في هذا الحوار المهم يكشف الباحث المصري عن مدى التطور الكبير الذي انتاب نظريات الترجمة وتلاقحها الخصب مع ما أنتجته النظرية الأدبية من ناحية، وإضافات عالم الاجتماع الفرنسي الكبير بيير بورديو حول آليات الإنتاج الثقافي، وقوانين الحراك في الحقل الثقافي من ناحية أخرى.

حوار مع سامح فكري حنا

فكرة الخيانة والأمانة في الترجمة أصبحت في ذمة التاريخ

أجرى الحوار: آزاد احمد وحميد اليزيدي مولر
 

الدكتور سامح فكري حنا مترجم وباحث مصري في مجال دراسات الترجمة والتثاقف، وأستاذ جامعي يحاضر في جامعة سالفورد بمدينة مانشستر البريطانية. نال شهادة الدكتوراه في جامعة مانشستر، تحت إشراف الباحثة البريطانية (المصرية الأصل) المعروفة منى بيكر، وتمحورت رسالته حول دراسة ترجمات مسرحيات شكسبير إلى العربية، ولاسيما المسرحيات التراجيدية الأربع الكبرى وهي هملت ومكبيث والملك لير وعطيل. وللدكتور سامح حنا نظرة جديدة مغايرة للترجمة، فهو ينبذ الجدل القديم حول ثنائية الخيانة والأمانة في الترجمة واصفاً إياه بالعقيم وغير المجدي في فهمنا لظاهرة بتعقيد الترجمة. كما أنه لاينظر إلى عملية الترجمة بوصفها فعلاً لغوياً فحسب، بل أيضا بوصفها عملية ثقافية إجتماعية ونتاجا للظروف المحيطة بالمترجم كالتأثيرات السياسية والآيديولوجية، مقدما بذلك قراءة أخرى للترجمة. وفي إطار هذا الفهم الجديد للترجمة اهتم سامح حنا بقضايا بحثية من قبيل سوسيولوجيا الترجمة، والتاريخ الإجتماعي للترجمة في مصر، وتاريخ ترجمة المسرح في مصر، والترجمة وسياسات الهوية. بالإضافة إلي اهتماماته البحثية، فقد مارس سامح فكري حنا ولا زال الترجمة، خصوصاً في مجالي الدراسات المسرحية والثقافية. ونال جوائز عن ترجماته منها جائزة تشجيع الترجمة من المجلس الأعلي للثقافة في مصر عن ترجمته لكتاب جمهور المسرح عام 1994، وجائزة أفضل كتاب مترجم من معرض القاهرة الدولي للكتاب عن ترجمته لكتاب المسرح الطليعي عام 1995. وقد حصل علي منحة للدراسة بجامعة أيوا بالولايات المتحدة من مؤسسة فولبرايت عام 1995، وعلى زمالة من مؤسسة ميلون لإجراء أبحاث مابعد الدكتوراة في جامعة لندن. وهو عضو مؤسس في الجمعية الدولية لدراسات الترجمة والتثاقف. وترجم كتب أدبية ومسرحية عديدة، ويعمل الآن علي تحرير كتاب بالإنجليزية عن الترجمة في العالم العربي، وعلي تأليف كتاب حول سوسيولوجيا الترجمة للمسرح. كما أن له مجموعة من الدراسات المنشورة في دوريات عالمية وعربية.

هنا نص الحوار:

ـ هل لك أن تعطينا نبذة عن رسالة الدكتوراه التي نلتها في مجال دراسات الترجمة، وعلى وجه الخصوص* دراسة ترجمات مسرحيات شكسبير إلى العربية؟

