في مقاربته يتناول الباحث التونسي كتاب زهير الخويلدي «لزوميّة العود على بدء»، فيشير إلى العلاقة الجدلية الدائرة فيه بين الشعر والفلسفة، والكيفية التي تتحاور فيها النصوص، وتشتبك الشعرية بعالم المفاهيم والمعرفة ككل في محاولتها للتعامل مع مكائد المعنى وشذراته ومع تواريخ اللغة وترسباته في ثنايا مفرداتها.

الفـلسفـة الشاعـرة

مصطفى القلعي

العـنونة وشهـوات المعـنى:
يشكّل الإبداع جهة الوصل بين الشعر والفلسفة. فمن جملة ما يدعى شعراً وهو ليس منه ما كان تقليداً أو إشهاراً أو تشهيراً أو تجريباً أو تهويماً. الشأن نفسه في الفلسفة؛ فممّا يصنّف ضمن مناخاتها وأقاليمها، وهو ليس منها ما هو أعلق بباب التجريد والتعالي والتنظير والتعمية والنسخ والتهويم في مدن الخيال، كما يعبّر جبران. فالفلسفة الأصيلة، كما الشعر الأصيل، غير متاحة بوفرة في المشهد الثقافيّ العربيّ المعاصر. نعني، بذلك، طبعاً، الفلسفة المبدعة التي تتجاوز الأسئلة المستهلكة إلى ابتكار أسئلتها البديلة وخلق آليّات مناسبة لفحص واقعها.

لقد شغل سؤال الأصل والمبدإ الشعرَ والنقد قديماً وحديثاً. وهو حتما يشغل قارئ كتاب زهير الخويلدي "لزوميّة العود على بدء"(1). فيدفعه إلى إعادة طرح السؤال الأوّل نفسِه على الفلسفة: من أين تأتي الفلسفة؟ من اللّهو أم من الجدّ؟ من المهرجان أم من ملعب كرة القدم؟ من السوق أم من مكتبة غاري بلدي؟ من شغب التلاميذ أم من وقار الأساتذة؟ من الغزالي وابن رشد وابن عربيّ أم من غادامير ودريدا وريكور أم منهم جميعاً؟ من ملاعبة الأبناء أم من مصارعة التنين؟ من الوجوديّة أم من الهرمينوطيقا أم من الغراماتولوجيا أم من التصوّف أم من الاجتهاد في مقاومة استلاب العولمة؟ أسئلة الأصل الأوّل.. أسئلة.. تتدافع بالمناكب في ذهن القارئ وهو يراود صحائف هذا الكتاب عن معانيها ووهج الحيرة والقلق يلفح ذهنه كلّما اقترب من كلماته.

لماذا "لزوميّة العود على بدء"؟ العود إلى لحظة البدء حنين هزّ الأساطير. فهذه اللحظة هي لحظة المرح البكر، لحظة الحريّة المطلقة، لحظة تماهي الأسماء مع مسمّياتها، لحظة التحام الإنسان بالكون. إنّها لحظة لا ظلم فيها ولا قهر ولا استعباد، لحظة كانت فيها الآلهة تمرح، هنا، على الأرض في العالم الفيزيقيّ مع الإنسان قبل أن تهاجر إلى الميتافيزيقا وتتحوّل حلماً لا يدرَك، كما حدّثت بذلك أساطير اليونان.

ولم ينطفئ الحنين إلى لحظة البدء في الشعر منذ هوميروس وأوفيد وصولاً إلى درويش. لحظة البدء فتنت الشابي، أيضاً، الشاعر الغاوي الذي راودته البداية فلم يصمد طويلاً أمام فتنتها واستسلم لها، وانقاد للنهاية. فالنهاية هي البداية، لا فرق، كما قرّر الشابي وكتاب الشذرات. عن غواية هذه اللحظة حدّث الشابي الإنسان بافتتان وهيام قائلاً:

خُلقتَ طليقا كطيف النسيم***وحرّا كنور الضحى في سماه

تغرّد كالطير أين اندفعتَ***وتشدو بما شاء وحي الإله

و تمرح بين ورود الصباح***وتنعم بالنور، أنّى تراه

 و تمشي، كما شئت، بين المروج***وتقطف ورد الربى في رُباه(2)

من الحنين إلى الإلزام فاللّزوم
هذا الحنين إلى لحظة البدء في الشعر حوّلته الشذرات فصار إلزاما. والإلزام تحوّل بدوره إلى لزوميّة، إلى مقولة ذهنيّة صناعيّة تدلّ عليها الصيغة الاشتقاقيّة العربيّة، مقولةٍ لها أسس وقواعد وضوابط قد يتبدّى للقراءة العجلى أنّ الفلسفة فاتها أن تضبطها في هذا النصّ. ولها مكائد، أيضاً.

إنّ السؤال: لماذا "لزوميّة العود على بدء"؟ الإجابة عنه هي كتاب الشذرات نفسُه. باستراتيجيا في غاية الوضوح وفي غاية التعتيم أيضاً، اشتغلت الفلسفة في هذا الكتاب!! إنّ "لزوميّة العود على بدء" عنوان لا دليلَ عليه، في الظاهر، في متن الكتاب. غير أنّه خلاصة تجربة الاستراتيجيّات الفلسفيّة. العنوان هو نفسه المقولة، وهو الخاتمة، أيضاً!! ما يجب أن يوجد في نهاية الكتاب وُجد في صدرِه. البداية هي النهاية في الشذرات. "لزوميّة العود على بدء" عنوان وبنية فيها تتماهى البداية مع النهاية، تماماً كالشعر الأصيل.

حينما تكون الشذرات قد طُويت، يكون البدء.. البدء في رحلة السؤال، بعد أن تُزوّدَ الفلسفةُ المرتحلَ بما يلزمه من القلق والحيرة اللاّزمين لممارسة فعل التفكير. والفلسفة، في الشذرات، تعلن أنّها مشغولة بالإنسان وبمنزلته في العالم، فتقول: "لا يمكن طرح أيِّ سؤال عن أيّ موضوع إلاّ في إطار التساؤل عن منزلة الإنسان كما هو موجود في العالم"(3).

إنّ الفلسفة في الشذرات تقدّم نفسها لمتلقّيها المفترض فتعلن أنّها "تهتمّ بالعودة إلى الواقع الحقيقيّ"(4) بعد أن تزيل عنه الزّيف والأدباغ اللذين جعلاه مسخاً شيّأته الآلة فخرُ العقلانيّة المعاصرة. وتوضّح أنّها سليلة هذا الواقع إذ "تولد من الظلم واللاّمساواة والقهر والفساد وانسداد الآفاق"(5). وهي ليست تابعة ولا خادمة لغيرها. ولا تكتفي بالفرجة على ما يحدث. ولا تدير ظهرها للأزمة. وإنّما تصرّح بأنّها خطاب مقاوِم لتشييء الإنسان وتبضيعه(6). "فهي تناقض كلّ مشروع يسعى إلى صبّ الناس في قوالب جمعانيّة قهريّة من ناحية الاعتقاد والتفكير والسلوك"(7).

الشعر، كذلك، مشغول بالمدارات ذاتها، سوى أنّ الفلسفة تكتب بؤس الواقع وتؤرّخ لخساراته، وتحلم باستبداله بواقع مغاير. أمّا الشعر فإنّه لا ينقل الواقع بل يتخيّله. فالشعر والفلسفة خطابان مقاومان لتدجين الإنسان وتهميش إنسانيّته مقابل إعلاء سلطة ما؛ سلطة رأس المال أو سلطة المدينة أو سلطة الأخلاق أو سلطة الحاكم. وهما خطابان مقاومان لاستراتيجيّات العدم في إفراغ الوجود من المعنى. إنّهما ينهضان للتصدّي للقولبة والتنميط وأوهام العولمة التي تعمل على زرعها في العقول. إنّهما ينشآن سعيا وراء الأصالة ونشدان المعنى.

