هذا ملف قصير حول تجربة فنان تشكيلي مغربي تميزت تجربته بالعطاء والتفرد الفني، هذا الى جانب تألقه على مستوى مشاركاته المتعددة دوليا كان آخرها مشاركته المتميزة في البينالي الصيني، هو أحد رموز الانطباعية الجديدة والذي احتفي به رواق باب الرواح، ويبحر المقال من زاويتين في تجربته التشكيلية وعوالمها الجمالية.

ملكوت اللون بين الحلول والتعالي

محمد الشيكر وعبداللطيف بوجملة

 

تتويجا لمسارات فنية آهلة وحافلة بالعطاء المتفرد وطنيا و دوليا، وبعد نجاح مشاركته وتمثيله المتألق للغرب في البينالي الدولي لبكين عاصمة الصين ألشعبية وولوج أعماله المتحف الوطني ألصيني يعرض الفنان المبدع  محمد المنصوري الإدريسي بهيكل التشكيل  المغربي الرواق الوطني باب الرواح والذي تشرئب إليه أعناق ألفنانين باعتباره محطة مفصلية في هذه ألمسارات  وذلك في الفترة الممتدة من 05 إلى 24 شتنبر 2013.

ويمثل المنصوري أهم رموز الانطباعية الجديدة  وأحد أبرز رموز التشكيل المغربي والعربي، فضلا عن اهتماماته  الثقافية والفكرية كرئيس لجمعية الفكر التشكيلي وكناشر. وتعد هذه المحطة في سيرة الفنان تمثيلا لتطور فني و سيرورة  إبداعية خلاقة في سياق ترسيخ اختياره الجمالي. لهذا فهذه الأعمال الجديدة للفنان تستحق المشاهدة والمتابعة.

محمد الشيكر: المنصوري وملكوت اللون

لو اعتبرنا أن الفن التجريدي يقوم على القطيعة الجمالية مع كل إحالة مرجعية، ويستدعي  كحساسية استتيقية تحلل الفنان من أسر الواقع الموضوعي المشخص ،   فما من شك أن سيدي محمد المنصوري الإدريسي هو واحد من الفنانين التجريديين المغاربة المرموقين ، وأعماله الفنية تنطوي على ملمح تجريدي فارق . إلا  أن لغته التجريدية ليست من جنس المواضعات  التجريدية الغنائية والهندسية المألوفة. إن تجريديته   تنهض على حمولة رمزية فائقة، تحيل على ذاتها ، وآلياتها  البلاغية   أكثر مما تحيل على أي معادل موضوعي كائنا ما كان. " فأن يكون الفنان التشكيلي  تجريديا لا يعني، كما يقول بول كلي، أن يحول التوافقات المفترضة بين الموضوعات الطبيعية إلى  تجريدات،  بل أن يستخلص العلاقات الخلاقة بين هذه الموضوعات بمعزل عن تلك التوافقات المفترضة."  وهذا صنيع فناننا البهي محمد المنصوري الإدريسي ، فهو لا يتجرد من إملاءات الواقع المرجعي ولا يتحلل من إحالاته ، ليضع المشاهد، في النهاية، إزاء سديم لوني غفل من كل معنى ومن كل معقولية. إنه، إذ يتبرم من إستعادة العالم الواقعي على نحو ميمي ومكرور، يأنف بنفسه ، أيضا، أن ينقل إلى محبيه وصحبته ومريديه عدما معدوما أو فراغا جماليا تمجه العين ويتوجس منه الوعي.

فلمسة المنصوري  الساحرة والمهيبة تتمثل في قدرته الاستثنائية  على نقل  عين المشاهد من صعيد الرؤية البرانية، المتسربلة بتفاصيل العالم العيني إلى صعيد الرؤيا الجوانية المأهولة بالرموز والبلاغات والشعريات. ولأن  تلك اللمسة  المنصورية الآسرة، لا تنقل إلينا أشياء الطبيعة بل تقبض، برهافة وشموخ، على أشد الإنطباعات إلتباسا وكثافة، ولا تضع ملء ناظرينا ما تألفه العين من مدركات حسية، بل ما يخالج الوعي من سوانح  وما يتخايل على صفحته من استيهامات وتهيؤات وأضغاث رؤى وأحلام، فيسوغ لنا أن نصنف عمل المنصوري ضمن نوع من الإنطباعية الجديدة او الفائضة ؛  وتجريدات اللون وتجنيحاته ، وتنزلاته وتعريشاته هي عنوان هذه الإنطباعية المحدثة. على أن اللون، عند المنصوري، ليس محض أداة لإنشاء عالم فني ما وتأثيث زواياه أو التمييز بين لحمته وسداه.  إنه،  بخلاف ذلك، مملكة قائمة بذاتها. ولن نتهيب ، في هذا المقام، من الإقرار بأن المنصوري، هو فارس اللون واميره الأسنى؛ وهو  سيد كمياء الألوان وأخلاطها وتفاريقها وسيميائها  وشعرياتها.

