يقدم الباحث الجزائري هنا واحدة من أهم اللواتي يساهمن في إثراء النظرية النقدية المعاصرة، لا يعرف عنها القارئ العربي الكثير، ويشرح للقارئ العربي مسيرتها الفكرية وجنيولوجيا الأفكار الأساسية التي تبني علها مشروعها الجديد في التعددية الثقافية المنفتحة على المواطنة الإنسانية وردها على الشوفينيات الإثنية والقومية.

استراتيجيات التعددية الثقافية

دراسة في النظرية النقدية لسيلا بن حبيب

نبيل محمد صغير

مقدمة:
إنّ موضعة خطاب النظرية النقدية لدى سيلا بن حبيب "Seyla Benhabib" ضمن مدرسة فرانكفورت النقدية - التي تعد بن حبيب من أهم شخصيات الجيل الثالث لمدرستها، يعد مهمة صعبة لأنّها تعتمد لملمة نصوصها وتحليلها في إطار المدرسة من جهة، ومن جهة أخرى يتوجب فهم الميكانزمات التي تقبع خلف تكوينات المدرسة وفرز ما أثّر منها على فكر بن حبيب. وعليه سيسعى البحث إلى رصد مكامن ومظاهر الجمع بين مفهوم التنظير والممارسة النقدية في مجال الفلسفة والسياسية لديها. ولهذا ارتأيا أن نركز على مجموعة من الموضوعات التي تعطي بجمعها صورة تعريفية ووصفية لفكر سيلا بن حبيب ومنها: إشكالية التعددية الثقافية في السياسة العالمية، وما تخلقه من تأثيرات على الثقافات المختلفة نفسها، وكيف أن بن حبيب حاولت أن تعطي أكثر من دلالة لمفهوم التعدد هذا. وبناءً عليه تقدّم اقتراحات لتشكيل منظومة حلول للمشاكل التي تخلقها التباينات والاختلافات. كما ويجب الالتفات إلى أهمية المشروع الذي قدمته حول المواطنة العالمية، والديمقراطية التعددية التشاورية الذي يعد الأداة الفعلية للتأصيل النظري والممارساتي لفكرة الدولة العالمية التي اقترحها هابرماس من قبل.

التعريف بسيلا بن حبيب:
ولدت الناقـدة والمنظرة السياسية العالمية "سيلا بن حبيب" في اسطنبـول، بتركيا، سنة 1950، وقد تعلمت اللغة الانكليزية وأتقنتها في المـدارس الابتدائية بموطنها، ثم تحصلت على شهادة اللسانس من الكليّـة الأمريكية للبنات باسطنبول، عن دراسة لها، قامت من خلالـها، بتتبع تاريخ عائلتها منذ سنة 1492م، مشيرة في تلك الدراسة إلى تاريخ مدينتها اسطنبول. كما عالجت قضية طرد اليهود وبعض الأقليات الأخرى- ومن بينهم أفراد من عائلتها- المقيمين في اسبانيا، الذي أسمته "الاحتلال الثاني".(second reconquista)(1)

سافرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1970، لاستكمـال دراساتها العليا في جامعة "براندايز" (Brandeis)، حيث تحصلت على شهـادة الماجستير سنة 1972، وواصلت إعدادها لشهادة الدكتـوراه ضمن تخصص العلوم السياسية الدولية في جامعة "ييـل" (Yale)،وقد ناقشتها بالجامعة نفسها سنـة 1977. قبل مناقشتها لشهادة الدكتوراه كان لها العديد من التربّصـات والدراسات التي قامت بها في جامعات أمريكية، مثل: كلية الفلسفة بجامعة "بوسطن" (Boston)، وجامعة "ستوني بروك"(Stony Brook SUNY) الواقعة في مدينة نيويورك والمتخصصة في الأبحاث الاجتماعية والثقافية، كما درست في معهد إدارة الشؤون السياسية في الحكم، في جامعة "هارفرد" (Harverd). تحصلت في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات على منحة دراسيّة في ألمانيا، وبالتحـديد في جامعة "فراكفورت"، حيث كانت من أهم طلبة "يورغن هابرماس"(Jurgen Hambermas)، الذي تأثرت به، فشكلت خلفية فلسفيـة ومعرفية لا تبتعد كثيرا عن خلفيته، وعن الأهداف التي كانت تصبو إليها هذه المدرسة التي أحدثت نقلة نوعية في ألمانيا بين أوساط الشباب المتحمسين إلى تغيير الذهنية المعيار للمجتمع نحو التفتح البناء، ومن ثم، يمكننا تصنيف هذه المفكرة والناقدة السياسية ضمن الجيل الثالث لمدرسة فرانكفورت الاجتماعيـة النقديـة. وتشغل حاليا منصب عضو في المجلس الاستشاري لأخلاقيات التحرير، وقضايا الشؤون الدولية، كما تشغل، أيضا، منصب عضو في الأكاديمية الأمريكية للفنون الدولية منذ سنة 1995، وهي، كذلك، أستاذة الفلسفة السياسيـة في جامعة "ييـل" إلى حد اليوم.(2)

الخلفيات المعرفية لسيلا بن حبيب:
 إنّه لمن الأهمية التطرق إلى الخلفيات المعرفية والفلسفية لسيلا بن حبيب باعتبارها تحكم فكرها وتسيّره في بعض القضايا وجهة معينة لا تختلف كثيرا عن الخلفية الأصل أو الأساس، فلا يمكن أن نتطرق إلى القضايا السياسية والفلسفية التي عالجتها دون العودة والولوج إلى الجذور الفكرية التي سارت وفقها تارة، وناقشتها ونقدتها تارة أخرى، باعتبار هذه الجذور المتعددة تشكل النواة التي تبلورت فيها عدّة رؤى متصارعة في كثير من القيم والمبادئ والاستراتجيات الأساسية عند هذه المفكرة. إنّ الملاحظ والمدقق لنصوص سيلا بن حبيب باختلاف المواضيع والأفكار التي تناولتها، قديمة كانت أم معاصرة، يخلص إلى أنّ هناك تيارات تتصارع داخل هذه النصوص ذاتها من أجل الهيمنة والغلبـة. ولعل أهم التيارات الفكرية التي تظهر بوضوح هي: التيار الفكري لمدرسة فرانكفورت على اختلاف وتعدد منطلقات وآليات الأجيال الثلاثة التي توالت على هذه المدرسة، كما تظهر، كذلك، بعض الأراء الفكرية للفلاسفة الألمان أمثال: "ايمانويل كانط" (Emmanuel Kant)، وهيجل (George Hegel)، و"إدموند هوسرل". (Edmund Husserl) إلا أنّنا سنقتصر فقط على الأجيال الثلاث لمدرسة فرانكفورت، لضيق المقام والالتزام السياقي للكتاب.

تأثير مدرسة فرانكفورت:
مع رجالات الجيل الأول للمدرسة افادت سيلا بن حبيب كثيرا من طروحات كل من ماكس هوركهايمير (Max Horkheimer) 1973/1895، وزميله ثيودور أدورنو (1903 – 1969) Theodor Adorno  خصوصا من خلال كتابهما (جدل التنوير)، الذي تناول عدة إشكاليات تتمحور في الأساس حول قضية العقل الأداتي والحداثة الغربية، كما اهتموا بنقد هذه الحداثة عبر أهم الأسس والمرتكزات التي قامت عليها، كالعقل، والحريـة، والعدالة، واحترام كرامة الإنسان وحقوقه، وفكرة التقدم الإنساني، وهذا قصد التخلص من الظلم الذي ظل يعاني منه الإنسان، ومن مختلف أشكال السيطرة"(3)، فقد تطرقت هي أيضا في عدة دراسـات لها إلى أهمية وضرورة التخلي على العقلية الأداتية التي تحاول أن تسيطر على الإنسان وطبيعتـه، وأكدت على أهمية النقـد في حياة وفكر الإنسان والمجتمعات، وحتى في الأدب.(4)

لكن سيلا بن حبيب تختلف مع كل من أدورنو وهوركهايمر في نقطة مهمة ومركزية، تتعلق بالعادات الثقافية وبالمعتقدات الجماعية، كالسحر والخرافة، فهم يرونها مجرد حنين (nostalgie)  لماورائيات تسيطر على العقل الفردي والجماعي،(5) فيما تعتقد سيلا بن حبيب أن هذه المظاهر لا يمكن الاستغناء عنها في عيش الجماعة الإنسانية لأنّها تشكل هويتهم وذاتهم الجماعية،(6) ولهذا نجدها تنتقد مشروع التنوير في عدم قدرته محو هذه الخصوصيات الاجتماعية، ونجدها في أطروحتها تدافع عن اختلاف ثقافات الشعوب ووجوب احترام هذا الاختلاف والتساير معه، من قبل الحكومات.

كما ترتكز سيلا بن حبيب في نقدها لمشروع التنوير كذلك على نقطتين مهمتين، هما: مكانة الشخص وأهميته داخل المجتمع وأهمية المعتقدات باختلافها من منظور الثقافات الإنسانية. تقول سيلا بن حبيب في هذه الفكرة: "إن قيمة ومكانة الشخص المستقل بذاته والحر ونزع الطابع السحري(7) عن العالم أصبح من المستحيل الجمع بينهما في وحدة متكاملة، وإن وعود التنوير بتحرير الإنسان من جميع السلطات المتحكمة فيه والمهيمنة عليه لم يعد من الممكن تحقيقه في ظل العقلانية، ولاسيما أنّ هذه العقلانية أصبحت اليوم أداتية"(8)، فهي تؤكد على أنّ قيمة الإنسان لا تكون عن طريق ماهيته المستقلة، والمقصية لعاداته ومعتقداته، وإنّما تكون عبر الممازجة بينهما؛ الماهية الفردية والمعتقدات الاجتماعية، لأنّ العقل الأداتي عمل على تخليص الإنسان من هذه المعتقدات التي يراها معيقة لطريقة تفكير الإنسان، لكنّه لم ينجح في ذلك بسبب الارتباط الكبير الموجود بين الإنسان، كعضو في جماعة، وبين هذه المعتقدات الجماعية.

 كان كل من أدورنو هوركهايمر وبعض المفكرين الأوائل من مدرسة فرانكفورت يدعون إلى العقلية النقدية بدل العقلية الأداتية، وقد استفادت سيلا بن حبيب، كما سنرى لاحقا من هذه الدعوات، فطورت نظريتها التعددية المبنية على أساس العقلية النقدية السجالية. إضافة إلى استراتيجيات نقدية وسجالية طورتها سيلا عبر قراءتها لأعمال كل من مؤلفي كتاب جدل التنوير، فإنها استفادت كثيرا من تجربة "هربرت ماركوز" (Herbert Marcuse) (1898/1979) في نقده للوضعية الراهنة في أمريكا من انعدام الحرية، المفارق لما كان في القديم من أساليب تسلب حرية الإنسان، قاصدا بهذا النظام الرأسمالي في المجتمع الأمريكي، هذا النظام الذي وصفه بمجتمع التسامح القامع لكونه يسير وفق نظام شمولي من دون قهر خارجي ومن دون وجود شرطة، ومن دون قهر مفروض مرئي، ماعدا التكنولوجيا التي أضحت تصنع الإنسان، ربما أكثر مما يصنعها"(9)، باعتبارها من نتائج العقل الأداتي. فكل من ماركوز وسيلا يشتركان في الهدف الأساسي من العملية النقدية، وهو الوصل إلى تخليص الإنسان من هيمنة التكنولوجيا والوصول إلى مجتمع دولي تعددي، يتمتع الفرد في إطار جماعته بالحرية التامة. هذا من ناحية، كما استفادت، أيضا، من خبرته النضالية داخل التجمعات الطلابية في المناداة بضرورة التغيير النظام السياسي عبر التواصل بين الأكاديميين والمفكرين في إطار خبرة جمالية معينة.

