يكتب الناقد المصري أن الرواية تبدأ، كما تنتهي، حيث تضعنا مباشرة في تقنية القصة القصيرة، فينحسر الزمن، ويتمركز حول موقف بعينه. وهو هنا اللحظة التي يعلو فيها الخيال، ويختفي الحاضر بكل مُدخلاته في المستقبل الذي لا يبشر إلا بالضياع والتيه في غيابات المجهول، برسم صورة كاشفة عن أحوال الخليج.

«المايسترو» ... سعد القرش

شوقي عبدالحميد يحيى

 

يأتي سعد القرش في بداية روايته "المايسترو"، الصادرة من دار العين بالقاهرة، بمقتطف من كتاب "الخروج إلي النهار" الشهير ب"كتاب الموتى" يقول: {وعسى أن أُستقبل في حضرة أوزير في أرض الانتصار، أرض العدل والحق». ليضيء كشافا من النور يوجهنا به إلى الطريق الذي يجب أن نسلكه، أو الاتجاه الذي علينا أن نسير فيه، وصولا لرؤيته التي حرص ألا تكون مباشرة، متسلحين بتلك الثقافة الواسعة التي تعيننا على مسايرة تلك التي بثها في الكثير من صفحات الرواية.

فإذا كان المقتطف يعود بنا إلي العهد الفرعوني، أي يعود بنا إلي العمق المصري، فإنه بذلك، فضلا عن الرؤية التي تدعو إلي النظر إلي مصر المصرية، فإنه –أيضا - يدعونا للعودة إلي الأعماق، لا أن نتوقف عند السطح. كما يحدد لنا مسعي الكاتب إلي ما أنهي به مقتطفه "أرض العدل والحق". وهما ما يمكن القول بأنهما جوهر كل الأديان، السماوية وغير السماوية، سعيا لتمكين الإنسان علي الأرض، مظللا بهما. وهو ما كان الدافع – وفق رؤيتنا – لاختيار رُكاب قاربه الأربعة "المايسترو" (مصطفي) المصري، "نواف" (الخليجي، البدون)، "تسو" (التبتي)، و"أنيل" (الهنددي). بل والشخصية الرمزية، الحاضرة رغم الغياب، "لورا" (الأمريكية).

اجتمع الأربعة في قارب بدائي، وكأننا في عوامة نجيب محفوظ، في "ثرثرة فوق النيل" ، إلا اننا هذه المرة لسنا فوق النيل، وإنما فوق مياه الخليج، الفارسي، وفق رؤية "لورا"، او العربي، وفق لرؤية كل من مصطفي ونواف. لنستبطن كل تلك الشخوص، ونتعرف علي المشترك بينهم، أو للوقوف علي رؤي الإنسانية حول ديانة كل منهم، ودنياهم.

تبدأ الرواية، كما تنتهي، حيث تضعنا مباشرة في تقنية القصة القصيرة، فينحسر الزمن، ويتمركز حول موقف بعينه. وهو هنا اللحظة التي يعلو فيها الخيال، ويختفي الحاضر بكل مُدخلاته، ليتوه في ضبابية المستقبل الذي لا يبشر إلا بالضياع والتيه في غيابات المجهول، برسم صورة ضبابية كاشفة عن أحوال الخليج. فتبدأ الرواية ب{ بانتصاف الليل، يخرجون من العشب. يتشقق الأسفلت، ويتوارى سواده أمام سحابة اخضرار. يتناسخون سراعا، وتستعجل الأصابع إطلاق البارود، وفي الوجوه ألسنة من لهب، وتمدّهم الصحارى بحشود من الممسوسين غضبا، يهتفون ويلوّحون بأيديهم ويهددون. فكيف تصل السيارة إلى هنا، والسبل مرصوفة بالوعيد، وقد زال عنه يقين الشفق، حين أتوا مع الغروب فرادى}. وتنتهي ب{يفيض الخليج دما، ويستمر دويّ الرعود، ومن أعلى اليخوت ينطلق الرصاص، وتعلو الأدخنة، وتلقى أجساد أو تلوذ بالمياه المثخنة بالدماء، وتتناثر على الطريق رؤوس وأعضاء مبتورة، وفوارغ طلقات ساخنة تنفث بقايا الدخان}. وكأن الكاتب قد أعلن تحذيره، المكثف والضاغط، مما سيؤول إليه مصير الخليج (العربي)، بل المصير العربي، جراء كل الممارسات التي تتم فيه، والتي نقرأها باستبطان تلك الشخوص، والتي تبدأ مع بداية الرواية، مع "أنيل" الهندي الذي يقيم مع والده "ماني" في خدمة أحد (السادة)، والذي اسعده (مرة) أن السيد الصغير ابن السيد الكبير ناده باسمه "أنيل" ولم يناده بما تعود والده أن يناديه به (يا عبد). يبحث "أنيل"، كما" كل الأولاد، عن صناعة لعبة، فيصنع قاربا في ركن من جنينة قصر السيد، وهو ما رأي "السيد" أنه يشوه القصر، وأن الولد قد أصابته (لوثة الهند). ويشير على أبيه أن يرسله إلي هناك، كي يُعَالج، ليضيف السيد، انه في الهند سوف يتوه في وسط الهنود، فجميعهم نسخة واحدة، ويسخر السيد {كلكم نسخ من قالب قديم، كيف تميزكم نساؤكم في الليل؟}. الأمر الذي يكشف عن الاستعلاء الذي ينظر به (السيد) إلى (العبد)، إلي جانب الرؤية المُتَضَمْنةُ في خطابه، (الجنس).
يجمع "أنيل" قطع الخشب ويصنع منها قارب بدائي، كان الهدف منه أولا، تسلية السيد الصغير، ابن السيد الكبير الذي ينظر للقارب أنه يشوه الحديقة، في الظاهر، بينما الباطن يشير إلى أن هذا المركب يعيد للأذهان البداية البسيطة، والمتواضعة لوالد السيد الكبير، فيعيد إلي الأذهان مالا يحب تذكره، فيُصدر أمرا غير قابل للنقض أو الإبرام {من هناك تعرف الطريق، اخرج ولا تريني وجهك. خذ قاربك إلى الجحيم وتسوّل لك أي سيد يكفلك. وأبوك باق هنا، سنه أكبر من البحث عن سيد آخر، وهو مسؤول عنك، وإذا بلغني أنك ارتكبت خطأ، فستراني مرة أخرى، وأخيرة. الآن ودّع أباك، فلن تقابله بعد اليوم}. فيقرر "أنيل" الخروج به إلى مياه الخليج، بعد أن يستدعي صديقه الوحيد "تسو" من تلك البلاد البعيدة التي لا يعرفها، وتسمي "التبت"، حيث {ضمن له القرب من تسو ألا يُرحّل من بلاد لا ترعى حرمة لغريب، ولا تمد مظلة رحمتها إلى كل أهلها ممن لم يغادروها ولا يعرفون بلادا غيرها، إذ يمنع البعض من نيل جنسيتها، أو يحمل جنسية منقوصة. ورحمة الله شملت الفتى يوم ظن ألا ملجأ له إلا تسو، إذ ساعده في حمل القارب من البوابة الخلفية للقصر إلى المياه، تحت حماية تظللها الفكاهة من «نوّاف»}.
ورغم أن "تسو" مجرد عامل بسيط إلا أنه في نظر الآخرين{ ليس مجرد عامل مسكين، ولكنه باحث له قضية، يحمل بلاده حتى في هذا القارب، وسط أصدقاء يريدون قضاء سهرة استرخاء في حضور النبيذ. هذا مشروع ثائر، واسمه يليق باسم ثائر: «تسو»}. وقد انبنت هذه الصفة من حنينه إلي بلاده التي أُضطُر لمغادرتها، بعد أن إجتاحها التنين الصيني، وشرد أهلها، لتصبح بلادهم محرمة عليهم، رغم أنها بلاد تسعي للسلام، وتُحرم العنف{أرضنا المقدسة محرّمة علينا، هناك تنين دمر الآلاف من الأديرة، وقتل مليونا من الأبرياء، سحقهم في الاجتياح، وقذف الناجين إلى المنافي، والعالم يعطينا ظهره، لأننا أمة محبة للسلام، تحرّم العنف، وتهتدي بوصايا منبع الحكمة الدالاي لاما}.
ومن خلال علاقة، ظنها "أنيل" عابرة تعرف علي «نوّاف» الذي لا يعرف هل هو مواطن أم منقوص المواطنة؟ ويوشك أن يتزوج، ويؤجل الشروع في ذلك، تحسبا لمصائر أولاده، ويقول إن أباه لم يفكر في مصيره ومصائر إخوته حين شرع في إنجاب ذرية لا يتوقع حصولهم على حقوق تتساوى مع ما يناله أصدقاء أبيه من المواطنين، فتلك البلاد لا ترعى حرمة لغريب، ولا تمد مظلة رحمتها إلى كل أهلها ممن لم يغادروها ولا يعرفون بلادا غيرها، إذ يمنع البعض من نيل جنسيتها، أو يحمل جنسية منقوصة. وليأتي "نواف" بصحبة سائق مصري – مصطفي - يقود سيارة لحمل القارب إلي الخليج، أراد أن يشتري هذه التحفة الخشبية (القارب) ليبيعه في أمريكا، وليبدا السجال حول أمريكا بعد أن اجتمع شمل الأربعة (أنيل، تسو، نواف ومصطفي). وليبدأ السجال بين الداخل والخارج، بين أمريكا والخليج، ومصر، ليصب "أنيل جام غضبه علي أمريكا التي تسعي لاقتناء كل شئ { الله يلعن أمريكا، حتى القارب تستكثره علينا؟}، ليرد الصديق: لكل شيء في أمريكا ثمن، سعر وقيمة. ويكشف "أنيل" عن أولي المفارقات، حين الكشف عن كبت الحرية الذي يُعرِض كل من يتفوه بشئ.. قد.. لايكون علي هوي أصحاب المكان { كظم أنيل غيظه؛ فكل سلوك أو كلام في هذه البلاد محسوب، وبأقل وشاية يذهب إلى السجن، أو إلى المطار بلا عودة}. ثم تنفجر المعاني المدفونة، والكاشفة عن رؤية (الخليجي- نواف المنقوص الهوية) للعالم الذي يقول : ـ أمريكا أمّ الدنيا. ليرد عليه أنيل: لو أن أمريكا أم الدنيا، إيش تكون مصر؟. وليتدخل "مصطفي" المُحدَث (أمركة): مصر أم الدنيا قبل أن يكون للدنيا أب أو أم. من كان يظن قبل ثلاثمئة سنة أن رعاة البقر سيقودون العالم، وتصبح بلادهم أرض الأحلام، الفاكهة المحرّمة، يلعنها الجميع .. ويشتهونها.

