يتتبع الباحث السوداني كفاح النساء البريطانيات في الحصول على حقوقهن في التعليم، والملكية، والأسرة، والعمل والأجر المتساوي وصولا إلى حقوقهن السياسية. لافتنا النظر إلى التشابه الملفت بين أوضاع النساء البريطانيات في فترة الدراسة وأوضاع النساء اليوم في بعض المناطق في أفريقيا والدول العربية دون إغفال اختلاف السياقات.

دروس من الماضي

كفاح النساء البريطانيات

من أجل إنهاء التمييز ضد المرأة

ناصف بشير الأمين أحمد

 

إن[i] التقدم الذي حدث في مجال إنهاء واقع اللامساواة والتمييز ضد النساء في بعض المجتمعات يعتبر حديثا جدا حتى في البلدان الصناعية المتقدمة، فحتى بداية القرن العشرين، كانت النساء في أوروبا ومختلف أنحاء العالم مواطنات من الدرجة الثانية ويتعرضن في الغالب للقهر والإقصاء المستمرين لقرون من تاريخ الجنس البشري، وكن نتيجة لذلك مستبعدات كليا أو جزئيا من المجال العام في المجتمع وتنحصر أدوراهن في حدود الأسرة أو داخل المنزل، كذلك عانت النساء عبر القرون مختلف أشكال العنف ضد المرأة. ولا تزال أوضاع اللامساواة والتمييز على أساس النوع سائدة بأشكال مختلفة في معظم المجتمعات على إمتداد الكرة الأرضية، وقد أكدت خلاصة تحليل حديث لبيانات مؤشر المفاهيم الاجتماعية المتعلقة بالجندر (Gender Social Norms Index)، والذي يحاول قياس الأثر السلبي للمفاهيم والمعتقدات الاجتماعية على جهود تحقيق العدالة وإنهاء التمييز على أساس النوع، أنه وبالرغم من التقدم الذي حدث، لا يزال 90% من السكان في 75 دولة (يسكنها حوالي 80% من سكان العالم) يتبنون أراءً متحيزة ضد النساء، ويرى 28% منهم أنه يحق للرجل تأديب وضرب زوجته.[ii]

ويشير مفهوم الإقصاء الاجتماعي إلى العملية التي يتم بموجبها حرمان مجموعات معينة من حقوقها كليا أو جزئيا بطريقة منهجية عن طريق التمييز ضدها بسبب النوع (الجندر) أو الإثنية أو أو الدين...إلخ، فالتمييز إذا هو الآلية التي يتم عبرها إقصاء وتهميش النساء وحرمانهن من حقوق المواطنة المتساوية ومن المساهمة الكاملة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية للمجتمع. ويتم إقصاء الأشخاص وحرمانهم من حقوق المواطنة المتساوية بواسطة النظم والمؤسسات وأنماط السلوك التي تعكس وتعزز وتعيد إنتاج القيم الاجتماعية المهيمنة، خصوصا قيم المجموعات القوية والمسيطرة في المجتمع، وهم أصحاب الامتيازات من الذكور في حالة المجتمع الأبوي الذي يميز ضد النساء، وتتم هذه العملية في بعض الأحوال بشكل علني ومخطط له، كما في الحالات التي تمارس فيها مؤسسات الدولة التمييز المباشر في قوانينها وسياساتها؛ ومثال لذلك القوانين التي تحرم النساء من حقوق الملكية المتساوية أو تولي المناصب السياسية العليا، ويمكن أن يمارس التمييز بشكل غير مباشر وبطرق غير معلنة.[iii] وتصبح المجموعة التي يُمارس التمييز ضدها "أقلية" مهمشة بمعيار علاقات القوى السائدة في المجتمع حتى وإن كانت تشكل أغلبية عددية في المجتمع، كما هو حال النساء. ويحرم الإقصاء والتمييز الأشخاص من حرية الاختيار والفرص المتاحة للخروج من دائرة الفقر والمشاركة الكاملة في المجتمع، كما يصادر أصواتهم ويمنعهم من الجهر بحقوقهم والمطالبة بها، ولهذه الأسباب مجتمعة، يشكل الإقصاء الاجتماعي السبب الرئيسي للفقر والتخلف والتوترات الاجتماعية.[iv]

كانت ممارسات إخضاع وتهميش النساء المستمرة تنسجم مع النظام الاجتماعي الأبوي المهيمن والأفكار السائدة عبر القرون التي تعتبر النساء أدنى مرتبة من الرجال وأن قدراتهن العقلية أقل مقارنة بالرجال "ناقصات عقل" ولا يمتلكن بالتالي القدرة أو الأهلية اللازمة للقيام بالعديد من الأدوار الاجتماعية كالتعليم فوق الأساسي أو المشاركة السياسية أو حقوق الملكية المتساوية، وأن "طبيعة" المرأة تقتضي أن ينحصر دورها، بشكل رئيسي، داخل المنزل.

سوف تتناول هذه الدراسة شذرات من تاريخ نضال المرأة البريطانية من أجل المساواة في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وإنهاء كافة أشكال التمييز التي كانت تمارس ضدها، خصوصا في القرنين التاسع عشر وبداية القرن العشرين، والنجاحات والانتصارات التي حققتها في معركتها الطويلة ضد التمييز والإقصاء. وتجربة حركة الحقوق النسوية في بريطانيا، البلد القيادي في مسيرة تأسيس الديمقراطية الحديثة وترقية واحترام حقوق الإنسان العالمية، بها دروس مفيدة خصوصا للنساء في أفريقيا والمنطقة العربية والإسلامية وفي كل مكان لا تزال فيه المرأة تواصل كفاحها من أجل إنهاء كافة أشكال القهر وعدم المساواة. لقد مرت أوضاع وحقوق النساء في المجتمع البريطاني والمركز القانوني للمرأة تحت القانون الإنجليزي بتغيرات عديدة عبر التاريخ، لكن سينصب تركيز هذه الدراسة القصيرة على التطورات التي حدثت في هذا الشأن في القرنين التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وذلك لأن هذه الفترة هي التي شهدت البداية الحقيقة للحركة النسوية الحديثة المنظمة والانتصارات الرئيسية التي حققتها والتغيرات الأكثر جذرية في مسيرة كفاح المرأة من أجل إنهاء أوضاع اللامساواة والتمييز التاريخيين وتحقيق المواطنة المتساوية. سيلاحظ القارئ التشابه الملفت بين أوضاع النساء البريطانيات في الفترة موضوع الدراسة وأوضاع النساء القائمة اليوم في بعض المناطق في أفريقيا والدول العربية أو ذات الأغلبية المسلمة، ولكن يجب التذكير هنا بالمحاذير المنهجية التي تحذر من الذهاب بعيدا في استخلاص نتائج تعميمية من المقارنات بين ماضي مجتمع بريطانيا وحاضر بعض المجتمعات المشار إليها، دون الأخذ في الاعتبار إختلاف السياق التاريخي والاجتماعي.

حتى منتصف القرن التاسع عشر، كانت النظرة السائدة للنساء في المجتمع البريطاني وفي أوروبا عموما والموروثة عن القرون الوسطى هي أنهن أدنى درجة من الرجال في معظم مناحي الحياة. وكن يتعرضن للاضطهاد والقهر الذي بلغ أقصى تجلياته في ممارسات (صيد الساحرات) وحرق وشنق النساء بتهمة ممارسة السحر الأسود والتي وصلت قمتها في القرن السابع عشر في انجلترا، وممارسة بيع الزوجات بواسطة أزواجهن في المزادات العلنية في القرون الوسطى.[v] وكان القانون العام الإنجليزي Common Law يعطي الرجل الحق في ضرب وتأديب زوجته، وقد ذكر ماثيو بيكن (Matthew Bacon) في كتابه المختصر الجديد في القانون A New Abridgement of the Law والذي صدرت طبعته الأولى عام 1736، أن الزوج يملك السلطة والولاية على الزوجة، ويمكنه ضربها ضربا غير مبرح وليس بصورة قاسية.[vi] وكانت المرأة تتمتع بحقوق محدودة جدا، ولم يكن للنساء وجود يذكر في المجال العام الذي كان محتكرا بالكامل للرجال، وكانت أدوارهن مقصورة في حدود الحياة الأسرية كزوجات وأمهات صالحات في المنزل، ولا شئ غير ذلك. ولعبت الأيدويولوجية الأبوية والمفاهيم الدينية المهيمنة والموروثة عن القرون الوسطى دورا رئيسيا في تكريس وإدامة أوضاع اللامساواة والتمييز ضد النساء. وحسب الأفكار السائدة والمهيمنة حتى العصر الفكتوري، كان البريطانيون يعتقدون أن النساء خلقن للقيام بالأعمال والواجبات المنزلية ورعاية أطفالهن، وكانت تتم تنشئة وتربية الفتيات بطريقة تضمن إعدادهن للقيام بهذا الدور. وكانت أهم الحجج التي يتم توظيفها لتبرير أوضاع التهميش والتمييز المنهجي والمؤسسي الذي يمارس ضد المرأة هي الحجج الدينية كتلك الحجة القائلة بأن الله خلق المرأة مختلفة عن الرجل لتقوم بدور مختلف: لتكون زوجة وأما.[vii] ويعني ذلك برمجة الفتيات منذ الصغر على الخضوع لنظام توزيع الأدوار الجندري الثابت في المجتمع وغير القابل للتغيير ولما يفرضه عليهن من طاعة الرجال والقبول بأدوارهن المرسومة.

