نص من أمريكا اللاتينية مترجم ملتبس فيه غموض محبب يحكي علينا قصة امرأة تلبس عليها الزمن والأرقام والحكاية متخيلة حبيب فريد لا يشبه أحدا، وتكتشف أنها كانت تحلم بحل ألغاز تعثر عليها في كتاب بمكتبتها لتجد رسائل من كافينو فيها ذات الغموض، لغة القصة صافية ومنسابة بالرغم من غموض الأفكار وتداخلها في علاقة تشبه الأحجية

السعادة

ياريتزا أوليفا

ترجمة: خالد العارف

الإهداء: إلى ياريتزا أوليفا (Yaritza Oliva)

أنا مترجم بدون ذاكرة. مترجم عربي خائن، إن أردتم.  هناك في خيانتي، مع ذلك، وفاء لأصلي العربي. أصلي؟ لست أدري من أين خرجت هذه الكلمة المتحذلقة. لقد أمضى بورخيس قسماً من حياته يثني ثوب القصة. بعدئذٍ، جاء بعضهم يقول إن قصص بورخيس المتبحرة كانت تهدف إلى تخيّل الأصل[i]. لا وجود للأصل إذن، أو هكذا أميل للاعتقاد على الأقل. الصدفة وحدها ما جعلني أجد هذا النص يأتيني مترجماً بهذا الشكل ضربة واحدة. لا أذكر أي شيء، إذ أنني مثل الكاتبة، لا ذاكرة لي، ولا تاريخ. يبدو أنني أعدمتُ الأصل بعد أن ترجمته، تماشياً مع ثقافة العرب القديمة. أو ربما، قد يتعلق الأمر بنص من دون حروف. ما علينا. احتفظتُ، مع ذلك، باسم الكاتبة درءاً لاحتمال وجود أشخاص يكونوا قد بركوا علاقتهم بها بعد أن أصبحت مشهورة، كي يحاكمونني بتهمة انتحال قصتها.

القصة:
قبل سنتين، حلمت بالحياة. كانت حياتي مثل حيوات كل البشر تقريباً. وكنتُ سعيدة، سعيدة إلى حد ما، مثل كل الآخرين. أنا لم أقرأ كتباً كثيرة كي أتمكن من فهم نفسي، لكنني، ككل الآخرين، اصطدمت ذات يوم بواحدة من تلك الجمل التي، ما أن تعشش في ذهنك، حتى تبدأ بإذابتك من الداخل. كان ذلك ما قالته لي جدتي، قبل أن تذوب مع الذائبين. منذ تلك اللحظة وأنا أبحث عن الجملة المتوقعة أو المشتهاة، لا فرق. ورغم أنني لم أقرأ كتباً كثيرة، إلا أنني تخيلت إمكانية إيجاد تلك الجملة، صريحة أو مترجمة، عند أحدهم. كنتُ متأكدة أنني سأجدها. وهكذا، بدأتْ رحلتي مع الكلمات والجمل. بدأتُ بالبحث عن تلك الجملة في أفواه الناس القريبين مني. كان لابد من البدء بأقرب المقربين، عائلتي. بحثت عن كلمات أمي، فلم أجدها. بعدها فقط ركزت البحث على كلمات أبي، إذ كنت قد سمعت، ذات يوم، أستاذ الفلسفة يقول بوجوب الاهتمام بالأم، لأن الأب حادث. حادث كلمتي أنا؛ أعتقد أنه استعمل كلمة أخرى، مصادفة. لم أفهم تلك الجملة. تخيلتُ لحظتئذ أنها ستكون جملتي. لو صح ذلك، فكرتُ حينها، فسوف أكون مثل لاعبة (أو لاعب؟) كرة قدم  عمياء، أُقحمت خطأ في مباراة دولية، ورغم منطق الأشياء ذي البرودة الصافية القاضي بفشلها، فإنها استطاعت أن تسجل هدفاً في مرمى الخصم في الثانية الأولى من المباراة. لو صح ذلك، فسوف أستريح من عناء البحث الذي كنتُ أتخيله، حتى قبل البدء به، طويلا ومملا. بحثت عن الأم وبعدها عن الأب، فلم أجد أياً منهما. حينها اكتشفت أنني مختلفة، مختلفة قليلا، وهو ما جعلني سعيدة بعض الشيء، لأنني كنتُ أعلم أنني أشبه الآخرين في اختلافهم. كان ذلك قبل سنتين بطبيعة الحال، قبل أن يُحكم عليّ بالسعادة رغم أنفي.

أحسست بالضياع. كان عليّ أن أبحث عن جملتي، لكنني لم أكن أعرف أين علي أن أبحث.