ويكون التواجد علي المركب فوق مياه الخليج، فرصة للبوح عن تجارب ركابه، الذي يستولي "مصطفي (المايسترو) قيادة دفة الحديث، عن تجاربه الخليجية (الكاشفة)، وكيف أنه مر بتجربة ممارسة اللواط مع رجل منهم، ومع زوجته، ليغتني من وراء ذلك، كاشفا عن تلك الفحولة التي استخدم فيها قوته الجسدية، دون العقلية (تمثيل دور الأعمي في كلا الحالين). ليضعنا في مقابل عملية الإخصاء التي تمت لذلك الشاب التبتي الذي يرويه "تسو" بقطع عضوه الذكري، ليعيده الكاهن الطبيب إلي أصله، فيتشكك "نواف" في القصة، فلا {يعتقد نواف ببوذا أو الدالاي لاما، ويرهن تصديقه لما يعتبره لغوا بالبحث عن شهود، والاطلاع على أدلة تثبت الواقعة، فيصيح تسو بفخر: دليل؟

- نعم دليل، ومن دونه لا يوجد شاب، ولا عضو مفقود، ولا عضو رجع بكامل حيويته أو نصف حيوته. تخاريف.... ـ رأيت الشاب، أو عثرت على عضوه بصحبة الراهب الذي تقول إنه جراح؟} ليفجر "تسو" المفاجأة التي تكشف عن أحد عناصر جزء من العالم، الممثل علي ظهر المركب:

