تكشف هذه الدراسة عن طبيعة الأسئلة الملحة التي طرحها دخول الفن الرقمي إلى ساحة النقد التشكيلي، ومدى تأثير ظواهره الجديدة على المبادئ الجمالية للحداثة التي أرسى قواعدها الأساسية شارل بودلير في القرن التاسع عشر.

أسئلة النقد في الإبداع الرقمي

إدمون كوشو / ترجمة عبده حقي

 

إن انحراف مفهوم العمل الفني عن دلالته الأصلية إلى مجموعة من العناصرالرقمية المتباينة واستبدال الوسيط النقدي بحدود التواصل التكنولوجية كل هذا قد حث المهتمين بالمجال الفني على إرتياد شكل نقدي جديد يهتم بمجال الإبداع الرقمي. فالتفاعلية قد غيرت من علاقة المتلقي بالأعمال الفنية سواء تعلق الأمربالفن على شبكة الأنترنت أوعلى ساحة أعمال الوسائط المتعددة (الميلتميديا). لأن النقد الفني منذ أن تم تأسيسه على عهد بودليرلايجب أن يتحول إلى نقد شبكي فحسب، بل عليه أن يأخذ في الإعتبار التطورات التالية: إن البعد التكنولوجي للفن هو بمثابة مكون رئيسي للجماليات (للإستتيقا) الحديثة ونفس الأمر بالنسبة للحوار الذي يضعه بين الأعمال الفنية والمؤلفين والجمهور. ولقد إنطلقت أولى التجارب الفنية على الحاسوب في مجال الصورة الرقمية منذ أواخر الستينات وأعتبرت وقتئذ حداثية بخصوص تمكنها من تقنيات الفيديو بنفس الأهداف التي أتى بها جهاز التلفاز سنة 1963. ومنذ مرحلة التأسيس هاته حيث كان التعامل مع الآلة يمرعبرالشريط المغناطيسي ـ هذه الوسيلة الرديئة للإبداع الفني ـ والتقدم المادي ك (الدارة الحساسة والبرامج المعلوماتية وحدود التواصل) كل هذه العوامل قد كانت سببا في إستدراج المبدعين إلى مجال التكنولوجيا الرقمية الواعدة.

إن الإنتشارالسريع لأعمال الوسائط المتعددة (الميلتميديا) والشبكات الرقمية يعتبر وجها لعالم حديث جدا وهو مازال في طريق خلق إهتمام قوي بهذه التكنولوجيا بحيث أننا اعتدنا على القول إن الفن الرقمي بمعنى الفن الذي يتحقق بواسطة وسائل رقمية، قد إعتدنا أن نقول أنه قد وجد منذ ما يناهز أربعين سنة... إن هذا الفن الرقمي قد إستطاع أن يستقطب فنانين وجمهورا واستطاع أيضا أن يشيد له مشهدا فنيا وعالميا. أجل إنه مشهد شاسع ورحب غير أنه ما يزال يتعرض للإقصاء من طرف النقد الفني، وما فتئ يتجاهله أخصائيو علم الجمال (الإستتيقا)، وفي هذا الإطار فقد تحدثت آن كوكلان عن «الصمت المؤامرة» إنه صمت صارخ إلى درجة أنه صارغير جدير بالإثارة، فليس هناك في الواقع نقد فني قائم الذات في مجال الإبداع الرقمي. وبالرغم من ذلك فهناك مؤلفون حاولوا منذ سنوات اختراق هذا الصمت، وهناك بعض الدراسات الحديثة التي قامت بإحصاء وتفسير بعض مظاهر الفن الرقمي في علاقته بالفن التكنولوجي بصفة عامة، وكذلك الإلكتروني والوسائطي. وهناك بعض المقالات التي ظهرت على صفحات بعض المجلات والدوريات المتخصصة في الفن: ونشير بهذا الصدد وخلال ثماني سنوات الماضية إلى عددين من مجلة آربريس Art Press إذ إهتم العدد الأول بالتكنولوجيا العصرية، بينما إهتم العدد الثاني بميدان الشبكات النتية فضلا عن بعض النصوص الأخرى في كاتالوغات المعارض التي إحتضنت أعمالا رقمية. أما إذا توخينا الإشارة إلى بدايات الفكرالنقدي والجمالي في الفن الرقمي، فإن هذا الفكر لايمكن مقارنته على الأقل على مستوى سعته وحضوره مع ما تم إنتاجه من نقد فني في مجال فن الفيديو. وسنقوم الآن باقتراح بعض الأجوبة للسؤال الملح والقلق الآتي: لماذا يتغافل النقد الإبداع الرقمي؟ ولرحابة وشساعة هذا السؤال فإننا سنعتبرهذه الدراسة مقدمة فقط لهذه الإشكالية الراهنة. 

