يرى الباحث أن محاولة النقاد لاستخراج ملامح الرؤية الشعرية لدى المتصوفة، أفضت إلى أنه من العبث التوغل في إشارات لفظية تمثل النص الذي يظل بعيدا عن التأويل المباشر، فحاول بعضهم فهم النص وتحليل بلاغة الصورة الشعرية وفق مذهب لغوي معاصر هو ما عُرف بأيديولوجيا اللغة.

بَلاغَةُ السُّمُوِ الصُّوفِيِّ

قِرَاءَةٌ فِي إشْكَالِيَّةِ التَّنَافِي النَّقْدِي للخِطَابِ الصُّوفِيِّ

بليغ حمدي إسماعيل

 

(1) أخطأ من ظن أن النافذ إلى عوالم الصوفية المختبئة هو محاولة من محاولات الهروب من عوالم أخرى محيطة قد تدفعه دفعا صوب الإحباط والاكتئاب، لأن تأريخ التصوف الإسلامي الضارب في القدم لم يشر إلى هذا الظن الخائب، لكن يظل الولوج إلى أكوان التصوف والصوفية رغم ذلك معادلا وجدانيا لكيانات إنسانية متشظية بالسمو والاعتلاء غير التنافسي، ولأن المتصوف بطبيعته أكثر ميلا للتعامل مع الباطن والجوانب المضمرة والخفية عن المشترك الجمعي، فهو بالضرورة لا يعبأ أو يكترث بالتصارع الاجتماعي لدى أعضاء المجتمع الواحد، الأمر الذي يجعله منفردا على منصة التتويج الروحي

ولعل سمة السمو ومزية الاعتلاء التي انفرد بهما الصوفي، جعلاه يعزز فرضية بلاغة التعبير والإفراط المثمر تأويليا في الرمزية التي أرهقت النص الصوفي نفسه، وجعلت آليات التلقي أكثر اضطرابا في نفس الوقت، ولا يمكن أن يهرب النقاد العرب عبر رحلة النقد العربي الممتدة من ابن قدامة الجمحي وحتى عصرنا الراهن من حقيقة مفادها أن التصوير المجازي في النصوص الصوفية هي أحد أهم روافد الشعر العربي لاسيما ثورات الشعر الحر وقصيدة النثر.

(2) والصورة اللغوية في النص الصوفي هي بعيدة تمام البعد عن فعل الواقع أو الرصد المنطقي لحركة التاريخ، فإذا كانت الصورة اللفظية تعد لغزاً في ذاته، فإن المعنى في جملته يعد ملغزا يتطلب قدرا طويلا من الوعي لاقتناص تفاصيل تدل على ما يريده الصوفي من نصه. ومن قبيل هذا الضرب اللغوي ما نظمه سلطان العاشقين عمر بن الفارض قائلا:

"قلبي يحدثني بأنك متلفي * * * روحي فداك عرفت أم لم تعرفِ

لم أقض حق هواك إن كنت الذي * * * لم أقض فيه أسىً ومثلي من يفي

ما لي سوى روحي وباذل نفسه * * * في حب من يهواه ليس بمسرفِ"

وكعادة أهل السمو والاعتلاء، أعني متصوفة الإسلام، نجد مجمل نصوصهم اللغوية غامضة معظم الوقت والتوصيف، لاسيما وهم يصفون تجربتهم ويتحدثون عن تفاصيلها، وهو ما نلمحه في قصائد ابن الفارض التي تفوح منها الغموض والمدلولات غير المفسرة لمعانيها المقصودة، ومن ذلك قصيدته الأشهر المعروفة بالتائية الكبرى، والتي يقول فيها:

سقتني حميَّا الحبِّ راحة َ مقلتي * * * وكأسي محيَّا منْ عنِ الحسن جلَّتِ

فأوهمْتُ صَحبي أنّ شُرْبَ شَرَابهِم * * * بهِ سرَّ سرِّي في انتشائي بنظرة ِ

وبالحدقِ استغنيتُ عنْ قدحي ومنْ * * * شمائلها لا منْ شموليَ نشوتي

ففي حانِ سكري، حانَ شُكري لفتية ٍ * * * بهمْ تمَّ لي كتمُ الهوى مع شهرتي

وفي هذه القصيدة الشهيرة تنقسم التجربة الصوفية عند عمر بن الفارض إلى ثلاث مراحل رئيسة، هي: مرحلة الفَرْقِ وفيها يصف الشاعر الصوفي حالة التفرقة والتمييز عن محبوبه الذي يخاطبه هو بلغة حب عميقة وواسعة، ومرحلة الاتحاد وفيها يصف الشاعر حالة الوحدة بينه وبين محبوبه، أما المرحلة الأخيرة والمسماة بالجمع فيصف الشاعر فيها حالة الوحدة والاندماج بين ذاته هو وكل الموجودات. ويجتهد جوزيف سكاتولين في رصد لغة الحب في تائية ابن الفارض، حيث يقوم بدراستها دراسة دلالية حيث أشار إلى تعدد الدلالات اللفظية للأصول اللغوية: (حـ . ب . ب)، و(حـ . بٌ)، و(هـ . و . ى)، و(و . ل . ي) وهي الأصول اللغوية الثابتة التي تشكل مراحلة الثلاث التي سبق سردها.

(3) وإذا كان بعض نقاد الأدب العربي حاولوا أن يتعاملوا مع النص الصوفي -كونه نصا لغويا- كخطاب أدبي، إلا أنهم قد واجهوا ثمة إشكاليات جعلت النص الصوفي أبعد ما يكون من تفكيكه، وجعلت النقاد أنفسهم بمنأى عن تأويل النص الصوفي كخطاب أدبي، وهذه الإشكاليات نجمت عن ظواهر شتى من أبرزها أن النص الصوفي الذي امتاز ببلاغة الصورة وغياب المعنى بعيدا عن رصد الناقد لم يكن محكوما بالنظام اللغوي الذي يشير إلى فرضية العلامة والدال والمدلول التي تم إيفادها إلينا من رواسب المدرسة البنيوية في النقد الأدبي، وأيضا لم يخضع هذا النص إلى أفق التوقعات أو جماليات القراءة التي تم تصديرها إلى نقدنا العربي الأصيل من خلال محاولات هانز روبرت ياوس وفولفجانج إيزر في نظريتهما الموسومة بالتلقي الجمالي.

والشيخ الأكبر محي الدين بن عربي خير مثال وأنموذج للتأكيد على افتراضية صعوبة اقتناص آليات وتقنيات النقد الأدبي لتفاصيل الصورة البلاغية في النص الصوفي، وخصوصا الديوان الأشهر في تاريخ الشعر العربي "ترجمان الأشواق" الذي لايزال طرحا إشكاليا في التلقي، وفي هذا الديوان نسج (ابن عربي) قصائد رمزية على طرائق الصوفيين الذين يتغزلون فيها بإنسان، وهم لا يقصدون من وراء ذلك سوى الإشارة إلى معانٍ سامية، وخوفاً من سوء الفهم والإدراك لصنيع ابن عربي في ترجمان أشواقه لجأ إلى وضع شرح للديوان خشية أن يتبادر إلى ذهن العامة فهم خاطئ لا يتناسب وجلال القصائد الصوفية الماتعة.

(4) ولاشك أن مدلولات خطاب الصوفي بما يتضمنه من صور بلاغية عصية على التأويل إفراطا في رمزيتها ترفض بالضرورة الرؤية الخارجية للناقد أو المتلقي، لاسيما وأن الخطاب الصوفي تحكمه أحوال ومقامات ليست من طبائع مهارات النقد الأدبي المتداولة، كما أن الصورة البلاغية في النص الصوفي تخضع فقط لحالات الفيض الداخل للمتصوف، وبالقطع من بالغ الصعوبة لدى محترفي النقد إيجاد آلية علمية للتفريق بين الحال أو المقام أو حتى توصيفهما.