لا رأيت ولا عثرت. ذلك الشاب «تيشي»، كان أبي!}. وليتكشف جزء مما أراده الكاتب بعنوانه "المايسترو"، خاصة عندما يكمل "المايسترو" حكايته مع الأمريكية "لورا" التي تعرف عليها عبر الفيسبوك، دون أن يراها. لتمثل تلك العلاقة تحولا وتغييرا متبادلا بينهما، علي المستوي الإنساني والرمزي معا. فقد كانت "لورا" أستاذة جامعية، تعرفت علي تاريخ وجغرافية مصر، عبر الكتب والمراجع، الأمر الذي أوقع "المايسترو" في الكثير من الحرج، وما دفعه للبحث والتحري عن تلك المعلومات، حتي يستطيع مجاراتها { كاد يقول لها إنه محام، وليس باحثا في تاريخ الآداب، ولا يعرف من يكون هذا الكاتب المسمى «هدايت». وقدّر من رَسمِ الاسم أنه إيراني أو تركي. وقرأ بقية جملة لورا: «الشاهنامه» ومال إلى أنها فارسية، وأن هدايت إيراني، وأراد إنهاء المحادثة بإيضاح موجز:
-لا أحيط علما بآداب اللغة الإيرانية.
رسمت ضحكة على الشاشة، وأتبعتها بإيضاح أنه لا توجد لغة إيرانية، وإنما فارسية تُكتب بحروف عربية. وأنهى المحادثة؛ لشعوره بالحرج، إلى أن يقرأ شيئا يستطيع به الصمود أمام أمريكية تبدو أكثر منه وعيا بثقافته.}
فلورا بعقل راجح، تجعله يتخيلها جميلة الجميلات، ومن دون أن تدري حفزته على الشغف بالمعرفة، وألهمته فضيلة القلق، فما أن ينتهي حديثهما حتى يكون قد سجل كلمة أو جملة، ثم يبدأ بحثه عن معناها، وسياقها التاريخي، وتأثيرها المنتهي أو المتواصل في تفاعله. وما كان معقولا أن يكون أقل من لورا إلماما بثقافته العربية وما حولها من ثقافات شرقية، وليس عذرا له أنه محام، لكي يتكاسل عن طلب المعرفة.{- كنت مهموما بتحصيل معارف في القانون، ولا علاقة لي بما هو أبعد من دراسة الحقوق. سخرت مني لورا في بداية محادثاتنا، قبل اللقاء المباشر، وهي تشير ذات ليلة إلى كتاب «القانون» لابن سينا، وقلت: لم أعثر عليه في المراجع القانونية، فقالت إنه كتاب في الطب}.
فضلا عن فضيلة (الشك) كمنهج إنساني دافع للبحث والتحري، ورفض المسلمات، تلك التي طبعت ووصمت الشرق. فإذا كان "المايسترو" علي النحو الإنساني، والرمزي، هو شخص يعتمد علي ما يمكن تسميته ب(الاتِكالية)، أو العشوائية، أو التسليم بالمسلمات، وهي الصفة التي تمثل الشرق العربي عامة – ومن هنا تأتي الرؤية الرمزية - فنجد "نواف" يحدد بعض معالم تلك الشخصية - المايسترو- في {ويعجب لأمر هذا المصري العابث الذي لا يخطط ليومه أو غده، وكيف يحيا على الحافة، وأحيانا على بعد خطوة من الهلاك أو الجنة، وتصادفه أهوال ومباهج، فيعاشر رجلا وامرأته، وينال أجرا مثل أي داعر، وتهديه قلادة ذهبية. ثم يجد في طريقه الافتراضي أمريكية تطوف به التاريخ والجغرافيا، وتثير خياله وعقله، وتدفعه إلى تغيير مسار حياته. أي عدل في هذا العالم؟}. وبعد التعرف علي "لورا" وتبدل رؤيتة {أوشك مصطفى أن يلعن يوما عرف فيه لورا؛ فمنذ ظهورها لم يعرف هدوء البال. فقد اليقين، وقادته أسئلة إلى شكوك لا تهديه إلى أي صراط مستقيم، ففي كل السبل اعوجاج ومنحنيات تفسد الماء والهواء الرطب الذي لا يطهّره الحرّ. ماذا يفعل من يصادق امرأة ذكية وقلقة لا ينجو الشك نفسه من شكوكها؟}.
ونستطيع القول، بان ذلك التأثير المتبادل بين الشخصيتين، هو ما خلق الحركية، التي تُنشئ (الدرما) وسط كم المعلوماتية التي احتشدت بها الرواية، في مسايرة تيارها الجارف والزاحف، في عالم الرواية الآن، فضلا عن النمو والتطور في الشخصية، وما يخرج بها من عالم الرمز (الجاف) إلي عالم الواقع والحيوية. حيث اصبح ذلك الشك أحد معالم فكر "المايسترو". وهو ما نراه في نهاية الرواية، حين تخرج إمرأة من عمق الماء، وتدعي أنها مصرية هاربة من إعتداء سكان (اليخت) عليها، وأن اسمها "حياة". فلا يسلم المايسترو" بكل ما قالت، ولا يستسلم له، فيردد من أدراك أن اسمها «حياة» أو «موت»؟} ويستطرد في رسم السيناريوهات التي يمكن أن تكونه تلك المرأة: {يشير بالعصا إلى ناحية اليخوت، ويقول إنه لا يعرف من، أو ما، وراء امرأة تقول إنها «طريدة». ولا يهمه أن تكون زوجة أو خليلة. ولا يتأكد له أن رجلا حاول اغتصابها، ولعلها قتلته ثم رمت جثته في الجانب الآخر لليخت، وقفزت هربا منهم حين اكتشفوا قتلها للرجل، ثم ألقوا إلى الماء بجثته بعد إثقالها بعمود حديدي أو كتلة خرسانية، وقد يفتحون مرآب اليخت الصغير لأداء هذه المهمة في العمق البعيد}.

وعلي الجانب الآخر، نتبين –أيضا- ذلك التطور في شخصية "لورا" التي انحسرت حياتها في الشق العقلي العلمي المتشكك، بينما غاب الجسد، أو الروح عن حياتها، للحد الذي حدا ب"المايسترو" أن يقول عنها: {فهي مثال للدقة في أي شيء، حتى أنه تخيلها تُعمل عقلها في ممارسة الحب، فتحصي على زوجها عدد القبلات ومواضعها ومواعيدها، وتناقشه في توقيت بدء المناورات الكلامية الممهدة للحب ومتى تنتهي، تمهيدا لبدء الخطوة التالية. كل كلام وسلوك محسوب، ويخضع لانضباط منهجي}. غير أن العلاقة تأخذ شكلا آخر بعد أن تقرر "لورا" الحضور إلي مصر، بل تقرر أن يتزوجا، ليظهر جانب خفي في شخصيتها (الشخصية والرمزية). فتلك التي غاب عنها الجسد، أو الروح، ها هي تكتشف ذلك الجانب الآخر منها، فتحاول أن تكتشف جسدها معه، في لغة تنتزع الداخل إلي الخارج، وكأن الجسد ليس إلا تعبيرا عن الداخل، في لحظة الانكشاف والمكاشفة:

{انزع عني بقية ثيابي يا مصطفى، انزعني عني، قوّض تاريخي وميراثي.
جذبها إلى حضنه، وطمأنها أنها بخير، وهي صرخت طالبة أن يردد اسمها كثيرا:
- أريد أن أراني يا مصطفى، تحسسني وأنت تصفني، أريد أن أرى جسدي بعينيك ولمسات يديك. ....ـ كلانا متوجّس، تقّدم، خذ المبادرة.} وبعد النهاية تقول له {ما رأيته الليلة منك ليس له وصف إلا أنه الشعر.. أنت أحييتني، شكرا، يا إلهي}.
بل، يصل بها التوله، بعد أن تزوجا واكتشفت جسدها وإحتياجاته أن تغلق الصوت، صوت عبد الوهاب، وتتعلق بمصطفى، وتهمس في أذنه عاتبة ومحذرة:

ـ روحي في يدك، وحياتك ما تضيّعها، وإلا أنت حرّ في زعل عبد الوهاب}. ويبلغ استسلامها أمام ما اكتسبته منه، عندما تصرح {أنا ضعيفة أمامك، ولكني قوية بك}. الأمر الذي يضفي الكثير من الضوء حول رؤية العنوان "المايسترو".