ولن يعسر على عين المشاهد  أن تدرك  كيف يتخلق اللون ، في لوحات المنصوري، وكيف  تنشأ عنه عوالم ومعالم وعلامات لا حد لتناسلها، ولا حصر لتناسخاتها. عالم النصوري التشكيلي لا يحيلك على مرجع في العالم الحسي، إنه عالم تخلق، للتو، وتدثر باللون والضوء والظل،بل عالم لا يني يتخلق ويتشكل من أطياف وتشكيلات وتهويمات أجساد بلورية ومارقة، تضطلع برقصة الترقي شطر معارج النور، تتماوج وتتخايل، وتتخاتل وتتشاكل، لكنها لاتنفك عن طقس التعالي،حتى في أقوى لحظات أوديسا المحايثة،وفي أبهى مقامات الحلول. لا يقبض المنصوري على أشياء العالم  كما تلتقطها العين الحسيرة،بل يحل عالما آخر محل  العالم الحسي المباشر: وهذا العالم الجديد الدي يولد بين أنامل المنصوري هو عنوان للتولد والتخلق،    ففيه تطالعنا كائنات هلامية شبيهة بالمضغ و نسوغ الولادة والتشكل،وفي تضاعيفه تستوي الأجساد وأطياف الأجساد ، كما لو فاض عنها رحم أنطولوجي معطاء.

كاتب باحث في فلسفة الجمال

 

عبداللطيف بوجملة: من أجل إيتيقا  لونية ...المنصوري ولغات الجسد

عود لا يعود إلى  تطابقه

في كل مرة، يفاجئنا  المنصوري بالعودة إلى مشاريع اشتغل عليها طويلا. هذه المرة ،يعود مجددا إلى مشروع الطيف وتعبه، ليستشرف  حوارا  جديدا. فبعد أن سافر طويلا مع أطيافه التي خلع عنها الذوات وجردها من رموزها الثقافية المخصوصة، وجعل من العياء حركتها الساكنة، فإنه يواصل سيره نحو نشدان  ممارسة تشكيلية تبني معالمها المفتوحة، وتبتغي المشاركة في عمل قوامه الإنسان، الإنسان كسلطة وكقدرة يأتي الفنان ليمارسها عبر العمل. وفي ذلك ملامح لتجربة تشكيلية ما تفتأ تعود على منجزها لكي لا تعود.

الطيف في حركته المتعبة

قادت  سعادة قراءة الشعر فنانين تشكيليين كبارا إلى سبل الإبداع الفسيحة. السعادة ذاتها قادت المنصوري إلى إمتاع القراءة الفسيح كالليل في عوالم " موريس بلونشو"، وإلى  العياء  كخاصية للوجود وكقوام للولادة والتجدد.

يعود" من جديد" لتعب الطيف وكأنه يبحث عن التيه في التكرار، التيه في "ما شُّكِّل" مرة ليجد متعته وجدته فيما يعاد تشكيله بطريقة مختلفة.

الفنان ليس فنانا بإطلاق بل تجربة ومكابدة بقدر ما تنهل من قواعد الفن، فإنها تنهل من خارج مفتوح. هذه الممارسة المخصوصة تتغيا بناء" معلم" ليس خارج الزمان بل الآن هنا وفق حدود هي حدود الفنان، وفي توافق مع قواعد وقوانين فنه. لكن المعضلة تكمن في كون هذا التوافق ينطوي على ما يتأبى عن حدوده ويخرج عنه بالمعنى الذي يجعل الفنان يضفي لمسته ومسحته الذاتيتين على "مَعْلمه" أو على الواقع نفسه لكي يصير فعالا وجميلا.

لذلك، فإن الواقع الجميل كفعالية في تجربة عياء الطيف في ممارسة تريد أن تكشف عن واقع مصنوع من داخل مرسم، كما بإمكانها أن تخفي أو تشوه ملامح هذا الواقع موضوع الصنعة، قد تجعله يتكلم  وتصون حقه في الكلام،   كما قد تجعله يصمت ويخرس. لذلك أيضا فإن الفنان في العود على تجربة الطيف وحركته المتعبة  والمضجرة، هو بالأولى فعاليته، وليس فقط تخيله وحلمه وانفلاته في ارتماء حر في الفراغ.

