في تقديمه لكتابه "سبع رسائل إلى صالح بن طريف" بالبروج، أكد الباحث المغربي شعيب حليفي على الحاجة للذاكرة، داخل فضاء أحد الثانويات التأهيلية وبحضور التلاميذ والتلميذات وأعضاء جمعية أباء وأمهات التلاميذ وعدد من الباحثين الأساتذة وبعض مبدعي المنطقة ورجال التعليم، وأعضاء نادي القراءة بها، والذي يحمل اسم الكاتب حليفي، اللقاء الذي اعتبر قراءة للتاريخ والثقافة ضمن السعي الانفتاح على الفضاءات البعيدة.

شعيب حليفي: في الحاجة إلى ذاكرتنا

علي الناجي والمعطي العلوي

 

وسط خيمة محاطة بالأشجار والزهور، داخل الثانوية التأهيلية البروج بمدينة البروج، عاصمة بلاد بني مسكين، وبحضور التلاميذ والتلميذات وأعضاء جمعية أباء وأمهات التلاميذ وعدد من الباحثين الأساتذة وبعض مبدعي المنطقة ورجال التعليم، والسيد مدير المديرية الإقليمية لوزارة التربية والتعليم بسطات وعدد من أطر المديرية.. التأم اللقاء الثقافي صباح يوم السبت سابع عشر دسمبر، استضافت فيه الثانوية وجمعية آباء وأمهات وأولياء التلميذات والتلاميذ الكاتب المغربي شعيب حليفي من أجل تقديم كتابه الجديد "سبع رسائل إلى صالح بن طريف".

ترأس هذا اللقاء أحمد الناهي الذي افتتح الجلسة بكلمة السيد محمد الناشد عن جمعية الآباء والأمهات مرحبا  بالحضور والكاتب، واعتبر ان الثقافة رافد من الروافد الأساسية لبناء الشخصية وتحقيق الأمن الثقافي ببلدنا. كما تناولت التلميذة سلوى حلوان الكلمة باسم تلميذات وتلاميذ المؤسسة ونادي القراءة بها، والذي يحمل اسم الكاتب شعيب حليفي، وقالت بأن القراءة للكاتب المغربي هو قراءة للتاريخ والثقافة مما يؤسس لذاكرتنا.

في كلمته التقديمية، قال أحمد الناهي بأن وجود شعيب حليفي بالبروج استمرارية لمشروع انفتاحي على العالم القروي دشنه منذ سنوات لاستعادة الذاكرة الجماعية وحفظ الهوية .

وفي كلمته، تحدث شعيب حليفي في البداية عن أهمية الذاكرة والتاريخ المحلي الذي يُعلي من قيمة الانسان والمجتمع، وأن المغرب بتاريخه المديد، لآلاف السنوات، كان مجالا للمبادرات المغربية في التنظيم والتأسيس للشخصية المغربية، وقد عرف الكثير من المحطات التي عبر فيها عن مواقف حاسمة في أشكال مختلفة تؤكد دائما عن هوية المقاومة من أجل الحرية والكرامة.

وانتقل المتدخل بعد ذلك للحديث عن كتابه الذي هو بحث في التاريخ المنسي لبرغواطة ببلاد تامسنا التي ظلمها بعض المؤرخين بافتراءات ووشايات ، ذلك أن  إمارة برغواطة عاشت وتطورت في ظل شروط خاصة وعامة، ثم تعرضت لحروب اجتثاثية من دول محيطة بها أو أخرى صاعدة؛ من الأمويين والأدارسة والفاطميين ثم من المرابطين والموحدين، من داخل المغرب ومن الأندلس ومن الخلافة بدمشق ومن إفريقيا/القيروان، بحجج الدفاع عن الإسلام، في حقبة تم السهو عن قول ما جرى فيها.

