»أوراق العائلة» سرد الريف الشجي ورؤى الماضي المراوغة

صبري حافظ

تنتمي هذه الرواية الجديدة البديعة (أوراق العائلة) لكاتبنا الكبير محمد البساطي إلى ما يمكن تسميته بشعر الرواية الشجي المراوغ العميق. فقد أخذت روايات محمد البساطي الأخيرة منذ (صخب البحيرة) و(أصوات الليل) و(ويأتي القطار) و(ليال أخرى) و(فردوس) تنحو منحىً شعريا فريدا في السرد الروائي يكتب سطح الأحداث بمهارة الكاتب الغول أرنست همنجواي ــــ كما يدعوه علاء الديب ــــ وشعريته الفريدة المتألقة. وهي مهارة تنطوي على قدرة فائقة على كشف ما يدور في الأعماق دون أي استقصاءات أو تخمينات حولها؛ وإنما من خلال رصد ما يبدو على السطح من علامات دقيقة دالة. وهو ما دعاه همنجواي بتقنية جبل الجليد العائم الذي لا يظهر منه غير الثمن، بينما تختفي سبعة أثمانه تحت الماء، وعلى البحار الماهر أن يعرف من خلال الثمن الظاهر كل تضاريس الجرم الهائل المختفي تحت الماء كي لا تصطدم به سفينته فتتحطم. ولذلك فإن الكاتب الحاذق، كالبحار الماهر، يقدم لقارئة قراءة دقيقة للثمن الظاهر من الأحداث وتصرفات الشخصيات بطريقة تمكنهم من التعرف على الجرم المختفي الذي لاتفصح عنه الحياة أبدا. خاصة في عالم القرية المصرية الذي يتسم بقدر كبير من التكتم، والعي في الإفصاح. وهو عي بالنسبة لمن لايعرف مفاتيح شفرة هذا العالم الريفي الخاص في التعبير عن نفسه ومشاعره وصبواته، ولايدرك أجرومية طريقته المراوغة في الإفصاح بالمواربة دون التصريح. وفي التعبير العابر عن أكثر الأشياء أهمية دون التريث عن تفاصيلها أو التلكؤ عند منعرجاتها الحرجة والدالة، ولكن دون الإغضاء عن أي من العلامات الدالة والكاشفة في الوقت نفسه. ومن هنا فإن التعبير السردي في مثل هذا القص يسير على وتر مشدود دائما بين الإيحاء والإيماء والتلميح والاكتفاء بنصف الحقيقة وترك بقيتها مفتوحة للاحتمالات والتخمينات.

ولذلك فإن قدرا كبيرا من نجاح السرد في إرهاف شعريته الموحية تلك يعود إلى التوفيق في اختيار منظوره وراويه. ويعتمد علىه الحفاظ على شجن السرد دون الوقوع أبدا في أسر ما كان يدعوه أستاذنا الراحل الكبير يحيى حقي بالنهنهات الانفعالية الزاعقة التي تفسد الشجن الرقراق وتذهب بسحره. فالقارئ ينتهي من روايات محمد البساطي الأخيرة تلك مترعا بالشجن الرقيق، حزينا على مصائر أغلب شخصياته التي يوليها الكاتب جميعا قدرا كبيرا من عنايته، ويمنحها مقدارا أكبر من حبه وفهمه وتعاطفه. والواقع أن توفيق الكاتب في اختيار منظور السرد في هذه الرواية يبلغ ذروة من التألق غير مسبوقة، لأن السرد المراوغ يبدأ من منظور الصبي الصغير وينتهي به وقد تدرج مع السرد في معراج النضج وكأن السرد نفسه أداة اكتشاف السارد لهويته واكتشافه لأسرار عائلته، والتدرج مع هذا الاكتشاف في مدارج التكوين الذاتي ومعرفة نفسه والعالم من حوله. فبطل هذه الرواية غير المنظور، وأحد أهم شخصياتها المختفية وراء السرد، هو ساردها «ياسر» الذي نبدأ به صبيا صغيرا لايطول ترباس الباب كي يفتحه «رفعت أخي ليفتح ترباس باب الوسط، ثم دفعناه ببطء لنكتم صريره»(ص13) وننتهي به وقد حل محل أبيه «في مقعدي خلف المكتب، أعود لأوراق العائلة في الظرف المهترئ. لم تعد تضيف شيئا لا أعرفه»(ص133) فقد كشفت له عملية السرد الدؤوبة التي تمتد طوال صفحات الرواية عن كل شيء، لأنها هي ذاتها عملية معرفة وإلمام بتفاصيل العالم، وبمسارب الدخول في بلباله المراوغ العصيب. هذا السارد الذي يؤثرنا بكل تفاصيل ما دار، ولا يحدثنا عن نفسه أبدا، هو أحد شخصيات هذه الرواية المهمة التي تتطور بشكل مراوغ أمام أعيننا، وبمنطق هذا السرد المراوغ نفسه وهي مراوغة ليس بها أدنى درجة من الالتباس، دون أن تتحدث أبدا عن نفسها. تكتسب قدرا كبيرا من الصلابة والمصداقية، وتتوغل بنا في أسرار العائلة وتفتح لنا أوراقها. ويالها من أوراق زاخرة بالأسرار.