مع الجيل الثاني: افادت بن حبيب بشدة من "يورغن هابرماس" (Jürgen Habermas)، ولاسيما في نزوعه الى ما أسماه "دولة عالمية" أو مواطنـة عالمية يكون فيها جميع البشر متساوين في الحقوق والواجبـات، وكذلك، استفادت من الديمقراطية التشـاورية التي هيئها لتكون الأنسب في حكم الدولـة العالميـة. تشترك كذلك سيلا بن حبيب مع هابرماس في تعريفه للحداثة على أنّها "لاترتبط بمرحلة تاريخية معينة، وإنما تحدُث كلما تجددت العلاقة بالقديم وتم الوعي بالمرحلة الجديدة"،(10) فسيلا تذهب نفس المذهب في تأكيدها المطلق على أن الحداثة لا تعني القطيعة الابستمولوجية عن كل ما هو ماضي، كالعادات والتقاليـد وإنما تؤكد على ضرورة التمسك بها وعدم الذوبان في ثقافة العولمـة التي تسيّرها الأغلبية الحاكمـة في العالم.(11)

تتوافق سيلا، إلى حد كبير، مع هابرماس في المقولات الثلاث للحداثـة التي انبنت عليها، وهي:

1- الذاتية: التي من خلالها "يمكن للانسان أن يفهم ذاته وتخليصها من الكثير من القوى الخارجة عن إرادته وبالتالي تصبح هي التي تصنع حقائقه"(12)  وقد كيّفت سيلا هذه المقولة مع المعطى الاجتماعي وأصبحت تدعو إلى ضرورة فهم الجماعة لذاتها من أجل التخلص من المعايير التي تحكمهم وتسيطر عليهم.

2- العقلنة: هي مؤسسة على الذات الإنسانية ذلك أنّ الذات تنظمها قوانين عقلية ومعقولة، بحيث إن بروز الإنسان كذات يتجلى في قدرته على مقاومته ضغوط العادة والخضوع فقط لحكم العقل "(13)  فسيلا تحاول دائما إخضاع الأنساق الثقافية الاجتماعية إلى حكم العقل.

3- العلموية: ومعناه أن العلم هو المصدر الوحيد والأوحد للمعرفة البشرية، وفي هذه النقطة تختلف سيلا مع هابرماس، فهي ترى أن هناك أشكالا أخرى من المعرفة يمكن لها أن تتحقق وتؤسّس عبر طرائق غير علمية، كالميتافيزيقيا أو الماورائيات والتأويلات العقلية.

كما افادت سيلا بن حبيب، كثيرا، من النقود التي قدمها كارل أوتو آبل (Karl Otto Appel) للمشروع التواصلي الهابرماسي خصوصا في فكرته الأساسية، وهي الخروج عن الذات والتركيز على مبدأ التواصل اللغوي وغير اللغوي، حيث عاب "آبل" الالتزام فقط بالتواصل على مستواه اللغوي، دون تقديم استراتيجيات أوضح وأنجع لهذا التواصل على المستوى العملي الممارساتي، وعدم قدرته على مجـاوزة السقف التأسيسي الذي وضعته مدرسة فرانكفورت، وبالخصوص هوركهايمر وأدورنو، كذلك، عجزه أن يقدم إيتـيقا أخلاقيات سلوكية تكون عنـوان علاقته مع الآخر ضمن نظريته التواصلية.(14)

تأثرت كذلك سيلا بن حبيب بكارل أوتو آبل في دعوته إلى أخلاق عالمية/ كونية، تسير وفقها الدول الرأسمالية الصناعية الكبرى، بدل تلك النزعة الأخلاقية النسبية/ الجهوية التي تعتمد على ما يسميه "آبل" بحجج العقل الموضوعي الذي رغم زعمه الالتزام بالموضوعية إلا أنّه قد يقع في الذاتية نتيجة النزعة البراغماتية التي تتحكم فيه بطريقة أو بأخرى. وقد استفادت كذلك منه في نظريتـه الخالصة الموسومـة "أخلاقية/ إيتيقا النقاش" التي تهدف إلى "إرساء مبادئ وقيم ومعاييـر جديدة على أسس عقلية، فما يضمن الكلية والموضوعية للقرارات هو إخضاعـها إلى الجدل والنقاش، ويفيد النقاش معنى التبرير والتعليل والحجاج".(15) فهي "إطار إجرائي يسمح بإخضاع كل المبادئ وكل الاختيارات إلى التحليل والتقييم قصد التأييد أو التفنيد حسب شروط الحجـاج المقنع عقليا في ظروف نقاش جدي بين الأطراف المعنية"،(16) فنظريتها السجالية/ الحجـاجية التي تصر على وجوب تطبيقـها للوصول إلى حلول للمشاكـل والخلافات الإنسانية قد استقتها من نظريـة كارل أوتو آبـل.

ولعل أهم نقد وجهته سيلا بن حبيب إلى كارل آوتو آبل هو عدم تأكيده على ضرورة تطبيق النتائج والمبادئ بعد الخروج بها من دائرة النقاش إلى الواقع العملي، فهي تتساءل عن فائدة وجدوى النقاش إن لم تكن هناك قوة من نوع خاص تساهم في تطبيق النتائج والسهـر على الحفاظ عليها.

كانت حنه أرندت (Hannah Arendet) حاضرة بقوة في كتابات سيلا بن حبيب، حيث خصصت لها كتابين(17) ناقشت فيهما قضايا فلسفية وسياسية مهمة في عصرنا الحالي، كتلك المبادئ والأقوال التي تطلقها عامة الناس، كقول: الغاية تبرر الوسيلة، وأن السياسية يجب أن تحكمها الغايات الفردية، فحاولت أرندت دحض هذه الأقوال الخاطئة من خلال القول بأنّ السياسة تفترض تعددا يضمن نزاهتها في الحكم بين الأفراد والأقليات، وتطرقت إلى المبادئ السياسية الصحيحة التي تضمن هذا التعدد كضرورة حفاظ المرء على جميع الحقوق والدفاع عنها وقد شبهت هذا الفعل بالكفاح من أجل الحرية.(18) فحنه أرندت في الحقيقة تدعو إلى فكر تعددي من أجل تأسيس دولة الحق التي تدعو إليها، وفي هذه النقطة بالذات كانت استفادة سيلا منها كبيرة، كما تجدر الإشارة أيضا أنّها ممن تبنى فكرة إنشاء دولة عالمية رفقة هابرماس، ولكن باستراتيجيات مغايرة له في بعض النواحي.

كما كان لرواد الجيل الثالث حضورا ملحوظا في بعض النقاط الأساسية في فكر سيلا بن حبيب نذكر"أكسل هونيث" وبالخصوص في فكرته الأساسية؛ مفهوم الاعتراف الذي يعد "المحور الأساسي في فلسفته الاجتماعية والأخلاقية التي استهدفت تأسيس مقاربة جديدة داخل التيار الفكري لمدرسة فرانكفورت"،(19) لأنّ سياسية الاعتراف تكتسي لدى سيلا أهمية كبيرة. تقول سيلا: "إنه بسب كون الناس يأتون من خلفية ثقافة ما، فإنّنا نحتاج إلى الاعتراف بأن ثقافتنا الخاصة ووجهة نظرنا تأثران دوما في مطلبنا بوجهة نظر أخلاقية"،(20) فهي أفضل سياسة في مواجهة الظلم والتمييز، بالإضافة إلى سياسة إعادة التوزيع(21)  على جميع المستويات التي تضمن تطبيق سياسة الاعتراف القائمة أساسا على إعـادة بناء شبكة العلاقـات الاجتماعية، قصد التخفيف من المعاناة والظلم الاجتماعي والسيـاسي واللامساواة بين الناس وكل أشكال الاحتقار والازدراء والأمراض الاجتماعية، وبالتالي تحقيق قيم العدالة وحقوق الإنسان والحرية في إطار الاعتراف المتبادل بين جميع الأفراد وجميع الثقافات المتباينة.(22)

إشكالية التعددية الثقافية في السياسة العالمية:
أثارت إشكالية التعددية الثقافية أو تنوع الثقافات اهتمام العديد من المفكرين والباحثين من مختلف المجالات والتخصصات، كعلم السياسية والانثروبولوجيا وعلم الاجتماع، بل حتى النقد الثقافي، بين مراوح لإيجابية هذه الظاهرة في المجتمع والعملية السياسية، وبين مراوح لسلبيتها وتأزيمها الأوضاع الإجتماعية. فهنالك كثير من الدلالات لمفهوم التعددية الثقافية: فمن منظور الأنثروبولوجيا يعني، ذلك الاختلاف النمطي في طريقة العيش بين الجماعات الإنسانية، أما مع علم السياسة، فيعطي المفهوم طبيعة أخرى، يحصرها في تلك الفروق التي تميز بعض الجماعات التي تفصلها حدود أماكن جغرافية معينة، وهي أيضا، من المنظور نفسه، "نتاج عقد اجتماعي بين مختلف مستويات الدولة والمجتمع".(23) في حين يستند علماء الاجتماع في تعريفهم للتعددية الثقافية على تلك الرغبة التي تعتري الجماعات للحفاظ على أوجه تماثلها فيما بينها، واختلافها عن جماعات أخرى، بحجة أنّ الانتماء إلى جماعة متماثلة القيم والعادات هو مصدر شعور الفرد بالاعتزاز والانتماء. أمّا النقد الثقافي، فيربط بين التعددية الثقافية والحداثة، خصوصا في تجاوزها للحدود الزمنية والمكانية، لأنّ التعددية الثقافية لا تكون إلا بتجاوز هذين الحدّين، فالثقافات المتعددة لا زمان محدد لها، ولا مكان.

