تتناول دراسة الناقد والباحث المغربي هنا منهج مابعد الكولونيالية" في الخطاب النقدي المعاصر وتسعي للتعريف بأسسه المعرفية.

خطاب مابعد الاستعمار

يحيى بن الوليد

مقاومة، أو فك، أو تصفية، الاستعمار (Décolonisation) قديمة، قدم الاستعمار ذاته، كما أجمعت على ذلك دراسات نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي؛ إضافة إلى أن الاستعمار يتواصل، اليوم، بأشكال مغايرة، ومعاصرة، ولاسيما، في البلدان المستعمَرة من قبل. بل يمكن أن نضيف مع إدوار سعيد بأن "عصر الإمبراطورية يتواصل اليوم بأشكال عصرية لكنها كلاسيكية في جوهرها" ("تأملات في المنفى"، ص176)، ولا بأس من استعادة المثل القديم/ الجديد القائل: "مات الاستعمار يحيا الاستعمار". وكما تجدر الإشارة إلى أن أكثر من ثلثي الشعوب التي تعيش في عالم اليوم، كانت لهم حياتهم التي شكلتها تجربة الاستعمار ("الإمبراطورية ترد كتابة"، ص25). وتشير صفة "ما بعد الكولونيالية" إلى نظرتنا في أواخر القرن العشرين إلى القوة السياسية والثقافية التي كانت تطبع العلاقات، أما الفترة التاريخية التي تغطيها فهي التاريخ كله (دوغلاس روبنسون: الترجمة والإمبراطورية ـ الدراسات ما بعد الكولونيالية/ نزوى، ص46). فـ "المابعد" لا يفيد، هنا، أي نوع من "الفصل" بين مرحلتين أو عالمين؛ وهو ما سنوضحه فيما بعد.

وفي هذا الإطار يمكن استحضار مقولة "ما بعد الكولونيالية" (Postcolonialism) التي سيتم جلبها إلى مجال الخطاب النقدي؛ وهي، في أساسها، "مقولة سياسية" استخدمت أول مرة في مجال النظرية السياسية في السنوات الأولى من عقد السبعينيات لوصف المأزق الجديد الذي أخذت تتخبط فيه البلدان التي خرجت من تجارب الاستعمار الذي تعرضت له من قبل الإمبراطوريات الأوروبية إلى حدود مفتتح الستينيات. وعلى مستوى آخر عادة ما يتم التمييز بين "دراسات ما بعد الاستعمار"  (Postcolonial Studies) و"نظرية ما بعد الاستعمار" أو "نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي". والغاية من هذا التمييز هي التأكيد على أن دراسات ما بعد الاستعمار، وإن كانت لا تزال متواصلة حتى اليوم، تعود إلى فترة قديمة.

وفي هذا الصدد عادة ما يتم الاستشهاد بأعمال المناضل والطبيب النفساني الأنتيلي فرانز فانون (Frantz Fanon) (1925 ـ 1962) الذي تم الارتقاء به إلى مصاف "نبي العالم الثالث" و"وكيل الحقيقة المنتهكة والمتحولة" و مصاف "المبشر الأول" بنظرية ما بعد الاستعمار... كما "أجمعت" على ذلك قراءات مؤسسي نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي... وخصوصا من ناحية كتابه "معذبو الأرض"  (Les Damnés De La Terre)(1961) الذي كان قدم له من قبل الفيلسوف الفرنسي الأشهر جان بول سارتر، مما ضمن له "تداولا" واسعا في تلك الفترة اللاهبة التي طبعت العالم ككل. ويلخص الناقد العربي صبحي حديدي، في دراسة مركزة، ومبكرة، حول "الخطاب ما بعد الكولونيالي"، القراءات ما بعد الكولونيالية لفرانز فانون قائلا: "إدوار سعيد جعل من فانون المدافع عن سرد التحرير المضاد الذي ينتمي إلى حقبة ما بعد الحداثة؛ وهومي بابا نحت من أفكار فانون معمارا نظريا لعالم ثالث ما بعد بنيوي؛ وعبد الرحمن جان محمد اكتشف فيه منظرا مانويا للاستعمار والنفي المطلق؛ وبينيتا باري وجدت فيه برهانا ساطعا على النظرة الثفاؤلية للأدب والعمل الاجتماعي؛ أما عند سبيفاك فقد ظهر فرانتز فانون في أصدق صوره وأكثرها بساطة وإقناعا: الطبيب النفسي الذي خرج من بين أبناء البلد لكي يحلل بعمق ونفاذ ما تعكسه تلك المرآة الرهيبة المعقدة: الإمبريالية الثقافية" ("الخطاب ما بعد الكولونيالي" في الأدب والنظرية النقدية/ الكرمل، ص79 ـ 80).

ولا يخفى أن فرانز فانون، ومع أن "القراءة الكبرى" له لم تتم بعد كما يقول إدوار سعيد، طرح قضايا تقع في صميم نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي من مثل "عقدة القابلية للاستعمار" (Colonisabilité)، و"عبيد الأزمنة الحديثة" (أي المستعمَرين) "، و"فك الاستعمار" من حيث هو "صيرورة تاريخية" و"ظاهرة عنيفة" تستلزم "العنف المطلق"... إلخ (المعذبون في الأرٍض، ص178، 105، 65، 66، 68). "العنف الفانوني" كما وصفه إدوار سعيد ("تأملات في المنفى"، ص 296)، العنف ذاته الذي اتهم سارتر بتأييده حيث وصفت مقدمته له بأنها "أكثر تعطشا للدماء من الكتاب نفسه" (بول جونسون: "المثقفون"، ص256). ولا ينافس فرانز فانون، في نصه، وعلى مستوى التبشير بنظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي، إلا الشاعر الماريتينيكي إمي سيزير (Aime Césaire) في نصه "مقالة" أو "خطاب في الكولونيالية" (Discours Sur Le Colonialisme) (1955)، واليهودي التونسي ألبير ميمي (Albert Memmi) في نصه "صورة المستعمِر"  (Portrait Du Colonisateur)(1957) الذي قدم له سارتر أيضا، ودون أن نتغافل عن "شاعر إفريقيا" (والرئيس السنغالي الأسبق) ليوبورد سيدار سنغورLéopold Sédar Senghor  (1906 ـ 2001)... وغير هؤلاء، وهم كثر، ممن يندرجون ضمن "مقاومي الاستعمار" من "الثوريين" [العالميين] (Anti ـColonial Révolutionnaires).

وقد ترعرعت الدراسات ما بعد الكولونيالية على أساس من انهيار الإمبراطوريات الأوروبية العظمى في أربعينيات القرن العشرين وخمسينياته وستينياته جنبا إلى جنب تداعيات "الحرب الباردة" وبزوغ "العالم الثالث": العبارة التي أطلقها عالم الديمغرافيا الفرنسي ألفرد سوفي (Alfred Sauvy) العام 1950 والتي أشاعها جان بول سارتر. أما نظرية ما بعد الاستعمار، أو الخطاب ما بعد الكولونيالي، فلم تعرف طريقها إلى الوجود إلا في أواخر السبعينيات من القرن الماضي. ويعد كتاب الأكاديمي الأمريكي والمفكر الحداثي ما بعد الكولونيالي الفلسطيني إدوار سعيد (1935 ـ 2003) "الاستشراق" (Orientalism) (1978) أحد الأعمال "التأسيسية" الأولى إن لم نقل "الحاسمة" في هذا المجال. لقد مثل "منعطفا" في العالم الأنكلوفوني الذي كتب في سياقه. وقد كان حقل الاستشراق قبله على حال وأصبح بعده على حال أخرى كما قيل، بل إنه "أثار في الأوساط المهنية للمستشرقين شيئا يشبه الصدمة النفسية" كما سيقول ماكسيم رودنسون في المقدمة الأولى لكتاب "جاذبية الإسلام". ويتصور البعض أن الكتاب كان تطويرا لأفكار سبقه إليها دارسون كثيرون وبما في ذلك، وكما يمكن أن نضيف، من العرب، من الذين يكتبون بلغات أجنبية، كأنوار عبد الملك وعبد الله العروي... وهو ما سيقول به إدوار نفسه في "تعقيبات على الاستشراق"، لكنه كان  أول من اقتحم موضوع الشرق والمستشرقين، بل ونسف "عمارة الاستشراق". وكما أن الكتاب يتميز بـ"الاتساع السردي" كما سجل إعجاز أحمد أشد نقاد إدوار سعيد من الماركسيين المنخرطين في نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي. يقول هذا الأخير: "ولقد تبين أن الاتساع السردي في الكتاب هو خاصيته الأشد قوة، بصرف النظر عن أطروحته الأساسية. كما تمثل جانبا من اللذة التي وفرها الاستشراق ـ الذي أقلق بعض الدوائر، وأهاج أخرى ـ في خرقه الحدود الأكاديمية" ("الاستشراق وما بعده"، ص42).