سامح: باختصار شديد في هذه الرسالة كنت أحاول إختبار منهج جديد من مناهج البحث المستحدثة في مجال دراسات الترجمة، ألا وهو منهج البحث السوسيولوجي الذي يستند إلي سوسيولوجيا الإنتاج الثقافي كما طورها عالم الإجتماع الفرنسي بيير بورديو، والذي حاولت من خلاله تقديم قراءة مختلفة لتاريخ ترجمات شكسبير إلى اللغة العربية، لاسيما في مصر، وهي قراءة تغاير ما ألفناه من دراسات تاريخية للترجمة لا تري في هذا التاريخ سوي العلاقة بين النص الأصلي ونص الترجمة، ولا يشغلها سوي اصدار أحكام قيمة علي الترجمة من حيث اقترابها أو ابتعادها عن النص الأصلي، غافلةً بذلك عما أسميه بـ "الحضورالإجتماعي والثقافي" داخل نص الترجمة، فضلاً عن التأثيرات الإجتماعية/ الثقافية التي يخلفها هذا النص في محيطه الإجتماعي. ينطوي أي فعل ترجمة علي مفارقةٍ أظنها تشكل العامل الأساسي الذي يجعل من الترجمة فعلاً اجتماعياً ـ ثقافياً أكثر من كونها مجرد فعلٍ لغوي. ولعل السبب في إغفالنا لهذه المفارقة هو ما اعتدنا ترويجه عن الترجمة بوصفها فعل "نقل". إن اختزال فعل الترجمة في مجرد النقل من شأنه تسطيح فهمنا للترجمة التي تنطوي كما ذكرت آنفاً علي مفارقة طرفاها الرغبة في التعريف بالآخر من جهة، والسعي لجعل هذا الآخر مفهوماً ومألوفاً للأنا، وهو ما لا يتم إلا بنزع الغرابة عن هذا الآخر، وتجريده من بعضٍ من "آخريته". تنطوي هذه المفارقة علي توترٍ بين فعلين ـ وهنا أستعير مصطلحين لفيلسوف الهرمنيوطيقا الفرنسي بول ريكور في معرض حديثه عن آليات التأويل ـ هما المماسفة distanciation والملائمة appropriation. الأول يسعي من خلاله المترجم إلي صيانة المسافة بين الأنا والآخر، والثاني يتوسل به المترجم لردم الهوة بين الإثنين. الترجمة إذأ هي عملية تفاوض بين هذين الفعلين، يسعي المترجم من خلالها إلي إحراز هدفين: الإحتفاء بالإختلاف (وهو مايمنح فعل الترجمة شرعيته) وإنجاز الإئتلاف (وهو مايمنح ناتج الترجمة مقبوليته/ مقرؤيته في الثقافة المنقول إليها).

ـ هل يعني هذا أن كل فعل ترجمة مرهونُ بهذا التوتر بين المماسفة والملائمة، الإختلاف والإئتلاف؟

سامح: هذا صحيح من الناحية النظرية. لكن مايحدث في الواقع أن العملية التفاوضية التي أشرت إليها سابقاً تزداد تعقيداً بدخول أطراف أخري فيها. وهذا يعود بنا مرة أخري إلي أهمية الدراسة السوسيولجية للترجمة. الترجمة ليست فقط مواجهةً بين مترجم ونصٍ أصلي، فالأطراف المشاركة في عمليات انتاج الترجمة وتلقيها كثيرة ومتعددة، ويلعب كل منها دوراً في تشكيل الترجمة وتحديد سماتها ومعاييرها، ومسارها ومصيرها داخل الثقافة المنقول إليها. بالإضافة إلي المترجم هناك الناشر/ ة، وسياسة النشر المتبعة، وطريقة تقديم الترجمة، بما في ذلك عتبات النص التي تشمل الغلاف الأمامي والخلفي، والمقدمات والحواشي. أضف إلي ذلك علاقة هذه الترجمة بغيرها من الترجمات المتاحة في سوق الترجمة، وعلاقتها بمعايير الترجمة المقبولة في الثقافة المترجم إليها، بما في ذلك المساحة المتاحة لتقبل الإختلاف، لا سيما فيما يتعلق بما يمكن أن تراه الثقافة المترحم إليها علي أنه من قبيل المحرمات.