لقد مرّت التعددية الثقافية كتيار فكري بإرهاصات(24)  قبل انبجاسه، وبمراحل اختلفت فيها كل مرحلة عن الأخرى، وقد حصر الباحث حسام الدين علي مجيد هذه التطورات في مرحلتين أساسيتين، جرتا أساسا داخل الفكر الليبرالي الذي تبنى التعددية، كسلاح ضد التيار الجمهوري، لكن هذه التبني كان بطريقته الخاصة، وهاتان المرحلتان هما:

1- المرحلة التعددية التقليدية: صاحبت الفكر الرأسمالي الليبرالي كما صاحبت فيما بعد، أيضا، الفكر الجمهوري الاشتراكي، من الفترة الممتدة من بدايات القرن التاسع عشر إلى ثمانينياته. لقد كان ينادي مفكرو هذه المرحلة من الليبراليين والجمهوريين، أمثال: "كارل ماركس" و"توكفيل" بالأحادية الأخلاقية (moral monism) التي تقوم على فكرة رئيسية، وهي أنّ البشر متساوون، لكونهم يتقاسمون طبيعة إنسانية واحدة، ما يعني بصورة بديهية أنّ الحياة الكريمة هي الأخرى واحدة بالنسبة للجميع، وتبعا لذلك، فإن هذه الطبيعة الإنسانية المشتركة تشكل الأساس الذي يستند إليه كل من مبدأي المساواة والتطابق الأخلاقي(Moral Uniformit)".(25) إن هذه التعددية، في حقيقتها، ترتكز على تلبية الحقوق والمتطلبات الغريزية والفطرية للمواطنين، فقد انطلقت من مسلمة أنّ كل الجماعات البشرية مشتركة في متطلباتها البيولوجية، وبالتالي، يجب إقامة أنموذج أساس في توزيع الحقوق عليهم، وفي حالة ما إذا طالبت جماعة بحقوق أخرى غير ذلك الأنموذج فيجب إخضاعها بالقوة وإعادتها إلى المنطلق العام للجماعة. يقول باريخ (Parehk) في شرحه للتعددية التقليدية: "يتم إخضاع طرق حياة البشر جميعا إلى نموذج واحد معين، وإلا فإن للآخرين، أي دعاة هذا النموذج الحق الشرعي في السيطرة عليهم وإرشادهم بالقوة إلى جادة الصواب".(26) إنّ هذه الرؤية التقليدية انتقدتها سيلا بن حبيب أكثر من مرة، لأنها حسب وجهة نظرها، تكريس لمركزية العقل(27)(Centrality of Reason)  في الحياة الإنسانية. بدأ هذا الاتجاه يفقد هيمنته على مستوى الساحة السياسية خصوصا مع مجهودات كل من "فريد دالماير"، و"مونتسيكيو" و"باريخ" الذين اهتموا بطرح أسئلة تتعلق بدرجة كبيرة بثقافات الشعوب وعاداتها المختلفة، ومن هذه الأسئلة نذكر، على سبيل المثال، لا الحصر: كيف يكون بمقدورنا فهم وتقييم الثقافات الأخرى؟ ولماذا تتباين الثقافـات ؟ وهل أنّ التباينات مابين البشـر هي ظاهرة عابـرة أم ميزة دائمة الارتباط بالحياة الإنسانية؟ ولماذا يحظى التنوع الثقـافي بقيمة كبيرة الأهميـة؟.(28)

إنّ هذه الأسئلة كانت، في الحقيقة، بداية ظهور الاتجاه الفكري للتعددية الثقافية التي لا تقتصر في ممارساتها السياسية على الجوانب المشتركة للبشر في حياتهم الطبيعية (حقوقهم الأساسية)، بل تنظر وتركز، كذلك، على ثقافاتهم وعاداتهم التي يعتزون بها ويحافظون عليها من كل ثقافة أخرى، وقد تناولت سيلا بن حبيب في جميع كتبها هذه الأسئلة، وأدركت أن الانتماء الأحادي لا مجال له في ظل التعدد.(29)

2- مرحلة التعددية الثقافية: يمكن تقسيم هذه المرحلة بدورها إلى مرحلتين أساسيتين، المرحلة الأولى صاحبت الحرب العالمية الأولى، وقد كان زعيمها "كولين" الذي شكل اتجاها فكريا معارضا لظاهرة إرهاب الأجانب التي أصابت المجتمع الأمريكي خلال فترة الحرب العالمية الأولى، إلى جانب وقوفه ضد تطبيقات فكرة بوتقة الصهر خلال العشرينيات من القرن العشرين التي بموجبها تم إكراه الجماعات الثقافية على الانصهار والاندماج في الثقافة المهيمنة للأكثرية، وفي المقابل تمسك "كولين" بحق الجماعات المهاجرة في المحافظة على تماسكها واستقلاليتها الذاتية،(30) وقد استند كولين في هذه المرحلة، التي لم تدم طويلا بسبب التضييق الأيديولوجي المُمَارس على مثل هذه الأفكار التي رأتها معظم الأيديولوجيات هدما وتفكيكا لمفهوم الأمة. قلنا أنّ "كولين" استند على فكرة مفادها أنّ التشابه الطبيعي للبشر في حاجياتهم الأساسية لا يعكس بالضرورة ذلك الأنموذج الموحد التي تفرضه الدول، ولهذا نجده يدعو إلى ما يسميه الوحدة في إطار التعددية. علاوة على المدة الزمنية الفاصلة بين هذه المرحلة والمرحلة الثانية التي اشتغلت فيها سيلا بن حبيب، يمكننا القول بأنّ النزعة الفردية التي أولتها عصبة الأمم أهمية بالغة كان لها، أيضا، الأثر الكبير وراء اضمحلال الصيحات المنادية بالتعددية للجماعات الثقافية المتنوعة، فبدايات هذه المرحلة كانت في أمريكا في منتصف الثمانينيات وبداية التسعينيات إلى وقتنا الحالي، حيث كان المجتمع الأمريكي، ولا يزال يعيش حالة من التنوع الثقافي والإثني، ولهذا كان معظم مفكري هذه المرحلة أمريكيين، أمثال "جوديث بتلر" (Judith Butler)، و" نانسي فريزر"(Nancy Fraser)(31)  و"أكسل هونيت" (Axel Honneth)، الذين جمعتهم عدة كتب ودراسات حاولوا من خلالها التنظير لهذه التعددية الثقافية، لكن سيلا عملت على التنظير لهذا المفهوم وحاولت ربطه بالجانب العملي الخاص بسياسة الدول فيما بينها أكثر من المفكرين الآخرين من مدرسة فرانكفورت، ومن بينهم "هامبرماس" الذي استفادت كثيرا من أطروحاته النظرية وعملت على نقلها من المجال النظري إلى المجال العملي. إنّ أهم ما يميز هذه المرحلة الثانية هي ارتباطها زمنيا بمرحلة ما بعد الحداثة، وكذلك، ارتباطها بفكرة النسبية الثقافية، هذه الفكرة القائلة أنّه لا يمكن تقييم ثقافة ما وتكوين تصور عنها إلا بصورة نسبية، وفقا لمعايير تلك الثقافة بذاتها، لا المعايير الخاصة بثقافة أخرى، وكذلك، أخذت عنها المنظور القائل إن السلوك الأخلاقي لثقافة ما هو إلا سلوك نسبي من الناحية الثقافية، إذ لا يمكن تقييمه من قبل الذين ينتمون إلى الثقافة نفسها".(32) في الحقيقة، لا تهمنا كثيرا من هذه المراحل سوى المرحلة الثانية التي اشتغلت فيها سيلا بن حبيب على تكريس الاعتراف بالثقافات على اختلافاتها وتناقضاتها، ونفي الفكرة القائلة بأنّ الاختلاف الثقافي هو إيقاد للفتن والحروب، مثلما كان يعتقد هنتنجتون.

كذلك، لا يمكن حصر إشكالية التعددية الثقافية في اعتبارها محاولة لضبط مفهومها الدقيق فقط من منظور علم السياسة، بقدر ما تكمن في اعتبارها مشكلة اجتماعية وسياسية قد تساهم، إن فهمت خطأ، في تفتيت خصوصيات المجتمعات بصفة خاصة، والقوميات بصفة عامة. وبالتالي ما هي المبادئ والاستراتيجيات الضرورية لفهم هذه الظاهرة واحتوائها، على اختلاف مستويات تمظهرها؟ وما هي النظرة التي تنظر بها سيلا بن حبيب تجاه هذه التعددية الثقافية من منظور سياسي وفلسفي؟.

تطرح سيلا بن حبيب في كتابها "مطالب الثقافة: المتماثل والمختلف في جميع العصور" عدة قضايا سياسية راهنة، منها قضية اختلاف الثقافات وتنوعها، وما تثيره من إشكاليات في مجال السياسة العالمية، فتحاول هذه الناقدة السياسية أن تقدم أنموذجا، أو نهجا بديلا لأساليب التفاهم بين الثقافات من خلق لها، ونشرها على نطاق عالمي عن طريق نفي بعض المسلمات الشائعة.

إنّ محاولة إيجاد حلول فعالة لهذه القضية المعقدة بين السياسة والثقافة،(33) من منظور سيلا بن حبيب يكون بالأساس عن طريق دحض بعض المسلمات التي تتبناها الكثير من المجتمعات والشعوب، بل وحتى الباحثين والمفكرين السياسيين، وهذه المنطلقات المعرفية والايبستيمولوجية الخاطئة، هي:

1- الثقافات العالمية المختلفة هي كيانات وأبنية مستقلة قابلة للتحديد والتنميط.(34)

2- الثقافات تتوافق بشكل كلي مع الجماعات السكانية، فمن الممكن أن نصل إلى توصيف لا خلاف عليه لجماعة سكانية من خلال ثقافتها الخاصة.

3- إنه على الرغم من عدم توافق الجماعات السكانية مع الثقافات توافقا تاما، وعلى الرغم كذلك، من اجتماع أكثر من ثقافة داخل الجماعة الإنسانية الواحدة، أو امتلاك أكثر من جماعة سكانية واحدة السمات الثقافية نفسها مع جماعات سكانية أخرى، فإن هذه القضايا العديدة لا يمكن أن تمثل مشكلات ذات أهمية تذكر بالنسبة للسياسات العالمية أو السياسة الوطنيـة. (35)

ترمي سيلا بن حبيب من خلال دحض هذه المسلمات إلى توظيف نمط جديد في السياسة الدولية يميل بدرجة كبيرة إلى النأي عن السياسة العنصرية التي تفضل ثقافة معينة على حساب ثقافة أخرى، من خلال نفي سيلا لفكرة الحدود الثقافية التي كانت متجذّرة في الفكر السياسي الغربي، وتأكيدها على ضرورة عدم "النظر إلى الثقافات، كشكل متميز وبمعزل غيرها من الثقافات وبعضها البعض، فالجماعات والأفراد في أية ثقافة هم من يؤلفون معانيها وممارستها والاختلافات الثقافية لا تقوض الديمقراطية، بل ترى بن حبيب أن العقلانية هي الطريقة الأمثل لفهم المتغيرات التي تحدث داخل المجتمعات الثقافية والتفاوض حول هذه الاختلافات يتم إنجازه عبر عملية استبدال قادر على الإصغاء لخبرات الآخرين".(36)

