الشعر والنكبة في حياة الشاعر يوسف الخطيب

تستحيل العودة إلا بتلازم الخطين المتوازيين «حق العودة» و«واجب الاستعادة»

وحيد تاجا

يعتبر الشاعر المبدع يوسف الخطيب أحد كبار الشعراء الفلسطينيين الذين أثْروا الشعر العربي بأعمالهم. من مواليد فلسطين عام 1930. عمل مدة طويلة في عدد من الإذاعات العربية، ثم عين مديراً لهيئة الإذاعة والتلفزيون في سوريا. أنشأ مؤسسة دار فلسطين للثقافة.. انتخب عضواً في المجلس التشريعي الفلسطيني منذ عام 1968، صدر له عدد من المجموعات الشعرية ومجلد ديوان الوطن المحتل، فضلاً عن مجموعة قصصية. التقيناه في دمشق وحاورناه حول بداياته وحول تجربته الشعرية وتطرق الحديث إلى أثر النكبة ومعايشتها في شعره وإلى ديوان «عائدون» الذي أصدره عام 1959

«العودة»: كيف تشكلت مخيلة الشاعر ونظمه لدى يوسف الخطيب؟ ومتى كانت ولادة أول قصيدة؟

** أتذكر الآن جيداً، أنني كنت في سنوات الطفولة الأولى أقول لنفسي أو أُنشد، أو حتى أغني، كلاماً كالشعر، وليس بالشعر من أي سبيل، وإنما الذي دفعني إلى ذلك هو إدراكي أن هذا النوع من الكلام المنغم الجميل أشد حلاوةً وطلاوةً من أي كلام عادي يقوله عموم الناس ويرسلونه هكذا عفو الخاطر وبدون اكتراث..

ولعل أول اهتمامٍ لي بهذا النوع من «الكلام المختلف».. الشعر.. قد ابتدأ في حضن جدتي المعمرة «غزلان» إذ هي على مشارف المئة من العمر، وها هي ذي تضم كتلتي الصغيرة إلى جسدها الناحل العجوز، وتشرع في إنشاد العديد من قصائد أخيها الشاعر الشعبي ربما الأشهر والأكبر في زمانها، محمد كاشور. يلي ذلك اختلافي بين الحين والآخر على ديوانية الرجال الكبار، مع غير قليل من أترابي الصغار، لنستمع بمتعة لا تدانيها متعة إلى شاعر الربابة الوافد علينا في جبل الخليل من بادية النقب، وهو يسرد علينا حلقة جديدة، شيقة ومثيرة، من «مسلسل» عنترة العبسي، أو أبي زيد الهلالي، بتوأمة فريدة من نوعها ما بين السرد النثري، والإنشاد الشعري، بكل ما من شأنه تجنيح خيالاتنا الطفولية في أجواء أسطورية ملهمة..

على أن العامل الآخر الذي كان أشد حسماً، وأعمق تأثيراً، في انجذابي إلى مثل هذا «الكلام المختلف»، على أمل أن أقول شيئاً مثله في مقبل الأيام، كان ذلك الجهاز الإفرنجي الذي اعتقدت جدتي أنه مسكون في داخله بالعفاريت، بينما يسميه من هم أصغر سناً «صندوق العَجَب»، وهو في حقيقة الأمر «الفونوغراف»، وكان يتم تشغيله بطريقة الشحن اليدوي. فها أنت ذا باستطاعتك أن تستمع إلى مطرب الملوك وملك المطربين محمد عبد الوهاب، وإلى كوكب الشرق الدُّرِّي أم كلثوم وغيرهما، وهم يصدحون في بعضٍ من اسطواناتهم بتلك المختارات المتميزة من عيون الشعر حتى مطلع الفجر.. فيا له من كلام يتجاوز حد وصفه بالروعة والمتعة والسريان في عروقك كنوع من مزيج الخمر بالسحر!.. ومع أن وعيك الطفولي حتى في أفضل حالاته لا يستطيع أن يحيط إلا بأقل القليل من تفاصيل هذا الكلام وأسراره ومراميه، إلا أنه في كل الأحوال يُقلع بك إلى عالمٍ آخر غير عالمك الذي أنت فيه..