غير أنه رغم تلك الرؤية للعلاقة التبادلية بين كل من المصري "مصطفي" والأمريكية "لورا"، يسوق سعد القرش ما يكشف رؤيته (الشخصية) في انكسار تلك العلاقة، او كسرها، عندما يرحب الأب بالزواج، بينما الأم ترفضه، رغم إعجابها ب"لورا" قبل أن يعلنا أنهما سيتزوجا. ثم تذبح الأم، الديك الرومي "حابي"، لتضعه علي مائدة عشاء العروسين (عند الفجر). وتختفي، ليجداها تجلس عند الهرم. وكأنها تلوذ به، أو تحتمي به في مواجهة تلك (الهجمة) الأمريكية، بعد أن كان الإبن "مصطفي" قد ثار وغضب لذبح ذلك الديك الذي إعتبره أحد أفراد الأسرة، فهو (أخوه)، حيث يتبين (الرمز) قبل النهاية، عندما تسأله المرأة الخارجة من المياه (حياة) عن اسمه فيجيبها: - حابي. وهو الإسم الذي اطلقه سابقا علي ذلك الديك

تسأله المرأة عن اسمه فيجيبها "حابي" ، ثم يدور الحوار بينه و"نواف" :

{ ويضرب صدره بطرف العصا:
- أنا أيضا لا أعرف من يكون «حابي»!
يبتسم نواف:

- ولكني أعرف.. الديك المرحوم!} في إشارة إلي ذلك الديك. خاصة إذا ما رجعنا إلي تلك التسمية (الديك الرومي) التي أطلقت علي عبد الناصر قبل 1967. فضلا عن أنه من تمت الإشارة إليه بالإسم في حوار عن (الأمركة) { والأخرى تستطرد بضرب أمثلة على وصف طغيان التأثير الأمريكي في العالم بأنه «أمركة»، وتوجّه مصر في عهد جمال عبد الناصر بأنه «تمصير»، وفي مستعمرات فرنسا لا تزال آثار «الفرنسة»، وفي الشام بقايا «التتريك»}. علي الرغم من أن ما أكدته "لورا" (الرمز) حين تقر بما ينفي ذلك الإنكسار، حيث تصف "مصطفي" ذلك الذي إعترف له الجميع بأنه المايسترون في قولها له: { صدقك نبيل وموجع، يبكيني جمالك. حتى في هذه ترفض الكذب، ولا تحاول إيهامي، ولا تخشي أن أسيء فهمك وأنسحب؟} و{ لستَ مجرد محامٍ، ما حَكَيْته عن الشقيقين المزوّريْن، وما رأيتُه من المرأة في المقهى، قادني إلى جوهرك، إلى تعففك وترفعّك وصلابتك في مواجهة أبيك بالانسحاب إلى غرفة تطل من نافذتها على أقدام تزخر بالحياة. وبالاقتراب الحميم والتوحد فيك وجدت الحب الرهيف والنفس الشفيفة، والجنون المتمرد على ذاته}.

وهو ما يعبر عن صلابته، وعدم إنكساره، وخوفه من أن تنسحب. كما أن نيته اللحاق بها إلي أمريكا، بما يعني إقتناعه والارتباط بها. وهو مالا يتوافق مع ذبح الديك "حابي"... ورمزه.
فضلا عن تلك المقارنة التي يمكن إدراكها بين كل من أمريكا، والشرق عموما ، ومصر بصفة خاصة، وما يعطيها تلك الخصوصية التي تساهم في المزيد من الكشف عن العنوان، الذي وفق فيه الكاتب كثيرا. فإلي جانب ذلك التأثير الذي أحدثه مصطفي في "لورا، نجد تلك الإشارات العديدة التي تمنح مصر السبق والتميز، خاصة إذا رجعنا إلي الجذور، حيث يتحدث "مصطفي" { مصر مصرية، هذه بداية معقولة، وعليك البحث عن الجذور والروافد والتفاعلات، وكلها تنفي فكرة النقاء العرقي. أمريكا أمريكية، هذا إيجاز فلا أحد أمريكيا خالصا إلا البؤساء الذين حملوا صفة «الهنود الحمر»، وهم ليسوا هنودا أو حمرا، ولا أظنهم يسعدهم أن ننسبهم الآن إلى أمريكا كمواطنين كاملي الأهلية، فهم هنا قبل أن يكتشف الرجل الأبيض بلادهم، ويمارس جرائم الإبادة الجماعية، ويزوّر حقيقة تستند إلى مركزيته الأوروبية، ويستبيح الآخرين}. ويضيف في موضع آخر { من كان يظن قبل ثلاثمئة سنة أن رعاة البقر سيقودون العالم، وتصبح بلادهم أرض الأحلام، الفاكهة المحرّمة، يلعنها الجميع ويشتهونها........ هوّن مصطفى من الأمر: {أمريكا مهنة أكثر منها جنسية }.في الوقت الذي تتساءل فيه "لورا" التي تعرف أكثر منه عن بلاده { أين كان العالم حين كانت المرأة في مصر تحكم إمبراطورية تمتد من منابع نهر النيل إلى بلاد الشام؟}.
وتمتد المقارنة، التي تعلي من شأن مصر، في تلك الإشارة التي تنضغم فيها تلك النظرة إلي الخليج من قبل المصري، حين الحوار بين نواف ومصطفي {الخليج قادر على كل شيء.
يقولها ويبتسم، فيسأله المايسترو:
ـ كل شيء؟
- نعم، كل شيء. الحمالة والصدر وصاحبته وصاحبها إذا لزم الأمر.
- تتكلم عن كيان خرافي لا يعجزه، بالمال، شيء؟}.
ثم تتسع الدائرة، وتتسع الرؤية، لتصبح المقارنة بين أمريكا، والشرق العربي، أو إن شئنا بين الشرق والغرب، عندما ننظر إلي حال الأوضاع في شرقنا العربي، والتي يسودها التفرقة المجتمعية، لتنشا طبقة الناس (اللي فوق) والناس (اللي تحت) عند إقتراب مركب "أنيل" من أحد اليخوت الراسية علي مياه (الخليج)، لتكشف ذلك التباين بين أهل (فوق) وأهل (تحت). والتي معها يصبح ذلك الاقتراب جريمة محفوفة بالمخاطر { يكاد القارب يلتحم بجدار اليخت، ولا يريدون أن يشعر بهم أحد من رواد الظلام العالي. يقول نواف إن هؤلاء لا يرحمون، ولا يسمحون لأحد بالاقتراب، ويدفنون أسرارهم بإفناء من يطلع عليها ولو مصادفة. يذكّره المايسترو بطابع أبيه الذي عاش عمره يخاف السلطة، فلا يقترب منها إلا لضرورة، كاضطراره لاستخراج وثيقة رسمية، في أصدق تمثيل لحكمة مصرية تاريخية تقول: «السلطان من لا يعرف السلطان، ولا يعرفه السلطان»}.
{ يلتحم القارب باليخت، يقترب في وداعة لا اصطدام؛ فلا يُسمع له صوت. وفي الأعلى لا ينكسر الظلام ولو بضوء شمعة. وعلى حافة هيكل الظلام جمرة تتقد، ثم تخبو ويعاد إشعالها. يحذرهم نواف أن يرفعوا أصواتهم، ثم يمنعهم عن الكلام تماما؛ لو عرف الأعلون بوجود أحد في الأسفل، لما ترددوا في إطلاق النار، أو إرسال حرس غلاظ للقبض عليهم، وفي أحسن الأحوال سوف يكتفون بضربهم وإبعادهم}.
{ ويستمر نواف قائلا بحُرقة الحروف إن هؤلاء الأعلون لا يعنيهم وصول الفُتات إلى الموجودين في الأسفل، ولا يغتمون إذا سكروا، وسقطت الجمرة فأشعلت حريقا}.
ولم تكن مصر بمنأي عن تلك التفرقة عندما {يفكّر المايسترو في حكمة ظلم لا ينهيه إلا العدل الإلهي في الدار الآخرة. ولا يستطيع أن يتذكر من قال إن خراج مصر وزّع أربعة وعشرين قيراطا، فاستحوذ السلطان على أربعة عشر قيراطا، ومنح الأغنياء ستة قراريط، والجند أربعة. وحين سئل عن نصيب الشعب، بعد توزيع القراريط، أجاب: «لهم بحمد الله القيراط الخامس والعشرون، في جنة الخلد». وتنفرج شفتاه وهو يتصور الشيطان يناصف الجند المساكين قراريطهم القليلة، وينصف الأقوياء الأثرياء بالحماية}.

