يتابع محرر (الكلمة) هنا تقاريره السنوية عن مشاهداته في مهرجان أفينيون المسرحي، وتأمل ما تطرحه علينا استقصاءاته من قضايا وكشوف يستفيد من إضاءاتها عالمنا العربي، وقد وقعت الكثير من أحلام حراكه العربي في أحابيل ألاعيب الثورة المضادة، وعاد من جديد للمعاناة من القهر وانسداد الأفق أمام أجياله الشابة.

«أنا الآخر» وسعي المهرجان إلى الجمهورية الفاضلة

«مهرجان أفينيون» .. وكيف ترفض الثقافة فرقعات السياسة

صبري حافظ

لا يكف مهرجان أفينيون المسرحي السنوي، وهو أهم حدث مسرحي في أوروبا، عن إدهاشي دوما بجديده، وبما يطرحه من رؤى وأفكار، وبتنامي شغف آلاف الجماهير به. وكانت أولى منابع الدهشة هذا العام هي شعار المهرجان هذه السنة في دورته التاسعة والستين: «أنا الآخر». وكأن المهرجان يرد به، وعن وعي حقيقي، على طنطنات السياسة السطحية وفرقعاتها عقب الهجوم على «شارلي إيبدو»؛ وتبنى مظاهراتها الصاخبة التي شارك فيها أكثر من زعيم سياسي، بمن فيهم مجرم الحرب الصهيوني بنيامين نتانياهو، لشعار «أنا شارلي». وأذكر أن المرة الأولى التي زرت فيها باريس عقب تلك المظاهرات أن تحدثت مع سائق التاكسي الذي أقلني من محطة القطار حول رأيه في تلك المظاهرات، وقد بدا عليه أنه من أصول مغاربية رغم اعتصامه بفرنسيته، فاعترض على ذلك الشعار السياسي؛ وأكد على أنه ليس «شارلي» بأي حال من الأحوال. لذلك سعدت بهذا الرد الضمني من المهرجان على ضيق الأفق السياسي، ورفعه هذا الشعار الأعمق والأرحب: «أنا الآخر». فدور الفن هو رسم الطريق للخروج من مأزق الهويات القاتلة والمتصارعة التي يسيطر فيها التعصب والعداء للآخر على عالمنا المعاصر؛ وحتى على أبناء الوطن الواحد؛ والطموح إلى ضرورة فهم الآخر، بل التماهي معه.

إذ يعلن أوليفييه بي Olivier Py مدير المهرجان في تقديمه له، أن واقعه يناير المأساوية جعلت فرنسا تدرك من جديد أهمية الثقافة، ودور الفن في الخروج بها من مأزق السياسة. ففرنسا تعي في المستوى العميق لوعيها الجمعي، أو لبنية المشاعر الجمعية المضمرة في ثقافتها العميقة، أن الثقافة هي مصدر قوتها الأساسي. فلم تعد فرنسا دولة استعمارية كبرى يمتد نفوذها من الهند الصينية وحتى لويزيانا الأمريكية وكيبيك الكندية وشرق القاهرة الأفريقية كما كان الحال في القرن التاسع عشر. ولم تعد لغتها هي لغة الدبلوماسية الأولى في العالم كما كان الحال حتى هزيمتها أمام زحف النازية الألمانية في الحرب العالمية الثانية، وحلول اللغة الانجليزية مكانها، مع صعود الولايات المتحدة الأمريكية، كلغة ثانية للعالم كله. ولم تعد حتى من القوى الاقتصادية الكبرى في عالم اليوم، ولا حتى داخل أوروبا التي تزعمت بقيادة ديجول مشروع اتحادها الذي يزداد مع الزمن قوة ورسوخا. ولكن ما يبرر مكانتها كقوة أساسية في أوروبا، وفي عالم اليوم الذي لاتزال تتمتع فيه بالعضوية الدائمة في مجلس الأمن، هو قوتها الناعمة في مجال الثقافة. ووعيها الذي صاغته باسكال كازانوفا في عنوان كتابها الشهير (جمهورية الآداب العالمية) بأنها، أو بالأحرى عاصمتها باريس، هي عاصمة جمهورية الآداب العالمية تلك، بما في ذلك الأدب الأمريكي ذاته الذي لابد أن يمر أعلامه بباريس وجودا وتكوينا وترجمة، حتى يحققوا مكانتهم في تلك الجمهورية العالمية. فباريس فضلا عن أنها عاصمة جمهورية الأدب العالمية، كما يبرهن وبإقناع كتاب كازانوفا (وهو بالمناسبة مترجم للعربية) كانت عاصمة مرحلة الاستنارة والثورة منذ القرن الثامن عشر، إذ يعتبرها والتر بنيامين عاصمة القرن التاسع عشر، ولاتزال تحافظ على مكانتها كعاصمة للسياحة في العالم إذ يتجاوز عدد زوارها في العام 57 مليون سائح، مما يجعلها المدينة الأولى في العالم من هذه الناحية.

