني فقد أطلق عليه الباحث "الآخر الثقافي" وهو مفهوم عام ينطوي تحته القسم الأول، لكن فيما يبدو أن الناقد تراءى له أن الآخر الثقافي وهو معرفي غير ملموس يختلف عن المعرفي المعاش والملموس وإن لم يكن في طيات الاعتراف الكتابي به، ومن ثم فقد جزأهما معطياً الثاني تقليصاً يتناسب مع سعيه إلى رصد المتعين لا المتجرد، ومن ثم فقد استدعى الأمر إعادة تعريف خاص لمفهوم الثقافي لديه فقال "والثقافة التي نقصد إليها هنا هي: مجموعة التصورات والتوجهات والأيديولوجيات التي تدخل في تكوين بنية كلية لنص، والتي نستطيع بواسطتها كشف الخارج المتسع الذي يمنح الدوال المختلفة دلالتها القائمة داخل نصها، بوصف هذه الدوال رموزاً لها دورها الممتد الذي استطاع تجاوز محدودية زمنه وواقعه الفعلي، دخولاً في إنتاجية جديدة عبر تفعيله (سواء بالتطابق التام مع دلالته أو عبر إزاحة تلك الدلالة جزئياً ودونما المساس بمركزيتها). وهكذا أخذ الباحث في رصد هذا الحضور الثقافي الذي استخدمه عفيفي على هيئة حواريات متناثرة مع شخوص ثقافية كعمر بن الخطاب، وغيلان الدمشقي، والحلاج، والنفري، والسهروردي وامرئ القيس، وعلقمة الفحل وغيرهم، موضحاً ـ الباحث ـ أن هذا الحضور جاء على ثلاثة أشكال أولها الموازي للذات الشاعرة، وثانيها الحضور المقنع، وثالثها الحضور البديل عن هذه الذات.

ولعل هذا الفصل كما أسلفنا يعد درة الدراسة، إذ أنه أقربها إلى عالم مطر الذي تشتبك فيه الذات مع الآخر في حوارية طويلة، تكاد تتضح في النص على أنها احتشاد بالعالم الخارجي، في حين أننا لا نستطيع أن نفصل هذه الذات عما يجاورها أو يحاصرها، فكلاهما محاصِر محاصَر في نفس الآن، ولعل الرصد التواتري الذي اشتهر به النص المطري وما يصاحبه من موسيقى عالية الإيقاع يقدمان هذه الحالة التي تشتبك فيها الذات مع العالم على أكمل وجه.

ولعلنا نلحظ أن مطر المحتشد بالملكوت كله في نص أو مقطع واحد، يرتكز في احتشاده هذا على ما قالت به الكيمياء القديمة من أن الطبيعة تتكون من عناصر أربعة (الماء ـ الهواء ـ النار ـ التراب) ليعزف سيمفونية معقدة التركيب، ذهب النقاد إلى أن أساسها الجملة الدائرية لدى عفيفي، وأغفلوا ولعه بالصورة وتراكيبها وتناميها، مثلما أغفلوا المشهدية وما بها من سطوة على عناصر النص المسرحي الذي نكاد نراه قائماً أمام عيني الشاعر، هذا الذي يرصد ويمهد للشخوص ثم يدخل بهم إلى حلبة الذكر أو الرقص، ورغم أنه يبدو من ظاهره فعلاً شعبياً لم يقبض عليه نقدياً للآن غير أنه من داخله إيقاعات حروب القرون الوسطى، فالداخل إلى النص رويداً رويداً يتعالى به الإيقاع حتى يكاد يسقط من الإعياء، وهذا مستوى من لا يملك القدرة على الفصل بين الحالة والنص، لكن من يملك ذلك سيجد نفسه في جلبة تتصارع فيها دويلات وقبائل وشعوب، مثلما تتصارع فيها ذات مع عالم، ونص مع قارئ، وبنية مع شكل، وإيقاع مع لغة، ومفردة مع زمن، وشاعر يقول لقد أنجزت ما علي وقدمت لكم العالم كما أراه دون انحياز أو تأويل، وقارئ أصبح مسكوناً برائحة التراب والقرى وعصف الدويلات بعضها ببعض، فيشتم رائحة ابن سينا والبيروني اوبن رشد وإخوان الصفا وابن عربي، كما يشتم زخم العناصر ورقصة التحطيب، ونسوة القرى اللائي يغسلن أعضاءهن في ماء الترع، يرى الإشراقيين والمتكلمة، والخوارج، والصعاليك، العيارين، والمماليك، والخنوميين، والزنج يخرجون من عباءة شاعره التي ثقلت بالدم والرماد، ويلحظ مفردات أصر هذا العجوز العفي على استحضارها رغم غربتها، وكأنه يدعوها للنهوض من جديد بكل ما تملك من أبهة الزمن القديم.

