تكشف الباحثة الجزائرية عن عدد من السمات الأسلوبية في شعر عفيف الدين التلمساني، وكيفية اشتغالها وتضافرها لتوليد الدلالات والرؤى الصوفية وهو يوظفها في توصيفه لحبّ إلهي استأثر بثقل مركزي شعره، برغم المتغيرات الأسلوبية، والاستعانة بصور إقونية أثرت الدلالات والقيم التعبيرية التلمسانية فاستحالت إلى قيم انطباعية أسلوبية جمالية.

اشتغال السّمات الأسلوبية وتضافرها

في شعر عفيف الدين التلمساني

طاطة بن قرماز

نقرّ مبدئيا بأننا واجهنا عقوقا أسلوبيا عند قراءتنا الأولى لديوان الشاعر عفيف التلمساني، وقد اعترتنا عند القراءة الأولى لشعره حالة من التبعثر الشعري والانفكاك الأسلوبي، استشعرنا في مضاميرها بخلو شعره من كل فضيلة أسلوبية جمالية لا يتناتج فيها الفضل ولا يتناسل، بيد أن القراءة الثانية المتروية، أوحت لنا بورود قيّم أسلوبية قابعة في ظلال عبارات النص الشعري الصوفية للتلمساني، ألفينا من خلال القراءة النسقية المتكررة شعبا أسلوبية من شعب الانبصام الجمالي تفجرت من عدم الاكتراث لها، وإننا عندما لا نعبأ بها فإننا نقرّ بوجودها فهو اعتراف ضمني لوجودها وتوثيق صريح لانبثاقها، وهذا ما تعورف عليه في الدرس الأسلوبي بـ: لا عارض في النص أي على القارئ أن يولي اهتماما بالغا بكل مكونات النص البنائية دون إهمال أي جزء منه فقد تكمن القيمة الأسلوبية فيه[1].

إن حبّ الشاعر التلمساني لله حبا جمّا وإخلاصه له وتعلقه الشديد به استلزم منه أن يسلك مسالك أسلوبية متشعبة، متوخيا سبل تعبيرية شعرية متباينة لعلها تسعفه على تحرير مشاعره بغرض توصيل رسالته الصوفية إلى المتلقي وتكشيف عواطفه تجاه الخالق فتظهر بادية للعيان. تغدو القراءة النسقية المتكررة إجراء أسلوبيا يكشف الانبصام الجمالي لأي نص أدبي، فقد تعمدنا فلي ديوان شعر عفيف الدين التلمساني فليا متواترا، فكانت أساليبه في هندسة الأبيات الشعرية أسلوبيا عنوانا لتفرده الأسلوبي و مؤشرا قويا على عبقرية دم إبداعه الشعري، التي استمازت بها الشخصية الشعرية العفيفية، فجاءت القراءة المتكررة لديوانه منتجة مولدة لبنيات أسلوبية متناتجة الفضل والمزية.

يعدّ الشاعر عفيف الدين التلمساني المتوفى: (690 هــ)، من كبار الشعراء المتصوفة القادمين من المغرب العربي إلى المشرق، نشأ في ربوع تلمسان حيث تلقى بذور التصوف وطريقة الصوفية، ثم رحل عن بلاده ليطوف بلاد المسلمين بحثا عن شيخه صدر الدين القونوي المتوفي: (672 ه)، الذي تتلمذ على يد ابن عربي الغائص في التجربة الصوفية[2].

طرح الشاعر عفيف الدين موضوعات شعرية صوفية في جزئه الأول من ديوانه الشعري، الذي درسه وحققه يوسف زيدان، اجتزأنا نتفا شعرية منه، بغاية رصد تمظهراتها الأسلوبية وتلوينات الشاعر الوجدانية ذات الكمون الجمالي في تعبيره عن أفكاره الشعرية بمتغيّرات أسلوبية ومنوعات وجدانية صوفية ذات الطابع الرمزي، نستعرض بعضا من الأبيات الشعرية من ديوان عفيف التلمساني ذات التميز الأسلوبي بحثا عن سريان دم إبداعه الشعري انطلاقا من محاولة القبض على السيل العاطفي لديه وتتبع مجراه من أوله إلى آخره. إن حبّ الشاعر عفيف الدين التلمساني لله حبا جمّا وإخلاصه لمحبته وتعلقه الشديد به أملى عليه انتهاج مسالك أسلوبية متشعبة، توخى فيها سبلا تعبيرية متباينة لعلها تسعفه على تحرير مشاعره بغرض توصيل رسالته الصوفية إلى المتلقي، وتعينه على تكشيف عواطفه تجاه الخالق، فتظهر متخفية، بادية للعيان في الوقت ذاته.

تنعت الكيفيات التعبيرية المتباينة المستخدمة للتعبير عن الفكرة ذاتها في الدرس الأسلوبيles variables stylistique بالمتغيّرات الأسلوبية[3]، لذلك ألفينا الشاعر يخضع دلالات أبياته الشعرية المنتقاة لتقنية الإخفاء أو ما يعرف بالتسنين encodage، فرمز للحبّ الإلهي بشتى الرموز، إذ استأثر هذا الحب المائز الفريد بالمحورية في كامل الأبيات الشعرية المختارة، فتبوأ الرمز المنزلة الأساس باعتباره موضوعا حقيقيا غلابا على شعر عفيف الدين التلمساني، اتخذه جسر عبور لنعت الحب الإلهي وتوصيف حالة التعاطي معه. تخير الشاعر بنى أسلوبية إيهامية لنسج تراكيبه الشعرية استأثرت باسترعاء وعي القارئ، فجعلته يتوهم وجود علاقة غرامية بادية للعيان ظاهريا، وبعلاقة الشاعر بالخالق تعلقا روحانيا رهيبا تكتشف عُمقيا، توارت علاقة التلمساني بالله خلف ظلال رمزية منها: الشمس، ليلى، والسكر، وعدم الصحو، اللهب، الشحب، الوقوف، التحية، الطلب، التمنع، الغياب، الاعتياص...