جمالية الحداثة أو الحياة بزمنين:
لايمكن أن نرجع سبب غياب نقد رقمي لندرة التظاهرات والأنشطة التي تعرض أعمالا رقمية، فمن المؤكد أن هذه التظاهرات قليلة جدا غيرأنها ذات أهمية أكثر من المتابعات التي تثيرها وتواكبها. ومع أن هذه الندرة التي تسهم من دون شك إلى حد ما في عدم تشجيع الأعمال النقدية ليست هي السبب الرئيسي، فإن غياب النقد الرقمي يعود بالأساس إلى عمق الحركة النقدية في حد ذاتها. ولا يمكننا معرفة هذا النقد والعثورعليه إلا بالعودة إلى الحركة النقدية منذ أواسط القرن الماضي. قد تبدو هذه المهمة عسيرة جدا على المؤرخين والسوسيوفنيين إذ لايمكن إثارة إشكالية النقد الرقمي فقط، وإنما أيضا مسألة القاعات وصالات العرض ودورالدولة والمؤسسات والإبداع الرقمي في حد ذاته وبمختلف تجلياته. وأعتقد بالرغم من كل هذا الواقع فإنه بإمكاننا أن نضع تصورا ما لهذا النقد الرقمي.

لقد إهتم النقد في المرحلة السابقة بالمستوى الأخلاقي والجمالي لعامل التواصل، وقد قام من جهة أخرى بدورالوسيط بين الفن والجمهور، ليس الجمهورالهاوي للفن فحسب، وإنما الجمهورالعريض الأقل إهتماما بالشأن الفني كذلك. وقد إستطاع الفن وخصوصا الفن التشكيلي أن يجلب شيئا فشيئا المتحفيين والجماهيرالبرجوازية والمتوسطة على السواء، وعموما هناك تصوران متعارضان للإبداع الفني: التصور الأول يتعلق برؤيتنا التقليدية للإبداعات الفنية الرائدة أو النموذجية وتصور ثان يتعلق بالتجديد. وهذا التصور الأخير هو الذي تطور وتألق شيئا فشيئا، رغم تناقضاته الداخلية.

ومع مرور السنين ظهر فارق كبير بين المعايير التي تستمد وجودها من التقليد ومن التجديد أيضا وبالتالي إستدعى الأمر إعادة تأسيس الأحكام النقدية، ومنذ ذلك الحين بدأ تطبيق النقد في شكله العام لكن بطرق مختلفة. فالبعض صار يبحث في الفن القديم عن قواعده الأساسية وأطلق أحكاما مقارنة، الشيء الذي لم يمنع البعض الآخر من دعم الفنانين بشكل أكاديمي بينما رفض صنف ثالث هذه المرجعية القديمة وأصر وبصوت عال على أهمية التجديد في الفن الحديث.

يقول الناقد «دورانتي» عن الإنطباعيين: «لقد جعلوا من الرسم إكتشافا حقيقيا لايمكن أن توجد أسسه وأصوله في مجال آخر» وفي خضم هذه التيارات المختلفة سيطرت صورة بودلير المتعالية.. السامية، ومن دون شك أنها الصورة الرمزية للفكر النقدي في القرن التاسع عشر. فالبنسبة لبودلير فالنقد كان قبل كل شيء منحازا ومحابيا ووجدانيا وانفعاليا وسياسيا حتى. لقد كان الشاعر ينظر إلى الحركة النقدية مثل معركة والتزام وعلى النقد أن يكون تحليليا وحجاجيا وعالما. غيرأن هذا التفكير البودليري قد ذهب أبعد من النقد، حيث إن أفكاره قد أسست لجمالية بصمت القرن التاسع عشر، بل لقد إمتدت إلى حدود القرن العشرين فيما سمي ب «جمالية الحداثة» التي تأسست على قلق وخشية الإنسان من الزحف الصناعي والتقنيات بصفة عامة، والصناعة الفوتوغرافية بصفة خاصة، التي رآى فيها بودلير أبرزعلامات التجديد. وكان يرى في جانب آخر في كل هذا تهديدا وخطرا قادما، إذا ما أصبحت هذه الصورة معيارا للفن المطلق. وفي جانب آخر أيضا فإن جمالية الحداثة هاته قد تأسست على الحذر الذي أبداه بودلير بخصوص الموروث الثقافي المشترك في المجتمع، ولدى الإنسان البرجوازي أو الجمهورالعريض، وباختصار شديد الحذرمن هشاشة التنوع في الأنماط الفنية الجديدة. غير أن صناعات التقنيات هاته قد شكلت قطيعة مع التقليد، أي مع التجديد المستمر، ومع كل ماهو مصطنع، لقد كانت هي البلوغ إلى رحابة وشساعة سوق الصور والعلامات الفنية، بمعنى البلوغ إلى الثراء الدائم لعالم المرئيات. وأخيرا البلوغ إلى ذروة الحداثة.

