يكمن محرك التاريخ وفقاً لرؤية الكتاب في شبكة التفاعلات المتنامية التي ربطت الجماعات البشرية منذ فجر التاريخ وصولاً إلى العالم الحديث الذي يشهد على منوعات التأثير والتبادل التي ربطت البشر، ولا تزال، تبقى أساسية للتطور البشري، لأنها تضمن التفاعل وتبادل الأفكار والمعلومات، وهو ما يترك تأثيره في السلوك الإنساني المستقبلي، ويدفع بالإنسان إلى السعي لتغيير نمط الحياة بما يناسب طموحاته وآماله.

التاريخ العالمي في قراءة إنسانية شاملة

خـالد غـزال

 

يقدم المؤلفان جون روبرت مكنيل ووليام هاردي مكنيل في كتابهما «الشبكة الإنسانية، نظرة محلقة على التاريخ العالمي» (سلسلة عالم المعرفة)، قراءة مغايرة للتاريخ العالمي والتقدم البشري تختلف عن نظريات غربية أخرى تحاول أن تحصر التقدم العالمي في المراكز الأوروبية أو الأميركية. يعرّف الكاتبان مفهوم الشبكة الإنسانية بأنه «مجموعة من الارتباطات تجمع البشر معاً»، بما يعني أن التاريخ العالمي هو سلسلة من العلاقات المعتمدة بعضها على بعض، واتجاهات متناقضة تحوي التعاون والتنافس والاتصال في وقت واحد، بين شبكات آخذة في الكثرة والاتساع، بما جعلها تنتج هذا التاريخ العالمي الذي نعيش فيه.
على رغم اعتراف المؤلفين بأن الفقر والمرض والجهل والاستبداد وإنكار قيمة الإنسان وتغييب العقل ورفض الآخر، هي أمراض لا تزال تسود في عدد من المجتمعات في التاريخ اليوم، تبقى مظاهر التقدم وتجلياته في ميادين الصحة والتعليم وتغيير طبيعة الحكم وانتشار قيم الديموقراطية التي تعلي من قيمة الإنسان، وتحكيم العقل في إدارة المجتمعات، وسيادة التسامح وغيرها من القيم الإنسانية، تفرض نفسها اليوم في المجتمعات العالمية، وتخوض الشعوب نضالاً مريراً من أجل تكريسها. هذا التحول الكبير في رفاه الإنسان يؤشر إلى الخط الصاعد في مسار البشرية، على رغم الظواهر السلبية التي تعيق تقدمه. وإذا كانت تلك هي النظرة الغالبة في رؤية التاريخ العالمي، فإن عالمنا العربي لا يزال ينشد العودة إلى الوراء، ويستحضر نماذج في الحياة السياسية والاجتماعية يرى فيها الكمال، وإن تقدم مجتمعاتنا لن يحصل إلا بالعودة إلى هذا الماضي.
ينطلق الكاتبان من مقولة مركزية تطبع مجمل فصول الكتاب مفادها أن الحضارة الإنسانية واحدة، وأنها انتقلت من مركز إلى آخر، حاملة معها مع كل تحول جملة إضافات. لقد بدأ التقدم الإنساني في جنوب غربي آسيا ومصر ووادي السند، وهي الحضارات أو الحضارة الواحدة التي يسميها مؤلفا الكتاب «ممر النيل – السند». من هذه الحضارة ولدت قضايا المجتمع والاقتصاد والسياسة والثقافة والتنسيق المتزايد في نشاط الجهد البشري، فانتقل هذا التحول لاحقاً إلى مجتمعات في شرق آسيا وجنوبها خصوصاً إلى الصين والهند. قبل أن تصل الحضارة إلى أوروبا، انتقل المركز الحضاري إلى جنوب غربي آسيا ومصر وذلك مع ظهور الإسلام وما أنتجه من حضارة في عصور قليلة من ظهوره وانتشاره. بعد تلك الرحلة المديدة من انتقال الحضارات، وصلت إلى أوروبا الغربية، لتنتشر بعدها في كل أرجاء العالم، شرقاً وغرباً. وهي مرحلة ستشهد فيها الحضارة الإنسانية تحولات ضخمة على جميع المستويات، يضاف إليها جملة من التعقيدات لا سابق لها في مراحل غابرة، فيها يزداد تآلف البشر في أنماط اجتماعية مختلفة، وفيها يزداد افتراق البشر في ظل الصراعات بين الدول حول السيطرة على الأراضي والموارد، وفيها ستفتك الحروب بملايين البشر.