وبينما كانت الغالبية العظمى من النساء خاضعات ومستسلمات للنظام الذي فرضه المجتمع الأبوي والمتجذر في الثقافة السائدة، كانت هناك أقلية من النساء تكافح من أجل الحصول على وظائف خارج المنزل وفي الدفاع عن حقوق المرأة. بدأت الحركة النسوية في إنجلترا عبر كتابات بعض الرائدات في القرنين السابع والثامن عشر مثل باثسوا ماكن (Bathsua Makin) ومارغريت كافيندش (Margaret Cavendish) دوقة نيوكاسل وماري أستل (Mary Astell) وماري وولستونكرافت (Mary Wollstonecraft) وتعتبر الأخيرتان من أوائل المدافعات عن حقوق المرأة في إنجلترا. وكانت هناك وظائف محدودة جدا في الواقع متاحة للنساء في مجال التدريس في المدارس في ظل ذلك النظام الاجتماعي الأبوي والاضطهاد الموجه ضد النساء.[viii]

بالرغم من حركة الإصلاح الديني البروتستانتية التي انطلقت منذ مطلع القرن السادس عشر والثورات الثقافية والعلمية والصناعية والسياسية التي شهدتها بريطانيا وتمدد إمبراطوريتها وراء البحار، لم تكن الحركة النسوية البريطانية المنظمة المطالبة بحقوق النساء وإنهاء أوضاع الإقصاء والتمييز ضدهن قد انطلقت بعد مع حلول القرن التاسع عشر. لهذا السبب كان أبرز المدافعين عن حقوق المرأة في تلك الفترة هم من الرجال. ويعتبر وليام ثمبسون (William Thompson) وجون ستيورت ميل (John Stuart Mill) من أبرز المدافعين عن حقوق المرأة في القرن التاسع عشر، وقد وصف ثمبسون النساء المتزوجات في ذلك الوقت بالإماء وأن أوضاعهن لا تختلف كثيرا عن أوضاع الزنوج الأرقاء في جزر الهند الغربية، حيث لم يكن للمرأة أي حق فيما يخص حضانة أطفالها أو ممتلكات الأسرة وكانت تتم معاملة معظم النساء كمعاملة رؤساء الخدم.[ix] في 1869، أصدر جون ستيورت ميل كتابه قهر النساء The Subjection of Women والذي ذكر فيه أن إخضاع النساء يعتبر معا عملا خاطئا وأيضا العائق الرئيسي الذي يحول دون تطور البشر.[x]

وبسبب أوضاع القهر والتهميش التي عاشت فيها المرأة لقرون وتأثير الأيدويولوجية الأبوية المهيمنة، كانت هناك أصوات نسوية تدافع عن أوضاع اللامساواة القائمة وتحاول تبريرها وبعضها لا يخفي عدائه للحركة النسوية الوليدة مثل بيتريكس بوتر (Beatrix Potter). على سبيل المثال، فإن الكاتبة ماري آن ايفان (Mary Ann Evans)– وبالرغم من أنها كانت صديقة للقائدة في الحركة النسوية باربرا لي سميث (Barbara Leigh Smith)– كتبت في 1853 تعليقا مفاده ان المرأة غير مهيأة بعد لنيل حقوق أكثر من تلك التي منحها لها الرجل. كذلك وفي عام 1856، رفضت الكاتبة الروائية السيدة قاسكل (Gaskell) فكرة السماح للنساء بالعمل كطبيبات لأنها مهنة تتطلب، من وجهة نظرها، مهارات ومعارف لا تتوفر في النساء. وكانت لبعض المدافعات عن حقوق النساء آراء محافظة وتحفظات على نيل المرأة لبعض الحقوق. على سبيل المثال، لم تكن فلورنس نيتنقيل (Florence Nightingale) الرائدة في مجال التمريض والتي تعتبر مؤسسة التمريض الحديث ترى أهمية لمطالبة النساء بالحق في المشاركة في الانتخابات.[xi] ويمكن مقارنة ذلك ببعض الأصوات النسوية في المجتمعات الراهنة في أفريقيا أو المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة والتي تناهض حركات الدفاع عن حقوق النساء وتدعو للمحافظة على الأوضاع القائمة استنادا على حجج ومبررات مشابهة.

في عام 1843، نشرت ماريون ريد (Marion Reid) كتابا في الدفاع عن حقوق المرأة في أدينبرا اعتبر أهم كتاب نسوي في ذلك الوقت، وقد غطى الكتاب تقريبا كل القضايا التي ستكون مجال عمل الناشطات طوال القرن التاسع عشر.[xii] ولكن لم تبدأ الحركة النسائية الحقيقية في بريطانيا إلا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر حيث بادرت مجموعة سيدات لانقهام بليس (Ladies of Langham Place) والتي تقودها باربرا لي سميث بإطلاق أولى الحملات المنظمة والتي كانت تطالب بتعليم أفضل للنساء وزيادة فرص العمل المتاحة للنساء وتطوير الوضع القانوني للمرأة المتزوجة. ولاحقا أصبح لانقهام بليس المقر الرئيسي لمجلة النساء الإنجليزيات English Women’s Journal، وجمعية دعم توظيف النساء. وكانت باربرا قد قضت بعضا من الوقت في أوروبا وكذلك في الولايات المتحدة حيث التقت ببعض الناشطات في مجال تعليم المرأة وبعض الطبيبات الأمريكيات وكذلك بعض الناشطات في حركة مناهضة الرق. والمعروف إن الحركة النسوية المنظمة في الولايات المتحدة ولدت أيضا في القرن التاسع عشر من رحم حركة الحقوق المطالبة بتحرير الرقيق الأفارقة، حيث كان هناك عدد كبير من النساء بين عضوية الجمعيات المطالبة بتحرير الرقيق.[xiii] وظهرت أصوات نسوية عديدة مثل فرانسيس باور كوبي (Francis Power Cobbe) التي كانت تطالب بتطوير تعليم المرأة وبالإصلاح القانوني فيما يتعلق بحقوق النساء المتزوجات، واميلي ديفيز (Emily Davies) المدافعة عن حق المرأة في التعليم، وجوزيفين بتلر (Josephine Elizabeth Butler). وكذلك برزت أسماء عدة ناشطات مثل مليسنت فوست (Millicent Fawcett) وإليزابث قاريت آندرسون (Elizabeth Garrett Anderson)، أول طبيبة بريطانية، يطالبن بالسماح للنساء لدخول بعض المهن مثل المهن الطبية. وبالرغم من حدوث تقدم قليل في مجال العمل المهني للنساء، لم تستفد من الفرص المحدودة التي اتيحت سوى المحظوظات وبنات الأسر الراقية والتي كان الآباء أو الأزواج فيها ليبراليين بما يكفي.[xiv]

واستطاعت حركة حقوق النساء من تحقيق انتصارات ومكاسب عديدة وهامة خلال هذه الفترة، غيرت المجتمع البريطاني إلى الأبد، مثلما ساهمت في دفع حركة حقوق النساء وتطور قوانين ومبادئ المساواة وعدم التمييز على المستوى الدولي. وسوف تستعرض الدراسة أوضاع أهم الحقوق السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية للنساء في تلك الفترة مثل حق التعليم وحقوق المرأة المتزوجة ومركزها القانوني والحق في المساواة وعدم التمييز تحت قوانين الأسرة، والحق في العمل والأجر المتساوي عن العمل المتساوي، والحق في المشاركة السياسية والتصويت والترشح في الانتخابات العامة، والإصلاحات والتقدم الكبير الذي تم في كل هذه المجالات نتيجة لكفاح الحركة النسوية وأنصارها.