وهذا الملمح البلاغي الأقرب للفلسفة نجده بوضوح في النصوص الشعرية لدى المتصوفة لاسيما وهم يفرقون بين أحوال المحبة والوجد والعشق الإلهي، وجميع تلك الأحوال هي من علامات القرب التي تعني الانقطاع عن كل شئ سوى الله عز وجل، وربما قد لا يفطن البعض إلى أن بعض نظم أهل التصوف كان إجابة لأسئلة وُجهت إليهم حول هذه الأحوال، فسُئل أبو بكر الشبلي مرة: هل يقنع المحب بشئ من محبوبه دون مشاهدته، فأنشد يقول:

"والله لو أنك توجتني * * * بتاج كسرى ملك المشرقي

ولو بأموال الورى جدت لي.* * * أموال من باد ومن قد بقي

وقلت لي لا نلتقي ساعة.* * * اخترت يا مولاي أن نلتقي"

ويمكن في هذا المقام الإشارة إلى واقعة تاريخية تتعلق بحال والمقام، وهي حينما وجد شهاب الدين السهروردي لغطاً واسعاً بين المريدين في فهم أوجه الفرق بين الحال والمقام شرع إلى تبسيط الفروق بينهما، موضحاً اختلاف الشيوخ وأقطاب الصوفية في التلميح بهما وصعوبة التفريق بينهما لتشابهما في النفس، وكان من أوائل الذين أدركوا وجود ضوابط ومحكات حاكمة للتفرقة بين الثنائيات لاسيما التي تتعلق بالتصوف، وشدد على وجود ضابط يفرق بينهما، ويشير إلى ذلك بقوله: "فالحال سمي حالاً لتحوله، والمقام مقاماً لثبوته واستقراره، وقد يكون الشئ بعينه حالاً ثم يصير مقاماً، مثل أن ينبعث من باطن العبد داعية المحاسبة، ثم تزول الداعية بغلبة صفات النفس ثم تعود ثم تزول، فلا يزال العبد حال المحاسبة يتعاهد الحال، ثم يحول الحال بظهور صفات النفس إلى أن تتداركه المعونة من الله الكريم، ويغلب عليه حال المحاسبة، وتنقهر النفس وتنضبط وتتملكها المحاسبة، فتصير المحاسبة وطنه ومستقره ومقامه".

(5) وتكمن بلاغة الصورة في النص الصوفي في محاولة المتصوف نفسه إثبات شخصيته التي هي بالضرورة تتماهي في أكوان غير مرئية، والتي تتعالى عن كافة الضغوط المجتمعية أو بالأحرى هي في حالة اعتزال للتنافس الاجتماعي صوب مكاسب دنيوية مادية، وهذا الإثبات عرج إليه المستشرقون الإسبان وهم يتناولون النصوص الصوفية بالدرس والتحليل وانفضوا إلى إقرار مصطلح النرجسية الشخصية أو الحضرة الشخصية، وخير مثال لهذه الصورة البلاغية الحسين بن منصور الحلاج بقوله:

"لبيك، لبيك، يا سري ونجوائي * * * لبيك لبيك، يا قصدي ومعنائي

أدعوك، بل أنت تدعوني إليك فهل * * * ناديت إياك أم ناديت إيائي

يا عين عين وجودي يا مدى هممي * * * يا منطقي وعباراتي وإيمائي"

وحينما حاول نقاد الأدب في استخراج ملامح الرؤية الشعرية لدى المتصوفة وجدوا أن يبحثون عن براهين لفرضيات معدة مسبقا، فوجد هؤلاء أنه من العبث التوغل في إشارات لفظية لمكونات لغوية تمثل النص الذي يظل غائبا وبعيدا عن التأويل المباشر، بل حاول بعض النقاد فهم النص الصوفي وتحليل بلاغة الصورة الشعرية وفق مذهب لغوي شديد المعاصرة هو ما عُرف بأيديولوجيا اللغة، وأشار كل من خضر الأغا في كتابه "ما بعد الكتابة نقد أيديولوجيا اللغة"(2008)، وعبد القادر فيدوح في دراسته الموسومة بـ"سمت النص الصوفي"(2018)، إلى أن المقصود بأيديولوجية اللغة هو مذهب اللغة لا اللغة نفسها استطاع عبر صياغته المتماسكة أن يجعل العالم قاطرة تجرها أحصنة اللغة، فتحول النص، وتاليا العالم.