يعود باب علامات لاستفتاء نشر عام 1950 في مجلة الحديث الحلبية، ليطالع مع القارئ رأي مفكري تلك المرحلة، ويستبين الخطاب المفارق لمرحلتنا التي تقدم بها الشباب ناصية الثورة في مجتمعات تداعت بفعل الطغم الفاسدة. ما أبعد جدل البارحة عن جواب اليوم، وما أحرّ جمر الأمل!!

العرب: هل هم أمة قول أم عمل؟

أثير محمد على

وجهت "الحديث" إلى غير واحد من رجالات الفكر الاستفتاء الآتي وقد تفضل بالإجابة على الاستفتاء كل من الأساتذة ميخائيل نعيمة، الدكتور عادل عوا، واصف بارودي، الدكتور كامل عياد، وعبد الرحمن أبو قوس وفيما يلي أجوبتهم على هذا الاستفتاء:

في عقيدة البعض، بل في عقيدة الكثير من الشعوبيين أن أمة العرب أمة قول لا أمة عمل، أي أنها تكثر القول ولا تفعل.

فهل هذه التهمة صحيحة؟

وإذا كانت صحيحة أو أن لها جانباً من الصحة، فما أسبابها وما عواملها؟

وما الذي يجب أن نعمله في فجر يقظتنا بعد غفوتنا الطويلة لنجنّب الجيل الجديد داء الكلام وتعويده على العمل، العمل الصامت الذي ينتج ويخلق ويبدع ولا يحدث قرقعة وضجيجاً!

 

جواب الأستاذ ميخائيل نعيمة:

الثرثرة بلية الناس أجمعين. ما احتكرتها أمة دون أمة ولا انفرد بها جنس دون جنس.

فإن سمعت بقوم يعملون في هدوء وصمت فهم القلة النادرة، والنادر لا يقاس عليه. ونحن لو كان لنا أن نجمع ونطبع كل ما يقال ويكتب ويذاع في العالم ولو لساعة واحدة لضاقت به مطابع الأرض ومكاتبها. ثم لو كان لنا أن نفصل قمحه عن زؤانه وأحساكه لوجدنا نسبة القمح إلى الزؤان والحسك لا تكاد تعدو الواحد في المليون.

ولكن بعض الناس – كبعض الشعوب – تسمع لهم جعجعة وترى مع الجعجعة طحناً. في حين لا تكاد تبصر لغيرهم طحناً يذكر، وتسمع لهم جعجعة تصم الآذان. ومن هؤلاء شعوب دويلاتنا العربية فما أكثر ما يصخبون ويتهددون، ويباهون ويتبجحون، ويتذمرون ويشكون، ويخططون فلا ينفذون ويتحفزون فلا يثبون، وما أكثر ما يثورون فإذا بهم حين يندمون وعلى ثوراتهم ينقلبون فحماسهم فتور، وإقدامهم تردد، وغناؤهم عويل، وأدبهم ميوعة وسياستهم ثرثرة وتدجيل، واقتصادهم انتفاخ بطون وجيوب وانقباض جيوب وبطون، ومدارسهم فبارك شهادات، ومعابدهم ملاجئ تقصدها النفوس العلقة على مصيرها في الدنيا وفي الآخرة لعلها تكسب الاثنتين بحنو ركبة وطبطة شفة، أو بدخان مبخرة ونور شمعة.

وكيف لهذه الشعوب أن تكون على غير ما وصّفْت وهي تعيش في ماض معالمه ضباب، وتتطلع إلى آت كله ضباب؟ فلا هدف جلي، بعيد، ولا طريق بيّن إلى الهدف، بل هنالك أهداف وأهداف. وهذه من الغثاثة والغموض بحيث أو تحققت جميعها في لحظة واحدة لبقيت الشعوب العربية من عيشها في ضباب كثيف.

ألعلني – وذلك ما أراه من أمر العرب في هذه الفترة من حياتهم – أثبت التهمة عليهم بأنهم أمة قول لا أمة عمل؟ لا، ثم لا، ثم لا، فما من أمة تستطيع أن تحيا بالقول دون الفعل. ولا شك عندي في أن العرب، بما يملكونه من مواهب سخية، مؤهلون للعمل البنّاء؛ والفكرة الخلاقة. ولكن مواهبهم في حاجة إلى من يطلقها من سجونها فهي اليوم سجينة الخوف والتردد والذل والتقاليد البالية. والمعتقدات الرثة والاتكال على الغير وقلة الإيمان بالنفس. وأن يطلقها من سجونها غير ثورة شاملة في اتجاهات العرب الفكرية والعاطفية والفنية والاجتماعية.