وأما عن أول قصيدة كتبتها، فإن كونك في نهاية الصف السادس الابتدائي لا بد أن يعني قطعاً أنك في حدود الثانية عشرة من العمر.. ولكنتَ شديد الحسرة حقاً حين تُطِلُّ ذات صباح حزين من شباك غرفتك في شارع «باب الزاوية» بالخليل، فلا ترى ابنة جيرانكم «جميلة» التي كنت تراها يومياً في شرفة منزلها المقابل، بُرعماً متفتحاً من الجمال الملائكي الأخاذ في قرابة عمرك، بل وتعلم أيضاً أنك لن تراها مرة أخرى أبد الدهر، لأن عمل والدها انتقل بها وبكامل أسرتها إلى مدينة اللد.. فإن عينك عند ذاك ستنقف قطرة دمع لاذعة كالحنظل، وستقول ثلاثة أبيات من الشعر لا تكاد تُصدِّق، حتى يوم الناس هذا، أنك أنت الذي قلتها في سن التلمذة الابتدائية تلك..
ذهبت جميلة فالفؤاد كليمُ وتَرَحَّلتْ عني، فَبِتُّ أَهيمُ
واللهِ، والبيتِ الحرامِ، ومَنْ في بطنِ يثربَ بالحجاز نَؤُومُ
ما كان يومٌ مثلَ يوم فراقها شؤماً، لعمريَ، والفراق مَشُومُ

«العودة»: تمر الآن الذكرى الستون للنكبة. وسؤالي كيف عايشت صدمة النكبة؟ وكيف انعكست على شعرك؟

** دعنا نتفق أولاً على أنني لم أعايش صدمة النكبة كمؤثر خارجيٍ منفصل عن الذات، بل عشتها بكل جوارحي، من داخل النفس وحتى أعماق القلب، وما زلت أتجرع كأسها المرّة حتى يومنا على مشارف الثمانين من العمر، وإنما بذلك القدر من الصبر «الأيوبي» المعاند الذي لم يعد يملأ سنواتي العديدة هذه إلا مزيداً من الصمود والإصرار..

ثم دعنا نتفق، ثانياً، حول أية «نكبة» نتحدث؟! فإذا كانت نكبة عام 1948 هي المقصودة في السؤال، فلا شك أن هذه -عندي على الأقل- هي الحلقة الأصغر ضمن سلسلة بأكملها من النكبات المتفاقمة، أو المتوالية هندسياً، التي أعقبتها على امتداد العقود الستة اللاحقة عليها.

خذ مثلاً ما حدث في صبيحة الخامس من حزيران من عام 1967. فعلى الرغم من أنه يمثل أكبر هزيمة «عسكرية» كارثية مرت بمجمل تاريخنا العربي المديد، فإن أشهر فقهاء السلطان العربي في زماننا، من حيث أراد أن يخفف من وقعها الجهنمي على معنويات الملايين، ابتدع لها تسمية «النكسة» عوضاً عن «الكارثة العظمى»، وربما لو أسعفته قريحته السلطانية بما هو ألطف من ذلك لكان قد وصفها بـ«النُكَيسة» بصيغة التصغير .. أو حتى بـ«النكيكوسة» بتصغير التصغير! زد على ذلك ما شئت من الكوارث والنكبات الفاجعة التي تتعدى كثيراً مسألة احتلال هذا الجزء أو ذاك من جغرافية الوطن إلى مستوى احتلال النفس العربية من داخلها بالكثير من الإحباطات والانكسارات، وتجريد إنساننا العربي المعاصر، ليس من سلاحه المادي الآن، بل ومن ثوابته الوطنية وأقدس مقدساته المعنوية، وكرامته الإنسانية.. فعلى السطح فقط يمكن أن يتجسد «مفهوم النكبة» للكثيرين بمقدار ما قد ابتلعته هذه الدويلة اليهودية من أرض الوطن، بينما يبدو لي شخصياً، وفي العمق الأخلاقي لهذا المفهوم، أن انتظار طفل فلسطيني مريض قرابة سنة على «معبر رفح» من دون أن تأذن له «قاهرة المعز لدين الله!» بالوصول إلى أقرب مستشفى بالعريش مثلاً، لئلا تنزعج تل أبيب من جراء ذلك، إنما يمثل في حد ذاته «نكبة أخلاقية» كاملة، وقائمة بذاتها، وليس من العدل أو الشرف أن نضعها في منزلة أقل مما حدث في نكبة عام 1948! وأما عن الكيفية التي انعكست بها جملة هذه الصدمات على قصائدي، فلا شك أن قصائدي ذاتها هي المنوط بها وحدها أن تجيبك على مثل هذا السؤال..