والكتاب، أي "الاستشراق"، وعلاوة على نبرته "النقدية"، و"الشخصية/ الفلسطينية" كذلك طالما أن "إدوار سعيد ليس ناقدا ثقافيا وحسب، بل فلسطيني أيضا" كما يقول إعجاز أحمد (ص22)، ظهر في "سياق"، مخصوص، "كوني" أهم ما ميزه، وعلى الصعيد الأمريكي ابتداء، "العداء للماركسية" في مقابل "مناصرة البنيوية الصاخبة" و"العالمثالثية العاطفية" (ليلى غاندي: إدوار سعيد ونقاده/ الكرمل، ص57). سياق "الهجوم العالمي لليمين، والتراجع العالمي لليسار..." كما يصف إعجاز أحمد(ص71). وفي الحق فكتاب إعجاز أحمد يفيد، وبمنظوره النقدي ما بعد الكولونيالي الماركسي، على مستوى الكشف عن سياقات تداول كتاب إدوار سعيد في "أمريكا الإمبريالية" كما ينعتها (ص22).

وقد سعى إدوار سعيد في في "الاستشراق" إلى دراسة ما أسماه "الاستشراق الحديث" الذي ظهر في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، وكل ذلك في المنظور الذي أفضى به أيضا إلى دراسة استشراق القرن العشرين باعتباره، ومن ناحية مفهوم "التمثيل" ذاته، وريثا لاستشراق القرن التاسع العشر. ويتعامل مع الاستشراق باعتباره "متنا" كبيرا، وفي هذا الصدد يشير إلى أن هناك 60 ألف كتاب عالج مشكلات الشرق ما بين 1800 و1950 ("الاستشراق"، الترجمة الفرنسية، ص235). ولا يبدو غريبا أن تكون هذه "النصوص"، ومن حيث هي أداة لـ"الهيمنة"، وعبر إواليات "التمثيل"، وراء تلك الصورة "المبتكرة" أو "المتخيلة"، ومنذ زمان، لـ"الشرق"، "الشرق المبتكر" و"المتخيل" بدوره. ومعنى ما سلف أن الاستشراق "مشروع ثقافي" للغرب، أو بكلام آخر: هو "نتاج للغرب" أو "استجابة للثقافة التي أوجدته أكثر منه استجابة لموضوعه المفترض" ("الاستشراق"، الترجمة العربية، ص72). وفي ضوء هذه "الأحادية الثقافية" لا يبدو غريبا أن تكون العلاقة بين الشرق والغرب علاقة قوة، وعلاقة تطبعها درجات متباينة للهيمنة المعقدة. وبالقدر نفسه أن يتقوم الاستشراق على "التفوق" أو ما ينعته إدوار سعيد بـ"التمييز الإبستيمولوجي والأنطولوجي بين الغرب والشرق" جنبا إلى جنب "الأغلوطة الإيديولوجية" أو قاعدة روديارد كيبلنغ الشهيرة: "الشرق والغرب كمستقيمين متوازيين لا يلتقيان" أو ـ وبلغة جازمة ومباشرة ـ "الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا".

فالاستشراق ينطوي على "وجود نظري وعملي". وهو ليس مجرد نسق معرفة فقط، إنه تدخل وإعادة توزيع ورسم للحدود... ومن ثم فهو "أسلوب" للهيمنة والسيطرة وإعادة البنينة. وموضوع في هذا الحجم موضوع متشعب ومعقد، ولم يجانب إدوار سعيد الصواب عندما قال: "بدا لي من الحمق أن أحاول سرد تاريخ موسوعي للاستشراق" (الترجمة العربية، ص63). فما يهمه، في الاستشراق، هو "الخطاب" أو "نظام الخطاب" إذا جاز عنوان ميشال فوكو الذي مارس تأثيرا جليا داخل الكتاب. ونظام الخطاب، هنا، قرين "نظام الهيمنة" الذي يتأسس على "إساءة التمثيل" الناجمة عن "عمليات التخييل والقولبة"، وكل ذلك في المنظور الذي سيفضي إلى ما سينعته إدوار سعيد في كتابه اللاحق "الثقافة والإمبريالية" بـ"الذبح البلاغي" (الترجمة العربية، ص95). فعن طريق "الخطاب" استعمر الغرب الشرق؛ ومن أهداف نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي هي تحليل هذا الخطاب، "الخطاب الكولونيالي"، لتبيان درجات تضافر "الثقافة" و"الاستعمار". وكما يشرح صبحي حديدي في مختتم مقاله السابق فـ"الحضور الاستعماري ليس ذاتي التأكيد وذاتي التسويغ، بل هو ملزم باللجوء إلى جملة معقدة من الأواليات لكي يؤكد ويسوغ ذاته إثر كل ارتجاج في علاقته بالآخر. من هنا سعي مشروع الكتابة ما بعد الكولونيالية إلى استجواب الخطاب الأوروبي والستراتيجيات الخطابية في موقعها بين عالمين، وتدقيق الوسائل التي أتاحت لأوروبا فرض وصيانة خطابها في سياق إخضاعها لثلاثة أٍرباع البشر الذين يقطنون العالم الراهن" (الكرمل، ص86).

واللافت للنظر أن معارف كفقه اللغة (الكلاسيكي)، ووضع المعاجم، والتاريخ، والبيولوجيا... شاركت في خدمة " الرؤية الاستشراقية" للعالم ("الاستشراق"، ص62). بل وشارك في "الذبح البلاغي" سالف الذكر فلاسفة لا يخطرون على البال مثل كارل ماركس الذي كثيرا ما علق عليه أبناء العالم الثالث آمالا عريضة، ومستشرقين كثيرا ما تم تصورهم مدافعين ومقاتلين عن الإسلام كلويس ماسينيون أو "شاعر الاستشراق بلا منازع" كما يصفه عبد الله العروي ("الإيديولوجيا العربية المعاصرة"، ص149). ليس هناك "استثناء"، فالجميع كان منخرطا في  "أرشيف" العصر أو في معادلة إدوار الأثيرة المتمثلة بـ"الثقافة والإمبريالية". والمسألة لم تتوقف عند "الاستشراق الأكاديمي"، بل امتدت إلى "الاستشراق الأدبي" المرتبط بكُتاب ورحالة... لا يخطرون على البال كذلك. فلا مجال لـ"المؤلف الفرد" أو "المؤلفين الأفراد"؛ فالكاتب لا يتحدد من تلقاء ذاته، إنه "مشروع" أو في صلة مع "المشاريع" التي شكلتها الإمبراطوريات الثلاث الكبرى (بريطانيا وفرنسا وأمريكا). فـ"التبادل بين المعنى الأكاديمي للاستشراق والمعاني التي تعتبر خيالية إلى حد ما تبادل ثابت" كما يؤكد إدوارد سعيد (ص45).

والنتيجة أن "الشرقيين"، وكـ"مشاكل" لا كـ"مواطنين"، عاجزون عن "تمثيل أنفسهم"؛ ولذلك فإنهم في حاجة إلى من "يمثلهم"، من "ينقذهم من "الظلامية" و"الهمجية".. إلخ. غير أن هذا "التمثيل" أبعد ما يكون عن مصطلح رايموند ويلياميز "ديمقراطية التمثيل" الذي يردده إدوارد سعيد نفسه. الأمر يتعلق بـ"عنف" أو "اغتصاب التمثيل"، بل وبـ"استبعاد الشرق" و"إزاحة كيانه الحقيقي" و"جعله من النوافل"(ص71). فلا مجال لتلك التسمية الماكرة: "العمل" أو "المهمة" أو "الرسالة التحضيرية" (Mission civilisatrice) التي عادة ما  يلحقها "الاستشراق" بـ"الاستعمار"، بل توجب التساؤل حول ما إذا تعلق الأمر بـ"مهمة حضارية أم جرائم استعمارية" كما قال، وعبر أحد العناوين الفرعية، جورج أوفيد في كتابه "اليسار الفرنسي والحركة الوطنية المغربية 1905 ـ 1955". بل يتطلب الأمر نفسه دراسة كيف أن الاستعمار عمل على إقصاء المستَعمَر من الحضارة، وجعله في صورة الهمجي... كما يقول إمي سيزير في "خطاب في الكولونيالية" (ص17).

والظاهر أن إدوار سعيد فرض الاستشراق لا كتخصص علمي أكاديمي، وإنما كمقولة في نقد الخطاب المؤسساتي عن الآخر كما يلخص محمد عبد الله الغدامي ("النقد الثقافي"، ص41). وما كان يهمه كذلك هو "السرد" الذي أنجزه الغرب حول الشرق، وكيف أن هذا العمل غيَّب البطل والسارد معا كما يقول محمد شاهين في مقال "إدوارد سعيد: ذاكرة ليست للنسيان" (الكرمل، العدد 78، ص67). غير أن النقد البارز، ومن ناحية السرد ذاته، هو ما كان قد أوجزه ستيفن هاو لإدوارد سعيد في مقال "المسافر والمنفى" قائلا: "ولقد لاحظ العديد من النقاد التباين الظاهر التالي في "الاستشراق": هل "الشرق" مُنشأ خطابي [تخييلي] صرف، أم يوجد بالفعل "شرق حقيقي" جرت إساءة فهمه أو اختزاله على يد العلماء الغربيين، بطرائق تخدم مصلحة سياسية؟ إجابة سعيد الأكثر مباشرة كانت أقرب إلى البدهية العامة المراوغة: لا توجد مشكلة هنا لأن "من الواضح تماما أنه ما كان سيوجد استشراق لولا المستشرقون من جهة أولى، ولولا الشرقيون من جهة أخرى". ومن الواضح أن هذا التصريح لا يحل الصعوبة، ولا فعلت هذا تأملاته اللاحقة العديدة حول مسائل كهذه، وخصوصا في "الثقافة والإمبريايلة"، كما رأى نقاده" (الكرمل، العدد نفسه، ص21).

