في نصه يقارب الكاتب السوري البعد البشري الأيقوني في شخصية وأفكار دييغو أرماندو مارادونا، الذي انتشل كرة القدم من العرض التجاري، وموضعها في ملعب اللعب الملتزم الذي ينحز القول عبر تمرير الكرة وتسديد الأهداف والأفكار والمشاعر.

رحل مارادونا موج البحر

قولوا للملك الأحمق

ثائر ديـب

 

اقترح مارادونا في نهاية التسعينيات عقد مباراة كرة قدم بين العراق والولايات المتحدة: «إذا فاز العراق يُرفع الحصار فوراً وإذا خسر فالوضع هو هو. سألعبُ مع المنتخب العراقي ولتجمع الولايات المتحدة أفضل نجوم اللعبة، وسوف نرى من ينتصر في النهاية، لا بدّ سينتصر الأطفال المحرمون من الغذاء والدواء». ... ديـيـغو...

يا لهُ من رجل!

يا لهُ من اسم!

عن ماذا نتحدث؟ عن صورة غيفارا مرسوماً كيفما اتفق وهو يرفعها عالياً ومنتشياً، مغلّفةً بكيس من النايلون هشّ وبسيط كأكياس الخبز الذي باتت لقمته مذلّة ويصعب الحصول عليها في بلداننا؟

هذا رجل يشبهنا، رجلٌ منا، لم يُدْخِل كرة القدم في السياسة كما زعموا، فهي هناك، في قلب السياسة، منذ البداية وقبل أن يركل بقدمه الهواء وليداً، وكلّ ما فعله هو أنّه أخذها من سياستهم وأدخلها سياستنا: نحن الفقراء، أولاد البلد، أولاد اللاتينا والعالم الذين فهموا وأرادوا تحسين دنيا البشر ومستقبلهم، اليسار، التقدم، تشي وكاسترو وشافيز ولولا.

(لا بدّ أنّه سمع د. سقراط البرازيل ورفيق لولا وهو يقول: “لا أحبّه (يقصد بيليه) بسبب اتجاهه إلى الأمور التجارية وكلّ هذه القمامة)

دييغو أرماندو...

يا له من رجل!

يا له من اسم!

عن ماذا نتحدث؟ عن علم فلسطين الذي رفعه عالياً في المدرّجات، مع أنّه زار “إسرائيل” ووضع تلك القبعة فوق رأسه وضاع لبعض الوقت بأكاذيب الصهيونية المتركّزة بقوة في بلده الارجنتين؟

لكنَّ الارجنتين بلد غيفارا أيضاً. ومن اهتدى إلى أصدقاء مثل كاسترو وشافيز وموراليس لا يبقي تلك القبعة طويلاً، ولا بدّ أن يصرخ كما صرخ: “النصر لفلسطين”. وإذا ما أعلن ذات مرّة تضامنه الكامل مع ضحايا التفجيرات الإرهابية في فرنسا، لا ينسى أن يقول أيضاً، في الجملة ذاتها وبالفم الملآن ذاته: “… كما أتضامن مع الضحايا في سوريا ولبنان وفلسطين، العنف غير مبرر في أيّ مكان وله نفس الوجه القبيح”.

(لا بدّ أنّه عَلِمَ بما قاله د. سقراط: “أكافح من أجل الحرية واحترام الإنسان، من أجل المساواة، من أجل إجراء مناقشات واسعة وطليقة بلا قيد، أكافح من أجل الديمقراطية، أنا لست لاعبًا، أنا إنسان)

دييغو أرماندو مارادونا...

يا له من رجل!

يا له من اسم!

عن ماذا نتحدث؟ عن “يد الله” التي أحرزت في مرمى إنكلترا في كأس العالم في المكسيك 1986 هدفاً لم يكن هدف القرن، كما أطلقوا عليه، فحسب، بل كان نصراً سياسياً رفيعاً لشعب فقير من العالم الثالث، في شِبَاك إمبراطورية إمبريالية لم تكن تغيب عنها الشمس، وغابت، وكانت حملتها القذرة إلى جزر الفوكلاند الأرجنتينية المستعمَرة نَفَسَها الأخير؟ أم نتحدث عن ما قاله المخرج الصربي أمير كوستاريكا الذي سبق أن صنع له فيلماً باسمه: ”كانت تعتري دييغو مارادونا رغبةٌ شديدة في الثأر لحظة وجّه الكرة نحو مرمى إنكلترا خلال مباراة كأس العالم عام 1986، ليس هو وحده، بل السبعة عشر لاعباً الذين كانوا يقفون خلفه في تلك اللحظة، أولئك اللاعبون الذين قدموا لإعادة الكرامة لكلّ المُذلَّين المُهانين لسنين وسنين، وكانوا ينتظرون لحظة الثأر هذه على أحرّ من الجمر ... بالنسبة إليّ في تلك اللحظات القليلة الحاسمة، لم يكن مارادونا يوجه الكرة نحو الهدف فحسب، بل كان يوجّهها نحو مارغريت تاتشر ورونالد ريغان وبريطانيا العظمى والملكة إليزابيث الثانية والأمير تشارلز والبابا يوحنا بولس الثاني والفاتيكان. وما دامت كرة القدم لعبة تخييلية، فإنَّ بمقدورنا أن ندرج في القائمة اسم جورج بوش الأب والابن! وبالنسبة إلى مارادونا كان ذلك كافياً تماماً”.