«العودة»: كتبت الكثير عن العودة إلى فلسطين.. وأشرت في حديث سابق إلى أن العودة اليوم أقرب ما تكون إلى التحقق. كيف توضح ذلك؟

** أظن أن سؤال «العودة» هذا لا يمكن احتواء الإجابة عنه ضمن مقابلة صحفية عامة، ومتعددة الجوانب كهذه التي تجريها معي الآن، لأنه، وبمفرده أيضاً، يصح أن يكون محوراً لأكثر من ندوة أو ملتقى فكري خاص، ومع ذلك فإنني سأحاول الولوج فيه ولو بالحد الأدنى من الإشباع لبعض جوانبه الهامة، لأنه لن يكون هناك متسع للتعمق فيه أكثر مما يسمح به السياق..

فأولاً، لست أنا الوحيد الذي كتب الكثير عن «العودة» في وقت مبكر، لأن شعبنا الفلسطيني بأسره هو الذي اعتمد هذا الشعار، بمرتبة الإيمان المطلق به، منذ لحظات اللجوء الأولى في سنة 1948، لأنك لو سألت أي لاجئ فلسطيني في تلك السنة: «ولماذا تحمل مفتاح بيتك معك؟»، لأجابك على الفور وبمنتهى البداهة: «لأننا عائدون!». ولست أبالي كثيراً، على المستوى الشخصي، إن كنت أنا، أو كان غيري، أول من شق صمت الفجيعة -إعلامياً وثقافياً وشعراً ونثراً- بصرخة «عائدون» هذه منذ مطلع عقد الخمسينيات من القرن الماضي، ولكن ما أتذكره جيداً هو أن أكثر من شاعرٍ واحد من أتراب ذلك الزمان، كهارون هاشم رشيد، وخليل زقطان، وخالد نصرة، قد ارتفعت أصواتهم بهذا الشعار الوطني بشبه إجماع عفوي، عندما كنت في الوقت نفسه أتناوب العمل ما بين الإذاعة السورية في دمشق، وإذاعتنا الفلسطينية على العهد الأردني في رام الله، وكان برنامجي الإذاعي الأسبوعي المتميز الذي أتنقل به من هنا إلى هناك هو «عائدون» بشارته الموسيقية الشهيرة من افتتاحية «الشاعر والفلاح» للموسيقار النمساوي «سوبيه».. ثم لم ألبث في خاتمة ذلك العقد – أي في سنة 1959- أن أصدرت ديواني الشعري الثاني عن «دار الآداب» في بيروت حاملاً أيضاً عنوان «عائدون».

على أنني، ومنذ ذلك الزمن السحيق نسبياً، لم أضع نقطةً في آخر السطر بعد أن رفعت مع غيري شعار «عائدون»، لأن قضية العودة في إيماني الراسخ العميق ليست مجرد جمالية شعرية عذبة يتغنّاها الشعراء في لحظات تحليقاتهم في سماوات الخيال البعيدة، بل هي أقرب إلى الفكر ألف مرة أكثر من الشعر.. ومعنى أن «نعود» يوماً إلى فلسطين، هو أن تعود فلسطين إلينا بادئ ذي بدء، لأننا هنا تحديداً، وأكثر من أية معضلة سياسية أخرى، لا نستطيع أن نضع العَرَبة أمام الحصان!!.. بمعنى أننا لن نستطيع أن نعود إلى وطن ليس هو عائداً إلينا من أيدي مغتصبيه؟!

