منذ أن كتب أمبيرتو إيكو رائعته «اسم الوردة» مقتحما بها أحد التابوهات (العربية) والبحث جار عن أحد الكتاب العرب فعل، وفى حدود قراءاتى فى الرواية العربية، لم أجد، إلى أن وجدت هذه الرواية التي اقتحمت عالم الكنيسة وربطت الماضى بالحاضر، وكشفت الصراع الوهمى بين الأديان، لتجزئة تلك الدول وتفتيتها، وتأخرها.

صلاة خاصة (رواية العدد)

صبحي موسى

 

إلى آيات وعبير

علهما يتقبلا عذري

 

1ـ أنطونيوس: الجسد الذي يبذل

1

ـ  لا أعرف لمَ أتوا بك؟.

 قالت وهي تنظر اليه كما لو أنها تعتذر عن أمر غير مقصود، غير أنها سرعان ما استدركت:

ـ  لكن لابدمن التحقيق.

لم يكن أمامه سوى أن يحني رأسه موقنا أن الليالي العصيبة قد بدأت تطل برأسها، فرحيل الأب إيمانويل ليس انتهاء لزمن البركات على الأرض ولكن بداية الشرور التي ستعصف بكل شيء، هز رأسه كمن يضع توقيعه على اتفاقية استسلام مخزية:

ـ ليكن.

بالكاد وصلها صوته، فرفعت رأسها مومئة لكاتبها أن يفتح دفتره ويبدأ في تسجيل وقائع التحقيق، كتب خلفها:ـ إنه في تمام العاشرة من صباح يوم 8 مارس عام 2016، وبحضورنا نحن دميانة صلاح متري تم فتح محضر التحقيق رقم واحد لمواجهة القس أنطونيوس بالاتهام المحال إلينا بشأنه.

جلس انطونيوس بردائه الكهنوتي الأسود ينتظر ما تجري به مشيئة الرب عليه، علمه الآباء أن الصبر هو أول الطريق نحو الفردوس، من قبله نال قسيسون ورهبان ملكوت الرب بصبرهم، وجهادهم لأنفسم، وانتصارهم على وساوس الشيطان.

ـ أسمك وعملك؟

ـ انطونيوس عبد المسيح إبراهيم، قس في دير الملاح، كنت مشرفا على مطبعة الدير، والآن مسئولاً عن العيادة بالدير.

رفع الكاتب وجهه عن الدفتر الطويل الذي يكتب فيه متأملاً وجه أنطونيوس وهو يتحدث عن عمله بصوت هادئ كما لو أنه يترنم بالمزامير. بينما ظلت أصابعه تتحرك بالقلم على وجه الدفتر كرجل خبير بالكتابة في الظلام، طرقت المحققة بإصبعها على قشرة الفورومايكا التي تكسو سطح المكتب، نظر الكاتب تجاهها معتذرا عن خطئه غير مقصود، فهزت رأسها مومئة بقبول اعتذاره، ومطالبة بالتركيز في العمل. وضع الكاتب قلمه على وجه الورق في انتظار سؤالها:

ـ كم سنة كنت مسئولا عن المطبعة؟

كان أنطونيوس قد احتل موقعه كمسئول عن الطباعة لمدة خمسة أعوام، وهي فترة أقل من ربع عمره في الدير، فمنذ دخل في سلك الرهبنة وهو ملازم للمكان، لا يكاد يخرج منه، يتوزع يومه بين الرهبان المتفرقين في أعمالهم والمعتكفين في قلاليهم، يتنقل كنحلة من أب إلى آخر، يضع الشموع في الشمعدانات والزيت المقدس في الأواني، ويرفع التراب عن الأرض وينفض الغبار عن الستائر، ويتأكد من ليونة مفاصل الأبواب وسهولة دق الأجراس، وإذا طلبت منه المساعدة في فلاحة الأرض فإنه يروي الزرع ويطعم الماشية ويجمع الثمار ويغسل الثياب، كان يجيد أن يندمج في أي عمل، لم يسأله أحد عن سبب دخوله الدير، لكن الجميع كان بوده أن يعرف السبب الذي دفع به للمجيء إلى هذا المكان النائي عن أهله وكل من يعرفهم في الشمال، الجميع كان يعلم أن الدير قد توقف عن استقبال رهبان جدد، فما الذي جعل الأب إيمانويل يسمح له بالدخول، ظل هذا الأمر سراً لا يتحدث به أحد، لا أنطونيوس ولا إيمانويل، ومع تداول الأيام نسى الجميع السؤال وتعلقوا بهذا الذي يجيد كل شيء، ولا يستعلي على شيء، هذا الذي يبدو كأنه أكثر تعليماً وثقافة من شماس، حتى فوجيء الجميع برسمه قساً، بعدما نال شهادة في اللاهوت، وأصبح أحد الباحثين في تاريخ الهراطقة، ليجلس في مقدمة كنيسة الأب ديميتريوس يلقي بعظاته على الوافدين كي يعلمهم مبادئ الدين، والبعد عن الوقوع في خطايا الوثنيين، كان ذلك قبل توليته الإشراف على مطبوعات الدير من قبل إيمانويل، ذلك الذي تنيح بعد أعوام قليلة من الثورة، فاتحاً بموته مصارع الأبواب لدخول الشيطان، وبدء الصراعات التي لم تنته.

ـ منذ خمسة أعوام.

هكذا جاءت إجابته مختصرة لا تفيد المحققة الجالسة أمامه في انتباه تام،  والتي لم تستطع أن تستوعب أن الواقف أمامها هو القس أنطونيوس، وأنه جاءها متهماً بنشر الهرطقات وإهدار أموال الكنيسة، فهل جن جنون العالم أم أنها لم تعد لديها الخبرة لمعرفة المذنب من البريء، كانت عشرات الأسئلة تجتاحها وهي في الطريق إلى مكتبها بغرفة التحقيقاتبالدير، بالأمس قرأت مذكرة الإحالة، مذكرة لا تزيد عن خمس صفحات لكنها محملة باتهامات أقلها يكفي لشلحه وحرمانه، لم تكن لتجيبه حين سألها عن سبب استدعائه إليها، وضعت عينها في الأرض محاولة التخفيف من وقع الإجابة عليه، تساءلت بدهشة وكأنها لا تعرف سببا لمجيئه، موضحة أنها مجبرة على التحقيق معه مادام قد أحيلت إليها مذكرة بشأنه.

ـ كم عمرك؟

هكذا استعاد تنفسها من الشرود، وتركته ينظر في جانب من الغرفة المدهونة بطلاء زيتي حديث، ثم دار بعنينه كما لو أنه يبحث عن تاريخ ميلاد مدون أسفل أيقونة المسيح،  وبدا كما لو أنه نسى تاريخ ميلاده، فمنذ سنوات وهو يدب بأقدامه على الأرض، سنوات جاب فيها الخضرة واليابس ولم يسأله أحد عن سنه، أعمل ذهنه قبل أن يزدرد ريقه:

ـ  خمسة وأربعين.

لسبب ما كانت أنامل الكاتب ترتعش على وجه الورق، بدا كما لو أنه أصيب بشيء ما، فتوقف عن عمله فجأة وأخذ يفرك الخدر الذي دب في عروقه، ثم عاد ليعتذر إلى المحققة عما يجري، لكنه نظر بغرابة إلى وجه القس الحزين الواجم أمامه، وشعر برعشة طفيفة تنتاب فرائصه، تمتم باسم المسح وحاول أن يمسك بالقلم من جديد، لكن محاولته باءت بالفشل،حاول أن يضبط أعصابه ليقبض عليه بمهارة أفضل لكن يده اصطدمت به فسقط على الأرض، حينها رفع وجهه بحزن مماثل لحزن القس، ونظر في عين المحققة خوفا إن لم يكن فزعا، وانتاب الأخيرة شعور بالأسى من أجله، وربما اليأس وخيبة الأمل أيضا، فرفعت رأسها نحوه:

ـ ادفئ أصابعك قليلا، وإن لم تستطيع سنؤجل التحقيق.

********

2

لسنوات كان أنطونيوس يعتقد أن أحداً لن يعرف سره، لكن ها هو التحقيق قد بدأ وشيئاً فشيئاً ستتسرب الحقيقة من جوفه كخيط تريكو، زفر هواء مكتوما من صدره وهو خارج من غرفة التحقيق متجها إلى قلايته بالدير، سنوات طويلة وهو يتواري بين أشجار المكان ورهابنه عسى أن ينسى حقيقته، وعسى أن يصل يوماً إلى اليقين، لكن الأخير لم يحدث بعد، والأول مازال يلمع أسفل الرماد القليل.

 ألقى في طريقه بتحية الصباح على الخادم ميلاد العجوز وعبر الممر المؤدي إلى بوابة المبنى، هذا المكان رغم جماله إلا أنه مبالغ فيه، كل شيء به مبالغ فيه، السياج الحديدي، الدرجات الرخامية الطويلة، الأعمدة الشاهقة، السيراميك اللامع البارد، الأبواب الخشبية والنوافذ الألوميتال والمكاتب الإيديال وطيات الكرانيش وصور القديسين المتضرعين بحزن عميق، كل شيء يشعره بالبرد والارتجاف، لم يدخل هنا من قبل سوى مرة واحدة مع صديقه المتنيح الأنبا إيمانويل، كان الأخير قد جاء للسلام على بيشوى  المحقق السابق بالدير، يتذكر ذلك اليوم بوضوح، كان يمشى بجانبه كما لو أنه يسير بجانب شجرة شائخة في طريقها إلى القبر، لم يكن يعرف ما الذي ينبغي عليه يسرع به إلى حيث يريد، كل ما فيه كان يرتجف كورقة شجر في عز الخريف، فكر لو أن بالإمكان حمله والهرولة به من بين كل هذه الردهات الباردة، لكن ذلك لم يكن مسموحاً، الحالة الوحيدة المسموح بها هي الحمل على المحفة، وتلك مخصصة للأساقفة المصابين بعجز واضح، ظل يتهادى بجانبه إلى أن وصل إلى المكتب الكبير الذي يجلس خلفه بيشوى، حين رآه الأخير نهض من كرسيه بعجز أكبر من عجز إيمانويل كي يلتقيافي منتصف المسافة  بين الباب والمكتب، حينها اختار أنطونيوس لنفسه كرسياً في ركن بعيد وترك العجوزين يتحدثان عن رفض كاهن في كنيسة بالشمال إقامة إكليل لعروسين، لأن العروس تتبع الكنيسة الكاثوليكية في العماد.

عند بوابة المبنى المخصص للتحقيقات لمح أنطونيوس القس يوساب قادماً بصحبة ثلاثة من الشمامسة التابعين له، حاول أن يسرع في سيره متجهاً إلى الجانب الأيسر من المبني، لكن يوساب هتف فيه:

ـ كيف حالك يا أنطونيوس؟

توقف الأخير واستدار بهدوء مبالغ فيه ليواجه يوساب وتلامذته الذين يتمتعون بطول واضح:

ـ نحمد الرب يا يوساب

لكن الأخير لاحقه:

ــ ماذا تفعل هنا؟

هز أنطونيوس رأسه وكأنه لم يسمع جيداً، فهو لا يريد أن يحكي لكل عابر عن أنه متهم في قضية لم يعرف أبعادها بعد، فقد شعر كاتب التحقيقات بتوعك قبل أن تواجهه المحققة بما في أوراقها، حمد الله حين أبلغت الكاتب أنه يحتاج إلى الراحة، ولن يستطيع أن يكمل العمل اليوم، شكرها أنطونيوس ونهض من مكانه معتبراً ذلك علامة خير، ولابد أن السماء تنظر إليه، وستقف بجانبه مثلما وقفت إلى جانب كل القديسين من قبل، لكنه في قرارة نفسه لم يكن موقناً أن السماء تنظر إلى أحد، نهض من مكانه كمن جاء دوره لدخول دورة المياة، وفر من أمامها متعجلا  دون مراعاة للحفاظ على الهيبة التي تركها في مخيلتها، فقد شعر أن المحققة التي بدأت في عقدها الثالث دون أن تتزوج تكن له قدراً من الإجلال والتوقير، ولوهلة تسرب إليه شعور أنه سيمثل في حياتها شيئاً كبيراً، فالتزم الهدوء مضفيا على صوته نبرة مليئة بالرضا والطمأنينة، وبدا له أن ذلك ما تفتقده المحققة الجالسة أمامه بتواضع وخجل، فقرر أن يركز عليه كي يكسب تعاطفها.

 لم يعرف ما هي الاتهامات الموجهة إليه، لكن عينه تدرجت على جسدها الممشوق أمامه، وبخجل شديد ألقى بنظره على الأرض، وإن كانت هي أيضاً لم تغفل تسحب عينيه نحوها كقط مسكون برائحة لحم لا يعرف كيف يناله.

ـ لا شيء ، كنت أسلم على صديق هناك.

رد على يوساب وكأنه يبلغه أن ذلك أمرا لا يعنيه، ثم سرعان ما باعد في خطواته قاطعاً الطريق المؤدي إلى الكنيسة الكبيرة في الدير، ومن أمامها عبر منحنياً تحت أشعة شمس مارس الدافئة كي يذهب لأداء صلاة الظهيرة، لكنه ما أن وصل إلى القلالي البعيدة حتى لمح عدداً من الرهبان طوال القامة يخرجون بصحبة شماس لا يعرفه، بدا أنهم لم ينتبهوا لحضوره، وهو بدوره لم يشأ أن ينادي عليهم، فهو متعب وضجر من التحقيق معه، ومما قد تؤل إليه الأحوال، عبر المدخل المؤدي إلى تجمع من القلالي المبنية على حافة الهضبة منذ نهاية العصور القديمة، فقد كان الدير في بدايته قلاية للأب جبرائيل الملاح الهارب من ملاحقة الرومان له ، وسرعان ما لحقه آخرون ليقيموا بجانبه، فتركهم وبحث لنفسه عن قلاية فوق الهضبة، تسلق مخر المياه القديم وجلس وحده بلا طعام أو شراب أكثر من ثلاثة أشهر، بعدها نزل يمشي هو ولبؤته وأشبالها الأربعة بين هؤلاء المقيمين أسفل الهضبة وكأنه يباركهم، ظل بينهم مدة أسبوعثم عاد فاعتكف من جديد أعلى الهضبة، وظل الأمر على هذا النحو حتى ماتت اللبؤة وأشبالها، فسمح للناس بالصعود والبقاء إلى جانبه، وجاء مِن بعده مَن بنى على الهضبة قلال للرهبانكي يقيموا ويتعبدوا فيها.

حين وقعت عينه على قلايته لم يجد شيئاً في مكانه، كل شيء كان ملقى على الأرض بطريقة معلنة، وكأن من دخل الغرفة جاء ليخبره أنه كان هنا ورحل، أخذ ينظر إلى الفراش المتناثر، والدولاب الصغير منزوع الأبواب، والملابس التي تركت الأقدام الكبيرة بصماتها عليه، بدا الأمر كما لو أنه نوع من الترهيب والانتقام، ترك أنطونيوس كل شيء على حاله وجلس على الكرسي الجريد يصلي، وما أن استحضر الرب في قلبه حتى وجد نفسه يقول:

ـ أنت تعلم أنهم يريدونني أن أعود إلى ما كنت عليه، لكنني لا أريد. 

********

3

لا أحد يعرف أنني الذي أسجل كل شيء، أدون في دفاتري كل ما يحدث، فمهنتي أن أحتفظ بكل كبيرة وصغيرة، أن أرصد كل شيء في الدفاتر الخضراء والسوداء والبيضاء، الدفاتر الكبيرة والصغيرة والمتوسطة، الخفيفة والثقيلة والتي بلا وزن، كل هذه التركة ملكي وحدي، فأنا المنوط  به تسجيل التحقيقات وحفظها، يمكنني التغيير في الصياغات، يمكنني إضافة العديد من الكلمات التي أدسها بين السطوردون أن ينتبه أحد،فكل شيء يحفظ، ونادراً ما يأمر المحقق بإعادة فتح التحقيق، نادراً ما تخرج التحقيقات من بين جدارن هذا الدير بكنيستيه ومزرعته وقلاليه، ونادراً ما يطلب رئيس الدير إعادة النظر في تفصيلة ما، دائما ما يكتفي بالتقرير المبسط الذي يعده المحقق، هذا الذي عادة ما يأمرني بكتابته فور انتهائنا من أي تحقيق، حيث نشرح فيها لرئيس الدير ما توصلنا إليه، وما نوصي به، وله أن يأخذ بتوصياتنا أو يرفضها، له أن يستبعد من حققنا معهم عن دائرة الاتهام أو يرفع أمرهم إلى مجلس الأساقفة، حيث أسقف التحقيقات الكنسية في الكنيسة الأم.

هكذا حدث الكاتب نفسه بعدما عاد إلى غرفة نومه، لم يكن المكان محض غرفة نوم، لكنه مخزن على مساحة كبيرة امتلأت بالدواليب الخشبية التي امتلأت بدفاتر تلو دفاتر، كان الكاتب،الذي ورثها عن أستاذه الكاتب السابق إدورد حنا الذي ورثها بدوره عن كتاب سابقين، قد وجدها موزعة على عدة أقسام، كل قسم منها يشتمل على دفاتر عقدين أو ثلاثة، كان الكتبة السابقون يضعون ورقة على كل دولاب توضح عدد السنوات التي يشتمل عليها، بينما يقسمون الدفاتر نفسها باسم رؤساء الدير المتعاقبين، ويمكن لدفتر واحد أن يحمل اسم رئيسين، ويمكن لاسم رئيس واحد أن يوضع على أكثر من دفتر، متاهة كبيرة من الدواليب والأقسام والدفاتر والسنوات والعقود وأسماء الرؤساء، متاهة أكبر وأعقد مئات المرات حين نفتح الدفاتر ونغوص في التحقيقات والقضايا التي مرت في تاريخ هذا المكان.

 كل هذه المتاهة لم يعد مسئولاً عنها سوى ذلك الكاتب الذي يعيش في نهاية العشرينات من عمره، والذي تولي مسئوليتها منذ نحو عشرين عاماً، لكنه في العموم نشأ وتربى داخل هذه الغرفة أو المخزن، فقد وجده الخادم ميخائيل أمام البوابة الكبيرة قبيل شروق الشمس في لفافة من قماش،  تلفت مرتين نحو الخلاء الواقع على جانبي السور الخارجي بحثاً عمن تركه في هذا المكان، لكن عينه لم تلمح أحدا في ضباب الصباح المتكاثف، دقق النظر من جديد مرتين وثلاثاً، وحين أيقن أن الطفل ترك عن عمد خرجت منه زفرة مليئة بالأسى، ثم انحنى وحمله عائداً إلى الداخل.

الدير كله علمبتلك الحكاية، فحين صعد الخادم العجوز الدرجات المؤدية إلى غرفة رئيس الدير الأب استيفانوس، كان الروماتيزم والتهاب المفاصل قد أخذا به كل مأخذ، فلم يستطع الحفاظ على توازنه وهو يحمل الطفل بين يديه، خاصة بعدما زلت قدمه من على الدرجة الأخيرة، فترك اللفافة وبها الطفل ليتشبث بكلتا يديه في السور الخشبي، ولولا أن الكاتب إدورد حنا كان في طريقه آنئذ لقلاية استيفانوس لواصل الطفل سقوطه حتى ارتطم رأسه بصخر الهضبة، يومها خرج استيفانوس من غرفته ليطمئن على الخادم العجوز، وسرعان ما جلس بجانبه على نفس الدرجة التي زلت قدمه من عليها، لينصت إلى الحكاية التي جعلته يترك مكانه خلف البوابة ليأتي إليه في ذلك الوقت، كان إدورد ينصت بقلب منفطر من قسوة القلوب التي جعلت البشر يحملون سفاحاً كالكلاب، ويلقون بأبنائهم في الشوارع بجفوة لا تعرفها الحيوانات الضالة.

كانت هذه سابقة غريبة على الدير، فعادة ما تلقي الأمهات بأبنائهن أمام الكنائس في المدن والقرى،وليس أمام دير على هضبة في جبال القلزم، لكن الأكثر دهشة بالنسبة لميخائيل أن والدة الطفل تركتمنطقة المطبعة والمقابر والأرض المنزرعة أسفل الهضبة، وصعدت كل هذا الدرج الرخامي كي تضع إبنها أمام البوابة الحديد، ثم تهرب دون أن يراها أحد، حكي ميخائيل ملحوظته ببساطة كما لو أنه يبلغ رئيس الدير أن هذا الطفل مقدس ولا ينتمي إلى عالم الأرض، ظل استيفانوس مبتسماً طيلة شرح ميخائيل وتحليله للأمر، ثم سأله ببساطة مشابهة:

ـ وماذا نفعل يا ميخائيل؟

صمت الأخير كمن أنهى المهمة التي جاء من أجلها، متأثراً بكم كانت ثقيلة ومجهدة له، ثم مال بفمه ليقبل يد الأب استيفانوس وصليبه، عازما على النهوض والعودة إلى عمله من جديد، غير أن الأخير أمسكبذيل جلبابه قائلاً أنه لا يثق في أحد لرعاية الطفل المقدس أفضل من الرجل الذي اختارته السماء كي يكون أباً له، فقد جعلته ينحني في الصباح البارد ليحمله من أمام بوابة كان من الممكن أن تظل طيلة اليوم مغلقة.

 لم يستوعب ميخائيل الجملة المرتبة التي نطقها استيفانوس كما لو أنه ينطق نصا مقدساً، فتصور أنه يشكره على عمله، وأخذ يلهج له بالدعاء، واضعاً يديه على الأرض كي يساعد نفسه في النهوض والعودة إلى بوابته، لكن الكاتب إدورد ضحك موضحاً:

ـ يا ميخائل .. أبونا يبلغك أنك ستربي الطفل.