السياقات الأسلوبية في شعر عفيف الدين التلمساني:
يجسد البيتان الشعريان:
بين فؤادي وخدّه نسب كلاهما بالجحيم ينتسب[4]

هما سواء والفرق بينهما أنهما ساكن ومضطرب[5]

حالة الشاعر الباطنة بكل ما تتضمنه من انخراط وتفاعل بالولع العاطفي، يعالج هذه القضية ذات الأبعاد الاستعارية الرمزية عُمقيا لينقل ما بدواخله ويترجمهما ترجمة روحية مطابقة لبواطن النفس معبرا فنّيا عن تلويناته الوجدانية، ( فرموز اللغة إذن ما هي إلا علاقات تعبر عن المعاني الكامنة في الخيال والإحساس مما يعني أنها تعبر عن الفن)[6]. يعتبر الحبّ موضوعة محورية في شعر عفيف الدين التلمساني إلى درجة تجعل القارئ يتسرع في وضع شعره ضمن خانة الغزل، فالشاعر هنا لا يجاري القارئ في الحسّ المشترك وإنما يسعى سعيا حثيثا إلى إمتاعه وإدهاشه بقوته الشعرية النّاظمة، وبأسلوب إمتاعي يثير الفضول، فتتناسل الأسئلة لدى القارئ تناسلا مستمرا، اعتمد الشاعر السياق الأسلوبي مطيّة أسلوبية لركوب النسوج تركيبية طبيعية وغير طبيعية، وغايته تقوية الكيفيات التعبيرية و شدّ انتباه القارئ والاستحواذ عليه استحواذا لا متناه.

يعدّ le contexte stylistiqueمعيارا خصبا من معايير التحليل الأسلوبي البنيوي ورائده الناقد الأسلوبي Michael riffaterre، الممثل الألمع للأسلوبية السياقية إذ عرفه على النحو الآتي:)le contexte stylistique est un pattern linguistique rompu par un élément qui est imprévisible et le contraste résultant de cette interférence est le stimulus stylistique) [7]

قدّم حميد الحمداني ترجمة لمفهوم السياق الأسلوبي قائلا: (أنه نموذج لساني مقطوع بواسطة عنصر غير متوقع والتناقض الناتج في هذا التداخل هو المنبه الأسلوبي)[8]، أي أن هناك تباينا يحدث بين عنصرين نصيين في المتوالية التعبيرية ذات الطبيعة الخطية اللسانية على مستوى التصور المركبي[9]، حيث يقطع النموذج اللساني بعنصر لساني مفارق صادم للقارئ يؤجج فيه شهوة الإغراب فتخيب توقعاته الدلالية، وينجر مغناطسيا نحو لعبة المؤلف الأسلوبية الإغوائية.

يتمظهر الحدث الأسلوبي في البيت الشعري حين أنشد الشاعر قائلا:

بين فؤادي وخدّه نسب كلاهما بالجحيم ينتسب[10] .

يظهر كسر السياق الأسلوبي بعد أن سلك الشاعر مسلكا تعبيرا مألوفا مشوّقا في إنشاده : بين فؤادي وخدّه، قُطع السياق بواسطة الوحدة اللسانية الصغرى: نسب، وهي عنصر لساني صادم باغت توقع المتلقي الذي صُرف ذهنه إلى حيث لم يتبادر إليه، فاغتدت الوحدة اللسانية unité linguistique وحدة أسلوبية unité stylistique، صعّد الشّاعر من درجة الإفجاء الأسلوبي ناعتا الصلة بين الفؤاد والخدّ بصلة غير متوقعة وهي صلة القرابة الوثيقة الرباط تبلورت في النسب، فالنسب يكون من عوائده بين كائنين بشريين وليس بين عنصرين ساكنين مما جعل القيمة الأسلوبية تطل برأسها وتلّوح بارزة، لأنها تكمن أي (القيمة الأسلوبية للتناقص في نسق العلاقات الذي يعمل هذا التناقض نفسه على إقامته بين عنصرين متصادمين ولن ينتج أي أثر دون اجتماع هذين العنصرين في متوالية واحدة)[11]، إذ يؤدي القطع غير المتوقع إلى خروج غير مألوف فيتعارض النسيج الطبيعي مع نسيج غير مألوف يتحدد هذا الأخير بمقدار الخروج عن حدّه[12]، حيث نجم عن قطع السياق الأسلوبي انحراف أضحى إجراء أسلوبيا.

لاشك في أن الشاعر عفيف الدين التلمساني يبتغي مراوغة المتلقي ومناورته أسلوبيا من خلال كسر المألوف التعبيري، وذلك قصد الانتصار على شوائب تركيزه وهما السهو والشرود، يُستأنف الإدهاش الأسلوبي المكثّف فتتضافر السياقات الأسلوبية لتشتد بروزا، حيث يهمّ الشاعر بالإفصاح عن طبيعة النسب الصادم المتمثلة في :الجحيم للتدليل على أن صلة الجحيم بالقلب والخدّ أشد متانة وأقدم عهدا .

يسفر البيت الثاني:
هما سواء والفرق بينهما أنهما ساكن ومضطرب[13]

عن خصوصية أسلوبية تعمدها الشاعر في إيهام القارئ من حيث غالطه بأنهما واحد بقوله: هما سواء وهي متوالية تعبيرية متداولة دلاليا عارية من الإثارة، مهّدت لميلاد عبارة غير متوقعة : والفرق بينهما، فيظهر الكسر انطلاقا من بنية التضاد المخالفة للعبارة الشعرية السابقة، توخاه الشاعر لإثارة تساؤل القارئ و زرع الحيرة في تفكيره ليعمله، بحيث أدى هذا الموقف الأسلوبي إلى تناسل الأسئلة في ذهنية المتلقي عن هذا التناقض المؤدي إلى حصول مخالفة تعبيرية مفاجئة، ميّز فيه الشاعر عفيف الدين الخدّ عن القلب، إذ وسم الخدّ بالسكون والقلب بالاضطراب دون أن يفصح عن ذلك ويصرح بالفارق الدقيق، تزيد الصياغة الشعرية من إعجاب القارئ ومن استطرافه لها لأن الجواب تُرك مفتوحا، استطاع الشاعر أن يأسر ذهن المتلقي بسؤال يتوق شغافا إلى فك شفرته .

يعدّ انكباب القارئ على معرفة أيهما ساكن وأيهما مضطرب عملا استكشافيا يسوقه إلى ما هو جوهري وهو من تقنيات الشاعر النظمية ذات الطابع التشفيري الاغوائي لأن القارئ هو الهدف المنشود من قبل المؤلف[14]، فالشاعر يبذل كل طاقاته الإبداعية من أجل وإيقاعه في شباك اللعبة النّظمية من خلال تشييده لبنية النص صياغيا ونسيجيا، أفرز هذا التجاذب الإبداعي الشعري لهاثا لامتناه لقارئ فطن حرّك فيه قوة تستقرئ ما يدمدم في العقل الباطن للشاعر عفيف الدين التلمساني، شارعا أي القارئ في إيراد احتمالات دلالية، آثارها الشاعر قصديا في نفس المتلقي، لأن الفؤاد والخدّ واحد حسب تصور الشاعر من وجهة، وهما مختلفان و متمايزان من الوجهة الأخراة، فهما بقدر ما يتشبهان بقدر ما يختلفان في الآن الواحد، بينهما برزخ يحول دون تلاقيهما (الساكن مع المضطرب)، ولّد التنافر بينهما مزية أسلوبية، فتحقق التوزان، لأن التنافر الحاصل في جدولي الاستبدال والتوزيع ابرز انسجام مجموعهما، كما تعدّ التفرقة من مواضعات التفكير الصوفي.