وهذه الثورة لن يقوم بها إلا الشباب، ولكن لا خير في الشباب إذا كان مُلجم اللسان، مغلول العنق، مصفد اليدين والرجلين، وكما هي حال شبابنا اليوم.

أعطوا الشباب العربي حرية القول والعمل وأنا الكفيل بأن العرب سيكون لهم هدف، ويكون لهم طريق، ثم يكون لهم شأن عظيم في خلق الحضارة الجديدة التي تتمخض فيها آثام الأمس وأشواقه، وعربدات اليوم وابتهالاته.

 

جواب الدكتور عادل العوا:

1 - لا أتصور من الجائز فصل أمة، أية أمة، عن تاريخ تطورها، حتى يصح تحديد خصالها أو عيوبها، ميزاتها أو نقائصها، وكأن هذه الخصال أو النقائص أمور ثابتة جامدة، أي ميتة، لا تتطور تطور الكائنات الحية جميعها، والمجتمع، أو الأمة، كائن حي.

فالبحث في التهمة التي يراد إلصاقها بالعرب لاغ لا معنى له إذا أقصد به أن تكون هذه "الكلامية" الجوفاء صفة ثابتة، فرضها قدر ظالم سخيف على الأمة العربية، أو اختصها بها، في جميع أدوار حياتها، ومختلف عهود تطورها.

2 - فإذا فرضنا أن غرض الادعاء إلصاق التهمة بماضي الأمة العربية. فالطريق في الأمر إننا نؤمن بأن أصالة أمتنا، ولاسيما في ميدان الفكر والفلسفة (نظرية وعملية)، إنما سميت: علم كلام.

وهذا العلم يمثل في رأينا لباب العبقرية العربية في ميدان التنظيم الحضاري. إذ من المعلوم أن موضوعاته كانت تثير اهتمام الناس جميعاً في البلاد العربية، من العجوز في عقر دارها، إلى العلماء في حلقاتهم، والخلفاء في قصورهم وبلاطهم، فهل كان ذاك "الكلام" كلاماً فارغاً وهذيان مجموع؟!

لقد كانت أصالة أسلافنا أصالة "كلام"، ولكنه كان كلاماً عاقلاً مجدياً، أي أنه كان وثيق الاتصال بواقع الناس وأغراضهم، ولم يقتصر نطاقه على أمور الدين والروح وحسب، بل شمل المسائل الزمنية كلها من عادات وأخلاق وأدب وسياسة وسلوك وفن وصناعة... وكان قوامه إعمال العقل والفكر في ما يهتم به الإنسان في ما يهتم به الناس جميعاً.

3 - أما إذا قصد بوصمة "الكلامية" الإشارة إلى حاضر الأمة العربية في حقول السياسة والقيادة والفكر، فلسنا بحاجة إلى النزعة الشعوبية حتى نعترف بصحة التهمة مع الأسف، ولكننا نفهم هذا العيب باعتباره نتيجة لا سبباً. أنه نتيجة وضع الأمة العربية الحاضر، وظاهر أن هذه الأمة لم تستكمل بعد أسباب نهضتها القومية، وتطورها الثقافي والاقتصادي والاجتماعي والفني.

ولعل العارفين ممن يتهمون العرب –في حاضرهم– بتهمة القول الفارغ والعجز عن العمل الصامت المثمر، ينصفون ويقرون بأن هذا الداء عادة زائدة من العادات الاجتماعية الرسوبية –كما يقول علماء الاجتماع– عادة زال مضمونها وبقي شكلها، فأصبحت فارغة خاوية بعد أن كانت نزعة كلامية عاقلة بناءة.

ولسنا نؤمن بوجه من الوجوه أن يكون عيب أمتنا الحاضر عيباً تكوينياً وداء عضالاً لا مفر منه، ولا برء له، ولا علاج، بل نرى – على العكس – أنه نقص" طبيعي" لوضع راهن لا يمكن أن يدوم.

4 - ولعلّ الكلام عن مستقبل العرب في هذا المضمار يحتاج إلى تمهيد أعمق، وتفصيل أوسع. ولكننا –بإيجاز– نرجو أن يسعى المثقفون والمصلحون من قادتنا إلى بعث نوع جديد من "الكلامية الملتزمة" يكون فيها رجل القول رجل عمل، أي يكون كل ناطق عاقل مسؤولاً عما يقول. فينطلق من الواقع ليعود إليه بعد إعمال عقله وفكره، فيأتي سلوكه كسلوك من يمكن تسميتهم بـ"مهندسي الفكر". وما المهندس الفكري إلا "متكلم" مخلص لنفسه ولقومه ولإنسانيته.