توقف ميخائل منحنياً، فلا هو ظل جالسا ولا هو أكمل النهوض، ونظر في عيني استيفانوس بنوع من الدهشة والعتاب، فزفر استيفانوس حزناً على عطية السماء الغريبة، ويأساً من الحيرة التي ارتسمت على وجه ميخائيلالتفت إلى الكاتب إدورد قائلاً:

ـ وأنت معه إلى جانب عملك.

كان استيفانوس يعلم أن عمل كاتب التحقيقات قليل، وأنه يكاد يكون جالساً طيلة الوقت في مخزن دفاتره، ينقلها من صندوق لآخر، ومن دولاب لآخر، وكأنه يحرص على تهويتها كي لا تصيبها البرودة بالعطب، كان يعلم أيضاً أن ميخائل قد أصبح عجوزاً بما يكفي، وأنه لم يعد قادرا على النهوض لفتح البوابة أو تأدية الحراسة عليها، فأمر له بمساعد يعاونه، ويساعده علىالتفرغ لإطعام الصغير والبحث عن غيارات له، ومع الوقت أصبح الطفل معروفا بأنه ابن ميخائل، ويوم عمادته منحه الأب إستيفانوس اسم ملاك ميخائيل، وفي يوم أحد الشعانين رشم له أحد القساوسة صليباً على رسغه الأيمن وكتفه الأيسر، لكنه في الأخير كان ابناً للدير كله، وسرعان ما انتقل ليقيم مع إدورد حنا في مخزن كتبه ودفاتره بعدما تنيح ميخائيل الخادم في ليلة شتوية باردة.

********

4

أبانا الذي في السماوات ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض.

كانت صلاة أنطونيوس سريعة ومقتضبة بعدما استيقظ ووجد أن الظهيرة قد مرت سريعا، فقد كان عليه أن ينهض لملاقاة الأب باخوميوس كاهن الاعتراف في الدير، مر عليه أسبوعان ولم يعترف له، ويشعر الآن أنه أرتكب خطيئة تستوجب الاعتراف، فما أن أعاد ترتيب مفرادات الغرفة كما كانت حتى شعر أنه يرغب في نوم القيلولة، ألقى بجسده الطويل على السرير المبني من أحجار الهضبة، واستسلم لرطوبة الهواء القادم من فرج النافذة الوحيدة في قلايته، ما إن غمس عينه في بئر النوم اللذيذ حتى رأى المحققة دميانة متجسدة أمامه، رآها واقفة بقدها الممشوق كرمح منتصب في وجه الريح، لم يستطع أن يمنع نفسه من تمرير عينيه على هذا الفرع من الجازورين الواقف في موجهته، تمهل قليلاً أمام صدرها المكور كثمرتي باذنجان شهيتين أسفل فتحة صدر تنبئ بمنحدر عظيم، لوهلة قاومت عينه رؤية الانحدار، لكن الشرير أقنعه بإلقاء نظرة واحدة للتعرف على ما قد تخفيه الملابس الصوف السميكة، فرفض بورع وإباء، رفض بقوة وهو مغلق عينيه حتى سمع صوت جرار السوستة ينطلق من مكانه، حين فتحهما وجد دميانةتخرج من ملابسها كيوم ولدتها أمها، وجد عينه تستقر على بطن كطشت الخمير الفائر، مغطية على دلتا ذات مستنقع مليء بالعشب الأسود الكثيف، في تلك اللحظة كان جسده قد انفرط من هول المفاجأة وشعر أن ملابسه الداخلية انغمرت بفيض سائل لزج شفيف، انتفض من نومه واضعاً يده على سرواله وأعضائه موقنا أن الشرير أخذ في مطاردته من جديد، وأنه مازل غير مؤمن، كان غضبه من نفسه يزداد كلما شعر أن لديه رغبة في إعادة استحضار المشهد، لم يكن نافراً مما رأى، وشعر لوهلة أنه كان يتمنى أن يمتد الحلم ساعة أخرى، شعر أنه شخص عاشق للرذيلة، ولن يصيبه خبز الرب ببركته، فلعن الشيطان وقرر الذهاب للقاء الأب باخوميوس.

كانت السماء قد اكتست بشفق خفيف، فالشمس مالت في ربعها الغربي لكنها لم تسقط بعد في البئر السحيق، كان الفلاحون ينهون أعمالهم قبل أن يحط الظلام على الرؤوس، البعض يسحب البهائم من المراعي إلى الحظائر، والبعض يطوي أدوات الحرث والري ليضعها في مكانها اليومي، وكان على أنطونيوس أن يلقي عليهم بالتحية كلما التقي بأي منهم، فرتبته كقس تسمح له بتلقي التحية من الشمامسة لكنه لا يعترف بذلك، "أنا اكثر خطيئة منهم، أكثر جهلاً وضعفاً"، هكذا كان يقول في نفسه راغباً في هزيمة الشيطان بداخله، فهو لا يريد أن يصيبه الكبر مثلما أصاب عزازيل في بدء الخليقة، لا يريد أن يكون جاهلاً مرتين، فيلقي بنفسه في نيران اللذة مرة وفي نيران الاستعلاء على الشمامسة الضعفاء مرة أخرى.

 ما ان اقترب من الكنيسة ذات الشكل المستطيل حتى تأكد من وضع غطاء رأسه بالشكل الصحيح، ولمحت عينه البرج الكبير للكنيسة حيث الخادم سعيد سيجذب الحبال ليطلق الجرس العملاق رنينه المعتاد، فعما قليل سينطلق قداس الخامسة، نزل بعينه إلى تمثال المسيح المصلوب على واجهة مدخل الكنيسة عارياً إلا من مئزر ملتف على وسطه ليمنع الناس من رؤية أعضائه، قال في نفسه أن الله نفسه تمتع بوجود أعضاء حسية في جسده، الله لم يمنع هذه الأعضاء من الوجود، طأطأ رأسه بحزن وهو يمر من أسفل قوس الكنيسة محيياً القساوسة الذي يتهيأون لحضور الصلاة.

 على البعد لمح الأب باخوميوس يحمل مبخرة ويدلف إلى المذبح في نهاية الكنيسية، اتجه نحوه سائرا بين صفي الأعمدة الطويلة الممتدة من باحة الدخول إلى الهيكل، للحظة انتابه الكبر حين رأى كأنه ملك وتلك الأعمدة الطويلة صفين من الجنود المشدودين في استقباله، شعر أن خطاه انتظمت في مشية عسكرية كما لو أنه يوليوس قيصر في طريقه إلى كليوباترا بمخدعها المخملي، غاصت أقدامه في وبر السجاد الأحمر مدركاً أن الخطيئة طعمها ناعم ولذيذ، الخطيئة التي رآها في حلمه كانت حشائشها السوداء هشة وكثيفة، وكان بوده أن يمد يده ليعرف كم كانت ستغوص بين الأحراش، انتبه من شروده على وجه الأب باخوميوس العجوز واقفاً أمامه في ثيابه السوداء، جفل من المفاجأة ووقف في مكانه كما لو أنه رأى الشيطان، حين رفع عينيه ليتطلع في وجه من كان سيصطدم به، وجده يبتسم له قائلا:

ـ صح النوم يا أنطونيوس.

ـ معذرة يا أبونا ...

ـ جئت للقداس أم لأمر آخر ؟

ـ للقداس بالطبع، لكننيأحتاج أيضا.

ـ اعتراف؟

هز أنطونيو رأسه باستسلام كمن سيعترف بجرم ما، فتنهد باخوميوس وحمل مبخرته من جديد وأخذ يأرجحها أمامه تالياً بعض التراتيل، فيما انطلقت الأيد الكبيرة للخادم سعيد في جذب حبال الجرس لينطلق رنينه العالي في فضاء الدير وما حوله، مؤذناً بأن هذا العالم ملك السيد في الأعالي والآباء المعظمين على الأرض، وللجميع المحبة وعلى العالم السلام.

حين انتهت الصلاة وخرج القساوسة والشمامسة من الكنيسة باتجاه قلاليهم ظل أنطونيوس جالساً في مكانه، بينما نهض الأب باخوميوس بتكاسل رجل عجوز ليدخل الغرفة المخصصة للاعتراف، تلك الغرفة التي صار سيدها منذ نحو عشرين عاما، فحين رفضت الكنيسة الاعتراف بإيمانويل الطيب قديساً للعذراء رأى الأب صاموئل الشكاك أن يستحدث درجة نائب رئيس للدير، ويمنحها لإيمانويل تخفيفا له من آلامه وأحزانه، قبلها إيمانويل محبة في أستاذه الشكاك الذي تولي بعد استفانوس رئاسة الدير، لكن نفس إيمانويل كانت ممتلئة بالحزن، وتتوق إلى رحلة طويلة يدور فيها على الأديرة والكنائس بمختلف ربوع البلاد، كان يبحث عن نفسه بحسب ما قال للشكاك، فأمضى نحو ثلاث سنوات في تلك الجولة التي لا يعرف سوى الله أين كانت حدودها، لكنه حين عاد منها عاد ليخلص لشئون الدير، فترك له الشكاك يعيد ترتيب المناصب والأماكن حسبما يريد، حينها تنازل لصديقه باخوميوس عن منصب كاهن الاعتراف في الدير، وهو المكان الأكثر أهمية لكل من بالدير وخارجه من شعب المؤمنين بالسيد المسيح، لأنه مجمع الأسرار، وبدونه تسقط هيبة الكنيسة وسرها الأقدس، هنا تمنح البركة والغفران، هنا يتجسد المسيح عبر شخصباخوميوس الحباك، هنا يعترف المؤمن بذنبه ويتجلى عليه الرب بعفوه ليبدأ من جديد صفحة جديدة يهزم فيها الشرير، لكن أنطونيوس لم يستطع ذلك، وظل في كل مرة يهزم ويهزم، وكأنه خلق من ضعف على ضعف، أو أنه ليس مؤمناً من الأساس، رغم أن الأب إيمانويل حين رسمه كاهنا أكد أنه أفضل الجميع. وأنه يأمل أن يتطور نظام الرهبنة وفكر الكنيسة على يديه، أنطونيوس الذي لا ينفك ينهزم أمام الشرير، ويخرج من رذيلة نفسية ليسقط في أخرى، هو المأمول منه تطوير فكر الكنيسة وحياة الرهبنة، فليحفظنا المسيح من الذلل وليحفظ عقولنا في مكانها. هكذا قال قال أنطونيوس في نفسه، بينما باخوميوس يتمتم بمثلها وهو جالس في الكرسي المخصص له بغرفة الاعتراف، هامساً في أذن شماس صغير بالسماح لأنطونيوس بالدخول.

كان الهدوء قد نزل على الكنيسة كما لو أنها رفعت من الملكوت الأرضي إلى ملكوت السماء، وشعر أنطونيوس أن أنفه يتشمم روائح عطرية جميلة، روائح لا تخرجها مباخر الأب باخوميوس ولا عطره المقدس، شعر أن هواء بارداً يملأ صدره وهو يقطع الخطى الوئيدة في اتجاه الغرفة شبه المظلمة، هدوء شديد أعقبته رجفة كهربية مفاجئة انتابت أوصاله، فارتعد معها منتفضاً كما لو أن الشرير يخرج من جسده، "اعترفوا بعضكم لبعض بالزلات وصلوا بعضكم لأجل بعض لكي تشفوا"، "من غفرتم خطاياه تغفر له ومن أمسكتم خطاياه أمسكت" هكذا تمتم بالآيات فور أن أصابته تلك الانتفاضة المفاجئة كما لو أنه يلاحق الشرير ليحرقه بنيران الصلاة، بعدها جثا على ركبتيه أمام الستارة السوداء راشماً علامة الصليب على وجهه وصدره قائلاً:

ـ  باسم الآب والابن والروح القدس إله واحد أمين، أعترف للإله القدير ولمريم العذراء البتول، ولميخائيل رئيس الملائكة وليوحنا المعمدان المغبوط، وللقديس مرقس الرسول، ولجميع الآباء القديسين، ولك يا أبي الروحي، أعترف بأنني أخطأت.

اليوم حلمت بسيدة رأيتها في مركز التحقيق بالدير، فضعفت وتسحب نظري رغماً عني على جسدها، استعذت حينها من الشرير، وطردت وجهها من عيني، لكنني بمجرد أن دخلت في نوم القيلولة حتى رأيتها عارية كيوم ولدتها أمها، فلم أستطع المقاومة، وانساب ماء اللذة على ملابسي، نعم أخطأت يا أبتي، وأنا الملوم، لذاألتمس من مريم العذراء البتول ومن ميخائيل رئيس الملائكة ومن يوحنا المعمدان ومرقس الرسول ومن جميع القديسين ومنك يا أبي الروحي أن تصلوا من أجلي، فأنا حزين من القلب، وأعتزم تحسين حالتي في المستقبل، وبكل خضوع الآن ألتمس العفو من الله، والغفران والتحليل منك يا أبي.

بعدها نهض باخوميوس من على كرسيه ورسم بالصليب على وجه أنطونيوس ثلاث مرات قائلاً:

ـ انهض مغفورة لك خطاياك.

لكن أنطونيوس الذي نهض لم يتحرك من مكانه، وظل واقفاً كتمثال يتطلع إلى جدارية المسيح البارزة أمامه، المسيح المصلوب الأبدي في هذا العالم من أجل تخليص الأدميين من خطيئة أبيهم أدم، من ذلته الأبدية التي جعلت ذلاتهم لا تنتهي منذ خلق الله العالم حتى وقتنا الراهن، أبناء الخطيئة يتناسلون في الخطيئة من مولدهم حتى مماتهم، دماؤهم الخاطئة تسري في العروق التي لا تطهرها صلاوات ولا تراتيل، "تقدست في السماوات يا أبانا".

تطلع باخوميوس في وجهه سائلاً:

ـ هل تريد الاعتراف بأمر آخر؟.

انتبه أنطونيوس من شروده قائلاً:

ـ نعم ... الكلب السماوي لم يعد يأتني.

******

5

لا أعرف ما الذي يجعلني أعكف على الكتابة في مثل هذا الوقت من الليل، فكل الكائنات نائمة، الجميع غارق في نوم عميق، نوم لا يتناسب مع كونهم رهبان أو مقيمين في رحاب المسيح، طالبين بركة أمجاده السماوية، وكأنهم بشر عاديون لا يطاردهم كلب السماء شاعرين أنهم أبعد ما يكونوا عن الخطيئة، وأن عليهم أن يبتهلوا إلى المسيح كي يغفر لهم ويقبلهم في ملكوته، لا أعتقد أن ثمة فرق بينهم وبين هؤلاء اللاهين في ملذاتهم، المطمئنين بجهلهم لرحمة السماء، وكأني وحدي الذي يطارده كلب السماء العتي، فكلما أغمضت عيني شعرت بأقدامه الثقيلة تضرب الأرض في اتجاهي من بعيد، بينما صوته اللاهث ينبئ عن أنياب بارزة ووجه غاضب، أشعر باندفاعة صدره للأمام وارتكاز عجزه على أقدامه الخلفية في تأهب واضح للقفز، ينتابني الفزع من أن أصبح في متناول أسنانه ومخالبه، فأنطلق في الفرار من أمامه، دون أن أدري إلى أين تأخذني أقدامي، غير مبال بحفر أو سدود أو جدران بيوت أو صخور جبال، مصطدماً بكل ما في طريقي، لا يسيطر على غير حتمية الجري والهرب قبل أن يلحق بي، صارخاً في كل من حولي أو يرد في ذهني بالنجدة، صارخاً في الجميع بالنهوض من ثباتهم من أجلي، لكن الجميع يغط في نوم عظيم وبضمير مستقر لا أعرف من أين تحصلوا عليه، وكأن الفناء قد سيطر على الوجود كله وتركني وحدي أجأر فيه بالنهوض، فأظل ألهث وألهث إلى أن أنتفض من نومي متمتماً باسم المسيح الذي وسعت رحمته كل شيء، أردد اسمه وما يرد على قلبي من أيات لطرد المردة والشياطين، أظلأتمتم وكأنني أطردهم بعصاة الله من أمامي، حين أشعر أنني صرت في مأمن من الخوف والفزع الذي تلبسني من رؤية وسماع صوت الكلب السماوي تسري في نفسي الراحة وأشعر بالخدر يغلب على أعضائي، فتهدأ أنفاسي ويبدأ النوم من جديد في مداعبة أجفاني، دون أن أدري أن كنت مستيقظاً لا يرغب في النوم، أم أنني نائم لا يرغب في الاستيقاظ، وأن حياتي كلها ليست أكثر من حلم طويل أدور فيه، حلم أتصور في بعض لحظاته أنني مستيقظ وفي بعضها الآخر أنني نائم، وما بين النوم والصحو أشعر أن كلب السماء يطاردني من مكان لأخر، ومن عالم لآخر، وأنني الهارب الوحيد من حظيرة الايمان.

ـ أنا يسوع المسيح.

هكذا قالها بوداعة وهو يرسل عينيه نحو السماء، رأيته كما هو دون أنوار أو هالات، دون ملائكة تحفه أو خنازير يطاردها، بدا لي كشخص عادي للغاية، بشري تماماً، بشري لدرجة أشعرتني أنه غير قادر على الإتيان بكرامة واحدة وليس معجزة كبيرة، "أنا يسوع"، هكذا كررها من جديد، وحين نظرت في وجهه مستطلعاً أو مستنكراً، رفع سبابته نحو السماء سائلاً "ألا تؤمن بي"، لم أعرف بما أجيبه، فلم أتوقع في يوم ما أن ألتقي بالرب الإله، أوأن أجد نفسي في مواجهته وعلى أن أجيب على أسئلته، كان من المفترض أن أركع على ركبتي واضعاً يدي أمام وجهي قائلا "نعم أؤمن بك يا رب ، أؤمن بمعجزاتك وقدرتك على إحياء الموتى وشفاء المرضي وغفران الذنوب"، لكنني لم أفعل، فقط وقفت متسمراً في مكاني كصبي أبله، حينها ابتسم في وجهي "لن تدخل حظيرتي مالم تؤمن بي، لن تدخل ملكوتي، فجنتي للمؤمنين"، ثم رفس الهواء بإصبعه فاختفى في السماء.

 هكذا رأيت ياسوع، وجدته أمامي دون أن أدري أين ولا متى، لا أستطيع أن أتذكر علامة واحدة تدلني على المكان أو تخبرني في أي ساعة كنت من الليل أو النهار، لكنني مؤقن أنني التقيت به، وأن المفاجأة أمسكت لساني، وأنني كنت أتمنى أن أركع أمامه لكنني لم أفعل، بعدها سمعت أقدام الكلب الكبير ينطلق من عقارته، شعرت بلهاثه المتوالي وصوته النابح وقوة اندفاعه، شعرت أن الأرض ترتج من تحتي وأنني لا بد أن أهرب من أمامه، فتركت لأقدامي العنان.

سنوات تلو سنوات وأنا أهرب وأهرب، ولم يجد دخولي الدير في شيء، حتى الآن لم أستطع الوصول من جديد إلى الله كي أركع أمامه طالباً الغفران وحبس كلبه الكبير عني،  وبمجرد أن أغفو أو أغمض عيني أجدني في موجهة ذلك الغاضب الأبدي، فأنطلق في الهرب وينطلق في أثري، لا يمنعه شيء ولا يعيق حركته شيء، وكأنه خلق من صخر أو حديد، خلق من نار مشتعلة لأجل مهمة واحدة، ولولا أنني لم يكتب لي الموت بعد لكنت قد مزقت منذ أمد بعيد بين أنيابه البارزة كخنجرين متدليين في جرابيهما،ولا أعلم أذلك رحمة بي أم جزء من عذابي، غير أنني أوقن أنني الشقي الوحيد الذي عرفته السماء، فلم أسمع بأحد تحدث عن مطاردة كلبها له، ولم أر أحداً مستيقظاً في الليل أو حتى النهار بسببه، فالكل يغط في نوم عظيم متواصل، كأنهم ينعمون من الآن برضا الله في ملكوته العظيم.

أنا الآن أسعى للهروب من النوم، الهروب من المطاردة التي لا تنتهي، والرعب الذي لا يتوقف، أسعي للتخلص من مخاوفي وعذاباتي، ملقياً بكل ما يعن لي من صور وأفكار على وجه الورق، ليخرج الكلام كيفما اتفق، وكأنني لست أكثر من محض آلة كاتبة، آلة تسجل ما يملى عليها من كلمات، إلى أن يحين وعد السماء،إما بموتي أو بانتهاء عذابي، وشعوري براحة وطمأنينة الغفران..

********

6

كان الدير في هذه الآونة يمر بحالة من الاضطراب، فقد تنيح الأب إيمانويل، وتصارع على الرئاسة من بعده ثلاثة من كبار الأساقفة، لو كان أي منهم منفردا لحقت له الرئاسة دون منازع، لكن في ظل وجود الآخرين فالأمر بالغ الصعوبة، خاصة وأن ايمانويل لم يرشح أياً منهم، وترك الأمر للتوافق بين الآباء، وحكمة المطرانية في الاختيار، غير أن المطرانية نفسها كانت منشغلة بمرض البابا في الشمال، وكانت العيون تتطلع نحو من سيصل إلى كرسي الكرازة، فلم تكن لدى أحد الرغبة في أن يشغل نفسه بالتفكير في ضبط أمور دير على يسار العالم، حتى ان الكثيرين كانوا ينسون انتماءه إليهم، رغم أنه من أقدم الأديرة التي عرفها الشعب، ومن أكثر البقاع التي شهدت الصراع على الرب في القرون الأولى، وضمت مقابره جثامين قديسين وآباء كاد بعضهم أن يكون كروزاً للديار، لكن الزمان تغير ولم يبق شيء على حاله.