التوافقان الصوتي والدلالي :
جاءت لفظة: مضطرب في البيت السابق متفقة صوتيا مع لفظة : ينتسب، من حيث كمية الحروف ومن حيث التوافق الصوتي الظاهر في حرف الباء وهو صوت شديد مجهور منفتح[15]، حيث أدى استدعاء الشاعر للفظة : مضطرب إلى تحقيق تنغيم موسيقي أطرب أذن المتلقي فاستلذه سماعيا واستحسنه قلبيا، اختارها الشاعر اختيارا موسيقيا، فجاءت متناغمة موسيقيا مع لفظة ينتسب ومع الحالة النفسية للذات الشاعرة المضطربة مزاجيا التي تربص بها القلق من هول جحيم الحبّ المعذاب، المصرح به في البيت الأول، أبان عن قوة انفعالية تأرجحت بين الجمود والحركية، بالإضافة إلى وقوع حروف كلمة : مضطرب جميعها ضمن حيز الجهر، ويومئ التعاطي مع الأصوات المجهورة لدى العرب القدامى بقوة العاطفة وتدفق القريحة الموحية بحرارة الانفعال وعظمة الحسّ.

يقع البيت الشعري:
أينكر الوجد أني في الهوى شحب ودون كل دخان ساطع لهب[16]،
ضمن إطار علامة ظاهرة على دلالة خفية، يسترشد الشاعر بمحاورة ضمنية بينه و بين الوجد، وهي محاورة غير منتظرة من شأنها أن تولد إحساسا بالغرابة، لأن طرفي الحوار غير متناغمين، واحد منهما ملموس والثاني مجرد ومن شأن هذه المفارقة أن تحدث إجراء أسلوبيا في أي سياق تعبيري تقع فيه .

يمثل الوجد حسب تصور الشاعر شاهدا حضوريا على حالته العاطفية، إذ لا يمكن للوجد أن ينفي البتة علاقة الشاعر بالهوى، والوجد مصطلح صوفي وركيزة أساسية في بناء مكّونات القصيدة الصوفية، عمد الشاعر إلى توظيفه مستخدما أسلوب الاستفهام مخاطبا الوجد من خلال استهلاله البيت الشعري بالهمزة الاستفهامية، وغرضه اجتذاب انتباه المتلقي بأسلوب ممّوه، إذ لا يدّل توظيف الاستفهام هنا على طلب الجواب، وإنما وقوعه يدّل على تأكيد وإلحاح عارمين على معلم الأثر الذي خلّفه الوجد والهيام، ظهر في التغير الفسيولوجي الطارئ على وجه الشاعر العابث بقسماته، بعد أن تملكه الهوى تملكا ارتسمت فيه جعودة مبكرة ترجمت في شكل شحوب شاحب.

يضطلع البيت الشعري السابق بعلامات دالة على دلالات خفية مثل الوجد، والهوى والشحوب، والدخان، واللهب، وغاية الشاعر تصوير حاله مع هوى انكوى بناره كيّا واضحا وضوح اللهب اللامع وبروزه في عرصة دخان أسود، وكانت الأصول اللغوية قد عالجت مسألة مزية المخالفة اللغوية من حيث أن الشئ مع نقيضه أظهر من قرينه ولصيقه[17]، لذلك برز اللهب بلونه اللامع وكان أظهر في عتمة الدخان السوداء، عبّر الشاعر و بصدق بالغ عن لحظاته النفسية المتشظية التي أبانتها لفظة: شحب.

يستمد الشاعر عفيف الدين التلمساني فردانيته الصوفية حسب اعتقادنا من رقة أساليبه في تفاعله مع حبّ إلى درجة من الارتباط الحميمي، فقد غذى هذا الحب مجرى التجربة الشعرية العفيفية ومدّ دم الابداع الشعري بسيلان عاطفي جارف، تطابق مع لغته وأسلوبه العذب، وإذا تمعنا البيت الشعري السابق بغاية التمعن نلفي ورود حكائية وهمية دارت بين الشاعر وبين الوجد نستشعر فيها بتبادل لأطراف حديث، دار بينهما بواسطة إحساس مرهف رقيق في محاورة غريبة و شيقة في الوقت نفسه، وهي تعدّ جميعها وثبات سياقية أسلوبية انساقت وراء رموز متشعبة بهدف الكشف عن كينونة الشاعر النفسية التي تعكس شراهة عاطفية لا متناهية. تومئ تلك الوثبات السياقية الأسلوبية العذبة بأن الشاعر متعاط عاشق، لأن رقة الأسلوب في التعبير عن التلوينات الوجدانية مؤشر على تعشق صاحبه في العرف البلاغي [18]، بل تأكيد قوي على صدق مشاعره وقوتها وأنه في الهوى غارق.

إن مما زاد من استساغة واستظراف البيت الشعري هو توظيف الشاعر للفظتي :شحب ولهب، فبالإضافة إلى كونهما قيمتين إيصاليتين، فهما قيمتان أسلوبيتان تؤديان أثرا انطباعيا جماليا في المتلقي، أملتهما البواعث النفسية ودرجتا الانفعال والتوتر بالفكرة ذاتها / الحب الالهي/ وهي الأثر الناتج عن هذا الحب فكان التأكيد على دلائل خفية واحدة بطرائق نظمية متابينة، لأن (مفهوم القيمة الأسلوبية يفترض إذن وجود عدد من الطرق للتعبير عن الفكرة نفسها وهذا ما نسميه بالمتغيرات الأسلوبية التي تشكل كل واحدة منها طريقة خاصة للتعبير عن المفهوم ذاته)[19]، هما كلمتان تتوافق صوتيا من حيث عدد الحروف المقدر بثلاثة أحرف وفي تقاطعهما المشترك في حرف الباء، أفضت هذه المجانسة الصوتية إلى تحقيق مجانسة تنغيمية ومجانسة دلالية في آن واحد بينت الأثر المتمخض عن الهوى والذي يتمثل في علامة الشحوب البادية على وجهه وعلى الّلهب الحارق له الظاهر في كومة الدخان.