وتكشف الرواية عن هذه الأسرار من خلال اعتمادها على بنية روائية شيقة ذات خطين متفاعلين ومتعارضين ومتكاملين معا: أولهما هو خط الزمن الطبيعي الذي يبدأ بياسر الصبي الصغير الذي لايطول الترباس، ثم يستمر به حتى يبلغ النضج ويحل محل أبيه ـــــ ولو بصورة رمزية تكتسب أهميتها بموت الأب المبكر ـــــ من خلال الجلوس خلف مكتبه القديم الذي كتب عليه أشعاره الخاصة في حب أمه. وثانيهما هو خط السرد المستعاد الذي يبدأ من  نقطة في الحاضر ثم يغوص بنا في تواريخ هذه العائلة، وكيف غير الجد الأكبر «كامل عبدالقادر» مصيرها بقدرته الفائقة على العمل وتركيزه الشديد على احتياز الثروة والجاه، وما جره هذا التغيير على الجد الكبير وعلى العائلة كلها من ثمن فادح، ثم يتقدم بنا هذا السرد عبر ثلاثة أجيال بعده جيل الجد «شاكر» الذي سرق منه الدور دون ذنب منه أو جريره، فقد عاش أبوه طوال حياته وأراده أن يعيش الحياة التي رسمها لها، فلما تمرد عليها بطريقته الخاصة، لم يسلم له مقادير الأمور كما تقتضي سنة التطور، وإنما سلمها لحفيده في الجيل التالي، جيل الأب «طه»، وصولا إلى جيل الراوي «ياسر» نفسه الذي يحل مكان أبيه بعد وفاته، فيتسلم منه مقاليد الأمور، بينما الجد «شاكر» لايزال على قيد الحياة دون دور أو حياة.