العـنونة ومكائـد المعـنى:
لا بدّ من أن نطرح السؤال التالي على الشذرات: لزوميّة العود على بدء هل هي مشروع الشذرات البديل أم هي العلاج الوحيد لنتيجة التشخيص الذي أجرته الشذرات على الفكر العربيّ المعاصر؟ إنّ بنية العنوان ومحتوى الكتاب يوحيان بالإمكانيّتين. فقراءة التشخيص التي أجرتها الشذرات على الفكر والوجود العربيّين والإنسانيّين كانت نتائجها مفزعة؛ فالوجود حياة في سوء النيّة والفنّ مشوّه والناس مُسخواً حشوداً بلا ملامح. هذه الحال تجعل الوجود طريدة العدم. حينها، قد يصير العود على بدء لزوميّةً. ولا يحدث ذلك إلاّ عبر التطهير الطوفانيّ، كما حدّثت الأساطير والأديان. إمكانيّة التأويل هذه تجعل العنوان يلقي ﺒالشذرات في عتمة العدميّة من حيث نذرت مشروعها لمقاومتها. أو يجعلها ترضى بالطرح الميتافيزيقيّ وتستكين لمقترحاته حول سبل تخليص الإنسان من نكد الحياة.

بقي أن نلاحظ أنّ اعتبار لزوميّة العود على بدء مشروعَ الشذرات الذاتيَّ، يثير في الذهن سؤالين في الوقت نفسه؛ سؤالاً وجوديّا وسؤالاً منهجيّا: أمّا السؤال الوجوديّ فيتعلّق بالزمن، "زمن التماثل والتطابق وغياب التميّز والتنوّع"(8)، كيف يتمّ إيقافه أو تعطيل حركته أو إجباره على العودة إلى نقطة الانطلاق؟ وكيف نتعامل معه؛ هل نقنعه فنقول: لا بدّ من تعديل المسار المنحرف ونغريه بتبليط الطريق وتعبيدها أم نمارس عليه ما تعلّمناه وأتقنّاه وأبدعنا فيه: العنف، فنجبره على التراجع دهوراً؟ وأمّا السؤال المنهجيّ فيتّصل بالذاكرة: من أين نبدأ حين نشرع في إفراغ الذاكرة من ذاكرتها؛ نعني إفراغها من الثقافة والحضارة والشعر؟ السؤالان، بكلّ بساطة، قد يجملان في سؤال واحد بسيط: كيف نبدأ من أوّل؟

إنّ عبارة لزوميّة في عنوان الشذرات شحنته بدلالة القسر والإجبار، رغم الحبال الدلاليّة السريّة التي تصلها بتراثها الفكريّ العربيّ، لاسيّما بطموح أبي العلاء المعرّي لإدراك تخوم اللغة وأقاصيها من أجل فكّ مغالق الوجود. والقسر والإجبار دلالتان متنافرتان مع الحريّة معيقتان لمشروع الفلسفة نحو تحرير الكائن. تبعاً لذلك، فإنّ العنوان قد يُعدّ نسفا لما أنجزته الشذرات من مساءلة ومجادلة وفحص ولما صاغته من مقدّمات ولما توصّلت إليه من نتائج. إنّ هذا العنوان، بمفرده، قد يدفع الشذرات للخروج من دائرة الإمكان والمشروع نحو المستحيل.

الشـذرات وإبـداع التـسمية:
في الشذرات، يقيم وعي لغويّ حادّ منطلقه ديوان من المخازي والمعرّات ألصق باللغة العربيّة من قبل أهلها وأهل اللغات الأخرى. يتلخّص هذا الديوان في أنّ "ثمّة إجماعا حول قصور اللغة العربيّة واحتضارها واستبقائها كأساس لعصبيّة مغلقة وجسد لثقافة تراثيّة قروسطيّة ومرآة تعكس هويّة متقوقعة على نفسها وأصل لرابطة قوميّة تضيّق على متكلّميها الآفاق وتخلط أمامهم السبل"(9). هذا الديوان حفّز الشذرات على شحذ طاقاتها وتوجيهها من أجل العمل على إبطال هذه المزاعم، وهي الوظيفة التي بها ينهض الشعر الأصيل، أيضا.

ولذلك عملت الشذرات على تبادل الأدوات مع الشعر. فالشعر يستعير السؤالَ من الفلسفة. والفلسفة تستعير قدرةَ التسمية، تسميةِ الوجود، من الشعر. الإعارة والاستعارة هاتان منحتا الفلسفة القدرة على انتشال المسمّيات من عتمة النسيان إلى حرارة الاستعمال الفلسفيّ، عبر تسميتها. فاشتقت الفلسفة أسماءها موسّعة المعجم محرّرة الكلمات من قسر المعنى المتداول المكرور الذي أبلاه الاستعمال. فولدت في الشذرات أسماء جديدة، مثل: حضارة اقرأ، كتابة الامتناع عن الكتابة، كتابة صمت الكتابة، القراءة الكاشفة، القراءة الصدمة، القراءة المتخيّلة، الحشد، ثقافة الحشد، حسن الضيافة اللغويّة، الهويّة السرديّة، فنّ طرح المشكل...إلخ

إنّ الكائنات لا تملك تحت الشمس غير أسمائها تُشرعها ضدّ سطوة الغياب. والفلسفة تعي وعيا كاملا أنّ ما منح الوجود اسمه هي التسمية، وأنّ الاسم أخطر ما أبدع الإنسان لمقاومة العدم. إنّ الفلسفة على وعي كامل بأنّ التسمية فعل وجوديّ، وأنّ العالم دون أسماء يستحيل عدما. ولذلك اختارت الشذرات أن تعاضد الشعر في معركته ضدّ الفوضى صنوِ العدم عبر ممارسة فعل التسمية.

حضارة اقرأ(10) اسم صنعته الشذرات ليعيّن مسمّى من مسميات الوجود. وتتكوّن التسمية من اسم نكرة مضاف إلى مركّب بالإسناد من فعل وفاعل. والإضافة استضافة. والاستضافة كرم. والكرم قيمة تعني فيما تعنيه أن يوسّع الكائن فيه مكانا للآخر. والقيم بفضلها اكتسب الإنسان إنسانيّته. كلمة حضارة "هي ضدّ البداوة، وهي مرحلة سامية من مراحل التطوّر الإنسانيّ ومظاهر الرقيّ العلميّ والفنيّ والأدبيّ والاجتماعيّ في الحضر."(11) ولكنّ هذه المعاني لم تسعف الكلمة بالتعريف. فوردت، في الشذرات، اسما نكرة يحتمي من عتمة المجهول بالمستضيف. والاسم النكرة في حاجة إلى غيره لأنّ هويّته في حاجة إلى الكشف. هو اسم يبحث عن معنى تحت نور الشمس من خلال احتمائه بالمستضيف. ولكنّ المستضيف فِعل في صيغة الأمر، فعل متحرّك لم يثبت معناه ما لم ينجزه المخاطَب حدثاً.

حضارة اقرأ تسمية بقدر اندراجها في صلب النظام النحويّ، فإنّها تنطوي على مساءلة لمسلّماته. ومساءلته جعلته يضطرب ويفقد سرّ ازدهائه بنفسه: صرامتَه، إذ تلقّت علاقة الإضافة النحويّة نوعاً من التحويل فيما يتّصل بقدرتها التعريفيّة. بل إنّ هذه الوظيفة التعريفيّة لم تتحقّق أصلا. بعبارة أخرى، الإضافة حافظت على معنى الاستضافة النحويّ وفقدت وظيفة التعريف الذي يخرج المسمّيات من الغموض إلى الوضوح.

إنّ الاسم حضارة اقرأ اسم لغز. فإضافة الاسم النكرة إلى الفعل والفاعل جعلت المسمّى غامضاً. وغموضه ليس نتيجة الإبهام أو القصور في التسمية. وإنّما هو نتيجة تقاطع المعاني والسجلاّت في هذا الاسم، نعني نتيجة كثافته وثرائه بالمعنى. إنّ الغموض صفة الشعر الأصيل وصفة الفلسفة الأصيلة، في هذا المقام، لأنّهما خطابان لا يصفان معلوما بقدرما يكشفان عن مجهول هو الوجود نفسه بأداة بكر غير مستهلكة ولا مراجع لها في الذاكرة هي الاسم.