ـ لماذا بورديو، وما علاقته بدراسات الترجمة؟

سامح: إن كانت الهرمنيوطيقا (علم التأويل) تمنح الباحث/ ة في مجال دراسات الترجمة والتثاقف الأدوات البحثية التي تمكنه/ ا من دراسة عملية التفاوض علي المعني التي تتم بين فعلي المماسفة والملائمة من خلال المترجم وأثناء اشتغاله علي نص الترجمة، فإن سوسيولوجيا الإنتاج الثقافي التي طورها بورديو منذ نهايات العقد الخامس من القرن العشرين تمكن الباحث/ ة في هذا المجال من توصيف واستكناه أفعال التفاوض التي تتم خارج نص الترجمة، ولكنها تؤثر بالضرورة علي النص وصيرورته في الثقافة الهدف. واسمحا لي هنا أن ألقي الضوء بشكل سريع علي تطور دراسات الترجمة في العقود الثلاثة الأخيرة حتي نستوعب دلالة وأهمية بروز سوسيولوجيا الإنتاج الثقافي كمنهج بحثي الآن. في أواخر الخمسينيات وطوال فترة الستينيات كان ينظر إلي الترجمة بوصفها فرعاً من فروع علم اللغة، ومن ثم كانت آليات البحث في الترجمة مستقاة أساساً من علم التراكيب، وهو ماجعل وحدة البحث في الترجمة هي الجملة ومكوناتها، فكان جل اهتمام الباحثين منصباً علي ما أسماه يوجين نايدا في أوائل الستينيات ب "التكافؤ" الوظيفي بين جملتين أو حتي لفظتين. ظل الوضع كذلك حتي أواخر السبعينيات حين تحول الباحثون في دراسات الترجمة إلي دراسة النص إجمالاً متجاوزين مرحلة التركيز علي ترجمة الجملة ومكوناتها. وهؤلاء حاولوا جعل دراسة الترجمة منصبة علي نص الترجمة في علاقته باللغة والثقافة المنقول إليهما. هذا الإهتمام باللغة/ الثقافة الهدف فتح الباب في منتصف الثمانينيات لظهور ما عرف بدراسات الترجمة الوصفية التي لم تنشغل بإصدار أحكام قيمة علي الترجمة بناءً علي قربها أو ابتعادها عن النص الأصلي، ولكنها اهتمت بتوصيف الترجمة في البيئة التي تنتج وتستهلك فيها. وانصب جل اهتمام الباحثين داخل هذا التيار ـ وعلي رأسهم جيديون توري الذي أرسي أسس المنحي الوصفي في دراسات الترجمة ـ بالنظر إلي الترجمة بوصفها سلوكاً لغوياً يتأثر ويتشكل أساساً بمواضعات لغوية ـ ترجمية وثقافية تتبناها ضمنياً جماعة المترجمين في لحظة ما وفي ثقافة بعينها، وهذه المواضعات أسماها توري "معايير الترجمة" translation norms. الترجمة هنا إذن ينظر إليها بوصفها سلوكاً معيارياً، تخضع من خلاله خيارات المترجم الفرد للمواضعات التي ارتضتها جماعة المترجمين، ولعل ذلك التوجه يفسر افتتان توري باستخدام مصطلحات ومفاهيم من قبيل "القوانين" و"القواعد" التي تحكم السلوك المعياري للترجمة. هذا التوجه الجديد في دراسة الترجمة مهد الطريق في نهاية الثمانينيات أمام تحول آخر جديد ابتعدت فيه دراسات الترجمة عن علوم اللغة، وتحولت نحو الدراسات الثقافية لتستعير منها مفاهيمها، وطرائق بحثها، وذلك فيما عرف بإسم "التحول الثقافي" the cultural turn في دراسات الترجمة. وهنا نشأ الإهتمام بالعلاقة بين الترجمة وبعض المباحث في الدراسات الثقافية من قبيل دراسات الجنوسة ودراسات مابعد الإستعمار. الفارق الأساسي بين دراسات الترجمة الوصفية كما طورها جيديون توري وتلامذته، ودراسات الترجمة ذات التوجه الثقافي أنه في حين رأي توري أن خيارات المترجم هي دائماً مشروطة بمعايير الترجمة السائدة، ومن ثم تتشكل بفعل هذه المعايير، فقد رأي الباحثون الذين تبنوا المنحي الثقافي في دراسة الترجمة أن الفاعلية الثقافية والسياسية للمترجم تمكنه من الإشتباك مع معايير الترجمة، ومناوشتها، بل وتحديها. والمترجم هنا وفقاً لتصور أصحاب المنحي الثقافي في دراسات الترجمة لا يتحدي فقط معايير الترجمة واللغة، وإنما يتحدي التوجهات السياسية والإجتماعية والثقافية التي تضمرها هذه المعايير، ومن هنا ركزت دراسات الترجمة ذات المنحي الثقافي علي الفاعلية الفردية للمترجم، وذلك من خلال القاء الضوء علي الأجندة السياسية التي يتبناها المترجم الفرد وأشكال وديناميات توظيفه لهذه الأجندة في عملية الترجمة. حتي منتصف التسعينيات ظلت دراسات الترجمة مستقطبةً بين هذين التيارين: تيار يركز علي السلوك الجمعي المعياري للمترجمين وآخر يهتم بالسلوك الفردي الإستثنائي للمترجم. وهنا كانت اللحظة مواتية لظهور الإهتمام بمنجز بورديو من جانب مجموعة من المشتغلين بدراسات الترجمة الذين حاولوا تجاوز هذا الإستقطاب، ساعين إلي نظرة كلية في دراسة الترجمة تجمع بين الإهتمام بذاتية المترجم من جهة والإهتمام بالسياق الإحتماعي الذي يضم جماعة المترجمين، ومعايير الترجمة السائدة، والمؤسسات والأفراد التي لها مصلحة في انتاج الترجمة واستهلاكها. كما تتميز هذه النظرة الجديدة للترجمة برؤية ديالكتيكية تستند إلي المنطق الذي رآه بورديو حاكماً لأي حقلٍ من حقول الإنتاج الثقافي، وهو منطق الصراع بين أعضاء هذا الحقل علي رأس مالٍ متفق عليه (في أحيانٍ كثيرة يكون الصراع علي تحديد رأس المال الشرعي الذي يجب التفاوض حوله)، قد يتخد صورة مادية متمثلة في مكسب مالي تحققه الترجمة، أو صورة رمزية متمثلة في القبول الذي تحظي به ترجمة ما من النقاد والمتابعين ومن ثم تحولها إلي جزء من التراث المعتمد للثقافة الهدف. أهمية هذه النظرة للترجمة هي أنها تنأي بنفسها عن التعريفات المسبقة للترجمة والمترجم ومعايير الترجمة. فتحديد هذه المفاهيم هو رهنُ بحالة التفاوض أو الصراع بين المشاركين في حقل الترجمة من مترجمين وغيرهم.

