تسهم الحوارات في إضاءة العديد من مسارات إبداعية وفكرية للكثير من المثقفين والكتاب، هنا كتاب صدر حديثا، يوثق من خلال ترجمة لأربعة حوارات طويلة مع الناقدة والباحثة المرموقة والتي أثرت الفكر النقدي العالمي جوليا كريستيفا، وهي الحوارات التي سبق أن أجراها الناقد الأدبي صامويل دوك. كما يشكل كتاب المسافر الأكثر مبيعا، أحدث إنتاجات الروائي ريك أنكورفيا، وهكذا تطل الترجمة الى العربية على جغرافيات ثقافية تؤكد أهميتها ووظيفتها المعرفية.

مسارات كريستيفا ومسافر انكورفيا

 

مسارات فكر جوليا كريستيفا وحياتها

اختار الكاتب والمترجم سعيد بوخليط أن يترجم، الى العربية، أربعة حوارات طويلة ومهمة، أجراها الناقد الأدبي والمختص النفساني صامويل دوك، مع الباحثة الشهيرة جوليا كريستيفا.

أصدرت دار خطوط وظلال الأردنية، كتابا جديدا للباحث المغربي سعيد بوخليط، وهو ترجمة لأربعة حوارات طويلة ومهمة، أجراها الناقد الأدبي والمختص النفساني صامويل دوك، مع الباحثة الشهيرة جوليا كريستيفا. تناولت، بالتفصيل الدقيق والمستفيض جوانب خفية كثيرة من حياة كريستيفا، منذ بواكير طفولتها ومراهقتها في بلغاريا الشيوعية، ثم رحيلها سنوات الستينيات إلى فرنسا للدراسة، وعلاقاتها بجماعة "تيل كيل'' النقدية، وكذا جل رموز الفكر الفرنسي، خلال تلك الحقبة، انتهاء بزواجها من الناقد والروائي فيليب سوليرز؛ حيث ابتهاج الفكر والجسد ضمن سياق، أقصى تجلياتهما التأسيسية، السوية والواعية
بين طيات مسار شخصي؛ لم يكن عاديا قط أو مألوفا بالمرة، أو متاحا كل يوم، مثلما تطلعنا لساعات طويلة، مضامين بوح كريستيفا، تشكَّل بالموازاة مشروعا علميا رصينا، في غاية الجدة والنباهة والعمق، شمل حقولا معرفية عدة، تنوعت بين الفلسفة والتحليل النفسي والنقد الأدبي واللسانيات والكتابة الروائية والانخراط في أنشطة الحركة النسائية…، بوَّأ هذه المرأة المميَّزة جدا، مكان الصدارة ضمن قائمة قادة الفكر وملهمي الإنسانية، ليس فقط خلال الفترة الحديثة والمعاصرة؛ بل قياسا لمختلف امتدادات التاريخ البشري.
جوليا كريستيفا، المرأة الجذابة، صاحبة العقل الكبير، المحبوبة بل "المعشوقة'" بكيفية أو أخرى، من طرف محيطها الثقافي الذكوري، كما سنكتشف ضمن فقرات عديدة في الكتاب. رولان بارت نفسه، المعروف بمثليته الجنسية، وبأن المرأة الأولى والأخيرة، التي حظيت بمعنى ما، في حياته، ظلت أمه، اعترف بأن كريستيفا تمثل لديه المرأة الوحيدة التي أمكنه التطلع إلى الزواج بها، لو كانت غير متزوجة.
يمثل هذا الكتاب، جلسة حوارية استثنائية، بالمفهوم الدقيق للكلمة. فالطرف المحاوِر، أي صامويل دوك، يعتبر طبيبا نفسانيا سريريا، وكاتبا، يستوعب لا محالة آليات اشتغال النَّفْس البشرية، وكذا مختلف جدليات الوعي واللاوعي، ثم ذكاءات كيفيات تجليات ذلك .

بينما الطرف المحاوَر، أقصد طبعا كريستيفا، فهي مثقفة كونية موسوعية، خبيرة جدا، بفلسفات اللغة والرمز والمعنى والدلالة والهمس والصمت والجهر. إنه ملعبها الرحب، منقطعة باستمرار في إطاره وبين طياته، إلى الكتابة والتأمل، وتفكيك شفرات المنظومات الرمزية، عبر تشكلاتها التاريخية والابستمولوجية

 

كتاب المسافر الأكثر مبيعًا

الزمن الماضي يحقق الأماني، هذا ما يرويه أستاذ تاريخ يعلم أنه مصابٌ بالسرطان، فيخوض خلالَ بحثِهِ عن علاج مجموعة من التجارب التي تقوده إلى طريقة علاجية تجعله قادرا على الانتقال عبر الزمن.

في رواية "كتاب المسافر الأكثر مبيعًا" للروائي الأميركي ريك إنكورفيا، الصادرة عن "الآن ناشرون وموزعون"، قصة أستاذ تاريخ يعلم أنه مصابٌ بالسرطان، فيخوض خلالَ بحثِهِ عن علاج لحالته مجموعة من التجارب التي تقوده إلى طريقة علاجية تجعله قادرا على الانتقال عبر الزمن، فيحقق عبر هذه الطريقة أمانيه، وينتقل أكثر من مرة إلى مراحل في الماضي كان يتمنى أن يعيشها عيانًا، فيشهد ملامح من حرب الاستقلال الأميركية، ويتقمّص شخصية الموسيقار موزارت، ويرافق كليوباترا في بعض رَحَلاتِها إلى روما، ثم بعد أن يشفى من مرضه، يدون تجاربه تلك في كتاب يسميه "كتاب المسافر"، ويلقى هذا الكتاب رواجًا كبيرًا.