أسلوبية التكرار في شعر عفيف الدين التلمساني:
إن الظاهرة اللافتة في شعر عفيف الدين التلمساني هي ظاهرة تردد توظيفها، تكمن في استخدامه لأسلوب التكرار لعبارات السكر والرّاح وإيغاله في استخدامهما بأسماء رمزية، مثل: المدام والراح، تجلى هذا الملمح الأسلوبي في البيت الشعري:

صحا السكارى وسكري فيك دام وما للسكر من سبب يروى ولا نسب[20].

  • حرف السين ويرتسم في هذا البيت خمس مرات وهو صوت أسناني لثوي رخو مهموس مطبق[21]، جاءت السين بصفيريتها مقترنة كثفاتها بكثافة أحاسيس الشاعر المنبثقة من فقدانه الوعي، من حب ساكر مسكر، فهيمنت بصفيريتها على حروف البيت بأسره، وفضل تنغيمها يرجع إلى لحظة الإبداع أملتها دوافع داخلية للشاعر، فاتسقت حركيتها المتجلية بحركية إحساس الشاعر المرتسمة إلحاحيا قبل أن يشخص ظهوره الملحاحي صوتيا و مرئيا سماعيا .

نعتقد أن أدوات الأداء الأسلوبية انقادت انقيادا إلى الشاعر عفيف الدين التلمساني مقارعة دواخلة النفسية، فكانت اللغة طيّعة مطاوعة معبرة عن معالم روحه الصوفية، حيث استرشد الشاعر بالسكر للتدليل على غرام مسكر أوقعه في شباك نشوته، إذ يقبل الشاعر على توصيف حالة من اللاصحو انتابته ونفذت إلى كيانه فبدا متعايشا معها، برزت حالة السكر هذه شاخصة في غياب وعيه غيابا ديموميا جراء الاندهاش والذهول اللذين انتباه من سكر مسكر، ساكر.

يطلعنا الشاعر على حالة اعتورته، طالت واستتبت بروحه، لأن حبّه المشفّر فرّخ و عشعش في أغوار نفسه، قارع الشاعر بلفظة: السكر ذاته موردا إياها بصيغة الجمع : السكارى، وغاية الشاعر التدليل على حال متعاطيين مثله لكنهم استفاقوا، وبصيغة المفرد : سكري تخص الشاعر مدمن التعاطي وفي: للسكر وهي أنسب وسيلة لفظية للتعبير عن حالة مجهولة النسب والسبب ظاهريا، فتكررت مرتسمة ثلاثيا وهي تعكس حالة من حالات الهيام والوجد في أغوار النفس الشاعرة، توحي بتواردها على انقضاض مسيطر وعلى الحدّ من حرية الصحو .

هيمن الهيام على الشاعر عفيف الدين التلمساني وتملك فؤاده دون أن يبرحه مثلما برح السكارى الآخرين الذين استرجعوا الوعي والصحو، وبناء على هذه المكثافة في استعمال كلمة السُكر تكون هذه الأخيرة فرضت نفسها فرضا سمعيا بصريا على الشاعر والقارئ معا، فأضفت قيمة أسلوبية مختلفة حقق توظيفها كسرا أسلوبيا فكان تناقضها أشد بالقياس على الملفوظات الواردة في سياقها مشكلة القيمة الأشد بروزا التي توقف القارئ ليتأملها، لذلك عدّ ميكائيل ريفاتر[22]، القيمة الأسلوبية أولا ثم تنبه القارئ ثانيا فتحقق ما يعرف بما يصطلح عليه بـ:rétroaction أي الارتجاع ومعناه الريفاتري: ماقرئ يفعل فيما يقرأ من خلال تركيز البنية الشعرية سياقيا ذهابا وإيابا .

تدرج الشاعر التلمساني في استظهار مدارج أسلوبية الأكثر إثارة حين قال:
ياعاذلي كن عاذري في حبهم لم ألق للسلوان عنهم مذهبا

غبتم وأنتم حاضرون بمهجتي أفدي الحضور بمهجتي والغيّبا[23]

يختبر الشاعر مفعول مهارة طاقاته التعبيرية الشعرية المتشعبة عارضا عقله الشعري لاسترعاء عناية المتلقين وإمتاعهم بكلام شعري أكثر وقعا على نفوسهم وهذا ما اقتضى من الشاعر عفيف التدرج في المدارج الأسلوبية وبسط مسالكها بسطا جذابا، آخاذا. يستشعر القارئ صاحب الذائقة الشعرية مسحة عاطفية تتضوع غراما من جنبات البيت الشعري الأول يستسيغها استلطافا لتضمنها أسلوب ملاطفة ولين، يبتدئه بنداء طلبي وبأسلوب لين المعاطف سهل المخارج : ياعاذلي كن عاذري، يعقب أسلوب النداء الطلبي أسلوب الأمر الاستعطافي، ولأن الشاعر يقف موقف المتألم المستعطف راح يهندس عبارته الشعرية هندسة عاطفية[24]، دون أن يذكر مسوغات اللوم بل ذكر العذل والعذر فاجتعلا دليلا لمقارعة هموم الشاعر القلبية التي تكشف رجاء وطلب ملحاحين بحضورهما الجمالي .

يظهر هذا الحضور من خلال فرض الشاعر حضور العين ثلاث مرات مركوزة في مستهل كل كلمة من الكلمات الثلاث في البيت الشعري المذكور في: ياعاذلي/ عاذري/ عنهم/، والعين صوت من الأصوات المجهورة يجد فيها الشاعر فسحة رحيبة للبوح بصدق المشاعر وفورانها لسبر أغوار النفس، لأنها حرف حلقي تصدر من أقصى الحلق، وكأن الشاعر يبين عن إحساسه النابع من أعماقه، عمق انبجاس صوت العين وانبعاثه، فجاءت الخاصية اللغوية متواجشة مع الخاصية النفسية للذات الشاعرة، من حيث القوة والعمق.

  • الشاعر عفيف الدين التلمساني على إحساس نفسي بأسلوب متطابق مع ما يشغله، تشوفه القارئ ولامس إشعاعه العاطفي في: ياعاذلي كن عاذري، استخدم كلمتين مشتركتين في أصوات الجهر كانت برهانا على عظمة عاطفية هي : العين الممدودة بالألف/ الذال/ الياء وهي علامة دالة على تفاني الشاعر وإخلاصه الشديدين لهذا الغرام الروحي العظيم. يمكن أن نستشف حيزا ممنوعا حسب الاصطلاح العبمرتاضي النقدي [25]، في قول الشاعر : لم ألق للسلوان عنهم مذهبا وهو حيز ممنوع[26]، يقرّ الشاعر فيه ضمنيا بوجود حاجز قوي يمنعه من الصبر على فراق من يحب، فتغتدي هذه الحيلولة حيزا ممنوعا محرما للقاء الشاعر بالسلوان الذي ليس له مذهبا لا سيما و أن الشاعر استخدم أداة جازمة تدّل على لا أمل من الأمل، يظهر الشاعر من خلال هذه الحيززة الزمنية للقيمة لتعبيرية السابقة يأسا يائسا لعدم عثوره على تجلّد يؤنس وحدة تجننه العاطفي.