ومن ثمة تبدو حاجة الشاعر بودلير ـ الذي رفض أن يرى الفنانين التشكيليين يفقدون مواقعهم المتميزة كرسامين، بسبب الصناعة الفوتوغرافية ـ كانت تبدو حاجته إلى إعطاء الحرية للخيال الخلاق، وإلى جميع الملكات والقدرات الذاتية. الخيال الذي يجد ـ عكس ما نتصور ـ غذاءه الجديد في قوة الوسائل التي توفرها التقنيات للفنان، ويجب أن نؤكد على أن بودلير قد إعتبردائما أن المخيال هو «نصف الفن» إنه النصف الذي يثير بالنسبة له نظام الخلود والثبات والشيء الذي لايتغير إطلاقا ويقاوم التجديد. يعبر بودليرعن جمالية الحداثة وعلاقة الفنان بالجمهور بطريقة جوهرية في هذه الجملة القصيرة: «إن الجمهور بالنسبة للعبقرية عامل تأخر يشبه إلى حدما ساعة متأخرة عن الوقت الفيزيقي الدقيق عند الفنان». والفكرة التي أردنا الدفاع عنها في هذا السياق هي أن هذه الجمالية كما تصورها بودلير من أكثر الخاصيات الأساسية للحداثة، حداثة القرن التاسع عشر وامتداداته إلى القرن العشرين.

أن الفن الحقيقي، الفن العبقري المهووس بمنطق التجدد الدائم من الواجب عليه كي يتحرر من التقليد ويصمد أمام عدوى الصناعات التكنولوجية عليه أن يأخذ مكانه في الطليعة وأن يتقدم زمنيا عن توقيت الجمهور والعالم. وعكس هذه الصورة الإستشرافية فإننا نجد الطرف الآخر الذي يتوجه إليه هذا الفن ونعني به الجمهور لايعيش نفس اللحظة الفنية، إنه متأخرعن زمنها. الفنان يعيش على وعود المستقبل، بينما يعيش الجمهور في هشاشة الراهن وابتذاليته. ومن ثمة نفهم ثقل وحجم مسؤولية النقد. إنها تتجلى في رأب هذ الفجوة بمعنى على النقد أن يلعب دور ذلك الوسيط بين العبقرية المتقدمة وبين الفكرالجامد عند الجمهور. إنها مهمة جمالية من جهة تتغيا التحليل والشرح، تتقصى، تفكك، وتعرض الميكانيزمات كما قال «فيليكس فينون» من أجل أن تخضع لمعايير الحداثة.

وهي أيضا مهمة أخلاقية وإجتماعية على السواء، وفي غالب الأحيان تكون ذات نزوع سياسي يروم الكشف عن التيارات الجديدة من أجل مساندة ودعم الفنانين، أو الإسهام في المغامرة الجمالية، وذلك بالتأثير في المسار الفني، وبالخصوص جعل الإبداعات الفنية في متناول الجمهور قصد تربيته وتنشئته وتدارك تأخره على مستوى التنوع الفني. وفي حال ما إذا تقبل كل المهتمين هذه المهمة الأساسية للنقد الفني فإن هذا لم يمنعنا من أخذ بعض المواقف المعارضة وإثارة بعض النقاشات حول تيارات الواقعية والإنطباعية وتيارات أخرى، لكن بالرغم من تعقيداته فإن النقد الفني قد خضع على مدى القرن التاسع عشر إلى نفس المبادئ الأساسية الموجهة بمعنى آخر ضبط عملية التلقي على توقيت الزمن العبقري للفنان. وقد كان هذا التوجه هو الأداة الوحيدة لتحقيق برنامجه، ولابد أن نشير إلى أن نظام إنتاج المعنى هذا قد تضاعف بفعل إقتصادي آخر لإنتاج القيم. إذ إن أذكى شخص مستثمر في المجال الفني قد كان فيما مضى هو التاجر الذي يستطيع التكهن، ويستطيع مراقبة تصاعد وتطور وثراء الأعمال الفنية التشكيلية التي إقتناها وأودعها في متحفه مثل أسهم في بورصة القيم.

لم تكف جماليات (إستتيقا) الحداثة منذ شارل بودلير عن فرض منطقها الطلائعي المشفوع ببعض التغييرات الطفيفة. وفي جانب آخر فإن التطورات المهمة في الإبداع الفني التي تلت الإنطباعية والتكعيبية والتجريدية والسريالية لم تعمل إلا على دعم هذا المنطق بما في ذلك إبتكارات «دوشان لانكا» منذ أوائل القرن. إن أي تقدم في الإبداع الفني على النقد والجمهور معا أن يستوعبانه في راهنيته، ويجب عليهما أيضا أن يضبطا زمنهما على توقيت التيارات الفنية الطليعية في إنتظار بزوغ جيل طلائعي قادم وبهذه الرؤيا تتأسس التقاليد البديلة حسب تعبير هارولد روزانبورغ. وقد نضع تمايزات وفوارق بين التيارات الطلائعية التاريخية، كما التيارات الأخرى مثلا، مابعد التاريخية أو مابعد الحداثة، أو بين الفن الحديث والفن المعاصر. غير أنني لاأعتقد بصفة عامة بأن هذه الفوارق ستلغي كل ما يجعل من النظام نظاما قائما بذاته، ونسجل هنا أولى العقبات بالنسبة للنقد كي يقوم بدورالوسيط كاملا. ففي حوالي الستينات من القرن الماضي كان الفنانون الذين إرتموا في موجة الهدم من أجل البناء كانوا يتساءلون عن ماهيتهم وعن ماهية الفن، ويحللون العملية الإبداعية الفنية بالطريقة التي تجعل من الفن موضوعا إجتماعيا وقابلا للتواصل والإعلام والتمأسس والرسمية كذلك. وعموما فقد صار الفنانون نقادا لأنفسهم أي نقادا لأعمالهم بينما صارالوسطاء ـ مفتشي المعارض على سبيل المثال ـ يعملون ما في وسعهم من أجل الرفع من القيمة الرمزية للأعمال الفنية وبقي النقد الفني كما كان من قبل دائما يطمح إلى مقاربة كل إبداع فني متجدد باستمرار. 