ـ لكن كيف أسهمت هذه الرؤية في دراستك عن تاريخ ترجمات شكسبير في مصر؟

سامح: بدايةً منحتني هذه الرؤية وضوحاً منهجياً، فقد وضعت نصب عيني منذ شرعت في دراسة تاريخ ترجمات شكسبير في مصر أن أكتب تاريخاً اجتماعياً لهذه الترجمات يتجاوز التاريخ اللغوي أو النصي لها. ومن ثم لم أكن لأكتفي بدرس عمليات التفاوض علي المعني التي يقوم بها المترجم في مراوحته المتوترة بين فعلي المماسفة والملائمة، وإنما سعيت لتلمس عمليات التفاوض الإجتماعي ـ الثقافي التي يستدعيها انتاج الترجمة وتلقيها. من الأطراف الهامة في عمليات التفاوض تلك، لا سيما فيما يختص بالترجمة للمسرح، هو جمهور المسرح ذاته الذي لعب دوراً هاماُ في الفترة من النصف الثاني من القرن التاسع عشر والعقود الأولي من القرن العشرين في مصر في فرض معايير معينة للترجمة المسرحية لم يستطع تحديها والخروج عليها إلا القليل من المترجمين الذين حازوا من رأس المال الثقافي ما جعلهم قادرين علي تجاهل معايير الترجمة للمسرح. دعني أعطيك بعض الأمثلة هنا من واقع المادة التاريخية التي انكببت علي دراستها.