فالفعل اقرأ، بصيغة الأمر، له ذاكرة تشدّه إلى ميتافيزيقا الوحي. وتصله وصلا بالنصّ القرآنيّ المؤسّس. وتستدعي إلى الذهن علاقة السماء بالأرض، علاقة الملائكة بالأنبياء. وصيغة الأمر ذاتُها حمّالة دلالات. فهي صيغة وجهها الاستعلاء والسلطة حيث تصل الآمر بالمأمور علاقة عموديّة بموجبها يكتفي المخاطب عادة بتنفيذ الأمر. والأمر المراد تنفيذه هو فعل القراءة. ومعنى "القراءة" المعجميّةُ يمكن إجماله في الدلالة على المعرفة. والمعرفة صيرورة وانقطاعات. وبها يفتخر الإنسان. ويدّعي أنّه بفضلها فارق الطبيعة وأمن توحّشها. وإضافة الاسم حضارة لفعل الأمر اقرأ صدّع النظام النحويّ، من جهة، وأدخل الاضطراب على ثبات المرجع الذي للفعل في الذاكرة البشريّة. هذا التصدّع في النظام النحويّ وهذا الاضطراب الذي دخل على الدلالة هما اللذان حقّقا للتسمية أثرها و للاسم أصالته.

إنّ الاسم حضارة اقرأ اسم متاه، لا ضفاف له، ولا حدود تحدّ جموح معانيه. إنّه يدلّ على أنّ الشذرات لا تسمّي لتعرّف الموجودات فقط. وإنّما تسمّي، أيضا، لتغامر، لتطلّ على تخوم اللغة حيث تربض أسئلة الوجود المقفلة محتفظة بلهبها منتظرة حدث الكشف العظيم؛ حدث طرحها. بهذا تكون الشذرات قد نجحت في التواصل مع تراثها دون أن تستنسخه أو تردّد مقرّراته، وإنّما عبر الوقوع على أسراره الكامنة في قوانينه التي منحته حياتين؛ حياة في حاضره وحياة في آتينا. والوقوع على هذه القوانين تمّ عبر ممارسة نفس الطقس؛ طقس الإبداع والمكابدة والمجاهدة في مقارعة تغريبة المعاني ومراودتها عن نفسها. ولم يتسنّ للشذرات ذلك إلاّ بعد أن تمثّلت تراثها وامتلأت به. هذا التمثّل وهذا الامتلاء هما اللّذان أتاحا للشذرات أن تقول ما لم يقله سلفها دون أن تلجأ للتنظير العقيم، أن تتواصل مع تراثها، أن تكمّل ما شرع في إنجازه عبر ممارسة فعل الإبداع، دون أن تقع في فخّ ما أسمّيه خطاب التنظير الثنائيّاتيّ: التراث والحداثة، الأصالة والمعاصرة، القديم والجديد...إلخ

وفعل الإبداع قد يتطلّب المرور عبر خلخلة النظام النحويّ من داخله لمنحه نفَساً جديداً يطيل عمره. ليست الخلخلة هدما. وإنّما هي فعل إبداعيّ وفعل تاريخيّ أيضا يمنح النّحو حياة أطول. ولا يقدر على فعل الخلخلة إلاّ النص الأصيل أشعرا كان أم فلسفة. إن الشذرات نموذج مناسب لدراسة التوحّد الفريد المنشود بين الفكر واللغة في تجديد الوجود بآليّات النظام اللغويّ نفسها التي عبرها تمّ تنميط الوجود وإفقارُه. الآليّات نفسها تمتلك التعويذة السريّة لاستعادة بهاء الكون البدئيّ. إنّها، فقط، تنتظر الفعل الإبداعيّ الذي يخرجها من الكُمون السالب إلى التجلّي الفاعل؛ وهو، بالضبط، ما اجتهدت في ممارسته فلسفة الشذرات.

الشـذرات والحـريّة:
كتاب لزوميّة العود مهوس بالحريّة. ففكرة الحريّة، فيه، تظهر وتتجلّى حتى يكاد هديرها يطلع من بين الكلمات، حينا. وتتجرّد فيه فتغمض مفاهيمها وتزيغ عن سطح النصّ لتقيم في عمق الخطاب، أحيانا، فنقرأ ما يلي: " تشترط الحريّة أن يتعالى الكائن لذاته عن الكائن في ذاته عن طريق العدم ويتجاوز العبوديّة التي يضعنا فيها الآخر"(12). في البدء، عندما كان الوجود يصارع العدم ويدحره، كان الكائن في ذاته يعيش حالة وجد كامل وتماه مطلق مع الكائن لذاته.. كان الكائن هو هو. ولم يكن شبيها بغيره أو خادما له. أمّا عالم سوء النيّة الذي تفضحه فلسفة العود على بدء وتحشد الأنصار لمقاومته، ﻓهو العالم الذي فيه " يكون الإنسان ما ليس هو ولا يكون ما هو عليه".(13)

الفلسفة، كما الشعر، لا تتكلّم فقط. وإنّما تصرخ. قد لا تسمع غير صداها. ولكنّها لا تتوقّف عن الصّراخ لأنّها ترى العدم المرعب يوشك أن يطبق على الوجود، وجود العرب. إنّ العدم الذي تراه الفلسفة ليس عدم العماء والأمواه الذي حدّثت عنه الأساطير والأديان قبل البدء، وأنذرت بسيادته على الوجود يوما. وإنّما العدم الذي يرعب الشذرات أخطر وأفظع لأنّه أشدّ خفاء؛ إنّه العدم الناتج عن سيادة القيم اللاّإنسانيّة على الوجود ودحرها للقيم الإنسانيّة الأصيلة عنه. إنّه عدم القيم.. قيم العبوديّة وسوء النيّة والعولمة الاختراقيّة وقد وجّهت مخالبها، في توحّد سافر، إلى وجود الإنسان لإبادة الجميل والأصيل فيه. فحوّلته إلى ليل شتويّ طويل.

تتأمّل الفلسفة واقعها. وتقف على تناقضاته. فتعمل على تصحيح وجهة الفحص. وتعلن أنّ الوعي ليس هو الذي يحصّن الوجود من العدم، مثلما يروج عند النخبة. وإنّما هو، على العكس من ذلك تماما، "الفسحة الرّهيفة التي يدخل منها العدم إلى العالم"(14). لهذا احتاجت الفلسفة إلى الفلسفة. فاستدعت الشذرات نصّ سارتر(15) ﻠ"إعادة إعمار ما خرّبته التقنية عندما صحّرت الوجود وعمّقت الهوّة بين الأنا والآخر"(16). واستلهمت تجربة الفلسفة الوجوديّة مع واقعها الغربيّ في فحص الواقع العربيّ، اليوم، واقع "الحياة في سوء النيّة".

فالفلسفة، في هذا الكتاب، تؤمن بأنّ "الهروب إلى البحث النظريّ يعزلنا عن الوجود في العالم ويمنعنا من فهم ذواتنا ويجعلنا لا نواجه المشاكل الحقيقيّة ونسقط في الشعور بالندم والإحساس بالذنب إزاء كلّ ما نقترفه من أفعال وما ننتجه من أفكار وما نبدعه من قيم"(17). ولذلك تبتدع الفلسفة آليّاتها وتُعملها على نحو يجعلها تلتحم بواقعها وتتعمّق فيه، فتفحصه وتقلّب فكره على وجوهه وتطارحه السؤال.

في الشذرات، يعلو صوت الحريّة، وهي غير الفوضى، كما تشدّد خالدة سعيد(18)، فتتهاوى التابوات أمام الخلخلة التي تحدثها أسئلة الحريّة. وتطرح الشذرات على الفكر العربيّ المعاصر سؤال الزعامة عند العرب في كلّ تجلياتها السياسيّة والإيديولوجيّة، ولِم لا، حتى القبليّة والعشائريّة والجهويّة والعائليّة، أليست أيضا زعامات فاعلة في المجتمعات العربيّة المعاصرة !!؟ ولأنّ الشذرات فلسفة، فإنّها ككلّ فلسفة تناقش الفكرة، فكرة الزعيم لا صورته. ولذلك، تسأل الفلسفة سؤال الفحص الذي يتتبّع مصدر الدّاء: "ما دور فكرة الزعيم في وقوع العرب في سوء النيّة؟"(19) والوقوع سقوط في الهاوية. والهاوية التي رصدتها فلسفة العود على بدء العربيّة المعاصرة، والتي فيها سقط العرب المعاصرون، الذين بهم مشغول هذا الكتاب، اسمها سوء النيّة!! ما تقوله الشذرات أنّ الزعامة، فكرةً، لعبت دورا خطيرا في وقوع العرب في هاوية سوء النيّة. وما سكتت عنه هو أنّ الزعامة، صورةً، أيضاً، رفدت فكرة الزعامة وساهمت في تعميق الهاوية لتتّسع للجميع.