بين القمة والسفح أوبين الإبداع والتلقي
عندما ظهرت أولى الصورعلى الحاسوب إعتبرها البعض على التو صورا ذات حمولات جديدة، من دون أن يحددوا ما إذا كانت جدتها تتعلق بالإبداع الفني المحض أم بالتقنية. وبالإضافة إلى هذا اللبس فقد صارت هذه الصور تعرض للجمهور العريض غير المؤهل لها منذ سنوات الثمانينات من القرن الماضي في قاعات عروض جديدة «صالونات» بأمريكا وفرنسا واليابان. لقد كانت هذه الصور في الغالب أعمالا أنجزها تقنيون من أجل متلقين تقنيين بالأساس، بينما لم يكن هدف هؤلاء التقنيين فنيا بل كان هدفا لإنجاز صور تطمح إلى تشخيص واقع ما بأعلى درجة من الدقة. وكان المعيار الذي فرض نفسه آنذاك منذ البداية هو الواقعية الفوتوغرافية، الواقعية المسطحة كهدف أول تلتها واقعية سنيمائية، مما خلف خيبة بالنسبة للجمهور الذي كان يتلقى هذه الصور الجديدة والذي لم يعد يرى فيها غيرأعمال فنية ذات جودة ودقة أقل من سابقتها، وهي تحاول أن تنافس الصورة الفوتوغرافية والصورة السينمائية. ورغم كل ذلك فإنه يمكن إعتبار هذه الصور أعمالا فنية جديدة من وجهة نظر تقنية فحسب.

إن الرقمية قد مكنت المبدعين من إنتاج صور خلقت قطيعة تامة مع التقنيات التقليدية للفن التشكيلي والرسم والسينما والفيديو، فالصور الرقمية تمتلك خاصيات مشتركة جديدة دون أدنى شك سواء على مستوى (المورفوجين) التشكلي، أو على مستوى توزيعها في الفضاء البثي العام. وهي أول مرة في تاريخ الصورة يكون (المورفوجين) والتوزيع مراقبين بنفس التكنولوجيا. ولابأس أن نذكر هاهنا بخاصيتي هذه الصور: إنها محسوبة ومحصاة رياضيا من طرف الحاسوب، وقادرة أيضا على التفاعل، أو لنقل التحاور مع مبدعيها ومتلقيها. وإذا كانت بعض هذه الصورمثل تلك المسماة (Synthesis) أي تركيبية والتي توظف في الأفلام لاتتفاعل مع المشاهد فإن طرق صنعها قد تنوب عنها في ذلك، ويجب علينا أن نميز بين نوعين من الصورالرقمية: صور يتم وصفها والحصول عليها وتحليلها رياضيا بواسطة المنظومة الخوارزمية، وصور يتم الحصول عليها بواسطة صور تقليدية متوفرة مسبقا رسومات، فوتوغرافيات وفيديوغرامات الخ. ففي هذه الحالة فإنها تتحول إلى موضوعات رقمية مما يمكنها من المعالجة والضبط بواسطة الحاسوب. إذا كانت القطيعة واضحة بين التقنية والصور غير الرقمية، فإنها ليست سوى قطيعة إستتيقية جمالية، وهكذا وبصرف النظرعن التطبيقات الصناعية والعلمية واللعبية (ألعاب الفيديو) المتعددة فإن الصورة الرقمية تتطور في إتجاهات مختلفة، وأهمها من وجهة نظر ثقافية واقتصادية السينما (مؤثرات، رسوم ذات أبعاد ثنائية 2D وثلاثية الأبعاد D 3) حيث يطمح المخرجون إلى أن يكون لهذه الصور نفس المصداقية ونفس الفعل الواقعي لدى الصورالسينمائية، وبالتالي يكون تقييمها النقدي على علاقة وطيدة بالحكم القيمي على عمل فيلمي، مما يعني أن النقد السينمائي قد إنتظر أكثر من عشر سنوات ليقتنع أن أسلوبا جديدا لإبداع الصورة المتحركة قد ولد.