1. الحــــــق في التعــــليم
كان تعليم البنات في العصر الفكتوري فقيرا للغاية، وكانت الأسر الفكتورية تربي بناتها على أن أدوارهن محصورة في المجال الخاص والأسري، ولهذا السبب كان الاعتقاد السائد وسط الأسر والمجتمع معا هو ان الفتيات ليس لهن حاجة للتعليم العالي،[xv] فالعمل الذي ينبغي على الفتيات القيام به مثل عمل الخياطة والتنظيف ورعاية الأطفال لا يتطلب مؤهلات تعليم عالٍ. قارن ذلك بأراء بعض الفقهاء في الفقه الإسلامي التي تمنع خروج المرأة من بيتها طلبًا للعلم أو تلك التي ترى تعليمها تعليما محدودا فقط.[xvi] وفي ظل النظام التعليمي الموجود حينها كان يتم القضاء سريعا على أي أعراض للتفكير المستقل لدى الفتيات، كما عبرت عن ذلك مارغريت وولترز (Margaret Walters)، وكانت تتم تربية البنات في رأيها على أن يقمن في المستقبل وبشكل آلي بأداء واجباتهن المنزلية كزوجات وأمهات صالحات.[xvii] وكان متاحا أمام البنات في العهدين الفيكتوري والإدواردي، خصوصا البنات من الطبقة العاملة، تلقي التعليم في عدد من المؤسسات التعليمية، وذلك في الفترة مابين 1800 و1914م. ومن بين هذه المؤسسات التعليمية مدارس السيدات Dame schools وهي مدارس خاصة صغيرة تدير الواحدة منها في العادة امرأة واحدة وكانت أشبه بالتعليم المنزلي. وكانت هذه المدارس تعلم التلاميذ بشكل رئيسي القراءة والإملاء، وتعطى البنات كذلك دروسا في الخياطة وعمل الإبرة. وكانت هناك أيضا مدارس الأحد Sunday Schools والتي تعطي التلاميذ دروسا حول الإنجيل.[xviii] وتعتبر كلية الملكة Queen’s College في لندن من أوائل المدارس العليا التي ذاعت شهرتها بوصفها كلية للبنات، وقد تأسست بموجب مرسوم ملكي في 1853 بغرض تقديم التعليم العام للسيدات ومنح شهادات تعليمية،[xix] ويتضح من ذلك أن الهدف من إنشائها كان توفير قدر من التعليم فوق الابتدائي لبعض بنات الطبقة الوسطى.

لعبت الناشطات والمجموعات النسوية المطالبة بزيادة فرص التعليم المتاحة للبنات وتطوير وترقية نوعية تعليم المرأة التي سبق ذكرها مثل باربا لي سميث ومجموعة لانقهام بليس وفرانسيس كوبي وأميلي ديفيز دورا رئيسيا في الإصلاحات والتقدم الذي حدث في هذا المجال. على سبيل المثال، استطاعت أميلي ديفيز في 1862 تكوين لجنة لمساعدة النساء في الامتحانات المحلية للجامعات. واستمرت أميلي تطالب بنظام تعليمي واحد للنساء والرجال دون تمييز، وفي 1866 ظهر كتابها التعليم العالي للنساء (The Higher Education of Women). وتمكنت أيضا من جمع التبرعات وإنشاء كلية للتعليم العالي للبنات في هارتفوردشير والتي نقلت لاحقا إلى كمبريدج في 1873 وأصبحت تعرف بكلية قيرتون (Girton College)، والتي تلتها ليدي مارغريت هول في اُكسفورد في 1879(Lady Margaret Hall). وشهد عقد الخمسينات من القرن التاسع عشر تأسيس عدد من المدارس المتوسطة والكليات الخاصة بتعليم البنات، ولكن مع ذلك لم يحدث أي تطوير يذكر في نوعية التعليم وزيادة في الفرص المتاحة للتلاميذ من الطبقة الوسطى في المجتمع بالنسبة للجنسين إلا بعد نشر تقرير لجنة التحقيق في أوضاع المدارس Reports of the Schools Inquiry Commission (RSIC) في عام 1867. وبالرغم من أن التقرير قد خلص إلى أن البنات يتمتعن بذات القدرات العقلية التي تؤهلهن للتعلم مثل الأولاد وعلى قدم المساواة، إلا أنه أوصى بتعليم البنات تعليما يختلف عن تعليم الأولاد، وذلك حسب ما تقتضيه أدوارهن في المجتمع.[xx] وكان على الفتيات الانتظار حتى عام 1870، لتقوم السلطات بأخذ موضوع تعليمهن مأخذ الجد.

بعد صدور قانون التعليم لسنة 1870، أصبح التعليم الابتدائي للجنسين في إنجلترا، ولأول مرة، إلزاميا، وبدأت المدارس تعلم البنات القراءة والكتابة والحساب.[xxi] ومع ذلك، ظل عدد البنات الملتحقات بالمدارس المتوسطة محدودا للغاية، وذلك لأن الأسر كانت تمنح الأولوية لتعليم أولادها الذكور وبالتالي تكريس أوضاع الهيمنة الذكورية. ومن وجهة نظر كاقلار ديمير (Çağlar Demir)، لم تأخذ الأسر الإنجليزية والولشية أمر تعليم بناتها بالجدية المطلوبة، بما في ذلك أسر الطبقة العليا في المجتمع، حتى حلول عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن التاسع عشر.[xxii] وقد لعبت حملات الناشطات والناشطين المطالبة بتطوير وترقية تعليم البنات دورا كبيرا في إحداث هذه التحولات. وفي عام 1880، صدر قانون جديد للتعليم جعل تسجيل التلاميذ من الجنسين وحضورهم للمدراس إلزاميا ما بين سن خمس وعشر سنوات، ولكن لم يكن التعليم مجانيا وكان يتوجب على أولياء الأمور دفع رسوم التعليم. وقد استمر ذلك حتى تم تعديل القانون في عام 1891. ثم صدر تشريع آخر في 1893 مدد سن الحضور الإلزامي للمدرسة بالنسبة للتلاميذ إلى عمر 11 سنة، ثم مددت إلى 12 سنة بموجب تعديل آخر في عام 1899.[xxiii] وحدثت بعد ذلك زيادة كبيرة جدا في عدد المدارس المتوسطة بعد صدور قانون التعليم لسنة 1902 والذي منح سلطات واسعة للإدارات التعليمية على المستوى المحلي لدعم التعليم المتوسط.[xxiv]

أما فيما يخص التعليم الجامعي، فقد ظلت الجامعات البريطانية حتى العهد الفيكتوري مؤسسات يهيمن عليها الرجال دون غيرهم، ولم يكن مسموحا للنساء بالعمل كمحاضرات في الجامعات بسبب النظرة السائدة حينها والتي تعتبر أن المرأة لا تمتلك القدرات المطلوبة لتدريس المواد العلمية الجامعية. وكان الاعتقاد السائد وسط الغالبية من الرجال في المجتمع هو أن النساء لا يمكن مساواتهن مطلقا بالرجال. وقد خطب أحد المسؤولين المعارضين لقبول النساء في جامعة اُكسفورد في إحدى المناسبات في 1884 قائلا: "لقد خلقك الله أيتها المرأة أدنى درجة منا نحن معشر الرجال، وستظلين في الأدنى حتى نهاية الزمن."[xxv] لاحظ توظيف الحجج التي تبرر أوضاع اللامساواة من خلال نسبتها إلى الإرادة الإلهية! ولم تمنح جامعة اُكسفورد العضوية الكاملة للنساء إلا في عام 1919. وبالمقارنة، منحت جامعة كمبردج درجات شرفية أو رمزية للنساء في 1921 ولكن لم يتم منح النساء العضوية الكاملة في الجامعة والاعتراف بها إلا في عام 1948.[xxvi]