وأضاف شعيب حليفي قائلا بأن إمارة بُرغواطة ظهرت في سياق  يمتلك  جُل المداخل الرئيسية لفهم أسباب وجودها واختياراتها، وبسطت نفوذها على جغرافيا عُرفت ببلاد تامسنا، الغنية بأنهارها ووديانها وبحرها، والخصيبة بسهولها وما تجود به من زروع وقطاني وما عرفته من أشجار مثمرة وحيوانات وطيور وأسماك، وما ميّزها من عادات عريقة. بلاد بكل هذه المواصفات، يسكنها المصامدة وقبائل أمازيغية أخرى، حَكمها سبعة "ملوك"ملوكهم طريف بن مالك كان على ديانة الإسلام شجاعا ومقداما. ثاني ملوكهم صالح بن طريف "كان من أهل العلم والخير". ثالث ملوكهم إلياس بن صالح و"كان طاهرا عفيفا لم يلتبس بشيء من الدنيا". رابع ملوكهم يونس بن إلياس "رحل إلى المشرق وحج''، وكان فارسا مِقداما عمل على توسيع مجال تامسنا وجعل هيبة كبيرة لبُرغواطة.خامس ملوكهم محمد أبو غفير وكان "متنسكا زاهدا تاركا الدنيا مُقبلا على الآخرة، متشددا على نفسه في الطعام والشراب". سادس ملوكهم عبد الله أبي الأنصار و"كان سخيا ظريفا يفي بالعهد ويحفظ الجار، ويكافئ على الهدية بأضعافها".أما سابع ملوكهم عيسى أبي منصور، فقد قالوا فيه بأنه " سار بسيرة أبيه". كما أن من جاء بعد سابعهم كان شجاعا ومِقداما، مات مستشهدا في الدفاع عن بلاد تامسنا وحريتها.

ودعا في الأخير إلى أهمية وضرورة الحاجة إلى كامل ذاكرتنا الوطنية التي هي مركز قوتنا الثقافية.

أركيولوجيا الذاكرة: حفريات سردية لشعيب حليفي في بلاد تامسنا

في كتاب جديد يجمع بين السرد والتاريخ والنقد التاريخي والبحث الأركيولوجي في التخييل الثقافي، يُطلّ الكاتب المغربي شعيب حليفي على قرائه من داخل الجزء الصامت أو المنسي أو المسكوت عنه في تاريخنا بعد أن استكمل إنصاتَه إلى المحكيات المدفونة في أراضي تامسنا، وبعد قراءته للرسائل المشفّرة الواردة منها وبعد مرحلة جديدة من إنجاز حفرياته المعهودة حول ما خفي عن المؤرخين منذ اختفاء صالح بن طريف.

الكتاب الذي يحمل عنوان ʺسبع رسائل إلى صالح بن طريفʺ ، جاء في حلة جديدة وذكية. فالغلاف(الذي هو من إنجاز الفنان التشكيلي المغربي بوشعيب خلدون) بوجهيه، لوحدهما يحتاجان إلى قراءة خاصة، متخصصة ودقيقة، سواء في النص المكتوب أو في النصوص المكتوبة، لأن الخط الذي كُتب به جاء على مستويات مختلفة. فمنه ما هو ميكانوغرافي وما هو مخطوط باليد (يد الكاتب) مثل عبارة سبع رسائل والإمضاءات كما في شعيب بن محمد بن عبد السلام حفظه الله وإمضاءات أخرى لسلالة ابن طريف، كما النص الذي جاء على شكل ملخص على ظهر الغلاف -وإن كان تقديما أكثر منه ملخصا -(والكتاب لا يشتمل على تقديم) أو قراءة في المخطوط الشبه ممحو والباهت الحروف.. المكتوب في الخلفية على أرضية  الغلاف، وكأن هذا الأخير لوح من ألواح الأجداد المكتوب بمداد فقهاء من بلاد بورغواطة.

قراءة أخرى تحتاجها كل من الألوان (الأبيض والأسود: رمز التناقض ورمز الوضوح الواقعي والمخفي والمتخيل، أو الأصفر رمز الأخوة والعلاقات الاجتماعية ورمز النور والذاكرة التي لا تموت، أو الأحمر رمز الحياة والدماء المشتركة والمحبة والشغف) . أما الصور التي تزين الغلاف وظهره فهي  ليست للتزيين، لأن لكل منها رمزيتها التاريخية والوطنية والثقافية والجمالية). فعلى أرضية المخطوط ووسط جزء دائري لشمس ساطعة تحمل توقيع الأجداد، يخرج غصن ممتد من شجرة، يتربع فوقه ديك أسود بعُرف أحمر (صديق أليف مرافق للسرديات التخييلية للكاتب) وتحت صورة الديك يظهر الاسم الثلاثي للكاتب والخاتَم الذي يتم التوقيع به في قرون ماضية.