تجلت مشاعر الحب والصبابة بانتشار مجموعة من المفردات انتشارا متداعيا على مستوى العلاقات الاستبدالية ذات الحقل الدلالي الغزلي المهندس لإحساس الشاعر القوي وهي: المعاذلة، وطلب العذر، والحب والسلوان، والغياب والحضور، الفداء، والمهجة، وقد شكلت هذه الملفوظات وشائج وقرائن دلالية منوطة بموضوعة الحبّ في شكل سلسة كلامية و متوالية تعبيرية حملت شحنة عاطفية في جناباتها، كاشفت حبا لائطا بفؤاد الشاعر، وهي ألفاظ موحية بمشاعر الرقة تتدفق استعطافا و رجاء وطلبا وصبابة وتمن.

يفصح الشاعر عفيف الدين التلمساني عن حالة من الاعتياض العاطفي في: غبتم وأنتم الحاضرون بمهجتي، بأسلوب مشوق وظّف فيه الغياب واللاغياب، الحضور واللاحضور، أفضت عن مناورات لفظية أسلوبية دلالية، توخاها الشاعر لاستدراج وعي القارئ، بالإضافة إلى استخدامه للمدّ النغمي الذي ظهر مكثفا في عاذلي / وعاذري، وهو امتداد عمودي طويل أحدث تجاذبا صوتيا نغميا موافقا لتساوق دلالي نغمي وقد وقع المدّ النغمي بحرف العين وهو حرف مجهور، أدى المدّ إلى تفخيم[27] جهر العين و إلى إحداث توازن نغمي دلالي وصوتي، يتكشف الدلالي من خلال ابتغاء المعذرة والعفو والمسامحة من معاتب لائم لا يتقن سوى صنعتي العذل و المعاذلة.

استلهم الشاعر مادته الشعرية أسلوبا وتصويرا من فنّيات الإرث الشعري القديم بمكوناته البنائية والأسلوبية فبدا متأثرا بالشاعر امرئ القيس الذي كان له السبق والريادة في فتق شعب الإبداع الشعري وفصوله، يقول الشاعر التلمساني :

قفا بالمطايا بين نجد وشعبه نؤدي تحيات الغرام لصبّه

أجنّ إليها وهي قلبي وهل ترى سوى أخو وجد يحنّ لوجده[28]

يقف الشاعر على أطلال من تحبير خياله الرحيب، راسما الوقوف مصورا الاستيقاف ممتطيا المطايا مستحضرا أسماء لأماكن مثل : نجد وشعبه. لعل ما يشد انتباهنا ويتجاذبنا في البيت الأول لفظة: الغرام التي استعان بها الشاعر فأحدثت أثرا أسلوبيا بوقوعها في موطنها من حيث علاقاتها الاستبدالية، ونعتقد حسب تقديرنا ما كان أن يكون لها هذا الوقع على الأذن والقلب لولا ورودها منسجمة مع بنيّات البيت الشعري، لأن مقام الوقوف على الطلل استدعى أداء التحية الغرامية، ولو وقعت لفظة: الغرام في موقف غير هذا الموقف الشعري لما بدت قوية بارزة دون معوضاتها الدلالية من مثل: الحب/ العشق/ الهيام/ الوجد/ مثّلت هذه المترادفات المستقاة من الذاكرة الاستبدالية ضغطا معجميا ازدحمت في صدر الشاعر إلا أنه فضّل انتقاء الكلمة الأشد بروزا: الغرام، لأنها اللفظة المتجاوبة مع حال الشاعر المتحسرة على ذكرى لم تمض من جهة ومع أداء تحية الغرام بالوقوف على المطايا من جهة أخراة، فانسحبت اللفظة من الضغط الانتقائي وانعزلت عن البقية[29]، ولفظة الغرام لا تختلف في معناها المحوري عن مرادفاتها الدلالية، لكنها كانت الأبرز حضورا سُجل فرضها وتحقق انبصامها الأسلوبي، فغدت الوسيلة اللسانية الأمثل أدائيا والأنسب مقصديا بتحققها متواشجة مع كوامن الشاعر عفيف الروحية، ولأن لفظة الغرام جاءت مُعرفة حملت كل معاني الانثيال العاطفي في أسمى تجلياتها، استخدمها الشاعر ذريعة لإظهار عظمة هذا الحب وصلابة أشطانه الروحانية.

يغالي الشاعر من توظيف الوجد ويوقّع الأسماع بذكره متكررا وهو علامة يحيل تكرارها إلى تشبث الشاعر بحب امرأة حين قال .. أجنّ إليها وهي قلبي وهل ترى، ولعل ما يتفرّد به شعر عفيف الدين التلمساني هو أسلوب التكرار البارز في كل بيت شعري : وجد / لوجده، فاللفظة من خلال تكريرها تغدو قطب الدلالة الموضوعية[30]، واللافت للنظر أن كلمة الوجد وردت نكرة: سوى أخو وجد يحنّ لوجده[31]، وقد حصلت التّقوية الأسلوبية باستعمالها نكرة، وكأن الوجد برمته مقصورا على الشاعر التلمساني دون غيره من الشعراء، لاسيما حين جعل من الوجد شقيقا له، فتمهر في انتقاء ملفوظاته الشعرية انتقاء نفسيا، حدث انزياح استبدالي في انتخاب لفظة أخو وانتخاب الوجد مرة ومن براعة نسجهما وحسن رصفهما مرة أخراة، إلا أن كلمة الوجد اتخذت تقلبات في المعنى، عني بالوجد الأولى الشاعر نفسه أما الثانية فتعني الوجد الذي هو به الشاعر مستمسك.

تجدر الإشارة على أن الشاعر عفيف الدين التلمساني استخدم من قبل لفظة الوجد في غير هذا الموقف وكانت قد استرعت انتباهنا وأثارت اهتمامنا بتوظيفها لذلك فتواترها كان مظهريا، لأن عتبة الإدراك تتغير تبعا لطبيعة الكلمة المترددة وخاصة أن كلمة الوجد الأولى بالمنظور الارتجاعي الريفاتيري كانت الأبرز، لذلك وبما أنها كانت مثيرة للانتباه فإن إدراكها كان أسرع من أية مفردة أسندت إليها قيمة عن طريق تكرارها[32].