لايمكن للفكر النقدي الرقمي أن يأتي من السينما، فقد وجد التوجيه الآخر من التطبيقات التخطيطية المختلفة المستوحاة من المعلوماتية الدقيقة بقدرتطورها وابتذالها. أيضا هناك فائض ملحوظ في سوق الأقراص المدمجة التي تسمى (إعلاميات/ خطية) التي تنتشر بكثرة في الأسواق وتستعمل بطرق عشوائية في إنتاج الأعمال الفنية. إن هذه المناولات الرقمية بواسطة الأقراص تصلح بالأساس من أجل تأييل بعض المهارات التقليدية مثلما هو الأمر في فنون الخط والطباعة. كما تمكن من السيطرة التقنية على الصور، بالرغم من التجديد الذي توفره التكنولوجيا في مجال نشاطها الفني الثانوي الذي لايعترف به الفن الرقمي. أما التوجه الثالث فقد تمظهر لدى العديد من الباحثين الذين حاولوا من جانبهم إختراع فن جديد، بعيد عن الواقعية القصوى للصورة السينمائية. إن هؤلاء لم يكن لديهم إمكانيات أخرى من أجل إبرازأعمالهم غير صالات العرض المخصصة حصريا للصناعة السينمائية والإبداع السمعي البصري. هذه الوضعية توضح إذن غياب نقد خاص بالصورة الرقمية، لكن هناك سبب آخر أكثرعمقا، يربط بين هذه الأخيرة وطبيعة التفاعلية مع الصورة الرقمية، إنه لم يكن من الممكن في المراحل الأولى التأثير فورا في الحسابات الرياضية التي لم يتم خلقها بعد. وهذا طبعا لايتم بحدود التواصل بين الحاسوب ومستعمليه، وأيضا الأقراص المدمجة، لقد تم إختراع وسائل بديلة كيفما كان هدف هذه العمليات والتقنيات. أكانت حسابات رياضية حقة أم معطيات بصرية.

في الواقع إن الصورة الرقمية قد كانت في إنطلاقتها منذ الستينات من القرن الماضي صورة تفاعلية. وبذلك تكون قد دشنت أسلوبا جديدا للتواصل بين الإنسان والآلة. هذا الأسلوب التحاوري بما هو نوع جديد من النقاش قد تأسس منذئذ بين الصورة وصانعها (المصور L imageur) وهي علاقة جديدة قد أقصت التقنيات القديمة والتقليدية. هذا الأسلوب التحاوري أيضا بين الصورة الرقمية ومتلقيها قد بسط بشكل جلي وهام عملية إبداع الصورة الرقمية بقدر ما يستطيع مبدعها (صانعها) أن يراقب بشكل دقيق وسريع نتائج الحسابات الرياضية الرقمية. لقد شكلت إمكانيات التغيير اللامحدودة في بنية الصورة الرقمية بنوعيها الثابتة والمتحركة بالنسبة للعديد من الباحثين فرصة لتجريب فني متجدد، بل إنها قد إمتدت إلى المتلقي الذي إكتسب هو أيضا القدرة على التفاعل مع الصورة الرقمية، والإسهام عن قرب في إعدادها وتحضيرها. وأكثرمن هذا المشاركة في إبداع العمل الرقمي وبدافع طموح قوي. إن الإنشغال والإهتمام الجمالي لم يشكلا معطى جديدا. فقد تم إستثمارهما من قبل بشكل واسع خلال سنوات الستينات والسبعينات من طرف تيار فني واسع، وعبر أشكال مختلفة تتراوح بين فن الواقعة (الهابينيج) والفن الحركي، وما بين الفن التصوري والفن العام والفن التكنولوجي والفن الإجتماعي. وبعد مرحلة تميزت بالإهمال والعودة إلى الأعمال الفنية التقليدية القديمة، وجدت نزعة جمالية/ إستتيقا التشارك في التكنولوجية الرقمية ـ التي أصبحت متوفرة ومتاحة أكثر فأكثرعلى المستوى الإقتصادي ـ فرصة للظهورمن جديد. وهكذا إنتقل الفن الرقمي من جمالية/ إستتيقا التشارك، إلى جمالية التفاعلية إعتمادا على التمايز الذي يمنحه الحاسوب على مستوى التأثيرات المتبادلة والمعقدة أيضا. ولتحقيق طموحاتهم وأهدافهم فقد إستعمل الفنانون الأقراص المدمجة التي تمكن من خلق تشعبات وترابطات في بنية النص بالصوت والصورة. كما إستعملوا الوسائط المتفوقة جدا كالشبكة النتية والنص المتشعب عبر خطوط (الأون لاين) واستعملوا إمكانات الواقعية الإفتراضية ووسائلها التفاعلية اللامعيارية (non-standard) المتوفرة على مساحة الحد السطحي التواصلي.