وتعد أعلى تجليات الحالة الشعرية لدى عفيفي في ديوانه "احتفاليات المومياء المتوحشة" أو ما يطلق عليه هو قصائد السجن، والتي يعتبرها صرخة مليئة بالمباشرة ومن ثم ففنياتها أقل من سابقتها، وقد يكون كلام مطر حقيقي في مسألة الصرخة والمباشرة، لكنه يحتاج إلى كثير من المراجعة فيما يخص المسألة الفنية، فالمدهش الذي لم يلفت نظر الشاعر هو أن قصائد هذه المجموعة بعيدة عن الذهنية والهندسية المعرفية الفلسفية التي يسعى عفيفي إلى حشدها عن عمد في قصائده، حتى في أفضل وأعلى دواوينه فنياً "أنت واحدها" حسبما يذهب الكثيرون، فهذا الديوان الصرخة كما يسميه حمل من الصدق الفني ما يجعل القارئ يتواصل معه من اللحظة الأولى.

لقد أقامت المباشرة مع التساؤل الحقيقي المجرد من أية تربص معرفي أشبه بالأيديولوجيا جسراً من التواصل بين الشاعر والمتلقي، جعلت العديد من الحواجز تسقط أمام الطرفين (شاعر/ متلق)، فعفيفي تنازل عن سرياليته، وتنقلاته السريعة الحادة، ولغته المعجمية، وراح يقيم جسراً من السرد الإنساني لا الثقافي، ولجأ إلى لغة أكثر قرباً للمتداول، كما عاد عابراً مرحلة القومية العربية والتماس مع المنجز العربي، والحضارة الإسلامية في القرون الوسطى، إلى مرحلة "من دفتر الصمت، رسوم على قشرة الليل" حيث الشاعر المنتمي إلى طبقة وقرية وجماعة إنسانية بسيطة، عليه أن يحمل همومها مثلما كان يحملها شاعر القبيلة قديماً، وفي المقابل على هذه الجماعة أن توفر له الحماية والأمن والطمأنينة، لكن العودة في "احتفاليات المومياء" لم تكن كما كانت في صدر الشباب، فالشاعر الذي أصبح على مشارف الستين، اغترب في العراق والسودان، وذاق مرارة الاعتقال، لم يعد ذلك الشاب الذي يسعى لتعليم الصبية في مدينة كفر الشيخ كيف يحبون أوطانهم، ومن ثم فالشاعر الذي قال: «أدرك دمي بالبن بعد الماء يا عبد العليم» هو نفسه الذي قال: في نفس القصيدة «لم يترك الأهلون من نبل العصا في لعبة التحطيب ميراثاً لأوغاد الزمان النذل»، فالأهل رغم مهارتهم في لعبة العصا لا نستطيع أن ننحى عنهم صفة «الأوغاد»، بقدر ما يمكننا أن ننحي صفة «النذل»، عن زمانهم ونلصقها أو نقصرها فقط على زمن من أتوا من بعدهم ولم يرثوا نبل استعمال العصا، وإن ورثوا استعمالها بالتحطيب أو غيره. فالشاعر هنا لا يقف موقف المدافع عن الأهل طيلة الوقت ولكنه الباحث عن جذور المشكلة ومعاتبة إن لم يكن محاسبة المسئول عنها، وهو في هذه الحالة الأهل لأنهم لم يتركوا، ولو فعلوا ربما ما كان سيساء استخدام العصا في زمن وصفه بالنذالة لأنه زج به إلى المعتقل ليشهد ما لم يكن يتوقع أو ينتظر أو يعد نفسه له أبداً.

ولعل هذا ما كشفته لنا دراسة شوكت المصري، فهي من ناحية دراسة جادة لناقد يرغب في التعامل في تخصصه بجدية تامة، ومن ناحية أخرى هي دراسة تستعرض الحالة الشعرية لدى مطر على مدى أكثر من أربعين عاماً، ومن ثم فقد عرض الناقد نماذج لشتى مراحل الشاعر، وتوقف أمامها بالتفكير والتأمل والقراءة عن قرب، بمعنى أن الناقد دخل معبد عفيفي أكثر من ثلاث سنوات لا يقرأ ولا يشرب سواه، ورغم ذلك لم يستطع التواصل إلا مع ما أراد عفيفي التواصل معه حتى تصل صرخته لأكبر عدد ممكن.