وقلت زكاة الحسّ فرض فقال ما تميل الغصون الورق إلا على النُّدب[33]

بلوت الهوى قبل الهوى فوجدته إسارا بلا فكّ سقاما بلا طبّ

بروحي حبيب لا أصرح باسمه وكل محبّ فهو يُكني عن الحبّ[34]

لوّن الشاعر عفيف الدين التلمساني من أساليبه الشعرية، فاستعان بأسلوب الحوار المتجلي في البيت الأول : قلت/ فقال، أما في قول الشاعر في: وقلت زكاة فهو سياق تعبيري متوقع غير موسوم ـــ سياق كبيرــ ذو قيمة إيصاليه خُرق بفعل إقحام لفظة الحسّ (العنصر غير الموسوم أو السياق الصغير) المغتصبة انتقائيا على مستوى العلاقات الاستبدالية، فكانت صادمة لتوقع القارئ، شكلت تضادا بنيويا وانزياحا أسلوبيا تصادم فيه المتوقع مع اللامتوقع و العادي من الكلام مع غير العادي منه، تحقق التضاد البنيوي بفعل هذا التناقض بين الزكاة ونوعها غير المنتظر، لأن في انحراف الشاعر بالزكاة المتعارف عليها كزكاة -الفطر - على سبيل المثال إلى زكاة الحس، كسر الشاعر الاستعمال المألوف للغة فأوقع اضطرابا في نظامها الذي اغتدى هو نفسه نظاما جديدا[35]، فنحا الشاعر بالزكاة منحا غير معهود بدلالتها بمالم يتوقعه القارئ بنوع زكاة غير متوقعة : زكاة الحسّ: فتولد إجراء أسلوبي تمثل في كسر السياق الكبير الصادم بواسطة التضاد المخالف للتعبير، لذلك ( فالأسلوب ليس مكونا من عنصر المفارقة غير المتوقعة فحسب، بل هو مكون أيضا من السياق المتوقع، الأسلوب= السياق+ المفارقة)[36] .

يسترسل الشاعر عفيف الدين التلمساني في توصيف عواطفه مستثمرا ألفاظ الحب كلفظة الهوى المكرر ارتسامها في الشطر الشعري الواحد مستعينا بلفظة البلاء المغترفة من معين الاصطلاح الصوفي، يراد بها امتحان الأجساد بأنواع البلاء وصنوف الهموم، وليصعّد الشاعر من حدّة القيمة الأسلوبية يطلعنا على اعتياص عاطفي من خلال اجتلابه لمتضادات وشّحت البيت الشعري بتنافراتها الدلالية والتي أدت إلى انسجام مجموعها وهي: الأسر/ الفكّ/ السقام/ الطبّ، مشكلة نظاما من الكلمات الذي من شأنه أن يبرز قيمة أسلوبية في سياقها الايصالي الانطباعي، لذلك يحرص الشاعر عفيف الدين التلمساني على استعراض حسّه العاطفي ورسمه فهو ملمح الحب، نسج أسلوبه متمثلا بالأسر غير القابل لانفكاك وبالسقم المستعصي عن العلاج، وهي حالة من البلاء اعترت الشاعر ولازمت كيانه النفسي فبات يعاني حبا مزمنا.

يحمل البيت الشعري التالي معان صوفية في تجلياتها

بروحي حبيب لا أصرح باسمه وكل محبّ فهو يُكني عن الحبّ[37]

إن اللافت للنظر في استعمال الشاعر للوحدات اللسانية الصغرى هو انقياد لفظة له استفزت القارئ بحضورها، شكلت خاصية كلامية مائزة بتوظيفها، وهي لفظة حبيب الواردة بأسلوب التنكير بروحي حبيب جاءت لتدل على مناشدة فردانية لمحبوب خصخصته بعشق تجنني، يتمنع الشاعر عن الإفصاح عن كنية المحبوب تمنعا ظاهرا، مبررا ذلك أن كل محب لا يصرح عن من يحب، لأن الكناية أبلغ من التصريح وبذلك هي سنة متفشية بين المحبين .

يستحضر الشاعر اسم ليلى الرمز كدأبه من الشعراء الذين سبقوه، مفتونا بجمالها مكثرا في طلبها ويغتدي استعمال ليلى هنا استعمالا إقونيا وهي انعكاس إقوني لعوالم تفضي إلى قيم تشبه هذا المعكوس البصري تقريبا للصورة وتجسيدا للفكرة.. وتجسيما للرؤية كما عبر عنها عبد المالك مرتاض [38].

وشهدت ليلى لا تراها غيرها وجمالها قد شفّ من جلبابها

وطلبتها فوجدت أسباب المنى موصولة باليأس من أسبابها

إلا لمن أعطى الصبابة حقّها وأتى بيوت الحيّ من أبوابها[39]

نحت هذه التشكيلة النسجية شكلا إيقاعيا واحدا تأتت أسلبتها الإيقاعية انطلاقا من المواد الإيقاعية الصوتية التي استدعاه حسّ الشاعر التلمساني لنسج بنية إيقاعها الخارجي في : جلبا / أسبا/أبوا .

سار البيتان الشعريان الثاني والثالث على نهج إيقاع البيت الأول، فتجلت الوظيفة الإيقاعية للأبيات الثلاثة من حيث أنها نُسجت على المنوال الواحد إيقاعيا لنهاياتها، وتلك هي وظيفة جمالية أما الوظيفة الثانية فكامنة في تعبير الشاعر عن عشق كلفه مؤونة ومكابدة نفسيتين، مما استوجب من الشاعر الاسترشاد بصوت الهاء الممدود المفتوح وهو صوت ينبت جرسه حلقيا متناغما مع معاناة الشاعر النفسية المثقلة بالانتظار والصبابة والتودّد والطلب وقد (نجد بعض المتصوفة لا يصطنعون في حضرتهم الروحية غير حرف الهاء ....للدلالة على عمق الإيمان والتوغل الروحي بتردد هذا الصوت الحلقي الفؤادي، القلبي الدال على حضور الله في قلوبهم من وجهة أخراة فكأن هذا الصوت لديهم يمثل أسمى مقامات الايمان من حيث هو عمق وعلى أن هذه الهاء لديهم يمكن أن تكون طيا لاسم الجلالة : الله أو هو الله )[40]، لذلك لجأ الشاعر عفيف الدين التلمساني إلى توظيف الهاء لأنها الصوت الأنسب انسجاما و الأرحب فضاء للبوح بما هو قابع في باطن الذات الشاعرة من شقاء ومعاناة وقلق وانتظار وتطلع شاغف وصبابة عارمة، تبين هذه الوسائل الأدائية صراع الشاعر مع حب معذاب لم يبلغ غايته منه فزاده التمنع إصرارا وعزيمة في طلبه.