ولنعد إلى سؤالنا الأساسي كيف إستطاع الإبداع التفاعلي أن يحد من الحركة النقدية، وكيف إستطاع كذلك أن يجرد النقد من دوره كوسيط ودوره كجسرأساسي بين الإبداع الرقمي والمؤلف والمتلقي. ومن المؤكد أن أي عمل فني رقمي تفاعلي لايحقق وجوده ومعناه إلا إذا تحقق بينه وبين المتلقي نوع من التفاعل عبر حدود التلقي التي تمتد أمامه. إن الموضوع المرئي سواء أكان نصيا أو صوتيا أو ملموسا حتى.. والذي يدركه المتلقي كحقيقة ويؤسس موقفه التقييمي عليه، سواء أكان موقفا منوها بالعمل أو رافضا له أو متغاضيا عنه، إن هذا الموضوع هو في الأخير محصلة موضوع آخر وازن ومهم جدا لايدركه المتلقي، إنه البرنامج المعلوماتي. قد تكون إستجابات هذا البرنامج هزيلة وضعيفة وميكانيكية غير ذات قيمة (إذ توجد درجات مختلفة فيها من التفاعلية) كما أن التجاوب والتحاور بين الطرفين قد يفقد أهميته. لكن بالرغم من كل هذه النواقص قد تأتي هذه الدرجات التفاعلية المختلفة معقدة جدا، بسبب بعض أنظمة الخوارزميات الجينية على الخصوص والتي تستعمل في مجال الذكاء الإصطناعي، فالبرنامج المعلوماتي قادرعلى تحليل المعلومات المنبثقة من محيطها، أي من المتلقين كي يتفاعلوا معها، وذلك عن طريق إستراتيجيات أساسية، والعديد من الخاصيات التي تغني وتثري التحاور بين الإبداع الفني الرقمي والمتلقي.

إذن فمن دون تفاعلية ومن دون الحضور التشاركي للمتلقي لن تكون هناك أية صورة أو أي شكل أو حركة أو تحول في سيرورة الزمن، وأخيرا لن يتحقق أي عمل فني رقمي، بل سيبقى هذا العمل جامدا في إطارصورته البكر الأولى في إنتظار تحيينه. ويجب كذلك أن نشير إلى أن أية عملية تحيين تعتمد بالأساس على قرار شخصي وفعل فردي (حركة، نظرة، تزحزح) حسب إختيار المتلقي، وأخيرا رد فعل شخصي تنسجم فيه العادات الثقافية المكتسبة، ولابأس أن نشير هنا إلى الفرق العميق مع وضعية المتلقي التقليدي أمام لوحة تشكيلية أي إذا كان إدراك اللوحة من طرف المتلقي قادرعلى التغيير المعنوي أي مايهم تأويله الحسي إلى درجة تجعله يشعر أنه ليس أمام نفس اللوحة. أو كما قال «دوشان»: إن المتلقي هو الذي يصنع اللوحة، فهذه الأخيرة تبقى بشكل موضوعي لوحة لذاتها، ولذا فإن النقد الفني يطرح دائما السؤال الأساسي: أين هو العمل الفني؟ وهوسؤال له أسبابه ودوافعه التي تراه ينحصر في الإهتمام بما هو برمج،ي وما هو إفتراضي، وبالتالي يحرمه من أي تحول واقعي ومن كل الوضعيات المتفردة التي تجعله يسيطرعلى كل أسئلة المتلقي. بمعنى آخر إذا إقتصرالأمرعلى هذه الوضعيات السالفة، يعني بشكل ما إختزال العمل الفني في إطار مواجهات ضيقة مرتبطة أساسا بإدراك المتلقي. يمكن إذن أن نقر أن العمل الفني التفاعلي يتألف من موضوع برمجي محدد بشكل صارم وتام في وظائفه العرضية. إنه العمل الذي يمكن أن نسميه عمل (فني/عاشق) ومن جهة أخرى موضوعا مدركا يختزل تفاعلية المتلقي بـ«العمل/ العاشق». إنها التفاعلية التي تمكن من التجدد اللامحدود في الزمن ما يمكن أن نسميه «العمل/ الهجين» والعمل الفني المتكامل هو عبارة عن إنذماج تحاوري بين «العمل/ المبدع» و «العمل/ المتلقى» على إختلاف تحييناته.

