عوّدنا مؤلف هذا الكتاب على تمثيل العادات اللبنانية على أحسن صورة وأبهج طريقة في روايات تتناولها القلوب قبل أن تتزاحم عليها أيدي القرّاء. وقد سرّنا أن نصفها في المشرق لما يستفاد منها من معرفة أخلاق اللبنانين ولهجتهم وأمثالهم وتصرفهم في معاملاتهم مع الأقارب والأجانب وتخلقهم بأخلاق أهل البلاد التي يحتلّونها.

«يوسـف الأرقـــش»

المرسل: سعيد تقي الدين من «بلاد الجد والعمل»

سعيد تقي الدين

إعداد وتقديم أثير محمد علي

 

مقدمة

نشرت المادة الصحفية المعنونة "يوسف أرقش" للكاتب اللبناني سعيد تقي الدين (1904–1960) لأول مرة عام 1927 في "مجلة المرأة الجديدة" (س7: 202) لصاحبتها جوليا طعمة (1880–1954).

في خريف 1925، حمل الشاب سعيد تقي الدين رحاله وهاجر إلى جزر الفيليبين بعد تخرجه من الجامعة الأميركية في بيروت.

عند بدايات تلك السنة أخذت تظهر بكثافة الإعلانات عن مسرحيته "لولا المحامي" في مختلف المجلات الأدبية من بينها نذكر مجلتي "المورد الصافي" (مج 10: 187)، و"الهلال" (ج 7، س 33: 787). شكلت مسرحيته هذه المكتوبة سنة 1924 العمل الأدبي والفني الرئيسي الذي عرف القراء العرب في "شرق المتوسط" ومصر بكاتبها ووسع شهرته بينهم.

في بلاد المهجر عمل في التجارة لسنوات طويلة، تزوج من مواطنته بياتريس جوزيف وأنجب منها ابنته الوحيدة، ومن ثم عين قنصلاً فخرياً لبلاده في الفيليبين سنة 1948.

هناك في أقصى الشرق، وبين الفينة والأخرى ثابر سعيد تقي الدين على ممارسة الكتابة النقدية والقصصية والمسرحية، ولم ينقطع عن اهتماماته الأدبية، وإرسال ما يسطره بقلمه إلى الصحافة العربية.

حاول في كتاباته عامة، والمسرحية خاصة، مشابهة الواقع اللبناني الذي يتناوله قلباً وقالباً، سواء في بناء الشخصيات وانفعالاتها، أم فيما يتعلق باللغة التي تنطق بها في أسلوب يراوح بين الجد والهزل وتطغى عليه روح الفكاهة اللبنانية المميزة. بمعنى أنه حاول "لبننة" أعماله أدبياً من خلال رصد الخصوصية المحليّة فيها.

ربما أمكن القول أن محاولة سعيد تقي الدين هذه لم تكن الأولى من نوعها، فقد سبقتها بضعة محاولات من مثل ما قام به المهاجر اللبناني في البرازيل شكري الخوري (1872–1939) صاحب جريدة "أبو الهول" العربية الصادرة في سان باولو.

نشرت مجلة "المشرق" وفي إحدى إعلاناتها سنة 1911 (س 14: 815) خبراً عن طباعة الجزء الأول من رواية "ياحسرتي عليك يا زعيتر" في العاصمة البرازيلية لمؤلفها شكري أفندي الخوري، وعلقت على لسان الأب لويس شيخو بما يلي:

"عوّدنا مؤلف هذا الكتاب على تمثيل العادات اللبنانية على أحسن صورة وأبهج طريقة في روايات تتناولها القلوب قبل أن تتزاحم عليها أيدي القرّاء. وقد سرّنا أن نصفها في المشرق لما يستفاد منها من معرفة أخلاق اللبنانين ولهجتهم وأمثالهم وتصرفهم في معاملاتهم مع الأقارب والأجانب وتخلقهم بأخلاق أهل البلاد التي يحتلّونها. وهذا أثر جديد من ذلك القلم السيّال سوف يرحب فيه الوطنيون، إذ يجدون فيه مرآة حياتهم، والمستشرقون لأنهم يتوقون إلى درس طباع الشرقيين لاسيما إذا كانوا كزعيتر على فطرتهم الطبيعية وغريزتهم الأصلية لم يستعيروا من الفرنج أزياءهم المستحدثة. فنشكر المؤلف على هذا المصنف الجديد ونتمنى أن ينجزه قريباُ على أحسن طريقة فيتعرف زعيتر وأمثاله أن في المهاجرة من الأهوال ما يسهل بجانيه ضيق حال الوطني في جبله لبنان، فكفى بالوطن راحة بال وطمأنينة فكر وهناء عيش بصحبة الأهل والأقارب".