وتلك هي الأرض التي ذهب إليها الكاتب، باحثا عن العدل.

المايسترو
في بداية تعرفنا علي "مصطفي"، وفي بدايات الرواية، يضع جملة يوجهها لأنيل الذي سأله عن إذا كان قد سافر لأمريكا، وكأنه يضع الدستور الذي سار عليه فيما بعد، وحدد العلاقة بينه وبين أمريكا، ومعبرا عن رؤية الكثيرين الذين يسعون إلي أمريكا وراء الحصول علي "جواز سفر أمريكي" خاصة أنه أصبح –وفق الرواية- وظيفة تضع حاملها تحت الراية الأمريكية، سواء كان داخلها أم خارجها، وسواء كان يحبها أو لا يحبها: { ذهبت إلى أمريكا بعد أن جاءت أمريكا إليّ، سافرت ورجعت من دون أن تتغير بصمة إصبعي أو فصيلة دمي، ما زاد عليّ إلا «هذا».

وأخرج من جيبه جواز السفر}.
وبعد أن تعرفنا علي تأثير "مصطفي" المصري علي الأمريكية "لورا". وإعتماده، أولا علي قدرته الجسدية، حيث { تبدو قامة مصطفى الليلة أطول، تليق بأحد محترفي كمال الأجسام أو ألعاب القوى، فتية ومتناسقة، يعلوها رأس يميزه جبين عريض، وشعر يحتفظ بغزارته، وتنقصه نعومة شعر نواف. وبهذا البنيان الجسدي يعتز مصطفى، ويراه هبة إلهية تلقي المهابة في النفوس، وتغري أحيانا بما لم يكن يظن نفسه قادرا على القيام به}. فضلا عن إقتناعه بذلك التأثير الذي يضعه ندا لها، وليس تابعا. وهو ما يوضحه هو نفسه لنواف، الذي يتهمه بأن امرأة، أو أمريكية هي التي (استخدمته)، فيرد مستنكرا { لورا ذات منصب أكاديمي مرموق، وفي ميشيجان عرب كثيرون، ولم تكن تبحث عن تابع، وإنما عثرت على ندّ أعاد اكتشاف فضيلة القلق، باتصال أفكار لورا بما كان يجهله في نفسه، فدرس واجتهد ولم يكابر}.

كما يبدو تاثيره عليها، فيما تلي زيارتها له في بيته الريفي، لتندمج مع أمه في أعمال البيت، حتي الخبيز، الذي لم تكن تفعله إلا إذا شعرت أنها قد أصبحت واحدة من هذه الأسرة.

وقد يري البعض أن ما فعلته "لورا" هو طبيعة الأجنبي بصفة عامة، حيث يحب أن يجرب ما يراه جديدا، إلا انها تنفي ذلك، وتعلن أنها اختارت ذلك بصفة شخصية، ليمنحها، ويمنح التجربة صفة الخصوصية، عندما تفاجئ "مصطفي في المطار، بعد زيارتها للأقصر، وكانت قد شاهدت ثورا (حجريا) شذ عن مجموعة الثيران، فوجه رقبته في اتجاه مخالف. ويسألها "مصطفي" عن سر بقائها بمصر، رغم أنها لم تخبره، فتجيبه { أقدامي اختارت البقاء في مصر.
- نوبة جنون؟
- سمّها كما تشاء. أخجلتني شجاعة الثور «الفرعوني اليساري». تمرد على القطيع، فلا أقل من أن أتمرد على نفسي}.

إلي جانب أن "مصطفي" لم يتخل عن مصريته التي تنضح بذلك الموروث الذي يتبدي في استعمال تلك الاصطلاحات التي لا يستعملها غير المصري، عندما تسأله عن جسدها، وقد تعرت أمامه فتظهر ثقافته المصرية الشعبية ورؤيته للأشياء:

{ يبدو «استعمال طبيب»!
لم تفهم، فشرح لها تاريخ المصطلح الذي كان يخص سيارة الطبيب، فهي دائما بحالة جيدة، لا تختلف كثيرا عن يوم خروجها من المصنع، لأنها لا تهان بكثرة الاستعمال أو بسوئه؛ لتحفّظ الطبيب في القيادة وعنايته بسلامة السيارة. ثم انتقل إلى الأشياء المحتفظة بجودتها وحالتها الأصلية، لاستعمالها بندرة وحرص}.

وإذا كان هذا شعوره أمام الأمريكية، أستاذة الجامعة، فهو بالتأكيد يشعر بالتميز أمام رفقائه علي المركب، إذا تعرفنا علي ظروف كل منهم، مقارنة بظروفه وتاريخه.

فإذا كان لأنيل- رغم ما يعانيه من عبودية في قصر السيد الخليجي- بلد هي محل حسد من "تسو"، فنراه يقول له { لك ولأبيك بلد تستطيعان العودة إليه في أي وقت، ولكنني إذا أردت فلن يكون إلا إلى الهند. أرضنا المقدسة محرّمة علينا، هناك تنين دمر الآلاف من الأديرة، وقتل مليونا من الأبرياء، سحقهم في الاجتياح، وقذف الناجين إلى المنافي، والعالم يعطينا ظهره، لأننا أمة محبة للسلام، تحرّم العنف، وتهتدي بوصايا منبع الحكمة الدالاي لاما}.