(لا بدَّ أنّه فهم ما قاله د. سقراط: “بقيت في ميدان كرة القدم من أجل الوزن السياسي، من أجل مقارعة نظام القمع الذي يقوده العسكر ... كانت كرة القدم بالنسبة إليّ فرصة للضغط على النظام من موقع مؤثّر، فالشعب البرازيلي شغوف بكرة القدم، وسأكون أكثر تأثيراً لو كنت لاعباً جيداً)

ديـيييييييـغو...

يا له من رجل!

يا له من اسم!

عن ماذا نتحدث؟ عن الفاتيكان الذي زاره، وشاهد السقف الذهبي، ثم سمع البابا يتباكى على الأطفال الفقراء، فصرخ: “بِع السقف إذاً، افعل شيئاً يا رجل”؟ أم عن ما اعتاد تذكّره من طفولته ومن الصمت الذي لفّه وأخوته الثمانية في انتظار عودة أبيه من العمل، وعاد وليس معه ما يكفي لإطعامهم: “كنا ننتظره بصمت، لأنه لم يكن لدينا طعام لنأكل. لا يمكن لأولئك الذين لم يتضوروا جوعاً ذات مرّة أن يفهموا ذلك. لم نحتفل يوماً بعيد ميلاد أحدنا، لم نكن نملك المال اللازم لذلك. كان الأصدقاء والأقارب يمنحونك قبلة بمناسبة عيد ميلادك، وتلك القبلة كانت أكبر هدية، فالفقراء لا يخذلونك ولا يتخلون عنك قطّ، أما السياسيون وأولئك القريبون من الحكومة، فقد أصبحوا أغنى وأغنى. لقد أتيحت لي الفرصة أن أصبح أحدهم، لكنني رفضت وقلت لا، لأنّ ذلك يستلزم السرقة من الفقراء”؟ أم نتحدث عن رجل الأعمال والسياسي اليميني فرانشيسكو دي نارفيس الذي انتقد حكومة اليسار بقيادة كريستينا فألقمه تلك الحجر: “أعرف فرانشيسكو نارفيس شخصياً، هو لا يعرف حتى إعداد “الشوربة”، لا يعرف ماذا يضعون في الحساء. الحديث من أجل الحديث والثرثرة سهل جداً، هو لم يعش معاناة الشعب وكان غنياً منذ الطفولة، لا يعرف شيئاً عن معاناة الأرجنتينيين، عليه أن يتعلم صنع حساء بسيط أولاً ثم نتحدث”.

(لا بدّ أنّه أدرك ما كان يقوله د. سقراط: أراد النادي أن يتحكّم بلاعبيه كل التحكّم، بينما كنا نشعر بأن على اللاعبين أن يكونوا مستقلين وأن لا يُعامَلوا مثل الأطفال، لم نعترض على المشاكل البسيطة فحسب، بل على الصورة السياسية الأكبر)

دييغو أرمااااااااندو...

يا له من رجل!

يا له من اسم!

عن ماذا نتحدث؟ ذلك كان نَسَبُه، فهل نتحدث عن انتسابه؟

لقد عرفنا ذلك الانتساب حين رحل كاسترو: “مات أبي، مات الرجل الأكثر حكمة في الدنيا”. “إنه السياسي الوحيد، إذا أردنا تسميته هكذا، الذي لم يفكّر يوماً في السرقة من الفقراء”.

بل كنّا نعرفه قبل ذلك. كنّا نعرفه منذ أن بدأ يتغيّر في بداية تسعينيات القرن العشرين، حين رفض جواز السفر الأميركي و100 مليون دولار عُرضت عليه كي يحمل، إلى جانب جنسيته الأرجنتينية، الجنسية الأميركية. لكن مارادونا رفض العرض وفضل البقاء ارجنتينياً خالصاً.

كنّا نعرفه منذ أن حصل على فرصة العلاج الثمينة في كوبا أواسط تسعينيات القرن العشرين، وتعرّف على فيديل وتغيّر تماماً. ويا له من تغيّر!

حتى نهاية ثمانينيات القرن العشرين، كان مارادونا صديقا للدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية. وحتى أوائل التسعينيات كان صديقا مقرباً لكارلوس منعم، أحد أشدّ رؤساء الأرجنتين فساداً، وكان يتعاطف مع “دولة إسرائيل الصغيرة”!