ولعل العرب يوفقون فينحون بسفينة وجودهم نحو تحقيق مثلهم العليا، التي طال كلامهم عنها الآن، وما أجملها من مثل في دنيا "الكلام".

 

جواب الأستاذ واصف البارودي:

أن يقال: أن العرب أمة قول، لا أمة فعل فإنه افتراء صريح، وبهتان واضح!!

لا يقول به سوى مغرض، وجاهل بما هنالك!؟؟

وأما أن يقال: غفل العرب عن حقيقة ذاتهم، كأنه، منذ أترف القوم، ولاسيما الكبراء والقادة والرؤساء، فغابوا عن مزايا عروبة، كبتت، في داخل أنانيتهم الفردية، وفي صميم ذاتهم الاجتماعية، فأصبحوا يكثرون القول، ادعاء وغروراً، ولا يفعلون فهو الواقع، لا ينكره إلا المكابرون!!؟

والحكم، أي حكم، لا يصح علمياً، إذا ما اعتمد على تصورات جزئية، عبر عنها علماء العرب بالاستقرار الناقص، فكل أمة، في تكونها وتطوراتها، أدوار، تتعدد وتتوالى، ويعبر عنها ما تتجلى عنه حياتها: من تقدم أو تأخر، ومن رقي أو انحطاط، ومن وثبات بناء وتجدد، أو رجعات تهدم وانهيار وجمود!؟

وفي كل أمة أفراد، وجماعات، يتسمون بفاعليات وثبات الحياة تتصاعد، متسامية، في التكامل، متفاعلة مع المجتمع تفاعل توافق وانسجام!؟

وفي كل أمة جماعات وأفراد، يستسلمون للخنوع والخمول، والترف والجمود، تأسرهم غرائزهم، وتنحط بهم إلى درك الرذيلة والحمق والتذلل.

فتهيب المجتمع، إذا ما تفاعل، معهم، تفاعل استجابة، تسخر بالمقاومة، وتشك بالإصلاح!؟

وبين هؤلاء، وأولئك.. أفراد وأفراد، وجماعات وجماعات. منها من يحاول السمو إلى مستوى الأولى، تتصاعد في سلم الحياة، ومنها من يزحف للالتقاء بالثانية، زحفاً على البطون!؟

فالاقتصار، في الحكم على مظاهر دور من أدوار حياة الأمة. أو على أوضاع بعض أفرادها، أو جماعة، وجماعات- ولا أحب أن أقول: طبقة أو طبقات- من جماعاتها، إنما هو حكم خاطئ، لما فيه من نقص، يستلزمه الاعتماد على تصورات جزئية، أو استقراء ناقص!!

والعبرة، في عموم الحكم، على أية أمة، إنما في قابلياتها (نقص)، وشذوذ وانحراف، فالقابليات، هي الجوهر؛ والأمراض والعلل، إنما تكون أعراضاً يزداد خطرها ويشتد، إذا ما استمرت وأزمنت!؟

فالعرب كأمة تتجلى ذاتها في حقيقتها، مروءة: فيها مفاهيم الوفاء، بالوعود وبالعهود، وفيها مفاهيم الإباء، يمتنع عن الإسفاف إلى دنايا الأمور، في التصرف والسلوك، وفيها مفاهيم الشجاعة، وهي التضحية بكل شيء، حتى الحياة في سبيل الكرامة والحقيقة، وفيها مفاهيم الكرم، يأبى اللعن، وسوء السمعة، وفيها مفاهيم، ومفاهيم: كلها تعبير عملي، لا يعبأ معه بالقول، وواقعي، يتصل بسمو اللذات، في تكامل الحياة!؟

أن أمة هذا شأنها لا تكون في أصالة ذاتها وفي حقيقة قابلياتها، أمة قول ثرثار، لا ينتج عملاً!؟

ولعله الأصح، في اتهام الأمة العربية، ما دام الاتهام برضى الشانئين، أن تتهم بأنها، كأمة، إنما كانت تعمل أكثر مما تقول!؟ ولا ينهض برهان، على تأييد رأيي هذا، ويكون أقوى مما اتصف به تعبيرها، في لغتها من إيجاز، في بلاغة، ولا يكون أشد مما امتاز به أدبها من صدق في طبيعته!؟ وهل من دليل أبرز واقعية مما أدهشت به العالم، في سرعة ما شيدت، لأمجادها، من صروح، ولحضارتها من مدنيات!؟