من ناحية أخرى تؤكد على التفريق بين الممارسين للثقافة وبين الباحثين فيها، في قولها: "الممارسون للثقافة على عكس الدارسين لها، تسيرهم التقاليد والقصص والطقوس والرموز وظروف المعيشة"،(37) فالثقافة تكون أشكالا قابلة للتحول المستمر عند مستعملها، ومنه يتوجب على الباحث فيها ألا يعتبرها أبنية يمكن ضبطها بدقة عن طريق منهج معياري معين، لأنّ الثقافة تملك طبيعة دينامية متحولة، لا ستاتيكية ثابتة، فمهما حاول الباحث أن يصل إلى توصيف دقيق لثقافة جماعة معينة، لا يمكن أن يفلح إلى درجة مطلقة. تقول سيلا بن حبيب: "على الباحث الذي يسعى إلى فهم ثقافة جماعة معينة أن يكون ملمّا بعناصرها الأساسية وكيفية تشكل وتبلور هذه الثقافة".(38)

أما فيما يتعلق بنسبة اختلاف الثقافات وتشابهها بين الجماعات، فهي تؤكد أنّ هذه القضية تعد مشكلة سياسية بين الدول بصفة عامة وداخل الدولة الواحدة بصفة خاصة، لكن سيلا بن حبيب تقترح حلولا لهذه الإشكالية وهي تتمثل في ضرورة الالتزام "بالديمقراطية التشاورية (Deliberative Democracy) من خلال إدماج جميع الثقافات الإنسانية المتنوعة والفئات البشرية (رجل، امرأة) في العملية السياسية"،(39) وكذلك عن طريق ردم الهوة الموجودة بين النظرية والممارسة في الثقافة السياسية والسياسة الثقافية على حد سواء،(40)عن طريق التخفيف من حدّة الخلافات، عبر شبكة تواصلية ترتكز على أخلاقيات التواصل الحجاجي المعتمد على الفلسفة، والذي يروم إقناع الآخر بالحجة والتأقلم معه في ظل الاختلاف القائم دون أي تعصب أو مبالغة من وتيرة الخلاف،(41) فنجدها تقدم الجامعة (university)، كإطار وفضاء فعال يجب أن يحتوي هذه النقاشات والتفاعلات الثقافية التي من شأنها المساهمة في تطوير النظرية النقدية، وقد اقترحت، كذلك، في هذا الاستفادة "الاستراتجيات التي قدمها كـل من: (كارل أتو آبل) و(يورغن هابرماس) في أخلاقيـات النقاش الحجاجي داخل المجتمـع community of argumentation.(42)

إنّ هذا التضخيم السياسي الذي مارسته بعض الدول الكبرى لإشكالية التعددية الثقافية تحت غطاء أوسع أسمته "صراع أو صدام الحضارات"، وهذا الإخفاء المتعمد للدور الفعال والإيجابي للحجاج والمحاججة في درء الخلاف بين الثقافات والسياسات، كان من ورائه استعمال هذه القضية لأغراض برغماتية على عدة أصعدة سياسية واقتصادية وحتى ثقافية واجتماعية، ولعل حادثة 11 سبتمبر كانت حجة لتنشيط وتفعيـل هذه الفكـرة. وكثيرا ما تتطرق سيلا بن حبيب في كتبها(43)  إلى ما يسميه صامويل هنتنجتون(44) Samuel P. Huntington  صراعا للحضارات، هذا الصراع الذي لن يكون أيديولوجيا أو اقتصاديا وإنّما سيكون الانقسام الكبير بين البشر سببه ومصدره الغالب ثقافيا(45)،لأن ما يسمى ثقافة عالمية، من منظور هنتنجتون، ما هي إلا ثقافة الدول الكبرى التي تحاول جاهدة تصديرها إلى الدول الأخرى، إيهاما لها بأنها ثقافة عالمية وعصرية يجب الأخذ بها والاستغناء عن الثقافة المحلية التي تراها الدول السياسية الكبرى ما هي إلا ثقافات لا قيمة لها.

إذا حاولنا إقامة مقارنة بسيطة في هذه النقطة بين صامويل هنتنجتون وسيلا بن حبيب نجد بأنّهما مختلفين إلى حد معين، فصامويل هنتنجتون في إصراره على وجود صراع بين الحضارات المتكونة أساسا من عدة كيانات ثقافية، حسب وجهة نظره، يقع في إحدى المسلمات الخاطئة التي تحدثت عنها سيلا بن حبيب وحذرت من عواقب التسليم بها، هذه المسلمة القائلة بإمكانية تحديد الثقافات وضبطها بطريقة آلية، وفي حدود دقيقة. لكنه، من ناحية ثانية نجده يشترك مع سيلا في أن التعدد الثقافي النسبي حسب وجهة نظرها يمكن أن يؤدي إلى أضرار، في حالة ما إذا تم توظيفه بطريقة سلبية أو لأغراض نفعية.(46)

تظهر لنا وجهة نظر سيلا بن حبيب في إشكالية التعددية الثقافية، وما تطرحه من إشكاليات جزئية وثانوية على الصعيدين الاجتماعي والسياسي، للوهلة الأولى، بهيئة ثورة دفاع عن الحق والعدل والمساواة بين الثقافات المتنوعة، لكن القراءة الدقيقة الفاحصة كشفت لنا بعدا أو هدفا أخر، ترمي إليه، من خلال حديثها هذا ودفاعها عن الثقافات بصفة عامة وفي اختلافها بصفة خاصة، إلى التخلص من تبعات الثقافة التقليدية التي تتأسس معالمها على التفريق، والتمييز بين الأجناس البشرية، وكذلك، هي تهدف إلى تعزيز وإقامة للثقافة السياسية الجديدة،(47) التي لا تقيم للنوع الثقافي ولثقافة الجنسين أي اعتبار يمكن أن يؤدي بالضرورة إلى صراع حتمي.

وتؤكّد سيلا بن حبيب على أن التعددية الثقافية هي عملية نقدية شاملة للسياسيات الشمولية والقومية العنصرية، ولهذا نجدها تحث الأقليات بضرورة المطالبة بها في إطار مناقشات أخلاقية يسودها التسامح، لكنها في الوقت ذاته تحذر من تناسي هذه الحقوق، الذي يؤدي بهذه الأقليات إلى ثلاث نتائج وخيمة،(48) لا مفر منها، وهي: (49)

1. قبول الاندماج وبالتالي الانصهار في ثقافة الأكثرية، لكنها في الوقت نفسه وفي المقابل قد تطرح مسألة التحاور والنقاش مع الآخر حول شروط الاندماج الثقافي وحدوده.

2. السعي من أجل إيجاد أنواع أخرى من الحقوق والسلطات ذات الصلة بالاستقلال الذاتي ابتغاء الحفاظ على الثقافة المجتمعية لتلك الأقلية، مثل إنشاء مؤسسات تعليمية وثقافية واقتصادية بل وحتى سياسية وفقا للغتها الخاصة داخل الحدود المسموح بها من قبل السلطات المعنية، ووفق هذا الخيار يعني أن الأقليات، ستنخرط في عملية بناء أمة خاصة بها، وتكون في حال من المنافسة مع عملية بناء الأمة التي تعتمدها الأكثرية السياسية المهيمنة على عدة مجالات.

3. أما الخيار الثالث، وهو الأسوأ، فهو القبول بالتهميش الدائم.

تنتقل الأقليات الثقافية لهذه الخيارات في حالة ما إذا واجهتم أنظمة شمولية لا تعترف بالتجزئة ولا الدولة غير القومية كون الكثير من الدول العالمية، خصوصا ذات الاتجاه الأيديولوجي الجمهوري، تواجه هذه الأقليات بعنف وقوة مبالغ فيهما، لزعم هذه الدول أنّ الأقليات هي مصدر تفكيك للدولة القومية، هنا، وفي هذه الحالة تتواجه التعددية الثقافية مع الإيديولوجية التي لا تتسامح في تعاطيها مع القضايا الحساسة التي تكون في غير مسار أيديولوجيتها الثابتة وتعاطي الأيديولوجية الفاشية والنازية مع اليهود خير مثال يعبر عن الصدام القائم بين الدولة الأيديولوجية القومية والدولة العالمية أو ما يسميه هابرماس وسيلا بن حبيب "المواطنة العالمية".

تفكيك القوميات والدعوة إلى مواطنة عالمية:
شكلت القوميات الأوروبية نقطة مهمة في أطروحات سيلا، كون هذه الإيديولوجية القومية كانت لا تعطي للآخرين؛ أي الذين لا ينتمون لها، الحقوق الكاملة، كالعدالة والمساواة والديمقراطية والمشاركة السياسية لإنهم يمثلون من منظور القوميات عنصرا سلبيا، يمكن في أي لحظة، وبأي وسيلة كانت، أن يفكك بنية أيّ أيديولوجية قومية كانت، إذا ما تم مساواته في الحقوق مع جميع المواطنين، وخصوصا السياسية، لهذا نتساءل في هذا العنصر رفقة سيلا بن حبيب: هل إعطاء الأجانب والمقيمين الحقوق نفسها مع المواطنين يمكن أن يسهم في تفكيك الدولة القومية؟ وإلى أيّ مدى يختلف مشروع المواطنة العالمية مع مشروع القومية؟ وما هي الاستراتيجيات التي يمكن من خلالها الوصول إلى نموذج المواطنة العالمية؟

قبل الإجابة عن هذه الأسئلة، سنعرج على تاريخ هذا المشروع، وبعدها سنركز أولا على الظروف الاجتماعية – خصوصا الجوانب الدينية، التي يهابها القوميون لاعتبارات خاصة - التي يعيشها الأجانب والمهاجرون في بلدان إقامتهم، لأن هذه الظروف الصعبة هي، في الأساس، الباعث الحقيقي لإعادة إحياء مشروع المواطنة العالمية لدى سيلا بن حبيب.

أما من الناحية التاريخية، فأول من نادى بهذا المشروع، هم الرواقيون "وإن لم تكن رؤيتهم تتضمن تأليف دولة عالمية بأي شكل رسمي، بقدر ما كان ذلك الحكم موجودا خلال ألف وخمسمائة سنة ق. م. فإنه اتخذ شكل الطموح إلى إمبراطورية رومانية كونية أو متجددة، لم يقم فيها الاعتبار لقضية المواطنة" (50)، كما كان هنالك اهتمام كبير لدى كانط بالكثير من الأبعاد العالمية الكونية ضمن "مشروعه في السلام الدائم والعالمي والذي أنتج، نظريا لديه، القول بمفهوم الإنسان العالمي، أو المواطن العالمي"،(51) كما طور"هابرماس" أيضا في الفلسفة السياسية المعاصرة الكثير من المفاهيم لإعادة تشكيل المواطنة العالمية وفق الإرث الكانطي والرواقي.(52) وقد افادت سيلا بن حبيب منه كثيرا؛ حتى أنه يمكن القول أنها لم تبتعد كثيرا في طرحها عن المنجز الفكري الهابرماسي.