إننا هنا بإزاء مأساة ريفية خالصة. تراجيديا حقيقية خالية من أثر للميلودراما الريفية، ومترعة إلى جانب ما بها من شجن رقيق بحس فكاهي ساخر، وبمعرفة عميقة بخفايا العالم الريفي التحتية، وبإيقاع مأساته البالغة الخصوصية. فالريف المصري، حتى في أكثر شرائحة الاجتماعية ميسرة، ريف لايعرف الفرح الحقيقي، لأنه ينطوي في أغواره على هذا الحس المأساوي الذي لم يكتبه إلا عدد قليل من كتاب مصر الأماجد، من طه حسين في (دعاء الكروان) إلى محمود البدوي في قصصه الباكرة الجميلة، إلى يحيى حقي في صعيدياته المدهشة، وحتى يحىى الطاهر عبدالله، وعبدالحكيم قاسم ومحمد البساطي. ونحن في هذه الرواية الجميلة إزاء واحد من الأعمال القليلة التي تكتب لنا هذا الريف في شجنه وتألقه وعذوبته. وتكشف لنا مدى تعقد العلاقات الاجتماعية والنفسية التي تنطوي عليها شخصياته. وكيف تصنع هذه الشخصيات حياتها، وتؤثر في حيوات الآخرين. وهي من ناحية أخرى واحدة من روايات الأجيال القليلة في الريف المصري. لأنها تقدم لنا حياة ثلاثة أجيال متعاقبة من حياة هذه الأسرة كما يرويها لنا الحفيد الذي ينتمي إلى الجيل الرابع. ولذلك فإن ثمة وشائج خفية تربطها بأهم روايات الأجيال في أدبنا العربي الحديث، ألا وهي ثلاثية نجيب محفوظ العظيمة (بين القصرين؛ قصر الشوق؛ السكرية). لأن العلاقة بين «كامل عبدالقادر» وهو اسم على مسمى ــــ كامل حقا وقادر وجبار ــــ وأبنه «شاكر» المتذمر أبدا من أبيه دون شكر أو عرفان، تذكرنا مع اختلافات أساسية بالعلاقة بين السيد أحمد عبدالجواد وابنه البكر «ياسين». بل إن علاقة الجد بالحفيد «طه» تذكرنا هي الأخرى بعلاقة السيد أحمد عبدالجواد بابنه الثاني فهمي، الذي وضع فيه كل آماله واختطفه الموت منه مبكرا في أحداث ثورة 1919.

لكن لابد في الوقت نفسه من القول إن هذا التذكير ليس وليد أي نوع من التناص أو التأثير والتأثر بشكل مباشر أو غير مباشر بين النصين. فنحن هنا بإزاء عملين سرديين شديدي الاختلاف عن بعضهما اختلاف المدينة عن القرية منطلقا وموقفا وإيقاعا. كما أننا بإزاء منهجين روائيين في التناول والبناء شديدي التباين تباين الواقعية الروائية الاجتماعية عند محفوظ عن الحساسية الجديدة والحداثة عند البساطي. لكن هذا التباين هو الذي مكن كلا العملين من اقتناص جوهر العلاقات الأساسية أو البدئية archtypal في الأسرة المصرية التي يدفع فيها الإبن عادة ثمن جبروت الأب وطغياته، المدثر عادة بالحب والحرص على مصلحة الإبن. فالرواية تكشف لنا بطريقة بالغة الهدوء والصرامة مدى جبروت الجد كامل وقدرته الهائلة على الاكتفاء بذاته عن الآخرين، حتى أقرب الناس إليه. وكيف أنه عندما اتخذ في تكتم شديد قرار شراء المئة فدان في الأرض البور، وباع من أجل ذلك فدان ونصف من الأرض الخصبة التي ورثها عن أبيه، وانتشر الخبر سألته زوجته «فهيمة «بعت الفدان ونص ياكامل؟ رمقها صامتا. أغلقت فتحة صدرها وازداد اشتعال عينيها ورعشة غضب بوجهها الهزيل الشاحب. رد ياكامل: بعت الفدان ونص؟ نالتها كف عنيفة ذهبت بنصف سمعها إلى الأبد، وهوت من طولها دون صوت جنب الجدار»(ص 77) هذه القسوة الجبارة تتكرر مرة ثانية عندما يجد أبنه شاكر يعلب مع الأولاد «راقدا على ركبتيه وقد رفع مؤخرته قليلا وكان يهزها مرحا.  أطاحت الركلة بالجد شاكر إلى الحائط المجاور  تسمرت فهيمة وقد رأت الوجه الدامي  نفضها بعيدا عنه، سقطت  غابت فهيمة شهرا عند أهلها وعادت فاقدة النطق، وأثر جرح فوق حاجب الجد شاكر لم يلتئم تماما»(ص86) هذه القسوة التي تفقدها السمع مرة والنطق أخرى هي من تجليات الجبروت الريفي الذي يجسده الجد كامل. جبروت الجهل الذي تعزز بالثروة والثقة الذكورية في النفس.