ورأت المترجمة د. ربى أبوعلي، في مقدمتها للرواية التي جاءت في 335 صفحة من القطع المتوسط، أن هذا العمل يجمع: "بين الأدب التّاريخيّ والتشويق والخيال العلميّ. ولما كان السَّفَر عبْرَ الزَّمن ليس فكرةً جديدةً في الأدب، فإنَّ القارئ سوف يلاحِظ أنَّ الخيالَ العلميَّ في هذا الكتاب ما هو إلّا وعاءٌ لإيصالِ رحلات الشخصيات التاريخية، بأسلوبٍ بعيدٍ عن الجُمود الذي قد يعتري السَّرْدَ التاريخيَّ في بعض الأحيان، ووسيلةٌ لتجوبَ الرسائلُ الإنسانيّةُ لِلمُسافِر أصقاعَ الدُّنيا، حيثُ تسمو الإنسانيَّةُ والرَّأْفَةُ التي جُبِلَ عليها البشَرُ، فوق كلِّ فروقٍ عِرْقيَّة وجغرافيَّةٍ ومذهبيَّة".

وبينت أن اختيارها لهذه الرواية بالذات يعود إلى كونها تلامس شيئا في قلب القارئ وعقله على حد سواء، وتلك هي مهمة المترجم عند اختياره لعمل ما؛ فالمترجم قارئ قبل أي شيء آخر.

ويقول الروائي التونسي نصر سامي في تقديمه للرواية إن راوي هذا الكتاب يمضي بالقارئ إلى أعماق سحيقة في النفس البشرية، وأن الكتاب بمجمله يذكره بروايات أحبها: "مثل الشيخ والبحر لإرنست هيمنغواي والخيميائي لباولو كويللو والجميلات النائمات لياسوناري كاواباتا. تركيبة نادرة من العمق والبساطة لا تتيسّر أبدا إلا لمجرِّب أو غاوٍ أو ساحر. ولقد التقطها هؤلاء كلّهم من كِتاب أقدم وأهمّ هو ألف ليلة وليلة. هناك حيث العالَم مجال للتفكّر والتأمّل، وحيث اللغة طين هشّ حارّ بين يدَي خالق، وحيث العالم غواية مستحيلة وبحث محموم عن القيمة في عالم لا يحفل كثيرًا بالقيم. والراوي متأمّل، مفكّر، لا يسلّم بأيّ حقيقة، وهو تحت ضغط شعوره بالنّهاية بسبب «الإصابة بسرطان الرئة المتقدّم» ينفتح على مواجهة مع فكرة القدَر، فتندفع إلى رأسه الأسئلة: أيّ حياة عشتُها؟ هل عشتُ ما عشت وأنا أسبح في حوض الإنسانية أم وأنا منكفئ في حوض الذات؟ كيف استطاع هؤلاء المبدعون فعل ما فعلوه برغم آلة الإحباط الطاحنة؟".

ويرى المؤلف ريك إنكورفيا أن المسافر الذي يتحدث عنه عمله هذا يخاطبَ الناسَ في جميعِ أنحاء العالَم. ويصطحبهم في رحلةٍ ومسعًى لاكتشاف السّلام، والتّسامُح، والغفران، والتّفاهم، وتقبُّلِ الآخرين ممَّن قد لا يشاركونَنا الملامحَ أو المعتقداتِ نفسها.

ويتحدث على لسان بطله قائلا: "في نهايةِ المَطافِ، لَستُ سِوى مُدَرِّسٍ لِمادّةِ التّاريخِ في مَدرسةٍ مُتواضعةٍ خارجَ مَدينةِ (كليفلاند، أوهايو). لَمْ يُخيَّلْ إليَّ قَطُّ أنْ يَرْغبَ النَّاسُ في سَماعِ قِصَّتي، وقَطعًا لمْ أَتَوقَّعْ أنْ يَكونَ بِمَقدوري تَغييرُ العالَمِ للأجيالِ القادمة، ولمْ أسْتَشْعِرِ احتماليَّةَ ذِكْرِ اسْمِي في كُتُبِ التّاريخ". 

ويثني على المترجمة التي امتلكت برأيه من الفصاحةِ والثراءِ اللغوي والسِّحر ما جعله يتشرف بأن تكون اللغة العربية هي أولَ لُغة يُترجَم إليها «المسافر» من الإنجليزية.

والدكتورة ربى أبوعلي طبيبة استشارية في أمراض الغُدد الصمِّ والسكريّ والأمراض الباطنية، وتمارسُ المهنةَ في عيادتها الخاصّة في عمّان- الأردنّ هي كذلك مُحرِّرةٌ للعديد من الدوريّات الطّبيّة العالمية المُحكَّمة، فضلًا عن عملها مراجِعةً للأعمال الأدبية المؤلَّفة بالإنجليزية ويُعَدُّ هذا الكتاب ثانيَ أعمالِها في التّرجمة الأدبية من الإنجليزيّة إلى العربيّة، بعد رواية "بَعد الرَّحيل" للكاتب نفسه.