من وجهة نظر بعض الدارسين، لم تكن هناك مساواة بين الجنسين في القبول للتعليم في بريطانيا حتى بالنسبة للفتيات المولودات في 1950، إذ وبالرغم من أن قانون التعليم لسنة 1944 قد نص على التعليم المجاني للجميع من الابتدائي وحتى الثانوي، كان يتم العمل بنظام الحصة للقبول في المدارس الثانوية Grammar schools. ولأن أداء الطالبات في الامتحانات كان أفضل من الطلاب، قررت السلطات التعليمية العمل بنظام الحصة للتقليل من عدد البنات. وتشير بعض التقديرات إلى أن ثلثي المقاعد في المدارس الثانوية المختلطة كان من الممكن أن تحتلها البنات لولا العمل بنظام الحصة. وقد استمر العمل بنظام الحصة في مدينة بيرمنجهام وفي آيرلندا الشمالية حتى آواخر الثمانينات عندما قضت المحكمة العليا بأنه يشكل نوعا من التمييز ضد البنات.[xxvii]

2. المركز القانوني وحقوق الملكية بالنسبة للنساء المتزوجات
كانت المرأة المتزوجة في بريطانيا في الفترة التي تتناولها هذه الدراسة تفقد شخصيتها القانونية بمجرد تمام زواجها، ومن ثم تعيش بقية حياتها وهي مكبلة بالقيود ولا تملك حق ملكية الأشياء الخاصة بها، بما في ذلك عائدات عملها الخاص، والتي كانت تعتبر ملكا لزوجها، أو حق حضانة أطفالها وكان أطفالها وكذلك أموالها تعتبر كلها داخلة في ملكية زوجها.[xxviii] وطور فقهاء القانون العام الإنجليزي نظرية إنتهاء شخصية المرأة القانونية بعد الزواج أو ذوبانها في شخصية زوجها ليصبحا شخصية قانونية واحدة The common law of coverture، وبالتالي تفقد المرأة المتزوجة أهليتها للملكية والدخول في المعاملات والعقود وإجراء التصرفات القانونية، وتنتقل ملكية كافة ممتلكاتها العقارية والمنقولة إلى زوجها بمجرد زواجها. ومن الواضح إن نظاما كهذا كان يفرض قيودا حديدية على الأنشطة الاقتصادية والتجارية للمرأة البريطانية المتزوجة، ويجعلها تابعة ومعتمدة ماليا بالكامل على زوجها. وقد علق الفقية الدستوري وليام بلاكستون (William Blackstone) على ذلك بالقول إن مجرد الوجود القانوني للمرأة يتم تعليقه خلال مدة الزواج، وأن الزوجة تصبح في حكم "القاصر" ولذلك تكون لزوجها السيطرة الكاملة على ممتلكاتها وعلى شخصها كذلك.[xxix] ولا يعود بالتالي للمرأة المتزوجة في حينها أي حقوق أو وجود قانوني مستقل عن زوجها، وفقا للقانون العام الإنجليزي. واعتبر بعض الدراسين عدم قدرة المرأة المتزوجة على إبرام العقود بنفسها مؤشرا على أنها كانت تعتبر في ذلك الوقت من أوجه عدة "مملوكة لزوجها بموجب قواعد القانون العام."[xxx] على سبيل المثال، فإن قضية ميليسنت فوسيت (Millicent Fawcett) يمكن أن تعطي القارئ فكرة جيدة عن وضعية المرأة ومركزها القانوني في ظل النظام القانوني في سبعينات القرن التاسع عشر. ظهرت السيدة ميليسنت أمام محكمة في لندن في قضية ضد شاب خطف حقيبة يدها، وكم كانت دهشتها عظيمة عندما اكتشفت أن الجريمة موضوع الاتهام كانت معرفة "بسرقة محفظة مملوكة للسيد هنري فوسيت!" وكتبت في مذكراتها: "عند سماعي تلك الكلمات شعرت وكأنه قد تم توجيه تهمة السرقة لي نفسي."[xxxi] وفي مثال آخر، اكتشفت الكاتبة الشهيرة شارلوت برونتي (Charlotte Bronte) أن زوجها يملك حقوق الملكية الفكرية والطبع لكل رواياتها، وكذلك كل الأموال التي كسبتها وعائدات عملها.[xxxii]

يمكن مقارنة قواعد القانون العام الإنجليزي في ذلك الوقت بقواعد الفقة الإسلامي التقليدي في هذا الجانب التي تعترف بالشخصية القانونية الكاملة للمرأة في المعاملات المدنية والتجارية، سواء كانت متزوجة أو غير متزوجة، فيما يخص حقوق الملكية وأهليتها للتملك وحقها في إبرام العقود والتصرف في ممتلكاتها بمختلف أنواع التصرفات القانونية بنفسها ودون وصاية من أحد، وذلك بالرغم من الإشكالات المعلومة والخاصة بحقوق النساء الإنسانية الأخرى والتمييز ضدهن في ظل الفقه الإسلامي التقليدي في نواحٍ عديدة، ولعل ذلك هو ما دفع الأكاديمي المرموق البروفسور عبدالله أحمد النعيم إلى القول بتفضيل أحكام المعاملات المدنية والتجارية المستمدة من الفقة الإسلامي التقليدي في ذات الوقت الذي يرى فيه بعدم صلاحية مبادئ القانون العام المستمدة من ذات الفقه، لأنها تُميز في رأيه ضد النساء وغير المسلمين.[xxxiii]

كانت هناك حملات تقودها ناشطات ومجموعات نسوية كمجموعة لانقهام بليس تطالب بتطوير المركز القانوني للمرأة المتزوجة. وكانت أولى الخطوات في مسيرة تحرير النساء المتزوجات في بريطانيا من القيود المفروضة عليهن ما كان يعرف بقانون الضروريات Law of necessaries، إذ وبالرغم من تأكيده على عدم السماح للمرأة المتزوجة بالدخول في التعاقدات بنفسها بصورة عامة، فقد اعترف القانون العام الإنجليزي بجواز قيام المرأة المتزوجة بإبرام بعض العقود (عملا بفقة الضرورة) نيابة عن زوجها.[xxxiv]

أعقب ذلك صدور قانون الملكية للمراة المتزوجة لسنة 1870 بعد حملة طويلة قادتها عدة مجموعات نسوية، وهو القانون الذي منح للمرأة المتزوجة لأول مرة الحق في ملكية الممتلكات، وكذلك ملكية الأموال التي تكسبها كعائد لعملها والتي كانت تذهب لزوجها. وكنتيجة لتواصل الحملات النسوية، تم إدخال تعديلات إضافية على القانون في 1882 مُنحت بموجبها المرأة المتزوجة الحق في التحكم الكامل في ممتلكاتها الخاصة. ثم صدر قانون الملكية لسنة 1922 والذي سمح للزوج والزوجة بأن يرث كل منهما تركة الآخر، ومنحهما حقا متساويا في وراثة تركة الأبناء الذين لا وارث لهم غير الأبوين. ثم صدر قانون في عام 1926 أعطى النساء حق الملكية وحرية التصرف في ممتلكاتهن على قدم المساواة مثل الرجال.[xxxv]

والجدير بالذكر في هذا السياق إن بعض الدول الأفريقية قد تبنت نظاما شبيها بنظام القانون العام الإنجليزي الذي يقضي بإنتهاء شخصية المرأة القانونية بعد الزواج أو ذوبانها في شخصية زوجها ليصبحا شخصية قانونية واحدة (The common law of coverture)، ففي ليسوتو على سبيل المثال، كان القانون وإلى وقت قريب يحرم المرأة من وراثة الأرض والممتلكات والحصول على وظيفة والتوقيع على العقود، دون الحصول على موافقة مسبقة من زوجها.[xxxvi]