حين نهض الكاتب من سريره كان الغروب قد كسا الدير بقشرة ذهبية جميلة، فألقى من شباك غرفته نظرة على قلالي الرهبان البعيدة، وجدها تذوب في حمرة شمس الأصيل، وأيقن أن جرس الكنيسة سوف ينطلق بعد قليل معلناً عن قداس الخامسة، كل شيء في الوجود يتم بعد هذا القداس، الرحمة والعذاب، المغفرة والشقاء، الحب والكراهية، الوصول إلى الله والغياب عنه، كل شيء يحدث في الأرض والسماء على قدم وساق في لحظة واحدة، الملائكة تتنزل ببركات أم النور على المؤمنين وغير المؤمنين، والشياطين تأوي إلى أجساد الخنازير والكافرين، فما الذي تخبئه الليلات السوداء؟

تساءل الكاتب في نفسه موقنا بما يراود قلبه من خوف، شاعراً أن ثمة خطبا جليلا إن آجلاً أو عاجلاً سيقع على الأرض، تمتم باسم المسيح طالباً الرحمة من أم النوم، ومغلقاً نافذة غرفته متجهاً إلى مكانه الأثير، مجموعة من قطع خشب الكافور والجازورين التي حولتها يد المعلم  نقولا إلى مكتب خشبي صغير، ألح عليه كثيراً حتى أقنعه بجعلها مكتب له، لم يكن نقولا يريد أن يزج بنفسه في مساءلات لا يعرف إجابات لها، قال أنه لا يستطيع أن يضع منشاره في قطعة خشب لم يأته أمر بها من الأب استيفان المسئول عن ورش النجارة والحدادة وأعمال البناء والطلاء في الدير، وكان من الصعوبة على الكاتب أن يقنع استيفان بحاجته لهذا المكتب في مخزن الكتب والدفاتر القديمة، في النهاية أمكنه أن ينقل لنقولا خبر غياب استيفان مدة أسبوع كامل عن الدير، فقد سمع ان المطرانية في أسيوط أرسلت للاستعانة به في تجهيز احتفالاتها بميلاد السيد المسيح، كان الجو قارس البرودة والكاتب يلح على المعلم العجوز أن يبدأ في عمله قبل أن ينتهي الوقت ويفاجئهما استيفان بحضوره، في النهاية وافق نقولا على رجاءاته شريطة ألا يعلم أحد بسر المكتب.

حين وضع ملاك مكتبه في الحنية الأخيرة للمخزن أحضر عددا من قوالب الطوب وجعلها كرسياً له، قال أنه الآن أصبح بمثابة قس، فهؤلاء هم المسموح لهم بتعليم الشماسة والرهبان الجدد، المسموح لهم بالجلوس على المكاتب وارتداء المسوح السوداء والتجول تحت أشعة الشمس في أي وقت، كان ملاك يشعر أن نقولا قد رسمه اليوم قساً، وأن شماسته هم الدفاتر والكتب القديمة، وعليه من الآن أن يتفقد أحوالرهبانه ويعد تقريراً يومياً عن حياتهم، عليه أن يعيد تنظيمهم وترتيبهم واستخراج أهم الحوادث من صدورهم، قال أنه يمكنه أن يؤلف كتاباً خاصاً عنأباء هذا الدير، وأن ينسخ منه مخطوطات يقدمها لرؤساء الدير عسى أن يحظى برضا أي منهم، كانت تطلعات ملاك واضحة وكبيرة، ولم يكن ينظر خلفه على أيقونة المسيح التي وضعها على الجدار منذ عامين، لكنه حين رفع نظره إليها ورأى الدماء تسيل من معصم السيد أدرك أن الحياة ليست سوى فخ كبير.

في الطريق الى الكنيسة تعثر بكومة الخشب التي تركها نقولا دون تنسيق أو اعتناء، لا يعرف ما الذي جعل الآباء يتركون مخزنه الكبير وما به من كنوز في طرف ناء من الدير بجوار ورشتي الخشب والحدادة، أمر مؤسف أن يضطر كاتب يتعامل مع الدفاتر والأقلام إلى التعامل مع الفؤوس والمناشير ومطارق الحديد، نفض التراب عن ملابسه وذهب إلى باب الكنيسة المفتوح للجميع، كان السكون واضحا كسحابات تتنزل من السقف المرسوم بصور الملائكة والقديسين، وضع نفسه في أقرب صف ورفع يدهنحو وجهه وصدره متمتماً بالصلاة، تلك التي سرعان ما انتهت كلماتها وجف حلقه فلم يعرف بما يمكنه أن يطيلها، أغمض عينه فترة وثبتها على أيقونة للعذراء فترة أخرى، وفي النهاية مسح وجهه وهم بالخروج، لكن الأرض انشقت عن الأب يوساب واقفاً أمامه، لا يعرف لم ارتجف  حين رآه، حاول جاهدا أن يتجنب عينيه الحجريتين لكنه لم يستطع فذهب نحوه مستسلماً ، وبدون كثير من اللف والدوران سأله يوساب:

ـ لم ذهب أنطونيوس إليكم اليوم؟

هز ملاك كتفيه بما يعني أنه لا يدري، لكن عيني يوساب لاحقتاه بحدة، فطأطأ رأسه قائلا:

ـ كان مطلوباً للتحقيق.

حكي ملاك ما جرى في الصباح، مؤكداً أنه حتى الآن لا يعرف السبب بالتحديد، وإن كانت دميانةفيما يبدو من ملامحها غاضبة عليه.

تمتم يوساب بكلمات لم يسمعها ملاك، ثم أزاحه بذراعه قليلا كي يمر من أمامه هامساً في أذنه:

ـ أبلغني بالجديد.

تمتم ملاك بما يفيد أنه سيفعل، وخرج مسرعاً نحو مكتبته في ذلك المكان النائي على الهضبة،حيث ورشتي النجارة والحدادة،وحيث تطل صخرة من جدار القلزم لتنام الدفاتر والكتب القديمة أسفل جناحها الواسع.

***

7

تأثر كل من في الدير برحيل الأب إيمانويل، وأغلقوا أبوابهم على أنفسهم ثلاثة أيام، لا يخرجون من صلواتهم لأجل ذلك العجوز، فقد كان بمثابة قديس كرس حياته للدعوة والسلام، كان منهاجه أن يغفر الجميع لبعضهم مثلما غفر المسيح ليهوذا.

ـ من لم ير القذى في عينه فإنه لن يعرف الحكمة من الخشبة التي في عين أخيه.

هكذا كان يردد في عظاته ملقياً اللوم على كل من يشكو أو يتذمر، مطالباً الجميع بالصبر على الآلام مثلما فعل السيد، وأن يكون اليقين واضحاً بأنه كلما زادت الآلم كلما زاد الخلاص اقتراباً. كثيرون كانوا يبكون أمامه طالبين أن يصلي من أجل خطاياهم، وكان يسهر الليل في غرفته على سريره الخشبي وكرسيه الجريد يبكي من أجل الخطايا التي على الأكتاف، وظل في ليلة يبكي حتى ظهرت له العذراء بجلاء في طاقة غرفته، كانت بهية وجميلة وتشبه الأيقونات القديمة، كانت ابتسامتها أوضح ما رأى، ولم يستطع أن يفعل أكثر من النظر مبتسماً نحوها بينما الدموع تنهمر من عينيه، فأومأت برأسها كأنها تخبره برضاها عنه طالبة منه العودة لاستكمال صلاته.

لم يعلم بهذا الأمر سوى قلة من الأباء في الدير، أغلبهم تنيح دون أن يفتح فمه بشيء، وإن ظل طيلة الأيام والسنوات التي قضاها فيما بعد يحمل في قلبه قداسة كبرى تجاه إيمانويل الطيب، ذلك الذي جاء من العاصمةالبعيدة ليقيم في دير ناء قديم ، لكنه سرعان ما تقدم على الجميع، وصار موضع الثقة، والمؤتمن على كل الأسرار، خاصة وأن كثيرا ممن تحدثوا عنه في القلالي المقدسة أكدوا على صدق رؤياه، وكأنهم جميعا كانوا بحاجة إلى معجزة يمكنها أن تعيد لدير القديس جبرائيل الملاح بهاءه وحضوره القديم، فخفت الأقدام في الليل لتنزل من الهضبة إلى السفح العميق، مترجلة تارة وراكبة الحمير والجياد وعربات الكارو والقطارات والمعديات الحديدية االتي تربط بين ضفاف وفروع النيل، لتصل في النهاية إلى رأس الكرازة في الكنيسة الكبيرة، مقسمة على صحة الرؤيا وصدق الإيمان وحسن السيرة، وليهز صاحب الكرسي الرسولي رأسه في النهاية قائلاً :

ـ لا ضير من لقياه.

كان ذلك بمثابة أكبر انتصار تحقق في القرون الأخيرة للدير العجوز، فقد شعر الجميع أنه آن الأوان كي يكونوا محط أنظار العالم، وأنهم عما قريب سينتقلون فرادى وجماعات إلى حيث الكرسي الرسولي في المدينة الشهيرة، ومن ثم تزينت الأقبية بأيقونات جديدة، وأمر رئيس الدير الأب صاموئيل الشكاك بتغيير الزيت المقدس في الأواني، وشراء عدد من المباخر  والقناديل والمشكاوات، وتغيير رخام المذبح وطلاء جدرانه بملاط جديد، وعلى مدار أربعين يوماً أقام الرهبان تقدمة للمسيح، واجتمعوا في صلاواتهم على قداسة الأب إيمانويل ورسامته قديساً من قبل الكرسي الرسولي، لكن المساءات أخذت تجر بعضها، والفتور تسرب إلى الهمم والقلوب يوماً بعد يوم، وطال الانتظار دون أن يأتي أحد من العاصمة لينظر في أحوال الدير أو حتى يسأل عن إيمانويل الطيب، وكأن أحداً لم يصدق أن العذراء يمكنها أن تظهر لرجل في كوة غرفته بدير على هضبة نائة، فيحادثها وتحادثه طيلة الليل، ثم تطلب منه أن يكمل صلاته من أجلها، أجلها فقط.

حين طال الوقت وبهتت وجاهة أن يكون من بين أبناء هذا الدير قديساً يتحدث باسمه في المحافل ويعيد له وهجه القديم، قرر الأب صاموئيل الشكاك أن يرسل واحداً من رجاله ليسمع ويعلم ما يجري في أروقة الكرازة ، تلك المغلفة جدرانها بالأسرار ليل نهار، فاستدعى الأب هيدرا وكان قساً بليغاً وقارئاً مطلعاً على القوانين الكنسية في رسوم الأباء والقسيسين، فنزل من فوره من قمة الجبل متبعاً النجوم على مدق بالكاد يتسع لقدمين يمران من عليه في آن واحد، وقف هيدرا بشموخ على أبواب الكردينالات سائلاً عن سر تأخر رسامة صديقه إيمانويل الطيب قديساً، لكن العيون كلها كانت تطرق إلى الأرض دون إجابة واضحة، لم تكن في الأفواه كلمات شافية فيما يخص الطيب، البعض نظر بسخرية لا معنى لها، والبعض قال أن الشيطان يمكنه أن يتمثل بأم الإله لكنه لا يستطيع عمل ذلك مع الإله ذاته، وشعر هيدرا أن ثمة خلافات تطل برأسها من دير الملاح لتصل إلى جدران الكنيسة الأم، خلافات تشبه فتنة أريوس، لكنها هذه المرة ستكون عن العذراء وطبيعتها، فآثر هيدرا أن ينسحب من بين الردهات المعبقة بروائح البخور المقدس مطأطأ الرأس كاسف البال منكسر القلب، لكنه عاقد العزم على أن يبلغ الأب صاموئيل بما رأى وسمع.

كان على الدير ورهبانه أن ينتظروا مرور عشر سنوات كانت متبقية في عمر صاموئيل الشكاك كي يجتمع الآباء ليلاً ليعلنوا اختيارهم بالاجماع الأب إيمانويل رئيساً لهم، وأن يرسلوا باسمه وحده فقط إلى الكرازة، وليس بثلاثة أسماء كما هو المتبع، وكان الجميع يتوقعون أن يخوضوا معركة ضد الكرازة التي رفضت أن تعيد لديرهم مكانته وبهاءه من خلال رسامة صديقهم الطيب قديساً تابعاً للعذراء، لكن احتشادهم للمعركة انتهى فجأة حين جاءهم رسول الكرازة معلنا موافقة الآباء الكرادلة على رسم إيمانويل الطيب رئيساً لدير الملاح.

****

8

يقف دير الملاح شامخاً كمجموعة من القباب المتكاتفة على هيئة قلعة قديمة، هكذا يراه الصاعدون لذلك المنحدر الصخري الرابط بينه وبين الوادي الفسيح، فقد أرادت مشيئة الرب لخطى جبرائيل الملاح أن يصل إلى هضبة عالية يربطها مخر سيول قديم بالوادي الرملي المنبسط أمامها، هنا رأى الملاح أنه قد وصل أخر الدنيا، وأن بإمكانه أن يضع رحله البسيط عن كتفه ويأوى إلى بطن الجبل العالي، مازالت المغارة الصغيرة التي اتخذها الملاح قلاية له مزاراً لكثير من رواد الدير، خاصة أن الآباء درجوا على تنظيفها وتزيينها وترتيب أوضاعها لتكون خلوة قدسية لكبار الزائرين، فلا يدخلها إلا رئيس الدير وبعض المسموح لهم بإذنه.

كان الامبراطور ديسيوس حين تولى عرشالامبراطوريةالرومانية قد رأى أن المسيحية اجتاحت البلاد، حتى أن كثيرا من جنوده دخلوا في حظيرة إيمانها، فقرر إعادة إحياء العادات الرومانية القديمة،وإلزام كل من في الامبراطورية بذلك، فأصدر مرسوماً بتقديم الأضاحي للإلهة، وأمر موظفي موظفي الامبراطورية بمنح كل من يقدم أضحية شهادة تفيد ذلك، فتنافس الجميع في الذهاب إلى المعابد وتسجيل أسمائهم والسجود للآلهة وتقديم الأضحيات لها، البعض فعلوا ذلك بحماس ليقروا أنهم ليسوا مسيحين ولم يكونوا يوما من بينهم، والبعض كان يذهب كما لو أنه ذاهب إلى حتفهكي يحصل على شهادة من الموظفين، لكن ذلك لا يعني أن الجميع استسلم للأمر، فهناك من جعل خدمه يقومون بالذبح نيابة عنه، وهناك من قام برشوة الموظفين والحصول على شهادتهم، لكن ثمة من قرر أن يفر بدينه الى أبعد مكان في العالم، كان من بين هؤلاء جبرائيل الملاح الذي رفض أن يحرق أناجيلهأو يطلق البخور في المعابد، وبلغت به الشجاعة أن فتح بيته لأصدقائه كي يصلوا فيه، فلما جن الليل دخل عليهم الجنود وحملوهم إلى السجن، قضى جبرائيل ليلته يبتهل إلى الرب أن يخرجه من محنته، وفي الصباح أعلن للجنود أنه سيطلق البخور ويقدم الذبائح، فتوقف التعذيب عنه، وتركوه يرتدي ملابسه ويذهب بصحبتهم إلى المعبد، لكنه في الطريق شعر أن إيمانه ليس حقيقياً، فأخذ الندم يجتاح قلبه،وكلماتقدم خطوةإلى المعبد صرخ في داخله:

ـ ربي أني لا أعبد جوبتر ولا أعظم ديسيوس، ربيإني أريد أن أكون عبدا مخلصا لكنيستك في أي مكان.

حينها سمع صيحة تأتيه من بعيد

ـ أهرب يا جبرائيل.

سمعها قوية ومدوية دون أن يعرف مصدرها أو يرى صاحبها، ولم ينتظر كي يراه، فد وجد ساقيه تقفزان كأنما أصابهما الشيطان، ظل يخرج من شارع إلى أخر ويعبر من ممر إلى غيره، ويدخل من السوق إلى الشاطئ ليتوه بين العابرين في الميناء الكبير، أمضى ليلته الأولى لا يعرف إلى أين يذهب، موقنا أنه مقتول لا محالة، وأنه لابد له من الخروج بعيدا عن المدينة وجندها، سحبته أقدامه إلى الطريق الذي اعتاده لجلب الملح مع أبيه من البحيرات، فسلكه عسى أن ينتهي به إلى مكان يختفي فيه عن العيون، لكن رحلته طالت لسنوات دون أن يعود إلى المدينة التي فارقها في هذا الصباح.

كانت الكلمات تتوالى من قلم الكاتب وهو يدون ملاحظاته عن الدير، متذكراً المخطوط الذي وجده ضمن الممتلكات التي آلت إليه بعد رحيل إدورد حنا، ذلك الذي تحمل مسئولية تربيته وحده بعد رحيل الشماس ميخائيل في ليلة شتوية باردة، ورغم أن الطفل عرف باسم ملاك ميخائيل إلا أن الجميع كان يعلم أن إدورد هو والده ومعلمه وكل ما يخصه في الدنيا، نشأ ملاك لا يعرف أبا سوى ميخائيل، ولم يسأل نفسه يوماً عن والده ولا أمه، وحين سأل إدورد ذات يوم أجابه أن الرب له معجزات في كل شيء، وأن حياته في حد ذاتها هي إحدى هذه المعجزات، فقد مات أبواه على باب الدير ولم يدخلاه، لكنه دخله بفضل إرادة الرب، فقد هبت الريح وفتحت باب الدير، فنهض ميخائيل من غرفته المجاورة كي يغلقه، حينها سمع صراخه ووجد أبويه أسلما الروح بجانبه، فحمله وعاد به إلى الداخل ليخبر الأباء بما حدث، ولم يجدالأب استيفانوسرئيس الدير وقتئذ سوى أن يحكم بأن اللقية لصاحبها، حتى وإن كان خادما لبوابة دير قديم.

تعلم ملاك من إدورد المهنة التي وجده عليها، تعلم منه ما لم يتعلمه الكثيرون من أقرانه، فقد علمهالقراءة والكتابة ورسم الخط قائلاً أنه لا يوجد كاتب لا يعرف القراءة ولا الكتابة ولا يكون ذا خط حسن. كان إدورد يعشق مهنته ويرى أنها أفضل سر تقوم عليه الكنيسة، لكنه لم يكن يصرح بهذا لأكثر من أذني ملاك، وكان الأخير يعتبر ذلك نوعاً من المداعبة والترفيه له في الليالي المظلمة الطويلة، وأحياناً كان يسمع الكلام كما لو أنه يخرج من أعماق واحد من ملائكة الرب المعنيين بجمع الأعمال الخيرة، عاش معه الحقيقة التي لم يعشها غيره، وهي أن مخزن الكتب والدفاتر القديمة هو قدس الأقداس، وأنه الكاهن الأكبر الذي لا يحق إلا له وحده دخول هذا المكان ومعرفة أسراره، كان يتعامل مع المخطوطات كما لو أنه يتناول من جسد المسيح، بحرص شديد كان يحمل الدفتر ويضعه فوق أخيه، وبحرص أشد يخرج الكتب من الصناديق الخشبية القديمة، تعلم تصنيف المخطوطات بحسب السنين والرؤساء المتعاقبين على الدير والبطاركة المتوليين لكرسي الكرازة، وأتعبه البحث كثيرا من أجل إكمال الخانة الأخيرة، فقد تغاضى الكتبة في كثير من العصور عن صرامة إثباتها. وأيقن ملاك أنه كان من الممكن لهم بقليل من الجهد أو كثيره أن يضبطوا عملهم ويكملوا التصنيف الناقص، لذا قرر أن يتصدى لإكمال ما لم يكتمل، وفي أثناء جرده لما اشتمل عليه المخزن من أعمال ودفاتر كان عليه أن يطالع ما تقع عليه عيناه، فوجد نفسه أمام فصول كاملة من تاريخ الدير الممتزج بتاريخ الرب.

****

9

في الصباح نشطت الأقدام الخفيفة والثقيلة في اتجاه الدير صعوداً ونزولاً، أغلبهم كان يقول لنفسه "لم لا أذهب وأحضر القداس وأمر على عيادة القديس أنطونيوس"، لم تكن عيادة بالمعنى المعروف لدى الجميع، لكنها مكان فسيح يتجمع فيه المصابون منتظرين بركة أو مسحة زيت القديسين من يد أنطونيوس، فقد شاع لدى الجميع أن الأب إيمانويل أعطى سره لتلميذه، فانتقلت البركة من يده وقلبه إلى يد وقلب أنطونيوس، بدأ ذلك قبلما يتنيح إيمانويل بأسابيع قليلة، فقد وقف الناس منتظرين أن يخرج عليهم رئيس الدير ليلقي موعظته الأسبوعية، لكن إيمانويل الذي خرج متوكئاً على كتف أنطونيوس لم يستطع الوقوف، ولم يستطع الكلام، فأشار نحوهم بصليبه ثم همس في أذن أنطونيوس أن يعظهم، كان ذلك مفاجأة له، فلم يكن يتوقع أن يكون صاحب الموعظة الكبرى، ولا أن يكون نائباً عن أستاذه في يومه المشهود، نظر بوجوم لأستاذه، لكن الآخر هز رأسه مبتسماً وهو يضرب بأنامله الواهنة على صدره، طالباً أن يجلسه على مقعد قبل أن يبدأ في كلامه.

شعر أنطونيوس لوهلة أن الدنيا تدور به، وأن كل العيون تكاد أن تخترقه،ودماء رفاقه من القساوسة والشماسة تغلي أمامه في عروقها، لكن أذنه التقطت تمتمات رددتها شفتا إيمانويل، لا يعرف كيف صار لأذنه كل هذه الرهافة كي تتسمع الهمهمات التي لم تخرج من فم الرجل، ظل ينصت حتى غامت الدنيا من حوله وانمحت صور البشر، صارت هضبة الملاح بمثابة سفينة تقف على موج هادر من تحتها، مرر يديه في الهواء مثلثاً حتى هدأ الموج، مسح بأنامله على الوجوه فاستكانت السفينة في مكانها، وأشرقت الشمس عالية في جوف السماء، حينها مرت سحابة مكتوب عليها رسالة بطرس الرسول الأولى، فرفع صليبه نحوها قائلاً:

ـ اصحو واسهروا، لأن إبليس خصمكم كأسد زائر، يجول ملتمساً من يبتلعه، فقاوموه، راسخين في الإيمان، عالمين أن نفس هذه الآلام تجري على إخوتكم الذين في العالم، وإله كل نعمة الذي دعانا إلى مجده الأبدي في المسيح يسوع، بعدما تألمتم يسيرا، هو يكملكم، ويثبتكم، ويقويكم، ويمكنكم، له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين. أمين.