يكمن محرك التاريخ وفقاً لرؤية الكتاب في شبكة التفاعلات المتنامية التي ربطت الجماعات البشرية منذ فجر التاريخ. من جماعات الصيد إلى الحضارات الزراعية وصولاً إلى العالم الحديث الذي يشهد على منوعات التأثير والتبادل التي ربطت البشر، ولا تزال، تبقى أساسية للتطور البشري، لأنها تضمن التفاعل وتبادل الأفكار والمعلومات، وهو ما يترك تأثيره في السلوك الإنساني المستقبلي، ويدفع بالإنسان إلى السعي لتغيير نمط الحياة بما يناسب طموحاته وآماله.
يذهب الكتاب بعيداً في محاولة لتقديم رؤية أصيلة للتاريخ العالمي، تكشف الأنماط الأوسع للتعاون والصراع بين البشر منذ أقدم العصور. أسئلة كثيرة من قبيل: لماذا ظهرت الحضارات الإنسانية الأولى في الزمان والمكان اللذين ظهرت فيهما؟ ولماذا غدا الدين الإسلامي قوة توحيدية للعالم لفترة مديدة من الزمن؟ وما الذي جعل من الغرب قوة استثنائية استطاعت نشر سلعه ونمط معرفته في العالم منذ بداية القرن الخامس عشر؟ ويطرح أيضاً أسئلة مثيرة مثل : لماذ تجدد اختراع الزراعة سبع مرات في التاريخ، بينما لم تكن هناك حاجة لاختراع المحرك البخاري أو الإنترنت إلا مرة واحدة في التاريخ؟ هذا نموذج من استحضار ملفات التاريخ البشري بتعقيداته وتطوراته المتنوعة.
لعل النقطة المركزية التي يسعى الكتاب إلى إبرازها تتعلق بفكرة التقدم. فالشبكات الإنسانية التي عرفها التاريخ، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، كانت الوسيط لانتقال البشر والأفكار والسلع والقوة والثروة داخل الثقافات والمجتمعات والأمم وعبرها، وهو ما جعل العالم اليوم على ما هو عليه من قوة وثراء. هكذا نرى أن مفاتيح التقدم الإنساني، بما هي مفاتيح تقدم المجتمعات والأمم، سواء في التاريخ وفي الحاضر والمستقبل، إنما يكمن في شبكات الاتصال والتبادل وتنسيق الجهد البشري في جميع الميادين. والحضارة بمعناها الواسع هي مصدر رفاه الإنسان واستقرار المجتمعات.
في عصرنا الراهن، تشكل العولمة التي يعيش المجتمع الإنساني في ظلها، أعلى مستويات تطور الشبكة. أتاحت العولمة فتح العالم على مصراعيه، صارت الأفكار والتجديدات والتقنيات والعلم مشاعاً للبشر، وكشفت وسائل الاتصال الحديثة المجتمعات بعضها على بعض، وحوّلت العالم إلى قرية صغيرة. ولكن على رغم هذا التطور الذي ساوى نظرياً بين المجتمعات، لا يزال تنسيق الجهد البشري متفاوتاً. فالعالم لايزال يعيش بين أنظمة حكم ديموقراطية تسمح بتطور العملية الحضارية، وتتيح لشعوبها فرص التقدم والنمو، وبين نظم استبدادية قمعية تعمل على تأبيد التخلف وحجز تطور مجتمعاتها.
يضع الكتاب اليد على الجرح الحضاري لمجتمعاتنا. فعلى رغم أن منطقتنا كانت من أوائل المناطق التي نبتت فيها الحضارات البشرية وانتشرت، إلا أنها تقبع اليوم في أسفل الدرك من هذا التقدم، وتعيش شعوبها في حال من الفقر والعوز، وتبدد ثرواتها خارج حاجات النمو المطلوب للمنطقة.