يتذكر مارادونا تلك الفترة، فيقول: “كنت حينها محاطاً بأناس لا يفهمون شيئاً، كانوا يرددون ما تقوله وسائل الإعلام في أوروبا والولايات المتحدة، ولم أكن مهتما بمعرفة الحقيقة”.

بعدها أصبح مارادونا من أشدّ المدافعين عن الأحزاب الاشتراكية في بلاده. وحين سقطت دعوة البرلماني ورجل الأعمال الذي لا يعرف حتى إعداد “الشوربة”، لحجب الثقة عن الحكومة اليسارية في الأرجنتين، احتفل مارادونا كما كان يحتفل ويصرخ مبتهجاً بتسجيل هدف مهم: “أفعل ذلك من أجل بلادي والفقراء وعلم الأرجنتين”.

بعدها تبدّلت نظرة مارادونا إلى السياسة، واقترح في نهاية التسعينيات عقد مباراة كرة قدم بين العراق والولايات المتحدة: “إذا فاز العراق يُرفع الحصار فوراً وإذا خسر فالوضع هو هو. سألعبُ مع المنتخب العراقي ولتجمع الولايات المتحدة أفضل نجوم اللعبة، وسوف نرى من ينتصر في النهاية، لا بدّ سينتصر الأطفال المحرمون من الغذاء والدواء”. كما تبدّلت نظرة مارادونا إلى الشعب الفلسطيني والعرب الذين يصارعون “إسرائيل” ذلك التبدّل التام والتفصيلي، وعلى رؤوس الأشهاد. وصاح حين حوصرت فنزويلا: “أنا جندي للدفاع عن النظام اليساري المحاصر ورئيس فنزويلا مادورو”.

عرفنا انتساب مارادونا بالمقلوب أيضاً، عرفناه مما ليس انتسابه. “لا أحبذ تناول الطعام مع سفاح”، تلك كانت إجابته القاطعة حين سُئلَ عن بوش. “ترامب شخص كرتوني، مكانه ليس الرئاسة بل فيلم رسوم متحركة. حين أراه أقوم بتغيير القناة على الفور”.

(لا بدّ أنّه استوعى موقف د. سقراط حين ردّ على شركة لشفرات الحلاقة عرضت عليه مبالغ طائلة لقاء دعاية يقوم فيها بحلق لحيته بشفراتها، ليحلّ محلّه في قبول هذا العرض اللاعب الألماني يول برايتنر: لا أبيع جزءاً من شخصيتي بأموال العالم كلّها)

دييغو أرماندو مااااراااادونا...

يا له من رجل!

يا له من اسم!

لمن سنرفع صراخ الحماسة والمتعة ودبابيس الدم، بعدما وجدنا فيه بطلنا المنشود ... الفرد، الفرد ليس بدعة في التاريخ ... له وجه طفل، وجه ملاك، له جسد الكرة، له قلب أسد، له قدما غزال عملاق، وله هتافنا: مارادونا .. مارادونا .. إن هو لم يسدد ستموت الأرجنتين من البكاء .. وإن هو لم يصوّب سترفع الأرجنتين نصباً لعارها في الفوكلاند .. سيتوقف الشعور القومي عن الرقص، وستربح انجلترا المغرورة الحرب مرتين. ولكن مارادونا يتقدم بالكرة من حيث تراجعت السلطة، مارادونا يعيد الجزيرة إلى الأرجنتين، وينبّه الإمبراطورية البريطانية إلى أنها تحيا في أفراح الماضي .. الماضي البعيد .. مارادونا يعرف شيئا واحدًا هو أن كرة القدم حياته وأهله وحلمه ووطنه وكونه .. هذه القدم، قدم مارادونا، مع كعب ميثولوجي آخر هو كعب أخيل.. هما أشهر قدمين في تاريخ الأسطورة .. لماذا لا تكون كرة القدم موضوعاً للفن والأدب؟ أكرر: لماذا لا تكون كرة القدم موضوعا للفن والأدب؟ … لا يمكن إيقافه، كما لا يمكن للملك الأحمق أن يوقف موج البحر، هكذا يقول الخبراء الرياضيون الذين وجدوا في المرجعية الشعرية اللغة الوحيدة القادرة على وصف هذا الشيطان الملائكي، صانع الفرص، نشّال ماهر، موجود في كل مكان .. قوي كالثور .. سريع كالقذيفة. (محمود درويش)

(لا بدّ أنّه التقط ما ينطوي عليه قول د. سقراط: “لا أعرفهم (مشاهير اللاعبين الطليان)، أنا هنا -في إيطاليا- لقراءة ما كتبه أنطونيو جرامشي بلغته الأصلية، وكذلك جورجيو بوكا، وكي أدرس تاريخ الحركة العمالية في إيطاليا)

 

(نقلا عن موقع أوان)