العديد من الرموز يحملها غلاف هذا الكتاب، كلها مقصودة ومفتوحة على العديد من التأويلات ليبقى أوضحها صورة الطابعين البريديين اللذين يعتليان صفحة الغلاف، والقراءة فيهما تحتاج إلى نص آخر. لكن ما يثير الانتباه في أحداهما هو صورة طفل مغربي يحمل كتابا ويكتب نصا: تناص ضمني ومرئي واضح. ويظهر في أسفل الطابعين خاتَم الارسال يحمل عبارة " تامسنا المصونة بالله"، مما يجعل النص الذي بين أيدينا رسائل حقيقية وليست فقط كتابا بداخله برسائل.

ليست عتبات هذا النص الجديد وحدها المُشكلة لما يحمله في ثناياه لأنه عمل يعتمد في مضمونه على حفريات في الذاكرة والمتخَيل الجماعي وفي التاريخ المكتوب والشفاهي وفي المخطوط المنسي من تاريخ بلاد بورغواطة، لأنه غالبا ما احتاجَ معه الكاتب إلى الكثير من الوقت للقراءة والمقارنة بين النصوص للوصول إلى استنتاجاته، خاصة أنه يرفق كتابه بسبع صفحات من البيبليوغرافيا التي اعتمد عليها (مع الانتباه إلى مقصدية ورمزية الرقم سبعة هنا ولكن أيضا، وخاصة، في العنوان وفي مجموع كتابات شعيب حليفي). هي بالفعل سبعة رسائل تحمل بركة وسر مصحف ابن طريف كُتبت بمداد يمتزج فيه التاريخي والتأريخي الواقعي بتفاصيله وتواريخه وأدلته والمتخَيل الغارق في سردياته الذاتية والجماعية المنفصلة والمشتركة.

يفتتحُ الكتاب ب ʺاعتذار..ʺ يوحي بأنه فعل واقعي يروم شرح حيثيات الحدث وموجبات الاعتذار، لكن سرعان ما يحملنا الكاتب إلى فصل موالي بعنوان ʺمدخل عام: ألواح من الخيال الأولʺ لنتساءل إن كان النص يحمل من التاريخ أكثر مما يحمله من الخيال، أم عكس ذلك، أم شيئا آخر ؟.

تأتي بعد هذا المدخل العام، الرسائل السبعة التي تبدأ كلها بفقرة يتوجه فيها بالسلام والتحية أو السؤال إلى صالح بن طريف، فقرة واضحة في شكلها ومرموزة في مضمونها، قبل أن يحمل القارىء إلى بعض التفاصيل التاريخية ليعود به، من جديد، بعد أن يُحكم قبضته على ثقة القارىء، إلى عوالم تخييلية لا نهاية لها، وهكذا حتى نهاية الرسالة الأخيرة، حيث يقول الكاتب/ السارد في حوار مع صالح بن طريف :

-هل أنهيت روايتك الآن؟

-ربما..في انتظار ما سيأتي.

-...........................

-ماذا سردتَ عليهم وتجاهلوه..؟

-قلت لهم إن مصحف صالح، الصادق، سيكتبه حفيد لي، هواه مشتبك بالخيال، بعد اثني عشر قرنا وثلاثين سنة وسبعة أيام.

إن حديث الكاتب وحواراته عن ومع التاريخ، من خلال رسائله إلى صالح بن طريف، ليس بالأمر الجديد في كتاباته؛ فكتابه الذي يحمل عنوان ʺسطات: سنابل وكلماتʺ يتضمن فصلا كاملا به ʺنقط سرديةʺ، هي عبارة عن رسائل مشفّرة من مصحف صالح بن طريف لا يمكنʺ للقارئ العاديʺ ولا لمن لا يحمل بركة فقهاء تامسنا تصفحه.. وكتاب "سبع رسائل إلى صالح بن طريف"، لا يمكن إلا أن يكون جوابا على بعض ما جاء في تلك الصحف الأولى.