قوة الثقافة الناعمة وطرح الحلول:
والواقع أن الفكر والفن في فرنسا يبرهنان دوما على أهمية القوة الثقافية الناعمة، في عالم يحتاج دوما، وكلما تعاظمت فيه قوة الغطرسة العسكرية التي تمثلها بفجاجة الولايات المتحدة الأمريكية (والعيد السبعين لإلقائها القنبلة الذرية على هيروشيما ونجازاكي والذي مر في شهر أغسطس الماضي يذكرنا بذلك) إلى من يطرح الموقف الأخلاقي الأعلى في مواجهة غطرسة القوة تلك. وكأنها تقوم في عالم السياسة الدولية بالدور الذي يقوم به المثقف في طرح إدوار سعيد حول تمثيلات المثقف حينما يطرح الحقيقة في مواجهة السلطة/ القوة الغاشمة. وهو الأمر الذي مارسته فرنسا حقا في اجتماع مجلس الأمن الشهير عام 2003، إبان حشد جورج بوش الصغير وتابعه القميء توني بلير الرأي العام العالمي لغزو العراق، وطرح وزير خارجيته، كولن باول، حفنة من الأكاذيب المفضوحة عن أسلحة الدمار الشامل العراقية في مجلس الأمن، فتصدى له وزير خارجية فرنسا، دومنيك دو فيلبان (وهو بالمناسبة شاعر ومثقف قبل أي يكون سياسيا) بخطاب يطرح الحقيقة وسلطتها الأخلاقية في مواجهة غطرسة القوة. وهو الأمر الذي أدى لأول مرة في تاريخ مجلس الأمن إلى تصفيق كل الحضور، ما عدا بالطبع ممثلي آلة الكذب والعدوان الأمريكية أي مندوبي بريطانيا وأميركا. فقد انكشف كذبها وقد تجلت الحقيقة ولكن بعد فوات الأوان كالعادة. أي بعد غزو العراق وتدمير بنيته التحتية والإخفاق في العثور على أي من أسلحة الدمار الشامل المزعومة، وإعادة العراق للعصر الحجري، حسب إحدى شعاراتهم الفجة، وقتل أكثر من مليون من مواطنية وتهجير خمسة ملايين آخرين، ولايزال الدمار مستمرا حتى اليوم.

لكن دور المثقف هو طرح الحقيقة في مواجهة السلطة/ القوة، وإن لم ينجح دوما في هزيمة هذه القوة أو الحد من غطرستها، فإنه على الأقل يعريها من المصداقية والمشروعية. هذا الدور المهم للثقافة وقدرتها على التفوق على السياسة والساسة، والارتقاء بالمتلقي والمواطن معا إلى آفاق أسمى وأرحب هو ما يلح عليه أوليفييه بي، مدير مهرجان أفنيون، في تقديمه لمهرجان هذا العام. واختياره عن وعي لشعار «أنا الآخر» شعارا له. ففي العام الماضي مثلا هدد أوليفييه بي بإلغاء المهرجان لو فاز مرشح «الجبهة الوطنية» العنصرية اليمينية بانتخابات عمدية مدينة أفينيون؛ لأنه لا يستطيع التعاون مع عمدة بتلك العقلية اليمينية ضيقة الأفق. وكانت «الجبهة الوطنية» اليمينية قد فازت بنسبة عالية من المقاعد في الانتخابات المحلية، وأوشك مرشحها أن يفوز بعمدية مدينة أفينيون؛ إذ كان أحد الاثنين اللذين أعيدت بينهما الانتخابات، فسقط نتيجة لتهديد أوليفييه بي ذاك. لأن المدينة تدرك أهمية المهرجان لسمعتها واقتصادها وحياة مواطنيها الروحية والاجتماعية على السواء.