فعلي الرغم من أن له(أنيل) بلدا و لم يطرد من بلاده، فإن أحدا لم يحدثه عنه، رغم الحديث عن ذلك التنين الذي فتح فمه وابتلع بلدا مجاورا يقولون إنه سقف العالم، ويستطيع العودة متى شاء، ولكنه لا يعرف في الهند أحدا، إلا أسماء بضعة أفراد من العائلة، ولا شيء يشدّه إلى الهند أكثر من مشاهد ترقص فيها بهجة الألوان في أفلام هندية يحرص على مشاهدتها، ولا تتوقف هنا عروضها لجمهور هندي يزيد عدده على أبناء البلد.
و"نواف" الخليجي لا يعرف هل هو مواطن أم منقوص المواطنة؟ ويوشك أن يتزوج، ويؤجل الشروع في ذلك، تحسبا لمصائر أولاده. إلي جانب ما مر به من تجربة الذهاب إلي الخارج لتمثيل البلد في معرض للفنون، ويذهب إلي محل النساء المعروضات للبيع. ولم يفعل شيئا {يستعيد نواف تلك اللحظة، ويقول إن القهر قرينه هنا، ويسبقه أينما يذهب، والأقسى منه أن يهان، ويتلقى درسا قاسيا من امرأة ردت إليه ماله، ورفضت أن تجيبه من أي بلد جاءت. {هذا ابن البلد مهضوم الحق. يحتاجون إليه حين يمثّلهم في معرض فني خارج بلده. وإذا تعرض البلد لغزو، سارع إلى حمل السلاح دفاعا عن بلد سيهرب منه حكامه}.{ يصب نواف زجاجة نبيذ فوق رأسه، ويهذي بكلام لا يعرف معناه ولا يفكر فيه، ويلعن حظا ربطه ببلاد تبخل عليه بجنسيتها الكاملة، ولا يعرف وطنا غيرها، ولم يغادرها أبوه وأجداده إلا إلى عمق هذا الخليج، للمساعدة في صيد اللؤلؤ}.

ويخرج الكاتب بالديك من بين الزحام، ليقف وحيدا مزهوا، وكأنه الطاووس، فيبتعد "مصطفي" عن شخوص المركب، وعن عالم المركب الراسي فوق الخيلج الفارسي، او العربي، ليعلم "مصطفي أنه المصري، وليس له صفة أخري، حين يدعو "لورا" إلي زيارة بلاده، عبر الاتصال الإليكتروني، وقبل أن تطأ قدمها أرض مصر، ليبادلها الحجة، والندية:

{ يطلب "مصطفي" من "لورا" زيارة مصر، فتتحدث علي أنه يدعوها لزيارة العرب :

{لا أدعوك إلى زيارة العالم العربي، وإنما قلت «مصر».
ـ وهل مصر إلا بلد عربي؟
سخر مصطفى في نفسه من باحثة تردد عليه محفوظاتها، وتكتب إليه كلاما فصيحا خارجا من القاموس، باردا فاقد الطزاجة. وبدلا من الإيضاح آثر أن يسألها:
- ذكّريني، هل أنت إنجليزية، وبلادك هي بريطانيا العظمى؟
- إنجليزية؟ لست إنجليزية، ولا أتصور أن ذاكرتك ضعيفة إلى هذه الدرجة. اصعد إلى أعلى في أول المحادثة، لكي تجد أنني درسْت وأقيم وأدرّس في ميشيجان.
- عفوا، أنت أمريكية، وهذا لا يمنع أن تكون بلادك هي بريطانيا.
- أمرك غريب، هل تجعلني لغتي الأولى الأصلية الإنجليزية مواطنة إنجليزية، وتحول بلدي إلى تابع للجغرافيا البريطانية؟ تقول جادا أو ساخرا: بريطانيا العظمى، فما شأني ببريطانيا عظمى كانت أم صغرى؟!
- أنت أجبت. أغنيتني عن محاولة إقناعك بأن لغتي العربية لا تعني بالضرورة أنني مواطن عربي، وأن بلادي عربية، مصر مصرية}. خاصة إذا ما أضفنا إلي ذلك، لجوء الأم إلي الأهرامات، بعد زواج ابنها "مصطفي" من "لورا"، والذي يمكن فهمه علي أنها لجوء إلي التاريخ المصري الضارب بجذوره في الأعماق، في مواجهة (الغزو) الأمريكي لتعلن نقاء العرق المصريي في مقابلة لغزو الرجل الأبيض لأرض الهنود الحمر، لتنشأ أمريكا، علي أنقاض الغزو والاستيلاء.

ألا يُشعِر كل ذلك "مصطفي" بأنه الديك "حابي" إله النيل، الذي له أن يتسيد المجموعة، لا (كمرشال) وإنما كمايسترو يقود المجموعة، أو يقود العالم؟ وما يمنح سعد القرش الجدارة في إختيار عنوانه، العتبة الأولي التي تقود للدخول إلي عالم روايته الزاخرة بالمعلومات؟.

المعلوماتية
إذا كانت الرواية قد قامت بدورها في التأريخ للحياة السياسية وتأثيرها علي النواحي الاقتصادية والاجتماعية، في حينها، حتي أصبحت هي المؤرخ الصادق لتاريخ الشعوب، والمعبرة عن روحها، فإنها دخلت في السنوات الأخيرة في طور جديد، تمت تسميته بالمعلوماتية. فأصبح الكاتب يبذل مجهودا في البحث والتحري عن المعلومة الصادقة والحقيقية، لتصبح الرواية أحد مصادر المعرفة. وهو ما يتجلي واضحا في "المايسترو" التي تقدم الكثير منها، وما يمكن التحقق منه، بالرجوع إلي المصادر التاريخية، خاصة إذا جاءت المعلومة موثقة بالتواريخ، أو الأسماء، وما يتوافق في ذات الآن مع طبيعة الشخصية، لتصبح من نسيج العمل.

فإذا كانت "لورا" - الأمريكية الأستاذة في دراسات الشرق الأوسط – أي المتخصصة فيما يخص الشرق الأوسط، فإنه لا يصبح دخيلا، أو زائدا أن تعلم عن مصر، اكثر مما يعلمه المحامي المصري "مصطفي"، ولا يصبح دخيلا، أو زائدا، أن ترجع إلي عمق التاريخ المصري لتخبر "مصطفي" بأن تاريخ المصريين يحمل جينات تأخر المصريين الحاليين، بفعل الغزو الخارجي الذي طمس معالم حضارتهم، حيث {اكتفوا بتشييد أهرام بدائية، فعجز أهل البلاد عن تطوير علوم يجهلون فلسفتها وأسسها النظرية. وقالت إن تلك الأسس اختفت من مصر نفسها، واستولى عليها الإغريق بغزوهم مصر عام 332 قبل الميلاد. وكانت العلوم الفلسفية والهندسية والطبية ذات طبيعة كهنوتية، في نظام صارم للأسرار العليا، وتقتصر على الكهنة والعلماء في المعابد. وبسقوط مصر في قبضة الإسكندر تمت أكبر عملية سطو في التاريخ، جريمة الاستيلاء على حصاد قرون من البحث، ونسبتها إلى لصوص دخلوا المعابد المصرية في هيئة طلاب يدرسون، وخرجوا منها بالمنهوبات. فيثاغورث سرق نظرية المربع المقام على وتر المثلث قائم الزاوية، وأرسطو أستاذ الإسكندر أتيح له الاطلاع على كنوز مكتبة الإسكندرية، ونشر معارف واجتهادات قال إنه تلقاها من أفلاطون الذي لم تكن له إحاطة بها، وفي «الجمهورية» المنسوبة إليه فصول من مخطوطات نجع حمادي. كيف يتاح لشخص واحد، في وقت قياسي، هذا الإنتاج الوفير؟}.