3. قوانين الأســـرة
كانت قوانين الأسرة في بريطانيا تميز ضد النساء بصورة عامة وكانت حقوق المرأة مصادرة بالكامل أو مقيدة في كثير من مسائل الأحوال الشخصية كالزواج والطلاق والحضانة. وعلى سبيل المثال، لم يكن للنساء في بريطانيا الحق في حضانة أطفالهن، ولم يكن لهن مخرج من فخ الزواج الفاشل أو غير السعيد. ومن أوائل الناشطات والمدافعات عن حقوق المرأة في هذا المجال في العهد الفكتوري كارولين نورتون (Caroline Norton) المولودة في لندن في 22 مارس 1808، والتي كانت تقود حملات للمطالبة بحق المرأة في حضانة أطفالها وإصلاح قوانين الطلاق لمصلحة النساء. تزوجت كارولين اللورد جورج نورتون النائب البرلماني عن حزب المحافظين، وكانت قد اُجبرت على هذا الزواج بالضد من إرادتها ورغبتها ولم يكن لذلك زواجا سعيدا، وقد وجدت نفسها ضحية للضرب والمعاملة السيئة من قبل زوجها. كذلك قام زوجها بنقل أطفالها إلى منزل آخر غير منزل الأسرة ورفض السماح لها برؤيتهم وحرمها من ممتلكاتها الخاصة واتهمها كذلك بممارسة الزنا مع وزير الداخلية في حينها اللورد ملبورن (Lord Melbourne). وبالرغم من فشله في إثبات هذا الاتهام وخسارته للقضية التى رفعها ضدها، إلا أن ذلك كان كافيا لتدمير سمعتها. وفي عام 1836 تركت زوجها نهائيا. كان لجهود كارولين والحملات التي قادتها دور كبير في صدور قانون الحضانة لسنة 1839 والذي سمح للمرأة بتقديم طلب للمحكمة لحضانة أطفالها حتى سن سبع سنوات، وكذلك قانون الزواج والطلاق لسنة 1857.[xxxvii] شكل القانونان خطوة مهمة في مسيرة كفاح حركة الحقوق النسوية وقد مهدت هذه الإصلاحات الطريق لصدور قانون الأسرة لسنة 1923 والذي اعطى للرجل والمرأة الحق المتساوي في طلب الطلاق بناء على ذات الأسباب، حيث جعل القانون ارتكاب الزنا بواسطة الزوج أو الزوجة السبب القانوني الوحيد المقبول لطلب الطلاق، ولم تعد المرأة مطالبة بإثبات أسباب وتجاوزات إضافية من قبل زوجها للحصول على الطلاق، كما كان عليه الحال قبل صدور القانون.[xxxviii]

4. الحــــق في العمـــل والأجر المتســـاوي
كما سبقت الإشارة، لم يكن المجتمع البريطاني حتى القرن التاسع عشر يحبذ عمل المرأة خارج البيت، خصوصا النساء المتزوجات. وحسب مفاهيم العقل الأبوي السائدة يجب أن تكون المرأة "ملاكا" لطيفا وأن تكون مهمتها الأولى إسعاد وخدمة زوجها. وكان يُنظر للعمل المهني والتعليم العالي المتقدم باعتبارهما عاملين يمكن أن يتسببا في إفساد تلك الطبيعة "الملائكية" المفترضة للمرأة ويشكلا بالتالي خطرا على الأسرة. وقد عبر عن ذلك التوجه العام السائد في ذلك الوقت خير تعبير فرانسيس مايكل ثومسون (Francis Michael Longstreth Thomson) بالقول: "تحول الوظيفة المرأة إلى زوجة وأم غير صالحة لأنها تجردها من نزوعها الفطري للبقاء في المنزل وأداء واجباتها المنزلية، ومن ثم تضعف الأسرة."[xxxix] ولم يكن مسموحا للنساء، بصفة خاصة، العمل في مجالات هامة كالمهن القانونية التي كانت حكرا على الرجال، كذلك لم يكن يسمح لهن بالإنضمام للنقابات والاتحادات المهنية، بالرغم من أنها تأسست منذ منتصف القرن التاسع عشر.[xl]

والمفارقة انه كانت هناك أعداد غفيرة من النساء يعملن في الزراعة وكخادمات في المنازل في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر حيث قدر عدد خدم المنازل في إنجلترا وويلز في عام 1806 بحوالي 910,000 وكان عدد النساء منهم حوالي 800,000.[xli] يمكن مقارنة ذلك بأوضاع العديد من المجتمعات التقليدية حول العالم التي لا تشجع عمل النساء في وظائف عامة خارج البيت، ولكن في ذات الوقت تعمل ملايين النساء فيها في الزراعة وفي الأعمال المنزلية غير مدفوعة الأجر. وتقدم هذه الإحصاءات دليلا على ان الدوافع الحقيقية لتقييد عمل المرأة المأجور هي تكريس الهيمنة الذكورية عبر حرمان المرأة من الاستقلال المالي وتكريس تبعيتها واعتمادها المالي على الرجل، كما تبرز أيضا بعده الطبقي.

كما سبقت الإشارة، كانت هناك مجموعات نسوية كمجموعة لانقهام بليس تطالب بتوفير فرص عمل للنساء وكانت بعض الناشطات يطالبن بتأهيل النساء للعمل في بعض المهن كالطب وفتحها لهن. وكانت هناك بعض الوظائف المحدودة المتاحة للنساء في العهد الفكتوري كالتدريس. والمفارقة إن المعلمات في العهد الفكتوري كانت لهن أدوار أكثر في العملية التعليمية مقارنة بالمعلمين الرجال، ولكن مع ذلك كان يتم التمييز ضدهن في المرتبات ولا يحصلن على الأجر المتساوي عن ذات العمل الذي يؤديه زملاؤهن الرجال حيث كانت المعلمات يتلقين رواتب أدنى من زملائهن المعلمين. وكان التمييز ضد النساء في المرتبات يتم في كل المهن المتاحة على محدوديتها. وفي عام 1883 على سبيل المثال، قررت إدارة المدارس في لندن أن يكون مرتب المعلمة ما يعادل ثلاثة أرباع مرتب المعلم الذين يحوز نفس المؤهلات والخبرات، وفي عام 1890 كان مرتب مساعد المعلم الذكر السنوي حوالي 117 جنيها بينما كان مرتب المعلمة التي تؤدي نفس العمل 88 جنيها.[xlii] وكان يتم تبرير التمييز في الأجور بذات المبررات الشائعة في كل زمان ومكان وهي إن مهمة المرأة المتزوجة الأولى هي البقاء في البيت والقيام بالأعمال المنزلية، وإن المرأة تعتمد على زوجها في الإنفاق عليها وإنها لا تتحمل مسؤولية الإنفاق على الأسرة، أو إنها أقل إنتاجية من الرجل.[xliii] وحتى عندما قرر أحد المجالس المحلية تبني سياسة مساواة الرجال والنساء في المرتبات، قرر مجلس اللوردات البريطاني وهو أعلى محكمة في البلاد إبطال هذه السياسية بدعوى إنها "غير عقلانية".[xliv]

ثم جاءت الحرب العالمية الأولى لتحرر النساء في بريطانيا في واحدة من مفارقات التاريخ ومكره الذي أشار إليه هيجل. بعد اندلاع الحرب العالمية، ذهب الرجال لميادين القتال بأعداد غفيرة، وكان على النساء الحلول مكانهم في أماكن العمل للحفاظ على اقتصاد البلاد وقوتها وهي تخوض الحرب. وقامت إميلين بانكهيرست (Emmeline Pankhurst) بتعليق حملاتها المطالبة بحق النساء في التصويت والمشاركة السياسية التي كان يقودها اتحاد النساء السياسي والاجتماعي The Women’s Social and Political Union (WSPU) وساعدت الحكومة في تجنيد النساء للحلول محل الرجال في أماكن العمل أثناء الحرب. وقد غير عمل النساء أثناء الحرب الثقافة والنظرة التقليديتين للنساء وأدوارهن في المجتمع، وقد عملت أكثر من مليون امرأة في الوظائف التي كان يشغلها الرجال في كل أنحاء بريطانيا، وذلك في الفترة ما بين 1914 و1918، ونتيجة لذلك، فتحت بعض المهن في مجالات كالخدمة المدنية والمواصلات وصناعة السلاح أبوابها للنساء لأول مرة.[xlv] وأعقب ذلك صدور قانون في 1919 منح الحق للنساء للعمل كمحاميات وكعضوات في هيئات المحلفين وكقاضيات وكذلك العمل في مهنة المحاسبة والوظائف القيادية في الخدمة المدنية والعضوية في الجامعات وحق الانضمام للجمعيات المهنية.[xlvi] ثم صدر قانون الأجر المتساوي لسنة 1970 (The Equal Pay Act 1970) والذي حظر التمييز ضد النساء فيما يخص شروط وبنود عقود العمل، مما يعني حصول النساء على الأجر المتساوي عن العمل المتساوي.