لم يكن لي تاريخ (ولا ذاكرة)، فعدت إلى كراساتي المهترئة التي كنتُ أحتفظ بها، لسبب مبهم، في أحد أركان غرفتي. ولسبب مبهم، شرعتُ أقلب صفحاتها الواحدة تلو الأخرى. على ظهر تذكرة حافلة  منسية، أو مدسوسة بعناية، بين الصفحات، وجدت جملة مكتوبة بلون أخضر: "ثم بازدراء أبلَغونا بأي الأعضاء علينا أن نضحي". لا شك أنني أحسست حينها أنني معنية بشكل خاص بهذه الجملة. لمَ كنتُ سأكتبها باللون الأخضر، إن لم يكن الحال كذلك. ثم أنني دونتها على ظهر تذكرة حافلة. لو لم أكن أحسست أنها تعنيني بشكل خاص لما كنتُ دوّنتها بهذا الشكل الدراماتيكي. وبقيت أبحث، وسط جبال الكلمات الرملية التي تكومت في ذاكرتي، عن رأس الخيط للوصول إلى قلب الجملة. من الذي قالها يا ترى؟ هل كان ذلك الشاب الذي التقيتُ عينيه الضاحكتين عرضاً. ذكرياتي مشوشة، لا تسعف حيرتي. قبل سنتين التقيت شباناً عديدين. كان لهم نفس الوجه دائما، ونفس العينين الضاحكتين. كان قد مضى بعض الوقت قبل أن تفاجئني رخاوة أفكاري وأحلامي: إذا كان لهم نفس الوجه، فهم نفس الشخص. وهكذا كان الشاب يظهر في حياتي في الأوقات الأكثر سعادة. وكنتُ أحزن للقائه وأبكي. كان ذلك قبل سنتين بطبيعة الحال. أما الآن، فأنا محكوم علي بالسعادة طوال الوقت. كانت الحياة قد اتخذت شكل وجه كالفينو.

السبب المبهم الذي دفعني للبحث في كراساتي، هو نفسه الذي جعلني ألتقط تذكرة الحافلة بأناملي المرتعشة. حدقت النظر فيها ودققت. قلبتها: قفا، وجه، ثم قفا، فوجه. في أسفل التذكرة، كان هنالك رقم تسللسلي. لاشيء غير عادي. لكن الأشياء بدت تنجلي شيئاً فشيئاً. حين توهمت أن الرقم التسللسلي يحمل معنى ما، كانت الظلمة قد بدأت تكنس أعمدة النور الواهنة بشكل تدريجي. كان الرقم مكونا من ستة أعداد، تَم رسم دائرة باللون الأخضر (هل كان نفس القلم الذي استعمل في كتابة الجملة؟) حول عددين عشررين منهما، هما العدد 16 والعدد 19. فكرت في الاستعانة بتجربة جارتي مع الأرقام، لكنني تراجعت خوفاً من الإحباط. أنا حذرة الآن أكثر من السابق، ذلك أن الإحباط قد يكون مقدمة للحزن الذي لا حق لي فيه أبداً، فأنا محكوم علي بالسعادة رغم أنفي. لكن الأمور لا تسير دائما في الاتجاه الصحيح، إذ أن جارتي، الخالة مورطي، التي كانت ترى علامات السعادة بادية على وجهي في كل وقت وحين، أتت إلى منزلي في تلك اللحظة بالذات. أعلم جيداً أنها كانت تنتهز الفرصة لإيقاعي في حبائل لغتها. بعد حديثنا العابر ذلك المساء، فهمتُ أشياء كثيرة؛ ولأول مرة، بعد الحادث، غداة خروجها، بكيتُ مستسلمة للحزن بنوع من السعادة الهادئة، وتخثرت دموعي الحمراء في مآقيّ. ورغم ذلك، فإنني شعرتُ بإحساس غريب ينتابني حيال نفسي، نفسي التي لم تكن أنا. كنتُ في نفس الوقت أنا وأخرى. حين فتحت لها الباب، نظرتُ إلى عينيها مباشرة. كان فيهما خبوٌ معدِ. عرفت من كلماتها الكثيرة باعتقادها أني غنية. "الناس السعداء هم في الغالب أغنياء" قالت. هممت أن أخبرها الحقيقة، كل الحقيقة، فهي على كل حال امرأة طيبة رغم إدمانها على لعب القمار. قد يكون القمار مهربها الوحيد المتاح من الوحدة، أو لست أدري أي آفة أخرى من آفات العصر. لكنني أحجمت عن ذلك في اللحظة المناسبة مستدرجة إياها للحديث عن منطق الأرقام، الذي كانت بارعة فيه. "بسيطة" قالت. صمتتْ بعض الوقت قبل أن تضيف بنبرة مخضبة بالتحدي: "على شرط  أن تقرضيني بعض البيزوات من أجل شراء دواء المفاصل." ووافقت فبرقت عيناها. "نقوم باختزال الواحد من كلا الرقمين، فيصبح لدينا رقمان: 69 و96. " وتراقب قسمات وجهي و"لقد قمت بعملية الاختزال لأن الليل على الأبواب، والليل اختزال، كما يقال. أما إذا كان النور يبزغ من وراء تلك الجبال هناك، فيلزم القيام بعملية أخرى. في الصباح، يكون هنالك معنى آخر للحياة. نور الشمس إضافة. حينها تصبح الأرقام كالتالي: 7، وهي ناتج 6 زائد 1و10 التي هي 9 زائد1. في الأخير، نحصل على 107. الصفر عدم، فيصبح لدينا إذن 17، وهو نفس الرقم الذي سنحصل عليه عن طريق عملية الجمع بين 6و1، و9 و1 . بهذه الطريقة تتأكدين من صرامة المنطق." وبقيتُ أحملق في وجهها. إنها امرأة عجيبة فعلا. سألتها: على ماذا تحيل هذه الأرقام؟ "أنا أعرف منطق الأرقام، لا منطق الأشياء في الأرقام"، قالت باعتداد بدا لي متنطعاً. بعد أن أقرضتها 10 بيزوات، قالت قبل أن تنسحب. "أيا كان ذلك الشاب، فهو لا يحبك. إنه مثل الشعراء، لا يحب إلا نفسه."