وفي موضع آخر، تفيض عليه بما غاب عنه من معارف، تاريخية ودينية وفنية، مثلما حدثته عن الحقائق التاريخية {أربع نساء غيّرن وجه الحياة: ماري كوري شريكة زوجها في علوم الذرّة، وماري أندرسون مخترعة الماسحات المطاطية لزجاج السيارات، وستيفاني كوليك مخترعة الدرع الواقية من الرصاص، وجريس هوبر مخترعة الكمبيوتر}.
وتذكره باستبطان المعاني القرآنية، لتكشف عن تخلف العرب، والمسلمين عن فهم دستورهم الذي درجوا فيه علي الحفظ، دون التدبر، أو الوقوف عند السطح، دون الدخول في الأعماق والمضمون: { ولم تنس تذكيره بأن في القرآن إيجازا إعجازيا استدلت عليه بكلمة «أنُلزْمُكموها» التي تشمل حرف استفهام وفعلا وفاعلا مستترا ومفعولين، ومثلها «فسيكفيكهم الله». كيف يتسنى لأجنبي، مهما يكن حظه من العلم بأسرار لغته، أن يترجم هذا؟}.

و المعارف الفنية{ فبحثت عن أكمل خيال لفنان، حتى عثرت على أجمل من الصدر الإيطالي في لوحة رسمها الفنان الإنجليزي وليام إتي، وهي واحدة من أربع لوحات سماها «ميوزيدورا: المستحمة المنزعجة من حفيف النسيم»}.

وما يُحسب للكاتب، أنه رغم أن تلك المعلوماتية، وما تؤدي إليه من جفاف، الأمر الذي معه تمنيت لو أنه وزع الفصول الثلاثة الأولي- لما توحية من الجفاف- علي مساحة الرواية، لساعد في التمهيد للخول إلي عالم الرواية، دون الشعور بذلك الجفاف الذي قد يؤدي لهروب القارئ، خاصة أن هذا الجفاف قد غاب عن الفصول التالية، عندما خرجت الإعماق لتعبر عن المشاعر الإنسانية، التي هي أقرب لروح القارئ، فضلا عن التغير الداخلي الذي حدث لتلك التي عاشت في الأرقام والحقائق، والمناقشة الجافة، لتُخرج مكنون نفسها، أو تبرز ذلك الجزء المخفي في شخصيتها، فيصعد الجسد إلي السطح، كعنصر ثان في تكون الشخصية، عندما تتحدث إلي "مصطفي" عبر الماسنجر، عن ذلك الاشتياق الذي شعرت به، وتمنته مع زوجها، الذي غاب عنهما ذلك اللقاء الحميم، خاصة بعد أن كانا قد قررا الطلاق، إلا انه لم يتم رسميا، فشفت اللغة، وتبللت العبارة، وهلت نسمة الروح المغلِفة للجسد، والذي تبوح به لمصطفي { بدأت تلك السنوات السبع ذات غروب، بشعاع شمس يخترق الستارة، مسطرة طولية تزاحم العتمة، فأحكمت إغلاق الستارة، وانسحب الضوء الواهن عن قدميْ زوجها، وأحالت الغرفة إلى ليل، وتمددت بجواره تتكلف النعاس، وتعطيه ظهرها وتترك بينهما مسافة، وهي مدفوعة بغلبة الشوق، ذلك الحنين القديم وفاء لاشتهاءات الجسد. قررت قهر عقلها الرافض لملامسة تخشى أن تؤجل حسم الطلاق القانوني. لم يكن شوقا من القلب، ذلك ذكرى، فما جرى أن الجسد تمرد، وفي لحظة هزم العقل والإرادة والكبرياء. كان ساكنا وهي تنتظر أن يتململ، وتتفاءل بحركة قدميه، وتحتك بهما في اقتراب محسوب، وصولا إلى اصطكاك يبدو عفويا للركبتين، وتودّ لو يضاء مصباح لتعرف أنه أيضا يقظ، وتلتقي العيون من غير تخطيط، وينهار الحاجز، ويقترب هو الآخر بالمقدار نفسه أو يزيد، ويعلن قولا أو فعلا أنه يريدها الآن}. وبعد إعتراف "لورا" لمصطفي ، بأنها أيضا جسد يعطش ويجوع لإحتياجاته الطبيعية، يقول لها { ـ كنت أظنك، قبل سماعك الآن، آلة تفكير، عقلا جبارا يدير ماكينات لا تتوقف عن ربط الأسباب بالنتائج والعلل بالمعلولات، وليس في الصدر قلب ينبض، وإنما موتور يغذي شرائح إلكترونية لا تكف عن العمل}.
وهنا يلعب الكاتب لعبة التشويق، بقطع الاسترسال الذي يتلهف له القارئ، حين يبتر الحوار:{أتمنى الآن أن أحضن قلبك، من دون ثياب أو حجاب............. وانقطع الاتصال}.
الرؤية الدينية
لم تكن تلك المعاناة التي يعانيها شخوص الرواية، هي ما جعل الكاتب يتخيرهم، أو يجمع بينهم، في رؤيته الاجتماعية فقط، فتقف الرؤية عند السطح، او التسجيل، ولكنه يذهب إلي أعمق من ذلك، حين يرجع إلي المحرك الداخلي الذي يلعب دورا رئيسا في سلوك الأفراد، والجماعات، ويفرق بين الشرق والغرب، وينعكس علي الكثير من رؤاهم، وسلوكهم. حيث جمع مركب "أنيل" بين المصري "مصطفي" و "نواف" المسلمين، إلي جانب "لورا" الأمريكية المسيحية – وإن لم تكن أحد شخوص المركب- إلي جانب "أنيل" الهندي" حيث تعدد الآلهة والديانات. و"تسو" التبتي، حيث الديانة البوذية التبتية – أو الديانة غير السماوية- وكأننا أمام تنوع الثقافات، أو تنوع الرؤي للعالم، وكأننا أمام علاقة الذات والعالم.
فإذا كانت الديانات لدي كل من "أنيل" الهندي، و"تسو" التبتي، ديانات غير سماوية، وتعدد الديانات، وارتبطت بجماعات معينة من البشر، ظلت لكل رؤيته لصاحب الفضل عليه، الإله، مثل البقرة في الهند والتي رآها "غاندي" أفضل من أمه، بل هي أم العالم. فالأم تُرضعه عاما واحدا، أما البقرة فتطعمه باقي عمره. غير أنه رغم تعدد الآلهة، إلا انه لم يحدث أن قامت حروب أو صراعات –علي أساس ديني- بين أي من تلك الديانات. علي العكس من ذلك نجد الكثير من الحروب والصراعات، والمناوشات بين أصحاب الديانات السماوية (اليهودية والمسيحية والإسلام)، نابعا من رؤية كل أنه هو علي الحق، من جانب، ومن جانب آخر أن وضع الدين يأتي كشرط أساسي لتحديد معالم الشخص. وهو ما يوضحه ذلك الحوار الكاشف حين يتوجه السؤال إلي كل من "مصطفي" و"نواف":
- أنتما مسلمان؟
من دون اتفاق، ردا معا:
- الحمد لله.
- آسفة على السؤال، طرحه على أي أحد في بلادي سؤال لا يليق، والبعض يرقى به إلى درجة الجريمة.
ابتسمت العربية، للمرة الأولى، وسألتها:
- وفي مصر تتشجعين على السؤال عن ديننا، ولن يردعك هنا قانون!}.
الأمر الكاشف عن نظرة كل من الثقافتين للدين، ففي الوقت الذي يعني إحتلاله مرتبة أساسية وفي المقدمة، بالنسبة للمسلم. فإنه يعتبر سر خفي ، يتوقف فقط علي العلاقة بين الإنسان وربه، ولا دخل له بالعلاقة الاجتماعية. غير أن "مصطفي" يرفض ذلك التعصب الديني، وما يقترب به من تحقيق ذلك التوافق- غير المُعلن - بينه وبين "لورا"، إلي جانب مساهمته في تأكيد الإسم الصفة التي عُرف بها علي المركب "المايسترو". فنراه يعترض علي نواف الذي يبدو عليه التعصب، كاشفا عن عمق الرؤية وتأثير التربية في تلك التصرفات، فضلا عما تكشف من إختيار "نواف" الخليجي تحديدا لذلك التعصب، كإشارة إلي الجزيرة العربية، منبع التدين، او التعصب، حين يقول له:
- لا تسخر من عقيدة أحد. يثق أصحاب كل عقيدة بأنهم على الحق. كل عقيدة تثبت، وتنكر عقيدة الآخر وتؤكد فسادها. والغريب أن جميعها يدّعي خلاص الإنسان وسعادته وإنقاذه.
يرفض نواف التسليم بأن تكون العقائد كلها على الحق، ويذكر أنه قرأ في الصبا كتبا تثبت بالأدلة وجود الله. ويضيف المايسترو { جميل أن تحمد الله، ولا شأن لك بغيرك، ولا تضع الشعائر على طاولة نقاش، وإلا حقّ لهذين الرجلين الادعاء بأن المسلمين يعبدون حجرا، يشدون إليه الرحال من أقصى الأرض؛ ليطوفوا حوله. لا تكن مثل الرجل الطيب تسو الذي قال في المسيح ما يلصقه مسيحيون ببوذا}.