رأى القلوب وهي تردد قبل الأفواه "آمين"، رأى إيمانويل يشد من أزره وعيون الحاقدين تنطفئ عنه، فابتلع ريقه وأخذ يعظهم بما يرد على قلبه وعقله، لم يكن يعرف ما الذي يقوله، ولا ما الذي عليه أن يرتب لأن يقوله، فقط كانت الكلمات تخرج من فمه هادئة وواثقة، كأنها خيط تريكو يتسلل من جسد قميص صوف، أخذ يعظ حتى شعر أن الذين حوله ينفطرون من البكاء، فرفع يديه لاهثا بالدعاء من أجلهم.

لم يكن يدرك في تلك اللحظة أن القلوب قد آمنت به مثلما آمنت بأستاذه من قبل، فتركهم ونزل من على الحجر الذي اعتلاه ليراهم، لكنهم لاحقوه مطالبينهببركة زيت القديسين، كان يهتف فيهم أنه لا يستطيع، لكن إيمانويل هز رأسه مبتسماً وهو يمده بقنينة الميرون، فرفعها بطمأنينة قديس استمد قواه لسنوات من محبة العذراء، لكنه حين استدار إلى الشعب ليباركه وجد أمامه طفلا مصابا بالحول والخرس، فاستحضر المسيح في قلبه ونظر إلى السحابة التي تحركت من على رأسه إلى زاوية الجبل، علم أن الأمر أوشك على الانتهاء، لكنه طالبهابالانتظار قائلاً:

ـ لم كل هذه العجلة، وهذا المسكين يقف عاجزاً، لا يبصر جيدا ولا يتحدث، وأنت قلت: تعالوا إلي أيها المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم. فتحنن عليه يا الله برحمتك، وأزح عنه حمله، لأنك الذي قلت، ونحن الذين أنصتنا إليك، فهل تخذل المساكين الذين صدقوك في مثل هذا اليوم؟.

تجاوزت السحابة قمة الجبل وأنطونيوس يرش رؤوس الحاضرين بالزيت المقدس، ماسحاً على رأس ذلك المسكين طالباً له الشفاء، موضحاً أن الدعاء ببركة قديس العذراء إيمانويل الطيب، وأنه لا يحق له أن العظة تاركا الرجل غير مستريح في جلوسه، فتراجع الناس عنه وهو يكاد يحمل إيمانويل من أسفل ذراعه، ليمشيا حثيثاً أمام العيون التي تنظر نحوهما ببطئ مماثل، كأنما تشك في الموعظة وجدواها، والدعاء ونفعه، فلو أن لأي منهما القدرة على إبراء أحد من مرضه لأبرأ إيمانويل نفسه مما أصابه، لكن الله يشفي ويمرض وله كل الأمر.

مر ثلاثة أسابيع على الأقل قبل أن يظهر الطفل ووالده من جديد باحثين عن أنطونيوس كي يبلغاه أن الله استجاب لدعائه، لكن أنطونيوس كان قد ثقل عليه الحزن، فأغلق على نفسه قلايته، حابساً إياها في صوم طويل من أجل أستاذه، ظل الرجل يسأل ويبلغ كل من يسأله بشفاء ابنه، هذا الذي أصبح يتحدث وينظر كأنه لم يمرض من قبل، ورغم أنه لم يصل إلى أنطونيوس إلا أن حديثه كان قد وصل إلى رئيس الدير الجديد، فوقف لا يعلم ما الذي يمكن أن يفعله تجاه ما سمع، لو رفضه لفتح من جديد العديد من الأسئلة عن قداسة إيمانويل وعدم الاعتراف بها، ولو لم يقف أمام هذه الخرافات لانتشرت ولأصبح أنطونيوس في نظر الجميع قديساً.

ـ وما لم يبلغه أستاذه فسوف يبلغه هو.

 هكذا حدث جورج المنحني نفسه في غيرة واضحة من صديقه القديم، وقرر أن يتخلص منه ومن تلميذه في ضربة واحدة، أمر بتخصيص مكان بجانب ورش الحدادة والنجارة ليلتقي فيه أنطونيوس بمرضاه، وحين يفشل في تقديم رعاية حقيقية لهم فإن هؤلاء المساكين سيبحثون عنه في كل مكان ليلعنوه، وبدلاً من القول بسر الأستاذ الذي انتقل إلى تلميذه فإنهم سيتحدثون عن الهرطقة التي مارسها هو وأستاذه.

كان ذلك ما تفتق عنه ذهن يوساب العجوز فأقنع به الأب جورج المنحنى ليتخلصا من حضور إيمانويل وقداسته، لكن الرياح لم تأت بما تشتهي السفن، فقد نهض أنطونيوس لمهمته الجديدة، تاركاً عمله في نشر كتب الآباء والقديسين وبيعها لرواد الدير من الأقباط والمسلمين، كانت المهمة بسيطة وفقيرة للغاية، فقد منحوه مكاناً صغيراً وضعوا عليه لافتة أصغر كتبوا عليها "عيادة القسيس أنطونيوس"، وأحضروا له مكتباً وعدة أكياس من القطن والمكركروم وزجاجات الكحة وبعض المضادات الحيوية، في البدء رفض أنطونيوس استلامها لأنه لا يعرف كيفية استخدامها من الأصل، لكن يوساب نشط في محاصرته، آخذا في توسيع دائرة الحديث عن سر إيمانويل وقدرات أنطونيوس في العلاج، وأجلس الطفل وأباه على بوابة الدير كي يشرحا للناس كيف أصبحت حالته بعدما دعا له أنطونيوس ، هكذا وجد الأخير نفسه محاصراً من قبل الجميع كي يجلس في عيادته، فخلع جبته وارتدى بلطو أبيض على قميصه الداخلي وجلس خلف المكتب ينصت إلى شكوى المرضي ويمنحهم علاجاً لا يعرف دواعي استخدامه، لكنه كان يتمتم باسم الأب والابن والروح القدس كلما هم بإعطاء أحدهم شيئاً، ويظل طيلة الليل باكياً نادماً على ما يفعله بهؤلاء المساكين الذين وثقوا فيه، طالباً عفو الرب عنه وعنهم في آلامهم العظيمة، ولدهشته ودهشة يوساب والمنحنى أن الأدوية كانت تشفي الناس، ولم يشتك أحد منها أو يدعو عليه، بل لهج الجميع بالدعاء له، مما نقله من قس لا يعرفه غير الرهبان إلى رجل يجزم الجميع بمعرفته في الطب.

وقف أنطونيوس يستقبل رواد عيادته أقباطا ومسلمين، فقد زادت شهرته بعد أسابيع من وقوفه كبقال أمام دكانه الصغير، لم يكن برفقته غير الشماس أبانوب الذي التحق بالدير منذ شهور، وكانت مهمته أن يأخذ من الجمهور البركة التي تتنوع ما بين المال والهدايا العينية كالقمح والذرة، وفي بعض الأحيان كانت تصل إلى بيضة صغيرة، ولم يكن أنطونيوس يرفض شيئاً، أو يضغط على أحد بشيء، ونهر أبانوب حين رفض ذات يومأن يأخذ من امرأة حزمة فجل، كان أنطونيوس مؤمنا أن البركة ضرورة، وأن الناس لابد أن يتعبوا في شيء كي تتعب السماء من أجلهم في أشياء، كان يؤمن أن الحياة مشاركة بين الآلهة والبشر، ولابد أن يفعل ابن الانسان ما يجعل الآلهة تقدم على مساعدته، لكن لا ينبغي تكليف ابن الانسان بأكثر مما يطيق، لأن ما يقدمة من بركة للآلهة لا ينفعها بشيء، وهي غير محتاجة إليه، ويمكنها بدونه أن تفعل المعجزات كلها، لكنها ترغب في أن ترى عزمه ورغبته وإصراره على تحقق طلبه.

هكذا كان يقول لمن يجيئه يشتكي بشي، كان يوقفه أمام الجميع ويسمع منه شكواه ويبلغه بضرورة أن يفعل شيئاً من أجل أن يستجيب الله لطلبه، كان يحفز الناس على الإيمان بأفعالهم وقدرتهم على تغيير مسارات حياتهم، وكثيراً ما كانت وصاياه تأتي بثمارها، وكثيراً ما كان يعطي الدواء بعد النصيحة، لكنه لم يكن يمسح بزيته على رأس متشكك أو حاقد، وكلما رأى شخصاً مزده بنفسه كان يرجئه حتى ينطفئ زهوه، ويدرك أنه لا يتميز عن غيره في شيء، ويطيل في عظته قبل أن يمنحه دواءه، وأحياناً يطلب منه القدوم في يوم آخر، كثيرون أحبوه، وقلة حقدت عليه، لكن جمهوره من المسيحيين والمسلمين كانوا يطلبونه منذ الصباح حتى قداس الرابعة، بعدها يغلق عيادته ويذهب للصلاة:

ـ كيف حال اليوم معك يا أنطونيوس؟

هكذا كان يسأله الأب جورج، وكان يجيبه في هدوء.

ـ نشكر الرب.

لم يكن يزيد في حديثه عن هذه الكلمة، وكان جورج يشعر أنه يستولد الكلمات من جوفه، فيهز رأسه موقناً أنه لا يعيره الاهتمام الواجب، وربما لا يراه رئيساً عليه، وكان يوساب يغذى هذا الشعور لديه، ولا ينفك ينقل إليه كل ما يحدث، فقد زرع له شماسة بين القادمين للعلاج، وآخرين يعدون عليه أنفاسه أثناء نومه، لذا لم يسع أنطونيوس لإيقاف أي من طوال القامة الذين رآهم خارجين من بين قلالي الرهبان، وحين دخل قلايته ووجد كل ما بها على الأرض لم ينزعج، بل شرع بهدوء شديد في ترتيبها، دون أن يبلغ أحداً بشيء، لأن ما حدث لم يكن أكثر من رسالة وضعها يوساب في طريقه.

في ذلك اليوم كانت الشمس قد انتصفت السماء، وكان الكل يتعرق باحثاً عن ظل عمود أو سحابة عابرة كي ترفع عنه وهج الشمس، حينها نادى أبانوب على الرجل التالي، فوجد أنطونيوس نفسه في مواجهة الكاتب بوجهه الهزيل، ولحيته النابتة، وعينيه العميقتين، وحاجبيه الكثيفين، واحتاج للحظات كي يتذكر آخر مرة رآه فيها، وكان الكاتبعلى استعداد للمساعدة.

ـ أنا الكاتب ملاك.

هرب أنطونيوس نفسه من الاعتراف بأنه تذكره، وأنه كان في انتظار هذا اللقاء منذ رآه في مكتب التحقيق، فسأله بحياد واضح:

ـ مما تشتكي؟

هزالكاتب كتفه كمن يقول لا أدري، لكنه سرعان ما أوضح:

ـ بطني تتمزق.

صدرت ظلال ابتسامة عن انطونيوس، لكنه سرعان ما خنقهاوهويراجع بعض الأوراق التي أمامه، ثم رفع رأسه عنها طالبا من أبانوبزجاجة مطهر معوي، ومستديراً ليقرأ على رأس الكاتب بعضا من آيات الكتاب المقدس ، مذكراًإياه بضرورة أن يفعل شيئاً من أجل نفسه، كي يفعل الله شيئاً من أجله، فهز ملاك رأسه قائلا:

ـ غدا لدينا تحقيق.

ابتسم أنطونيوس هذه المرة بالفعل، ومسح بكمه حبات العرق المتناثرة على وجهه، ثم أشار إلى أبانوب أن يخبر الناس أن العيادة غدا ستكون بعد الظهر، فلا يتعبوا أنفسهم بالوقوف في الشمس.

*****

10

جلس الملاح في مغارته مختفياً عن أعين الرومان، لكن الجوع والعطش اشتدا عليه، فاضطر للنزول منها بحثا عن شيء يساعده على مواصلة الحياة، كانت الصخور قاسية وزلقة، إلا أنها حملت في باطنها شريان الحياة، فمع الشتاء تأتي الغيوم محملة بالثلج والماء العذب، فتهطل بغزارة كما لو أنها تريد أن تعمد كل شيء بالماء والبرد، حينها تتدفق المياه في شرايين صغيرة، سرعان ما تتجمع في مجرى كبير، فتهدر في طريقها إلى الرمال المنبسطة أمام الهضبة التي أخذها الملاح ملجأ له.

 كانت رغبة الملاح في الحفاظ على إيمانه قد جعلته يحمل صليبه ويأتي إلى هذا المكان الذي تصور أنه آخر حدود العالم، تطلع إلى الهضبة العالية، وإلى مجرى السيل الرابط بينها وبين السفح، تطلع بنظره إلى قسوة الصخور وحمرة الشفق المنساب عليها، هز رأسه واستحضر المسيح في نفسه وضرب بأقدامه في الصخر طارحاً جسده نحو الأمام، كان كلما صعد خطوة شعر كأن الشوك ينغرز في أقدامه والسكاكين تمزقها، شعر كأن المسيح قد بعث ليصلب ويعذب من جديد، كان يقول لنفسه أنه ليس أقل من الشهداء الذين ماتوا محتملين إيمانهم العظيم في قلوبهم، دون أن يفكروا في قدر العذاب النازل على أجسادهم.

 حين وصل إلى مبتغاه واستقر في مكانه على الهضبة العالية شعر أنه يجلس أمام بوابة السماء، فلا شيء يحول بينه وبينها سوى ظل القلزم العظيم، شعر أنه على مقربة من الرب، ويمكنه أن يرى بعينيه كل ما يجري أمامه في السفح الواسع، نام ليلته الأولى كما لو أنه وصل إلى العالم الآخر، لم يستيقظ  إلا على لسعة البرد في منتصف الليل، كانت أعضاؤه تكاد أن تتجمد، ولم يكن أمامه سوى أن يبحث عن ظل صخرة يحتمي به، كلما وجد واحدة رأى أنها لا توقف ارتجاف أطرافه، حين وصل إلى نهاية الهضبة من جهة الشرق شعر براحة الدفء والطمأنينة، فاستلقى على الأرض ونام.

في الصباح انتبه الملاح إلى أنه أمضى ما بقي من ليله في كهف على الهضبة، كان الضوء في الخارج مبهراً كما لو أنه بعض من منح الفردوس، لكن حين صعدت الشمس إلى كبد السماء تحول الصخر إلى قطع من جمر، واشتد الجوع والظمأ بالرجل، ومع انكسار الشمس خرج من كهفه يبحث عن مصدر الحياة في المكان، لم يكن هناك ما ينبئ بوجود ماء، حين اشتد به الظمأ أيقن أنه موشك على الموت، فاستلقي في ظل صخرة ونام، حين استيقظ من نومه وجد أمامه لبؤة تعوي، رسم الصليب على وجهه طالبا من المسيح النجاة، بعدها انتبه الى أن اللبؤة تنام على جنبها، مستسلمة لأربعة أشبال يرضعون من ضرعها، وأنها ليست غاضبة ولا خائفة، لكنها تعوي كمنيتوجع، فأدرك أنها مصابة، وأن عليه أن يفعل شيئاً من أجلها، فاقترب منها حتى رأى بؤرة دم نازف على الرمل، وسهما غائرايلتصق بالبطن، قرأ صلاة سريعة طالباً من المسيحأن يكون في عونه، رفعت اللبؤة رأسها نحوه كمن يطلب منه أن يقوم بعمله، فتقدم نحوها وأخرج السهم من مكانه، مدركا كم غالبت نفسها كي لا تمد أنيابها لتنهشه، مزق ثيابه وربط الجرح وسهر بجانبها طيلة الليل، ومع تباشير الصباح استسلمت أعضاؤه للنوم، ليستيقظ  فيما بعد على صوتها وهي تزأر على أربعة جنود يتشاورون في أمرها، نهض من مكانهوصاح فيهم أن يرجعوا وإلا أطلقها عليهم، ثم استدار طالباً منها الهدوء،فالتزمت الصمت وجلست في مكانها، وبدا على الجنود أنهم فهموا الرسالة، فلوحوا بأيديهم وتركوه عائدين.

أدرك الملاح أن المسيح ساقه إليها مثلما ساقها إليه، فنهض باحثاً عن بقايا شجر قديم وصنع لها تعريشة أمام مخر السيللتحميها وأشبالها من الشمس، وتابع جولاته من أجل البحث عن الماء، كانت أقرب بئر على مبعدة ساعة من مغارته، هناك رأى بعضاً من البدو يسقون أغنامهم، ناظرين إلى حاله مع اللبؤة وأشبالها، قائلين "نرعى الأغنام وأنت ترعى الأسد". فضحك قائلاً "أغنامكم على قدر طاقتكم، وأسدي على قدر طاقتي". يومها انجذبوا إلي حديثه، وتبعوه إلى حيث بنى تعريشة اللبؤة، لكنهم كانوا يذهبون ويجيئون، وكلما ذهبوا أو جاءوا انتشر معهم خبر الملاح ولبؤته ومسيحه، وكثر الباحثون عن الأمان في الصحراء، فأتوا ليقيموا في معيته، بينما صوت اللبؤة وأشبالها يملأ المكان، لكنه وجد نفسه غير قادر على الاختلاء بذاته، فهجر الذين جاءوا يأتنسون بوجوده وصعد إلى المغارة طالبا من اللبؤة أن تكون بجانبه، ظل في خلوته ثلاث سنوات كاملة، بعدها ماتت اللبؤة، وأصابه شعور باليتم، ظل أسبوعين لا يكلم أحدا، وفشل مريدوه في إخراجه من حالته، وراحوا يصلون لأجله حتى جاءه الرب قائلاً:

ـ قم يا جبرائيل للناس، فماء لديهم ستجد، وطعاماً سترزق، وأرضاً ستزرع، فلأجلك باركنا المكان لهم.

نهض جبرائيل من نومه موقنا أن ما رآه حق، نزل من مغارته كشبح موشك على التلاشي، فاستقبله مريدوه  بالتهاليل والأغاني، حينها بشرهم بأنهم سيقيمون في هذا المكان لأيام طويلة، وعليهم أن يحفروا الآبار كي يزرعوا الأرض مثلما أخبره الرب في رؤياه.

رحل الامبراطور ديسيوس إلى الجحيم، وهدأت موجة الاضطهاد الطويل بعدما أودت بحياة الكثيرين، فقد ألقي القبض على فابيوس أسقف روما، وسجن ألكسندروس أسقف أورشليم، كما سجن العلامة أوريجانوس مع أصدقاء له في قيصيرية، فاستشهد بعدها متأثرا بجراحه، كما استشهد بابيلاس أسقف أنطاكية، ونجا الملاح وديونيسيوس أسقف الاسكندرية من الموت باللجوء الى الصحاري والجبال، وفي الوقت الذي اهتم فيه الملاح بحماية المؤمنين المتجمعين على هضبته كان ديونسيوس يوزع رسائله على الجميع من مخبئه، يحثهم على الصبر والاحتمال وطلب الشهادة كالمسيح، وظل مختفياً حتى موت ديسيوس وانتهاء اضطهاده للناس، فتساءل البعض عن أهمية رئاسته للكرازة بعدما فر إلى الجبال ولم يتحمل الآلم،  فوزع رسائله وعظاته بأنه لم يجبن ولم يهرب، بل سعى لنيل الشهادة في كل خطوة خطاها، ووحدها عناية المسيح هي التي أنقذته.

 لم يفكر الملاح في العودة الى المدينة ولا تبرير موقفه من الهروب كما فعلديونيسيوس ، واكتفى برعاية الذين جاءوا  ليقيموا بجواره بعدمااشتعل الخلاف في المدينة من جديد، فقد انقسمت الأراء حول الذينانكار مسيحيتهم، وقدموا الذبائح والبخور لآلهة الرومان، فهل تقبلهم الكنيسة في شركتها من جديد؟ كان ديونيسيوس أميل لقبولهم، فالرحمة للجميع، وآلام الاضطهاد أقوى من احتمال المؤمنين، لكنهم لا يمكنهم أن يكونوا في مصاف الذين استشهدوا، ولا الذين تحملوا ما لاقوه من عذاب لأجل المسيح، لكن الذين تعذبوا رأوا أنهلا ينبغي لمن أنكر وجود الله أن يكون له حق في كنيسته.

 ظل ديونيسيوس يراسل الأساقفة في روما وأنطاكية وقرطاجة وطليطلة مؤكدا على على اتساع ملكوت الرب وقبوله المعترفين بخطاياهم، لكن الأيام لم تعطهم فسحة من الوقت لحسم هذا الخلاف، فقد تولي الامبراطور فاليريان الحكم، ونزل بظلمه يطارد المسيحيين في كل مكان، ولم يتوقف جبروته إلا بعدما أسره الفرس، فاعترف خليفته جالينيوسبحق الكنيسة في استعادة أملاكها، حينها عم السلام وسادت الطمأنينة مدةأربعين عاما، تولى فيها شئون الكرازة كل من مكسيموس وثاؤنا، لكن مع تولي بطرس الأول الأمر جاء اضطهاد دقلديانوس.

 كان دقلديانوس قد تولى الحكم وفكر في حمايةالحدود الجنوبية لامبراطوريته من غارات البدو والبلاعمة، فأمر نائبه على الأسكندرية أكليوس بمطاردة هذه القبائل وبناء سور يحول بينهم وبين الدخول إلى بلاده، فنهض أكليوس بعدد من الحروب التي أدهشته هو نفسه، وشعر أنه الامبراطور الحقيقي للبلاد، وضخم أصدقاؤه هذا الشعور في عينه، حتى أنه أعلن انفصاله عن روما، متخذا الأسكندرية عاصمة له، فجمع دقلديانوس جيوشه وخرج غاضبا إلى الأسكندرية، حاصرها نحو ثمانية أشهر يدخلها منتصرا، فأمر قائدها أمام الجميع، وتصور الكل أن الأمر انتهي عند هذا الحد، لكن دقلديانوس لم يستطع أن ينسى أن هذه المدينة استعصت عليه ثمانية أشهر كاملة، فقرر أن يدمرها ويهلك كل شيء له خصوصية فيها.