بعدها رأيت دموعي الحمراء أمامي في المرآة. نفس إحساس عدم الفهم يزلزلني.

مسحت دموعي بمناديل ورقية. أضحت المناديل منقوعة بالدم. بحثت عن قطعة من السعادة المتجمدة في حيز ما من ذهني. كانت جدتي تقول دائما: "السعادة إحساس هش قابل للتجمد في أي لحظة. علينا أن نمنحها القليل من الدفء الذي في قلوبنا." 

أعدت التذكرة إلى مكانها، وقبل أن أغلق كراستي، استسلمت للذة البحث من جديد. أسفل درس تاريخ الشيلي، كان هنالك جملة أخرى مكتوبة بالحبر الأزرق. قرأت الجملة بصوت جهوري: "'الله يأرحج الملايين من عوالمه في هدوء وأنا، مصغية إلى الله،' أهدهد وحدتي." تحت الجملة مباشرة كان هنالك رقمان وحرفان: 7و G، ثم 14 وM. من المؤكد أن لِ 7 و14علاقة وطيدة بالحرفين. حاولت التذكر. لم أفلح أبداً، غير أنني تذكرت صورة صوت يحادث حملاناً بيضاء في  إحدى قلل الجبال. هل كانت تلك حكاية من الحكايات التي كانت جدتي بارعة في سردها في ليالي يناير الساخنة بعدما كانت تفرغ من الحصاد؟ ضباب كثيف يكتنف فِكَري.

سمعت طرقاً خفيفاً على الباب. كانت رقبتي تؤلمني وعيناي راحتا تنزلقان ببطء من وسط وجهي، لتصلا في الأخير إلى منتصف صدري.  لعلها الخالة مورطي عادت لطلب المزيد من المال.

- اسمعي، قالت، أعرف شخصاً حدثني عن مشَّاءٍ أعمى يعرف سر جميع الأرقام والحروف.

صمتتْ للحظة وهي تعظ على شفتها السفلى، بينما كنتُ أنا أحاول فهم السبب وراء سقوط عيني من وجهي.

- لكنه بعيد الآن حسب ما أعتقد. عموماً يمكنه أن يساعدك في فهم أرقامك هاته. إن له قدرة هائلة على فعل كل شيء تقريباً.

وهل يمكنه أن يشرح لي سبب سقوط عينيّ من وجهي؟ تساءلت.

- لا بأس أيتها الخالة.

- هل تريدين أن أفاتحه في الأمر؟ لعلمك فقط، لقد صنع كتاباً من الرمل.

وكانت الأمور قد عادت تختلط في رأسي.

- كما تريدين.

- سأتكلم معه إذن...هل لي ببيزوين آخرين يا ياريتزا؟

كانت ابتسامتها قادرة على هزم أعتد الجنود. أذعنت لطلبها.

حين وضعت  قطعتي البيزو على راحة كفها البيضاء، كانت عيناي تتراقصان على صفحتهما النحاسية.