5. الحــق في المشاركة السياســية
لم يكن للنساء في بريطانيا الحق في المشاركة السياسية وفي الترشح والتصويت في الانتخابات العامة حتى 1918. في عام 1847، أصدرت آن نايت (Anne Knight) منشورا طالبت فيه بحق النساء في التمثيل السياسي، ولكن لم يكن في ذلك الوقت (وحتى سبعينات القرن التاسع عشر) يسمح حتى لغالبية الرجال بالإدلاء بأصواتهم في الانتخابات العامة ناهيك عن النساء، وكان حق التصويت مقصورا على حوالي ثلث الرجال البالغين في بريطانيا وهم أصحاب الامتيازات. وبالرغم من أن قانون الإصلاح لسنة 1884 قد زاد من عدد من يحق لهم التصويت، لم تتجاوز نسبتهم 67% من الرجال البالغين.[xlvii] ومن النساء الرائدات في حركة الكفاح النسوي من أجل حق النساء في التمثيل السياسي والحق في التصويت (Women's suffrage) مجموعة لانقهام بليس التي تقودها باربرا لي سميث، والتي نظمت حملة جمعت فيها 1499 توقيعا مناصرا لحق النساء في التصويت، وذلك في 1866.[xlviii] وقد استمر البرلمان يناقش المشاريع التي تقترح منح النساء حق التصويت في الانتخابات العامة على مر السنوات وكانت تلاقي الرفض من البرلمان عاما بعد عام. ومن الحجج والمبررات التي كان يقدمها الرافضون لإعطاء المرأة الحق في الترشح والتصويت في الانتخابات العامة نقص أهلية النساء للمشاركة السياسية، فقد برر هربرت هنري أسكويث (Herbert Henry Asquith) الذي أصبح فيما بعد رئيس وزراء بريطانيا موقفه الرافض لمنح حق التصويت والترشيح للنساء، وذلك أثناء نقاش في البرلمان في 1892، بأن المكان الطبيعي للمرأة ليس هو ميدان الصراع السياسي وإنما دائرة الحياة الاجتماعية والأسرية.[xlix] ولم تكن الممانعة محصورة في البرلمان وإنما كان القضاء البريطاني المعروف بتوجهاته المحافظة مناهضا أيضا لحق المرأة في المشاركة السياسية. وقد أصدر البرلمان قانونا في 1869 أعطى النساء حق التصويت في الانتخابات البلدية، ولكن فسر القضاة الحق الوارد في القانون بأنه لا يشمل مشاركة النساء المتزوجات بحجة ان المرأة المتزوجة لا تملك شخصية منفصلة عن زوجها بعد الزواج ولذا لا يمكنها أن تقوم بالتصويت.[l] وحتى بعد أن تم إقرار حق النساء المتزوجات في المشاركة في الانتخابات المحلية وأصبح حقا غير قابل للإنكار والجدل، وضع القضاء قيودا على الحق واعتبره مقصورا على التصويت ولا يشمل الحق في الترشح في الانتخابات، وتم تبرير وتسبيب ذلك الحكم بأن القانون العام الإنجليزي لا يعتبر النساء عموما قادرات على أداء الوظائف العامة، وأنه لا يمكن تغيير ذلك المبدأ القانوني إلا بنص تشريعي صريح.[li]

وكرد فعل على هذا الرفض والتعنت، قررت بعض القيادات النسوية اللجوء لاستخدام العنف والتكتيكات القتالية لانتزاع حقوقهن، وشكل ذلك القرار تطورا لافتا نقل الحركة النسوية المطالبة بالمشاركة السياسية من التظاهرات والاحتجاجات السلمية إلى تبني أساليب المليشيات. وبدأت أعمال العنف بإضرام النيران في صناديق البريد وتحطيم زجاج المحلات التجارية، وتطورت لاحقا لحرق المكتبات العامة والكنائس والمباني وإتلاف التحف الفنية في المتاحف، ووصل الأمر حد إشعال النيران في منزل أحد الوزراء والذي كان معروفا بمعاداته لحق النساء في التصويت، وضحّت أميلي دافيسون (Emily Wilding Davison) بنفسها من أجل قضية النساء عندما ألقت بنفسها تحت حصان الملك أثناء سباق الديربي في 1913. وكان قرار اللجوء للعنف يعني استعداد الناشطات لدخول السجن كثمن للدفاع عن قضيتهن. وبالفعل ادينت بعض الناشطات وحكم عليهن بالسجن، ودخل بعضهن في حملات إضراب عن الطعام داخل السجن نجحت في إطلاق سراح المعتقلات الأوائل، ولكن مع تزايد أعداد الناشطات السجينات حاولت السلطات إجبارهن على تناول الطعام بالقوة.[lii]

وفي 1873 صوت 157 من النواب لصالح منح النساء الحق في التصويت، وحدث اختراق كبير في 1897 عندما صوتت أغلبية 71 صوتا لصالح النساء.[liii] وفي عام 1903، أسست إميلين بانكهيرست (Emmeline Pankhurst) واثنتان من بناتها الاتحاد النسائي الاجتماعي والسياسي The Women’s Social and Political Union (WSPU) في مانشستر، والذي لعب دورا كبيرا في كفاح المرأة البريطانية من أجل الحصول على الحق في التمثيل والمشاركة السياسية. وساهمت منظمات نسوية أخرى مثل عصبة حرية النساء والاتحاد الوطني للمنظمات المطالبة بحق التصويت للنساء.[liv]

أخيرا صوتت الغالبية في البرلمان لصالح منح النساء الحق في التصويت في الانتخابات العامة وذلك عندما أجاز البرلمان قانون تمثيل الشعب لسنة 1918 والذي منح حوالي 8,5 مليونا من النساء البريطانيات الحق في التصويت. وقد مثل هذا القانون علامة بارزة في مسيرة الدفاع عن حقوق المرأة وساعد أيضا على خلق أرضية صلبة انبنت عليها تطورات لاحقة هامة في الكفاح ضد التمييز وتحقيق المساواة في الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية للنساء.[lv] كذلك صدر قانون آخر في 1918 سمح للنساء فوق سن 21 عاما بالترشح كنائبات في البرلمان، وفي مارس 1928 منحت حقوق التصويت لكل النساء على قدم المساواة مع الرجال حيث منح قانون تمثيل الشعب لسنة 1928 حق التصويت لجميع النساء فوق سن 21 عاما، سواء كن من الملاك أم لا.[lvi] عندما صدر هذا القانون، كانت معظم الرائدات من قيادات حركة كفاح المرأة من أجل حق النساء في التصويت والترشح قد رحلن إلى الدار الآخرة، وقد تمت دعوة القائدة في حركة حقوق المرأة ميليسنت فوست للبرلمان لحضور إجراءات إجازة مسودة القانون، وقد رحلت في السنة التالية.[lvii] وشهد عام 1929 أول انتخابات عامة في بريطانيا تشارك فيها النساء لاختيار أعضاء مجلس العموم، أما مجلس اللوردات البريطاني فلم يفتح عضويته للنساء إلا بعد صدور قانون بذلك في عام 1958، وكانت البارونة سونبَرا (Baroness Swanborough) والليدي ريدينق (Lady Reading; Stella Isaacs ) والبارونة باربرا ووتون (Baroness Wootton) أول سيدات يحصلن على عضوية مجلس اللوردات البريطاني.[lviii]

الخلاصـــــة
لقد واجهت النساء التمييز والحرمان من حقوق المواطنة المتساوية والقمع والإقصاء من المجال العام وحصر أدوارهن في حدود المنزل والأسرة، وذلك في أغلب مراحل التاريخ الإنساني وفي كل أو معظم المجتمعات تحت حجج ومبررات مختلفة تتفق في اعتبار المرأة أدنى مكانة من الرجل، وبالرغم من التقدم الذي حدث في ردم هوة عدم المساواة وإنهاء مختلف أشكال التمييز على أساس النوع، لا تزال المرأة تعاني من التمييز والإقصاء في مجتمعات عديدة.