التعددية: حقوق الأغلبية والاقلية:
لم يكن اهتمام سيلا بن حبيب مقصورا على الأقليات الثقافية والعرقية التي تعاني من الإقصاء في موطنها الأصلي، وإنما تجاوزت ذلك إلى الدعوة للحفاظ على حقوق الآخرين من الأجانب والمقيمين والمهاجرين، فقد ظلت تدعو إلى ضرورة تسهيل التجنيس في جميع البلدان العالمية، كما كان تركيزها كبيرا على ألمانيا في هذه القضية، نتيجة المدة التي قضتها فيها ومعرفتها الجيدة بالسياسة الألمانية. ويندرج اهتمامها الكبير بحقوق الآخرين في هذا المجال أو المشروع الذي نتحدث فيه، وهو المواطنة العالمية، التي يمثل الفرد فيها في الوقت نفسه "مواطن العالم ومواطن دولته، والسلطات العالمية: هي الراعية لحقوق المواطنة عندما يقع الاعتداء عليها من طرف الدولة الوطنية، وقاعدتها القانونية أن الإنسان ليس فقط مواطنا داخل دولة ذات سيادة، بل هو مواطن عالمي، وموجود في العالم ويطلب من هذه الحكومة العالمية أن تصون كرامته إذا تعرض إلى أي اعتداء"(53)  وقد كان لها العديد من الكتب أثارت هذه المشكلة بلهجة عنيفة وحادة، وهاجمت عدة دول أمريكية وأوروبية تفتعل المعوقات للأجانب المقيمين فيها. كما ناقشت حدة التوتر بين الدول الكبرى حول المبادئ والقوانين العالمية لحقوق الإنسان وخصوصا الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية للأجانب والمهاجرين والمهجّرين.

كانت غاية سيلا بن حبيب من مشروعها الهادف إلى تفكيك الدولة القومية، تتمثل في "التحول من منطق الهوية القومية والدولة الأمة التي رافقت نشوء الديمقراطيات إلى بعد عالمي"(54) تحكمه مجموعة من القوانين الدستورية لا يكون مبدأ القومية فيها بالضرورة، وإنما تتعدد القوميات وتتفاعل وفق مبادئ معيارية وأخلاقية شاملة لا يمكن أن تختزل في نص دستوري لدولة معينة،(55) ومنه، يجب إعادة النظر من جديد في قضية الانتماء السياسي لدى الأفراد، وإعادة النظر، أيضا، في المفهوم التقليدي للمواطنة القومية من خلال تفكيكه داخليا والتحول منه إلى "مواطنة عالمية" كما سماها هابرماس قبلها، فتكون هذه المواطنة العالمية مبنية على عدم التركيز على الحدود الجغرافية، فلكل فرد حقه المشروع في التنقل كيفما ووقتما شاء.

على الرغم من هذه الدعوة إلى الاعتراف بحرية التنقل في كامل أرجاء العالم، إلا أننا لا نجدها تدعو إلى فتح الحدود بصورة كاملة لأن هذا حسبها قد يكون غير متطابق مع حق تقرير المصير لدى المجتمعات الديمقراطية، فقد يتحول بطريقة معينة إلى احتلال، وبالتالي يجب تفعيل إجراء قانوني أنسب، وهو تسهيل الإجراءات القانونية التي يكون لجميع الدول دخل كبير في كيفية تنظيرها وتجسيدها، لكن في ظل مراعاة الاختلافات الإثنية التي يجب أن تعتبر في عصرنا أساس العملية الديمقراطية.(56)

في حقيقة الأمر إن حديث سيلا بن حبيب عن المواطنة العالمية لا يقتصر فقط على حق التنقل في البلدان العالمية بل يتجاوز مطلبها هذا إلى أمور وقضايا أهم بكثير وهي ترتبط بالحقوق الاجتماعية والثقافية والدينية لهؤلاء الأجانب والمقيمين(57)، فهي تصرّ على الجانب الديني بطريقة كبيرة، كحق مشروع لهؤلاء المقيمين، فعلى المواطنين احترام ديانتهم وتقبلها، وكذلك احترامهم كأفراد عاديين جدا غير مختلفين عنهم في شيء سوى الدين، كما على الدولة إنشاء مؤسسات دينية إسلامية (58) بقدر مواز للمؤسسات الدينية المسيحية واليهودية الأخرى.(59)  في حديثها عن مشاكل الاندماج ضمن المجتمع الألماني ترى أن الإشكالية تكمن في عدم توحد قانون أو دستور الولايات الألمانية في القوانين التي تؤطّر حقوق الإثنيات والأقليات وواجباتها السياسية تجاه الدولة التي يعيشون فيها، فهناك ولايات تضيق على المهاجرين عكس ولايات أخرى يكون لدى قاطنيها حريات أوسع وأكثر.(60)

لم يكن دفاع سيلا على الجانب الديني مقصورا على الدين الإسلامي، وإنما أرادت فقط من خلاله ضرب مثال على عدم المساواة التي يعاني منها الأجانب في بعض البلدان، لهذا كان حديثها على الدين اليهودي حاضرا، كذلك، في هذا الدفاع، فهي ترى أنه على الرغم من كثرة الحديث عن التراث المسيحي اليهودي في البلدان الأوروبية وألمانيا على الخصوص إلا أن الوضع يبين عكس ذلك لأن التراث اليهودي غير حاضر مثلما يتم وصفه بصورة عامة" (61)، وهذا عكس التراث المسيحي الذي يطغى على الثقافات والديانات الأخرى من جميع النواحي، وبالخصوص الناحية المؤسساتية. إنّ ربط مسألة حقوق الآخرين بقضايا أمنية وقومية، كأن نقول بأن إعطاء حقوق للأجانب مساوية لحقوق المواطنين ينتج من خلاله الفوضى والتشتت، هي مسألة مهمة وواقعية لهذا نجد سيلا بن حبيب تنبه إليها، فالأجنبي المالك للصلاحيات والحقوق نفسها مع المواطن ليس بالضرورة يسعى إلى تفكيك أنظمة الدولة فمشاركته "ليست مجرد حالة سلبية بل هي مشاركة سياسية واجتماعية فاعلة".(62)

وعن علاقة التعدد الإثني والديني في الدولة الواحدة بالحروب الأهلية، لا ترى سيلا ان هنالك تلازما وحيدا وتاما بين الطرفين. لأن التعدد يبقى، عندها، دائما أمرا طبيعيا يجب التأقلم معه، بل ترجع المسألة إلى«التفرقة التي حدثت في الفلسفة السياسية المعاصرة بين: ethnos "الإثني"(63) وdemos "الديموس"(64) في التعاملات السياسية للحكومات الأوروبية، فقد تمّ توظيف الإثني والديموس بطرائق مختلفة، وضمن أنماط متعددة، فنجد ما يسمى بالقوميات المدنية، مثل الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا أين ينتج "الديموس" (حكم الشعب) دون التناسب بشكل دقيق وكامل مع المجتمع القومي، من ناحية ثانية نجد، كمثال في ألمانيا واليابان أو في أقل التقديرات، إيطاليا، هذه البلدان التي تتكون من "قوميات إثنية"؛ أي هي قوميات يكون فيها بناء الدولة القومية خاضعا لتركيز واضح على مفهوم "الإثني" هذا النموذج الأخير كان دائما مثار صراع، هناك على الدوام توترات بين النموذج الديموقراطي أو الجمهوري للديموس (حكم الشعب)، وبين نموذج القوميات الإثنية، وهذا لم يكن أبدا قصة مطمئنة»(65)  فيجب المزاوجة بين الديمقراطية والقوميات الإثنية عبر حجاج، نخلص من خلاله إلى دمج منهجي واستراتيجي بين مفهومي الديموس والإثني.

تحدثت سيلا في كتابها "الديموقراطية والاختلاف" بطريقة مسهبة عن أهمية إعطاء الحقوق الضرورية للإثنيات المختلفة داخل مواطنها وخارجها لأن إعطاء حقوقهم يمنعهم من الشعور بالغربة التي من خلالها يتولد الشعور بعدم الانتماء، وحتى عدم الشعور بالكينونة، فيكون نتيجة هذا أعمال تخريبية قد تمتد إلى الحروب الأهلية والهجمات الإرهابية، لهذا لا يجب دائما اعتبار الأغلبية على حق واعتبار الأقليات أقل شأن في القرارات السياسية.(66)  وبالتالي، فسيلا بن حبيب في هذه النقطة بالذات تطرح نظاما عالميا جديدا لتجاوز الأيديولوجيات والقوميات، فبعد الحرب العالمية، عندما طُرحتْ أسسٌ لبناء نظام دوليٍّ جديد، ظهرتْ مقاربةٌ جديدةٌ تقومُ على استبدال الحقوق الإنسانيةِ الشاملةِ بالحقوق الخاصة بالأقليات العرقية والدينية، فبدلا من الحماية المباشرة للجماعات الضعيفة من خلال التأكيد على الحقوق الخاصة بها، يتم حماية الأقليات بطريقة غير مباشرة، وذلك عن طريق ضمان الحقوق السياسية والمدنية الأساسية لجميع الأفراد، بغض النظر عن عضويتهم في الجماعة العرقية أو الدينية أو الثقافية، على الرغم من أن الفرد غير حاصل على جنسية البلد الذي يقيم فيه، فإنه بالإمكان الحفاظ على حقوقه وتجنيسه بعد إجراءات معينة.(67)

من هنا تقترح سيلا بعض الاستراتيجيات التي تطمح من خلالها تحقيق مشروع المواطنة العالمية الذي قلنا أنه يستند على فكرة جوهرية، وهي أنّ "حقوق الإنسان تنطبق على جميع الناس وليس فقط على المواطنين وحدهم... ولهذا يجب توحيد جميع الحقوق الاجتماعية والمدنية، مثل: الحق في حرية التنقل داخل الاتحاد الأوروبي على الأقل... وحق الانتخابات البلدية".(68)  إن هذه الحقوق الممنوحة للأجانب لا تعني الفوضى والهمجية، بقدر ما هي تأسيس لنظام عالمي يحمي الأقليات من الغطرسة الشوفينية للأغلبية. لهذا وضعت سيلا بن حبيب شروطا قانونية للانتقال من نظام الدولة/ القومية إلى المواطنة العالمية، وهذه الشروط، هي: (69)

1. توفير مؤسسات في المجتمع تمكن الغريب الأجنبي ( الآخر) من أن يصبح عضوا من أعضائها ويساهم في التنظير والتسيير داخلها.

2. صياغة الشروط والقوانين بصيغة تتوافق مع حقوق الإنسان وتراعي الديمقراطية بقدر الإمكان ضمن الاعتبارات الإثنية.

3. عدم استغلال شرط إتقان اللغة في أغراض تعجيزية، مثل صياغة أسئلة صعبة للغاية من أجل اختبار المعرفة باللغة (الألمانية في ألمانيا، على سبيل المثال) في عملية الحصول على الجنسية الألمانية، بحيث أنه لا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة حتى من قبل قسم كبير من المواطنين الألمان، فتصبح اللغة في هذه الحالة تشويها للديموقراطية.