أبدأ أولاً بمثال ترجمة طانيوس عبده لمسرحية هاملت والتي قدمت علي المسرح عام 1901 وتشرت بعدها بعام. إذا نظرت إلي هذه الترجمة من خلال المنهج اللغوي الذي يستند إلي ثنائية الأمانة والخيانة لأصدرت حكماً فورياً بالخيانة علي الترجمة وغيرها من الترجمات التي قدمها طانيوس عبده في تلك الفترة. وهذا مافعله ـ مثلاً ـ الدكتور محمد يوسف نجم في دراسته الضافية عن المسرحية في الأدب العربي التي صور فيه طانيوس عبده باعتباره أيقونةً للخيانة. إن الحكم بالخيانة أو الأمانة علي أية ترجمة يغلق باب البحث، وإنما محاولة قراءة الترجمة باعتبارها وليدة لحظة اجتماعية معينة ونتاجاً لعمليات تفاوض ثقافي ـ اجتماعي هو مايفتح نص الترجمة علي آفاقٍ رحبة من التأويلات التي تستدعي الأفراد والمؤسسات والسياسات اللغوية ومعايير الترجمة السائدة وتوقعات مستهلكي الترجمة والجماليات السائدة والتي تسهم جميعها في تشكيل الترجمة وصياغتها. أعود لمثال طانيوس عبده، حيث نجد أن العامل الأساسي الذي فرض معايير معينة للترجمة جعلت طانيوس عبده يحول مأساة شكسبير إلي دراما موسيقية غنائية ـ هذا العامل الأساسي هو الجمهور الذي لم يكن يري في المسرح في الفترة من منتصف الفرن 19 حتي أوائل القرن العشرين سوي فرجة غنائية، خصوصاً أن من قاموا بالأدوار الرئيسية في هذه المسرحيات كانوا مطربين في الأساس. فمن قام بدور هاملت في ترجمة عبده كان الشيخ سلامة حجازي، الذي كان الجمهور وقتها يرتاد مسرحه ليسمعه يؤدي مونولوجات هاملت في صيغة غنائية، لا أن يري نص شكسبير. حتي عندما قرر سلامة حجازي في احدي الليالي أن يؤدي المسرحية دون غناء، كان أن عزف الجمهور عنه وأرغموه علي العودة للغناء، فما كان منه إلا أن بحث عن طانيوس عبده ليضيف مقطوعات غنائية أخري علي الترجمة، ولما لم يجده لجأ إلي صديقه أحمد شوقي الذي كتب له مقطوعة أضيفت إلي الترجمة ليغنيها حجازي، وضمها شوقي بعد ذلك إلي ديوانه تحت عنوان "علي لسان هاملت".

هذه المعايير في انتاج الترجمة كانت لها سطوتها علي الكثير من المترجمين حتي أن واحداً مثل فرح أنطون مثلاُ الذي ترجم للمسرح فضلاُ عن كتاباته الأخري لم يكن ليفلت منها، مما جعل محمد تيمور في مقاله الهام "محاكمة مؤلفي الروايات التمثيلية" الذي نشره في مجلة السفور عام 1920 يحكم عليه بالتوقف عن الترجمة للمسرح لفترة من الزمن. لم يكن متاحاً لأحدٍ أن يتحدي معايير الترجمة السائدة وقتها إلا شخصاُ بقامة وثقل خليل مطران الذي استطاع بترجمته لعطيل الذي قدمها لفرقة جورج أبيض عام 1911 أن يطرح معايير جديدة للترجمة للمسرح. شهد العام ذاته بروز مجموعة من المترجمين الآخرين من أمثال محمد حمدي مترجم يوليوس قيصر، ومحمد عفت القاضي مترجم مكبث، وسامي الجريديني، الذين سعوا مع مطران إلي تغيير معايير انتاج الترجمة بوصفها منتجاً ثقافياً، وأصبح لدينا من ثم فريقين من مترجمي المسرح يتصارعان لفرض معاييرهما المختلفة للترجمة، ويستخدمان في هذا الصراع آليات مختلفة لتسييد هذه المعايير.

ـ هل يعني ذلك إن أي تحوير للنص يمكن تبريره؟ أو بمعني آخر، أليست هناك خيانة في الترجمة؟

سامح: يعود بنا هذا السؤال إلى التطورات التي حدثت في مجال دراسات الترجمة. وكما ذكرت آنفا، إن أسهل سؤال يمكن أن اطرحه على نفسي عند دراسة تاريخ ترجمات شكسبير إلى العربية هو: هل كانت الترجمات خائنة أم أمينة؟ إن هذا المنهج كان موجودا في العالم الغربي، ولكنه اصبح الآن في ذمة التاريخ، أي أصبح منهجا متحفيا لم تعد له مكانة تذكر. قلما تجد باحثا في أوروبا او امريكا يتحدث عن الترجمة باعتبارها فعل أمانة أو فعل خيانة. و ينقلنا هذاالموضوع إلى الحديث عن دراسات الترجمة في العالم العربي، وللأسف الشديد لازلنا في العالم العربي ننظر إلى الترجمة باعتبارها ممارسة لغوية خالصة، وهنا مكمن الخطر. إذا اختزلت الترجمة في فعل اللغة لابد وأن تحصرها في هذين القطبين: خيانة و أمانة، وطالما هي محاكاة للنص الأصلي فقط، لاتجد فرصة امامك سوى احد هذين الخيارين.