ويثير سؤال الحريّة مسألة تشكّل صدمة للسلفيّة بشقّيها المعلنة والمندسّة في غيرها من الخطابات، مسألة الثورة الدينيّة في الفضاءين؛ الثقافيّ العربيّ والحضاريّ الإسلاميّ، فيتعالى سؤال الفلسفة الحرّة التالي: "ألسنا في حاجة أكيدة إلى ثورة دينيّة وإحداث تحوّل في الإيمان؟"(20)

وإذا صحّ المبدأ ووقع الإقرار بأنّ "البراكسيس هو التجاوز"(21)، وتمّ التسليم بأنّ "القدرة على تخيّل الأمور بشكل مختلف هي التي تجعل الإنسان قادرا على البراكسيس"(22)، فما هي آليات البراكسيس؟ أو كيف يحدث التحوّل في الإيمان؛ مرحليّا مراعياً لشروط المرحلة أم عاصفاً طوفانيّا مفتوناً بإغواء برد النهاية؟ والتحوّل في الإيمان، ماذا يعني؟ هل يعني تذييت العبادة وشخصنة الإيمان وتجميلَه خارج الفضاءات العامّة، أم يعني تدعيم تأميم العبادة والعمل على توسيع رقعتها في خطاب العولمة المعاصر، أم يعني توسيع دلالة الإيمان بألاّ يسمح للمقدّس بأن يكون رأسماليّا محتكراً للإيمان؟ وأيّ دور للفنّ في صياغة سؤال الحريّة وسؤال الديّن؟

تتدخّل فلسفة الشذرات بصرامة. فتعيد للفنّ وظيفته الرياديّة التي سلبها منه رأس المال، وظيفة التصدّي للقيم اللاّإنسانيّة. الصرامة نفسها خاطبت الشذرات بها الدين. فاستنكرت عليه تنازلَه عن مكانته السامية، باعتباره إبداعا إنسانيّا عظيما لإنتاج المعنى، واكتفاءَه بأداء دور الوسيلة عند أعدائه الحقيقيّين. يعلو صوت فلسفة الشذرات المحرج للفنّ والدين فيما يتّصل بمسألة تراخيهما في قضيّة الحريّة، فتعلن: "إذا كان الفنّ هو الوسيلة الوحيدة لخلاص العبيد والمضطهدين بتبرئتهم من خطيئة الوجود، فإنّ الدّين لا بدّ أن يتوقّف عن أن يكون وسيلة إضافيّة لقهر المقاومة وللوصول إلى العروش"(23). هذا التقرير يحمل في تلاوينه إدانة للفنّ والدّين باعتبار أنّ الأوّل تنازل عن دوره في تحرير الكائن من الاستعباد والثاني تخلّى عن وظيفته في تحرير الكائن من سطوة السلطة. الفنّ والدّين أبدعهما الإنسان ليتحرّر من قهر الطبيعة فمارسا نوعاً من المداورة تحوّلا بموجبه إلى أداتين لتكريس قهر جديد؛ قهر الإنسان للإنسان.

أسئلة كثيرة تزدحم في الذهن وتلهب الفكر ولّدتها تساؤلات فلسفة الشذرات الحرّة المفكّرة في واقعها، الواقع الذي أضاع سماته بفعل نشأة مصدرين لبعث الوهم في أذهان الحشد والنخبة على السّواء؛ الفضائيّات التي تروّج وهم المشاركة في إنتاج المعرفة، والفضاءات التجاريّة الكبرى التي ترسّخ وهم العدالة الاجتماعيّة.

ولاستعادة الحريّة السليبة لا بديل للفكر العربيّ عن ممارسة الفعل الحرّ، فهو "خلق مستمرّ"(24). ولا يمكن أن ينجز الفعلَ الحرّ إلاّ إنسانٌ حرّ، والإنسان الحرّ حدّدت ملامحه الشذرات، فقالت هو "رجل عاد بعد أن توحّد في الجبال وبعد أن امتلأ بذاته واستشار الآلهة ونصحته بالتنحّي عن القتل"(25)، خلال عزلة التطهّر، كما يفعل أبطال ملحمة الحرافيش لنجيب محفوظ. فأعاد النظر في مسلّماته المتّصلة بمفهومي الحضارة والبدائيّة، وبتفضيله الأولى على الثانية. فالمدينة رمز حضارة الإنسان ليست سوى الوجه الأشدّ سوداويّة للبدائيّة والتوحّش حيث تُنتَهك الحريّة ويسود المسخ والتشوّه والظلم والجريمة، إنّها ليست سوى "المومس العمياء"، كما كشفت رؤيا السيّاب.

تتنادى النصوص في الشذرات فيتعالى سؤال الحريّة، فتصمّ آذاننا صرخة فيها صدى صوتِ نيتشه الذي أغوته فتنة العظمة، عظمة الجنون، مدوٍّ: "هل يحتاج العرب إلى تجربة أفول الأوثان من أجل إثبات حريّة الإنسان"(26). ولكنّ ما سكتت عنه الشذرات، وهو كامن بين سطورها، هو أنّ الأوثان لم تكن مجرّد أُلهية حين صنعها العرب بحرارة أكفّهم وهتاف حناجرهم الصادح كتمثال بيجماليون. بل لعلّها كانت شرطا من شروط المرحلة أو أسّا من الأسس التي اقتضتها شعارات البنّائين؛ شعارات الصلابة والمتانة والعصمة من الزلل والتعالي عن الدنيويّ والتسامي عن الجزاء، أمّا الإثابة فحاصلة بالفعل وبالقوّة.

لقد ثقلت الأوثان بالأوسمة والنياشين وتزيّت بالأصباغ.. فافتتنت بصورتها في المرآة أو في الماء، كما كان شأن نرسيس، فتمرّدت على صانعيها، فامتنعت على التهدّم.. بل إنّها اكتسبت أنيابا ومخالب، وأصرّت على الحياة وإن كانت "حياة في سوء النيّة." تبعا لذلك، تبقى مسألة إثبات حريّة الإنسان مشروعاً إنسانيّا جديرا بالإشهار حتى تسأم الأوثان الإقامة على الأرض أو تقضي الطبيعة بتحويلٍ ما تجريه على قوانينها، فتصاب جدليّة الوثن والمرآة باختلال في التوازن. ولعلّها تتهاوى.

إنّ الأسطورة، التي كابر العقل البشريّ وأطردها من سياق مغامراته الفكريّة المضنية في تملّك الطبيعة والاحتماء بها منها، لا ترضى بأروقة أرشيف الذاكرة مقاما. وإنّما تثأر لنفسها من قهر الإقصاء، فتباغت غفلة الإنسان لتلوّن وجوده، وتصرّ على العودة من حيث لا ينتظرها.. من أُلهياته.. فتؤجّل تحقيقه طموحه في إثبات حريّته. إنّه فعل اللاّمرئيّ في المرئيّ.. فعل الغياب في الحضور.. فعل الميتافيزيقا في العالم الفيزيقيّ.. فعل الأسطورة في الواقع.. فعل الألهية في منتجها.