شعار مهرجان هذا العام والتلاحم فيه بين الأنا والآخر

وها هو المهرجان يفاجئني هذا العام بموقفه الأرقى في مجال العلاقة المعقدة مع الآخر، في زمن سادت فيه تبسيطات الحرب على الإرهاب، وشيطنة الآخر وضرورة استئصاله. إذ يؤكد الشعار أن فرنسا الثقافية تدرك مدى فجاجة الشعار الذي استخدمته فرنسا السياسة لحشد التأييد الدولي لها عقب الهجوم على مجلة (شارلي إيبدو)، ورفع شعار «أنا شارلي» عنوانا لهذا الحشد الدولي الضخم، والذي شارك فيه كما ذكرت مجرمي الحرب من الصهاينة الملطخة أيديهم بالدم العربي. لذلك تهتم الثقافة هنا بزعزعته وطرح شعارها الأرقى في مواجهته. فزعزعة التمركز المقيت على الذات، وطرحها في فضاء عقلي يؤمن حقا بالحرية والإخاء والمساواة: شعارات الثورة الفرنسية الأساسية، هو الذي تطلب اقتلاع شعار «أنا شارلي» من الوعي الفرنسي، وطرح هذا الشعار المغاير «أنا الآخر» بدلا منه. لأن الشعار الذي رفعه الساسة، بوعي منهم أو دون وعي، يلعب دورا في تأجيج عنف تعصب الهويات الأعمى، واستراتيجياته المراوغة. إذ يطرح عنف الدولة المضاد، في مواجهة عنف أيديولوجيات الإسلامجية العمياء. أما المواجهة الثقافية والفنية والفكرية التي يطرحها شعار المهرجان، فإنها تتطلب التخلي عن التمترس في خنادق تعصب الهويات الأعمى، وبذل الجهد المطلوب لمعرفة الآخر بحق والحوار الندي الجاد معه، والتماهي الإنساني معه. فهذا هو دور الثقافة العقلية النقدية بشكل عام، حينما تصبح لها الكلمة العليا على السياسة.

وكان المنبع الثاني للدهشة هو ثراء هذا المهرجان المستمر، وتأكيده أن الفن يخرج افضل ما في الإنسان ويحوله إلى كائن أرقى من ذلك الذي نسمع عنه يوميا في نشرات الأخبار المثيرة للإحباط واليأس، سواء أكان مبدعا له، أو مشاهدا متلقيا لهذا الإبداع ومتجاوبا معه، أو حتى مواطنا عاديا يعتز بوجود مثل هذا المهرجان الفني الضخم في ثقافته وعلى أرض وطنه. حيث تتحول المدينة في شهر المهرجان إلى ما دعاه همنجواي مرة وفي مناسبة مغايرة بـ«الحفل المتنقل»؛ يعمر الفن شوارعها وفضاءاتها المختلفة. فإذا ما قصرنا الحديث على المهرجان الرسمي وحده، سنجد أنه يعرض هذا العام ما يقرب من خمسين عملا، ناهيك عن مئات الأعمال الأخرى التي يحفل بها المهرجان الهامشي Avignon Off والذي تتعاظم أهميته عاما بعد الآخر. وسنجد أن ما يقرب من ربع هذه الأعمال الخمسين تقدم لنا أرقى ما يتميز في المسرح الفرنسي من عروض طوال العام. فحينما تكون هناك تنمية ثقافية حقيقية، فإن الفن لا يتركز كله في العاصمة، كما هو الحال في بلداننا العربية، بل يزدهر في مختلف بقاع الوطن، بصورة تتيح للمواهب أن تتفتح وتتحقق مهما كان موقعها. فبالإضافة إلى ثلاثة عروض جاءت من باريس، وثلاثة تم إعدادها خصيصا للمهرجان في أفينيون، سنجد أن هناك فرقة رقص حديث من «إكس أون بروفانس» وعرض ممثل واحد من «فالانس»، وأخر من «تولوز»، وعمل مسرحي من «بوردو» وآخر من «فيندوم». أما بقية العروض فقد جاءت من مختلف مسارح العالم المتميزة: من وارسو، وبرلين، وموسكو، ومدريد، ولندن، وجينيف، ولشبونة، وتالين (استونيا)، وبيونس أيرس، وداكار، والقاهرة، وبيروت، وتونس، والجزائر، وغيرها.