ويظهر أن كتاب "الثقافة والإمبريالية" (1993) استمرار لـ"الاستشراق"، لكن بنوع من الإفادة من الانتقادات التي وجهت للكتاب الأخير وخصوصا من ناحية تقليص مفهوم الشرق في الشرق الأوسط المحصور بدوره في العالم العربي، مما جعله يقول القليل عن الهند ويهمل بالتالي الصين واليابان، كما انتقده جورج لانداو، بل وفارس وتركيا كما انتقده من قبل برنارد لويس، وهاتان لغتان رئيسيتان ضمن اللغات الست الرئيسية في العالم الإسلامي الذي ينتشر سكانه في مساحة تشغل ثلث الأرض. غير أن إدوارد سعيد، وبعد تعميق "الانفتاح" على الثقافات الأخرى، ظل حريصا على التأكيد على أن "العالم الغربي" و"العالم الشرق ـ أوسطي" هما العالمان اللذان يعرفهما أكثر من غيرهما ("صور المثقف"، ص112). وكما أن "الثقافة والإمبريالية" استمرار للكتاب الأول وسواء من ناحية التركيز على "التمثيل" أو من ناحية "المقاومة" التي شدد عليها الكتاب الثاني كثيرا. فـ"نحن نعيش طبعا في عالم لا من السلع فحسب بل من التمثيل أيضا. والتمثيلات ـ إنتاجها، وتوزيعها، وتاريخها، وتأويلها ـ هي عين مادة الثقافة وعنصرها. في الكثير من التنظير الحديث العهد، تعتبر مشكلة التمثيل مركزية، لكنها نادرا ما توضع في سياقها السياسي التام، وهو سياق إمبريالي بالدرجة الأولى" ("الثقافة والإمبريالية"، ص122). وكما أننا "ننتمي إلى كلا الاستعمار والمقاومة ضده" (ص253)؛ غير أن المقاومة، وكما يتصورها إدوار سعيد، أبعد من أن تكون مجرد "رد فعل" يقتضي "الاتكاء" على "التراث"... فهي بعيدة كل البعد عن أن تكون مجرد رد فعل على الإمبريالية، هي "نهج بديل في تصور التاريخ البشري" (ص274). إنها تقتضي الالتفات إلى ما ينعته بـ"الإحكام النظري الفائق" الحاصل في المرحلة التي نعيش فيها حيث التقويضية [التفكيكية] والبنيوية والماركسية واللوكاتشية والألتوسيرية (ص253). فمن دون شك أن صاحب "الاستشراق" يريد أن يلفت الأنظار إلى "النضال عبر الواجهة الأكاديمية" الذي أكسبه وضعا عالميا مميزا؛ وهو ما قاله في حقه خصومه ومريدوه. وكثيرا ما كان إدوار سعيد ينصح، وخصوصا الشباب من النقاد في المركز المتروبولي، بعدم "الرد القومي العدائي" على "الإمبريالية".

وللتذكير فكتاب "الاستشراق"، وفي المدار نفسه الذي يصله بـ"الثقافة والإمبريالية"، أثار ردودا واسعة وفي سياقات متعارضة ومتدافعة، وسواء في سياقه الغربي الأنجلو أمريكي (إرنست غيلنر وبرنارد لويس...) أو في السياق العالمثالثي ما بعد الكولونيالي، الهندي خاصة (إعجاز أحمد وهومي بهابها...) أو في السياق العربي (صادق جلال العظم ومهدي عامل وهادي العلوي وغسان سلامة...)... حتى وإن كان التلقي الأخير، ومقارنة مع التلقيين السالفين، لا يخلو من "شحوب". وهذا موضوع آخر لا يقع في صميم الأطروحة التي تحرك هذه الدراسة، ولا تخلو دراسته من صعاب جمة. لكن ثمة "تساؤل" يفرض ذاته، بقوة، في هذا السياق، وفي حاجة إلى مزيد من التأمل، وقد صاغه جورج لانداو (وقد سلفت الإشارة إليه قبل قليل)، ومفاده أن الكتاب (أي الاستشراق)، ومن حيث هو كتاب دقيق وسجالي، ورغم هناته، يبدو ذا أهمية بالغة بالنسبة لدارس في المغرب أو سنغفورة أو الهند.

على أنه ثمة دراسات أخرى صدرت ما بين 1978 و1993 وتندرج بدورها ضمن جبهة نقد الاستشراق التي كانت وراء تكريس ريادة إدوار سعيد في مجال نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي مثل كتاب "مسألة فلسطين" (1979) و"تغطية الإسلام" (1981) و"بعد السماء الأخيرة" (1986. هذا وإن كان الكتاب الأول والثاني ـ ومقارنة مع "الاستشراق ـ "أضيق تركيزا وأوثق صلة بالسياسة"... في حين أن الكاتب الثالث "مقالة وجدانية" حول الهوية الفلسطينية، تضمنت عناصر قوية من السيرة، وصاحبتها صور فوتوغرافية دالة لجان موهر. هذا عدا العديد من المقالات والدراسات والمقابلات... التي لو جمعت لشكلت أكثر من كتاب ينضاف إلى الجبهة ذاتها. وكل ذلك في المنظور الذي يعكس "التشكلات الخطابية" التي تكشف عن "تنميطيات" الغرب للشرق في سياق مواكبة الثقافة للإمبريالية... أو بكلام ليلى غاندي: تكشف عن العلاقة غير السوية تاريخيا بين عالم الإسلام، والشرق الأوسط، والشرق من ناحية وعالم أوروبا، والإمبريالية الأمريكية من ناحية أخرى (الكرمل، ص53).

ويهمنا أن نختم، في موضوع الاستشراق، بأن هذا الأخير لا يزال متواصلا ورغم تراجع "الاستشراق الكلاسيكي" لفائدة "استشراق" من نوع آخر: "استشراق عملي" قوامه "الخبرة" و"التخصص" لا "فقه اللغة". ويتماشى هذا الأخير والسياسة الأمريكية التي جعلت من الشرق "قضية إدارية" (الاستشراق، ص488). غير أن ذلك لا يفيد البتة التخلي عن "الاستراتيجية الثقافية" في العلاقة، الصدامية، التي تصل ما بين أمريكا والعرب. يقول سعيد موضحا هذه الفكرة: "ومع التسليم بأن التوسع الأمريكي هو بالدرجة الأولى توسع اقتصادي، فإنه مع ذلك يعتمد اعتمادا كبيرا على أفكار وعقائديات ثقافية حول أمريكا نفسها، ويتحرك ملازما ومحمولا عليها؛ وهي أفكار وعقائديات يعاد تقريرها علنا دونما لأي" ("الثقافة والإمبريالية"، ص346). وسيكون من المفيد التذكير، هنا، بالكتاب، الهام، "الحرب الباردة الثقافية" لصاحبته الباحثة البريطانية فرانسيس ستونر سوندرز التي تعرض فيه لـ"استراتيجيا الحرب الباردة الأمريكية في الميدان الثقافي"، التي خاضها جهاز المخابرات المعروف اصطلاحا بالـ C.I.A الذي أنشأته الحكومة الأمريكية العام 1974، من أجل "كسب النخبة الثقافية الغربية" لحساب "الطرح الأمريكي" أو لحساب "الأسلوب الأمريكي" في سياق التأكيد على الحاجة إلى "القرن الأمريكي" (ص23). وقد شدد إدوارد سعيد على الكتاب، وعده "عملا مهما من أعمال البحث التاريخي". وعمل من هذا النوع، كذلك، جدير بالتأكيد على استراتيجيا "الإخضاع الثقافي" التي تدوم أكثر مقارنة مع استراتيجيا "الإخضاع العسكري".

وعلى مستوى آخر فإن مقولة مثل مقولة "صدام الحضارات"، التي أعادت، بصيغة أخرى، "العلاقة الصدامية" بين الغرب والشرق، والتي أشاعها، وعلى نطاق إعلامي واسع، الأمريكي صمويل هنتجتون في النصف الأول من عقد التسعينيات، هي في جوهرها، "مقولة استشراقية". وفي هذا الصدد يمكن أن نشير إلى ما نعته تزفتان تودورف، في مقدمة الترجمة الفرنسية، لـ"الاستشراق" (1980)، بـ"الخطاب الاستشراقي الكبير" الذي يمكن إن ندرج ضمنه مقولة "صراع الحضارات" و"أمانة البترول" و"المهاجرين" و"الإرهاب" و"الحجاب"... وغير ذلك من المقولات أو القضايا التي راحت تعصف بـ"الطموحات الإمبراطورية" لـ"المحافظين الأمريكين الجدد". فدور الاستشراق، إذا، لا يزال متناميا بقوة. على أن المستشرق، هنا، لم يعد ذلك الشخص الذي سافر كثيرا كما كان يعرفه "معجم الأفكار المتداولة" الذي يحيل إليه إدوار سعيد. صار هذا الأخير يستقر في المركز الميتروبولي، ويبيع خبراته له.