صحيح جداً أن القرار الدولي (194) يحتفظ لنا بكامل الحق في العودة إلى ديارنا وأملاكنا في فلسطين، ولكن التناقض التاريخي الساخر على أَشُدِّه يكمن في أن هذا القرار هو التوأم الثاني اللاحق للقرار ذي الرقم (181) الذي يقيم «دولة إسرائيل» من حيث المبدأ، ويضع في استطاعتها -بمعونة استعمارية جهنمية- إمكانية ابتلاع كامل التراب الفلسطيني على وجبتين.. وعلى حين اتخذ قرار التقسيم هذا موقعه من التنفيذ الفعلي والفوري في سنة النكبة، فإن قرار الاعتراف بحقنا في العودة سرعان ما اتخذ موقعه الآخر ما بين غبار الرفوف البعيدة من أرشيف الأمم المتحدة منذ ستين سنة، ولا شك أن أكثر من ستين سنة أخرى ستنقضي عليه في مثل مرقده الأبدي ذاك، ما لم نقم نحن الفلسطينيين، بالدرجة الأولى، باستخراج جثته الهامدة من تابوتها الحقوقي الدولي، النظري، وإنعاشه وتفعيله وتسليحه أيضاً، إن لم يكن بالطائرات وجنازير الدبابات، فبإرادة شعبنا الفلسطيني الذي لم يُسعفني كل ما قرأته في تاريخنا البشري بمن يماثله بين شعوب الكون في طاقته الأسطورية على الصبر والصمود وامتصاص الصدمة في إثر الصدمة، والكارثة من بعد الكارثة..

ما من أغلبية شعبية ساحقة ومقاربة لسقف «الإجماع» كأغلبية شعبنا الفلسطيني المتمسكة «بحق العودة» حتى بالنواجذ والأسنان.. غير أن مجرد التمسك بهذا «الحق» لم يعد كافياً في حد ذاته، لأن كل «حق» عرفه الإنسان لا بد من أن يكون هنالك «واجبٌ» يقابله، ويلتحم به، كوجهين لقطعة نقد واحدة.. وواجبنا الآن كي نعود مواطنين أسياداً أحراراً إلى «فلسطيننا» نحن، لا مجرد خدمٍ وعبيدٍ وعمالٍ إلى «إسرائيلهم هم»، هو أن نستعيد فلسطين ذاتها إلى وضعها الوطني والقومي الذي كانت قبل كل هذه الصبغة اليهودية الصهيونية الطارئة، وإلا فإن مجرد العودة كمواطنين من الدرجة الثالثة، أو ربما العاشرة أيضاً، ليست إلا كمن يحرث البحر أو يقبض الريح.. ومعنى كل ذلك، أولاً وأخيراً، هو أن «حقنا» في العودة إلى فلسطين إنما يفضي مباشرة على «واجب» استعادتنا لها إلى وضعها الصحيح.. أي إن القاطرة الفلسطينية يستحيل عليها أن تتقدم خطوة واحدة إلا على هذين الخطين المتوازيين، المتلازمين معاً.. «حق العودة» و«واجب الاستعادة»!

ولئن بدا ذلك طبقاً لمعطيات الأمر الواقع صعباً أو حتى خيالاً يقع في مرتبة المستحيل، فَمَردُّ ذلك مع الأسف العميق ليس إلى مجرد خذلان الرسمية العربية بوجه عام لكفاحنا الفلسطيني الدامي لقرابة قرنٍ بطوله من الزمان، بل وعلاوةً على ذلك إلى كون غير قليل من كياناتنا السياسية المرسومة بمساطر الأعداء، والمحددة بأقلامهم الحمراء، قد تمَّ إنشاؤها هكذا من أجل أن تظل مقترنة بالكيان الصهيوني المصطنع، اقتران وجود وعدم.. ومن هنا تحديداً يتجلى حجم المعجزة التاريخية العظمى التي لا أشك لحظة واحدة في أن العناية الإلهية قد انتدبت شعبنا الفلسطيني لأجل تحقيقها، وحيداً، وحيداً، حتى تمام تحرير الوطن الأكبر، والأمة كلها، من خلال تحرير فلسطين.