La mauvaise foi: مغامرة الشذرات نحو توسيع أفـق الخطاب الوعـظيّ:
العتمة صفة حالٌ من صفات الفكر العربيّ المعاصر وأحواله. العتمة لأنّه فكر يكتفي بالفلسفة خطابا نخبويّا متعاليا على الواقع الذي فيه تحيا الفلسفة وعلى أرضه تقيم. العتمة لأنّه فكر يكتفي باستيراد الفكر من الفضاء الثقافيّ الغربيّ، في أحسن الأحوال. العتمة لأنّه فكر يستنسخ الفكر الغربيّ، في أسوإ الأحوال، ويجريه على الواقع العربيّ المعاصر دون أيّ تعديل. العتمة لأنّه فكر يفتقر إلى الإبداع إذ يسعى إلى تمثّل واقعه بأدوات ليست منه في شيء. العتمة لأنّ الفكر العربيّ تمّ نقله من متن الفكر الكونيّ إلى هوامشه. العتمة لأنّ الفكر العربيّ تسلّلت إليه السلفيّة فاستسلم إلى تقاليد السجال، ووقع في ثقافة الردّ والردّ على الردّ.. ولا إبداع. العتمة لأنّ الفكر العربيّ عجز عن إدراك المسارب والثنايا التي تجعله يساهم في بناء قيم كونيّة للإنسان تتصدّى لتغوّل رأس المال ولاستلاب العولمة. وتعالج تغريبة الإنسان المعاصر. وتلطّف إغواء البضاعة. وتطفئ لهب إغراء البائعات. وتنقّي اللغة من زيف خطاب الإشهار. وتمنح معجم اللغة أسماء تحدّ من سيطرة عبارات: اقتصاد السوق والمنافسة والصّولد والمستورد وما شابهها.

سؤال الإبداع في الشذرات هو نفسه سؤال الإبداع في الشعر والفنّ عموما. هو سؤال التأصيل. ووحدها الفلسفة الأصيلة، كما الشعر الأصيل، قادرة على طرح سؤال الإبداع.. سؤال التأصيل. فمن أين تأتي الفلسفة الأصيلة؟ وكيف تتحرّك قُدما دون أن تنحرف إلى أحد المزالق المتربّصة بخطواتها؟

الفلسفة الأصيلة، كما الشعر الأصيل، فلسفة مشغولة بالتفكير في واقعها منهمّة بمآزقه، تعمل جاهدة على البحث عن آليّات كفيلة بفحصه، فكانت آليّة La mauvaise foi لُقية ثمينة فريدة استعارتها الشذرات العربيّة من الفلسفة الغربيّة لقراءة الخسران العربيّ حيث "غزت الشعوبيّة الفكر واقتحم الابتذال الفنّ "(27)، قراءة الفحص.

ولكن، للترجمة مضائقها، وللمفاهيم أسرارها؛ مضائقُ وأسرار لقيتها الشذرات عند ترجمة العبارة من اللغة الفرنسيّة إلى اللغة العربيّة. فالعبارة العربيّة التي ارتأت الشذرات أنّها قادرة على حمل دلالة العبارة الفرنسيّة La mauvaise foi ، وهي عبارة سوء النيّة، هي عبارة مصيدة !! فهي عبارة تلقي بمستعملها وبالمتلقّي العربيّ مباشرة في أحضان خطاب آخر متربّص بالفلسفة يترصّدها وينتظر تعثّرها لينقضّ عليها فيبيدَها؛ نعني الخطاب الوعظيّ.

الترجمة أوقعت الفلسفة في هذه المصيدة التي لم تخترها. ولكنّها لم تهرب من مواجهتها. إنّ مفهوم سوء النيّة هو الذي استدعى الخطاب الوعظيّ حالما انتقل من المجال الثقافيّ الغربيّ إلى المجال الثقافيّ العربيّ. ولكنّ الإشكال الذي واجهته الشذرات هو أنّ حضور الخطاب الوعظيّ ليس حضوراً صريحاً معلناً. وإنّما هو حضور رمزيّ مستتر في ثنايا مفهوم سوء النيّة. وتخفّي الخطاب الوعظيّ وراء الرمز عسّر مهمّة الشذرات العربيّة المعاصرة في فحص واقعها. ووضَعها أمام تحدّ خطير لا مناص لها من مواجهته: أن تخلّص مفهوم سوء النيّة من تاريخه الوعظيّ الطويل وأن تمنحه طاقة بديلة ليحيا حياة جديدة خارج إطار الكتب الصفراء، أن تجريه، بعد ذلك، آليّة لفحص الواقع وسؤاله عن الخسران، من جهة، وأن تحافظ على صلته الدلاليّة الكاملة بمفهوم La mauvaise foi، من جهة ثانية.

الإشكال القائم بين الخطابين الوعظيّ والفلسفيّ معقّد. فبينهما اختلافات تتصل بالرّؤية للكون والموقف من العالم. وأخرى تتمثّل في تقنيات الخطاب وآليّات إنتاج المعنى. فالخطاب الوعظيّ لا يكون إلاّ حين تكون العلاقة القائمة بين طرفيه عموديّة تفترض منتجا للخطاب مالكا للحقيقة ومتقبّلا له يفقدها. وامتلاك الحقيقة ادّعاء سرعان ما ينمو، فيغدو سلطة يستثمرها المتكلّم الواعظ لاستدراج المتلقّي للوقوع في دائرة استلاب خطاب الوعد والتأجيل.

الخطاب الوعظيّ خطاب تأجيليّ يهمّش الحاضر ولا يهتمّ بالامتلاء بالآن، بقدرما يُعمل أدواته للإيهام بتملّك الآتي. وغايته ترويض الذات النزقة وتمييع نزعات التحرّر والعدالة والمساواة في الإنسان ودفعها إلى الإيمان بمقرّرات القدر أ إلهيّا كان أم بشريّا، ثمّ الامتثال لها. فهو خطاب يعمل على تثبيت فكرة التأجيل في الذهن البشريّ؛ تأجيل الامتلاء بالوجود وتأجيل المتعة. وهو خطاب متمرّس بترويض الذات البشريّة الجامحة بطبعها. هذا التمرّس بالترويض هو الذي أكسبه الخبرة اللاّزمة لإنتاج بدائله اللغويّة التي سيعمل على زرعها في خطاب المتلقّي وفي فكره، وحتى في حلمه. فكان من أخطر ما أنتجه هذا الخطاب من آليّات معجمُ عباراته، من ذلك عبارات الثواب والجزاء والشيطان والفردوس والجحيم وسوء النيّة...إلخ

وممّا أكسب الخطاب الوعظيّ سطوته وأمدّه بحياته الطويلة هذه، استنادُه الكامل والفاضح على السلطة، سلطة الدين أو سلطة الدولة أو سلطة رأس المال أو سلطة الكِبر أو سلطة الأبوّة أو سلطة الأعراف أو سلطة المنزلة الاجتماعيّة...إلخ فلهذا الخطاب، إذن، سلطات وأعوان وتاريخ. ومواجهة هذا الخطاب المتمركز في الثقافة العربيّة وفي ذهن المتلقّي العربيّ، تبدو مسألة غيرَ محسوبة وغير مضمونة النتائج بلغة السياسة التي تتّدعي الحيطة والحذر فيما هي تتستّر على جبنها. ولقد اختزل أدونيس دور الفكر العربيّ المعاصر في أنّه مجرّد تأويل للنصّ الدينيّ، وهو نصّ مكتمل لا يحتاج إلى غيره. يقول: "المعرفة العربيّة السائدة تراكم تأويليّ للنصّ الدينيّ أو شبه الدينيّ. وهذا النصّ كافٍ بذاته، كما يعلّمنا التقليد، وتعلّمنا ثقافة الجواب: كافٍ لكلّ شيء، وكافٍ لكلّ معرفة"(28) بمعنى أنّه لا يحتاج إلى غيره. وكلّ خطاب يدور في فلكه يحمل بذور وهنه في ذاته.