والظاهر أن "نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي" مصطلح لا يخلو من "التباس" كما تصور ذلك بعض دارسيه، غير أنه ينطوي على سؤال صادم في حجم السؤال المركب الذي طرحه باتريك سولطان (Patrick Sultan): "ماذا بقي من الاستعمار؟" وهو سؤال يتصل بالتاريخ وعلم الاجتماع والعلوم السياسية والإثنولوجيا والأنثروبولوجيا والاقتصاد واللسانيات والجغرافيا... بكلام آخر: سؤال يشمل جميع مجالات الثقافة وضمنها المجال الأدبي والفني الذي "انطبع"، وبقوة، بـ"الموضوع ما بعد الكولونيالي".

وقبل أن نتطرف إلى هذا الموضوع لابد من أن نشير إلى "الفضاء" الأمريكي (غير المتجانس) الذي استوعب أبرز مؤسسي النظرية، وأغلبهم من أبناء "العالم الثالث الحديث"، نسبة 80 %، من المنفيين والمنشقين والمشتتين والمقتلعين من بلدانهم... ممن تستوعبهم الولايات المتحدة الأمريكية التي أتاحت لهم ما لم تتحه لهم أوطانهم الأصلية، وخصوصا عاصمتها نيويورك: "نيويورك الأخرى، نيويويرك جماعات الشتات من العالم الثالث، وسياسات المنفى، والسجالات الثقافية" كما يصفها إدوار سعيد في "تأملات في المنفى"(ص18). فالمنفى، وبـ"إنجازاته" و"فوائده"، يندرج في صميم مفهوم "الأمة" في الولايات المتحدة الأمريكية؛ بل إن المنجز الأساس في الثقافة الغربية الحديثة، ككل، صنعه المنفيون، والمهاجرون، واللاجئون كما يضيف إدوار سعيد(ص117). هذا بالإضافة إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية تبدو "أكبر بلد عالمثالثي" كما يتصور واحد من أهم مؤسسي النظرية الناقد الهندي الشهير هومي بهابها ("موقع الثقافة"، ص418). بل إن هذه الأخيرة، وبالنظر إلى "الاستيطان الأبيض" الذي عرفته، هي أول "مجتمع ما بعد استعماري" يطور "أدبا قوميا" و"نقدا جديدا" سعى إلى التحرر من النقد أو بالأحرى "الموروث االبريطاني"؛ فالنقاد الأمريكيون بدورهم عاشوا "صدمة التعرف". ومن ثم فإن "ما بعد الاستعمارية جزء [منتِج] من التشكيل الأمريكي" ("الإمبراطورية ترد كتابة"، ص41، ص202، ص205، ص 206).

فمن الجلي، إذا، أن نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي ظهرت في المشهد الثقافي الجامعي للدول الأنجلوفونية، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية. وارتبطت بجامعة كولومبيا، فيما ارتبطت "الأرسطية الجديدة" (في النقد) بجامعة شيكاغو، ودراسات "الجندر" و"الكتابة النسائية" بجامعة إنديانا. ودشنها جامعيون من الأقليات المهاجرة من مجتمعات أو بلدان ما بعد كولونيالية، وفي مقدم هؤلاء الثالوث البارز أو "المقدس" (كما تم نعته): إدوار سعيد الذي سلفت الإشارة إلى إليه والهنديان هومي بهابها (Homi Bhabha) و"نصيرة نساء الاستعمار" جياتري شاكرافورتي سبيفاك (Gayatri Chakravorty Spivak). وكل هؤلاء من أبناء العالم الثالث ممن قدموا، وبـ"تجارب" شخصية و"جروح" (Cicatrices) كولونيالية، إلى"العالم الأول" (الأمريكي) للتدريس في كبريات جامعاته. هذا وتجدر الإشارة إلى أن هناك أسماء أخرى كثيرة حلقت حول هؤلاء أو انجذبت إلى الأفق الذي تتيحه النظرية على مستوى معالجة قضايا كثيرة ذات صلة بالتاريخ والأنثروبولجيا والجغرافيا والأدب والنقد... كساندرا هاردين (Sandra Harding) وبنيتا باري (Benita Parry) وإلا شوهات (Ella Shohat) وروبير يونغ (Robert Young )... إلخ.

وتجدر الملاحظة إلى أن النظرية لم تعرف تداولا واسعا في لحظات التبور أوالتشكل الأولى بسبب من "المرحلة الريغانية"، التي تزامنت مع العقد الأخير من "الحرب الباردة"، وتأثيرها على الثقافة والسياسة، وبسبب من النقد الثقافي الأمريكي ككل الذي لم يكن ذا خلفيات سياسية، كبيرة، على غرار الدراسات الثقافية في بريطانيا التي كانت لا تخلو من ميول يسارية. هذا بالإضافة إلى أن الافتتان بـ"النظرية الفرنسية"، وقتذاك، وخصوصا من ناحية تأثير "التفكيكية"، لم يكن ليتناسب مع خطاب مثل "خطاب ما بعد الاستعمار" الذي كان يستند إلى مفاهيم مثل "السلطة" و"القوة" و"الهيمنة"... التي كانت تبدو غريبة في الحقل الأكاديمي الأمريكي. ثم إن المثقف، في أمريكا، والذي كان بإمكانه أن يثير هذا النوع من "الأسئلة"، كان دوره غائبا. بل إن أداء هذا الأخير لم يكن يحيد عن دوائر "التخصص" و"الاحترافية" و"المهنية" كما شرَّح ذلك إدوار سعيد، وبإسهاب، في كتابه "صور المثقف" (1994). غير أن توالي الأحداث وتفاعل الوقائع وتبدل الأنساق سيكرس النظرية في شتى أنحاء العالم، وخصوصا مع الأحداث المدوية التي هزت أركان العالم الأمريكي أي أحداث 11 سبتمبر (2001) التي اعتبرت "حدثا ما بعد كولونيالي"... لكن شريطة التعامل مع هذه الأحداث باعتبارها "حدثا" في التاريخ لا التاريخ بأكمله كما يسعى إلى ترسيخ ذلك النمط القرائي الاستشراقي الذي يتزعمه برنار لويس ومن يسير في فلكه، النمط الذي أصبح في أعقاب الأحداث نفسها عنصرًا مركزيّاً في نظرة الإدارة الأمركية الحالية إلى العالم. ولا يبدو غريبا، حتى نبقى في ظل الحديث عن نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي، أن نتحدث، وفي مفتتح الألفية الثالثة، لا عن الجيل الثاني أو الثالث في النظرية فحسب، بل وعن آلاف الذين يفيدون منها وخصوصا من أبناء العالم الثالث التي تبدو فيها النظرية ذات تأثير قوي... وكل ذلك في المنظور الذي يجعل منها دراسة عابرة للقارات والثقافات (Transdisciplinaire) أو "نظرية مترحلة" أخذا بعنوان إحدى مقالات إدوار سعيد. وفي هذا الصدد لا بأس من أن نشير، مع إحدى المساهمات في النظرية الباحثة الهندية ليى غاندي، إلى أن نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي غيَّرت دلالة ذلك الموقف المعارض والطويل لما يسمى بـ"العالم الثالث"

(Postcolonial Theory, P167).واللافت للنظر أن تأثير النظرية امتد إلى إسرائيل ذاتها وذلك من خلال ما يعرف بـ"تيار" أو "ظاهرة المؤرخين الجدد" الذين برزوا في أواخر الثمانينيات والذين سعوا إلى نقد "الأسطورة الإسرائيلية" عن "التأسيس": تأسيس الدولة العبرية عام 1948، وما رافق ذلك من مشاكل مثل قضية اللاجئين الفلسطينيين وطبيعة إسرائيل كـ"دولة عنصرية" وقضايا أخرى تمس الصراع العربي الإسرائلي الطويل... إلخ. والمؤكد أن المدرسة لا تشكل "تيارا منسجما" أو "متجانسا"، إذ يجب التفريق داخلها بين مؤرخ صهيوني مثل بني موريس وآخر مختلف مثل ايلان بابي أو باروخ كيمرلنغ (1939 ـ 2007) الذي عانى من العديد من المضايقات أو بنيامين بيتلحمي الذي وضع كتابا أثبت فيه أن الحركة الصهيونية جزء من الحركة النازية. هذا لكي لا نشير إلى أسماء أخرى كثيرة وحتى نبقى في نطاق التأكيد على "التفاوت" الحاصل، وعلى مستوى الموقف، في كتابات هؤلاء المؤرخين.

وقد ساهمت عوامل عديدة في ظهور هؤلاء منها "الأرشيف الوطني الإسرائيلي" الذي صار في متناول المؤرخين الجدد، و"مناخ ما بعد الصهيونية"، وبروز "علم اجتماع جديد" سعى إلى إعادة فحص المفاهيم الأساسية للمجتمع الإسرائيلي، والدور الذي لعبته صحيفة "هآرتس" (اليسارية) على مستوى إثارة كثير من القضايا التي تتعلق بالفلسطينيين واليهود الشرقيين والهوية اليهودية وغيرها من القضايا التي لم يكن مسموحا بإثارتها، وانفتاح هؤلاء المؤرخين على "الخارج" ونشر أعمالهم فيه قبل أن تجد صدى لها في إسرائيل وغير ذلك من العوامل الذي يعرض لها أسامة العيسة في مقال صحفي "هل "المؤرخون الجدد" في إسرائيل أصدقاء لنا؟ الإسرائيليون يراجعون روايتهم، بينما العرب لم يكتبوها أصلا"، (جريدة "الشرق الأوسط"، 22/12/2005).