وكما هو الشأن بالنسبة للمؤلف، إذا لم يتوفرالمتلقي على إمكانية تغيير «العمل/ العاشق» فإنه سيجد نفسه عكس هذا قادرا على الـ تاثير في «العمل/ المتلقى» وتغييره من داخل حقل شاسع من الإمكانات المحددة. إن هذه القدرة يتم توجيهها مسبقا وبقصدية من طرف المؤلف، وهكذا يصبح المتلقي شريك المؤلف (coauteur) أو بمعنى أدق مؤلف (مستقبل بكسر الباء) مسؤول عن (العمل المستقبل بفتح الباء). والمتلقي هنا ليس هو المؤلف فهو لايملك المبادرة ولا التأثير، ولكنه لا تنقصه أي قدرة على تطوير وتنمية العمل الفني الرقمي والقدرة أيضا على تحويل سيرورته. إن المؤلف المستقبل ليس هو«شريك المؤلف» الذي عرفناه فيما قبل في حقل الأدب بالخصوص، حيث يقتسم مع «شريك/ مؤلف» آخرالمبادرة في إنجاز العمل الإبداعي الفني. في الأدب التقليدي لايقوم المتلقي بدور «شريك المؤلف» أما في الأدب الرقمي التفاعلي «النص المتشعب» فالمتلقي يصير «شريك المؤلف»، لكن لنتساءل بإلحاح مع النقد مرة أخرى أين المؤلف؟ ما يدعونا إلى إعادة تأسيس العلاقة الثلاثية بين الإبداع الفني والمؤلف والمتلقي. إن هذه المفاهيم الثلاثة هي نفسها بدلالاتها الكلاسيكية تصير متجاوزة من وجهة نظر تفاعلية التي تلغي الحدود التي تنتصب بين عناصر الثالوث السالف الذكر، كما أنها تغير بين وضعيات الوظائف وأساليب خصوصيتها. إنها تجعلها شفافة فيما بينها، أو بتعبير آخر إنها تهجنها.

من هنا نستنتج أن مهمة الوسيط التي يقوم بها النقد الرقمي في إطار الحداثة تصبح عديمة الفعالية. وهذا التواطؤ بين المتلقي والفنان المؤلف وانسجامهما التفاعلي في الإبداع الرقمي يروم بالأساس إلغاء الفارق التقليدي بين إبداعات الطليعة القديمة وإبداعات التنوع الجديدة. إن الفن الرقمي لم يعد ينتظر إيحاءا أو تعليقا أو تأويلا أو حكما من طرف آخر لكي يحقق معناه، لأن الإبداع التفاعلي كما سبق ورأينا لايحقق معناه وروحه إلا إذا إستطاع المتلقي أن يسهم في خلقه. لذا لم تعد فكرة «ريادة» المؤلف للإبداع الرقمي وتقدمه طليعيا على مستوى التلقي الإجتماعي فكرة ناجعة ومقبولة، بالرغم من كونها ماتزال تحقق تأثيرها، إنهما معا المؤلف والمتلقي ـ يعيشان في زمن واحد وليس في زمنين. إنه الزمن الواقعي.. الزمن الواقعي الذي لايتوقف ولا ينتظر أحدا. وقد تبدو الصورة أكثرأهمية على مستوى الإبداع الشبكي أو الفن على (الأون لاين). هنا أيضا نجد أن الرواد الأوائل في أواخر السبعينات حيث شرع الفنانون يهتمون بتكنولوجيا الإتصال، وإشراك المتلقين (الجمهور) في الإهتمام الجمالي الخاص. غير أن ظهور الشبكة الرقمية وخصوصا الأنترنيت، وإنتشارها الواسع والكاسح، سيدفع بالمهتمين إلى إعادة تكثيف الأبحاث الرقمية.

واليوم نجد أن الإبداع الشبكي يمنح على العموم فرصة لخلق علاقات تفاعلية أكثر ثراءا من وجهة نظر إدراكية مقارنة مع ما تمنحه الأجهزة «الخارج خطية.. الأوف لاين». إن حدود التواصل والولوج عبرها قد تقلصت أكثر فأكثر إلى كاتوب (Clavier) وماوس وأقراص مدمجة خاصة بتصور العمل الإبداعي الرقمي. صورمن فئة D 2 ثنائية الأبعاد تتحول إلى تخطيطات لاغير، بمجرد ما يتم تفعيلها باستثناء الصور ذات الأبعاد الثلاثية D 3 وبهذا تصير الأعمال الإبداعية الرقمية ذات خاصية جمالية محايثة ومسايرة للفن التصوري. إن العمل الأدبي الذي ينهض أساسا على الحرف كأداة للتعبير يتلاءم مع هذه الوضعية والأعمال الأدبية التشعبية ـ التي عمقت الأبحاث في سنوات الستينات في فرنسا على الخصوص كانت أكثر إبداعية وأكثر إختراعا وفي المقابل فإن «الفن الشبكي» قد مكن من توسيع دورالمتلقين بشكل أكثر أهمية. لإن العلاقة التفاعلية لم تعد ثنائية، زوجية محصورة بين العمل الفني والجمهور، بل إنها تمتد إلى عدد كبير من المتلقين. هنا يؤاخي الإبداع الفني بين العديد من «الشركاء المؤلفين» حيث أن كل فاعل أمام حد التواصل يغزل خيطه داخل نسيج الشبكة العنكبوتية الهائلة التي يقوم كل إنسان رقمي بنسجها. إن العملية الإبداعية الشبكية متنوعة بيد أنها غير متساوية في نفس الآن في الأهداف، فالبعض منها تشتمل على حمولات بنزوعات سياسية واحتجاجية، وأخرى تلعب أدوارا تقمصية متعارضة، وأخرى هي عبارة عن فضاءات لقاء تذكرنا بسنوات الواقعة/ الهابنيج Happenings في الستينيات، أو هي فضاءات للإبحار والإكتشاف، لكن كلا منها يبحث كي يعطي لـ«الشريك المؤلف» إستقلالية أكثر، ويمنحه أيضا إمكانية بصم شخصيته المتفردة. إذن في ظل هذه الصورة الشاملة، أي دور يمكن أن يلعبه النقد؟ وما هو الجديد الذي قد يوحي به هذا التنوع الرقمي الذي يشكل القوة والقدرة على الإسهام في الخلق والإبداع؟ 