4. السماح للأجانب المقيمين منذ مدة زمنية معينة بالمشاركة في الانتخابات البلدية(70)، فلا يجب أن تشكل اللغة والدين والعرق شرط الاندماج في الفضاء العمومي.(71)

وبالتالي فالمواطنة العالمية تقوم على أربع أسس ذكرهم هابرماس، وثلاث أنواع للاعتراف نص عليهم أكسل هونيت، وأساسين جديدين أقامتهما سيلا بن حبيب، وهم جميعا، كالآتي:

1. الحقوق

2. الواجبات

3. المشاركة السياسية

4. الهوية

5. الاعتراف، ويكون بأشكاله الثلاث التي تحدث عنها أكسل هونيت، وهي: (72)

5-1- الحب: وهو علاقة تفاعلية مؤسسة على نموذج خاص للاعتراف المتبادل، وهذا يعني أن هناك علاقة متداخلة بين العلاقات العاطفية وقدرة الفرد على الشعور بقيمته أو مكانته التي تجعله يثق في نفسه، وبالتالي يمكن أن يصل حسب هونيت إلى مستوى احترام الذات.

5-2- الحق: هو الشكل الثاني من الاعتراف المتبادل بين الذوات، وهذا يكون على المستوى القانوني، فالاعتراف القانوني هو الذي يضمن حرية الأفراد واستقلالهم الذاتي، ومنه، فالاعتراف المتبادل هو الذي يفترض المسؤولية الأخلاقية على كل أعضاء المجتمع. وهذا الشكل الثاني من الاعتراف مهم جدا لأنّه يصل إلى المفهوم الكوني العالم، ولا يبقى محصورا في إطار الدولة الوطنية/ القومية.

5-3- التضامن: يرى هونيت أن التضامن الاجتماعي هو الشكل الثالث للاعتراف الذي يسمح للأفراد بتحقيق ذواتهم من خلال علاقات الاعتراف والتقدير المتبادلة، فالأفراد يحصلون على التقدير الاجتماعي والأخلاقي بقدر ما يقدمونه وما ينجزونه من أعمال لها قيمة في نظر الآخريـن.

1. عدم التفرقة بين الثقافات والأعراق على أساس غير ديموقراطي تشاوري، وعدم اعتبارها من جهة أخرى، كلا واحدا غير متعدد ومتنوع.

2. عدم الفصل بين مفهومي الديموس والاثني.

لقد استفادت سيلا بن حبيب من مبادئ هابرماس للوصول إلى المواطنة العالمية في مسألتي الحق والواجب التي تعتبرهما مهمتين في حياة الفرد لأنهما تحددان له ماهيته ووظيفته، أما مسألة المشاركة، فقد اختلفت معه حولها، فهو يقول بضرورة المشاركة في الحياة السياسية على جميع الأصعدة، فيما تنطلق هي من نقطة أولية لتؤكد على أهميتها، وهذه النقطة هي الانتخابات البلدية، كشكل أولي للاندماج يصاحبه التجنيس الذي بدوره سيتطور لاحقا ليؤسس بالتدريج لكونية أو عالمية.(73) أما مسألة الهوية، فلا توليها أهمية كبيرة، إلا أنّها لا تهمشها، على الرغم من التعدد الثقافي الذي لا محالة أنه صادر من هويات عديدة، إلا أنه في نهاية المطاف كلها هويات عالمية تستحق العيش في أمن وأمان وباعتراف الجميع.

من الديمقراطية الليبرالية والجمهورية إلى الديمقراطية التشاورية التعددية:
إنّ المواطنة العالمية/ الكونية لا يمكن لها أن تكون وتستمر إلا في ظل نوع جديد من النظام السياسي العالمي المتفاعل، يكون فيه الاعتراف بسلطة الاختلاف وبتعدد الرؤى والحقائق أمرا ضروريا عبر الانفتاح على الآخر من خلال الاعتراف والاحترام المتبادل بين الثقافات والمعتقدات الإنسانية ما يخلق نوعا من التوحّد الثقافي لا يلغي ثقافات معينة لضعف هيمنتها السياسية، وإنما يفتح آفاقا جديدة لتأقلمها في نطاق اختلافاتها وتباينها، بل حتى في تصارعاتها. ولهذا اقترح هابرماس نموذج الديمقراطية التشاورية التي تقوم أساسا على التشاور والنقاش البناء بين مختلف الفرقاء في مجالي الثقافة والسياسية. أما سيلا بن حبيب فقد حاولت تطوير هذا الجانب من الديمقراطية عبر تحيينه وتكييفه من جديد مع التعدد الثقافي والإثني(74)، لهذا سنحاول أن نستكشف مشروعها وإلى أي حد استطاع أن يأتي بجديد يخالف المشروع الحداثي النظري الهابرماسي، وأن يخالف أيضا المشروع الديمقراطي بتوجهاته الرئيسية: الليبرالية والجمهورية.( (75

الفروقات وآليات التحول الاستراتيجي:
إنه مع تراجع الانتماءات القبلية والعشائرية في الأزمنة الموالية لعصور التنوير والعقل في كل من أوربا وأمريكا، ظهر اتجاه جديد على الساحة الفكرية والفلسفية وحتى السياسية، وهذا الاتجاه هو الفردية (Individualisme)، حيث صار الفرد يشكل كيانا منفصلا ومستقلا بنفسه له حاجياته وآراؤه، ويسعى إلى تكوين ذاته ووجوده عبر أعماله ومجهوداته(76). من الناحية التاريخية، ترجع هذه المطالبات بفردية الفرد وماهيته المستقلة إلى المذهب الوجودي الذي يقدس ذات الفرد وتفردها عن الذوات الأخرى عبر ما تقوم به، وعبر الأثر أو الأعمال التي تتركها في المجتمع الذي هو ليس بالضرورة ملازما لها. وقد استغل التيار الليبرالي هذه الأفكار ليؤسس لتيار فكري وسياسي يقوم على ما أسمته هي بحرية الفرد في التعبير، وفي كثير من متطلبات المعيشة الإنسانية الأخرى، فكانت هذه الأفكار نقطة جذب لكثير من شرائح الراقية في المجتمع والتي كانت تعول على ذاتها لتضمن الكثير من مصالحها، ولعل هذا حاليا ما يبرر الاستمرار والتواصل للهيمنة الليبرالية على الفكر السياسي الغربي(77)، الذي يدعي في خطاباته أنه يقوم على ضمان حرية أكبر شريحة من المجتمع، وهي ما تسمى بالأغلبية، فيما تبقى الشرائح والأقليات معرضة في كل لحظة إلى ضياع حقوقها الإنسانية المشروعة.

في هذه النقطة بالذات، كانت المفارقة التي استندت عليها سيلا بن حبيب في نقدها للمركزية الليبرالية حول الفرد وغلبة الأكثرية في شتى ميادين الحياة. فكيف تدعي الليبرالية أنها تدعم حرية الإنسان فيما نجدها تكرس مراكز القوة السياسية والاقتصادية لحكم القوي من شتى النواحي، خصوصا الاقتصادية فتصبح إنسانية الإنسان غائبة ومنغمسة في الآلة الالكترونية، فما تعرف هذه المجتمعات علميا وتكنولوجيا من شروط تسمح بتحقيق حرية وسعادة الإنسان المعاصر، هو على العكس من ذلك تماما في ازدياد القمع والسيطرة بأشكال وصور جديدة لم تعرفها الإنسانية من قبل، هذه السيطرة الكلية والشمولية التي تمس كل أبعاد الإنسان النفسية والعقلية والجسمية والاجتماعية، بحيث يصبح مندمجا ومتكيفا مع الوضع القائم ومؤسساته الاقتصادية والسياسية التي لم تعد تسمح له بأن يحتفظ لنفسه حتى ببعده الداخلي".(78)  هذا من الناحية الفردية، أما من ناحية أخرى الاجتماعية، فإن أغلب الشعوب والإثنيات لا يمكنها أن تعيش في حالة أحادية أو انتماء لمرجع واحد بسبب التعددية الثقافية التي تمنع حدوث هذه الأحادية.

واجهت الديمقراطية الليبرالية والجمهورية هذه التعددية بتعصب وميل كبير تجاه الأغلبية أو الأكثرية- بعدما كانت تدعو إلى ضرورة حماية الفرد وضمان حقوقه الأساسية، فالقرار يخرج في النظام الليبرالي من الأكثرية في التصويت "دون مراعاة أو أخذ بعين الاعتبار مسألة الأقليات وحقوقها، أو محاولة إذابة واقع الأقلية مع توجه الأغلبية لتحقيق رأي الشعب الذي سيكون بدوره رأي الأغلبية"،(79) فنحن في هذه النقطة "نجد في الأمر نوعا من التناقض بين أن تحمى التشريعات بإرادة أغلبية، وبين أن تحمى الحقوق الفردية، والتي لا يمكن أن تشكل فيها الأقليات أي دور سياسي... وهذه هي إشكالية الحداثة في مجال التأسيس الإنساني والفلسفي للممارسة السياسية"،(80) وهنا انتقدت سيلا بن حبيب هذه النماذج الديمقراطية وخصوصا الاتجاه الجمهوري "الذي يقوم على أساس انبثاق السلطة عن الشعب أو ممارستها من قبله مباشرة أو بواسطة الانتخاب والاختيار، وبذلك فإن مفهوم الأمة والتجانس يلعب دورا أساسيا فيها... لذلك اتهم هذا النظام بكونه دكتاتورية الأغلبية"،(81) فدعت سيلا إلى ديمقراطية تعددية تشاورية باعتبارها إستراتيجية سياسية بإمكانها احتواء جميع الأقليات والأغلبية وجعلها في حالة انتماء سياسي متكامل في ظل التعدد، وبعيدا عن حالات التمزق والصدام.

تحاول سيلا بن حبيب أن تعقد بعض المقارنات بين نماذج الديمقراطية، مثل الليبرالية والجمهورية وبين ما تقترحه هي، كأنموذج بديل يحمي حقوق جميع مواطني العالم من بطش وسلطة الأغلبية، وهذا الأنموذج كما سبق وقلنا هو الديمقراطية التشاورية التعددية الذي يختلف مع النماذج الأخرى في عدة نقاط، نذكر منها:

1. على الرغم من أن الليبرالية أكثر مرونة في مسألة حقوق الفرد لأنّها "عكس الجمهورية في مسألة الأغلبية فقد دعت إلى المطالبة ومحاولة إشراك الأقليات في الحكم عبر تقسيم السلطات أو عبر تفعيل آلية المعارضة الوفية أو الموجهة، وهي في حقيقة الأمر تقضي بالاهتمام بحقوق الأفراد كأفراد وليس كشعب أو أمة أو أغلبية"،(82) إلا أنها تكرس لنوع أخر جديد من حكم الأغلبية لأنه غالب الشخص الأقوى نفوذا من الناحية السياسية يمثل تيار الأغلبية. أما الديموقراطية التشاورية التعددية فهي لا تكرس لهيمنة تيار واحد بعينه وإنما تفتح المجال لمشاركة جميع التيارات والأقليات مما يولد جوا من التفاعل يسوده التسامح البناء على عكس اللبرالية التي تسعى وراء هيمنة الفرد على الجماعة بشكل معين من أشكال السلطة.(83)

2. الديمقراطية الليبرالية تعتمد فلسفة الذات بدل فلسفة التواصل مع الذوات الإنسانية، لذلك نجدها على الدوام تركز على منافع الذات ومصالحها، في حين لا تعير أي اهتمام أو مبالاة للآخر الذي يشكل جزءا مهما في العملية السياسية.