غير أن ما يهمنا، هنا، هو تأثير "نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي" في كتابات بعض مؤرخيها. وفي مقدم هؤلاء، خصوصا وأننا ننظر إلى النظرية الأخيرة في صيغتها المعربة، المؤرخ الاسكتلندي للشرق الأدنى كيث وايتلام صاحب الكتاب الأكاديمي "اختلاق إسرائيل القديمة" (1996) الذي كان إدوار سعيد قد شدّد عليه في مقاله "الاختلاق والذاكرة والمكان"، بل وعده "بالغ الأهمية" (البحرين الثقافية، ص76). وتجدر الإشارة إلى أن الكتاب، وللمناسبة فهو مترجم إلى العربية (1999)، غير مسموح بتدريسه في الجامعات الإسرائيلية. والظاهر أن دراسة إدوار سعيد "الاستشراق" (1978)، بل ومجموع دراسات هذا الأخير حول الإمبريالية عامة وفلسطين خاصة، تشكل نقطة محورية في القراءة الناظمة لكتاب "اختلاق إسرائيل القديمة". ويتصور صاحب الكتاب الأخير أن تأثير "الاستشراق" كان "مفارقا"، لأنه بدلا من أن يكون تأثيره في الشرق الأوسط الذي ركز عليه فإذا بتأثيره، أو بالنجاح الأكبر فيما يتعلق بـ"استرداد الماضي"، يتحقق في مجال التأريخ الهندي ومن خلال ما يعرف بـ"سبالترن" (Subaltern) التي نجح أصحابها في تحدي النماذج المهيمنة على كتابة التاريخ الهندي التي كانت حتى بداية الثمانينيات مشتقة من تاريخ الهند الاستعماري. لقد تمكن هؤلاء من المطالبة بـ"السياق الأكاديمي"، وبالتالي من هدم "الروايات الرسمية" التي كانت تتقوم على "فهم استشراقي" للمجتمع الهندي (صص360ـ361).

وتبدو إفادة المؤرخ من منجز إدوار سعيد واضحة في تصديه لما ينعته (أي وايتلام) بـ"خطاب الدراسات التوراتية" الذي يشكل جزءا لا يتجزأ من "الدراسات العلمية" التي عرَّفها إدوار سعيد بأنها "الخطاب الاستشراقي" كما يقول المؤرخ (ص26)، مما جعل "خطاب الدراسات التوراتية" مورطا في "الإمبريالية"، "الإمبريالية الناظرة إلى الوراء" (ص339). وقد تحقق للدراسات التوراتية القيام بذلك نتيجة تجاهلها "فلسطين القديمة" في مقابل اهتمامها بـ"إسرائيل القديمة"؛ بل وقد تم فهم هذه الأخيرة وتصويرها، وفي إطار من "تواطؤ الاستشراق" وإصراره على "مخاطبة الغرب" فقط، على أنها منبع الحضارة الغربية (ص26). بل إن كلمة "حضارة" هي اختصار لكلمة "الغرب" الذي هو وريث الحضارة اليهودية ـ المسيحية (ص93). هذا وأن معظم الباحثين في الدراسات التوراتية، في القرن العشرين، جاؤوا من أوروبا الغربية وإسرائيل وأمريكا الشمالية (ص55). وعلاوة على الخلفية الغربية لهؤلاء الدارسين ثمة مشكل آخر يتمثل في كون تاريخ إسرائيل القديمة حكر على كليات الدين واللاهوت وليس التاريخ (ص27)؛ مما أفضى بالدراسات التوراتية، ولمدة طويلة، إلى أن تنأى بنفسها عن الخطاب النقدي الذي أثير في تخصصات التاريخ والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والاقتصاد (ص35).

وثمة أكثر من علامة تصل الدراسة بنظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي وبدءا من المعجم النقدي الذي وظف مفاهيم مركزية في النظرية مثل "السرد" و"الخطاب" و"الأمة" و"التاريخ" و"الاختلاق" و"المكان" و"الذاكرة"... إلخ. وقبل ذلك، أو في سياق الصلة التي تصل ما بين التاريخ والخطاب، هناك النظرة إلى "الخطاب الصهيوني" الذي كان، ومنذ بدايات تشكله، "خطابا كولونياليا" اعتمد في "إسكات التاريخ الفلسطيني"، حتى نشير إلى العنوان الفرعي للكتاب، على "أسطورة التأسيس" من أجل تبرير "اختلاق إسرائيل القديمة". هذا بالإضافة إلى أن المسألة لم تنحصر في "العودة إلى الماضي" من أجل تبرير الحاضر فقط، بل وفي "التعامل" مع الفسطيني باعتباره "آخر" مما يسوغ "تحقيره" عبر "كليشهات جاهزة" لا تفارق "عنف التمثيل" الذي يقع في أساس "ظاهرة الاستشراق". ومن ثم تطرح الدراسة على الفلسطينيين، وفي نطاق الصراع على "تدوين التاريخ" لا "الأرض" كـ"وجود مادي" فقط،"قراءة ما بعد استعمارية" عليها أن لا تتخذ من القرن الثامن عشر نقطة انطلاق كما فعل إدوار سعيد نفسه في "الاستشراق". على أن نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي، ومن ناحية ما قدمه إدوار سعيد تحديدا، قابلة لأن تطبَّق على ما فترات تعود إلى ما قبل القرن الثامن عشر، بل وعلى شعوب أخرى لا تنحصر في بلدان العالم الثالث أو الشرق الأوسط. ومن هذه الناحية، وكما يقول ستيفن هاو (Stephen Howe) في مقاله السابق (ونستحضر النص على طوله لأهميته)، "لقد عمل سعيد ما بدا أشكالا جديدة من الدراسة الثقافية والتاريخية، وأسس بالفعل لنوعين أكاديميين جديدين ينموان بسرعة: "دراسات ما بعد الاستعمار"، و"تحليل الخطاب ما بعد الاستعماري". وفي ندوة نظمتها مجلة Americain Historical Review سنة 2000، تأكد بالوثائق أن تأثير سعيد يمكن أن يبلغ، وهو بالفعل شديد الأهمية، في حقول أبعد ما تكون عن اهتماماته الرئيسية، مثل تاريخ القرون الوسطى، ودراسات البلقان، والتاريخ الدبلوماسي الأمريكي. ولقد اتسع نطاق تأثير تلك الأفكار أكثر فأكثر، إذ يمكن رصدها لدى الفنانين البصريين ومديري المتاحف والروائيين ومخرجي الأفلام السينمائية، فضلا عن جمهور عام وعريض من القراء. وفي نظر المعجبين به، بات سعيد النموذج المثالي للمثقف النقدي" (الكرمل، ص16).

وحتى نعود إلى موضوعنا السابق فقد طرح إدوار سعيد، في "مسألة فلسطين"، فكرة "الضحية": "فلسطين ضحية"، هذا بالإضافة إلى أن ما فعله الفلسطينيون بالإسرائيليين لا يمكن مقارنته البتة بما فعله الإسرائيليون بالفلسطينيين. على أن الأهم، في الكتاب، هو مسألة "الصراع الثقافي الكبير" حول الحكاية والسرد والحق في الحياة التي تندرج في صميم نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي. فالتأويل الصهيوني يقوم بـ"استبعاد" الحضور الفلسطيني عن دائرة "الخطاب"، وكل ذلك قبل أن يجهز عليه عسكريا في الحرب. ومن ثم منشأ "فكرة فلسطين" التي لا يمكن الوصول إليها إلا عبر تحليل هذا الخطاب ووضعه في إطاره التاريخي الخاص، وكل ذلك في المنظور الذي يفضي بالفلسطينيين إلى صوغ "خطابهم النقيض" الذي يضمن لهم حق "بناء وطنهم" وحق الحفاظ على "هويتهم" و"ذاكرتهم". وكما يلخص الروائي والكاتب إلياس خوري، فـي قراءة لكتاب "مسألة فلسطين"، ففكرة فلسطين هي محور كتاب إدوار سعيد... رغم أن الكتاب لم يحلل أسباب النكبة، بل قرأها كجزء من تاريخ الغزو الكولونيالي ("سؤال النكبة بين الحاضر والتأويل ـ إدوار سعيد و(مسألة فلسطين)"/ الكرمل، العدد السابق، ص 53). على أن ما سلف لا يحول دون التأكيد على أن فكرة فلسطين أصبحت على يدي إدوار سعيد "رواية هامة في العالم" كما  قال محمد شاهين في كتابه "إدوار سعيد رواية للأجيال" (2005)، هذا بالإضافة إلى أن إدوار سعيد نفسه "رواية عظيمة جميلة" ستعظم أكثر مع مرور الأيام كما يضيف صاحب الكتاب.

وقراءة من النوع الذي ينصح به وايتلام الفلسطينين مطالبة بالعودة إلى الوراء كثيرا حتى تستغل التصدع الحاصل، ومنذ أواخر الثمانينيات، في "الرواية الأصل" أو في "التركيب المراوغ" لـ"السرد" أو "الخطاب التوراتي". وكل ذلك من أجل تحقيق نوع من "التوازن" الذي هو جدير بأن لا يدمر الطرفين. يقول كيث وايتلام: "والدراسة الحالية ليست إنكارا لمملكتي إسرائيل ويهودا: وإنما هي محاولة إعادة التوازن بعد أن تم تصوير التاريخ الإسرائيلي واليهودي على أنه تاريخ المنطقة الوحيد، بدلا من أن يكون جزءا من تاريخ فلسطين القديم الأشمل"(ص356).