وهل ينسى العالم ما نشرته نهضات هذه الأمة، في أرجائه، من مبادئ وفكر، ومثل وقيم، وعلوم وأدب!؟. أفيكون هذا كله، ولا أدعيه شاملاً، من إنتاج القول الثرثار!؟ أم من أعمال الكادحين، في جهاد مستمر وكفاح لا يستكين!؟ والواقع أنه بازدياد تقدمية العلوم وانطلاقها، في تفهم عصور الوثبات، يزداد المنصفون المجردون، من الناس، إيماناً بالعروبة.

إذ يكتشفون ما تنطوي عليها روحها، في الوثبات، وفي الصراع من قدرات وإمكانات، وقابليات!؟

ولعلها، وقد تعبت بعد جهود وجهاد!؟

فاستسلمت للراحة انكماشاً، في خمول كالشلل، وللهدوء استجماماً، في جمود وكسل!؟

- منذ أن سلمت إلى الغرب فيضاً من نتاج جهودها، ومن ومضات نورانية تفكير، ألهبته شعلة الشعور، في صفاء الذات، في صميم الحياة. فأخذت تتأثر بالعدوى من شعوب، ما كانت لتستيقظ على حقيقتها، لولا ما في العروبة من تحرر، يؤيده، فعلاً، لا قولاً، ما تحتمه المروءة، في أريحيتها، من تسامح، وتساهل وإنسانية، ومحبة، وعدل.

فانقلبت شعوبية عليها!؟ ولا ضير!! فإنها المحفزات تدفعها لاكتشاف الذات، فتتنبه وتفيق، ثم تعي لتستيقظ فتنبثق، في داخل ذاتها عناصر النهضة. وتعود سيرتها الأولى: تبني الأمجاد وتنشئ الحياة، حضارة، تحمي المدنية من الفساد وتحفظ الإنسانية، مما في عناصر مظاهرها المزيفة، من الفساد!؟

فبهذا الوعي لحقيقتنا، يجب أن نبدأ، أولاً.. على أن لا يستمر الوعي زهواً وترفاً ولا تفاخراً، لسنا جديرين به، ما دمنا لم نشترك في الكفاح والإنتاج! ولا يجوز أن ندعي الوعي الصحيح، وهو وعي شباب متوثب يتسامى ما دمنا نتلهى بتاريخنا وتلعب، أو نتخذه وسيلة زهو ومباهاة، نستكين إليه، باطمئنان الصوفي إلى ربه، فنجعل من مآتيه، وممن ثبتوا في سجل البطولات، حقاً أو زيفاً، من رجال ونساء، أوثاناً نعبدها، أو نصاباً نستغلها، فتعيدنا لوثنيتنا الأولى، وتظل الحاجة ملحة لهدم الأوثان، وإسقاط الأنصاب!؟

علتنا في عودة إلى عبادة وثنية، من نوع آخر! نعم، عدنا وثنيين، في وثنية، ربما كانت أشد وطأة من الأولى، أو تكاد!؟ وفي وعي ندعيه!! هي وثنية، في الزمن، تتصل بالقدم، ماضياً، فتلهينا عن المستقبل!؟ ووثنية في المكان، تتجاوز الحدود، حدود بلادنا، فتشغلنا عن ذاتنا؟؟ فلا بد من هدم الأوثان، والأصنام، والأنصاب وأبطال شعوذة الأزلام، وسحر الكلمة، في القول، وفي الكلام، قبل أي شيء آخر، لنثبت وعينا، وعياً سالماً، ولنحقق رشدنا، رشداً صحيحاً، وعندئذ، تتفتح، في نفوسنا تلقائياً، وبفعل ما يمكن فيها، من معاني العروبة السليمة، وما يكبت فيها من فاعلياتها أساليب العمل المنتج.

فهل نحن على استعداد لهدم الأوثان، كعبتها قلوبنا، من تقاليد بالية وفكرات جامدة، وأوهام في بطولات، زورها التاريخ في سجل الزمن..