3. في حين تنادي الديمقراطية التشاورية التعددية بضرورة التواصل بين الذوات، كما تعمل من أجل إعطاء الآخر الحقوق نفسها التي تسعى إليها الذات في جميع المجالات الحياتية، فهي تسعى جاهدة من أجل إعطاء المجموعات الإنسانية شرعية واعتمادية (طائفية، قبلية، وسياسية) وتدعم حقّها في ممارسة جميع شعائرها ومعتقداتها، في حين تتعامل الديمقراطية الجمهورية مع جميع البشر على أنهم مجموعة أفراد/ ذوات لهم نفس الواجبـات والحقوق، وبالتالي فإن آراء الأغلبية وقراراتها السياسية ستسري على الجميع بما فيه، الجماعات الثقافية الصغيرة.(84)  والديمقراطية التعددية- التشاورية لا تعني أن القرار يجب أن يتخذ انطلاقا من رأي الأقلية فيما يلغى رأي الأغلبية وإنما يجب مراعاة الحقوق الخاصة بالأقليات واحترام وجهة نظرهم في القضايا المختلفة واعتماد سلطة النقاش والحجاج الأساس الوحيد في اختيار القرار الصحيح والأنسب.(85).

 4. لم يسلم هذا الاتجاه الديمقراطي -التعددي من النقد، فهو يثير الكثير من المشاكل والعقبات، من ضمنها أنّه يدعو إلى فكر يكرس الهمجية، وحكم الأقليات على الأغلبية؛ وأنها تثير قضايا الشحنات القبلية والعنصرية من جديد.

الخاتمة:
تجد التعددية الثقافية إمكانيات، نظرية، لرعايتها وتقنينها والكلام حولها بما يتناسب وجميع الثقافات، لكن على مستوى التطبيق والممارسة فإننا نجد هنالك الكثير من معوقات الرعاية والتنظير المُقدمة بشأن التعدد بما فيها مشروع بن حبيب. فمن خلال إعطاء مجال سياسي أوسع للأقليات ومساواتها مع رأي الأغلبية وسلطتها، ستولد حتما شحنات صدامات اجتماعية-سياسية، قد تؤدي بدورها إلى حروب وإلى انقسامات للدولة وتفككها، مما يجعل هذه الدول لقمة سائغة لأي خطر خارجي (الاحتلال على سبيل المثال)، كما أنّ هذه الأقليات إن امتلكت حرية أكثر مما هي عليه الآن، سنجدها، لا محالة، تتبنّى وترتكز على الاستراتيجيات التي تتعاطى بها الأغلبية مع المشاكـل الثقـافية والاجتماعية، فتصبح الأقليات على شكل دول صغيرة داخل دولة كبيرة. كذلك فإن ماتقوم عليه نظرية سيلا بن حبيب من مقومات للتواصل السياسي، في حال الخلاف، تظل–بدورها- ملتبسة بعض الشيء. فالنقاش الذي ينبني على الحجاج ليس الوسيلة المضمونة للوصول إلى حلول مقنعة بالنسبة جميع الأطراف، فدائما يكون طرف أقوى من الآخر، فبالتالي دائم يلعب الطرف الأقوى على أنه لن يخسر شيئا، فيكون اللف والدوران هو الوسيلة الأنجع له للخروج من دائرة الحجاج بأقل الأضرار، لأن مفتاح وقف النقاش في أية لحظة يكون بيده، لأنه هو من يقرر في الغالب سقف المطالب المسموح بها.

 

هوامش:
(1)  يسمى، كذلك، الاسترداد الثاني من طرف الاسبـان، وقد قامـت تركيا باستقبال الكثير من اليهود المطرودين من قبل اسبانيا في تلك الفترة.

(2)  Voir:Members of american academy of arts and sciences:1780/2011 ,p 39 , http://www.amacad.org/publications/BookofMembers/ChapterB.pdf ,

voir: http://en.wikipedia.org/wiki/Seyla_Benhabib#cite_note-yalelaw-0 , voir: http://www.law.yale.edu/faculty/SBenhabib.htm.

 لمزيد من الاطلاع ينظر: حوار أجراه المؤرخ هاري كريستلر مع سيلا بن حبيب على موقع: http://www.youtube.com/watch?v=nfQqPdcAG60

(3)  ينظر: كمال بومنير، النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، من هوركهايمر إلى أكسل هونيث، ص ص12، 13.

(4) See: Seyla Benhabib-Wolfgang Bonss-John McCole ,On Max Horkheimer- New Perspectives ,Massachusetts Institute of Technology, usa, p 10,11. See: seyla benhabib, The reluctant modernism of Hannah Arendt, p 254.

(5) See: Ibid, p 366.

(6) See: Ibid, p 367,368.

(7) كان ماكس فيبر (Max Weber) من أهم الذين كانوا يريدون نزع الطابع السحري عن العالم، وجعله مادة قابلة للتكميم والقياس، يمكن التحكم فيه علميا وتقنيا. يراجع: كمال بومنير،ص16.

(8) Seyla benhabib,:" Renverser la dialectique de la raison: Le réechantement du monde " in ou en la théorie critique ? sous la dir Emmaneul Renault et yves Sintomer (Paris: Editions La découverte , 2003 , p.79. منقول عن: كمال بومنير،ص 16.

(9) حسن حسن، هربرت ماركوز الإنسان ذو البعد الواحد، جريدة الثورة، يومية سياسية: http://thawra.alwehda.gov.sy/_print_veiw.asp?FileName=104500822220081029201228، الخميس 30/10/2008.

(10)  أبو النور حمدي أبو النور حسن، يورغن هابرماس:الأخلاق والتواصل، ص82.

(11) تؤكد على هذه الفكرة في تعريفاتها للحداثة دائما لمزيد من التفصيل ينظر كتبها: seyla benhabib,the rulectant modirnism of hannat arendt, rowman and littelfied publishers, Usa,2000 ,p132. And see: seyla benhabib,Politics in Dark Times: Encounters with Hannah Arendt , p 273,274.

(12) علي عبود المحمداوي، الإشكالية السياسية للحداثة، من فلسفة الذات إلى فلسفة التواصل، هابرماس أنموذجا، الدار العربية للعلوم ناشرون، منشورات، دار الأمان، لبنان، الجزائر، الرباط، 2010، ص 103.

(13) ينظر: المرجع نفسه، ص 106-107.

(14) ينظر: كارل أوتو آبل، التفكير مع هابرماز ضد هابرماز، ط1: ترجمة وتقديم: عمر مهيبل، منشورات الاختلاف، المركز الثقافي العربي، الدار العربية للعلوم، الجزائر، بيروت، 2005، ص ص 17،18.

(15)محمد الحاج، من كانط إلى كارل آوتو آبل: نحو أخلاقية النقاش، 22 نوفمبر 2007 من موقع: http://melhaj.maktoobblog.com/644816.

(16) الموقع نفسه، لمزيد من التفصيل في فهم آبل لنظرية المحاججة ينظر: كارل أوتو آبل، التفكير مع هابرماز ضد هابرماز، ص ص 19،20 وما بعدهما.

(17) هذان الكتابان هما: ( Politics in Dark Times- Encounters with Hannah Arendt). (The reluctant modernism of Hannah Arendt)

(18) ينظر: حنه أرندت، في الثورة، ترجمة: عطا الله عبد الوهاب، مراجعة:رامز بورسلان، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2008، ص 263.

(19): كمال بومنير، النظرية التقدية لمدرسة فرانكفورت، من هوركهايمر إلى أكسل هونيث، ص103.

(20) Seyla Benhabib , Situating the self- gender- community- and postmodernism in contemporary ethics , routledge, New York,1992, p05. نقلا عن:

 ستيفين ديلو، وتيموثي ديل، التفكير السياسي والنظرية السياسية والمجتمع المدني، ترجمة وتقديم: ربيع وهبه،ط1، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2011، ص769.

(21) Seyla Benhabib, Richard J. Bernstein, Nancy Fraser: Pragmatism- critique- judgment- essays for Richard J. Bernstein ,Massachusetts Institute of technology, usa,2004, p145.

(22) ينظر: كمال بومنير، النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، من هوركهايمر إلى أكسل هونيث، ص 114.

(23)  نبيل ياسين، " التعددية الثقافية شرط للديمقراطية "، الحوار المتمدن: http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=68510، العدد: 1594 - 2006 / 6 / 27.

(24) الإرهاصات الأولى للتعددية الثقافية كانت مع التيار الليبرالي، لكن ماهية تلك التعددية تختلف كثيرا عما تنادي بها سيلا بن حبيب.

(25) حسام الدين علي مجيد، إشكالية التعددية الثقافية في الفكر السياسي المعاصر: جدلية الاندماج والتنوع، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان، 2010، ص136.

(26)  Parekh, Rethinking , Multiculturalism Cultural and Political theory, p.47

 نقلا عن: حسام الدين علي مجيد، إشكالية التعددية الثقافية في الفكر السياسي المعاصر: جدلية الاندماج والتنوع، ص136.

(27) حسام الدين علي مجيد، إشكالية التعددية الثقافية في الفكر السياسي المعاصر، ص136. للمزيد من التفصيل في نقد سيلا بن حبيب للتعددية التقليدية التي تعتمد على مركزية العقل في صياغة الحياة الكريمة للانسان ينظر: seyla benhabib,the rulectant modirnism of hannat arendt, rowman and littelfied , publishers, Usa,2000,p200.

(28)  حسام الدين علي مجيد، إشكالية التعددية الثقافية في الفكر السياسي المعاصر، ص 137.

(29) seyla benhabib, Democracy and difference: contesting the boundaries of the political ,p 283.

(30) حسام الدين علي مجيد، إشكالية التعددية الثقافية في الفكر السياسي المعاصر، ص 143.

(31)  تراجع: قائمة الكتب الأبحاث والدراسات التي أنجزتها سيلا بن حبيب تلاحظون أن نانسي فرانز تشترك دائما في الكتابات التي تخص الثقافة وحقوق الغير، وهذا داخل في إطار مشروعهما الداعي إلى ربط الأطروحات النظرية لمفكري مدرسة فرانكفورت بالجانب التطبيقي.

(32)  ينظر: حسام الدين علي مجيد، إشكالية التعددية الثقافية في الفكر السياسي المعاصر، ص 149.