وعلى مستوى آخر فقد تأثر رواد النظرية بفلاسفة أوروبيين وخاصة من الفرنسيين أمثال ميشال فوكو(Michel Foucault) (1926 ـ 1984) الذي كان له تأثير بالغ في أعمال إدوار سعيد (الأولى بشكل خاص)، ولا سيما من ناحية نقل الاهتمام من مجال "النص" إلى مجال "الخطاب"، وحتى إن كان صاحب "الكلمات والأشياء" قد صمت حيال مسألة الهيمنة الإمبرايالية شأنه في ذلك شأن العديد من المفكرين الغربيين وضمنهم الماركسيين. يقول إدوار سعيد نفسه موضحا: "وكذلك فإن قدرا كبيرا من الماركسية الغربية، في دوائرها الجمالية والثقافية، مصاب بالعمى عن مسألة الإمبريالية. فالنظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، بالرغم من تبصراتها النفاذة المخصبة في العلاقات بين السيطرة والمجتمع الحديث والفرص المتاحة للخلاص عبر الفن من حيث تتقيد، صامتة صمتا مذهلا عن النظرية العرقية، والمقاومة ضد الإمبريالية، والممارسة المعارضة الضدية في الإمبراطورية [...] وجميع المفكرين الفرنسيين البارزين باستثناء دولوز، وتودوروف، ودريدا، كانوا وما يزالون غافلين غفلة مماثلة [...] ويمكن أن يقال الكلام نفسه عن معظم النظرية الثقافية الأنغلوساكسونية، باستثناء هام هو الأنوثة، وحفنة ضئيلة من أعمال نقاد شباب متأثرين بريموند وليمز وستيوارت هول" (333).

وبالإضافة إلى ميشال فوكو هناك جاك دريدا (Jacques Derrida) (1930 ـ 2004) الذي أفاد هومي بهابها  من تصوراته لـ"الكتابة" وذلك حين جعل من عملية "فك الاستعمار" نتيجة لـ"النصية" (Textualité)، مثلما استدعى الذات الكولونيالية إلى أن تلعب الدور ذاته الذي منحه دريدا لفرانسيس بونج وجيمس جويس وجورج بطاي على مستوى خلخلة أو تدمير التمركز الغربي. وهناك من يتصور أن جاك دريدا "مؤسس" التفكيكية، وجان فرانسوا ليوتار فيلسوف ما بعد الحاثة، وإيلين سيكو الناقدة النسوية، كلهم قد نشأوا في الجزائر أثناء الاحتلال الفرنسي. وقد كان تواجدهم هناك، ووفقا لما قالته سيكو، من العوامل الرئيسية التي حفزتهم لتفكيك خطاب التفوق الغربي والمركزية الأوروبية... إذا جاز أن ننقل عن الناقدة المصرية تيريز عبد المسيح في مقالها "ما بعد الكولونيالية ـ قراءة أولى" الذي يتصدر ملف "قراءة ما بعد الكولونيالية" (مجلة "القاهرة"، العدد 180، نوفمبر، 1997، ص13). وهناك جياتري سبيفاك أيضا التي أفادت بدورها، في سياق بلورة نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي، من دريدا، بل إنها كانت من بين أهم الذين قدموا هذا الأخير إلى العالم الأمريكي. وتعتمد هذه الأخيرة، وشأن إدوار سعيد، المقال بدلا من المشاريع الأحادية الطويلة؛ ومحاولة تصنيفها ضمن تيار واحد تبدو عملية مستحيلة، هذا وإن كانت تصنف نفسها بأنها "ناقدة نسوية، ماركسية، تفكيكية" كما تقول سامية محرز في تقديم ترجمة مقال سبيفاك "دراسة التابع: تفكيك التأريخ" ("ألف: مجلة البلاغة المقارنة" (ملف "خطاب ما بعد الاستعمار في جنوب آسيا")، العدد 18، 1998، ص125). ولا تكمن أهمية سبيفاك من ناحية الانخراط في تفكيك النص الكولونيالي من منظورات الأقليات التابعة فقط، وإنما في سد بعض الفراغ في نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي التي انحازت، وفي حال إدوار سعيد ابتداءا، وفي إطار، القراءة، قراءته للنصوص الغربية المكرسة والمتواطئة مع الإمبريالية، إلى "النصوص الذكورية". لقد كانت في مقدم المساهمات في "التوازيات والتفاعلات" بين تحليلات نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي والنظريات النسائية، ومن ثم أهميتها المضاعفة على مستوى دراسة "الكولونيالية المزدوجة" أو "القمع المزدوج" (قمع الرجل والمستعمِر) الواقع على "المرأة المستَعمَرة" أو "نساء الاستعمار" ("الإمبراطورية ترد كتابة"، ص 219).

ومعنى ما سلف أن نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي لا تفارق منحى "ما بعد الحداثة" (Postmodernisme) الذي وازى النقد الثقافي الذي تنتظم في إطاره النظرية. ومن ثم فإن تحليل الخطاب ما بعد الاستعماري واقع تحت مظلة الفكر ما بعد الحداثي وما بعد البنيوي ("دليل الناقد الأدبي"، ص159). وإجمالا فعصرنا يموقع الثقافة في "عالم الـ ما بعد" كما يقول هومي بهابها ("موقع الثقافة"، ص41). وفي هذا الصدد يمكن أن نشير إلى كتاب الناقد والكاتب الأفغاني شيلي واليا "صدام ما بعد الحداثة ـ إدوار سعيد وتدوين التاريخ" (2001) الذي يعالج، وإن بشكل أولي، جانبا من المشكلة.

ويمكن الجمع بين نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي والفكر ما بعد الحداثي من ناحية التشكيك في ما نعته أحد "آباء ما بعد الحداثة" فرانسوا ليوتار بـ"السرديات الكبرى" وفي مقدمها سردية "التنوير" التي كانت في أساس ظهور مفهوم "الغرب" ذاته، وفي المنظور الذي أفضى إلى الحربين الكونيتين المدمرتين والإبادات العرقية... و"تشكيل العالم الثالث" و"التنكر" له. وكما يمكن الوصل بينهما من ناحية الالتفات إلى "الآخر" متمثلا في "المجموعات المهمشة" من "الأشخاص الملونين" و"النساء" و"الشواذ" و"شعوب العالم الثالث"... وكل ذلك في المنظور الساعي إلى محاولة زحزحة "المركز" (الأوروبي).

إجمالا إننا لسنا بصدد تقديم الأسس الفلسفية التي انبنت عليها ما بعد الحداثة وبدءا من المانيفستو الخاص بها والمتضمن قي كتاب "الشرط ما بعد الحداثي" (1979) الذي أعلن فيه صاحبه الفيلسوف الفرنسي فرانسوا ليوتار (1929 ـ 2007) "موت عصر الحداثة"، وكل ذلك في المنظور الذي أفضى إلى التأكيد عن عجز "النصوص التأسيسية الكبرى" و"كتب التاريخ" و"الأفكار التي تتحكم في رؤيتنا للعالم" بل و"النصوص الدينية الأرثودوكسية" و"الإيديولوجيات السياسية" وغير ذلك من "النظريات الكبرى" التي تندرج في نطاق ما أسماه لويتار نفسه بـ"السرديات الكبرى" التي أصبحت عاجزة عن "قراءة" العالم في المرحلة الراهنة. وكما أننا لسنا بصدد الحديث عن أقطاب "ما بعد الحداثة" البارزين، وقبل ذلك الفلاسفة الذين كانوا في أساس التمهيد لها؛ وهو عمل لا يخلو من صعاب كما ينبغي الإقرار بذلك.

غير أن ما تجدر الإشارة إليه، هنا، هو أن نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي لا تمضي إلى حدود "المحاكمة الجذرية" للفكر والتاريخ والمجتمع كما سلك ذلك مفكرو تيار ما بعد الحداثة. بل إن إدوار سعيد، وإلى جانب الناقد الأمريكي فريريك جيمسون والناقد البريطاني تيري إيجلتون، اتخذ موقفا نقديا من هذا التيار، وخصوصا من ناحية "أداء المثقف". يقول إدوارد سعيد موضحا: "ولقد اعتقدت دوما أن ليوتار وأتباعه يعترفون بما عندهم من أنواع العجز الكسول، بل ربما اللامبالاة، بدل أن يجروا تقييما سليما لمجموعة واسعة حقا من الفرص المتاحة للمثقف، برغم كل ما تردده مدرسة ما بعد الحداثة" ("صور المثقف"، ص33). ويضيف إدوارد سعيد في موقع آخر: "فعلى الرغم من ليوتار ومعاونيه، مازلنا في حقبة السرديات الكبرى، حقبة الصدامات الثقافية المريعة، والحرب المدمرة الرهيبة [...] والقول إننا ضد النظرية، أو ما بعد الأدب، ليس سوى عمىً وتفاهة" ("تأملات في المنفى"، ص222). هذا بالإضافة إلى أن إدوارد سعيد يؤمن بـ"أصول النصوص" (شيلي واليا، ص138)، مما يجعله معارضا لشعار تودوروف "النص يتوجه إلى كل من يقرؤه" وقبل ذلك شعار جاك دريدا "لا شيء خارج النص"؛ هو يعارض "التأويل المفرط" لكي لا نقول "التأويل" بعامة، لأن نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي بدورها "ممارسة قرائية". والمسألة، كما يجمع إدوار سعيد، أن نعرف كيف نقرأ، كما يقول التقويضيون، دون أن نفصل ذلك عن مسألة معرفة ماذا نقرأ ("الثقافة والإمبريالية"، ص315). وقد يكشف هذا القول عن نوع من الرد على دريدا بفوكو، بل عنهما معا بإدوارد سعيد نفسه.