الأمر الثاني الذي أود أن ألفت الإنتباه إليه هو أن من يتحدثون عن الأمانة والخيانة في الترجمة يعتقدون خطأً أن المترجم/ ة هو المتحكم الأوحد في نصه، ومن ثم يتجاهلون عوامل وأطراف أخري تتورط في تكييف نص الترجمة بحيث يمتثل لسياسات لغوية معينة، واعتبارات سياسية وأخلاقية، ومؤسسات رقابية. كل هذه العوامل يؤثر في قرارات المترجم/ ة وخياراته/ ا، سواء وعي ذلك أو لم يعيه.

ـ ولكن إلغاء الحدود بين الخيانة والأمانة في الترجمة قد يفضي إلى إثارة حفيظة مؤلف النص الأصلي الذي قد يعتبر مترجم نصه خائنا.

سامح: إن الفكرة الأساسية هنا أن المترجم ينتج نصا مفارقا ومختلفاعن النص الأصلي، سواء وضع نصب عينيه منذ البداية أنه سوف يخون أو أنه سوف يكون أمينا مئة بالمئة للنص الأصلي. إن ما يحدث في فعل الترجمة هو أنك تكتب بشفرات لغوية مختلفة او مخالفة للشفرات اللغوية للنص الأصلي. فعند الترجمة إلى اللغة العربية مثلا فإنك تكتب بلغة هي وليدة ثقافة وفكر معينين. وعند استخدامك ألفاظ وكلمات وتراكيب مختلفة فأنت بالضرورة تخون وتبتعد عن النص الأصلي، لأن هذا النص الأصلي هو وليد ثقافة بعينها. إن نص شكسبير مثلا هو وليد الثقافة الأليزابيثية، ثقافة القرن السادس عشر، وعندما تترجم هذا النص باستخدام عربية القرن التاسع عشر فإنك بالضرورة تخون وتبتعد سواء وعيت ذلك أو لم تع. إن مسألة الإختلاف والابتعاد عن النص الصلي تحدث سواء أردنا أو لم نرد، وهي مسألة لا يد لنا فيها.

دعني ألقي مزيداً من الضوء علي الفكرة. إن نص الترجمة في رأيي وفي رأي الكثيرمن الباحثين في هذا المجال هو نص هجين أو نص بيني إن شئت، يحوي آثاراً من نصوصٍ عدة، النص الأصلي مجرد واحدٍ منها. من بين النصوص الأخري التي تترك أثرها في نص الترجمة مجمل النصوص الأخري المؤلفة والمترجمة في الثقافة المنقول إليها والتي تنسرب سماتها إلي نص الترجمة بوعي ـ وغالباً بدون وعي ـ من المترجم/ ة. ولنرجع مرة أخري إلي ترجمات شكسبير الأولي إلي اللغة العربية، والتي يمكن أن تري فيها بشكلٍ واضح مثلاً سمات النثر المسجوع التي سادت فن المقامة في القرن التاسع عشر. من هنا فإن نص الترجمة إذا تأملناه ملياً لوجدناه لا يحيل فقط إلي النص الأصلي (كما يظن الكثيرون) ولكنه يحيل أيضاً جماع النصوص المنجزة في الثقافة المنقول إليها، وهو مايجعل الترجمة من هذا المنظور وسيلة لدرس تطور جماليات اللغة ومواضعات انتاج النص الأدبي في ثقافةٍ ما.

ـ هناك الكثير من المترجمين الكبار يجهلون نظريات الترجمة، وفي المقابل هناك باحثون بارزون في مجال نظريات الترجمة ولكنهم لا يمارسون عملية الترجمة. إذن ما نفع نظريات الترجمة؟