(33) قدم هابرماس حلولا لإشكالية التعددية الثقافية،وهي:1- إخضاع التعدد الثقافي لمساطر ومعايير الإدارة التشاورية للدولة والمجتمع،وذلك من أجل خلق توازناتبين الثقافات. 2- مطالبة التراث والتقليد بأن يراجع نفسه وأن ينفتح على الغير وأن يمارس النقد الذاتي ليجعل ثقافة الأغلبية خاضعة للثقافة السياسية حينما تتفاعل لا إكراها مع ثقافات الأقليات،3- الاعتراف المتبادل لكل المواطنين في ثقافة سياسية واحدة تكفل تلك المهام وهي الثقافة التشاورية الديموقراطية،4- التعامل مع التعدد الثقافي بمنظار العقلنة التواصلية الذي يعول على تعددية الشبكات والقنوات التي تغذي المجال العام بفاعلية النقاشو الحوار لقضايا الشأن العام. لمزيد من التفصيل، ينظر: علي عبود المحمداوي، الإشكالية السياسية للحداثة، من فلسفة الذات إلى فلسفة التواصل، هابرماس نموذجا، صص 326،327.

(34) أشهر من تبنى هذا الفكرة هو كلود ليفي ستروس في كتابه الانترويولوجية البنوية.

(35) Seyla benhabib , the claims of culture: equality and diversity in the global era , Princeton University Press , 41 William street Princeton , New Jersey, Usa, 2002, p 04.

(36) ستيفين ديلو، وتيموثي ديل، التفكير السياسي والنظرية السياسية والمجتمع المدني،ص 770.

(37)  Seyla benhabib , the claims of culture: equality and diversity in the global era ,p5.

(38)  Ibid, p 7.

(39) See: Ibid. P 86.

(40) See: , Gabriel Rockhillk ,Alfredo Gomez-Muller ,Seyla Benhabib, Nancy Fraser, Immanuel Maurice Wallenstein, Politics of Culture and the Spirit of Critique- Dialogues , colombia university press, 2011, p 48 - 49.

(41)  See: Ibid , p 49. And , see: Seyla Benhabib, fred dallmayer, The Communicative ethics controversy , massachustts Institute of technology, usa, 1995, p330.

(42)  Seyla Benhabib, fred dallmayer ,The Communicative ethics controversy , p 331.

(43)  ينظر: كل من مقدمات كتبها الآتية: حقوق الآخرين: الأجانب، المقيمين،و المواطنين، وكتاب: مطالب الثقافة:المتماثل والمختلف في جميع العصور، وكتاب الحكمة في المحن: حقوق الإنسان في الأزمنة المضطربة.

(44) وضع هنتنجتون مراحل للصراعات منذ القدم، وهي كالآتي:

 1- صراع الملوك والأباطرة

 2- صراع الشعوب ( القوميات)

 3- صراع الحضارات (الكيانات الثقافية). تتميز هذه الكيانات الثقافية في ما بينها حسب هنتنجتون، بالنسب، والدين، واللغة، والتاريخ، والقيم، والعادات والتقاليد المتوارثة عبر الأجيال، والمؤسسات الاجتماعية. يميز علي عبود المحمداوي الحضارة عن الثقافة باعتبار هذه الأخيرة جزءا من الحضارة التي تتكون في الأساس من هوية أكبر وأوسع من = الثقافة، التي يعتبرها متداولا فنيا، وجماليا، وأدبيا، ومعرفيا وعلميا، يسم مجموعة بشرية عن غيرها؛ فهي إذن جزئية من جزئيات الحضارة التي تتجاوز الأمور المعنوية إلى الحسية. (علي عبود المحمداوي، الاسلام والغرب من صراع الحضارات الى تعارفها،ص ص42-43).

(45)  ينظر: صامويل هنتجنتون، صدام الحضارات، إعادة صنع النظام العالمي،ط2، ترجمة: طلعت الشايب، دار الفكر، فلسطين،1999، ص10.

(46)  SEE: seyla benhabib , Politics in Dark Times- Encounters with Hannah Arendt , cambridge university press, new york, 2010, p p 113,120.

(47)See: Ipid , p 58.

(48) لقد أضاف كيملكا خيارا رابعا في كتابه مدخل إلى الفلسفة السياسة المعاصرة، وهو خيار ( الهجرة الجماعية) للأقليات المضطهدة إلى بلدان توفر نسبة من احتياجاتهم المتعددة، كما حدث بالضبط لأفراد عائلة سيلا بن حبيب عندما طردوا من اسبانيا.

 يراجع الخيار الرابع من كتاب: willk kymlicka , contomporary political philosophy: An introduction, oxford University press, 2002, p 248.

(49) Seyla benhabib , the claims of culture: equality and diversity in the global era ,p 65.

(50) ديريك هيتر، تاريخ موجز للمواطنية،ط1، ترجمة: آصف ناصر ومكرم خليل، دار الساقي، بيروت، 2007، ص156-157.

(51) علي عبود المحمداوي، الاشكالية السياسية للحداثة، ص 324.

(52) ينظر: علي عبود المحمداوي: الاشكالية السياسية للحداثة، من ص323 إلى ص341.

(53) المرجع السابق، ص325.

(54) المرجع السابق، ص 323.

(55)  ينظر: عبد الله سيد ولد أباه، المواطنة في عصر ما بعد الدولة الوطنية، مجلة حكمة، http://www.hekmah.org/portal/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%A7%،

(56)  Regard: VERS UN PROJET COSMOPOLITIQUE, Conversation entre+ théorie et pratique à propos du cosmopolitisme, Entretien entre Seyla Benhabib et Daniele Archibugi, (Questions de Mariano Croce), CAHIERS PHILOSOPHIQUES n° 122 / 3e trimestre, 2010 , p116. ,A partir de site: http://www2.cndp.fr/revuecphil/122/S.BENHABIB.D.ARCHIeBUGI-Entretien.pdf.

(57)  see: Seyla Benhabib, The rights of others- aliens- residents- and citizens, the press syndicate of the university of cambrige ,United kingdom, p75.

(58) لقد تطرقت إلى مسألة الحجاب ومشروعيته في الحياة الاجتماعية وانتقدت مؤخرا منع فرنسا له إو قد اعتبرت هذا المنع إنقاصا كبيرا في حرية المعتقد لدى الفرد، ينظر: Seyla Benhabib, The rights of others- aliens- residents- and citizens,p176.

(59) ينظر: سيلا بن حبيب، الوطن والمواطنة......رؤية كوزموبوليتية، حاورها: دينيز أوتلو، ترجمة: رائد الباش، مجلة حكمة، الموقع الالكتروني: http://www.hekmah.org/portal/%D8%B4%D9%8A%D9%84%D8%A7

(60)  see: Seyla Benhabib, The rights of others- aliens- residents- and citizens, p152.

(61)  سيلا بن حبيب، الوطن والمواطنة......رؤية كوزموبوليتية.

(62) ينظر المرجع نفسه.

(63) هو أصل كلمة ethnologie)) الاثنولوجيا وهي فرع من فرع الانتربولوجيا يهتم بدراسة الحياة الشعبية للأجناس المختلفة في الأقاليم المختلفة وأصول الأعراق، أما كلمة اثني فيقصد بها عادة العرق أو الجنس البشري.

(64) هو أصل الكلمة اليونانية (Demoacratia) التي تعني حكم عامة الشعب، وبالتالي فكلمة ديموس تعني عامة الشعب أما كلمة كراتوس فتعني الحكم والسلطة، ينظر: هايل عبد المولي طشطوش، الديموقراطية كشكل من أشكال الحكم، الحوار المتمدن، http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=94705، العدد: 1894-2007/4/23.

(65)  VERS UN PROJET COSMOPOLITIQUE, Conversation entre+ théorie et pratique

à propos du cosmopolitisme, Entretien entre Seyla Benhabib et Daniele Archibugi, (Questions de Mariano Croce), CAHIERS PHILOSOPHIQUES n° 122 / 3e trimestre, 2010, p 117,118.

(66)  See: seyla benhabib, Democracy and difference: contesting the boundaries of the political , p 34.35.

(67) محمد حلمي عبد الوهاب، كتاب أوديسا التعددية الثقافية... الأقليات موضوعا للجدل السياسي، إسلام أونلاين، http://www.islamonline.net/cs/ContentServer/IslamOnline، 12/08/2011.

(68)  سيلا بن حبيب: الوطن والمواطنة......رؤية كوزموبوليتية.

(69) المرجع نفسه.

(70) تأكيد سيلا بن حبيب على الانتخابات البلدية يدخل في إطار نفسي للمقيمين لكي لا يشعروا بأنهم لا يملكون أي حق في موطن إقامتهم، فمثلا يوجد حوالي مليون ونصف مليون شخص من أصل تركي يسكن في ألمانيا واستثمارها من الناحية الاقتصادية يجب أن يصاحبها استفادة أخرى موازية من الناحية السياسية.

(71)  علي عبود المحمداوي، الإشكالية السياسية للحداثة، من فلسفة الذات إلى فلسفة التواصل، هابرماس نموذجا، ص326.

(72)  ينظر: كمال بومنير، النظرية التقدية لمدرسة فرانكفورت، من هوركهايمر إلى أكسل هونيت، ص 108-109-110.

(73)  See: Şeyla Benhabib, Jeremy Waldron, Bonnie Honig, Will Kymlicka, Another cosmopolitanism, Oxford University Press, 2006, Usa, 24.

(74) من الناحية التاريخية تعود نواة الديمقراطية التعددية لدى سيلا بن حبيب إلى تلك المبادئ والآليات التي وضعتها الأمم المتحدة لحقوق الإنسان سنة 1948،هذه المبادئ التي تنص في مضمونها على ضرورة تطبيق قواعد العدالة العالمية، لكن العديد من دول العالملم تلتزم بتطبيقها لتناقضها مع قوانينها الدستورية الداخلية، ولكن تبني الديموقراطية التعددية على المؤسسات الدستورية والقانونية العالمية، فهي الكفيلة بتخطي الليبرالية التي تصلط غلبة الجماعة وفي كثير من الأحيان أفراد معينين على الجماعات الضعيفة سياسيا أو اقتصاديا، see:seyla benhabib, the right of other: Aliens, Residents, and citizens, :

(75) سنركز كثيرا في دراستنا هذه على النموذج الغربي الديمقراطي الليبيرالي والجمهوري.

(76)  see:seyla benhabib, the right of other: Aliens, Residents, and citizens, p68.

(77)  see:seyla benhabib, the right of other: Aliens, Residents, and citizens, p77.

(78)كمال بومنير، النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، من هوركهايمر إلى أكسل هونيث، ص ص 82،83.

(79) كارل شميت، أزمة البرلمانات، ترجمة: فاضل جتكر، معهد الدراسات الإستراتيجية، بيروت،ط1، 2008، ص18.

(80) علي عبود المحمداوي، الإشكالية السياسية للحداثة، من فلسفة الذات إلى فلسفة التواصل، ص300.

(81)المرجع نفسه.

(82) علي عبود المحمداوي، نماذج الديموقراطية وأزماتها، دراسة في جدلية العلاقة بين الفرد والدولة وفق النظام السياسي الديمقراطي، مدونة: د. علي عبود المحمداوي، عن موقع: http://ali-mohamedaoi.blogspot.com /

(83) -see: Seyla Benhabib, Democracy and difference ,contesting the boundaries of the political p85,86.

(84)  See see: Seyla Benhabib, Democracy and difference ,contesting the boundaries of the political p 88,89.

(85) see: Seyla Benhabib, Democracy and difference ,contesting the boundaries of the political p 90,91.