أخذ جنود دقلديانوس يفرطون في طلب الطاعة للآلهة، لكن المسيحيين رفضوا التنازل عن دينهم، فتحول غضب دقلديانوس من أكليوس إلى أبناء المدينة، فأمر بإحراق كل من يخالف أوامره، ومطاردة كل من لايقدم الهدايا للآلهة، فوجد أبناء الرب أنفسهم مطاردين في كل مكان، وسرعان ما سقطت الرؤوس عن الأكتاف، فحملوا صلبانهم على ظهورهم وفروا في الصحاري والجبال، باحثين عن آخر مكان في العالم كي يفروا إليه بدينهم، ودائما كان الملاح في انتظارهم، فتوافدوا عليه خائفين،طالبين الأمن والعزلة بعيدا عن الشرور والآثام، ولم يكن أمام الملاح ولبؤته سوى أن ينهض لحمايتهم، ومنحهم ما قطعوا كل هذه المسافات من أجلهم، لم يكن أمامه سوى أن يصلي للرب على رؤس الجبال كي يترفق بشعبه، ويخرجهم من البلاء الذي وقعوا فيه على على يد دقلديانوس وخليفته:

ـ يا أبانا الذي في السماء، ارحم واعفو، وتجلى بحكمتك على الكافرين قبل المؤمنين، يا أبنا أعطنا خبزنا كفاف يومنا، وارحمنا من دقلديانوس وأتباعه الذين سلطهم على شعبك، يا أبنا إنا حملنا صلباننا وخرجنا من ديارنا لأجلك وحدك، قطعنا أوصالنا، ومزقنا أقدمنا على أحجار دربك، فارحمنا من أعدائك، واجعلنا في ملكوتك، وتقبل شهداءنا في أمجادك العلوية. أمين أمين.

ظلت الكلمات تخرج حارقة من صدره، والدموع تنساب على وجوه الرهبان من أمامه،حتى استجاب لهم الرب، ووصل قسطنطين العظيم إلىعرش الامبراطورية، فنزلوا من على الجبال، وعادوا إلى بيوتهم،ليشعلوا شموع أفراحهم بايديهم، ويقدموا صلواتهم للقديسينوالأبرار.

******

11

لاحظت دميانة عين أنطونيوس حين سرحت على صدرها، يومها لم تستطع أن تمنع اشتعال الحريق في جسدها، لكنها تماسكت بقدر الامكان كي لا تفسد التحقيق، نظرت نحو كاتب التحقيقات ملاك ميخائيل بقسوة لتمنع نفسها من التفكير في تلك النظرة، هو نفسه تعجب من الحدة التي تعاملت بها معه، وانصاع فاتحاً دفترة ليكتب ما تمليه عليه، لكنه لم ينس أن أنطونيوس هو الشخص الوحيد الذي أصاب المحققة بالارتباك، كان صوته هادئا وهو يتحدث عن نفسه كما لو أنه يترنم بالمزامير، لم يستطع ملاك أن يعزل نفسه عن كونه جالسا أمام القس أنطونيوس صاحب الحظوة من قبل الأب إيمانويل، فرفع رأسه وهو يكتب وأخذ يتطلع إلى ملامحه وهو يتحدث، حين التقت عيناهما أدرك أن أنطونيوس يتمتع بطاقة روحية كبيرة يمكنها أن تتحكم في كل ما حوله، كان بوده أن يصرخ فيه أن يتركه وشأنه، لكنه لم يستطع، ودميانة لم تترك له الفرصة لأن ينطق بشيء، فقد تصاعد الغضب بداخلها، ولاحقته بطرقات أناملها على المكتب، حين نظر في عينيها أدرك كم تعاني، شيء ما بداخلها كان يعتمل بقوة وكأنه بخار ماء يتصاعد، لم يكن أمامه سوى أن يعتذر عن خطئه ويعود إلى دوره الطبيعي ككاتب للتحقيق فقط، فراح يكتب خلف المحققة الغاضبة والمتوترة، ولم يمض قليل من الوقت حتى شعر بأن خدرا يسري في أنامله، شعر أنه غير قادر على الامساك بالقلم، لا يعرف من أين أتت كل هذه البرودة ليديه، فأخذ يدلك أصابعه وينفخ فيها عسى أن تتوزان درجة حرارتها من جديد، منحته المحققة خمس دقائق ليدفئ يديه على نار الموقد في البوفيه، لكن البرودة التي تدفقت من داخله كانت أكبر من قدرة الموقد على تشتيتها، فعاد للمحققة معلنا عدم قدرته على العمل.

كانت دميانة تتمنى أن توقف التحقيق لتهرب من سطوة أنطونيوس عليها، فأبلغت الأخير  بتأجيل التحقيق لحين تحديد موعد أخر، وأخذت تحاكم نفسها على ما فكرت فيه، ظلت تصلي طالبة الغفران، عاقدة العزم على أن تتنحى عن هذا التحقيق، لكنها في اليوم التالي وجدت نفسها مشتاقة لرؤية وجه أنطونيوس ذي الملامح الدقيقة والعينين العميقتين، بعد وهلة تأكد لها أنها تريد النظرة التي مسح بها جسدها فأشعل النيران فيه ، انتفضت من مكانها وخلعت ثيابها متطلعة إلى ثدييها النابضين بقوة، شعرت أن عبورها الخامسة والثلاثين دون زواج لم يؤثر في قوتها الداخلية، نظرت إلى بطنها وساقيها والتفتت إلى مرآتها باحثة عن ردفيها، لم يكونا هزيلين ولا عامرين، قرصت أحدهما لتتأكد أنه مازال على قيد الحياة، ثم حملت ملابسها ودلفت إلى الحمام، بعدها اتخذت قرارها بالاستمرار في التحقيق.

لم يكن أمام مبنى الضيافة الذي يشتمل في دوره الأرضى على غرفة التحقيقات غير الخادم ميلاد العجوز، جالساً في كرسيه الخشبي،  كما لو أنه ترك في مكانه هذا منذ أمد بعيد، فلم يتحرك ولم يتكلم وربما لم يتنفس أصلاً حين ألقى عليه أنطونيوس تحية الصباح، حين وصل الأخير إلى غرفة التحقيق التي كان بها منذ عدة أيام وجد دميانة في انتظاره، للحظة شعر بالتردد ورغب في العودة من حيث أتي، لكنها كانت قد رفعت وجهه نحو الباب فرأت طلته الوديعة عليها، هنالك انتفضت من مكانها وعلى وجهها ابتسامة كبرى، هي نفسها لا تعرف ما الذي شرح صدرها لرؤيته، وجعلها في هذه الحالة من النشوة، رحبت به ودعته للجلوس في الكرسي المجاور ، وظلا كلاهما صامتاً لا يعرف بما عليه أن يتحدث، كلاهما كان ينتابه نوع من الخجل، كأنهما مازالا مراهقين يتعرفان على بعضهما، كسر إيقاع الصمت في الغرفة دخول الكاتب بدفتره الطويل وقميصه ذي المربعات الخضراء والبيضاء، ابتسم أنطونيوس لرؤيته وتجاوبت دميانةببهجة أكبر، لكنها سرعان ما اعتدلت في جلستها راسمة بملامح جادة حالة من الحياد على المكان، بدوره ألقي ملاك التحية وجلس في كرسيه متطلعاً إلى حيث جلس أنطونيوس بجوار المحققة، وأدرك الأخير أن ملاك تداعبه أفكار شريرة فأسرع في بترها بنقل الكرسي أمامه سائلاً:

ـ كيف حالك اليوم؟

تذكر ملاك لقائهما بالأمس في العيادة، وانتبه إلى آلامه التي كان يعاني منها وكأنها تراوده من جديد، فارتسمت على وجهه ابتسامة امتنان قائلا:

ـ نحمد الرب.

هز أنطونيوس رأسه متمتماً بالشكر، وبذلت دميانة جهداً واضحاً كي تخرج صوتاً تستأذنهما من خلاله للبدء في التحقيق، فاستجاب أنطونيوس لرجائها وهز رأسه بابتسامة خفيفة تجاه الكاتب، كما لو أنه يطمئنه بأنه لن يحدث له شيء اليوم، حين شرعوا جميعاً في ممارسة أدوارهم فوجيء أنطونيوس أن المذكرة المقدمة ضده تتهمه بإهدار مال الدير في طباعة كتب للخارجين عن الكنيسة، بدا على وجهه الغضب، وساد نوع الصمت في الغرفة التي لا تحتوي إلا على مكتب وحيد، أمامه كرسيان ومنضدة صغيرة، وفي جانب بعيد وقفت شماعة خشبية علقت عليها دميانة معطفها، بينما توزعت ثلاث أيقونات على حوائطها، فرفع أنطونيوس وجهه نحو أيقونة العذراء المواجهة له وكأنه يسألها عما يحدث، مرت لحظات لم يجرؤ فيها أي من ملاك أو دميانة على الكلام، تركوه ينقل وجهه في حنق وغضب ما بين العذراء والمسيح المصلوب، وفي النهاية وضع راحته أسفل جفنه ومسح دمعة كانت انسابت رغماً عنه، ثم زفر هواء ساخناً وهو يستجمع قواه قائلاً:

ـ كان الأب إيمانويل قد كلفني بمسئولية الإشراف على المطبعة، وأن يكون من مهام عملي طباعة الكتب المهمة التي يحتاجها المؤمنون بالرب سواء في الدير أو خارجه، ولم أفعل أكثر من هذا طيلة عملي ومسئوليتي عن المطبعة، فقد عكفت بالساعات على ضوء مصباح قديم لمطالعة عشرات المخطوطات والكتب ورؤية ما يصلح منها للطباعة، حتى أنني ترجمت بعض الكتب من الديموطيقية واللاتينية إلى العربية، وكلفت بعض القساوسة والرهبان المهتمين بالأمر بعمل ترجمات أخرى، وكلما سمعت بكتاب مهم في دير أو كنيسة كنت أرسل في إحضار نسخة منه لإعادة طبعه، كنت على تواصل دائم بالأب إيمانويل في شأن كل ما يتم الدفع به للمطبعة، وفي أثناء بحثي عن الكتب المهمة وقعت يدي على نسخة من كتاب الرسائل للعلامة أوريجانوس، كانت نسخة قديمة ومكتوبة بعناية كبيرة ، حتى أن صاحبها صنع لها صندوقا خشبيا صغيرا وضعها فيه، وحفر اسم الكتاب ومؤلفه على غلاف من جلد الماعز، أما الورق فكان رقائق من البردي الذي تفنن الخطاط في رسم حروفه وهوامشه، كانت روائح السنين تفوح من المخطوط الذي عثرت عليه بمحض الصدفة بين بعض الكتب القديمة، حين فتحته لم أستطع أن أمنع نفسي عن قراءته، اعتكفت في قلايتي حتى أنتهيت منه، ثم حملته وذهبت بهللأب إيمانويل مقترحا نشره، فضحك قائلاً أن أحدا لا يمكنه أن يسمح  لي بذلك، وعلى أقصى تقدير لهذا الكتابأن يتم تداوله بين كبار الأساقفة للدرس والفهم، وليس الاتاحة بين الشعب، وكي لا يغازلني شيطاني وأدفع به لمكينات الطباعة فقد قرر أن يبقيه عنده، ومع الوقت والأحداث نسيت الأمر كله، لكنني فوجئت به قبل رحيله يخبرني بحزن شديد أن ثمة كبيرة ارتكبت، فقد سرق الكتاب من قلايته.

كان مرض إيمانويل شديدا، وفي الأسابيع الأخيرة تزايد بشكل مدهش، حتى أننا ما كنا نفكر في شيء سواه، كنا نلازم قلايته طيلة الوقت لنأخذ بيده ونسكن من آلامه، وقتها كنا نطبعسيرة القديس أنطونيوس، فقد أعد لها إيمانويل مقدمة جديدة تليق بتاريخ القديسين وجهادهم، لكنه تنيح قبل أن يراها تخرج للنور، وحين خرجت كنت قد اعتزلت في قلايتي حزنا عليه، فلا يمكنني أن أواجه الحياة وحدي من دونه، فهو الأب الذي تعلمت منه كل شيء، وهو الباب الذي دخلت منه إلى الرهبنة، ربما لو لاه لظللت هارباً في الصحراء، لا عمل لي سوى أنني قاطع طريق وقاتل تعودت أنامله الضغط على الزناد، مثلما تعودت آذانه سماع أزيز الرصاص، وحدهإيمانويل الذي قال لي "دع عنك هذا واتبعني"، قالها كما فعل المسيح مع بطرس وأخيه، وكما قالها مرقس للخراز، ومن يومها وكلب السماء يطاردني، يلهث خلفي كلما وضعت رأسي ونمت، كنت أهرول على الحصى كما لو أن كل جيوش الأرض تطاردني، وحين رأيت على البعد القباب البيضاء لهذا الدير كرهت أن أدخل على الله في بيته حاملاً سلاحي، فحفرت له أسفل الهضبة ودفنته بيدي، لكن ها هم الآن يدفعونني بكل ما يملكون كي أعودفأخرجه من قبره.

استفاق أنطونيوس من ثورة غضبه ليطالع الذهول الذي ارتسم على وجه دميانة، بينما الكاتب لم يستطع الكاتب أن يرفع وجهه عن الورق، ظنا منه أن ما يقوله أنطونيوس هو اعترافات مهمة ستلومه المحققة على عدم تسجيلها، وحين طال الصمت في الغرفة رفع الكاتب عينه خلسة ليعرف ما الذي حدث.

أدرك أنطونيوس أن غضبه جعله يعترف بالأمر الذي أخفاه لسنوات طويلة في صدره، ظلت عيناه تتنقلانما بين االأيقونات المعلقة على الجدران وما بين بلاط الغرفة الكبير ذي اللونين الأبيض والأسود، ودميانة لا تعرف ما الذي ينبغي عليها حيال مفاجأة التي لم تتوقعها، رغم أنها لا تؤثر في سير التحقيق، ولا تدين أنطونيوس في شيء، إلا أن الأمر كان مفاجأة أشعرت الجميع بالحرج، ظلا ينظران لبعضهما في حالة من الصمت والوجوم، حتى طرق الساعي باب الغرفة سائلا دميانة إن كانت تريد شيئاً، بدا لها كما لو أنه رسول السماء الذي جاء لينهيذلك اليوم العصيب، فطلبت منه أن يحضر ماء وبعض القهوة، وأومأ برأسهاتجاه رفيقيها في الغرفة مقترحة تأجيل التحقيق ليوم آخر، فأغلق الكاتب دفتره متنهدا، بينما هز أنطونيوس رأسه وخرج دون أن ينظر لأحد.

****

12

قضى انطونيوس عدة سنوات من حياته فيما اعتاد أهل القرى على تسميته بالجبل، لم يكن جبلاً بالمعنى المعروف، لكنه منطقة صحراوية في ظهر مجموعة من القرى، تتخللها تبات صغيرة من الرمل وقطعة كبيرة من الصخر، بدا كما لو أنها قطعة اجتزأت من طود عظيم، آوى إليها أنطونيوس باحثا عن النوم المحصن بالخوف، خوفه من الناس وخوف الناس منه، وظل لسنوات ضاربا هذا الحصار حول نفسه حتى جاءه إيمانويل، وجده واقفاً على رأسه طالباً منه بعض الماء، انتفض أنطونيوس من نومه واضعاً يده على زناد بندقيته، لكن إيمانويل المبتسم هز رأسه ليخبره أنه عابر سبيلولا يريد شيئاً، بدا إيمانويل في وقفته وبزيه البسيط أشبه ما يكون بالمسيح الذي رآه أنطونيوس في منامه منذ ايام فارداً ذراعيه على الجبل، تراخت أعضاؤه ووضع سلاحه إلى جانبه مبتسماً:

ـ انت راهب؟

هز إيمانويل رأسه بنفس الابتسامة المطمئنة:

ـ أنا مجرد راهب، يبحث عن مأوى من الجوع والعطش.

فهم أنطونيوس أن محدثه يبحث عن مكان يستريح فيه، وأنه منهك من الداخل أكثر من الخارج، أحضر له أنطونيوس الماء والطعام واستضافه كملك هبط إلى مغارته، وحين حل الظلام وارتفع القمر في السماء استأذنهفي الذهاب إلى عمل بسيط، لكن إيمانويل ابتسم:

ـ لم يعد لك عمل.

رفع أنطونيوس حاجبيه:

ـ هل تعرف عملي؟

ـ نعم .. أنت قاطع طريق، وفي بعض الأحيان قاتل مأجور، من يدفع لك تقتل له، والمحصلة لديك أن رصاصة تخرج من بندقية لتسكن في تجويف صدر.

رغب أنطونيوسفي مجاراة ضيفه في لغته الحكيمة، محاولا أن يخبره أنه ليس مجرد قاطع طريق، وأنه كان من الممكن أن يكون قسا في كنيسة لولا ما له حدث في قريته:

ـ المسيح لم يتحدث عن الصدور، لكنه شغلنا بالآلام، المسيح نفسه مات مصلوباً، فما العيب في أن أكون الملاك الذي سخره الرب لتنفيذ حكمته في البشر.

ـ العيب أنك اخترت أسوأ الأدوار على المسرح وقررت أن تؤديه، كان يمكنك أن تختار دوراً آخر.

ـ كأن أصبح أميراً أو ملكاً

ـ كأن تكون قلباً ممتلئاً بالخير، وليس قبضة ينفذ الإله من خلالها ما يشاء.

ـ هل تعتقد أن بإمكاننا أن نعترض على مشيئته؟

ـ السؤال هو: هل تعتقد أننا بما نفعل ننفذ حكمة الرب؟

شعر أنطونيوس أن هذه المحاورة ليس لها هدف سوى أن تضيع عليه الوقت، لكن ثمة ضحية تنتظره من أجل أن يُسكن صدرها رصاصة أوشك وقتها على النفاد، فقد عبر القمر نصف مداره، وعما قليل سوف يختفي من الأفق، ترك إيمانويل منتظراً إجابة على سؤاله ونزلمهرولاً من المغارة التي تحتويها الصخرة الواقفة على هوامش القرى كضلفة باب موارب، لكن صوت إيمانويل لاحقه:

ـ لا عمل لك الليلة .. فالذبيحة ماتت دون احتياج لرصاصتك.

كان شيخ البلد هو المطلوب إراحته في تلك الليلة، هكذا دفع الحاج حسن المسكوتي لأنطونيوس القبطي كي يقتل شيخ البلد، لا لشيء سوى أن الأخير رفض أن تتزوج ابنته من حامد المسكوتي الذي أمضى ثلاثة أرباع عمره على مقهى النفراوي، واصفاً إياه بأنه صايع ولا يعرف غير معاكسة النسوان، لكن المسكوتي اعتبر ذلك إهانة شخصية له، إهانة لا يمحوها سوى الدم، فأرسل إلى أحد الرجال الذين اشتهروا بأنهم أصدقاء انطونيوس، طالباً منه التنفيذ  مقابل ثلاثة آلاف، نصفها قبل القتل ونصفها بعده، فهز الرجل رأسه وانتظر الوقت المناسب لملاقاة أنطونيوس، وكان من المفترض أن يتم التنفيذ الليلة.

حمل أنطونيوس بندقيته وتسلل مع الظلام وحنياته تحت الجدران وأسفل الأشجار وفي باطن الترع والمساقي حتى وصل إلى بيت شيخ البلد، ولم يكد يتسلق الجدران ليصل إلى السطوح حتى سمع عويلا متزايدا في ظلمة الليل، عويل أطلقته ابنة شيخ البلد التي وجدته ممداً على المصطبة الكبيرة بلا حراك ولا نفس، لزم أنطونيوس مكانه وهو يرى تدفق الناس إلى بيت الفقيد، ولم تمض ساعة حتى وجد صواناً قد نصب بينما وقف حسن المسكوتي في مقدمته لاستقبال الجموع التي توافدت عقب سماع الخبر، فما كان من أنطونيوس سوى أن تسلل من صومعة القمح إلى درجات السلم عابرا باحة الدار من بين النسوة النائحات حتى وصل إلى طابور العزاء، ليكشف عن وجهه لحسن المسكوتي، مقدماً له ولبقية أبناء الفقيد المواساة، ثم ساحباً المسكوتي من يده لينتحي به مطالباً ببقية الاتفاق، فمد المسكوتي يده إلى جيبه مخرجاً ما معه من مال طالباً عدم فضحه، وبينما مال أنطونيوس ببندقيته إلى حقول الذرة الخضراء بشواشيها البيضاء ليختفي كنقطة في بحر من الظلام، أخذ الأهالي يضربون كفاً بكف متسائلين عن علاقة المسكوتي بأنطونيوس وبموت شيخ البلد في هذا الوقت من الليل.

*****

13

أصبح قسطنطين العظيم كلمة السر بين الرهبان في الصحراء، فقد أصدر قراره بالتسامح بين الجميع، وقبول المسيحة ديناً رسميا للبلاد، هنالك بدا للملاح أنه قد وصل بمن معه إلى بر الأمان، وأنه ليس أمامه سوى القليل لأن يغادرهم إلى الأمجاد السماوية،  فجمع من في الدير وطالبهم أن يختاروا واحدا من بينهم ليكون رئيسا عليهم، فجلسوا يومين يتشاورون حتى انتهوا إلى اختيار تلميذه ديمتريوس، فعظهم طويلا بالسمع والطاعة له، ثم رسمه قسا لهم، ولقبه بديمتريوس الصغير ، تيمنا بالبطريرك ديمتريوس الكرام.