فنظرية ما بعد الكولونيالية لا تقفز إلى "ما بعد الحداثة"، فهي "تقرأ" النصوص في ضوء "الحداثة" وكل ذلك في المنظور الذي لا يفارق دراسة "الثقافة" ودورها على مستوى "شرعنة" الاستعمار مع مستشرقين ورسامين ورحالة وروائيين وكتاب... إلخ. ومن ثم تبدو الحداثة مرادفة للإمبريالية. واللافت للنظر أن مثل هذه "الشرعنة" تكشف عن "أقنعتها" في كتابات لا تبدو الإمبريالية ظاهرة فيها بوضوح، وهذا ما قصد إليه إدوار سعيد بـ"الاستشراق الكامن" أو "المبطن" (استشراق الكتاب والرحالة...) تمييزا له عن "الاستشراق السافر" (استشراق العلماء والأكاديمين المحترفين). وهي الفكرة ذاتها التي أكد عليها، ومن جديد، ومن خلال دراسة تضافر الخطاب الروائي والإمبريالي، في "الثقافة والإمبريالية". ولا يفوتنا أن نشير، هنا، إلى أن إدوارد سعيد يصف نفسه بأنه "ناقد حداثي ما بعد كولونيالي".

وكما أن الحداثة، وخصوصا من ناحية ما تعرضت له من "اغتصاب" من قبل أوروبا، تشكل محورا بارزا في "مجموعة دراسات التابع" (Subaltern Studies Group) التي سلفت الإشارة إليها والتي جمعت مؤِرخين شباب هنديين سعوا إلى مقاومة السلطة الكولونيالية الممارسة من قبل البريطانيين والنخبة البورجوازية من الأهالي أيضا. وقد ظهرت هذه المجموعة في سنوات السبعين، وستتضح أكثر من خلال سلسلة من المقالات التي سيجمعها وسيحررها، وتحت العنوان نفسه، المؤرخ الماركسي راناجيت جحا في ثمانينيات القرن العشرين (1982). ولا يمكن البتة التغافل عن هذه الدراسات التي يدرجها البعض ضمن الخليط النظري لنظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي، بل إن هذه المجموعة ستفيد فيما بعد من إدوارد سعيد. وقد كان لتساؤل سبيفاك سالفة الذكر: "هل يمكن للتابع أن يتكلم؟" صلة بالتساؤل حول دور الإنتاج الثقافي ككل في معارضة القوى المهيمنة. و"التابع"، وهو مصطلح أخذ عن غرامشي، هو "الفلاح الأمي" و"المرأة الصامتة في العالم الثالث" و"حشود العمال"... وسواهم من الجماعات التابعة (المضادة للنخبة) ممن كان لهم تأثير على مستوى صناعة التاريخ الهندي. والدراسات، وكما يلخص إدوارد سعيد في حوار معه، طرحت "صراع فقراء المدن وجماهبر الأرياف التي لا تملك أية نصوص" (الكرمل، ص110). وكل بدافع من الإصرار على إعادة تشكيل "صفاء الهوية" الذي افتقد نتيجة العلاقة مع الغرب والحداثة. ولا يبدو غريبا أن ينبه إدوارد سعيد، وفي أثناء الحديث عن دور المثقف، وعلى لسان فالتر بنيامين هذه المرة، بأن "التاريخ غالبا ما كتب من وجهة المنتصر، وأن موكب النصر العظيم يجر في أعقابه أجساد المهزومين المنسيين" ("تأملات في المنفى"، ص331). والخلاصة، هنا، أن الحداثة، وفي منظور "مجموعة التابع"، جزء من تاريخ الإمبريالية الأوروبية وجزء من تاريخ أوروبا الشامل. وفي هذا الصدد تتبدى أهمية اقتراح الأنثروبولوجي ودارس الهند برتا شتارجي (Partha Chatterjee) الذي دعا الشعوب المستعمَرة، وفي سياق سعيها إلى تشييد مفهوم "الدولة ـ الأمة"، إلى التخلي عن دور "المستهلك الأبدي للحداثة الغربية".

والواقع أن نقاد ومنظري الخطاب ما بعد الكولونيالي لم تنحصر إفادتهم في فوكو ودريدا، وإنما أفادوا ـ وبتفاوت ـ من فلاسفة آخرين مثل لوكاتش وويلياميز وغرامشي والتوسير وأدورنو وأورباخ... وغير هؤلاء من الفلاسفة الجذريين. وكل ذلك أيضا في المنظور الذي جعل دراساتهم تنفتح، وفي عملية تأثر متبادل، على علوم ومعارف مختلفة كاللسانيات والبنيوية والماركسية والإيديولوجيا والأنثروبولوجيا وعلم النفس والنزعة الإنسانية... إلخ. والمؤكد أن هذا النوع من الإفادة، ومن هذه المعارف التي تقع خارج دائرة النظرية النقدية التقليدية، هو ما جعل نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي تحيد عن صرامة النظرية النقدية المعاصرة في نزوعها نحو "علمنة" الظاهرة الأدبية. والخلاصة، هنا، أن محاولة "زحزحة المركز" (الأوروبي) كامنة في الفكر الأوروبي ذاته، غير أن عملا من هذا النوع يتطلب وعيا موسوعيا جديرا بأن يفك الالتباس القائم بين الهيمنة والنظرية في سياق ما نعته إدوار سعيد بـ"الخلفية العالمية" للنقد ("تأملات في المنفى"، ص 73).

إلا أن الإفادة من النظريات السابقة جعل النظرية تشبه "ألوان قزح" و"المهرجان" أو "الكرنفال"، وهو النقد الذي أخذ عن النقد الثقافي بشكل عام. هذا بالإضافة إلى أن تجميع الأنواع المعرفية سالف الذكر لا يخلو من "ترقيع" (Bricolage) أو "توليف" تبعا لترجمة أخرى. بل إنه لا ينبغي التغافل عن أن ظهور النظرية ذاته كان نتيجة "تاريخ مختلط" استأثر بأصاحبها في منافيهم بأمريكا. وكما أن "الاقتباس" و"التكييف" جعل البعض يرى في النظرية "مصطلحا ملتبسا" و"موضوعا عاما" و"تجميعا يفتقر إلى التنظير". غير أن ما تجدر ملاحظته، هنا، أن هذا التجميع، أو الاستعمال للمألوف، لا يخلو من "تفرد" هو قرين "التمرد" و"الاحتجاج" على ما يدرس ـ وفيما يشبه العرف الثابت ـ في المراكز الأكاديمية الغربية. إن التشديد على مفاهيم "القوة" و"الهيمنة"، ومن داخل الحقل الأكاديمي ذاته، أدى إلى نوع من الارتقاء بهذا الحقل إلى مصاف الحركة الأكاديمية الاحتجاجية ذات الصلة أو الصلات باليسار الثقافي "الليبرالي". لقد مدت النظرية العالم الأكاديمي بـ"إبدال أخلاقي" كما تقول ليلى غاندي في كتابها السالف (ص176).

وفي السياق نفسه، سياق تعريف نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي، التي لا تخلو من صعوبة كما لاحظنا قبل قليل، تجدر الإشارة إلى أن مصطلح "الما بعد" [ما بعد الكولونيالية] لا يفيد البتة أي نوع من "الكرونولوجية" أو "التاريخية" أو "المرحلية" وغير ذلك من الصفات التي يفضي إليها المعنى الحرفي للمصطلح. فالمفردة، وبكلمات ليوتار، التي تذكرنا بها ليلى غاندي في كتابها، تومئ إلى نوع من الجدل، ونوع من التطلع إلى عالم جديد وأفضل (ص174). أجل لم تعد الإمبراطورية الأوروبية والأميركية تستحوذ على 85% من أراضي العالم كما كانت عليه الحال في الحرب العالمية الأولى، وخصوصا في الفترة الممتدة من 1945 إلى 1965 حيث لم يبق تقريبا مجتمع خارج الاستعمار. ودون أن نتغافل، هنا، عن ما كان يعرف بـ"مستعمرات الاستيطان الأبيض" الذي شمل كندا ونيوزيلندا وأستراليا وأمريكا بدورها. غير أن الـ 100 دولة التي تم تشكيلها في المرحلة ما بعد الاستعمارية (بعد 1945) ومن "وجهة نظر" "ما بعد استعمارية" ليست حقيقة محادية ("الثقافة والإمبرايالية"، ص125)؛ إضافة إلى أنها جديرة بأن تعكس العالم الذي تم، وبلغة إدوار سعيد، ترسيمه "خرائطيا" من جديد، وبما يواصل الاستعمار (Colonisation) بأشكال مغايرة أو غير مباشرة. فالحضور الامبريالي لا يزال متواصلا في العالم العربي، مثلا، ومنذ حملة نابليون على مصر عام 1798 كما يذكرنا إدوار سعيد، إضافة إلى قضايا العنصرية والعرقية... التي لا تزال متواصلة في العالم ككل. وكما أن "العولمة" (أو بالأحرى "فخ العولمة" كما تم توصيفها) الاقتصادية والثقافية، وبآلياتها التفكيكية، أو التخريبية، لـ"الهويات" الفردية والجماعية في آن واحد، وفي استنادها إلى "المنتديات الدولية" (الأمم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي)، لا تعدو أن تكون شكل من أشكال التدخل في شؤون الشعوب أو شكل من أشكال الإمبريالية. ولذلك ليس غريبا أن تتم مقاومتها، وبشراسة، وبدءًا من الغرب نفسه.