فالجد كامل الذي لم يتعلم فك الخط، وبدأ حياته بخمسة أفدنة ورثها عن أبيه، سرعان ما يصبح من الأثرياء. بعد صفقة المئة فدان في الأرض البور وحفر الترعة التي أحالتها إلى أرض خصبة. وجد نفسه في طبقة لم يؤهل أبدا لمعرفة أصول التصرف فيها، ولذلك ظل يتعامل مع زوجته «فهيمة» بتلك القسوة الريفية التي تناسب أميا لم تصقله الثروة بعد. وإن كانت معرفته بالأصول الريفية وطقوس الحياة، وذكاؤه الفطري قد مكنتاه من تنمية ثروته بماكينة الطحين وزريبة المواشي والمناحل والأراضي الكثيرة التي اشتراها هنا وهناك. ولكنه برغم كل ثرائه ذاك يتصرف كالفقراء من الفلاحين الذين لا يدركون أنهم يستحقون نعمة الجمال، لأنه عندما أبصر مرة عند الحاج عنتر صاحب محل القماش الذي أصبح يجلس عنده بعدما «اشترى الفرس، وأشياء لزوم الفرس، شمسية وجزمة وشراب»(ص94) «زينب وهي تتهادى في مشيتها إلى داخل المحل  ظلت عينا الجد كامل عالقتين بها حتى خرجت»(ص96) ويأسره جمالها، وتقدم لنا الرواية تفاصيل هذا المشهد بالكامل (ص 92-97) وكأنه مشهد الوقوع في حب غير متوقع. لايعرف كيف يتعامل معه. ولا يدرك أن الثروة التي حققها تتيح له أن يرتبط بمثل هذا الجمال الآسر. فيذهب يطلب يدها من أبيها الحاج مرسي، لا لنفسه بل لابنه شاكر، بالرغم من أن أباها سأله عندما قال له أنه يطلب يد ابنته زينب «لك؟ فرد لأبني شاكر، فسأل وشاكر سيعمل معك؟ فقال هو الآن معي!» (ص131)

وهو حوار دال على ما جرى، وما فات الجد، لأننا لانعرف تفاصيله من الجد نفسه إلا قرب نهاية الرواية، وكأنما بعدما أدرك الجد ما فاته منذ زمن بعيد. وبعدما أصبحت أهم نزهاته الليلية هو نوع من الوقوف على أطلال ليلاه، وأطلال القرية التي عرفها في الماضي، وعاش بها حبه المفقود. فوقوع الجد في غرام زينب منذ النظرة الأولى هو أمر لاشك فيه في هذه الرواية. ولكن عدم قدرته على أن يطلبها لنفسه، أو خطأه في طبها لابنه هي التي تجعل علاقة الجد كامل بزينب الجميلة الآسرة قصة حب من نوع بالغ العذوبة والغرابة والإحباط معا. لأن الفقر الذي عاشه الجد «كامل» قبل أن يكون ثروته هو الذي جعله يوقن أنه ليس من حقه، وقد تقدم به العمر، أن يتطلع لزوجة في شرخ الشباب وأوج الجمال. وكان هذا هو خطأ «كامل» المأساوي في هذه الرواية. وهو خطأ يضاعف من وقعه أنه قدم زينب لم لايستحقها، لإبنه «شاكر» الذي خطبها له. والواقع أن كامل هو أول من يدرك أن ابنه لايستحقها. ولم يكن في حاجة لأن يقول له ابنه ـــــ بعد أن وقع الفأس في الرأس ــــ «قصر الكلام، لاهي من توبي ولا أنا من توبها»(ص106).