لم يكن ديمتريوس عبر عامه الثلاثين حين تحمل مسئولية الدير، كانت فترة هادئة لكنها حملت أوجاع الماضي، فمع اضطهاد دقلديانوس للمسيحيين لم يجد بطرس الأول أمامه سوى أن يفر بنفسه إلى أنطاكيا وبلاد الرفدين، فتغيب عن كرسيه نحو ثلاث سنوات، وغيب الموت وظلام السجون كثيرا من الأساقفة والقساوسة، مما جعل ميليتوس أسقف ليكوبوليس في الجنوب ينزل الأسكندرية ويقوم بترسيم أساقفة وقساوسة جدد، وهو الأمر الذي اعتبره بطرس تدخلا في أسقفيته، فارسل من منفاه إلى ميليتوس رافضا ما يفعله، ومحذرا من التمادي فيه، لكن الأخير لم يهتم، مما جعل بطرس يصدر قراره بحرمان ميليتوس، فرد الأخير أيضا بحرمان بطرس، معتبرا أنه لا يصلح لأبوة الكنيسة الروحية، لأنه فضل الفرار بنفسه من أمام الرومان علىالشهادة والتضحية في سبيل المسيح.

سرعان ما لقيت دعوة ميليتوس وأرائه قبولا لدى أساقفة الجنوب ورهبان الأديرة في الإسقيط والقلمون، وغير كثير من الرهبان ولاءهم من بطرس إلى ميليتوس، وكان من بينهم آريوس الذي كان تلميذا لبطرس ومقربا منه.

نشط ميليتوس في زيارة الأديرة والكنائس، داعيا الرهبان لمؤازرته والدخول معيته، كان كانت هضبة الملاح من بين الأديرة التي حرص على زيارتها برفقة بعض من أساقفته، فامضى ليلة كاملة في نقاش طويل مع جبرائيل الملاح، طالبا منه أن ينضم إلى دعوته ورجاله، لكن الأخير رأى أن ذلك لا يفيد الا الرومان في حربهم على المسيحية، ورفض أن يكون جزءا من الصراع على شيء، وظل يتابعأصداء الشقاق بين ميليتوس وبطرس دون أن ينحاز لأي منهما، ومات وهو يوصي يمتريوس الصغير بألا يخرج عن الكنيسة الأم، كي لا تتوه أرواح المؤمنين في فيافي الصحراء.

 كان ديمتريوس طالباً في مدرسة الأسكندرية حين شده الجدل بين الأديان والمقارنة بينها، وجد فكرة المسيح أنقى من فكرة زيوس وسيرابيس، وجد نفسه ينحاز بعد المعبد، رغم أن كلا الأمرين بدا في عينيه بلا فرق، إلا أنه توقع أن الكنيسة بحاجة إلى رجل يمكنه أن يوظف فكره لصالحها، أما المعبد فلا يحتاج إلا لرجل يحمل عنه أسراره ويمضي، هكذا خرج من السيرابيوم ليدخل الكنيسة متطلعاً إلى صورة المسيح، ولم تمض أيام حتى قبضعليه الجنود، فما كان منه سوى أن انتظر خروجه من السجن كي يودع والديه، ثم خرج إلى الصحراء بحثاً عن الله.

 في البدء أخذته أقدامه إلى وادي النطرون فأقام عاماً بين رهبانه، لكنه سرعان ما شعر بضرورة الذهاب أعمق من ذلك، فاتخذ طريقه إلى الجنوب عبر ترحال طويل ما بين القرى الكبيرة والصغيرة، وما بين الحصون والمدن، تارة يعبر ككاهن في معبد مصري حين يصبح المكان تابعاً للمصريين، وتارة يوناني يجيد لغة المصريين حين يصبح المكان تابعاً للرومان، وحين يخلو إلى نفسه يتطلع إلى الغيم محادثاً النجوم متفكراً في شأن الله وخلقه، وبعد شهور طويلة انتهى به المطاف إلى دير الملاح على تلك الهضبة الناتئة من جبال القلزم، أعجبه المكان بضيقه واتساعه، بسكونه وضجيج الوافدين إليه، أعجبته الأسطورة وجاء كغيره يبحث عن اللبؤة وأشبالها، لم يجد أياً منهم هناك، فقط كان الملاح وحده يرشد الناس لمعرفة الله بالقلب والعقل، فطلب منه أن يكونه تلميذه فوافق.

 كان أول شخص يطلب صراحة من الملاح أن يكون تلميذاً له، ولم يكن الملاح بأي حال يرى أنه معلم ولديه ما ينقله للناس، فقط كان متعبداً صادقاً، قلبه على مدار أربعين عاماً قضاها بين هذه الصخور لم يكن يعرف إلا المحبة، كان موقناً أنه يرى الله في الناس، وليس في الأماكن، الله هو نحن، ومن أراده فلينظر إلي أخيه، هكذا كان يقول ممتنعاً عن الجدل، سامحاً بأن يكون مكانه مأوى للطيور والحيوانات والبشر ومختلف الأفكار والطموحات، شرطه الوحيد: لا أذى ولا ترهيب. لم يكن أحد يسأل عن طعام ولا يجده، أو ماء ولا يجده، لم يكن أحد يدخل في ظلال الدير ولا يشعر بالأمان، الجميع كان يأتنس بمحبة الملاح وسطوته على القلوب، لذا  حين مات شعر الكثيرونباليتم، وأنه لا حاجة لهم بالمكان.

جمع ديمتريوس من حوله الشيوخ مستفيداً من حكمتهم وزهدهم، ووضع خططه للمستقبل على كاهل الشباب، مستطلعاً ما يجري حوله من جدل بين أنصار بطرس وأنصار ميليتوس، ورأى أن كثيرا من الوثنيين الذين احتموا بالمكان في أيام الملاح يريدون العودة إلى قراهم وقبائلهم، أغلبهم كان يدين بديانات المصريين، قلة هي التي كانت تدين بديانات الرومان والأغريق، جميعهم جاءوا هرباً من الجنود وطغيانهم، وكان السلام الذي وضعه قسطنطين قد شجع الكثيرين على الخروج من القلالي والعودة إلى الحياة في القرى والمدن، حيث الحقول والبيوت والمزارع والمتاجر التي خلفوها وراءهم، هز ديمتريوس رأسه باسطا يديه لمن يريد الخروج، مؤكدا أن الدير بيته في أي وقت، ولابد أن يأتي لزيارة اخوته من النساك، كان الجميع يمتنلسماحته، موقنا أنه سيكون خير خلف لخير سلف.

 لم تمض أيام حتى مسح ديمتريوس بالزيت المقدس على رأس ثلاثة من الشيوخ، راسما إياهم قساوسة في معيته، ثم طلب من الشباب أن يختاروا رئيسين لهم، كانوا جميعاً لم يتخطوا العقد الثاني من العمر، لكن الحماس كان يشتعل في صدورهم، خاصة وأنهم قرروا أن يهبوا حياتهم مبكرا للدير، وكان على ديمتريوس أن يفكر في كيفية الإبقاء عليهم، فلو تركوا المكان فسوف تتحول الحياة إلى جحيم كامل، ومن ثم فلابد من خلق قضية تخصهم، لابد من جعلهم في مركز القيادة، هكذا فكر ديمتريوس وهو يختار نائبين عنه، في النهاية توصل إلى شابين أحدهم قوي البنية يدعى أبنوب، قادم من معبد حورس في الجنوب، والثاني يوناني الأصل اختلطت دماؤه بدماء المصريين، ويدعى رافائيل. قال لهما أنه لا يستطيع أن يدير الدير وحده،فلديه مهام روحية عديدة، والمكان بحاجةلأن يكون مستعداً لاستقبال الباحثين عن الأمان.

قالديمتريوس أن المؤمنين يصلون في الدير حسبما اتفق، فلا كنيسة تجمعهم ولا مذبح يؤدون عليه قرابينهم، الكل كان يعتمد على قداسة الأب جبرائيل وصلواته من أجلهم، لكن أحداً لم يفكر فيما ينبغي عليه بعدما تنيح الملاح وانقطعت صلواته عن المكان ، لذا لابد من كنيسة تضم جثمانه وعظام لبؤته وأشبالها، كنيسة يمكننا أن نتقرب إلى الرب بأعطياتنا على مذبحها، ونتناول فيها معا خبز المسيح وخمره، ونقيم صلواتنا وأناشيدنا بين جدرانها، متأملينشروح الآباء والقديسين لكتابنا المقدس ورسائل الرسل.

وجودنا في هذا المكان يلزمه أمران، الأول يحتاج إلى رجال أشداء يسوون الهضبة على هيئة بساط ناعم،وينتزعون الأحجار من القلزم لقيموا بها قلال للعجائز كي تحميهم من البرد والمطر، بحاجة إلى نجارين وحدادين وحراس يمنحون المكان أرواحهم وقلوبهم، وهذا الأمر ليس له سوى أبانوب ومن يختارهم معه.

 أما الثاني فهو أكثر صعوبة من ذلك، لأننا بحاجة لمن يدرس الفلسفة والعلوم كي نكون قبلة للراغبين في المعرفة والدين، قبلة للباحثين أسرار الخلق والوجود، نريد أن يكون لنا في ديرنا أساتذة وفلاسفة كهؤلاء الذين في المدينة العظيمة، ولهذه المهمة أختار رافائيل السكندري.

كانت السنوات التي قضاها ديمتريوس في مدرسة الميوزيوم بالأسكندريةقد أثرت على طريقة تفكيره،فعشق الفلسفة ورغب في المزج بينها وبين قراءة التفاسير، وهو ما أغراه أن يختار تلميذه رافائيل كي يذهب إلى الأسكندرية التي أتى منها، ليدرس في مدرستها الشهيرة علوم المنطق والطب والفلسفة والفلك، ويحاور اساتذتها بالمنطق الذي يدرسونه، كي يكون رافدا من نبعهم الكبير، وكي يمزج بدوره رؤية الله برؤية الفلاسفة والعلماء، فالكون واسع ولا تحكمه كلمة واحدة أو أخيرة.

**********

14

كانت الساعة قد صارت العاشرة صباحاً حين قطعت خطى الكاتب المسافة التي تفصل بين مخزن الكتب والمخطوطات الذي يقيم فيه وبين مقر العيادة التي يعمل بها أنطونيوس الآن، رأى بشراً كثيرين ينتظرون أن ينادي عليهم الشماس أبانوب، فقد أبلغوه باسم المريض أو المريضة وجلسوا ينتظرون أدوارهم، رأى مسلمين جاءوا من أسيوط وسوهاج وبعضهم  جاء من السويس والاسماعيلية بحثا عن الشفاء على يد القسيس أنطونيوس، لا يعلم كيف انتشرت سمعته بهذا الشكل بين الجميع حتى وصلت إلى تلك الأماكن البعيدة، رأي عمياناً وبرصاناً ومشلولين، رأي باحثات عن الحمل وباحثين عن الخلاص من المس، أبلغ اسمه لأبانوب كغيره من الراغبين في العلاج، وجلس ينصت إلى هموم الناس ومشكلاتهم، كان الجميع موقناً بقدرة أنطونيوس على تخليصهم من الآلام، ظل ينصت إلى الحكايات التي تتناسل من مخيلاتهم وأفواههم حتى عبرت الظهيرة ولم يبق سوى نفر قليل، حينها ذهب إلى الشماس طالبا منه أن يؤجل دوره ليكون الأخير، هز الرجل رأسه ونادى على من بعده.

 كان الشماس يسأل الداخل عن مرضه أو سبب مجيئه،ثم يدخل المريض وأهله على أنطونيوس، ذلك الذي يقف إلى جانب سرير ينام عليه المريض، لا ليفحصه ولكن ليمسح على مكان ألمه بالزيت المقدس، ثم يتمتم بما يتناسب مع حالته من آيات الكتاب المقدس، ويمنحه أي من الأدوية التي يتوقع أن تساعد على شفائه إن توافرت لديه، حين جاء دور الكاتب سأله أبانوب عما يشتكي منه، فأجابه بأنه لا يشتكي إلا من أبانوب ذاته، فرفع الأخير حاجبه معترضاً،لكن الكاتب عاجله:

ـ أوريجانوس أدمانتيوس.

من جديد فتحأبانوب فمه معبرا عن عدم الفهم:

ـ هذا مرض جديد.

هكذا أوضح له الكاتب، فكتب الشماس اسم الكاتب وما يشتكي منه، ومنحه ورقة ليدخل بها على أنطونيوس، وما إن انتهي الأخير من المريضة التي أمامه حتى استدار ليجد الكاتب في وجهه:

ـ أمازلت تعاني من الاسهال؟

هكذا تساءل أنطونيوس مبتسماً وكأنه يقطع على الكاتب طريق التفكير في الكذب عليه، لكن الأخير هز رأسه مناولا إياه ورقة الشماس، حين نظر فيها قرأ اسم القس الذي تم الزج برسائله لتنشر ضمن سيرة القديس أنطونيوس، ويتم الآن التحقيق معه بشأنها، هز أنطونيوس رأسه في هدوء، طالباً من أبانوب أن يغلق العيادة ويذهب ليلحق بقداس الخامسة، ثم اصطحب الكاتب وخرجا من المكان.

 ضحك انطونيوس قائلاً:

ـ  وما يشغلك بأوريجانوس ؟

ـ أظنني قرأت عنه في كتاب.

كان قرص الشمس قد انزوي بعيداً في أقصى جنبات العالم، حتى أنه بدا في أسفل السفح بالنسبة للهضبة التي بني عليها الدير، تأمل أنطونيوس الحضور المتتالي للقباب بطول الهضبة، وتيقن أن الملاح لم يكن مجرد مؤمن هرب من يد الطغاة إلى هذه الهضبة، لكنه أتي لأمر أكبر من ذلك، ولو لم يكن ثمة ملاك يقود خطواته في ظلمات الفيافي لقضت عليه الضواري، هز رأسه متمنياً أن تكون بعض من بركة الملاح في معونته، وحاول أن يطمئن نفسه أن ذلك سيحدث ببركة السيد المسيح، فوضع يده على صدره كما لو أنه يمسحها من التراب والعرق في ثيابه الكهنوتي الأسود، رغم أنه في الواقع كان يضم الصليب المتأرجح على بطنه إلى شرايين قلبه، ولم ينزل عينه عن قرص الشمس المعلق ما بين السفح والأفق البعيد في الغرب، فظل شارداً ببصره في السحابات الخفيفة التي في طريقها لأن تمر من أمامه، لمح شيئا يتحرك فيها، بدا كما لو أنه طائر عجوز يضرب جناحيه بقوة في الهواء من خلف الغمام، حدق فيه حتى رآه على هيئة سيدة تحمل طفلاً على يد وتلوح له بالأخري، بدا الأمر كما لو أنه أيقونة سماوية للعذارء، وأنها الملاك الحارس للهضبة ومن عليها، هز رأسه موقناً أن السماء لن تتركه في محنته، ثم عاد فوضع ذراعه على كتف الكاتب قائلاً:

ـ سيفوتنا القداس.

لم يكن أنطونيوس يعلم أن دميانة مهتمة به مثلما هو مهتم بها، لكن لقاءه مع الكاتب ألمح له بذلك، ففي الطريق إلى الكنيسة التي أقامها القديس ديمتريوس، حيث دفن جبرائيل الملاح إلى جانب لبؤته وأشبالها، قال ملاك، الذي لم يعرف له مهنة غير كتابة التحقيقات، أن دميانة في المرة الأخيرة سألته إن كان يصدق أن أنطونيوس قاتل وقاطع طريق؟

أدرك أنطونيوس من الجملة مدى اهتمامها به، حتى أنها لا تصدق ما اعترف به على نفسه، لكن شعوراً انتابه بأن هذا الأمر بات مشكوكاً فيه، فبعدما كان في عينيها الراهب الذي رأى المسيح والسيدة العذراء،أصبح الرجل الذي اعترف بكونه قاتلاً وقاطع طريق، وعما قليل يسير التحقيق في اتجاه اتهامه بالزندقة ونشر كتب المهرطقين. بدا له أنه خسر كل أسهمه، وأن الأمر ليس كما يحاول الكاتب أن يبرزه.

ما ان اقتربا من الكنيسة حتى طلب من أنطونيوس أن ينفصلا عن بعضهما، فثمة عيون تترصد الداخل والخارج ولا ينبغي لهما أن يتحركا سوياً، هز انطونيوس رأسه متمتماً بالموافقة، لكنه استدرك سائلاً عن المكان الذي يجده فيه، فأشار بطرف إصبعه نحو مخزن المخطوطات والكتب، ثم هم بالخطى ليعبر من الباب الخلفي تاركاً أنطونيوس يتجه بطوله الفارع نحو الباب الكبير، حيث يمر من أسفل الأقواس الحجرية المتوالية، تلك التي بناها أبانوب على هيئة عتبات لأقبية حجرية مرفوعة على صفين من الأعمدة الطويلة ذات الرؤوس الكبيرة، كانت رؤسها بطبيعة الحال على هيئة أشبال صغيرة للبؤة كبيرة تنام على مدخل المذبح القابع في نهاية ممر الأعمدة، حيث لا يوجد في نهاية الكنيسة العجوز سوى المذبح وقدس الأقداس المشتمل على قبرين أحدهما لجبرائيل الملاح والثاني لما تبقى من عظام اللبؤة وأبنائها.

حرص أنطونيوس على أن يبدي لا مبالاته بوجه صديقه  يوساب المتجه نحوه بابتسامة هادئة.

ـ مساء الخير يا أنطونيوس

هكذا اعترض طريقه ببرود واضح وهو يلقي بالتحية عليه، ولم يجد أنطونيوس أمامه سوى أن يتوقف ليجيبه بنفس الهدوء إلى أن يفهم ما الذي يجري من حوله

ـ وأنت من أهل الخير.

ـ سمعت أن قضيتك أخذت منحاً غريبا، هل نشرت حقا كتباللمهرطقين؟

ـ  لقد جئت لحضور القداس.

ـ ألا تريد الحديث معي؟

نظر إليه أنطونيوس مستنكراً أن يسأله يوساب عن نيته وما بها، لكن الآخر ابتسم مردفاً:

ـ على أية حال، أحببت أن أبلغك أنني صرت كاهن الاعتراف.

للحظة شعر أنطونيوس أن يوساب وجه إليه صفعة لم يتوقعها، وأنه صار محاصرا من كل الجهات، فكل الرجال الذين يثق بهم في الدير يتوارون، لتظهر بدلاً منهم وجوه لم يكن يريدها، ازدرد ريقه قائلا:

ـ والأب باخوميوس؟

أطلق يوساب ضحكة من النوع الخبيث:

ـ صار عجوزا، فقرر الأب جورج معاونته على التفرغ لأداء الصلوات في قلايته.

بدا جلياً أن يوساب أراد أن يوضح لأنطونيوس رسالة لم يرد أن ينتبه إليها منذ تنيح الأب إيمانويل، فقد سقط الدير في حجره هو قبل أن يسقط في يد جورج المنحني، وأنه أصبح المتحكم في شئونه، وليس على الجميع سوى أن يذعنوا له كي ينجوا من من شروره ، لكن أنطونيوس الذي شعر بانقباض صدره لم يستطع إعلان قبوله أو رفضه للرسالة، وآثر أن يستدير خارجاً من الكنيسة، فلاحقته كلمات يوسوب:

ـ ألن تشارك في القداس ؟

كان صوت الكلب السماوي قد بدأ يرن في أذنه، بينما أقدامه الكبيرة قد أخذت تضرب الأرض بقوة متصاعدة في اتجاه أنطونيوس، فاستدار متجهاً إلى الشارع دون أن يلتفت ليوساب وكلماته.

 

******

15

رسائل أوريجانوس

ـ 1 ـ

أخي وتلميذي وصديقي ديونيسيوس، بطريرك كنيسة الأسكندرية الجليل، لك السلام على الأرض وفي ملكوت السماء العظيم، أرسل لك الآن يا صديقي لأنني لا أعرف ما الذي يمكنني فعله بالأيام المتبقة من حياتي، أقول هذا وأنا أوريجانوس ابن ليونيدس السكندري المعروف بأدامانتيوس أو الرجل الفولاذي، فقد عشت حياة طويلة حافلة بالمتاعب والآلام، كنت واحداً في موجهة الجميع، ولم تتبعني سوى قلة قليلة، لكن الغالبية لعنتني، ورأوا أنني خطراً على كنيستهم أكثر من الشيطان ذاته، رغم أنني لم أقدم سوى تفسيراتي الداعمة لوجود الكنيسة وبقائها على الأرض، إلى أبعد مما تظن مخيلاتهم القاصرة، وعزائي الآن أن المسيح ذاته لاقى نفس آلامي، وكم كنت أشتاق لأن أنال نفس المصير، كم كنت أحلم أن يكون خلاصي على نفس الصليب، أو تحت نير السيوف والحراب، فكم حلمت بالشهادة، وكم كتبت في حث الآخرين عليها، حتى أنني جعلت قمة الخلاص فيها، وقلت أن ملكوت السماء يفتح أولاً للشهداء، وأن المسيح يقف في استقبالهم، لأنهم ساروا على نفس دربه، وشربوا من نفس كأسه.

أنا الآن أجلس وحدي في صور بفلسطين، أجلس بعيداً عن وطني، منبوذاً من قبل أساقفته ورهبانه، لكنني قريب من الرب وبقعته الطاهرة في بيت لحم، وعزائي أن كنيسته تقبلت أفكاري، ومازال رهبانها وقساوستها يفردون ظلال أجنحتهم لأستريح تحتها من الآلام، فقد رأيت وأنا الشيخ العجوز في ظلمات السجن عذابات لم ينلها عتاة المجرمين، وحده المسيح كان ينظر لي مبتسماً من سقف الحفرة التي ألقيت فيها، طالباً مني التشجع، فقد نلت من المكان والمكانة الكثير، كان يفرد يديه لأرى باتساع الأفق قصورا وجناناً وأنهارا قائلاً: كلها لك، وأنا أهتف: أمن أجلي هذا؟ وهو يشير الى السلاسل والقيود قائلاً: من أجل هذا.