وفي حوار آخر يقول "تسو":

{ من عقائدنا أن الجحيم، على سبيل المثال، ساحة باردة لا دفء فيها. والجنة هي الحر العزيز، وندعو للآخرين بأن تدفئ قلوبهم روح بوذا. وأما جحيمكم فهي نار نتمنى أن ننعم بدفئها}. (ينصت المايسترو، ويمسك كفيْه ويحييه، موجها كلامه إلى نواف:
- هذا البوذي تسو يقول الحكمة، ينطق بالحق. وكل إنسان تبعا لعقيدته على حق، ومن المهم أن يؤمن بأن الآخرين أيضا على حق}. ويرفض "نواف ذلك، مؤكدا أنه علي الحق ويتهم "تسو" بالكفر، ليجيه الآخير بما يفحمه { لو أن الأمر هو الكفر فنحن نتساوى، كلانا كافر بإله الآخر}.
ثم يكشف "مصطفي" – دون تصريح – عن طبيعة المسلم التي تُعلن الخلاف والتحدي لمن يخالفه في العقيدة، وكأنه الوحيد المالك للحقيقة المطلقة { تسو لا يجادلك، ارحمه يا أخي، وتوقف عن هذا الانقضاض. هل يسوؤك أنه يتلقى ضرباتك ولا يشكو؟ تريده أن يعاند لتجد مسوّغا للمزيد من الإيذاء؟
يرد تسو: {ومن غير إلهي رحيم بالعباد والعصاة؟ كل ذي روح يجرّم إيذاؤه.. من بلادي، هي الأرض المقدسة التي يحرم فيها الصيد وإيذاء الأرواح}.
وهو ما يكشف سر السلوك الشخصي الذاتي، وعلاقته بالوجود ورؤيته له. بين من يعمد للهجوم، ومن يتسلح بالسلام والمحبة، وحق الجميع في الحياة. وما يعبر عنه "تسو" بما يعني تناسخ الأرواح، والتي تري أن الإنسان ليس متفردا، وإنه هو من سبقه، وهو من يلحق به، وما يوضحه لأنيل في قوله { يا أخي أنيل عيب عليك أن تنكر تكرار الحياة، لا تزال صغيرا، ويوما سأدعوك إلى زيارة بلادي بعد العودة، وسوف تعلم وترى حيواتي السابقة، نسخا تثبت لك أن هذه الروح، روحي، سبق لها أن حلّت في أجساد، وسوف تمضي بعدي في التجدد، حين أصير عجوزا وأهرم، ويبلى جسدي ويعجز عن حمل ثقل روح ورثتها، وسوف أورّثها}.

وتصبح تلك المجموعة، هي التي استحضرها الكاتب ، باحثا عن الحق.

وتنتهي الرواية بتكليف "تسو" بتوصيل المرأة (حياة) التي انتشلوها من الخليج، هربا من اصحاب اليخت، إلي حيث تركب الطائرة العائدة إلي مصر. غير أن تسو لم يعد، وغاب في ظلام وضبابية المشهد، ليدفعنا إلي النظر إلي إختيار "تسو" تحديدا للمهمة، ذلك التبتي الذي علمه دينه التسامح والسلام، ذهب ب(حياة) ولم يعد، وكأننا أمام غياب السلام والمحبة، فذهبت بذهابها (الحياة)، ولم يبق في المشهد إلا القتال، والاقتتال. لتبرز طبيعة سعد القرش الشخصية المسالمة، والمحبة للجميع، الدائبة التفكر والتدبر، القائم علي البحث والمعرفة، ليصنع لنا سيمفونية، تعددت فيها الحركات، لكنه، بخبرته التي أنتجت خمس روايات قبل ذلك، يقف شامخا بعصا "المايسترو"، ليتوج إبداعه بسادسة إبداعاته الروائية، ولتصبح "المايسترو" هي التجربة التي بحث فيها القرش عن جناحي الحياة السوية.. الحق والعدل.

 

Em:shyehia48@gmail.com