سامح: هذه ملاحظة ذكية. فإذا نظرنا إلى واقع الممارسة الترجمية، وإلى واقع التنظير لأدركنا صحة هذه الملاحظة. فهناك الكثير من المترجمين العظام لهم إسهامات كبيرة في تاريخ الترجمة لكنهم لم يكونوا على دراية بنظريات الترجمة، وعلى الجهة الأخرى هناك أسماء كبيرة في دراسات الترجمة ليست لهم ممارسة حقيقية للترجمة. والسؤال المطروح هو هل يجب على المترجم الأدبي، طالما أني حصرت كلامي في الترجمة الأدبية، أن يكون على وعي بنظريات الترجمة؟ لا، ليس بالضرورة. لأن الترجمة، كما ذكرت أنفا، هي فعل كتابة، والكتابة هي محصلة الموهبة والممارسة. طبعا هناك في تاريخ الترجمة اسماء كبيرة كانت لديها الخبرة في المجالين. لورنس فنوتي مثلا، هو أحد المنظرين الكبار في دراسات الترجمة، وفي نفس الوقت هو أحد المترجمين العظام من الايطالية إلى الانكليزية. وبالمناسبة فقد ترجم إلي العربية أخيراً مقالاً هاماً له عن الترجمة واليوطوبيا، وذلك ضمن عدد خاص من مجلة فصول عن دراسات الترجمة والتثاقف قمت بتحريره، وسينشر قريباً.

ـ نعم هناك في الغرب أسماء بارزة في دراسات الترجمة مثل فنوتي وثيو هيرمانز ومني بيكر، ولكن في العالم العربي لا نجد مُنظراً واحدأ في مجال دراسات الترجمة، كما نلاحظ أن جميع نظريات الترجمة قادمة من الغرب.

سامح: إن شئت الحديث عن النظريات فنحن إزاء أزمة. وأظن أن الأطراف المتورطة في هذه المشكلة كثيرة. و في مقدمة هذه الأطراف المسؤولة عن هذه الأزمة أقسام اللغات الأجنبية في الجامعات العربية، حيث مازالت تحصر الترجمة في المناهج الدراسية المرتبطة بعلم اللغة فقط. إن الغربيين قد تجاوزوا هذه المرحلة بزمن، أما نحن فبحاجة إلى إعادة النظر في مناهج تدريس الترجمة في العالم العربي. ولا أعني بذلك أن نضع مناهج تدريب المترجمين جانبا، فهي مهمة وعلينا الاحتفاظ بها وتطويرها. ولكن إلى جانب البرامج التدريبية والمهنية يجب إدخال برامج تنظيرية في المناهج الدراسية لتعريف الطالب العربي بالنظريات الحديثة للترجمة وما وصل إليه هذا العلم في (أواخر) القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين، لاسيما فيما يتعلق بتعقد الترجمة بوصفها ظاهرة إجتماعية وثقافية وتاريخية.

ـ تبين الاحصائيات الأخيرة إن عدد الكتب التي ترجمت إلى العربية ضئيل جدا بالمقارنة مع ما يترجم في باقي دول العالم، وبشكل أخص الدول الأوروبية والولايات المتحدة.

سامح: هناك أسباب عديدة وراء ذلك، فالترجمة كنشاط ليست بمعزل عما يدور في العالم العربي من أنشطة سياسية وثقافية واجتماعية. فنحن نعاني في العالم العربي من عجز وقصور في عمليات التنمية الثقافية عموما لأسباب عديدة، منها ما يعود إلى مشاكل وأزمات في النظام السياسي العربي كنظام أبوي لاهم له سوى الحفاظ على مقاليد الحكم. ولكي ندير مشروعا قوميا للترجمة فإننا بحاجة إلى مجموعة من المقومات/ العناصر، فعلى سبيل المثال إننا بحاجة إلى مؤسسة كبرى مؤهلة لإدارة مشروع ثقافي قومي للترجمة، وهي مؤسسة كبيرة بالمعنى الاقتصادي بحيث تملك رأسمال عربي قادر على تمويل الترجمة، لأن الترجمة كسلعة ثقافية نشاط مكلف، وعلى أن تدفع للمترجمين، لأن المترجمين يعانون من إجحاف مادي في العالم العربي. ويجرنا ذلك إلى قضايا أخرى كقضايا إنتاج ونشر الكتاب عموما في العالم العربي لأن إدارة هكذا مشروع بحاجة إلى وعي بمشاكل النشر في العالم العربي، وإلى مجموعة إستشاريين متخصصين في الثقافات التي سننقل منها، وقادرين علي تعيين الفجوات في واقعنا الثقافي الحالي وما يمكن أن يملأ هذه الفجوات من المنجز الثقافي الغربي.

