قمر فضي حزين

علي منصور

رأيتُ الديمقراطيةَ َفي المنام ِ، بيضاءَ البشرةِ ، وشعرُها حرٌّ على كتفيها العاريتين ، كان ظهرُها لي ، مع هذا كنتُ أسمعُها بوضوح - في لكنتِها الإنجليزيةِ- وانتظرتُ حتى تستديرَ إلا أنها لم تفعلْ ، ولا أنا فكرتُ في الذهابِ إلى الجهةِ التي كانت تطِلُّ عليها حيث ُالملايين من المراهقين مسحورونَ بصوتِها ، لم تكن تغنـّي ولا ترقص ، فقط تتكلمُ ، وابتسامتـُها ساحرة ٌللغاية- هكذا خمّنتُ- ذلك أن أطفالا كثيرين راحوا يقتربون منها ويمسكون بطرفِ ثوبـِها الأبيضِ فتعبثُ في شعرهم بأصابعها النحيلة ، حسدتُ الأطفالَ وبلعتُ ريقي فاستيقظتُ ، ولم يكن ِالفيلمُ الأجنبيُّ قد انتهى بعدُ ، إلا أن البطلة - بشعرها الحرِّ- ذكرتني بالحلم من جديد ، وقد كانت ابتسامتها ساحرة هي َالأخرى، وكتفاها عاريتين أيضا ، لكنها لما انطلقت وصديقـها في نزهةٍ لم تعبثْ في شعر طفلتِها بأصابعِها النحيلةِ ، الأمرُ الذي نبَّهَني إلى أنَّ البطلة- التي نسِيَت أن تغلقَ النافذة- ليست هيَ الديمقراطية ، ولمّا كانتِ السماءُ صافية َالزرقةِ- من فتحةِ النافذةِ- راحتِ الطفلة ُ تتأمَّلـُها بنهم ٍ حتى طارت إليها، في الطريق إلى السماءِ تحوَّلتِ الطفلة ُإلى فراشةٍ بيضاءَ ، ولمّا وصلتْ إليها كانت قمرًا ، قمرًا فضيـًّا حزينـًا ، يطلُّ على العشبِ والجبال والضحايا المسلمين !!
 

 

البكاءُ على كتفِ الشعرْ   

أخذني الشعرُ من يدي وقال أتستطيعَ معيَ صبرًا ، قلتُ نعم ، وكان اليومُ يومَ جمعة ، ولم يكنْ باقيا على النداء للصلاة سوى ثلاثة أرباع الساعة ، قالَ سنصلي في مسجدٍ بالكوفة ، توضأنا وأخذنا زينتنا، وقبل أن يُرفع الآذانُ بدقائق معدوداتٍ كنا نتخطى عتبة المسجد مسرّين في أنفسنا : ربنا افتحْ لنا أبوابَ رحمتك ، ثم شرعنا نؤدي ركعتين (تحية المسجد) ، وبينما نحنُ ركوعٌ غشينا صوت المؤذن فتنزلت علينا السكينة ولم يعد في القلب من أمور الدنيا إلا اللمم ، حتى إذا قال المؤذن(حيّ على الفلاح) سمعنا دويا خِلتهُ قيامَ السّاعة، كانت الأشلاءُ تتطايرُ وصرخاتُ الهلع تدوي في باحة المسجد حين سقطتُ مغشيا عليّ ، وحين أفقتُ في المشفى سمعتُ الناسَ يقولون من يُردْ المشاركة في تشييع الضحايا فليتبعنا ، فتبعتهم إلى القبور ، هناك رأيت الشعر يُهيلُ الترابَ على الموتى ، ويسكبُ الماء بينما يتمتمُ : كلا ليس بمؤمن ، كلا ليسَ بمؤمن ، ولما رآني أخذني لجنبه صامتا ، قلتُ : سمعتك تتمتمُ ، قال : كنتُ أردّ على الموتى ، كلما سألني أحدُهم : أمؤمنٌ فعل بنا ذلك ؟ فأجيبُ : كلا ليس بمؤمن ، فألقيتُ برأسي على كتفه ورحتُ أبكي!!