التأبي عن التبضيع والاستهلاك

 يمكن أن نحكم على الفنان من خلال معلمه الفني، ولا يمكن أن نحكم على مكونات المعلم من خلال الذي وقّّع عليها، لأن تطويع وتمهير الأداة هو ما يسمح بعدم الانتهاء من التشكيل ذاته فقط مهارة الصانع  هي التي تنتهي في "المنتوج"  الذي يصنعه، ومن هذا المنظور  فإن تشكيل  مكونات المعلم عمل فني غير مكتمل ولا ينتهي ، وملمحه الجوهري هو في النهاية لا ذاتي، إذ بالقدر الذي يبتعد فيه العمل الفني عن صاحبه أو" الموقع" عليه بالقدر ذاته لا يطلب مشاهدا ( مستهلكا) لكي يوجد، فهو مغاير في الدرجة للبضاعة، إنه يوجد 'لذاته" ككائن مستقل أو كفعل لا يحكمه منطق الاستنساخ.

صحيح أن منتوج الصانع هو بدون توقيع أو بتوقيع مجهول ، لكن هذا العمل لا يحيل إلى ذاته وإنما يختفي في منفعته واستعماله. وعليه، إذا  أراد أن يكون عملا فنيا، أن يقاوم مصير التبضيع وأن يتأبى عن الاستعمال والمنفعة وهو الأمر المعتاص  على الفهم.

استعصاء الضوء في عياء  الطيف

شيء واحد جوهري يستعصي على الفهم في عود الطيف في حركته المضجرة: الضوء وقد صار ألوانا. ما يستعصي على الفهم هو إبراز وإظهار وإجلاء ما يختفي وما يتوارى في  منتوج  الصانع. فمكونات المعلم الذي يقوم على حركة الطيف المتعبة إلى حد التراخي لا تشكل انطلاقا من موادها "الأوليه": القماش والأصباغ وتقابلاتها ومنازلها ا والمواد المختلفة والأدوات، بل تتقوم من حضور هذه المواد والتي بدونها سيبقى العمل دفينا أو محنطا. ومثل " الحرفي الصباغ" يستعمل الفنان الأصباغ مع فارق في الدرجة: فإن كان  الحرفي الصباغ يستعمل أصباغه لتستهلك، فإن الرسام يستعملها لكي لا تستعمل أو تستهلك، بل لكي تثبت وتنفي ولكي تكشف وتخفي كل أسرارها.

أفق اخر لمعلم الجسد والنفس

في القِدْر القديم لِمعْلم الطيف يطهو المنصوري كعادته أفكار تشكيلية موصولة مع السؤال الفلسفي حول الجسد وأنفاسه.  انطلاقا من أسئلة من خارج التشكيل، ينشد المنصوري إعادة تشكيل علاقة الجسد بالنفس، بعيون تحاول تبديد الإلتباس. فإذا  كان التصور ما قبل حداثي  يزيد التباس هذه العلاقة عندما يجعلها قائمة على مبدأ تناظر: الجسدُ فيه مجرد امتداد هندسي أو مكان مستوي غير ناطق بذاته وعطل وقاصر بذاته وحركته بغيره، ومجرد كيان منفعل والنفس هي الجوهر الفاعل بذاتها، وما الجسد إلا تجسيد لها، فإن رؤية أخرى، في الوصل نفسه، قد قطعت مع هذه الهارمونيا القائمة بذاتها قبليا، باعتماد مبدأ جديد: ما هو إحساس في الجسد  هو أيضا إحساس في النفس، وما هو فعالية فيها هو أيضا فعاليه في الجسد.  وبقدر   ما يكون الجسدُ  قابلا  للانفعال وللفعل بقدر ما تكون النفس قادرة على إدراك عدة أشياء دفعة واحدة.

 فكيف للتشكيل أن  يجعل من الجسد علامة تفيض بالدلالات وتنطق بالإشارات، وتقول ما لا ينقال..؟

 إن معضلة المعرفة  و الإبداع ، والتشكيل بصورة خاصة، هو التعبير عن الحدود والمدى الذي يمكن أن تصله قدرة الجسد، بسائر لغاته وشفراته وأنفاسه ... وهي مغامرة المنصوري الجديدة والمحفوفة  بالمخاطر والمزالق ./ .

 

باحث في فلسفة الجماليات.