وزيفها أدب الاستجداء، في صور سحر الكلم، ولا يزال!؟.. نحن على استعداد لأن نخرج من قلوبنا ومن زوايا تلافيف أدمغتنا، أنصاباً جديدة غريبة عنا تتسرب عبر الحدود، لتبعدنا عن ذاتنا، وتنسينا حقيقتنا، فلا تقوى على المقاومة، فنخدم بالأوهام، ونتلهى بالحطام!؟

أم نظل "أبا جهل" يصر على وثنيته، ويعذب الداعين إلى التحرر، ويضطهدهم، ليوقف حركة الوثنية... وثبة التجددِ والتسامي، والأصالة والانطلاق... تتصل بالتاريخ، تفكيراً وعبرة، لتبني مستقبلاً جديراً بأبناء من ساهموا، مساهمة بطولة وإبداع، في تكوين التاريخ، وفي توجيه الأمم... لا اتصالاً وثنياً، يقيد بأغلاله العباد، ويكبت الوثنية، في النفوس... فتتقهقر، في أرجائنا، الحياة !؟

بدأت النهضة الكبرى بالتأمل والتفكير... لا بالثرثرة .. .وبالأفعال، لا بالأقوال!؟... ولن تعود إلى نفوسنا، تلك الوثنية، إلا بالتأمل، بحرث الذات... وبالتفكير، يثقفها... فيتحول إلى خير الأعمال!؟... ولا يكون التأمل تأملاً سليماً، بسوى الانطلاق المتحرر، في داخل ذاتية الفرد، وفي صميم تفاعلاته مع المجتمع... ولا يصح التفكير إلا بأصالة طبيعية، تنتج فكرات، نولدها إرثاً وكسباً، فتصلح للتأمل الذاتي، مادة... نملكها... فلا نستعير!؟... وما أروعها فلسفة، وحكمة، تلك التي يعبر عنها عامة الناس في قولهم: "ثوب العيارة ما بدفي... وإن دفى ما بدوم!؟...".

ولا يستغربن أحد استشهادي بأقوال العامة.... قمن هنا يجب أن نبدأ، إذا ما أردنا الأصالة في نهضتنا، وفي وعينا لذاتنا... ولحقيقتنا!؟... فلا تحقرن هؤلاء الناس!... ففي نفوسهم تكمن بذور الفلسفة العملية، وعناصر الحضارة القومية... والعامة، هي الخميرة، في الأمم... وشأن الثقافة، في المتعلمين، أن تتسامى بتلك النفوس، فيرتفع مستواها، وبارتفاع مستوى الجماهير، يسمو التعبير، فيقول العامة، ويقول معهم المثقفون المتعلمون: "الثوب المستعار لا يدفئ!... وإن دفأ... لا يدوم!؟".

 

جواب الدكتور كامل عياد:

1 - تأثير بلاد العرب الصحراوية على طبيعة العربي، فعدم تعاطيه الزراعة أو العمل جعل عنده الوقت الكافي للكلام.

2 - تهمة القول أكثر من العمل تنطبق على بعض طبقات المجتمع وليس على كل الطبقات فلا يمكن أن يقال أن الفلاحين المزارعين والعمال لا يعملون.

3 - فما يتعلق بالطبقات الحاكمة: توجهت للاهتمام بالفلاح لإملاء الفراغ واستخدام الكلام في إخضاع الشعب، وهذه نزعة إلى الكلام ازدادت في العصور الحديثة عند بعض الطبقات عن طريق أساليب التربية المقتبسة عن اللاتين.

أما فيما يتعلق بالطبقات العاملة فلا شك بأنها لا تعمل بالمقدار اللازم إلا من حيث الكم لا من حيث الكيف وذلك لأسباب عديدة:

أ - أنها لا تعمل لمصلحتها، لأنها كانت محكومة بالعصور الماضية لذلك كانت نتائج أعمالها لا تستفيد منها بالذات.

ب - بقاؤها جاهلة من عدم تحسين العمل. بقيت أساليب العمل هي نفسها لم تتحسن بالاستناد على نظريات جديدة تتلاءم مع الظروف الجديدة وأساليب العمل المستحدثة، فكان هناك إذاً انفصال بين النظر والعمل لا يمكن لهما أن يثمرا وأن يكونا صحيحين إلا إذا استند أحدهما على الآخر... فكان العمل نتيجة نظريات صحيحة ولا يمكن الوصول إلى نظريات صحيحة إلا إذا كانت منبعثة عن حياة عملية وتجارب في الحياة الواقعية.

لذلك ولإصلاح هذا النقص كان من الضروري قبل كل شيء أن تنخرط البقات المفكرة المثقفة في الحياة العملية وتتصل بأعمال الطبقات وحياة الشعب وتتخلص من الآراء القديمة التي كانت تعتبر العمل أمراً حقيراً يشين الإنسان.