كنت كلما رأيت الجلاد اهتف فيه بأن يشد قيوده على، ويضرب بكل قوته على ضلوعي، غير عابئ بجروحي وقيحي وأورامي، كنت أقبل يديه باكياً لا من أجل أن يتوقف عن فعله ولكن من أجل مزيد من الآلام، أطلب منه أن يلقي علي بشوكه، أن يحمي أسياخه ويضربني بها، أن يجرجرني على الزجاج والحصى المسنن، حتى ظن الجميع أنني جنت، لكن بعضهم كان يراني ذلك الفولاذي الذي يختبر قوتهم في مواجهة قوة احتماله، كانوا يزيدونني تعذيباً وأزيدهم ابتساماً، وكلما زدت نزفاً كلما رأيت الرب يلوح لي من سمائه أن ها أنت تقترب، هانت أنت تولد من جديد، وها نحن نجهز مركبك السماوي، فربما تجيئنا في المساء، وربما تجيئنا في الصباح، فانظر بعينك نحو الحسنين والجنان والأنهار والبيوت والقصور، أنظر كل ما هنا ينتظر عبورك السامي نحو الأفق الآخر من الملكوت.

كان داكيوس قد تولي حكمه منذ ثلاثة أعوام، وكانت الامبراطورية على وشك الانقسام، فقد تزايد حضورنا كمسيحيين، ودخل الكثيرون حظيرة الرب، وشاء المسيح للبشر أن يؤمنوا، فتوافدوا على الكنائس والأساقفة والقساوسة معلنين إيمانهم، فخفت الأقدام عن معابد أبولو والسيرابيوم وأفروديت، وقلت العطايا للكهان، فضجوا لداكيوس بأن بلادهم في خطر، وأن سلطته كحامي لوجود الآلهة على الأرض تتقلص كل يوم لصالح هؤلاء التابعين لنبي الناصرة، ولابد أن يضع حداً لهذا الموج الهادر، ولأن داكيوس من الأباطرة محدودي الوعي فقد رأي معاندة الرب في حكم رعيته، وأعلن أن على الجميع الركوع للأوثان، ومن لم يقدم أضحياته على مذابحها فإنه يسجن ويعذب ويذبح، هنالك اشتط رجاله في إعلان حربهم على المؤمنين.

أعرف يا صديقي ديونيسيوس العظيم أنك منذ توليت كرسي الكرازة بالاسكندرية خلفا لصديقنا هيراقلاس وانت تتمنى علىَّ أن اعود إلى بلادي، لكنني قضيت أعوامي كلها ما بين الناصرة وأنطاكيا وروما أقدم مواعظي للجميع، وأنهى الجميع عن الخلاف والتفكير في الصغائر، كنت ما بين كنائس تدمر والعراق واليمن والبحرين أقدم شروحي للكتاب المقدس وأسفاره وأصحاحه وآياته ورسائله، كنت أتحاور مع الجميع وأقنع الجميع بطبيعة الرب الإله، بأنه واحد ذو أقانيم ثلاث، هي الآب والابن والروح القدس، وأنها لا تنفصل عن بعضها بعضا، جميعها أقنوم واحد،  يجتمعون في مركز واحد، كنت أضرب لهم المثل بالشمس التي ينبثق عنها الشعاع الذي ينبثق عنه الضوء، فدون الضوء ما كنا سنرى الشعاع ولا نشعر به، ودون الشعاع ما كنا سنعرف بالشمس ولا ندرك وجودها، والعكس يا صديقي، دون الشمس ما كان الشعاع، ودون الشعاع ما كان الضوء، فهل يمكننا فصل أقنوم عن الآخر، وهل يمكننا القول بأن أي منهم وحده يمكنه أن يتحقق حضوره، هذه وجوه إله واحد، جميعها تتحد في مركز واحد، جميعها الإله.

كنت أبشر في كل مكان بما أرسلنا المسيح من أجله، أبشر بدينونة الرب وملكوته وخيراته وسلامه الذي يتنزل على الأرض في كل مكان، لم أكن أصطحب معي أكثر من صديقي أمبروسيوس أو راهب يساعدني في حمل مخلاتي الصغيرة، فلا أغراض لي في هذه الدنيا، ولا أهداف لي سوى الوصول إلى الملكوت السماوي الواسع البهي، كنا ندخل على الملوك والأساقفة بنفس هيئتنا البسيطة، ثيابنا المغبرة ووجوهنا التي علاها التراب والرمل والظمأ والتعب، نقطع مئات الهكتارات على مدقات في الصحراء، لا نحمل جرة ماء معنا، ولا كسرة خبز تسد رمقنا، كان الرفقاء يتغيرون في الطريق، ووحدى أكمل مسيرتي نحو أعمق أعماق الصحراء، هذه المبهرة المضيئة كأنها ملكوت الله، لم يكن أي من الشماسة يعي ما الذي نفعله، ولم تكن أي الضواري تقترب من مسيرتنا ولا مجلسنا، كانت تنظرنا من بعيد كأنها تحرس ركبنا المكون مني ومن شماسي ومن بغلينا الصغيرين، هكذا أمضيت سنوات يا صديقي، سعيداً بأنني رغم كل ما مر بي كنت الأقوى، وأن الأيام أثبتت صحة إيماني، وأن تلامذتي صاروا في كل مكان يبشرون بما كنت أحلم به، وما تركته من أفكار في كتبي ورسائلي.

 كنت كلما رأيت شخصين يتجادلان حول ما طرحته من آراء اتعجب من قدرة الأفكار على التنقل أكثر من أصحابها، لم أكن أتدخل في حوار طالما ليس مطلوبا مني التدخل، فالفكرة وحدها قادرة على محاورة غيرها، لكن على أصحاب الفكر أن يعدوا نفسهم للاستشهاد، وأن يوقنوا أن الشهادة هي أعلى المراتب التي ينالها المؤمن، لأن الله نفسه لم يجد أفضل منها ليضع نفسه في موضعها، فطلبها لنفسه قبل أن يطلبها لمؤمنيه، فليجهز الجميع نفسه للشهادة على يد أعدائه في حماية دينه، فمع المسيح ذلك أفضل.

*****

16

كانت مئات الأسئلة تجتاح دميانة عن كيف خدعها إحساسها بالبشر فرأت قاطع الطريق في صورة ملاك حارس، كان الجنون يكاد أن يفتك بها، نهضت من سريرها أجرت عدداً من الاتصالات بزملاء لها، أكدت للبعض أنها ستحضر قداس الأحد في الكنيسة الأم، وأجلت عدداً من المواعيد الأخرى لانشغالها في قضية معها، وشردت بذهنها في القديسة دميانة، تلك التي طالما استمعت في عظات الأحد عن صبرها وتحملها العذاب في سبيل المسيح، متسائلة عن حجم الآلام التي يمكن لجسد فتاة صغيرة أن يتحمله، وما الذي جنته من عذابها، كانت دميانة للحظات تشك في كل ما يقوله القساوسة، وتشعر أنها أساطير اعتادوا على ترديدها، وأفنوا مخيلاتهم في صياغاتها على هذا النحو الدرامي، كانت تنظر في عين الجالسين على كراسيهم أمام الراعي باكين، مستحضرين كل آلام الجسد الرقيق في أذهانهم، كما لو أنهم يعيشون نفس حالة التعذيب من جديد، يعيشون نفس الآلم، ونفس الشعور المتأرجح ما بين الوجع واللذة بالوجع، كانت دميانة تقول لنفسها أن ثمة مازوخية في النفس البشرية، وأن هذه الأساطير ليست سوى حيلة ابتكرها العقل ليشبع رغبة الذات في تعذيب نفسها.

ما كان لدميانة أن تتخيل أنها في يوم ما ستعجب بقس، وستراودها صورته في منامها كل ليلة، ويطاردها طيفه في بيتها وعملها وبين أصدقائها، كانت ترى نفسها علمانية لا يمكن لخرافات الوعاظ أن تسيطر عليها، لكنها من داخلها كانت تعتقد في الملكوت السماوي، تضع الكتاب المقدس في حقيبتها، وعلى المنضدة المجاورة لباب شقتها، وتحمل صليبا ذهبيا صغيرا على صدرها، وتنشر أيقونات القديسين على حوائط البيت، وتحرص على الصيام الكبير والصغير، والذهاب في الآحاد والأعياد الى الكنيسة، فكل هذه مفردات الإيمان الحقيقي في اعتقادها، فما الذي يجذبها الآن نحو قاطع الطريق الذي أصبح قساً.

كانت قد نشأت في مدرسة للراهبات، لكنها التحقت في تعليمها الثانوي بالتعليم العام، وسرعان ما التحقت بكلية الحقوق، فقد أصرت والدتها تريزا على ذلك، وما أن حصلت على الليسانس حتى أخذتها تريزا من يدها وذهبت بها لمكتب سعد الله خليلللمحاماة، صديق والدها وزميله، لم تطلب منه سوى أن تكمل دميانة مسيرة والدها من خلال مكتبه، فوافق الرجل وبدأ في تدريبها، لكن حين ظهر إعلان يطلب دفعة جديدة من خريجي الحقوق للعمل في النيابة الإدارية جاءتها بإعلان قائلة:

ـ ما تقدمي فيه.

وظلت تلح عليها حتى تركت ما لديها وأخذت تسعى في استكمال الأوراق وتقديمها، ثم أخذت تنتظر امتحان القبول حتى نسيت الأمر، وتحولت عضويتها في النقابة من الجدول العام إلى الجدول الابتدائي، حينها تم تحديد موعد لاختبار شفاهي، لم تعرف ما الذي أصابها بالتوتر حين علمت بالمقابلة الشفاهية، وظلت تسأل نفسها عما يمكن يختبروها فيه، في النهاية أشعلت شمعة أمام أيقونة العذراء مطالبة إيها بنصر الضعفاء، وحين لمحت أيقونة القديسة دميانة تبتسم لها هدأت أعصابها، ومالت إلى صندوق الشموع والبخور وأشعلت لأجلها قائلة:

ـ بركاتك يا قديسة دميانة، أشعل دستة شمع وأطعم عشرة فقراء لأجلك.

حين ذهبت إلى الاختبار شعرت بثقة كبيرة في أدائها، حتى أنها فوجئت بأن أحد المستشارين نهض من مكانه وشد على يدها وكأنه يهنئها، فربطت ذلك كله برضى القديسة دميانة عنها، كانت في ذلك اليوم مؤمنة أكثر من أي يوم آخر، فعادت تحكي لأمها عما حدث، مطالبة إياها بإشعال الشموع وإطعام الفقراء العشر كي لا تغضب دميانة عليها، لكن تريزا التي لم تكن تمتلك ثمن الشموع قدمت مشيئة الرب، وربتت على كتف ابنتها قائلة:

ـ انت مؤمنة، وربنا لن يتركك.

كان عليها أن تنتظر نحو عام كامل قبل أن تظهر النتيجة، لكنها في كل يوم يمر عليها كانت تشعر أن نظرات القديسةدميانة ستخرج من أيقونتها لتحرقهافي صالة البيت أوغرفة النوم، وباتت تشعر أنها مذنبة ولا تستحق عطف القديسين عليها، وتأكد لها الأمر حين لم تجد اسمها في كشوف المقبولين، وحين خسر سعد الله خليل قضية مهمة في مكتبه شعرت أنها السبب، فعدم رضى القديسة يطاردها في كل ما حولها، وزاد الأمر صعوبة حين تحرش بها أحد الزملاء في العمل.

كانت يومها تبحث في غرفة الملفات عن أوراق قضية قديمة، ودخل زميلها يوسف حنا بحجة أنه سيبحث أيضا عن قضية أخرى، لم تفكر تجاهه بشيء، وتعاملت معه على أنه غير موجود، وانهمكت في البحث واستخراج ملف من درج الشنن العتيق، رأى يوسف أن الفرصة مواتية للتحرش بها، فتسحب من خلفها مدعياً أنه يسعى للمرور إلى الجانب الآخر، وآن عبوره مد يده على ردفها، لكنها تعاملت على أنه خطأ غير مقصود، ولم ترد لفت انتباهه لشيء، فتغاضت عن الأمر والتزمت الصمت، فاعتبر يوسف ذلك دعوة للتحرش التصريح، فما كان منه إلا أن هجم عليها، فدفعها نحو الدولاب وضغط جسده بجسده، وسرعان ما التفت يده لتقبض على ثديها، لكنها على غير المتوقع فاجأته بانتفاضتها وصراخها في وجهه، ثم سرعان ما انهالت عليه الملفات كما لو أنها تقذف كل الشياطين بكل ما تقع عليه يدها، يومها خرج زملائها من مكاتبهم وأخذوا يهدئونها، لكنها كانت قد دخلت في نوبة من البكاء والتشنج، ونزلت من المكتب ولديها شعور بأنها تعرت أمام كل من في المكتب، وأن النجاسة طالت كل ذرة فيها.

ورغم أن سعد الله خليل طرد المحامي من العمل في مكتبه، وأن أمها باعت كنبة الصالون ومنضدة المطبخ كي تشعل الشموع للقديسة وتطعم الفقراء العشر، لكنها لم تفلح في طرد شعورها بغضب القديسين عليها، ولا أن تطهرها من فكرة النجاسة التي ترغب في التطهر منها، وظلت تنظر للرجال على أنهم طحالب لزجة، ودخلت في نوبة اكتئاب رفضت خلالها العودة إلى العمل، ولم تخرج منها إلا بعدما وفرت لها أمها تريزا فرصة العمل محققة في بعض الكنائس والأديرة.

كانت تريزا قد شعرت بالذنب تجاه ابنتها، موقنة أن تأخرها في إنجاز نذرها للقديسة دميانة كان السبب في كل ما جرى لها، وظلت أياما تفكر في مساعدتها على الخروج مما أصابها، في النهاية فكرت في اللجوء لواحد من أصدقاء زوجها صلاح مترى، هؤلاء الأصدقاء القدامى الذين جاءوا إلى هذا البيت وأكلوا وشربوا فيه مرات عدة، فارتدت ملابس خروجها وذهب لواحد منهم،كان يعمل في دير خارج حدود العاصمة الكبرى، شرحت له ما جرى وما تعيشه ابنتها من حزن لأنها لم تعمل محققة، يومها استقبلها الرجل كسيدة ذات أفضل عليه، واستمع لها بهدوء ومودة، مبديا حزنه لما تعانيه دميانة، ثم أوضح لها أن الكنيسة ليس بها إدارات قانونية كي يتم تعيينها فيها، فالتحقيقات دائما ما يقوم بها المجلس الملي، لكن بعض رؤساء الأديرة والكنائس يسعون لتحري الدقة قبل أن يرفعوا الأمر للمجلس، فيستعينون بشخص له خبرة في أمور التحقيق كي يساعدهم، يحيلون له مذكرة بالمتهمين وهو يجلس ليحاصرهم بأسئلته حتى يتوصل إلى صورة واضحة ينقلها إليه، فيرفع بها مذكرة إليه بها توصياته التي يحق لرئيس الدير أو الكنيسة أن يأخذ بها أو يرفضها، فهو صاحب السلطة الروحية على المكان، وهو الذي يقرر العقواب الصغيرة الحرمان من الصلوات أو التناول، لكن إذا كان الأمريستحق أكثر من ذلك فلابد من رفعه للمجلس.

أمضت دميانة عشر سنوات من العمل في كنائس وأديرة قريبة من القاهرة، كانت تحقق مع من تحال بشأنهم مذكرة اتهام لها، فتنصت إلى أقوالهم وتحاصرهم باسئلتها، حتى تصل في النهاية إلى الحقيقة من أفواههم، فتكتب مذكرتها وتوضح توصياتها بشأنهم، وعادة ما كان رؤساء الأديرة يأخذون بما توصي به، فقد أظهرت موهبة كبيرة  في التحقيق مع الرجال، كما لو أنها ولدت من أجل أن تحاصر أفكارهم،وتكشف عما يعتمل في رؤوسهم، مما يجعلهم يعترفوابما فعلوا وبما كانوا يخططون لفعله، كانت تحفظ قوانين الرهبنة مثلما تحفظ القانون المدني، وتتاعب بشغف ما يجرى من تحقيقات في المجلس الملي، وما توصل إليه محققون أخرون من طرق لإستخراج الحقائق من بطون الرهبان، كانت تشد الرحال بالأميال إليهم، فتسأل وتتقصى وتعرف، وتضيف إلى معارفها معارف جديدة، حتى بدت كما لو أنها وهبت نفسها للتحقيق مع الكهنة والرهبان، فنسيت قطار الزواج الذي توقف عن المرور من أمام بيتها، فقد شاع في مجتمع الخاطبين أنها تمارس عملها على من يتقدمون لزواجها، فكل خطيبلديها متهم إلى أن تثبت براءته،كل براءة ليس طريق غير الهروب من أمامها.

لا تعرف دميانة إن كان أنطونيوس هو القدر الذي خبأته السماء لأجلها كل هذه السنوات أم لا، فقد ظلت تشعر أنها تخلصت من فكرة الجسد ورغباته، حتى عرض عليها أسقف التحقيقات في الكنيسة أن تلتحق بدير جبرائيل الملاح، حدثها عن قداسة غيمانويل الطيب، وتمسكه بأن يستعين بها، حدثها عن المكان وتاريخه وارتباطه المباشر بالكنيسة الأم رغم بعد المسافة بينهما، وأن الأمر لن يستدعي وجودها أكثر من يومين، سيوفر  الدير خلالهما إقامة ووسيلة انتقال، حدثها كثيرا دون أن تتمكن معرفة السبب في تمسك رئيس الدير بها، حين حدثت تريزا عن عن الأمر أخبرتها الأخيرة أنها لم يبق لها في الدنيا الكثير، وأن عليها أن تفكر من الآن في مستقبلها جيدا، فظل تفكر حتى اتخذت قرارها بالتجربة في قضية واحدة، لكنها لم تتخيل أنها ستبقى نحو ثلاث سنوات في هذا المكان، فقد شعرت بابوة حقيقة من قبل رئيس الدير تجاهها، شعرت كما لو أن صلاح مترى بعث من جديد لينظر في عينيها ويربت على كتفها، وكأنه يطلب منها البقاء معه لأجل حمايتهعلى الأقل، فتوالت الأيام وهي في الدير، تسمع بأخبار كل من به ولا تلتقي باي منهم، سمعت بأنطونيوس المقرب من إيمانويل الطيب، ودهشت بما تردد عن أنه رأى المسيح في يوم ما، مثلما رأى أستاذه إيمانويل العذراء في كوة بجدار قلايته، ولم تتوقع يوماً أن تجده أمامها متهماً في قضية أشبه برأس مسمار يطل من جدار صخرة في جبال القلزم، شعرت أن آلاف الشعيرات تحترق في ذهنها دون أن تدري لأي قدر أتت لهذه الهضبة القاسية، زفرت بحرقة في الهواء المتراكم أمام أنفسها، مستحضرة نظرة أنطونيوس وهو يلقي بعينيه على جسدها الخامل فتشعل به النيران، وتسقط  عنه مئات التمائم والأسوار التي حصنتها بها، فهل آن الأوان أن ترفع القديسة دميانة عنها غضبها، أم أنه الشيطان الذي نشط في نسج حبائله كي ترى قاطع الطريق في صورة ملاكها الحارس.

******

17

للكنيسة سبعة أسرار هي: المعمودية والميرون والتناول والاعتراف ومسحة المرضى والزواج والكهنوت. لكل سر كاهن كبير، ولرئيس الكنيسة أن يأتمن من يراه مؤهلا للحفاظ على الأسرار المقدسة، هكذا دارت الدورة وخرج باخوميوس الحباكمن منصبه لصالح كاهن الحراسة والتأمين، هكذا تأكد أنطونيوس أن الدير سقط  في يد يوساب ورجاله، فلأكثر من خمسة عشر عاماً كان باخوميوس هو المسئول عن الاعترف، ولم يجرؤ أحد على الاقتراب من موقعه أو التشكيك فيه، لم يجرؤ أحد على الزعم بأنه أذاع سرا واحد لأي من المعترفين،خمسة عشر عاما وباخوميوس صاحب الرحمة التي ينشدها الجميع، ينصت ويبتسم ويغفر باسم السيد المسيح،لكن الأيام تغيرت، ويوساب أصبح صاحب السر، وفي حجره تسقط جميع الأسرار، يمكنه أن يستغلها كما يشاء، ويمكنه أن يفعل بأهل الدير ما يشاء.

كان أنطونيوس يحدث نفسه كما لو أنه يقذف الهواء بالأحجار، فقد ضاقت الدنيا في عينيه، ولم يعد له من يأتنس به، كل الذين أحبهم تساقطوا واحداً تلو الآخر، صار الدير غريباً على خطاه، كما لو أنه زرع له فجأة بالشوك والحصى، تذكر آلام المسيح وأوجاعه، وكيف جمع تلامذته من حوله وقسم خبزه ونبيذه بينهم، كيف أخبر يهوذا أنه مسلمه، وأخبر بطرس أنه سينكره قبل أن يصيح الديكثلاث مرات ، وتساءل أنطونيوس إن كان ما يحدث له اهو مسحة من الآلم التي يشتهيها كل من يرجو أن يكون به نفس من أنفاس المسيح، أم أنه درب من التيه الذي سقط فيه بني إسرائيل، لأنهمرفضوا ما قدره الرب عليهم.

تطلع إلى ضوء النجوم المتناثرة في صفحة السماء الصافية، كان ضوء القمر ينزل على الأرض ليكسوها بحلة ذهبية رقيقة،سمع صوت كلاب تنبح في مواجهة ذئب يعوي باتجاه الجبل، عادة ما تتسرب الذئاب للمكان طالما غفلت عنها الحراسة، لذا حرص الآباء منذ زمن سحيق على تربية الكلاب وتدريبها، كثيراً ما أربكت صفوف اللصوص وقطاع الطرق، ونبهت القلوب لخطوات فرق عسكرية أتتلنهب المكان ومن فيه، لكنها كثيراً ما فشلت في مهامها مع الذئاب، لأن ذئبا واحدا يمكنه أن يهزم قطيعاً من الأوفياء، فتكفي رائحته التي تصيبهم بالاشمزاز، وشعره الذي يوقف أسنانها عن العمل، ولولا الحراسة اليقظة على الدوام لعاثت الذئاب في دير الله.