قبل "يا حسرتي عليك يا زعيتر"، وتحديداً في سنة 1904 كان الصحفي شكري الخوري قد نشر عمله الأدبي المعنون "طولة العمر في حديث أبو يوسف نمر" معتمداً اللهجة العامية الدارجة كلغة لشخصياته التي تتحرك في فضاء جبل لبنان (راجع المشرق، س8: 189).

هذا يعني أن تلوين الأعمال الأدبية بالصبغة المحلية والشعبية اللبنانبة كان قد لاقى من يتبناه من قبل بعض الكتاب، خاصة ممن كانوا في المهجر.

لعل السبب في هذا الاهتمام الأدبي بثقافة الوطن الأم المغرقة في المحلية هو محاولة حثيثة لاستعادة واقع أخذ يبتعد كل يوم أكثر فأكثر عن الزمان والمكان المهجري، أو لعله تأكيد على بقايا خيالات من البيت الأول في دار الغربة.

كان سعيد تقي الدين قد بعث بمقالته إلى إدارة تحرير "مجلة المرأة الجديدة" كما ذكر سابقاً بغرض تعريف القراء بصديقه الشاعر والسياسي المدعو "يوسف الأرقش".

حالياً، لا تتوفر بين اليد معلومات عن هذه الشخصية التي يتناولها كاتب المقالة، فالشك يحيط بهويتها ويتساوى احتمال كونها شخصية واقعية أو متخيلة، رغم الصورة الفوتوغرافية التي نشرتها المجلة لها.

تبدو ملامح "يوسف الأرقش" من خلال سياق الكلمات وبين السطور كقناع يخفي سعيد تقي الدين وجهه الحقيقي خلفه، فكأنه أراد الإشارة لنفسه عندما أشار نحو الآخر وتحدث عنه.

وصلت المادة الصحفية من الفيليبين في الحين الذي كان يشعر فيه كاتبها بخفوت جذوة الأدب في نفسه كما صرح لإدارة تحرير "مجلة المرأة الجديدة".

ربما هذا ما دفعه لتناول "يوسف الأرقش" والإعلاء من شأنه والاحتفاء به والمبالغة من قدره كنوع من التعويض عما كان يحسّ أنه يفتقد له في نفسه آنئذٍ.

تتقاطع ظروف هجرة الكاتب سعيد تقي الدين مع شخصية "يوسف الأرقش" التي يتناولها بالتعريف والتقديم لقارئ/ لقارئة المجلة النسائية.

في كل الأحوال أراد الكاتب في مقالته أن يصور عالماً جديداً شخوصه وأبطاله تنتمي لواقع المهاجرين، وبنية حبكته تؤسس في لوحات مستقلة متعاقبة، كمشاهد سينمائية يفصلها عن بعضها تعتيم وإضاءة كإشارة لمرور الزمن.

يتشارك كل من سعيد تقي الدين و"يوسف الأرقش" بثقافة تعزف على نغمة واحدة فيما يتعلق بالمفارقات السلوكية الدقيقة التي تحاور بلا كلمات منطوقة وتلتقط الثنايا الخفية للثقافة الأم، كما يتقاسمان الهوية المعرفية وحمولتها من الإيحاءات والاستعارات الاجتماعية النفعية البلاغية.

على العكس من غاية شكري خوري في "ياحسرتي عليك يا زعيتر"، والتي فيما يبدو أنها تؤكد على أهوال الهجرة ورعوية الوطن الأم، يقص سعيد تقي الدين في مقالته حكاية المهاجر الشاب/ الفرد الراكب خضم البحار بينما الأخطارالخفية –يكثفها التزود بالمسدس– تحيط به من كل صوب إلى أن يحط مرساة ترحاله في موانئ المهجر النائية.