نحو نقد رقمي مختلف.. لكن بأي شروط
هل هذا سيدفعنا إلى الإستنتاج من خلال التصورات السابقة أن النقد الفني الرقمي لاجدوى منه؟ قد يكون الجواب بنعم في حال ما إذا تعلق دوره الوظيفي بالوساطة بين المؤلف والمتلقي، وقد يكون الجواب بالسلب في حال ما إذا أعدنا النظر في دوره الأساسي. إن إعادة تحديد دورالنقد الرقمي لايمكن أجراءه إلا إذا إهتم بالإبداع الرقمي. ويصعب علينا تأسيس نظرية للنقد الرقمي من خلال حفنة من الكلمات. لذا لم يكن هدفنا هنا هو وصف وتحديد الأدوار والأعباء الجديدة للنقد الرقمي، لكن سؤالنا المحوري هو بأي شروط يمكن تحضيره وإعداد أدواته وإواليلته ومناهجه، أو بالأحرى تأسيسه كنقد مختلف. وأعتقد أنه على النقد قبل كل شيء أن يهتم ويأخذ فيما يأخذ تلك التقنية في الإعتبار. إن تجريد الفن الرقمي من خاصياته الأساسية منذ «دوشان DUCHAMP» باستثماره لمختلف الموارد والتقنيات من أجل أهداف فنية قد جعل النقد لايعير إهتماما للتقنية. لكن عندما يستعمل الفنانون تقنية ما أكثر تعقيدا وحاسمة جدا في مجتمعات التلقي مثلما هو الشأن بالنسبة للرقمية، فإنه يصير من غيرالمعقول أن يتجاهل أي ناقد أو خبير في الجماليات/ الإستتيقا تفاصيل وأجزاء الصيرورة التكنولوجية التي إستثمرها الفنانون. فالنقد الرقمي ليس في حاجة كي يتحول إلى مهندس (engineer)، لكن عكس هذا عليه أن يتجاهل المبادئ الأساسية التي قامت عليها صيرورة هذا الفن الرقمي. ويبدو أنه من جانب آخرعلى الناقد الرقمي أن يقبل بالدخول التام في لعبة التحاور التي يطرحها المبدع الرقمي، تحاورا بكل ما في الكلمة من معنى. أن يعايش الفنان والمؤلف الرقمي، أن يحتك به. إن الإبداعات التفاعلية التي تمتاز بخاصياتها في إطار هذه اللعبة وفي التطورالشامل للفن الرقمي، إن هذه الأعمال التفاعلية تمنحنا فرصة تجربة جمالية أصيلة وأنموذج مختلف. يقينا أن أي حكم قيمة يأخذ مصدره من خلفية التجربة الصورية، لكن الدعوة التي توجه للمتلقين والجمهور ليصير «الشريك المؤلف» في العمل الرقمي، وليخضعه لأحكام تدفعه إلى تغيير موقفه.

وأخيرا يبدو لنا أنه من المهم على الناقد الرقمي أن يتجنب فخ التخصص. فإذا كان عليه أن يلم بالمعرفة الخاصة ليمارس أحكامه بدقة علمية أعمق، فإن عليه أيضا أن يبقى منفتحا وحذرا في آن تجاه الظواهرالفنية الأخرى، بالرغم من كون هذه الأخيرة تندرج في التيار المضاد للتطورالتكنولوجي. إن أي إنغلاق يتمظهر على شكل «نقد شبكي» موجه لـ«فن شبكي» في إطار «ثقافة شبكية» لن يسهم سوى في خلق جيتو Ghetto جديد في عالم مازال منغلقا على نفسه. إنه موقف متناقض يفرض نفسه وبشكل إستعجالي، ويحتم على الناقد الرقمي والإستتيقي أيضا أن يبين من أين تبدأ خطوط الإستمرارية، وأين هي نقط القطيعة بين الأشكال الجديدة، الفنية الرقمية وتعميم الفن الرقمي والأشكال التقليدية أو الحديثة بين العمل الفني الذي يضمحل والعمل الفني الذي يتجدد. 

إدمون كوشو أستاذ بجامعة باريس ورئيس شعبة الفن والتكنولوجيا.