وأما عن الشق الثاني من سؤالك المتعلق بقناعتي الخاصة باقتراب يوم العودة الظافرة الكريمة، الآن، أكثر من أي وقت مضى، فمردُّ ذلك إلى أنني عشت أحداث سنة النكبة يوماً بيوم، وربما ساعة بساعة، ووقفت عن كثب لا على جرائم اليهود الصهيونيين وحسب، بل على هزائمهم أيضاً وانهيارهم المعنوي المريع عند أول خلل أو ارتباك في أداء مشروعهم الصهيوني.. ففي سنة 1948 كان القلق المصيري اليهودي في فلسطين يطرح نفسه بالصيغة التالية: هل ستقوم دولة «إسرائيل» أم أنها لن تقوم؟ وها نحن الآن، حتى بعد ستين سنة بتمامها من تحقق تلك الجريمة العظمى في مجمل تاريخنا البشري، وبرغم جميع حروب «إسرائيل» وانتصاراتها العسكرية المكذوبة أو حتى التمثيلية أحياناً، نرى أن ذلك السؤال المصيري الحاسم قد عاد يطرح نفسه، وإن بصيغة مختلفة قليلاً، وإنما بارتباك وقلق أشد، وهو: هل ستدوم هذه الدولة، أم أنها لن تدوم؟! وههنا تحديداً يكمن مقتل «إسرائيل» المحتوم في عدم ثقة أصحابها بإمكانية ديمومتها، بل وفي إدراكهم العميق الذي أعلنوه على الدنيا بأسرها أكثر من مرة، بأن نهاية دولتهم ستكون مقترنةً بأول هزيمة عسكرية حقيقية تحل بها.. فدولة هذا شأنها طوال ستين سنة، قد أصبح الآن من المحتم زوالها، قد لا أقول غداً أو بعد غد، وإنما بقدر ما نساعدها، نحن أبناء فلسطين بالدرجة الأولى على ضمورها وذبولها واندثارها في أديم فلسطين، ككل من سبقها من فلول الفاتحين السابقين..

«العودة»: تكتب الشعر الحديث، كما تكتب الشعر التقليدي فأين تجد نفسك؟ كما تلجأ لاستخدام أساليب عديدة في القصيدة من الأسلوب السردي أو القصصي أحياناً، إلى أسلوب الحوار أحياناً أخرى، أو أسلوب الاستذكار (الفلاش باك). والسؤال ما الذي يحدد شكل القصيدة عندك، ولماذا تؤكد كثيراً على أسلوب الاستذكار؟؟

** هذا سؤال ذكيٌّ، وهامٌ، في نفس الوقت.. ذكيٌّ لأنه ينم عن ملاحظة نقدية دقيقة لوفرة التنويعات البنيوية والفنية التي اعتمدتها في مجمل عمارتي الشعرية، وإنما بروحٍ عامةٍ واحدة في مشهدها الإجمالي الفسيح.. وهو سؤال هامٌ أيضاً لأنه سيتيح لي فرصة التطرق إلى عيب الرتابة والإملال الذي يطبع الشطر الأوفر من نتاجنا الشعري المعاصر، فإنه لمن الرائع حقاً أن يسعى الشاعر العربي لأن تكون له «لغته الشعرية» الخاصة به، نسبياً، لدرجة أن القارئ اللماح سيدرك على الفور، ومن لغة القصيدة ذاتها، ومن بين مئة من الشعراء الآخرين، أنها لشاعرنا الراحل الكبير عبد الوهاب البياتي على سبيل المثال، أو لعزيزي أدونيس، أو غيرهما.. فهذا في الحقيقة إنجاز إبداعي رائع، ولكنه مع ذلك لا يمثل إلا نصف الحقيقة فقط، لأنك لو وضعت هذه القصيدة نفسها بين مئة قصيدة أخرى للشاعر نفسه، فإنها ستفقد خصوصيتها كعملٍ شعري قائم بذاته، وستبدو لك مجرد امتداد أفقيٍ مستوٍ لقصيدة مستمرة واحدة، من الغلاف إلى الغلاف.. فهذه في اعتقادي هي «الخصوصية العرجاء» التي تقيم وزناً كبيراً لاستقلال اللغة، ولكن على حساب استقلال العمل الشعري نفسه كقطعة فنية قائمة بذاتها.. وهذا أيضاً هو العيب الفني الصارخ الذي حاولت أن أتجنب الوقوع فيه على الدوام.. إذ لا أذكر مرةً واحدة عزمت فيها أن أضع قصيدة جديدة، إلا وسألت نفسي عن الحلّة «الجديدة» التي سأبرزها فيها، عن الشيء المختلف أو الخاص أو شبه المستقل الذي سيبرر لي مبدأ الظهور بها أمام هيئة الآخرين المتلقِّين..

لذلك، أيها الأخ العزيز، تجدني في إطار هذه «اللوحة الشعرية» التي تخصني، أعتمد جميع التلاوين والأساليب والاستطاعات العروضية المذهلة التي اكتشفتها، (بالاستهداء بخارطة الطريق التي رسمها لنا شيخنا الفراهيدي)، بسبيل أن أضع أخيراً، ليس القصيدة الدَّالةَ على قائلها وحسب، بل والمُدِلَّة بذاتها في نفس الوقت.

مجلة العودة، دمشق