فشاكر أحد أكثر الشخصيات الريفية تعقيدا وإشكالية. «عاش طول حياته لايملك شيئا رغم ثروة أبيه الكبيرة. وربما كان مثل غيره من أبناء الأعيان ينتظر الميراث، ولم يأت الميراث»(ص29) وهو لذلك شخص يتسم بالهشاشة برغم ضخامة جسمه منذ الميلاد. تربى بعيدا عن أبيه، ولذلك لم تتوثق علاقته به أبدا، فقد كان الأب مشغولا عنه، وعن كل شيء بمملكته التي كان يبنيها: بالأرض والحدائق ووابور الطحين ومعامل الألبان والزريبة والمناحل. وحرمته الظروف من الدور الذي قدر لنفسه أن عليه أن يلعبه، فلم يجد إلا الانغماس في ملذات لاقيمة لها، جمع حوله عددا من عمال ماكينة الطحين، وكان يتوجه بهم إلى الأفراح، يحوم حول الغوازي والراقصات. ولا يترك امرأة إلا ويتحسس استداراتها، بطريقة لم تجلب له إلا سخرية أهل القرية وتجنبهم له. خاصة بعدما ترامت قصص كثيرة عن تعثره الجنسي. وظل حتى آخر أيامه تلاحقه مثل هذه الفضائح التي يتألم لها أبوه وأبنه: «أنتبه وأنا في حجرتي إلى صوت أبي، تغلب عليه حشرجة البكاء، يشكو لأمي من فضيحة جديدة للجد شاكر سمع بها الليلة»(ص57) فهو شخص تطارده لعنة خفية منذ صباه، منذ أن سرقوا ملابسه وهو يستحدم في الترعة، وزفوه عريانا حتى تلقفه حضن أمه. ومنذ أن قتل أمه وهو لايزال صبيا يلعب معها، ويدفع السلم الذي كانت تصعد عليه لتلحق به فوق السطح فتسقط وتموت في اليوم نفسه. وبعد موتها أخذه أهلها وربوه هناك. ولم يسترده أبوه إلا عندما بلغ العشرين ليدير له ماكينة الطحين، وشاع عنه أنه يمد يده على إيرادها لينفق على ملذاته وأصدقاء السوء. فينتزعها الجد منه. هكذا سرق منه دوره، فتفرغ لإيذاء أبيه، وأرهف قدرته على إيذائه.

ويوشك هذا الإيذاء المتبادل أن يكون أحد موضوعات هذه الرواية الأساسية. فنقار العجائز لم يكتب من قبل بهذه الطلاوة والدقة في الرواية المصرية، ولكنه ليس مجرد نقار لامعنى له، ولكنه دورة قدر صارمة. فهناك منطق قدري صارم كقدر المآسي الإغريقية يتخلل العمل كله. فإذا كان الجد شاكر قد حرم مبكرا من أمه «فهيمة» التي يحبها، فإنه سرعان ما يحرم أباه كامل من «زينب» الجميلة التي يحبها. وكأنه من غير الممكن أن يتوقع الجد كامل، أو يستحق من ابنه، إلا الإيذاء. وكانت «زينب» الجميلة موضوع هذا الإيذاء ومداره. بدأ بالانتقاص من أنوثتها مع أصحابه، بالرغم من تغني البلدة كلها بجمالها وأصلها وتعليمها، وبأنه لايستحقها وهو لم يفك الخط. ثم أخذ يلاحق النسوة في منزله، وهي لاتزال به، بصورة جارحة لكرامتها ومهينة لجمالها، حتى وقعت حكاية «هانم» في بيتها، وأمام عينيها. وهجرت بعدها «زينب» حجرتهما المشتركة، وعاشت في غرفة مستقلة تكرس كل طاقتها لخدمة الجد، وإعداد طعامه، والذهاب به له حيث يكون حتى لاحقتهما الشائعات. وتنامت الشائعات بعدما حملت «زينب». «كروا قلبها»(ص124) فاضطرت للكف عن خدمة الجد الذي كانت به حفيّة، وكانت تحقق وجودها نفسه من خلاله، تطبخ له أطيب الطعام، وتستمتع به معه، حينما يقول لها «مدي إيدك» فتمد يدها (ص107). ولكنها بعد أن أنجبت ابنها الذي سماه الجد «طه»، وكأنه ابنه هو، ثم تعلق به كما لم يتعلق بابنه من قبل، يقرر «شاكر» الانتقام، خاصة بعدما رأى فرح الجد «كامل» بالحفيد، وأخذه إياه أمامه على الفرس. فقرر الإجهاز على قصة هذا الحب المتكتم «ربما في نفس الليلة انطلق إلى بيت أهل الجدة زينب. المرة الأولى التي يزورهم بعد زواجه. قعد مع أبيها وأمها في الحجرة. رفض أن يشرب شيئا. وقال أنه ينوي الطلاق وجاء ليخبرهم. استمعا إليه ساكتين. لم يناقشاه في شيء. وكل ما قاله الأب: إلي تشوفه يابني. وخرج الجد شاكر قاصدا بيت المأذون»(ص125).