نحا الشاعر في البيت التالي منحى إبداعيا مختلفا للمألوف مخاطبا عيني المحبوبة قائلا:

عيناك إن سلبت نومي بلا سبب فالنهب يا أخت سعد شيمة العرب[41]

يعاتب عفيف الدين عيناي المحبوبة الرمز ويؤاخذها على سلبه النوم بأسلوب غير مألوف نزع فيه منزعا إغوائيا مثيرا لوعي للقارئ، فليس من خواص النوم السلب الذي صيّره الشاعر إلى نهب في الشطر الثاني، والاستعمال المجازي إذا ذاع وتكرر عري من كل مزية أسلوبية يفقد حدّته و تأثيره ليغتدي كلاما عاديا .

يقع التضاد البنيوي جراء كسر السياق الأسلوبي من حيث اعتماد الشاعر لفظة شيمة الدالة على النهب، ليس من شيم العرب النهب وإنما من شيمهم السخاء والكرم والشجاعة، يتفاجئ القارئ بهذا الكسر الذي استثار ذهنه بإنزال لفظة شيمة في غير موطنها الدلالي، بدت مغتصبة الإنزال للوهلة الأولى لكن بعد إعمال عقل وروية يتضح للقارئ أن شيمة العرب في سلب القلوب ونهبها شيمة مستباحة مستملحة استغلها الشاعر لينزاح بالمعطى الدلالي المناور لتكهن القارئ، محوّلا إياها من قيمة الاستقباح إلى قيمة الاستملاح والاستظراف، شكلت صراعا بين ماهو معطى وما هو متصور لأن جوهر (موضوع تحليل الأسلوب هو الوهم الذي يخلقه النص في ذهن القارئ وهذا الوهم ليس بالطبع خيالا خالصا ولا وهما مجانيا، فهو مشروط ببنيات النص)[42].

إن الشاعر عفيف الدين التلمساني شديد التلاحم مع المعطيات الشعرية والقصيدة لديه بمثابة التغطية السردية للحدث العاطفي، واللافت للنظر في شعره هو استرساله غير المنقطع عن توظيف أسلوب التكرار لملفوظات بعينها الدالة على علائق موضوعية بمناحي شعورية يعايشها الشاعر بأساليب ممتعة يجنح فيها أحيانا إلى تدوير أفكاره وتغميضها، وغايته من التكرير تجديد وجهته النفسية وترسيخ معطاه العاطفي الصلب بغاية إضفاء قيم متابينة ( كلما كان النموذج موسوما بوضوح كلما كان التناقض أشد)[43]، يزيد التكرار من فعالية الإجراء الأسلوبي وتوالده، يتضح في توارد ملفوظة : الراح، ارتسمت مرتين بصيغة المفرد في مستهل كل شطر من البيت الشعري، وهي انعكاس لتكريس حالة نفسية مضمرة عند الشاعر عفيف تساوقت أصوات الكلمة المتكررة مع حالته الشعورية المفعمة بالحب الالهي العارم .

إلى الراح هبوا حين تدعو المثالث فما الراح للأرواح إلا بواعث[44]

كما اتسقت كلمة الراح مع الأرواح في الأصوات التالية : الراء والمقطع الصوتي :ألف /حاء، وقد ينّم عن الاتساق الصوتي مناسقة دلالية مفضية إلى سلب الراح للروح وهي علاقة مواجشة كامنة في مفعول السكر وهو القاسم المشترك بين المصير المؤدي إليه الخمر وإلى الروح التي يُتلف اتزانها بمفعول الراح .

يدعو الشاعر عفيف الدين التلمساني باستخدامه لفعل الأمر اللافت للسمع والنظر معا: هبوا إلى تشه في تجرع الخمر الرمز والتلذذ برشفاته، لاشك في أن الشاعر سلك مسلكا إغوائيا يراد به التنبيه إلى أمر يُبقي في نفسه زيادة يقتدحها القارئ من عقله للتدليل على التنبيه الذي ينبني على الإثارة المخبأة في أداتها الشاخصة في فعل الأمر: هبوا غير متوقعة فأحدثت قيمة أسلوبية بدلالتها التحريضية دون غيرها من المعوضات الترادفية: أسرعوا/ عجلوا/ تعالوا/ هلموا ... فبتوظيفها كسرت السياق المعتاد لأن (عمق الفكر وجودة المضمون يفضيان بالضرورة إلى ثراء الخيال الفني وروعة التشكيل الجمالي)[45]، إذن الغاية الشّعرية من توظيف فعل الأمر :هبوا هي غاية استدعائية تحريضية جمالية للتصريح بهمّ شغل الشاعر فربطه بالراح الذي استعان به، وكان مبررا مناسبا لربط موضوعه الرئيس بمعطى حياتي إغوائي، اصطبغ البيت الشعري بصبغة جمالية نتحسسها، وهو أمر لم يفصح الشاعر عنه وإنما ترك تأويله مفتوحا على إضافة إبداعية.

كثّف الشاعر التلمساني من المواءمة الصوتية التي تستسيغها الأذن المتلقية تحققت في اللفظتين : المثالث و البواعث بصيغة الجمع، فوقع التجانس الصوتي في المقطع الصوتي ألف/ ثاء، والثاء بهمسيتها هيمنت متكررة ثلاث مرات على باقي الأصوات، تضاعفت طاقتها الهمسية من جهة وتوافقت الدلالة من جهة أخراة بين المثالث والبواعث، فكانت المثالث بواعث قوية على احتساء الشاعر للراح وهي جمع مثلث التي تعني أوتار العود الباعثة و المستدرجة بصوتها الموسيقي التنغيمي التطريبي على تعاطي الراح.

وما لبثت في الدهر يوما وإنما هو الدهر فيها إن تأملت لابث[46]

تخير الشاعر غريزيا لفظة لبثت، مكررة مرتسمة في مستهل البيت الشعري و نهايته، ففي اللفظة الأولى وقعت في زمن الماضي وفي التوقيع الثاني وردت خبرا، كما تكرر استعمال كلمة الدهر التي توسطت الشطر الأول وجاءت في مستهل الشطر الثاني لتأكيد ثواء الدهر واستقراره، شكلتا بهذا الارتسام المكرر بؤرة استفراغ وتكثيف دلالي إيقاعي نغمي، استدعت الشخصية الشعرية العفيفية كلمة الدهر وغايتها إحداث صورة حركية دلالية، تنتقل من دلالة الدهر الأولى الدالة على أن الإنسان قابع لابث في الدهر إلى الدلالة الثانية المصورة لعكس ما يتوقع، وهي أن الدهر في الحياة هو اللابث الثاوي وليس الشاعر وهو أسلوب تضاد مضمر.