خصائص الخطاب الوعظيّ هذه تجعل من مواجهته من قبل الشذرات مغامرة. وهي بوصفها كذلك ذات وجهين: وجهٍ مرعب مخيف لأنّ الفلسفة تواجه ماردا قويّا له سطوة مستندة إلى سلطة، ممّا قد يجعلها مواجهة خاسرة خسرانا كاسحا، ووجهٍ مشوّق لأنّ الانتصار لا يكون مدوّيا إلاّ متى كان انتصارا مفاجئا، انتصارا على خصم قويّ مزدهٍ بقوّته. والمغامرة التي ركبتها الشذرات تصاغ في السؤال الإشكاليّ التالي: ما السبيل إلى تخليص مفهوم سوء النيّة من جبّة الخطاب الوعظيّ وكسائه ببدلة الفلسفة، بدلةٍ دون ربطة عنق؟ بصيغة أخرى؛ كيف يتمّ تحويل مفهوم سوء النيّة من الدلالة على الغيب إلى الدلالة على الواقع؟

وأوّل ما أقدمت عليه الشذرات، منهجيّا، في سعيها الخطير لاستعادة حقّها في التفكير، كان التعريف بواسطة حدّ الحدود: " يتمثّل سوء النيّة في اللاّأصالة والانبتات."(29) صحراء، هي سوء النيّة، حيث يهلك الزرع والضرع. التعريف شحن سوء النيّة بزيّ دلاليّ لم يكن في حقلها، عرّفها به؛ زيّ اللاّأصالة والانبتات. وهما لفظتان حمّالتان لدلالات تتصل بتغريبة الإنسان المعاصر لا بالميتافيزيقا. لكنّ اللاّأصالة والانبتات لا يمثّلان البعدين الأخطر لسوء النيّة. وإنّما هما عتبتها الأولى. فسوء النيّة لا تجرّد الإنسان من أصالته وتقتلعه من جذوره، فحسب. بل "هي نفي لجوهر الإنسان وإلغاء لدوره الوجوديّ وتحويله إلى عدم."(30) فهي، بهذا المعنى، نقيض الحريّة، بل نقيض الحياة أصلاً.. عبوديّة، هي، متستّرة خلف الوعد الوعظيّ.. عدم.

وتمضي الشذرات في التعريف فتضيف إلى التعريف بالحدّ التعريف بالتشبيه: "سوء النيّة ظاهرة تشبه اللاّوعي"(31). فتمعن في إبعاد المفهوم عن دلالته الوعظيّة الأولى لتسحبه إلى حقل دلاليّ مغاير تماما، فضاء له بالفلسفة روابط ووشائج، فضاء اللاّوعي وعلم النفس التحليليّ الذي نادى، بدوره، نصفَه علم الاجتماع. وانتصر به على ميتافيزيقا الوعظ. فانضافت إلى سوء النيّة دلالة جديدة تخدم مشروع فِطامها عن أمومة الخطاب الوعظيّ: "وهي ظاهرة مَرَضيّة يفقد فيها العربيّ الحماسة على المبادرة والفعل"(32). إنّها العجز عن الفعل.. استقالة الكائن الكاملة عن أدواره الوجوديّة.

وتعمل الفلسفة، وهي تحُدّ المفهوم، على إزالة الالتباس الذي قد يحصل بين سوء النيّة وبين غيره من المفاهيم والعبارات، وخاصة مفهوم الكذب. فتوضّح أنّ "سوء النيّة غير بعيد عن الكذب (...) ولكنّنا لا نعني بالكذب مراوغة الآخر أو التزييف في المطلق بل نعني به الكذب على الذات."(33) وكيف يمكن للمرء أن يكذب على ذاته؟ وكيف له أن يصدّق، بينه وبين نفسه، كذبَه على الآخرين؟ سوء النيّة هذا تشظٍّ.. انشطار.

ولكن تبقى فلسفة لزوميّة العود محتاجة إلى العبور من سطح اللغة إلى أعماقها لبيان الفرق بين سوء النيّة وبين الكذب. فتستدعي علم النفس التحليليّ مرّة أخرى. وتصوغ ما وصلت إليه على النحو التالي: "يمتلك سوء النيّة ظاهريّا نفس البنية التي للكذب ولكن في العمق يوجد اختلاف بينهما. فالإنسان عندما يكون ضحيّة سوء النيّة يخفي عن نفسه الحقيقة وليس عن شخص آخر"(34). تخلّص سوء النيّة، إذن، من الدلالة على العلاقة بين الإنسان والمطلق ليتلقّى نوعا من التحويل يصبح بموجبه واصفا العلاقة بين المرء وذاته.

ففي العلاقة الأولى يمارس المطلق على الذات سلطة كاشفة فاضحة. فالنيّة السيّئة التي يعمد المرء إلى إخفائها عن الآخر، يؤكّد الخطاب الوعظيّ أنّ المرء لا يستطيع إخفاءها عن نفسه لأنّ المطلق مطّلع عليها لا محالة. فسيّء النيّة، بهذا التحليل، كاذب أمام الآخر مكشوف أمام المطلق خجل أمام نفسه. أمّا في العلاقة الثانية، فإنّ سيّئ النيّة لا يخجل أمام نفسه لأنّه، بكلّ بساطة، يوهم نفسه بأنّه لا يكذب على الآخر ولا على نفسه. وإنّما ما وقع هو ما يجب أن يكون: الهزيمة والخسران العربيّ.

لقد لعب التعريف أشدّ أدواره خطورة، في هذا الكتاب. فقد خرج عن ضوابط القاموس وإكراهاته. وعمل على ردم الهوّة الفاصلة بين معاني الكلمات. وجعل لسوء النيّة جسورا حرّرته من سلطة المعجم وأمدّته بطاقة دلاليّة جديدة منها يستمدّ حياة مغايرة يرتدي فيها لبوس الفكر الفلسفيّ. كالشعر الأصيل، الشذرات الأصيلة تنهمّ باللغة وعيا بأنّ الكلمات كائناتٌ حيّة تفرح وتحيا، تحزن وتموت. ولكنّ في الكلمات شيئا من الأساطير يُمِدُّها بقدرة على أن تحيا من جديد. فالاستهلاك المفرط جرّاء الاستعمال والعادة وسطوة المعنى القاموسيّ يطفئ بريق الكلمات. والشعر والفلسفة الأصيلان، وحدهما، يُمِدّانها بحياة جديدة.

من التعريف، تمرّ الشذرات إلى التشخيص. فتعمل على رصد أعراض Symptômes سوء النيّة. فتنكشف لنا أمور مدوّخة؛ ﻓسوء النيّة لم يكتف بالنزول من السماء إلى الأرض، بل إنّه اختار الزَّيْغ والمواربة شكلا للحضور في العالم. فهو يندسّ في اليوميّ والعابر والمألوف والممجوج، في الأحاسيس الباردة وفي المقهى وفي العهر وفي مشية المخنّث، يقيم حيث لا يمكن أن يُتفطّن إليه. إنّ سوء النيّة " تتجلّى في الخوف المرضيّ والأحلام وزلاّت الّلسان والتمثّلات الغامضة. وتظهر في الأحاسيس الباردة لدى النساء فاترات العاطفة وفي سلوك نادل المقهى والرجل المخنّث الذي يعاني من العهر في الفكر والسلوك والمرأة الّلعوب التي تتمنّع وهي الرّاغبة."(35).

بل إنّ المَواطن التي يطلع فيها سوء النيّة من التخفّي إلى التجلّي ليست سوى تخفّ أشدّ خفاء، حيث: "يبرز سوء النيّة على سطح العلاقات تحت تأثير الخوف والجبن والجهل والضياع والتشكّي والتسوّل."(36) فما كنّا نعتقد أنّه انفعالات (الخوف والجبن) وسلوكات (التشكّي والتسوّل) وقيم (الجهل والضياع) كشفت لنا الفلسفة حقيقته؛ إنّه سوء النيّة عينه. وينتهي التشخيص إلى وصف الحالة. وقد قضى التشخيص بأنّ "العرب، اليوم، واقعون لا محالة في سوء النيّة"(37)، سوء النيّة بكلّ الدلالات التي شحنتها بها الفلسفة.

كذا اشتغلت الفلسفة الأصيلة في هذا الكتاب؛ لقد اقتحمت على الخطاب الوعظيّ معاقله الحصينة. واستلّت منه سرّ قوّته الذي يسخّره لإنتاج الوهم وتكريس الاستلاب وتغييب الكائن عن واقعه وعن وجوده: مفاهيمَه. ثمّ غسلتها ممّا علق بها من تراث دلاليّ وعظيّ. ثمّ شحنتها بدلالات جديدة سمحت لها بأن تتحوّل إلى أدوات فاعلة لتشخيص الواقع تشخيصا أدّى إلى وصف موجِع للآن والهُنا.