ومن جهة ثانية يجب العناية بتعليم الطبقات العاملة وتثقيفها إذ لا يمكنها أن تقوم بعمل مثمر إلا إذا استندت إلى نظريات، وهذا صحيح بصورة خاصة بالنسبة إلى الصناعات الحديثة التي تتطلب معرفة فنية وعلمية ينتظر من الجيل الجديد أن يعود منذ نشأته الأولى  على احترام العمل وتقديره. عند ذلك يمكن أن نتخلص من عادة الكلام.

ليس كل كلام هو ثرثرة، فللكلام أيضاً فائدة عملية إذا كان يساعدنا على توجيه الناس على ما يجب أن يعملوا، فكل إنسان يحتاج إلى ماذا يحب أن يعمل ولا يمكن الكلام أن يؤدي إلى هذه الغاية إذا لم يكن نتيجة تفكير صحيح قائم على معرفة الواقع والتجربة..ومثل هذا التفكير هو أيضاً عمل بل من أشق أنواع العمل.

 

جواب الأستاذ عبد الرحمن أبو قوس:

تسألني هل العرب أمة قول أم هم أمة عمل، ويقيني أن السؤال يجب أن يتبدل، حتى يصير:

هل بقي أحد من العرب إلى اليوم؟

وبمعنى أوضح هل العرب اليوم عرباً؟

لو طرح هذا علي السؤال لقلت، إن العرب انقرضوا، لأن من تبقى منهم، ونحن من جملتهم، لا ندين لهم بخلق، ولا بثقافة، ولا بأدب، ولا بدين، ولا بعبادة، فكيف نظلمهم بالانتساب إليهم وكيف نرفع أنفسنا بالاعتزاز بتلادهم، وهلاَّ يجب أن نعلم ما بيننا وبينهم من تباعد حتى لنكاد نكون نوعاً جديداً من الخلائق، أو أمة جديدة بين الأمم، لا نحتفظ عن أجدادنا غير صلة الدم، إن كان ذلك الدم مازال صافياً محترماً عندنا!.

لقد كان العرب أمة عمل، فأصبحوا اليوم أمة قول، وما كانوا يجيدون حرفة من الكلام، أصبحنا لا نجيده تقليداً ولا محاكاة، وحتى ولا حديثاً فيه، ولا لغواً من أغواره ومعانيه، ولا كلاماً من أهدافه ومراميه!.

والعرب الذين تسألني هل هم أمة قول أم عمل، لا يمكن الحكم عليهم، فهم في مفترق طريق، لا قدرة لهم على قول ما يقولونه، ولا قدرة لهم على ما يعملونه، كأنهم في مأزق، وليتهم أدركوا ما ينجيهم، إذن لثاروا ثورة العبد على سيده، وتحرروا مما هم فيه واستعادوا مجدهم الغابر، وعاودوا حياة الفلاسفة الذين كانوا يملأون الدنيا إبداعاً، وألسنتهم معقودة إلى حلوقهم لا تجري بحديث حول ما يبدعونه من الأعمال؟

إنني مقل في الحديث عن التاريخ، لأنه تحول من مفخرة يعتز بها كل منحدر عن أبطاله، إلى معرة يؤذي بها كل محاول مقارنة بينه وبين حاضره، فكيف لا يؤذيني أن أسأل هذا السؤال، والجواب من أعماقه، ولعل الأذية من حروفه التي ترشد سامعها، والناطق بها، إلى مدى ثرثرة العرب من غير جدوى، حتى صاروا يتشهون أن تتحول مشاكلهم كلها إلى أمر واقع يقرون تنفيذه من غير حيلة، ويتهربون من مذلة الدفاع عنه بعد شيوع القنوط بين من يملكون حق العتب عليهم، ومحاسبتهم على ما يجرونهم غليه!!.

ما من شك من أن العالم يسير، والبشر يقفز، ونحن نتحدث فيما يصنعه العالم، فهل نحن أمة عمل أم أمة قول!؟.

ليتنا نرجع إلى أصلنا الذي كشفه داروين، فنتقن التقليد على الأمل عسى يتحول بعض ما نتعلمه بالتقليد إلى طبع؛ فنخطو نحو ما بلغه سوانا ولو بعض خطوات!.

(الحديث، ع1-2، س29، حلب، كانون الثاني وشباط 1950)