بعد ذلك تدور ذكريات الكاتب مع شخصيته في المشهد الثاني في الأرض الغريبة حيث حلبة الصراع على الوجود تكون في الانتظار.

ينازل "يوسف الأرقش" القدر والثقافة التي تحتويه ويثبت قدرته على الاندماج وكفاءته بالتساوي مع ساكن البلد الأصلي.

يبني المهاجر/ الفرد المرتحل عن الأرض الأولى أمجاده الذاتية وتتحول حكايته الواقعية إلى أسطورة منسوجة من الكلمات ومطرزة بالتخييل ومطعمة بالحقيقة والرياء الدرامي على حد سواء.

يوحي نص المقالة بمرور سنوات مديدة على ذكريات الكاتب المستعادة مع شخصيته، ولكن من المفترض أن اللقاء الأول بينهما تم قبل عامين من تاريخ كتابة المقال، أي في 1925 وهي سنة هجرة سعيد تقي الدين نفسه إلى الفيلبين.

هذا يعني أن مؤلف المقالة لخص سيرة "يوسف الأرقش" في حولين فقط، وأوقف حبكة مادته الصحفية الحكائية عند ذروة مجد الشخصية المحتفى بها، وفي حاضرها المنفتح على تخوم مشروع المستقبل.

في ديار الغربة لاوقت إلا لـ"الفعل"، وبـ"الفعل" وحده يبني المهاجر/ الفرد اسمه ويحاور حاضره، وبه يضرب لنفسه جذوراً في الواقع الجديد.

من جانب آخر في "الفعل" تسريع للزمن، لعل في ذلك تبرير لذلك الإحساس العميق الذي ينتاب الكاتب/ المهاجر/ الفرد بالعابر والمتغير وصيرورة الوقت.

أما بالنسبة للمقدمة الي صدّرت بها المجلة المقالة فعلى الأغلب أنها كتبت بقلم محررة المجلة جوليا طعمة.

تقديم "مجلة المرأة الجديدة":

السيد سعيد تقي الدين مؤلف روايتي "لولا المحامي" وقضي الأمر" التمثيليتين اللتين حازتا شهرة لم تحزها رواية عربية في هذه البلاد. كاتب أديب ذو أسلوب خاص جذاب خفيف الروح عرفه به قارئوه من مقالاته العديدة التي كان يوقعها بتوقيع "بشار" في الصحف اليومية والأسبوعية، والمجلات.

ولسنا نشك في أنه لو بقي منصرفاً إلى الكتابة والتأليف بعد إنهاء علومه لكان له في عالم الأدب شأن كبير ولتبوأ بين الكتاب مركزاً سامياً ولكنه انصرف إلى التجارة والعمل الجدي قبل أن يستفحل فيه داء الكتابة فيضيع حياته في مهنة يعيش صاحبها فقيراً ويذيب دماغه وقلبه في خدمة يجازى القائم بها بالتصفيق فحسب.

على أن رغم كل ذلك آمل أن يأخذ منه هذا الداء الحين بعد الحين فيتحفنا بمقالاته الطلية الرائقة يرسلها إلينا من بلاد الجد والعمل سيما إذا كان في مقالاته يخرج كنوزاً لنا ينتفع بها الغرب ولا ندري بها كهذا الشاعر الذي يعرّفه إلينا في هذا المقال.

ويقول السيد سعيد في الكلمة التي أرفق بها هذا المقال أن الشعلة الأدبية تنطفيء في نفسه. فنحن نقول له أن هذه الشعلة –خلاف ما يظن هو نفسه– لاتزال متقدة ونأمل أن يتحفنا بكثير من أمثال هذا المقال:

نص "يوســـــف أرقـــــش" بقلـــم ســــعيد تقــي الديــن

علمتني أسفاري البحرية فضيلتين: خشونة العيش في جسدي، وفظاعة الشتائم على لساني.

فأنا إذا اشتد عليّ الهول استعنت عليه بالخشونة، وإذا نفرت من أمر داويته بالشتيمة.

أما الخشونة فقد وعظوا بها كثيراً، وأما الشتيمة فلا يعرف حلاوتها إلا من تعودها. هي تفش خلقك، وتطفي مرارتك، وأني أذكر أدوار حمى لم تطردها الكينا وطردتها الشتائم.