ما يمكنا أن نستخلصه من أسلوب الشاعر الصوفي عفيف الدين التلمساني هو توصيفه لحبّ استأثر بثقل مركزي في نتفه الشعرية المختارة، بمتغيرات أسلوبية، تجلت معالم هذا العشق في ذكر الصبابة والتوق والطلب والمعاناة، مستعينا بصور إقونية أثرت الدلالات والقيم التعبيرية التلمسانية فاستحالت إلى قيم انطباعية أسلوبية جمالية من مثل: ليلى/ الشمس/الراح / والوجد .

غالى الشاعر عفيف الدين التلمساني في توظيف أسلوب التكرار لتكريس حالة عاطفية لازمته فمثّل بحضوره سمة بارزة، وملامحا أسلوبيا خاصا في شعره بفعل تردده النغمي واتساقه الدلالي، إذ أن اللافت للنظر هو توخي الشاعر سياقات ومتغيرات أسلوبية اتخذت تشيكلات بنائية مختلفة استمدها الشاعر من تلويناته الوجدانية الصوفية للتعبير عن مرمى واحد، فنوّع الشاعر في السبل التعبيرية و في اختلاف الكيفيات النظمية الممزوجة باهتزازات صوتية ونفسية مؤثرة، للتعبيرعن شراهة عاطفية تجاه الخالق، أسهمت تلك السياقات الأسلوبية التي وظفّها الشاعر في إماطة اللثام عن مناشدة عاطفية حميمية برزت معالمها، فتبلورت شاخصة ماثلة للعيان من خلال إصرار الشاعر على تدوالها بأساليب تعبيرية بلغت الذروة من الرقة والعذوبة، تنوعت قيمها الأسلوبية فتناتج فضل أسلبتها.

t.benguermaz@univhb-chlef.dz

كلية الآداب والفنون، جامعة الشلف/ الجزائر

 

[1] ينظر بيير جيرو، الأسلوبية، ترجمة : منذر عياشي، ط: 2، مركز الإنماء الحضاري، 1994ص :59

[2] ينظر: ديوان الشاعر عفيف الدين التلمساني، تحقيق : يوسف زيدان، دار الشروق، ص: 12/13.

[3] ينظر بيير جيرو، الأسلوبية، ص: 52.

[4] ديوان الشاعر عفيف التلمساني، ص:78.

[5] نفسة، ص: 79.

[6] أفراح لطفي عبد الله، نظرية كروتشه الجمالية، التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت لبنان، ص:.75.

[7] Michael riffaterre essais de stylistique structurale presentation et traducctionsde daniel delas flammarion paris 1971 p 57

[8] ميكائيل ريفاتر، معايير التحليل الأسلوبي، ترجمة : حميد لحميداني، منشورات دراسات سال، دار النجاح الجديدة البيضاء، ص:58.

[9] ينظر هنريش بليث، البلاغة والأسلوبية،ترجمة محمد العمري،أفريقيا الشرق، 1999، ص:59

[10] ديوان الشاعر عفيف الدين التلمساني، ص:78.

[11] ميكائيل ريفاتر، المرجع السابق، ص:58.

[12] عبد السلام المسدي، الأسلوبية والأسلوب، ص:83.

[13] ديوان الشاعر عفيف التلمساني،ص: 79.

[14] ميكائيل ريفاتر، معايير تحليل الأسلوب، ص: 35.

[15] حسني عبد الجليل يوسف، التمثيل الصوتي للمعاني، ط: 1، الدار الثقافية للنشر، القاهرة، 19998، ص: 22.

[16] ديوان عفيف الدين التلمساني، ص:88.

[17] ابن جني، الخصائص، ج: 2، تحقيق : محمد علي النجار، ط: 3، عالم الكتب بيروت، 1983، ص: 227.

[18] حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تحقيق : محمد الحبيب بن خوجة، ط: 2، دار الغرب الاسلامي، بيروت، لبنان، 1981، ص:364.

[19] بير جيرو، الأسلوبية،ص: 53.

[20] ديوان الشاعر عفيف الدين التلمساني، ص: 95.

[21] حسني عبد الجليل يوسف، التمثيل الصوتي للمعاني، ط:1 دار الثقافية للنشر ن القاهرة،1998،ص:24.

[22] ميكائيل ريفاتر، معايير تحليل الأسلوب، ص:57.

[23] ديوان عفيف الدين التلمساني، ص:104.

[24] ينظر : نازك الملائكة، قضايا الشعر المعاصر، البنى الأسلوبية، ط:1، دار العلم للملايين، بيروت، 1997،ص:142.

[25] عبد المالك مرتاض، ألف ياء، دار الغرب للنشر والتوزيع، وهران، الجزائر، 2004، ص:184

[26] المرجع السابق، ص:184

[27] ينظر عبد الرحيم كنوان، من جماليات إيقاع الشعر العربي،ط:2 دار أبي الرقراق للطباعة والنشر الرباط، 2002،ص:332

[28] المرجع نفسه، ص:107.

[29] عبد السلام المسدي، الأسلوبية والأسلوب، ط: 5، دار الكتاب الجديد المتحدة، 2005، ص:108.

[30] ينظر العربي عميش، محمود درويش خيمة الشعر الفلسطيني، ط:، 1، ألفا للوثائق قسنطينة الجزائر، ص: 173.

[31] ديوان عفيف الدين التلمساني، ص:107.

[32] ميكائيل ريفاتر، معايير التحليل الأسلوبي، ص:77.

[33] ديوان الشاعر عفيف الدين التلمساني،ص: 108.

[34] نفسه، ص:124 .

[35] ينظر عبد السلام المسدي، الأسلوبية والأسلوب، ص:77.

[36] هنريش بليث، البلاغة والأسلوبية،ترجمة:محمد العمري،أفريقيا الشرق،1999،ص:61.

[37] السابق،ص:124.

[38] عبد المالك مرتاض، ألف ياء، ص: 147.

[39] ديوان عفيف الدين التلمساني، ص:126/127.

[40] عبد المالك مرتاض،المرجع السابق،ص: 262 .

[41] ديوان عفيف الدين التلمساني، ص:127.

[42] ميكائيل ريفاتر، معايير تحليل الأسلوب، ص:45.

[43] نفسه،ص: 58.

[44] ديوان عفيف الدين التلمساني، ص: 143 .

[45] طه وادي، جماليات القصيدة المعاصرة، دار المعارف بيروت لبنان، ص:42.

[46] المرجع السابق،ص:145.