فإذا ما توافرت هذه المقومات والعوامل، حينئذ يمكن ان يكون هناك مشروع قومي للترجمة في العالم العربي. ولحسن الحظ أن هناك بوادر جيدة في مشاريع الترجمة يأتي علي رأسها المشروع القومي للترجمة في مصر الذي تحول الآن إلي مؤسسة مستقلة هي المركز القومي للترجمة الذي يقوم عليه مثقف بارز هو الدكتور جابر عصفور، هناك أيضاً مشروع "الكلمة" ومشروع "ترجم" في الإمارات العربية المتحدة وهناك مشروعات أخرى تستحق التأييد والدعم من جانب الكتّاب والباحثين والصحفيين، ولكننا بحاجة إلى المزيد.

ـ ماهي المشاكل التي تواجه الباحثين العرب في بلورة نظريات حديثة عن الترجمة؟

سامح: إذا أردنا الإسهام في دراسات الترجمة وأن نكون طرفاً فاعلاً في هذا الحقل المعرفي الجديد علينا أولاً الاطلاع على ما أنجزه الغرب في هذا العلم، وترجمة الجهاز المفاهيمي الذي ينبني عليه هذا العلم من مصطلحات ومفاهيم ونظريات إلى اللغة العربية لكي يطلع عليها الباحثون في الترجمة الذين لايجيدون اللغة الانكليزية، ثم يتلو ذلك الاشتباك الفكري مع هذا الجهاز المفاهيمي، بمعنى ألا تسلم به، وأن تشتبك ابداعياً معه وأن تستولد منه أفكاراً وتصورات مغايرة ومخالفة للنظريات الأصلية. ثم تأتي بعد مرحلة نقل النظريات والاشتباك الفكري معها، مرحلة الانتاج. لأن ليس بالإمكان إنتاج نظرية حديثة في الترجمة إلا بعد تحقيق هاتين الخطوتين. لعل العدد الخاص من مجلة فصول الذي أشرت إليه آنفاً يشكل خطوة علي سبيل انجاز المرحلة الأولي، حيث يضم العدد ترجمة لبعض المقالات التأسيسية في دراسات الترجمة مع التقديم لهذه المقالات بدراسة تضعها جميعاً في سياقاتها الفكرية والتاريخية.

ـ تظهر الاحصائيات بأن عدد الكتب المترجمة في إسرائيل في شهر واحد أكبر من عدد الكتب المترجمة في سنة واحدة في العالم العربي.

سامح: هناك إحصائيات مشابهة نشرت في تقرير التنمية البشرية في العالم العربي وأثيرت انتقادات حادة من المتابعين والمثقفين العرب حول مصداقية هذه الإحصائيات. وهذا ينقلنا إلى مشكلة أخرى، فنحن كباحثين في العالم العربي لانملك مجموعة البيانات الأساسية التي يمكن ان نبني عليها دراسات راسخة يمكن الاعتماد عليها، كما لانملك مؤسسات إحصائية تقوم بدراسات مسحية على ما ينشر في العالم العربي، وعلى إتجاهات القراءة في العالم العربي. هناك بعض البحوث ولكنها للأسف معظمها تنتج من مراكز دراسات غربية. كما أن هناك بحثين أصدرهما مركز دراسات غربي يدعى The Next Page Foundation حول إتجاهات القراءة والترجمة في العالم العربي، أحدهما بعنوان ما ذا يقرأ العرب؟ والآخر عن مؤسسات الترجمة، وآليات انتاجها في العالم العربي. ويمكن لهاتين الدراستين الإعتماد عليهما لإصدار أي أحكام على واقع الترجمة في العالم العربي. وإني أنتهز فرصة هذا الحوار للتأكيد على هذه المسألة. نحن بحاجة إلى إجراء مجموعة من الأبحاث فيما يتعلق بالترجمة في العالم العربي. إننا بحاجة إلى أبحاث ميدانية تطلعنا على ما يترجم وما لايترجم، وما ينشر وما لاينشر في العالم العربي، و دور النشرالتي يقع عليها عبىء نشرالترجمة في العالم العربي. ونحن بحاجة كذلك إلى دراسات عن المؤسسات التي تمارس أدوار رقابية على الترجمة في العالم العربي. نحن بحاجة إلى قاعدة بيانات وافية تسمح لنا كباحثين بتفسير ظواهر الترجمة في عالمنا العربي واستكناه شروطها وفاعليتها.