والشتائم على أنواع. شتيمة رجال الدين بلعنة الشيطان، وهي أبسطها. ومنها شتائم المكارين، على أن "أنعمها" شتيمة البحارة ذلك النوع الـ Classique الذي أتقنته.

صدق المثل الأميركي "ما يستحق أن تتعلمه، يستحق أن تجيده".

وكان ذلك في منتصف ليل ماطر، في جزائر الفلبين حين قفزت إلى سفينه شراعية بصناديقي الأربعة استبق سائر المسافرين إلى المقعد الوحيد في ذلك المركب الصغير، أمنّي النفس بالاستراحة متمدداً عليه. فما راعني إلا فتى كالعصفور حائم على المقعد، وقد بسط ذراعيه النحيلتين، كالجناحين على حقيبة عرفت من كثرة الأقفال عليها أنها حقيبة مجوهرات.

وكان ما تتوقع إذا هصرت شتيمة عربية لو سمعها بحارة يافا لأحنوا الرأس إجلالاً للنبوغ.

واستفاق الفتى، وحقه أن يستفيق، فسألني بعربية حلوة مكسرة:

- هذرتك صاحب البابور.

فأجبته بلهجة المازح المجد:

- لست بصاحب البابور، ولكني صاحب المقعد.

قال بانكليزية صحيحة طلقة:

- أنا نحيل ولكن لي رفيقاً ألمانياً ضخماً يهزأ بكبار الأجسام وأشار إلى مسدس موزر؟

قلت بالعربية ضاحكاً:

- يظهر أن قلبك أصدق بالإفصاح عن سوريتك من لسانك، بلاش بهورا. خل عنك هذا الألماني، وهات تلك الألمانية السودا نطفيء بها عطشنا.

- تكرم.

وتناول زجاجة بيرا سودا صنع برلين.

تلك كانت أول معرفتي بالفتى السوري الشاعر يوسف الأرقش.

* * * *

أي عجب يملأ خاطري إذ أذكر ذلك الفتى المتمدد على المقعد الخشبي الصغير، وهو كمشة من رجل. هو هو الشاعر الملهم والسياسي المحبوب الذي أقدمه لمواطني بفخر وإعجاب.

قلت إنه شاعر وسياسي، والأصح أن يقال أنه شاعر فقط، فليست سياسته وخطابته وانتشار ذكره بين الناس إلا مظاهر من نواة نفسه وهي الشاعرية، فلنبدأ بهذه إذاً.

سوق عكاظ في الفلبين. ذلك النبأ الذي حملته الجرائد للناس، إذ أذاعت أن مباراة شعر خطابية ستعقد في المدينة يتناطح بها شاعرا البلاد المقدمان فأيهما صرع الآخر حقَّ له لقب البطولة في الشعر. وكان الشاعران المتباريان أديبٌ فليبني ويوسف الأرقش.

هزتنا الوطنية يومئذ، وما أندر أن تهزنا. واجتمع السوريون في سيبو –وهم حفنة– لنهيص لشاعرنا. ودخلنا القاعة، وكانت كعلبة السردين ونهض الشاعر الفلبيني فصفق المتحمسون له وهتف الأنصار. فأعاد قصيدته بكاملها والأرقش هادي يجامل رفيقه بتصفيق وبابتسامة.

ووثب الأرقش فيا لهتاف زلزل القاعة منا.لا بل من الفلبينيين أنفسهم إذ أنه أحب إليهم من أي مواطنيهم.

وأنشد أول مقطع فاستعادوه، وأنشد الثاني فاستعادوه، ومضى في قصيدته يكرر أبياتها ويكررون هتافهم وانتهى منها ولم ينتهوا من التصفيق، حتى لقد اضطر رئيس الحفلة أن يستعيد النظام بقرع الطاولة.

واختلى المحكمون، والمحاباة تفر من قاعة ملأها جمهور ساذج متحمس وتختبيء في غرفة مظلمة إلتف حول طاولتها ثلاثة من الثعالبة الشيوخ ولكنهم خافوا غضب الجمهور. فأعلن رئيسهم –وهو كبير المحكمين– فقال:

- جيء لصائغ بلؤلؤتين شقيقتين وسائل أيهما أنفس. أجاب الصائغ: عدمت معرفتي لو ملكت الجواب.