أما المنبع الثالث للدهشة فهو في هذا الإقبال الواسع على المهرجان، والذي يتنامى عاما بعد الآخر، برغم الحر وارتفاع أسعار التذاكر النسبي، حيث متوسط ثمن التذكرة ثلاثين يورو. فكل عروض المهرجان تدور أمام مسرح مليء لآخره بالمشاهدين؛ مع أن بعضها يعرض في فضاءات تتسع، كأكبر فضاءات المهرجان وهي قاعة الشرف في القصر الباباوي، لألفي متفرج، ويستوعب أغلبها ما يقرب من الألف. وقد بيعت أغلب هذه التذاكر سلفا، وقبل بداية المهرجان. وكلما ذهبت لعرض، تفاجئني الطوابير التي تنتظر أي تذاكر مرتجعة أو لم يحضر من حجزوها لاستلامها. وقد عرفت أن بعض المنتظرين في تلك الطوابير قد جاء قبل موعد بدء العرض بأكثر من ساعتين حتى يعزز فرصته في الحصول على تذكرة في اللحظة الأخيرة. وهي طوابير تُشرح القلب، لأنها تكشف عن حرص الإنسان على مشاهدة الفن والاستمتاع به. فمناخ مدينة أفينيون التاريخية طوال شهر المهرجان أقرب ما يكون إلى عالم فاضل ينشد فيه الإنسان الفن والمتعة، ويطرح هموم العالم وتعاساته وراءه، أو حلم مبتغى يتحقق في لحظة مقتطعة من الزمن. يترك فيها أغلب من جاءوا إلى المهرجان مشاغل الحياة وعبودية العمل وراءهم، ويعيشون تحت مظلة الفن وفي أفياء عوالمه التي ترقى بهم فوق المشاغل التي تركوها خلفهم، وإن لم تقطع صلتها أبدا بها.

وكان المنبع الرابع للدهشة هذا العام، هو أن أول عروض مهرجان هذا العام وأكثرها تكرارا (حيث يعرض على مدى 18 يوما، بينما متوسط عرض العمل عادة بين 7 – 9 أيام/ مرات) وهو العرض الوحيد المجاني والمفتوح لجمهور غفير دون حجز مسبق، حيث يدور ظهرا في حديقة عامة، كان (جمهورية أفلاطون). نعم إنه عن النص الفلسفي المؤسس في الفكر الغربي، والذي ترجم إلى أغلب لغات العالم، أي (جمهورية أفلاطون)، ولكن في ترجمة جديدة قام بها ألان باديو Alain Badiou أحد أبرز فلاسفة فرنسا المعاصرين. ولكنها ليست مجرد ترجمة عادية، ولكنه عمل استغرق منه 11 عاما، كما يقول. وحاول فيه أن يدير حواره الخاص كمفكر معاصر مع هذا النص المؤسس في الفلسفة الغربية. فترجمته ليست مجرد ترجمة جديدة للنص ولكنها حوار جدلي خلاق معه، من موقفه الفلسفي الذي يناقش فيه أهم قضايا الفكر الأفلاطوني، وما جرى لما يطرحه من القضايا التي لاتزال فاعلة في الواقع المعاصر: ألا وهي قضايا الديموقراطية والعدالة والنظام السياسي والمواطنة ووضع الفلسفة في العالم والمدينة الفاضلة/ المثلى/ المنشودة. وهو حوار يؤكد، كما يؤكد الواقع الإنساني الراهن الذي يصدر عنه، أن الإنسانية لاتزال تبحث عن تلك الجمهورية الفاضلة بعد أكثر من خمسة وعشرين قرنا على بلورة أفلاطون لهذا التوق الإنساني لجمهورية فاضلة. وهي الترجمة التي نشرها عام 2012 والتي يعتبرها نص لمؤلفين وليست مجرد ترجمة جديدة للجمهورية؛ لأنها ترجمة لأفلاطون وحوار مع نصه، وعصرنة له، وإعادة كتابة لما استوعبه منه.