إنّ الفلسفة الأصيلة، كالشعر الأصيل، تشخّص ولكنّ تشخيصها أشدُّ إيلاما وأقلّ مجاملة في قول الحقيقة. إنّ الشذرات في مجالها الثقافيّ الحيويّ تتحرّك، نعني المجال العربيّ. وبه تهتمّ. و بأدواته تعمل. وعلى غيرها من المجالات الثقافيّة تنفتح، فتتمثّل فكرَ الآخر وقيمه ولا تستنسخهما ولا تستوردهما، أيضا، استيراد المنبهر المولع بالتقليد، كما عبّر ابن خلدون. وإنّما تعمل على التواصل والتنامي في التغاير مع الآخر. لقد أكّدت الشذرات ما كان أدونيس قد حدس به من أنّه "لا يمكن أن نبدأ بتأسيس فكر عربيّ جديد ونقد جديد إلاّ إذا بدأنا بنقد البنية الفكريّة الدينيّة. فتجديد عالمنا لا يتمّ إلاّ بإعادة اكتشاف الأصول التي بُني عليها، لكن في أفق هذا النقد"(38).

الشـذرات ونـقد الفـلسفة:
لا يمكن أن تكون الفلسفة خطابا موضوعيّا إلاّ متى نقدت ذاتها وراجعت مسلّماتها ونظرت في واقعها وفي مطبّاتها وفي موقفها من تاريخها ومن إنجازاتها. ﻓ "إن كانت الفلسفة أطروحات ومقاربات ومذاهب وأنساق، وكان البحث عن الحقيقة وحبّ الحكمة وتشريع القيمة وإضفاء المعنى هو ما يجمع بينها، فإنّ تاريخها نفسه يمكن أن يغدو عديم الأهميّة وبلا جدوى ما لم نعزم مرّة واحدة على اليقظة عمّا في الوجود من التباسات وإشكاليّات"(39). ولبناء فكرة الموضوعيّة تراهن الشذرات على التساؤل المستمرّ عن منزلة الفلسفة اليوم في ظلّ انحسار هجمة الإيديولوجيّات على الإنسان واشتداد هجمة رأس المال عليه. فيعلو الصوت بهذا السؤال: "هل الفلسفة تحطّمت في الإيديوليجيّات والوهم وطمست معالمها من الإفراط في استعمالها أم أنّها ما زالت غضّة طريّة لم تتحقّق في الواقع؟(40) هذا السؤال، رغم براءة طرحه، يشير إلى الوعي بأزمة الفلسفة.

ولكنّه يظلّ سؤالا غيرَ ذي جدوى إلاّ متى فحصت الفلسفة ذاتها وحدّدت مصدر علّتها بدقّة. وهو، بالضبط، ما فعلته الشذرات التي عبرت من ماكياج السطح الظاهر ومراهمه إلى البحث فيما تسمّيه "مرض الروح الفلسفيّة" بقولها: "إنّ مرض الروح الفلسفيّة اليوم هو انتشار الريبيّة الاسميّة والنسبيّة على صعيد المعرفة واعتماد اللاّأدريّة والذاتويّة على صعيد الوجود وتبنّي العدميّة والتقويضيّة على صعيد القيم"(41). إنّ تشخيص الشذرات لا يبسّط الإشكاليّة بقدرما يضاعف غموضها وتعقيدها. فما الروح؟ وما الروح الفلسفيّة؟ وكيف تمرض؟ وبِم؟ ومن طبيبها؟ وما علاجها؟

لكنّ ما حدّدته فلسفة العود يتجاوز تشخيص مصدر المرض إلى إعلان حالة اليأس إذ "تبدو الفلسفة يائسة من نفسها فوق مسطّح بائس في زمن رديء مع أناس غير مكترثين"(42). فهل اليأس أحد أعراض مرض الروح الفلسفيّة أم هو أحد مسبّبات هذا المرض؟ هل اليأس عارض أم سبب؟ كيف يُقطع السبب؟ وما علاج المرض؟ السؤال، إذن، منهجيّ ؟ حالة اليأس الفلسفيّة، هذه، تنذر بخطر مهول محدق بالوجود نتيجة تراجع دور الفلسفة أو لنقل نتيجة طردها من الصفوف الفكريّة الأماميّة وإحالتها على المعاش المبكّر وهي في قمّة عطائها، مثلما فعل نجيب محفوظ بشخصيّة عيسى بطل رواية "السمّان والخريف". فكيف تستعيد الفلسفة لهبها الحارق؟

لا خيار أمامنا إلاّ " تمكين الفلسفة من أن ترتدّ إلى اسمها"(43) لإنقاذ القيم وتجديد الوجود ومقاومة فخّ العولمة المتواري خلف وجهها الإعلاميّ المزيّن. إنّ للفلسفة بخمرة أبي نواس شبها كبيرا؛ فهي الدّاء ودواء الدّاء. إنّها "تعالج الرّوح والجسد في الآن نفسه"(44) حتى وإن كان مذاقها، أحيانا، بطعم العلقم.

سؤال الموضوعيّة، نفسه، يدفع الشذرات إلى مساءلة الفيلسوف منتجِ الفلسفة موضوعِ السؤال. فالفلسفة في حاجة دائما إلى الفيلسوف الحقيقيّ الأصيل الذي يمكن أن ينهض بمشروع التفكير الفلسفيّ باقتدار بعد أن يكون قد سدّ باب المزايدة والتفاوض، وهو باب منه يدخل الإغراء والإغواء اللذان يحوّلان الفيلسوف إلى مقاول يزيّن الكذب ويبيع الوهم في زيّ المعرفة وهو يشدّ عقدة ربطة عنقه.

ولذلك، يبدو أنّه"من الضروريّ التمييز بين الدجالين والفلاسفة الحقيقيّين"(45). وإلاّ "كيف نفسّر احتماء الفلاسفة بالكهف الأفلاطونيّ وتبنّيهم خيار الصمت عند كلّ محنة"(46) إذا لم يكن بينهم دجّالون ومدّعون ومتشبّهون ومقاولون تجّارُ فكر؟ تبعا لذلك، "لا أهميّة للفيلسوف في المجتمع إلاّ باتخاذه موقفا وتدخّله في الشأن العام"(47). هذا ما تخلص إليه الشذرات وهي تنقد الفلسفة ومنتجها. إنّها خلاصة تنسجم بالكامل مع مسلّمات فلسفة العود ومنطلقاتها التي قاربت بها واقعها؛ واقع الحياة في سوء النيّة: المشاركة في حمل الهمّ اليوميّ، الفعل في الواقع والنزول إلى السّاحة.

الشـذرات والفـحص المـيدانيّ:
فلسفة العود فلسفة يضنيها وعيها وهي تقرأ ما يجري حولها فترى استقالة أعوان الثقافة. لذلك، تتحمّل عبء تغطية غياب دور الصحافة الأصيل. فتضطرّ إلى تقمّص هذا الدور بل ودور الجمهور، أيضا، وهي تعاين ما يحدث في المهرجانات. فنقرأ الافتراض التالي بلغة صحفيّة: " لنأخذ فردا من هذا الحشد ونسأله لماذا تذهب إلى المهرجان؟ وما هو مفهومك للفنّ؟ فإنّه سيجيبك على الفور بأنّه يبحث عن اللذّة والمتعة ولتسلية نفسه والنجوى واللعب والتفريج للهروب قليلا من العادة وضغط الوقت"(48). لكنّ الافتراض لا يكفي الفلسفة الأصيلة لضمان التشخيص السليم لواقع الفنّ. ولذلك تنزل فلسفة العود إلى الميدان طامعة في الوصول إلى تحقيق منجزات في حجم منجزات علم الاجتماع والأنثروبولوجيا وغيرهما من العلوم الميدانيّة التي أثرت ثقافة الإنسان وعمّقت معرفته بذاته.