  • قصة تاريخ كفاح المرأة البريطانية من أجل المساواة وإنهاء التمييز على أساس النوع في القرنين التاسع عشر وبداية القرن العشرين والانتصارات التي حققتها في هذا المجال تحوي دروسا مفيدة خاصة بالنسبة للنساء في كل مكان لا تزال فيه المرأة تواصل كفاحها من أجل إنهاء كافة أشكال القهر والتمييز ضد النساء. أهم هذه الدروس هو إن الحقوق تُنتزع انتزاعا ولا تمنح منحة، وإن أوضاع المساواة وعدم التمييز على أساس النوع المتقدمة التي تتمتع بها النساء حاليا في بريطانيا ومعظم البلدان الأوربية تحققت نتيجة لكفاح طويل وشاق خاضته المرأة بعد أن عاشت لقرون عديدة أوضاعا شبيهة بالعبودية، ولم تأت كمنحة من أحد. وإن الكفاح من أجل المساواة وعدم التمييز ضد النساء هو أشبة بالحرب الطويلة، والحرب مثل أي حرب لا يمكن كسبها في أيام أو في مواجهة أو جولة واحدة وإنما تحوي معارك عديدة تجري في ميادين مختلفة نسبيا ويتم كسبها، وأحيانا خسارتها، معركة تلو الأخرى على مدى سنوات في الغالب. وإن أغلب هذه المعارك تدور حول إصلاحات قانونية للقوانين والتشريعات التي تقنن لأوضاع وممارسات التمييز فيما يخص التمتع بحقوق المواطنة المتساوية مثل الملكية أو التعليم أو قوانين الأسرة أو المشاركة السياسية ...إلخ.
  • مثلما هو الحال في مجتمعات وأزمنة مختلفة ماضيا وحاضرا كانت أهم الحجج التي يتم توظيفها لتبرير أوضاع التهميش وممارسات التمييز المنهجي ضد المرأة هي الحجج الدينية كالقول بأن الله خلق المرأة مختلفة عن الرجل لتقوم بدور مختلف، وهي ذات الحجج التي تستخدم على نطاق واسع في الوقت الراهن لتبرير أوضاع الظلم واللامساواة التي تعاني منها النساء في مجتمعات عديدة خصوصا في أفريقيا والعالم العربي والإسلامي.
  • يمكن أن يكون المجتمع صناعيا ومتقدما ثقافيا وعلميا واقتصاديا وسياسيا كالمجتمع البريطاني في القرن التاسع عشر، ومع ذلك يكون متأخرا في مجال كفالة حقوق المرأة ويمارس بعض أشكال التمييز ضد النساء. مؤدي ذلك هو أن تقدّم المجتمع الاقتصادي والعلمي والصناعي والسياسي لا يعني تلقائيا كفالة حقوق المرأة والقضاء على التمييز ضدها.
  • قضية مناهضة التمييز ضد النساء قضية اجتماعية ترتبط بتطوير وتقدم أو تخلف المجتمع ككل، وهي لذلك تهم جميع أفراد المجتمع وليس النساء فقط، ومعركة تحرير المرأة هي معركة تحرير الرجل نفسه. والمجتمع الأبوي الذي يستعبد النساء يستعبد في الوقت ذاته الرجال بصورة من الصور، وهو لذلك في حاجة للتحرير أكثر من ضحاياه: هذا هو الدرس المستفاد من كفاح الرواد الأوائل والمفكرين الأحرار من الرجال الذين تبنوا قضية الدفاع عن حقوق المرأة قبل أن تتبلور الحركة النسوية الحديثة في بريطانيا وعلى رأسهم وليام ثمبسون وجون ستيورت ميل. كذلك من مصلحة جميع المهمشين وضحايا التمييز من النساء والرجال سواء كان على أساس النوع أو الدين أو الإثنية أو الطبقة أن يتضامنوا مع بعضهم البعض ويوحدوا قواهم في الكفاح المشترك من أجل إنهاء كافة أشكال التمييز والتهميش، وهذا هو الدرس المستفاد من تجربة الحركة النسوية الأمريكية والتي ولدت من رحم حركة الحقوق المطالبة بإلغاء مؤسسة الرق وتحرير الأرقاء الأفارقة.
  • بالرغم من أن الحركة النسوية البريطانية قد بدأت منذ وقت مبكر عبر أقلام الرائدات في القرنين السابع والثامن عشر مثل باثسوا ماكن ومارغريت كافيندش دوقة نيوكاسل والمدافعات عن حقوق المرأة مثل ماري أستل وماري وولستونكرافت، لم تبدأ الحركة النسائية المنظمة في بريطانيا إلا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ولهذا السبب تأخر الاعتراف بحقوق أساسية للنساء كالحق في المشاركة السياسية حتى الثلث الأول من القرن العشرين. وهنا تبرز أهمية الجانب الحركي والكفاح المنظم في الدفع بالقضايا قدما مع الاعتراف بأهمية الجانب الثقافي والكفاح بالقلم والكلمة.
  • قد تؤدي سياسات التمييز والإقصاء المنهجيين التي تمارس في ظل قفل قنوات المشاركة السياسية السلمية إلى دفع ضحاياها إلى تبني خيار العنف باعتباره الوسيلة الفاعلة الوحيدة المتاحة أمامهم لتحقيق مطالبهم ونيل حقوقهم المشروعة حتى في الديمقراطيات العريقة والمجتمعات المتمدنة، كما فعلت حركة الدفاع عن حقوق المرأة في بعض مراحل كفاحها في بريطانيا.
  • نتيجة لأوضاع القهر والتهميش التاريخيين التي عانت منها المرأة عبر القرون وهيمنة الأيدويولوجية الأبوية حدثت عملية برمجة وغسيل دماغ عبر الزمن لكثير من النساء، ويفسر ذلك ظهور الأصوات النسوية التي تدافع عن أوضاع الهيمنة الذكورية وتحاول تبريرها، والتي لا يخفي بعضها عداءه للحركة النسوية مثل بيتريكس بوتر والكاتبة ماري آن ايفان، وكذلك الأصوات التي تطالب بحقوق محدودة للنساء وتعارض حصولهن على بعض الحقوق الأساسية مثل الناشطة فرانسيس باور كوبي التي كانت تطالب بحق المرأة في التعليم، ولكنها كانت تعارض في ذات الوقت الحملات المطالبة بحق المرأة في المشاركة والتمثيل السياسيين. ويمكن مقارنة ذلك ببعض الأصوات النسوية في مجتمعات أفريقية وعربية أو المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة والتي تناهض حركات الدفاع عن حقوق النساء وتدعو للمحافظة على أوضاع اللامساواة استنادا على حجج ومبررات مشابهة.
  • بعض أشكال التمييز ضد النساء تعود جزئيا لأسباب اقتصادية وطبقية ولا تنحصر فقط في عامل الجندر (النوع)، ومثال لذلك فإن إقصاء وحرمان قسم من المواطنين البريطانيين من المشاركة السياسية (حق التصويت والترشح في الانتخابات العامة) لم يكن مقصورا فقط على النساء، وإنما كان يشمل أيضا وحتى سبعينات القرن التاسع عشرغالبية الرجال البالغين، وكان يتمتع بحق التصويت في ذلك الوقت حوالي ثلث الرجال البالغين فقط وهم أصحاب الامتيازات. في مجتمعات كثيرة تعاني النساء التهميش المزدوج بسبب التمييز ضدهن على أساس النوع وأيضا على أساس الانتماء الطبقي بسبب فقرهن.
  • تجنبت هذه الدراسة تبني استنتاجات تعميمية من المقارنة بين الأوضاع الماضية والحاضرة مثل القول بأن أوضاع وحقوق المرأة حاليا في بلد كالسودان - في قوانين الأحوال الشخصية مثلا - تشبه تلك التي كانت سائدة في انجلترا في القرن التاسع عشر، وذلك دون أخذ اختلاف السياقات الاقتصادية والاجتماعية والخلفيات الثقافية والقانونية في الاعتبار، ومع ذلك للقارىء الحرية الكاملة في التوصل إلى الاستنتاجات والخلاصات التي يراها من الدراسة، مع الانتباه للمحاذير المنهجية ضد الاستخلاصات التعميمية المستمدة من المقارنات التي تهمل اختلاف السياقات التاريخية.
  •  

الهوامــــش

 

[i] كاتب وحقوقي سوداني مقيم ببريطانيا، بكالاريوس القانون جامعة الخرطوم وماجستير قانون حقوق الإنسان جامعة كاردف.

[ii] وفقا للإحصاءات والبيانات التي استند عليها التحليل، لا تزال هناك فجوة كبيرة في المساواة بين الجنسين بالرغم من التقدم الملموس الذي حدث في هذا الصدد حيث تشغل النساء 24% فقط من المقاعد البرلمانية، وتترأس النساء 10% فقط من الحكومات على مستوى العالم، ولا يزال 6% فقط من المدراء التنفيذيين للشركات الكبرى المدرجة في البورصات العالمية من النساء. ولا تزال النساء يعملن لساعات أطول ويتلقين مرتبات أقل. انظر: UNDP, Almost 90% of Men/Women Globally Are Biased Against Women New Analysis Provides Clues to “Glass Ceiling”; Tools to Shatter It (Press release), New York, 5 March 2020,http://hdr.undp.org/sites/default/files/eng_press_release_gender_social_norms_index_.pdf, accessed: 05/03/2020.

[iii] Nasif B. E. Ahmed, Torture in Sudan 1989 – 2016 a Systematic Practice in a Context of Repression, Islamisation, Exclusion and Impunity (Manchester: New Horizon Research Centre, 2017), pp. 137 & 138.