ألان باديو في حوار مع محاوره ومع الجمهور

وقد مسرح النص اعتمادا على البنية الحوارية لـ(جمهورية أفلاطون) ألان باديو نفسه مع ثلاثة من أساتذة المدرسة المحلية للممثلين في كان L’Ecole Regionale d’Acteurs de Cannes هم فاليري دريفيل Valerie Dreville وديدييه جالاس Didier Galas وجريجور إنجولد Gregoire Ingold، وقاموا بقراءته مع مجموعة من أساتذة المدرسة والعشرات من طلابها وطالباتها. وعلى مدى 18 يوما تتخلق أمام جمهور يزداد اتساعا مع أيامها تلك القراءة الدرامية لذلك النص المؤسس، بصورة يتحول معها فضاء الحديقة إلى ساحة للجدل الفكري والفلسفي الخلاق، وتنهض فيها محاورات أفلاطون حيّة من جديد في تفاعلها مع حوار ألان باديو الفلسفي والنقدي معها، وأمام جمهور كان يتزايد عددا مع توالي أيام القراءة، فقد لاحظت وقد ترددت عليها ثلاث مرات ازدياد عدد الجمهور في كل مرة من الواقفين إلى العشرات ثم المئات، بالرغم من امتلاء كل المقاعد المحيطة بالمساحة التي تدور فيها القراءة منذ زيارتي الأولى. وهي قراءة تتعدد فيها الأصوات بالمعنى الحقيقي للكلمة، لتبلغ العشرات في كل مرة. وقد تأسيت وانتابني الكدر وأنا أشاهد كل مرة تنويعات على التفاعل الحواري الخلاق بين الممثلين والجمهور والنص المؤسس القديم، حينما فكرت في البون الشاسع بين تعامل ألان باديو الخلاق مع تراثه الفلسفي الغربي القديم، وبين تعامل فقهائنا (فقهاء الظلام) الببغاوي الشاهد على الكسل العقلي والتخلف، ولا أقول البلاهة الفكرية والضعة أمام النص القديم، مع نصوصنا القديمة. لأن تعامل ألان باديو مع (جمهورية أفلاطون) يوطئ النص القديم لمشاغل الواقع المعاصر، ويطوّر كشوفه لخدمته، كما هو الحال مع جل العروض التي شاهدتها في مهرجان هذا العام.

صورة من قراءة جمهورية أفلاطون الحوارية

لأننا إذا ما تأملنا برنامج المهرجان (بعيدا عن الانشغال بمختلف جوانب جماليات العمل المسرحي الحركية والصوتية والبصرية، وهي من أهم معايير الاختيار في المهرجان، وتحتاج إلى مقال مستقل) سنجد أنه مترع بمشاغل عالمنا المعاصر وقضاياه؛ حتى ولو بدا أنه يعود إلى كلاسيكيات المسرح العالمي. فلو توقفنا قليلا عند المسرحيات القليلة التي استطعت مشاهدتها فيه، وهي قليلة نسبيا هذا العام لأنني تأخرت في حجز تذاكري، أي أنني حجزتها قبل ثلاثة أسابيع من بداية المهرجان، وليس قبل أكثر من شهر ونصف كما أفعل عادة. وقد استطعت مشاهدة عشرة عروض من مسرحيات المهرجان، سنجد أنها وقد عاد بعضها إلى أعمال شكسبير، شديدة الانشغال بما يدور في عالمنا، كل منها بطريقته الفريدة والخلاقة. إذ يوشك عرض أوليفييه بي لمسرحية (الملك لير) لوليام شكسبير، والذي قدمه في أكبر فضاءات المهرجان، أي في ساحة الشرف بالقصر الباباوي، أن يكون عرضا لسيطرة الفظاظة والخداع والنفعية وضيق الأفق واللعب باللغة على السياسة في عالمنا المعاصر، ولغياب القيم الحقيقية الصادقة منه، غياب «كورديليا» من المشهد الذي تعمد العرض تغييبها عنه بعد المشهد الأول المشهور الذي قسم فيه «لير» مملكته.

كورديليا كراقصة باليه اثيرية تائهة في مشهد تقسيم المملكة

لأننا هنا بإزاء (لير) معاصر يدور أمامنا بالملابس العصرية بما في ذلك الملابس الجلدية الفظة والمثيرة، والموتوسيكلات، ورقص الباليه، وفجاجة الرأسمالية المعاصرة، والشره للطعام والشراب والبذخ والجنس بكل تنويعاته السودومازوكية؛ حيث تبدو الأختان «جونريل» و«ريجان» كعاهرتين عصريتين بعدما استولت كل منهما على نصف المملكة، واتفقتا فيما بينهما على التخلص من الأب وقد اصبح هو وحاشيته عبئا عليهما. بينما تظهر كورديليا كفراشة أثيرية نقيّة في زي راقصة البالية وحركاتها الشاعرية. ومنذ المشاهد الأولى لتقسيم «لير» لمملكته، الذي جسده العرض أمامنا في صورة خريطة يتم تمزيقها والتنازع على أجزائها، وحينما ترفض «كورديليا» حديث النفاق الممجوج تتنازع الأختان وزوجاهما بقايا الجزء الباقي من الخريطة/ المملكة، والذي كان من المقرر أن يكوّن نصيب «كورديليا» منها، فلا تتركانه إلا مزقا، بصورة تستشرف من البداية فظاظة ما سيدور فيما بعد.

