يقدم هنا الكاتب الفلسطيني قراءته لديوان جديد لشاعر فلسطيني جديد يعيش زمن الإحباط والقهر والخسائر والخيبات المتتالية وتسديد الكرة دوما في ملعب الذات، بمفردات شعرية جديدة.

أن تكون صغيراً ولا تصدق ذلك

قراءة في مجموعة للشاعر وليد الشيخ

عبد الفتاح شحادة

صدر حديثاً مجموعة شعرية للشاعر الفلسطيني وليد الشيخ عن مركز أوغاريت الثقافي في رام الله والتي جاءت تحت عنوان (أن تكون صغيراً ولا تصدق ذلك) في كتاب قطع متوسط بعدد صفحات 77. يوحي هذا العدد من الصفحات بمجموعة شعرية صغيرة يمكن قراءتها في التاكسي أو مع فنجان شاي في الفراش قبل النوم بقليل. بالفعل هذا ما يحدث أو ما حدث ولكن القارئ لا يكتفي بقراءة واحدة، ذلك لأن القصائد ذات أبواب مفتوحة عن آخرها، ولكن من الصعب دخولها لأن غشاءً غير مرئياً يحول بيننا والدخول إلى عمق المعنى، غشاءً شفافاً ومرناً معاً.

جاءت القصائد قصيرة، وذات لغةٍ بسيطة. حصلت على شعريتها من العادي، ومن الصور اليومية في الشارع والتاكسي، من ذكريات وتصورات حياتية لا تحيد عن خط الحياة اليومي، كأن القارئ يمر بيومٍ من أيام حياته الشخصية، ولكنه يوم ذو اشارات وهموم شاعر مفرط التماهي مع تفاصيل يومه، يسكبُ سائل أحلامه وثقافته في لغةٍ منسابةٍ، وموظفةٍ باقتصادٍ دقيق، فالصورةُ لقطة من camera اللغة والفكرة معاً. حيث أنك لن تجد جفاف التصوير الواقعي، بل ستجد عمق دلالة الواقع في مشاهده اليومية، ولين المخيلة، وبهجة المفردة اليومية، كلها تنخرط في مواضيع الوطن، الحب، ومداعبات وجودية، بسخرية طفولية. كأن الشاعر يحاول الاقتراب من طفولته، ومراهقته المبكرة، ويجعل من المجموعة في عناوينها الداخلية سلسلة من المحطات ذات المواضيع واللغة والصورة والمعنى التي توحي بتدرجٍ ما في الزمن، وهذا حسب قراءتي الشخصية المحضة. حيث أن القارئ سيصل نهايةً إلى باب الرحم أي أنه يجعل من المجموعة خطاً معاكساً لخط العمر. هذا ما سوف نراه في تفاصيل القراءة، وعندما نحلل من البداية وحتى النهاية.

أن تكون صغيراً ولا تصدق ذلك
جاء عنواناً للمجموعة يحتوي العديد من العناوين وهي كالتالي: عطرك الذي سال، وطن، ممنوعات، أنت الوحيدة في الحي، الولد والممرضات والخراف. منذ العنوان ومن ثم الإهداء تباغتكَ جملةً ترن كصوت الأم في أذن ابنها (ثمة أصوات في الخارج لا تذهب) من فوركَ ستدرك أنه ذهب كبقية الأولاد، ذهب وبقية الأسئلة مفتوحة على فضاء وجودي وشعور بالخسارة. الإهداء قصيدة بحد ذاته، ستعرف ذلك عندما تستلهم روح المجموعة، وأنت تقرأ. إنها أول الإشارات التي تحيلك إلى جو الموت الذي يحيط بالإنسان الفلسطيني دوماً أينما حط هناك أصوات بالخارج.

عطركِ الذي سال
القصائد التي تسكن تحتَ هذا الجزء من المجموعة تستأنس الجنس والجسد، وتشكله باللغة جسراً إلى مقاصد إنسانية ومشاهد يومية ينتابها هاجس المثقف الذي يعيش هامشه الخاص، ومن خلاله يرى الوطن، الوجود، الاقتصاد، العلاقات الاجتماعية، الأصدقاء، وذلك بلغته المنسابة انسياب الماء في مجرى جدول بعيد ومعزول في الجبل.

المرأة في القصائد ليست حاضرة بذاتها، ولكنها حاضرة كموضوع، ليست ممتهنة لكنها تمثل العابرة، ابنة الجيران، القاصة التي تركب التكسي، وإن ظهرت كذات فهي تختفي بأسرع مما ظهرت ليبقى الشاعرُ مع جسده، وأطياف نساءٍ متداولة في المخيلة. إنها ذاكرة المراهق.

أول مفردة تحيلك إلى الجسد والجنس في هذه القصائد تتجلى في العنوان (سال) ومن ثم تتلاحق المفردات: وبلل غابة المسك، بيتك قد تبلل، قطعة مبللة، والماء كصوت الناي، الحيوانات الآدمية، المنوية، غسل أصابعي. ومن ثم في بقية المجموعة تجد مفردات مشابهة وتحيل إلى نفس المعنى مثل ما في قصيدة (إجازة). كما أن الجنس هنا خاسر إلى أبعد حد، وذلك للإشارات الواضحة والتوظيف للعادة السرية داخل هذه القصائد حيث يقول الشاعر:

"لي عادتان سريتان يومياً" في قصيدة عادات. "ربما رائحة تلك الحيوانات الآدمية التي تموت بين أصابعي" "بعد موت جيش كامل من الآدميين، حررتهم من الحياة بقبضة يدي" فهذا السيل من الآدميين ينتهون من سجن الحياة إلى الأبد. من النطفةِ التي تكون بداية الإنسان وتحدد أشياءً كثيرة، ومن حالة الصراع الأولى داخل الرحم، والفشل والوصول والتكوين ينفرد إنسانا واحداً ويظفر بالسجن الذي نسميه الحياة. لذلك يود الشاعر لو يكون صغيراً وأن يسير عكس الحياة ليعود إلى الرحم، ومن ثم نطفةً. مسيرة معاكسة ضد عقرب الزمن، ولكن الحالتين تفضيان إلى نتيجة واحدة هذا إن سلمنا بدورة الحياة. الدائرة التي إن سرت على محيطها بأي اتجاه ستصل نهاية إلى نفس النقطة. كما هو حال كل شيء في الوجود.