The Department for International Development, Reducing Poverty by Tackling Social Exclusion, DFID Policy Paper, September 2005, http://www2.ohchr.org/english/issues/development/docs/socialexclusion.pdf, accessed on 24/04/2016.

[iv] ذات المصدر السابق.

[v] كانت أليس مولاند (Alice Molland) آخر امرأة تم إعدامها بعد إدانتها بتهمة ممارسة السحر في انجلترا وذلك بتاريخ 1684. ولم يلغ القانون الذي أصدره جميس الأول عام 1604 والذي كانت تتم بموجبه محاكمة وإعدام النساء بتهمة ممارسة السحر في إنجلترا إلا في عام 1736 بواسطة الملك جورج الثاني. انظر:

Severin Carrel, “Campaign to pardon the last witch, jailed as a threat to Britain at war, ” The Guardian. 13/01/2007. Hilaire Barnett, Introduction to Feminist Jurisprudence (London: Cavendish Publishing Ltd., 1998), pp. 33-35.

[vi] Elizabeth Foyster, Marital Violence: An English Family History, 1660-1857 (Cambridge: Cambridge University Press, 2005), p. 40.

[vii] Çağlar Demir, “The Role of Women in Education in Victorian England, ”Journal of Education and Instructional Studies in the World, May 2015, Volume: 5 Issue: 2 Article: 08, p. 55. Margaret Walters, Feminism: A Very Short Introduction (Oxford: Oxford University Press, 2005), p. 70.

[viii] ذات المصدر السابق (Çağlar Demir)، ص 55. انظر أيضا (مصدر سابق): Hilaire Barnett، ص 17 - 38.

[ix] مصدر سابق: Margaret Walters، ص 44.

[x] ذات المصدر السابق، ص 45.

[xi] ذات المصدر السابق، ص 57، 61 و71.

[xii] مصدر سابق: Margaret Walters، ص 41.

[xiii] ذات المصدر السابق، ص 46، 56 - 58 و61.

[xiv] Jenni Murray, “20th Century Britain: The Woman's Hour,” BBC, 03/03/2011, http://www.bbc.co.uk/history/british/modern/jmurray_01.shtml, accessed on 28/01/2020. . انظر أيضا (مصدر سابق): Margaret Walters، ص 54، 62، و65.

[xv] مصدرسابق: Çağlar Demir، ص 55.

[xvi] يستند بعض المعارضين لتعليم المرأة في الفقه الإسلامي على حديث رواه ابن عباس وابن مسعود: "لا تسكنوا نساءكم الغرف ولا تعلموهن الكتابة." وهناك رواية أخرى ضعيفة عن عائشة (وقيل حديث موضوع) نصه: "لا تنزلوا النساء بالغرف ولا تعلموهن الكتابة وعلموهن المغزل وسورة النور." الذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان، ترتيب الموضوعات لابن الجوزي (بيروت: دار الكتب العلمية، 1414هـ)، ص ،203 الفقرة 679. انظر أيضا: القرطبي، محمد بن أحمد بن أبي بكر (تحقيق عبدالله بن عبد المحسن التركي)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (بيروت: مؤسسة الرسالة، 2006)، حديث رقم (5/44 و22/380)، ص 207.

[xvii] مصدر سابق: Margaret Walters، ص 42.

[xviii] Sayaka Nakagomi, English middle-class girls’ high schools and ‘domestic subjects’ 1871-1914, PhD thesis. Submitted to the UCL Institute of Education, University of London, April 2016, p. 19.

[xix] مصدر سابق: Çağlar Demir، ص 55 و56.

[xx] مصدر سابق: Sayaka Nakagomi، ص 26. انظر أيضا (مصدر سابق): Margaret Walters، ص 62 و63.

[xxii] مصدر سابق: Çağlar Demir، ص 55.

[xxiii] مصدر سابق: The Parliament, The 1870 Education Act

[xxiv] مصدر سابق: Sayaka Nakagomi ، ص 33.

[xxv] مصدر سابق: Çağlar Demir، ص 57 و58.

[xxvi] مصدر سابق: Margaret Walters، ص 63. انظر أيضا (مصدر سابق): Hilaire Barnett، ص 45.

[xxvii] مصدر سابق: Jenni Murray.

[xxviii] مصدر سابق: Margaret Walters، ص 42 و43.

[xxix] مصدر سابق: Hilaire Barnett، ص 35. انظر أيضا:

Sandra Fredman, Discrimination Law (Oxford: Oxford UP: 2012), p. 39. Margot Finn, “Women, Consumption and Coverture in England, c. 1760–1860,” The Historical Journal, Vol: 39, Issue 03, September 1996, pp. 703 – 722, pp. 704 & 705.

[xxx] ذات المصدر السابق، ص 705.

[xxxi] ذات المصدر السابق.

[xxxii] مصدر سابق: Margaret Walters، ص 49.

[xxxiii] Abdullahi A. An-Na’im, Toward an Islamic Reformation (Syracuse UP: 1990), pp. 161-181.

[xxxiv] مصدر سابق: Margot Finn، ص 707.

[xxxvi] مصدر سابق:Nasif B. E. Ahmed ، ص 137 و138. انظر أيضا (مصدر سابق):

The Department for International Development, Reducing poverty by tackling social exclusion.

[xxxvii] BBC, History, Caroline Norton (1808 - 1877), http://www.bbc.co.uk/history/historic_figures/norton_caroline.shtml, accessed on 30/01/2020.

[xxxviii] Matrimonial Causes Act 1923. Manchester Metropolitan University, The Women’s Timeline, https://www.mmu.ac.uk/equality-and-diversity/doc/gender-equality-timeline.pdf, accessed 28/01/2020. The Parliament, Changes in divorce the 20th century:, https://www.parliament.uk/about/living-heritage/transformingsociety/private-lives/relationships/overview/changesindivorce/, accessed 02/02/2020.

[xxxix] مصدر سابق: Çağlar Demir، ص 56.

[xl] “Striking Women, Women and Work; 19th and early 20th century,” http://www.striking-women.org/module/women-and-work/19th-and-early-20th-century, accessed: 28/01/2020.

[xli] Maxine Berg, Women work and the industrial revolution, Refresh 12 (Spring 1991), p. 2

[xlii] مصدر سابق: Çağlar Demir، ص 56.

[xliii] مصدر سابق:Sandra Fredman ، ص 40.

[xliv] Price v. Rhondda UDC [1923] 1 Ch 372. مصدر سابق: Sandra Fredman، ص 40.

[xlv] Nerve Centre, the Suffrage Movement, p. 4, http://ccea.org.uk/sites/default/files/docs/subsites/1917beyond/1918_The_Suffrage_Movement.pdf, accessed on 01/02/2020.

[xlvi] Sex Disqualification (Removal) Act 1919. انظر أيضا:

Women’s Legal Landmarks, the Sex Disqualification (Removal) Act 1919, https://womenslegallandmarks.com/2017/08/08/sex-disqualification-removal-act-1919/, accessed: 02/02/2020.

[xlvii] مصدر سابق: Margaret Walters، ص 68.

[xlviii] ذات المصدر، ص 71.

[xlix] مصدر سابق: Sandra Fredman، ص 39. انظر أيضا:

Parlimentary Debates (series 4), vol 3, col 1513 (27 April 1892).

[l] R v. Harrald [1872] LR VII QB 361.

[li] De Souza v. Cobden [1891] 1 QB 687 (CA) at 691. مصدر سابق: Sandra Fredman، ص 39.

[lii] مصدر سابق: Margaret Walters، ص 80 - 83.

[liii] ذات المصدر السابق، ص 73 و74.

[liv] مصدر سابق: Margaret Walters، ص 77. انظر أيضا:

The Parliament, Suffragettes – Timeline, https://www.parliament.uk/documents/education/docs/suffragettes/suffragettes-timeline.pdf, accessed 03/02/2020.

[lv] Mark Molloy, How far have women’s rights advanced in a century? The Telegraph, 06 Feb 2018, https://www.telegraph.co.uk/women/life/far-have-womens-rights-advanced-century/, accessed: 29/01/2020.

[lvi] مصدر سابق: Hilaire Barnett، ص 42 و43. انظر أيضا:

The Representation of the People (Equal Franchise) Act 1928. The Parliament (Qualification of Women) Act 1918.

[lvii] مصدر سابق: Nerve Centre، ص 4.

[lviii] The Life Peerages Act 1958. انظر أيضا (مصدر سابق): Manchester Metropolitan University.