كانت الأصوات تتدلى من مكان ما في رأس الليل والحملان تتحدث لغة جديدة في قُلَل الجبال التي كانت في رأس جدتي في ليالي يناير الحارة. ومن رأس الليل  في جمجمتي، كانت الخالة مورطي قد كنست بضحكاتها المجلجلة آخر بيزو، ولم يبق غير تينك العينين على صدري. وجهي بدون عيون. هي عَكَرَةُ الروح تسيل من قلبي، فأجدني في ليلة ساخنة من ليالي يناير أمام رجل بعينين زجاجيتين وفم يشخُب وأراه، كما أرى العينين في وسط صدري، يبتسم ابتسامة ناعسة ويومئ لي بالدخول إلى قطعة معدنية صغيرة ولامعة تحوطها الظلمة من كل الجوانب، وأتردد فيُدْخل أصابعه الطويلة في فمه، ومن بين أضراسه، يخرج لي كلمة ويضعها في قلبي، فيهدأ روعي.

-ها أنتِ قد دخلت إلى الألف. قال الرجل. هنا تجدين الماضي والحاضر والمستقبل في تجاور دائم.

مدّ لي الرجل ورقة مدرسية، وهو يقول: لا تفتحيها إلا بعد أن تستفيقي من حلمك.

حينئذ فقط عرفت أنني كنتُ أحلم.

حين أفقت ألفيت ورقة مطوية إلى جانبي. فتحتها بدافع الفضول. كنتُ أعرف أنها إحدى رسائل كلفينو إليّ. شدني الحنين وبدأت بقراءتها. لكنني لم أفهم أي شيء مما فيها. بلى، فهمت الجمل المكتوبة بالأسبانية، ولكن الجمل الأخرى بقيت ملغزة. كان كالفينو جامح الخيال، يكتب الرسائل بأكثر الطرق غرابة. لا تستطيع أن تفهم شيئاً على الإطلاق. في نهاية الرسالة، تجد ملحوظة مقتضبة، مكتوبة بقلم مغاير غالباً، تشرح لك الطريقة المثلى لقراءة الرسالة. لم تشذَّ هذه الرسالة عن القاعدة. كان بإمكاني أن أتذكر الشكل المؤطر لنص الرسالة: قلب كبير في وسطه عينان. فتحت الرسالة: نفس الرسم. هممت برميها، لكنني لاحظت كتابة عجيبة الشكل في أسفل الرسالة:

إِنْ كُنْتَ لَمْ تُرِقِ الدِّماءَ زهادَةً   فَلَقَدْ أَرَقْتَ اليَوْمَ مِنْ عَيْني دَما [ii]

خربشات كانت هي، لكنني كنتُ متيقنةً أن خربشات كلفينو تحمل معنى. حاولت قراءة ما أسعفني رأسي على فهمه. كان هنالك كلام كثير ومعنى قليل. قفزت على الجمل التي لم أفهمها. بالقرب من العين اليسرى، كتب كالفينو:

"لأن عينيك مفتوحتان، فإنك تتخيلين أنك ترين." وبطبيعة الحال، كانت هنالك أحرف. W.J. G

"لكن هذه الليلة، ستتخضب عيناي بدم أحمر." F. G. L. C.

كانت الرسالة تحيلني على ذلك الرجل الغريب، وكلما كنتُ أحاول استرجاع ملامحه، كانت ملامح كالفينو تبدو واضحة أمامي. ولم أدر ما إذا كان ذلك الرجل هو روح كالفينو الهرمة أم لا، ولكنني أدركت شيئاَ واحداً مهماً: قبل عشرات أو مئات  أو آلاف السنين ربما، في بيت من البيوت الطينية في قرية نائية، أو في منزل في طرف مدينة صاخبة ما، كان هنالك، من دون أدنى شك، أناس بكوا مثلي تماماً، بكوا دموعاً حمراء.. الفرق بيني وبينهم أن الخالة مورطي تمكنت من رؤية دموعي، بينما بقيت دموعهم حبراً على ورق.

 

سلا، المغرب

 



[i] Roberto Piglia, La argentina en pezados (Buenos Aires : Ediciones de la Urraca, 1993), p. 102.

[ii]   لا أعرف سر تواجد هذا  البيت المكتوب بهذه الأحرف الصغيرة هنا، ولكنني لا أستبعد أنه ظهر أو، وهذا أقرب إلى الصحة، أنني تخيَّلته في النص الأصلي) في الأصل الضائع على ذلك الشكل، رغم أنني لا أذكر أنني استعملت أي أصل مكتوب للقيام بالترجمة. (المترجم)