كما أن القصائد الأولى تذكر الذئب في إشارات واضحة إلى العضو البشري "أن أدخل الآن وأنفض رأس الذئب في يدي إن استطعت"، وهذا يستوجب بالضرورة ذكر أجزاء من جسد الأنثى كالنهد والأفخاذ وغيرها ولكن هذه الأجزاء غير موجودة وغير مذكورة مما يعني غياب جسد المرأة، والحديث عن الجنس المصطنع في أعماق المخيلة، وخاصة أن القصائد تروي حياة الولد الصغير. تروي الجنس والجسد بمخيلة الأولاد الذي يذهبون إلى الجبل للسباق في رؤية شعر العانة. وحدها القراءة المتأنية لحجم هذه البساطة المتناهية هي التي تورد القارئ مورد وليد الشيخ، بوابة المخيلة والجسد والجري عكس عقارب الزمن في دهاليز ممتلئة بنساءٍ متخيلة.

وطن
قاطرة الوطن مرتبطة بقاطرة الجنس المتخيل، مرتبط بالخسران. حيث يقول: "كأنه، ملعبٌ لكرة القدم، بين منتخبين لعائلة واحدة" في إشارة لما حدث في قطاع غزة ثم يتابع "الممثلون ممن رسبوا في امتحان معهد التمثيل العالي" وفي قصيدة عادات تقرأ:عادات علنية، رغبات مدفونة في التمثيل" إذن هو واحد من الخاسرين دوماً هو واحد من اللاعبين في نصف ملعب واحد، ويسددون دوماً في نفس المرمى ويجدون نفس الخسارات ماثلةً أمامهم. ولكنه لا يصدق دوماً!

وفي قصيدة أخرى يكرر الخسارة في المقطع التالي "أن تمارس تلك العادة، في المراحيض العامة، على رسومات فاجرة لنساءٍ بدينات" ويتابع الشيخ مشواره في مجموعته الشعرية بالنفس الشعري ذاته معتمداً جمالية اللقطة المتجاورة مع صور تهز الذهن من حين إلى آخر. يذكرنا هنا بـ (ليس عندي) لا ايدز ولا عرض لوزارة ولا ولا ولا دولة ليس عنده شيء وحتى لو عنده فالايدز يشبه عرض لتلقي أحد الحقائب الوزارية! يشبه وجود دولة أو عدم وجودها! بقية القصائد تحت هذا العنوان تتناول هذا المعنى من زوايا مختلفة، وبعناوين غاية في الحيادية والعادية مثل: وطن، حماقات بعيدة عن المنزل، هدية...الخ. هنا يبدأ الجسد المتخيل في الذبول. لحظة ولن نجده في القصائد التي تلي هذا العنوان (وطن)

(ممنوعات) (أنت الوحيدة في الحي)
تحت هذين العنوانين يبدأ الممنوع على اختلاف حالات هذه الكلمة والتي ترسخت في وعي الفلسطيني عبر الاحتلال لعقود طويلة، وفي مخيلة الطفل الذي ما زال يتعلم آداب البيت والشارع، الركوب في الباص، وغيرها من السلوكيات. يستثمرها الشاعر في لغة شعرية بسيطة وعميقة. أما في العنوان الثاني (أنت الوحيدة في الحي) هنا تظهر المرأة بذاتها، بعيهنا، الحبيبة، وتمضي الذكريات، ولكنها امرأة تحجزها المسافات، يلتقيها في الباص، يراها عن النافذة، وتختفي بسرعة البرق. هنا رغم حضور المرأة بعينها، رغم حضور الحبيبة، يختفي الجنس ومفردات (الذئب) والإشارات إلى اللذة والشهوة وتظهر (امرأة الفانيلا) كما يصفها في واحدة من القصائد، وكذلك (أنت تشبهين الخريف) ولكنه شاهدها منذ سنتين ولم يعد يشاهدها بعد ذلك. إنها ممرضته الخاصة.

الولدُ والممرضات والخراف
تشبه عناوين قصص الأطفال، كما أن القصائد فيها حبكة درامية ومساحة سرد شعرية بالغة. هنا ينتقل الشاعر إلى عدميته فيبدأ من قصيدة (الصباح) الذي لم يفعل فيه شيئاً إلى (لا أحد يخاف مني) وفي قصيدة صلاة يقول: "أنا المريض بك" وفي قصيدة (الولدُ والممرضات والخراف) يرفض الطفل أن، يقوم إلى الحياة ويبقى لا يتحرك لثلاثة ليالٍ متتالية ولكنه ينتفض بعد عشرين عاماً ليجد جسده قد كبر، وأنه يحلم ببيت لحم. هذه المدينة التي تكررت في المجموعة، وطقوس المسيحيين، وذكر المسلمين، والحزب الشيوعي والصلاة، والوجود والجنس... تقوده باتجاه الممرضات مرةً أخرى انه مريض بالخسارت، ويريد العودة ضد عقارب الزمن! 


كاتب من فلسطين ـ غزة