هذا القدر الإغريقي الصارم، يؤدي إلى موت «زينب» بعد الطلاق بخمسة أشهر. وتوشك «زينب» وهي أكثر شخصيات هذه الرواية جمالا وتألقا أن تكون تجسيدا للجمال الرقيق المحكوم عليه في هذا المناخ الريفي الخانق بأن يصبح ضحية للفظاظة والغلظة. ومثل (فردوس) قبلها تجد «زينب» أن جمالها بدلا من أن يكون نعمة يتحول دون قصد منها أو جريرة إلى نقمة. وهذا ما يسم الروايتين بمسحة تشيخوفية شفيفة تهزم فيها البلادة والجلافة الرقة والعذوبة والجمال. وتزداد هذه الهزيمة وقعا وتأثيرا عندما يقدم لنا النص «زينب» باعتبارها رمزا للجمال من المنظور الجمعي، فأول ما نسمع عنها هو وصف النسوة الجمعي لها «حلوة وحلوة  فلقة قمر  طول وعافية وبياض  ولا لف ولا دوران الكلمة هي الكلمة. وآه ياست أم ياسر لو شفتيها بتغير هدومها»(ص16) هذا الكورس الجمعي يقدم لنا جمالا مقطرا، جمال النفس والروح معا. ويتأكد هذا المنظور الجمعي من تأسي الجماعة على حظها المنكود «قطع لسانهم واحد واحد  لم يجدوا غير المسكينة ليتكلموا عليها»(ص111) «منهم لله كسروا قلبها»(ص124). وتظل ذكراها عطرة في ذاكرة الجميع، بل تظل حية ومتألقة في ذاكرة الجد كامل، يمر على أطلال ذكراها حتى آخر أيام حياته. ويوشك غيابها المبكر أن يكون إيذانا بالغياب المستمر للكثير من معالم عالمه القديم. فالرواية في مستوى من مستويات المعنى فيها هي مرثية لعالم يندثر، وتختفي ملامحه وتضاريسه القديمة تحت وقع معاول التغيير والجشع المادي. لأن أكثر ما يقض مضجع الجد كامل هو أختفاء ملامح العالم القديم، وهو لايزال علي قيد الحياة.

صحيح أن الرواية تبدأ فصلها الأخير بجلوس الإبن/ الراوي/ ياسر/ على مقعد الأب، لكنها تنتهي بموت الأب المبكر. الأب «طه» الذي أعاد للحياة في البيت إيقاعها الرتيب، الذي توقف منذ غادرته «زينب الجميلة» ولم يعد له هذا الإيقاع إلا بعد زواجه «طه». وهو الذي نظم «أوراق العائلة» وأملاكها، وأطلق اسم «تفتيش كامل الزراعي على أملاك الجد الكبير»(ص63) ونظم أمور هذا التفتيش بشكل دقيق وأحسن إدارته. وأصبح هذا الحفيد هو أول من استطاع الاستمتاع بالثروة والجاه. «كان يشارك في العديد من المجالس، منها المجلس المحلي، مجلس المدينة، الجمعية الزراعية»(ص57). لكن الموت سرعان ما ينتزعه مبكرا، قبل أبيه وجده. لأن الموت القاسي والبسيط معا هو قدر القرية المصرية الأزلي، وسر الحزن الشفيف الساري في هذا النص الروائي الجميل، الذي يدفع بقوة الفن وقدرته عنا ألم الموت ويجعل الحياة جديرة بأن تعاش، برغم كل الصعاب في هذا الزمن الردئ.

 

صدرت الرواية عن سلسلة روايات الهلال بالقاهرة عام 2003