ولذلك، تدخل الفلسفة إلى المهرجان مع الحشود. وتقف في مواجهة الرّكح متطلّعة إلى فتنة الإبداع. تتّخذ موقعا لها بين الحشد. وتتلبّس بإحدى شخصيّات الحكاية. وتشرع في سردها كما شهدتها من الداخل. وكدأبها، دائما، لا تشعر الفلسفة بالضير إذا انفتحت على غيرها من الخطابات لتستعير منها ما يساعدها على التفكيك والتأويل، فكان رافدها السرد الروائيّ، هذه المرّة. نقرأ: " لقد نهض الحشد إلى قاعة المهرجان أو فضائه وكان المشهد مؤثرا والمنظر رائعا: ملامسة ومعانقة واهتزاز ثمّ تناء وانسحاب"(49). نوّعت الفلسفة من أدواتها واستجابت للمقام. فكان السرد والوصف الآليّتين اللتين وجّهتهما الفلسفة إلى واقع الفنّ في المشهد الثقافيّ العربيّ المعاصر لمعاينته معاينةً ميدانيّة.

لا يبدو الراوي محايدا في السرد الفلسفيّ للحكاية. لقد رصد المتناقضات في اللحظة التي تراءت فيها دون أن تُرى.. رصد على التوالي: الملامسة والمعانقة والتنائي والانسحاب. كلّها حركات مسندة إلى الحشد في علاقته بالفنّ. أفعال أربعة يفضي التأمّل فيها إلى استخلاص تطابقها مع الفعل الجنسيّ تطابقا تامّا. والفعل الجنسيّ هو ما يشدّ الإنسان إلى الغريزة والبهيميّة. الفعل الجنسيّ لا يعني الحبّ لأنّ الحبّ عاطفة بشريّة بها يسمو الإنسان عن بقيّة الكائنات. وبها أيضا يقاوم العدم المتربّص بالوجود. كذلك، هي علاقة الحشد بالفنّ الذي يقدّم على الرّكح أمام الفيلسوف، علاقة تتلخّص في الغريزة.

لكنّ معاينة راوي السرد الفلسفيّ توغلت في رصد المشهد. فشرع الراوي في التقاط صور مرعبة لصيقة بعصر كنّا نعتقد أنّه مضى و ابتعد، عصر المسخ الذي حدّث عنه شاعر الرّومان العظيم أوفيد. في هذه الصّور تشظّت الحشود واختزلت في أعضاء من الرأس منفصلة عن بقيّة الأعضاء لا يشدّها إليها شيء: "وجوه ناظرة تشدّها رقاب منتصبة بشكل عموديّ تتوسّطها عيون محملقة"(50). ولا أسماء ولا أجساد ولا شيء يعيّن الكائن البشريّ ويشدّه إلى جنسه. لقد تاهت الهويّات والملامح البشريّة. إنّه العدم المرعب يطبق على الوجود لحظة الغفلة والاحتفال. فيحوّل الحياة مسخا مشوّها والحشد غافلون.

تختلط فلسفة العود مع الحشد. وتشاركهم الاحتفال. ولعلّها تغنّي معهم وتمرح. ولكنّها، في خضمّ ذلك كلّه، لا تنسى دورها الذي من أجله قامت ونهضت: الفضح والتشهير بما يرتكب الإنسان من جريمة فيما لا يملك السلطة عليه ولا الحقّ في إفساده؛ الوجود. فتمارس فلسفة العود دورها وتعلن إدانتها لأفظع جريمة اقترفها الإنسان "المعاصر": انتهاك أعظم إنجازات الإنسانيّة، انتهاك الفنّ.

لكنّ فلسفة العود تكشف ما هو أشدّ فظاعة. فالانتهاك الذي أصاب الفنّ لم يمرّ دون خسائر. فلقد أصاب الإنسانَ، أيضا، ﻓ "لا يتكوّن الحشد من الناس الذين يحكمهم الرأي العامّ أو الحسّ المشترك بل من مجموعة السلاسل البشريّة المتشابهة كميّا وكيفيّا والمنعزلة عن بعضها البعض والمنطوية على ذاتها"(51). حينها، يدوّي صوت الفلسفة بالصراخ عاليا:"أين هو الإنسان؟(52).

كـلمات للخـاتمة:
إنّي أسمّي هذه القراءة للشذرات قراءة تفاعليّة حاولت رصد بعض القوانين التي عليها جريان الكتابة الفلسفيّة في شذرات زهير الخويلدي الفلسفيّة. وقد كشفت لنا هذه القراءة أنّ الإبداع أوسع من أن يحدّ بجنس أدبيّ أو بفنّ من الفنون. وإنّما الإبداع صفة ملازمة للفعل الإنسانيّ مهما كان نوعه ومجاله. وخطاب الشذرات الفلسفيّ ينضاف إلى قائمة أفعال الإنسان الإبداعيّة لأنّه خطاب لصيق بالإنسان، يجدّد أسئلته ويراقب قيمه ولا يتركه فريسة للخواء واللاّمعنى.

في هذه الشذرات يلتقي الفلاسفة ويتحاورون. وتتنادى النصوص وتتجادل. وتتعانق العلوم. وتتضافر جميعا بحثا عن المعنى. كتاب لزوميّة العود على بدء منهمّ بشرف الاسم، اسم الفلسفة. وهو جدير بحمله. ولا أعتبر نفسي كتبت عن كتاب زهير الخويلدي. بل إنّ الكتاب هو الذي كتبني. أو بعبارة أدقّ؛ لقد كتبتُني عبر قراءة هذا الكتاب. إنّه كتاب يكتب قارئه!! فعليه وعلى صاحبه السّلام.

 

نشرت هذه القراءة في مجلّة "كتابات معاصرة"، العدد 70، بيروت، فيفري 2009.

 

mustapha.kalii@yahoo.fr

 

الهوامش:

(1) زهير الخويلدي: لزوميّة العود على بدء أو استراتيجيّات فلسفيّة، على نفقة المؤلّف، تونس، 2007، ط1.

(2) أبو القاسم الشابي، ديوان أغاني الحياة، تقديم وتعليق: عبد الحميد الشابي، منشورات وزارة الثقافة، تونس، د.ت، ص 77.

(3) لزوميّة العود على بدء، نفسه، ص 259.

(4) نفسه، ص 260.

(5) نفسه.

(6) اشتقاقا من لفظ: البضاعة.

(7) لزوميّة العود على بدء، نفسه.

(8) نفسه، ص 11.

(9) نفسه، ص 81.

(10) نفسه، ص 07، و الفصل عنوانه: صدمة الفكر في حضارة اقرأ زمن العولمة.

(11) المعجم الوسيط، في جزأين، مجمع اللغة العربيّة: الإدارة العامّة للمعجمات وإحياء التراث، المكتبة الإسلاميّة للطباعة والنشر والتوزيع، استانبول، تركيا، د.ت، الجزء الأوّل، ص 181.

(12) لزوميّة العود على بدء، نفسه، ص 270.

(13) نفسه، ص 267.

(14) نفسه، ص 260.

(15) J. Paul Sartre: l'Etre et le Néant, Ed: Gallimard, France, 1984.

(16) لزوميّة العود على بدء، نفسه، ص 139.

(17) نفسه، ص 260.

(18) خالدة سعيد: البحث عن الجذور: فصول في نقد الشعر الحديث، دار مجلّة شعر، بيروت، 1960، المدخل.

(19) لزوميّة العود على بدء، نفسه، ص 271.

(20) نفسه.

(21) نفسه، ص 278.

(22) نفسه.

(23) نفسه، ص 277.

(24) نفسه، ص 279.

(25) نفسه.

(26) نفسه، ص 271.

(27) نفسه، ص 11.

(28) أدونيس: كلام البدايات، دار الآداب، بيروت، ط1، 1989، ص 191.

(29) لزوميّة العود على بدء، نفسه، ص 263.

(30) نفسه، ص 272.

(31) نفسه، ص 267.

(32) نفسه، ص 272.

(33) نفسه، ص 265.

(34) نفسه، ص 266.

(35) نفسه، ص 267.

(36) نفسه، ص 269.

(37) نفسه، ص 272.

(38) أدونيس: كلام البدايات، نفسه، ص 191.

(39) لزوميّة العود على بدء، نفسه، ص 177.

(40) نفسه، ص 237.

(41) نفسه، ص 235.

(42) نفسه.

(43) نفسه.

(44) نفسه، ص 239.

(45) نفسه، ص 235.

(46) نفسه، ص 237.

(47) نفسه، ص 245.

(48) نفسه، ص 59.

(49) نفسه، ص 58.

(50) نفسه.

(51) نفسه، ص 59.

(52) نفسه، ص 58.