زوج جونريل .. في مشهد من لير أوليفييه بي

فالمسرحية تكشف لنا عن كيف يخلق معسول الكلام آليات الدمار الجهنمية، وكيف أن صمت «كورديليا» يصبح شارة نزاهتها في مواجهة العقل الذرائعي الذي يستبيح اللغة ويفرغها من معانيها. إلى الحد الذي وجد المخرج نفسه يجسد هذا الصمت بصورة مرئية حينما يغلق فم كورديليا بشريط لاصق. إنه الصمت الذي يكشف عقم اللغة وسقوط الجميع في مباءاتها التي جعلت التلاعب بالخطاب أحد أسوأ ما تعاني منه حضارتنا البشرية في الوقت الراهن. فقد سقط الجميع في مهاوي الكلمات، الأب لير والأختان، وكيف يفضي هذا السقوط في النهاية إلى العدم، في نوع من نبوءة العرض التحذيرية.

تجسيد المسرحية القوي لصمت كوردليا

خاصة وأن العرض يكشف عن فراغ لغة الأختين من أي معنى حينما يتعارض طلبهما من والدهما التقشف والاستغناء عن حراسه وحاشيته، بينما يزداد شرههما هما وزوجاهما لكل شيء، وكأننا بإزاء فراغ لغة الساسة الغربيين، في دول أوروبا الغربية خاصة والتي تمتعت شعوبها ببعض حقوق الرفاهية الاجتماعية أثناء فترة الحرب الباردة، الذين يطالبون شعوبهم على الدوام بالتقشف، والاستغناء عن الكثير من الخدمات الأساسية التي كانت توفرها لهم قوانين الرعاية الاجتماعية، كي يزداد الأغنياء عنى وشرها. كما يكشف العرض فيما يدور للير من تدهور، وعبر الترجمة الجديدة لدور مهرج الملك لير التقليدي، عن بلاهة من يصدق معسول كلام السياسيين، وعن البون الساشع بين كلامهم وأفعالهم، وعن مدى فظاظة العالم الجديد الذي يجد لير ومهرجه معه نفسه فيه. فنحن بإزاء تأويل سياسي عصري بحق لتلك المأساة الشكسبيرية، التي تتجدد معانيها وتأويلاتها على مر السنين.

مدى الفظاظة وانتصاراتها في (الملك لير) في عالم فقدت فيه اللغة دلالاتها الأخلاقية

ريتشارد الثالث وشرور السياسة المعاصرة:
أما إذا انتقلنا للعمل الشكسبيري الآخر الذي شاهدته في مهرجان هذا العام وهو (ريتشارد الثالث) الذي جاء به إلى المهرجان توماس أوسترماير
Thomas Ostermeier ، مدير مسرح الشوبوهنه Schaubühne الشهير في برلين، وهو أحد أهم المسارح الألمانية، سنجد أننا بإزاء عمل آخر يؤكد عبره التأويل الإخراجي أن نص شكسبير شديد العصرية والقدرة على مخاطبة واقعنا الراهن، برغم أن مأساة ريتشارد الثالث من بين مسرحيات شكسبير الأولى، أي مرحلة ما قبل المآسي الكبرى التي تعد (الملك لير) من أشهرها. فتأويل أوسترماير للمسرحية، وحرصه على عقد ذلك التواطؤ الضمني بين بطل المسرحية الشرير والجمهور، حيث يصعد ريتشارد دوما للخشبة من بين صفوف المشاهدين، يسعى إلى أيقاظ وعي المشاهد بمسؤوليته عما يقترفه الساسة باسمه غالبا، في المجتمع الغربي المعاصر، من شرور. ولا يكتفي هذا التأويل بتواطئ الجمهور وحده وإنما يضيف إليه تواطؤ المؤسسة الدينية كذلك. فضلا عن حرص الإخراج على اقتراف أولى جرائم ريتشارد، بقتل أخيه كليرانس، والتي تتم في المسرحية الشكسبيرية خلف الستارة، أمامنا على الخشبة وبشكل تجسيدي صارخ، وإبقاء ما خلفته على الأرض من دماء شاهدا حيا على هذا العنف الظالم طوال العرض، تنبهنا بعض حركات الممثلين العارضة دوما لوجوده، حينما يحاول أحدهم ألا يلغ فيه، أو أن يقفز فوقه. كما يبرز العرض كيف لا يتردد ريتشارد، ككثير من الساسة المعاصرين، في استخدام الفظاظة والجنس والكذب والتحالفات المشبوهة في تحقيق أغراضه.