إن الأرقش وخصمه طيارتان أخرجهما معمل واحد فتقاسما الجائزة، وتقاسما اللقب.

تلك المباراة هي إحدى مظاهر شاعريته، ولكنها ليست كلها، فهو يؤلف الروايات التمثيلية، وينظم القصائد والقويلات، وله قويلة معروفة ترجمتها:

"هـذه الدنيـا منحـوســة

وأحـكامـهـا معكـوســة

إذا اقتصدت، قالوا بخيل

وإذا سـكت، قالـوا عيـيّ

وإذا نطقت، قالوا مهـذار

حينما كنت صغيراً قبلتني كبيرات الصبايا

وحينمـا كبــرت قبلتنـي صغيـرات البنــات

فيا لك من دنيا منحوسـة

وأحـكــــام معكــوســــة"

وله في الرسائل الغرامية بدائع. هذه مسطرة منها أخذتها من حقيبة فيها عشرات من أمثالها، كل حادثة غرامية لها "دوسيه" مخصوصة. هذه من دوسيه "أمبي". قال نفعنا الله بلسانه:

"هو ذا السابع يمر بي من يوم بعثت إليك برسالتي الأولى. إن الله تفسه استراح في اليوم السابع بعد أن كون العالم.

بلى إن الخالق استراح أما أنا –الشقي– فمتى تنتهي آلامي وتسكن أوجاعي. وما دمت لا أجد راحة بعد جهاد أسبوع، فإني لا أجرأ على القول أن هذا العمل الذي حاولت أن أقوم به هذ أصعب مثالاً من إبداع دنيا بأسرها.

على أني أرتد عن كفري، فأقول: ما أنت إلا شعلة من نار الله، أفيعقل أن يكون مبدعك –وهو القادر على كل شيء– أيعقل أن يكون على قدرته شفيقاً رحيماً وتكونين أنت، يا صنيعة يديه، كذا قاسية وكذا ظالمة؟!!

حدثيني أحقاً أنت من صنع الله. أن تكوني فلماذا خلقك الله كذا ساخرة يا أمبي؟ لئن كنت غير لائق بك، صارحيني، إني حينئذٍ أحمل ثقل حكمك طيلة حياتي، حتى يحررني الموت من أنياب الحياة".

وله رسالة ثانية:

"لك الله اشفقـــي!

إنني صريع أمواج في خضم صخاب. الشاطئ بعيد فلا أراه. تمر بي الحيتان مهمهمة ألحان الموت. وليس ما يبعث بي أمل الحياة إلا بصيص منارة جميلة فتانة ولكنها بعيدة يلوح نورها ويختفي، وأني لأراها تهزأ بي كلما لمع نورها وغاب. غير أن الأمل، بل حب الحياة يشدد ذراعي في مناضلة الأمواج.

تلك المنارة هي أنت ياأمبي، جمالك خطر ولكنه جذاب. بريق المنارة هو ابتسامتك والحيتان هي جنينة الحب التي تقود المسافر إلى المكان المجهول.

وحب الحياة هو تلك العاطفة الثائرة الساحرة التي رمت بي بين يديك.

وأني غير منفك عن مناضلة الأمواج".

وهنا يجمل بنا أن نذكر أنها حين سمعـت شكاويه "وقللـت عقـل"، فردت عليه مســتخفــة: "بـطـــــل".

وأرسل يعتذر ويستعيد رسائله.

* * * *

في الانتخايات المقبلة سيرشح نفسه لمجلس الشيوخ.

يا لزمان اقتطع زائدته، فأبقى مشرط الجراح تجويفاً في خاصرته كلما ارتقى منبراً ليحمس الجمهور كشف عن جرحه فقال:

- هذه رصاصــة ألمانيـة أصابـت خاصرتـي حينمـا كنـت فـي الفرقــة الفلبينيــة مـن الجــيش الأميركــي لأرفــع بيـن المـلاً اسـمكـم.

في الفلبين نحو ثلاثمائة سوري ليس بينهم واحد صديق الجميع إلا يوسف الأرقش.

لعل تلك أجمل مفاخره.

* * * *