إن الامبريالية لا تزال متواصلة ولا في شكل طموحات إمبراطورية فحسب (كما أسلفنا)، وإنما بأشكال عسكرية مباشرة. ومن ثم فإن ما كان قد قاله الفريق البريطاني ستانلي مود بعد احتلال العراق عام 1917: "إن جيوشنا لا تأتي إلى مدنكم وأراضيكم كمحتلين أو أعداء، بل كمحررين"... كلام لا زال "سائدا" إلى يومنا هذا... بل وباسمه تم احتلال العراق البلد العربي الثري بـ"البترول" الذي تسيل من أجله "اللعاب" والذي تنظر إليه أمريكا ـ وفي إطار نظرتها إلى "احتياطات الشرق الأوسط النفطية" عامة ـ بل وتعاملها مع هذا الشرق كـ"محطات بنزيل" كما قال كارلوس فوينتس ـ باعتباره "أمانة أمريكية" كما يقول إدوار سعيد في كتابة "الثقافة والإمبريالية" (ص353). وفي هذا الإطار يقول طارق علي (الكاتب الباكستاني المقيم في انجلترا) في نص حوار "ضلالات إمبريالية" بأن الخطاب الذي تحدث فيه جورج دبليو بوش عن الحرب من أجل الحرية وضد الاستبداد كان أيضا هو الخطاب في زمن الحرب الباردة، وكان أيضا خطاب الإمبراطورية البريطانية، والإمبراطورية الفرنسية، بل وأحيانا الخطاب الذي استخدمه هتلر. إضافة إلى أن امتلاك الولايات المتحدة الأميركية أكثر من 700 قاعدة عسكرية في أكثر من 100 بلد يشكل مستوى من القوة والهيمنة غير مسبوق في التاريخ كما يضيف طارق علي. ودون أن نتغافل، هنا، عن أن هؤلاء "الإمبرياليين الجدد"، ومن "صقور البنتاغون" بشكل خاص، يستندون إلى مستشرقين متعينين هم امتداد لـ"الاستشراق الكلاسيكي" الذي مهد لموجات الاستعمار، وفي مقدم هؤلاء "المستشرق" أو "شيخ مؤرخي الشرق الأوسط" برنارد لويس (Bernard Lewis) دارس "أزمة الإسلام" و"الإسلام اليوم" و"اليهود على أرض الإسلام" و"الإسلام والعلمانية" و"اللغة السياسية في الإسلام" وغير ذلك من العناوين الكثيرة، وكل ذلك بالاستناد إلى "أطروحة" الإسلام "المعادي" لقيم "الحداثة" و"الديمقراطية"... وغير القادر على "الاندماج" في "صياغة العصر"، في مقابل "التفوق المطلق" لليهود. وفي إثر وفاة إدوار سعيد امتنع برنار لويس عن الكلام مكتفيا، وبعد أن طلب رأيه، بالقول اليوناني:"De mortuis nihil nisi bonum" الذي يفيد "اذكروا أمواتكم بخير" (26/09/2003 /Le Monde).

وكان الراحل إدوار سعيد قد شرَّح "خطاب" هذا الأخير في أكثر من موضع ومناسبة في نطاق تشريح "الاستشراق" واندراجه في معادلة "الثقافة والإمبريالية" بـ"واوها" التي تفيد ـ هنا ـ المعية لا الضدية. وقد تراجع هذا الاستشراق، وفي صورته الكلاسيكية، وداخل "الكوبرا أمريكا" أو "شرطي العالم الحالي"، لفائدة بروز كتاب "متصهينين" أمثال توماس فريدمان ودانييل بايبس (تلميذ برنارد لويس) وجوديث ميلر وتشارلز كورثمهر... موازاة مع من يسير في ركبهم من الكتاب العرب المتأمركين، من المقيمين في الغرب، مثل البروفيسور (اللبناني الأصل الأمريكي الجنسية) فؤاد عجمي والعراقي كنعان مكية. وقد نعت إدوارد سعيد هؤلاء بـ"المتخصصين الأسطوريين" في الشؤون العربية ممن يعملون في وزارة الخارجية الأمريكية ("الثقافة والإمبريالية"، ص 253). وللمناسبة لم يكن إدوار سعيد يكره فؤاد عجمي وكنعان مكية لأنهما انتقدا العرب... لأنه بدوره انتقد العرب والحكام العرب، من الديكتاتوريين والمرتشين، وبقسوة، مقارنة مع عجمي أو مكية. لقد أدانهما، وكما قيل عنه، لأنهما لم يكونا مناهضين لأميركا أو لم يتظاهرا بذلك على الأقل. وقد كان يكره صدام حسين، لكنه عبر عن إعجابه به لتحديه الولايات المتحدة. وكما أنه كتب عن عبد الناصر من قبل؛ ولا لأنه كان ناصريا، وإنما لأن عبد الناصر كان بدوره، وفي سياق مغاير، يتحدى أمريكا. 

ناقد وباحث من المغرب


قائمة بأهم المصادر والمراجع المعتمدة في الدراسة: 
ـ أرثر أيزابرجر: النقد الثقافي، ترجمة وفاء إبراهيم، المجلس الأعلى للثقافة، 2003.
ـ إدوار سعيد: الاستشراق، ترجمة محمد عناني، منشورات رؤية، القاهرة، 2006.
ـ إدوار سعيد: تغطية الإسلام، ترجمة محمد عناني، منشورات، رؤية، القاهرة، 2005.
ـ إدوار سعيد: الثقاقة والإمبريالية، ترجمة كمال أبو ديب، دار الآداب، بيروت، 1997.
ـ إدوارد سعيد: صور المثقف، ترجمة غسان غصن، دار النهار، بيروت، 1997.
ـ إدوار سعيد: تأملات في المنفى، ترجمة ثائر ديب، دار الآداب، بيروت، 2004.
ـ إدوار سعيد: القلم والسيف: الثقافة والامبريالية (حوار)/ مجلة "البحرين الثقافية"، العدد 28، 2001.
ـ إدوار سعيد: الاختلاق والذاكرة والمكان/ البحرين الثقافية، العدد 28، أبريل 2001.
ـ إعجاز أحمد: الاستشراق وما بعده، ترجمة: ثائر ديب، منشورات ورد، دمشق، 2004.
ـ بول جونسون: المثقفون، ترجمة طلعت الشايب، دار شرقيات، القاهرة، 1998.
ـ بيل أشكروفت، جاريث جريفيثيز، هيلين تيفين: الإمبراطورية ترد كتابة، ترجمة خيري دومة، دار أزمنة، الأردن، 2005.
ـ تيري إيغلتون: الثقافة في طبعاتها المختلفة، ترجمة ثائر ديب،الكرمل، 70ـ71، شتاء ـ ربيع 2002.
ـ دوغلاس روبنسون: الترجمة والإمبراطورية ـ الدراسات ما بعد الكولونيالية، ترجمة ثائر ديب/ نزوى، العدد، 45، يناير 2006،
ـ زيودين ساردار وبورين فان لون: الدراسات الثقافية، ترجمة وفاء عبد القادر، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2003.
ـ صبحي حديدي: الخطاب ما بعد الكولونيالي ـ في الأدب والنظرية النقدية/ الكرمل، العدد 47، 1993.
ـ عبد الله العروي: الإيديولوجيا العربية المعاصرة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2005.
ـ هومي. ك. بابا: موقع الثقافة، ترجمة ثائر ديب، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2004.
ـ فرانسيس ستونر سوندرز: الحرب الباردة الثقافية، ترجمة طلعت شاهين، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2003.
ـ كيث وايتلام: اختلاق إسرائيل القديمة، ترجمة سحر الهندي/ عالم المعرفة، العدد 249، 1999.
ـ ليلى غاندي: إدوار سعيد ونقاده/ الكرمل، العدد 81، خريق 2004،
ـ هومي. ك. بابا: موقع الثقافة، ترجمة ثائر ديب، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2004.
ـ ميجان الرويلي وسعد البازعي: دليل الناقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط 3، 2003.
ـ مجلة "القاهرة"، العدد 180، نوفمبر، 1997.
ـ مجلة "الكرمل"، العدد 78، شتاء 2004.
ـ Aime Césaire: Discours Sur Le Colonialisme, Editions ANEP, Algérie, 1995.
ـ Edward Said: L'orientalisme ـ l'Orient créé par l'Occident, trad. Catherine Malamoud, Seuil, Paris, 1980.
ـ Franz Fanon: Les Damnés De La Terre, Gallimard, 1991.
ـ Gary Land: Le défi du postmodernisme. Dialogue, 8(1), 5ـ8, 1996.
http://dialogue.adventist.org.
ـJacqueline Bardolph: Etudes postcoloniales et littérature, H. Champion,  2002.
ـ Leela Gandhi: Postcolonial Theory: A Critical Introduction, Columbia Univ Pr, 1998.