أغلق باخوميوس قلايته على نفسه منذ أبلغوه بالخبر، وأخذ في إعادة قراءة الكتاب المقدس، كان ضوء المصباح الكهربائي ضعيفاً، لكنه يفي بالغرض، والعدسات التي صنعها طبيب عيون زار الدير منذ سنوات لباخوميوس ساعدته على الصلاة والتأمل أكثر من القراءة، حين طرق أنطونيوس بيده الكبيرة على الباب الصغير انتفض باخوميوس من كرسيه كما لو أنه كان موقنا بأن ثمة من سيجيئه، حين تذكر أن الأمر ليس على هذا النحو صرخ مرتين بصوت متردد على الطارق، وجاءه الصوت متوددا:

ـ أنا أنطونيوس.

مرت وقت في أسئلة عما يرغب أنطونيوس في شرابه، وهل هو بحاجة إلى طعام أم لا، وكيف مراليوم معه.وما الذي جرى في التحقيق، كان أنطونيوس يرد باقتضاب كمن ينهي خطوات لابد من قطعها للدخول إلى الباحة الكبيرة، لكن لحظات الصمت بين الإجابات والأسئلة كانت ثقيلة، وكان أنطونيوس ينتظر من باخوميوس أن يفاتحه بما حدث، وفي النهاية أشطر قائلا:

ـ ذهبت للاعتراف فلم أجدك.

هز باخوميوس رأسه في حزن مستسلما:

ـ طلبت من الآب جورج أن يعفيني، فقد اعتلت صحتي، ولم أعد قادرا على النهوض بأعباء السر المقدس.

توجه أنطونيوس نحو النسخة المفتوحة من الكتاب الذي أمامه، وأخذ يقرأ من الاصحاح الأول في سفر أشعياء:

اسمعي أيتها السماوات وأصغي أيتها الأرض، لأن الرب يتكلم: ربيت بنين ونشأتهم ، أما هم فعصوا علي، الثور يعرف قانيه والحمار معلف صاحبه، أما إسرائيل فلا يعرف، شعبي لا يفهم. ويل للأمة الخاطئة، الشعب الثقيل الإثم، نسل فاعلي الشر، أولاد مفسدين تركوا الرب، استهانوا بقدوس إسرائيل، ارتدوا إلى وراء).

لم يتوقف أنطونيوس إلا بعدما نهض باخوميوس من مكانه والتقط الكتاب من بين يديه :

ـ كفي يا بني، فهم يعرفون طريقهم.

كانت عين أنطونيوس تتقد كجمرة في موقد مشتعل، كان الغضب يأخذ به كل مأخذ، لكنه لا يعرف كيف يتصرف، وكل ما حوله ينهار ويتداعي، كل ما بناه الأب إيمانويل يتساقط من حوله، ذلك العالم المتسامح الذي أمن به وأتي خلفه لم يعد كما كان، ثمة لون من الحمرة يزداد كل يوم، كما لو أن الدير يتخذ لنفسه حلة جديدة، ما الذي يحدث، ولمَ كل هذه السرية فيما يحدث، نظر في وجه باخوميوس قائلاً:

ـ في طريقي إلى الدير كنت أحمل سلاحي على كتفي، كان سلاحا قديما لكنه لم يخذلني  يوما، حين وصلت الى الهضبة ونظرت إلى قبابها البيضاء وسمائها الصافية خجلت أن أدخل بيت الله ومعي سلاحي، فخلعته من كتفي وحفرت له في الرمل، ودفنته بيدي، كنت أعتقد أن صحبة المسيح تغني عن مواجهة الوحوش، لكنني كنت مخطئاً، لأن الوصول إلى المسيح يلزمه الانتصار على كل الوحوش.

يتمتع باخوميوس ببعض السمنة والروح المرحة، يتمتع أيضا برحابة صدر واستسلام خالص لإرادة الرب، لا يعتقد من يعرفه أن الغضب وصل في يوم إلى قلبه، منذ دخل هذا الدير ولم يغض مرة، سنوات طويلة مضت عليه في المكان، مرات قليلة التي خرج فيها منه، إحداها كانت بصحب إيمانويل الطيب، كانت الكرازة قد رفضت طلب آباء الدير إدارج اسمه في قائمة القديسين، غير معترفة برؤيته للسيدة العذراء، ولا كراماته التي بدأت من شفاء المرضى إلى تحويل قطع من الجبل عن مكانها، كانت كراماته واضحة للكل، لكنهمرفضوا الاعتراف بها، فقرر إيمانويل منعاً للحرج أن يخرج في رحلة للبحث عنغزالة الشاردة، هكذا قال، نظر الآباء في الدير بعضهم إلى بعض كما لو أنه أصيب بالجنون، لكنهم تعاطفوا معه، فأحضروا عربة تقله إلى السويس، ومنها بدأ جولة طويلة على مختلف الكنائس والأديرة، لم يقل لهم ما الذي حدث، فقط كان يسألهم أن يستضيفوه ليصلي للشهداء والقديسين، كان باخوميوس في صحبته طيلة تلك الجولة، عام ونصف وهما يدوران علىأديرة من الشرق إلى الغرب،ومن كنائس الجنوب إلى كنائس الشمال، جابا القطر كله بحثا عن الغزالة الشاردة، لكن باخوميوس الذي لم تسعفه رشاقته في المزيد من التجوال بين القرى والنجوع قررا العودة إلى الدير.

 كانت هذه واحدة من المرات القليلة التي خرج فيها، لكنها كانت الأطول، فما حدث فيما قبل أو بعد لم يزد عن زيارات لأديرة لا تتخطى أسابيع أو بضعة شهور، ومرة خرجيبارك ويصلي في بيوت أهل القرى القريبة، لكنه في العموم كان يحب العزلة والتأمل، يجلس في قلايته بالأيام يحبك حبالا من الليف وهو يترنم بالأسفار والأصحاح، قيل أنه تعلم حبك الليف صغيرا بين أهله في بدو سيناء، وأنها ظلت حرفته في كل مكان نزل به، فعرف بين الرهبان بالحباك، ورغم وداعته مع الجميع إلا أنه لم له أصدقاء سوى إيمانويل، ويوم تنيحه جلس على الأرض رافضاً الكلام، وظل ستة أشهر يبكي في قلايته، حتى ذكره أنطونيوس بأن الله كلفه بسر فلا يهمله، فنهض من مكانه ليستقبل اعتراف النادمين على أخطائهم.

وحده أنطونيوس الذي نال اهتمامه ورعايته،فقد أدخله إيمانويل الدير، وطلب منه يجعله شماساً في معيته، فتعلم منه اللغات القديمة، وتعلم من أنطونيوس فلسفة اللاهوت، وبحث في سير المهرطقين وأفكارهم، وقدم رسالة عن التصورات التي بنوا عليها رؤاهم، كان إيمانويل يهتم بأمر أنطونيوس كأبن له، واعتبره الهدية التي لا يملك سواها  كي يأتمن صديقه الأبدي، فصار مرشده الروحي، ووالده في العماد الجديد، وكان الجميع يعتبره جوهرة الدير، لكن الزمان تغير، كبر باخوميوس وتنيح إيمانويل، وأخذ البعض يسعى للتحرش بذلك الذي يعتبرونه لغزاً، ولا يريدونه أن يبقى بينهم، فهل حمل سر إيمانويل في قلبه؟ أم أن إيمانويل هو الذي حمله كل هذا الإرث؟.

كانت النجوم قد خفتت في السماء، وأخذت ظلال غيوم تتهادى على وجهها، ليس هناك ما يوحي بتغير كبير، لكن الضوء الذهبي للقمر تكاثرت عليه السحب من كل جانب، أخذ أنطونيوس بشكل غريزي يستكشف كل ما حوله على الهضبة، على البعد رأي أشباحا تتقافز  بين صفوف القلالي، وتعبر ساحة الدير إلى الجانب الآخر، حيث سفح الجبل ومخزن الكتب ومناطق الورش ومبنى الضيافة، شعر أن ثمة شيئاً يدور في المكان، وأنه بحاجة الآن لسلاحه كي يأتنس به، وبغريزة المطارد أخذ يخف الخطى خلفهم، متوارياً في الجدران والظلال، مقترباً منهم وهم يحفرون ليدفنوا شيئاً في الأرض، شيئا ثقيلا تعاونوا جميعا على حمله بحرص وانتباه شديد.

وقف على البعد يرقب ما يجري، موقنا أن الدير لم يعد مكاناً آمناً، وأن ثمة خفافيش تتقافز في الظلام، ضرب بيده من الغيظ على قطعة من الصخر المتآكل فانهارت،وأحدثت صوتاً نبه الخفافيش إليه، رأي أصابعهم تتبادل الإشارات في اتجاه القلالي وسفح الجبل وبوابة الدير، رأى ثيابهم وأقنعتهم السوداء، ووحركاتهمالسريعة وأطوالهم الواضحة، رآهم وهم يتقافزون في الظلام باتجاهه.

 لم يكن أمامه سوى أن يترك لقدميه العنان، كان يقفز من بين الصخور كما كان أنها بيوت واطئة، ويسارع مجاهداً نفسه كي يستعيد لياقته القديمة، فيسباقه مع النور والظل المنبعثين من إطلالة قمر متوار بين خلف سحب داكنة، رأى على البعد دميانة وهي تسير في طريقها نحو قلاية المنحني، لم يستطع أن يتمالك نفسه من الصراخ عليها، دون أن يعرف إن كان يستنجد بها أم ينبهها للخطر الذي يحيط بها، وكان الجبل يردد صدى ندائه من خلفه بفزع:

ـ دميانة!.... دميانة!.

لكنه لم يستطع أن يكمل ما أراد قوله، فقد وقف في مكانه فجأة، وانبثق شريان دم من رأسه، ليغرق لحيته وملابسه ووجه بالدماء، ثم يسقط في مكانه مغشيا عليه.

*******

18

 في الوقت الذي نشط فيه أبانوب لبناء الكنيسة التي أرادها ديمترويوس الصغير في دير الملاح؛ كان رفائيل السكندري قد حمل رحله على كتفه وخطى أولى خطواته نحو الشمال، سار بحذاء الجبل إلى أن وصل إلى دير الأب أنطونيوس، فدخله لنيل بركاته والتزود بأخبار الرومان وأفعالهم، بعدها انطلق إلىكلسيما، حيث يلتقي البحر باليابسة عبر الخليج الفاصل بينها وبين أرض الفيروز، فقضى في ضيافة رهبان أحد أديرة المدينة عدة أيام، استرد خلالها أنفاسه وتزود بالأخبار والخبز وبعض الشروحات والرسائل، كانت كالسيما قد بدأت تنتعش كميناء على رأس البحر المؤدي لبلاد بونت، وكانت المنطقة قد أصبحت مركزالجذب الرهبان الباحثين عن التوحد بالرب، استمع رافائيل لحكايات الرهبان عن المدينة وصحرائها وبحرها، موقناً أن الجن والملائكة والحيوانات والبشر يعيشون جميعهم في عالم واحد، دون خلل في نظامه.

 حين انتهت ضيافته حمل رحله من جديد وفتح خطاه نحو حصن بابليون في منف، ومنه انطلق نحو صومعة الأب مقاريوس صحراء الإسقيط، فاستراح في ضيافة بعض الرهبان الذين نزلوا بجانبها، وتزود من أخبارهم وبركات قديسيهم وشهدائهم،ثم أكمل طريقه نحو المدينة العظيمة في الشمال، رحلة طويلة كان من الممكن ألا تستغرق أكثر من أسبوعين أو ثلاثة، لكنها امتدت لعدة شهور بسبب الظروف غير الآمنة، فرغم أن قسطنطين أعلن أن المسيحية دين البلاد الرسمي، وأعلنت أمه هيلانة أنها مسيحية، وأمرت كنيسة كبيرة نقلت إليها رفات القديسة المصرية صوفيا،إلا أن ذلك لا يعني أن العداء ضد المسيحية قد انتهى، فضلا عن الذئاب والسباع وقطاع الطرق الذين لا رادع لهم.

أسلم رفائيل أمره للرب، داعياً لبؤة الملاح أن تحميه من الأسود والذئاب، ويحميه جبرائيل نفسهمن الفتنة التي اجتاحت البرية، فقد استعر الخلاف حول قبول المعترفينأم رفضهم، كان الرافضون من أتباع ميليتوس يرونهم أنهم أنكروا المسيح ولا يحق لهم العودة إلى شركة الكنيسة، ونشطوا في محاصرة بطرس الأول واتباعه قبل أن يقنعوا الناس بقبولهم، وسرعان ما نزل ميليتوس برجاله فرسم قساوسة في الأسكندرية، وهو ما اعتبره بطرس تعديا على سلطاته، فأنذره مرة وأخرى، ولما لم يستجب له أعلن حرمانه، فرد ميليتوس هو الآخر بخلعبطرس وحرمانه، واختلف الناس ما بين هذا وذاك، وانتشرت الفتنة في البر كله.

كان رفائيل ينصت ويتذكر وصية ديمتريوس الصغير:

ـ لا تكن فصيحا بين الذئاب.

قالها لهوهو يودعه قبل نزوله من مخر السيل، فظلت ترن في أذنه طيلة رحلته التي استمرت لسنوات طويلة، وما أن عبرت أول قافلة من صحراء الإسقيط حتى خرج معها إلىالأسكندرية،تلك المغلقة على الرومان واليونان واليهود وقلة من أبناء كيمت، تحدث إلى الجنود الواقفين على البوابات باليونانية والعبرية، فعلموا أنه أحد أبناء اليهود، فتركوه يدخل متسكعا في شوارعها ودروبها، مستمتعا بروائح اليود المنبعث من البحر إلى وجهه، وقد اشتد به الشوق لشارع البحر، فأخذ يمشي على شاطئهدون أن يفكر في الذهاب إلى بيته، فأن يعتقد والده أنه مات أو قتل في غارة للبدو أو تجريدة للجند خير ألف مرة من أن يطالبه بالعدول عن إيمانه بالمسيح.

 في النهاية عبر المكتبة التي بنيت بديلا عن المكتبة القديمة الشهيرة، والتي تمددت بثقلها الكبير الجديد إلى جانب بيت الحاكم، عبر بهو مدرسةالميوزيوم التي أصبحت جزءا محيط من المكتبة، معلنا لحارسها أسمه واسم أبيه سائلا عن كيفية الإلتحاق بحلقات الدرس فيها، وما أن علم بالشروط حتى عبر  من جديد شارع البحر إلى الشارع الذي يقف بيت أبيه على ناصيته،ليرتمي في أحضان أمه معتذرا عن هروبه وغيابه.

****

19

لم يسأل أنطونيوس الراهب إيمانويل عن كيفية صعوده إلى مغارته التي على الصخرة، لكنه ألح عليه في معرفة ما جرى لشيخ البلد، وكلما رسم إيمانويل ابتسامة على وجهه كلما تصاعد غضب أنطونيوس، حتى أنه شد أجزاء بندقيته مهدداً إيمانويل بإطلاق النار عليه، حينها نظر الراهب نحوه نظرة غضب، لم يعرف أنطونيوس ما الذي جعله يرتجفمنها، وشعر أن ذراعه لم تعد قادرة على حمل السلاح، فوضعه إلى جانبه ورفع يديه مستسلماً، فضحك إيمانويل وزال السحر عن أنطونيوس، يومها أخرج ما لديه من خبز ليباركه له إيمانويل، وبدا أنه يسخر من الرجل ومهنته وزيه، لكنه من الداخل كان ممزقاً بين التصديق والإنكار، فمنذ سنوات وهو يعيش في هذه المغارة، الكل يرغب في بقائه على نقيض ما يدّعون في مطاردته، فجميعهم يحبون ملاك الموت حين يأتي لغيرهم، لكنهم لا يرغبون في التحليق معه.

كان أنطونيوس قد لجأ إلى هذه المغارة بعدما قام بعض الجهاديين العائدين من أفغانستان بفرض الجزية على مسيحي قريته، لم تكن حملتهم أكثر من إعلان خروج، لكنهابالنسبة لأنطونيوس وأهله كانت كل شيء، فقد هُددوا في أموالهم وأولادهم وأنفسهم، وذكروا بماض لم يرغبوا في عودته.كانت الحرب الروسية الأفغانية قد انتهت، ولم يكن أمام المجاهدين العرب هناك سوى أن يعودوا إلى بلدانهم، فعاد أحدهم إلى قرية مجاورة لقرية أنطونيوس، وعلى الهامش بين القريتين اتخذ لنفسه كوخا وكون خلية من الطاعمين في الجهاد لنصرة الله ودينه، ولم يكن هناك أفضل من جهاد الأقباط، وردهم لما كانوا عليه في زمن الخلافة الرشيدة، فجمع رجاله وخرج بهم يدق على أبواب الأقباط، لم تكن بيوتهم تزيد عن عشرين في القرية، بعضها متجاور وأغلبها متفرق، فاستيقظوا في منتصف الليل على نحو عشرة رجال بلحى طويلة جلابيب بيضاء قصيرة، بينما أميرهم يصرخ:

ـ اليوم هو الإعلان .... وبعد أسبوع التنفيذ، فإما خمسون جنيها عن كل رأس،وإما الهجرة أو الموت.

كان الاعلان مفاجئاً لمن استيقظوا ليجدوا أنفسهم في مواجهة الحرب، لكنهم لا يملكونقدرة على التفوه بغير الموافقة، قلة حاولت أن تستفهم، واعتبر الأمير ذلك نوعاً من الجدل، فأنهاه بضربتين من طرف عصاه على الباب معلناً:

ـ الأسبوع القادم ... وإما الجزية أو الحرب.

حتى تلك اللحظة لم يكن أنطونيوس يعلم بما يجري، فقد خطفته المدينة مثلما خطفت الكثير من أبناء القرى، كان حظه في كلية الآداب، لكنهم لم يسمحوا له بدخول قسم اللغة العربية، فتحمل قدره ببساطة وقدم أوراقه لقسم الاجتماع، كان من المفترض أن تكون دراسته عن الأرامل والمطلقات حسبما كان يعتقد، لكنه فوجيء بأنه يدرس نظريات الفلاسفة وتطبيقاتها في الواقع، ومثلما جذبته الدراسة في القسم الذي لم يتوقعه، كذلك جذبته المدينة التي لم يتعرف عليها من قبل، جذبته الأسر الثقافية والرياضية في كليته، لكن فريق الكشافة لم يرحب بوجوده، فقد سيطر عليه إسلاميون، ومزجوا بين النشاط والطقوس الإسلامية من خطب وصلاة وصوم وغيرها، ولم يكن من السهول أن يفرض نفسه بينهم، تكرر الأمر في انتخابات اتحاد الطلاب، ووقف الجميع يسخر منه حين لم يحصل إلا على صوته، مما جعله يرحب بالانضمام إلى فريق الكشافة القبطي، لم يكن فريقا بالمعنى المعروف، لكنه كان أقرب إلى جماعة سرية يتم اختيار أعضائها للمشاركة في أعمال خيرية، كمساعدة رهبان الأديرة في عملهم، أو الوقوف على أسوار الأديرة في الصحراء لحمايتها من اللصوص، وهو الأمر الذي كان يستدعي اختيار ذوي القامات الطويلة من أمثاله.

في نهاية العام الدراسي الثالث كان عليه أن يعود إلى لزيارة أهله قبل أن يبدأ عمله في بار من الدرجة الثالثة، عمل وفره له والد أحد أصدقائه، لكنه ما إن طرق باب بيتهم حتى انهارت أمامه أمه من البكاء، فقد هددهم المسلمون بالجزية أو الطرد والقتل، أخذها في حضنه وهون الأمر عليها مؤكدا أمام أبيه أنهم هؤلاء مجموعةمن قطاع الطرق، والقانون سوف يلزمهم عند حدودهم، ودارت المناقشات في بيوت الأقباط عما ينبغي عمله، أغلبهم كانوا يتحدثون بعجز وقلة حيلة، وبعضهم كان متشددا وهو يعلن أنه سيقتل من يقترب من بيته، وكان أنطونيوس يشد من عزم هؤلاء ويهدئ من روع هؤلاء، وفي الصباح التالي أصطحب ابن عم لهإلى مركز الشرطة ليحرر محضرا بالواقعة ويطلب منهم حماية الأقباط، فأكد له الضابط أن أحدا لا يجرؤ أن يأذي مواطناً في القرى التابعة لمركزه.

خرج أنطونيوس من مركز الشرطة كبطل قومي مثقل بالنياشين، لكنه بمجرد وصوله لقريته خسر كل شيء، حتى تعاطف الضعفاء الذين قرر أن يحارب من أجلهم، فقد ظهر له الأمير في موقف محطة القطار بصحبة عدد من رجاله، ووجدها أنطونيوس فرصة ليعلن على مسامعهأن الأقباط في حماية الدستور والقانون، يومها صفعه الأمير على وجهه، وأعطى أوامره لرجاله بأن الذي سيجمع الجزية بنفسه هو ذلك البطل المغوار، واليوم وليس في الأسبوع القادم، وتحت وطأة الصفعات التي نالها أنطونيوس أصبح خرقة بالية في أيديهم، فكانوا يجذبونه من أمام كل بيت إلى الآخر، كي يطرق الباب إلى أن يرد يفتح أهل البيت، ويسألونه عما يريد، فيرد بأنه جاء لتحصيل الجزية المقررة، هكذا مرا على الأقباط جميعاً في قريته، بما فيهم بيت أبيه وأمه اللذين ماتا كمدا في ذلك اليوم، وفي النهاية أصدر الأمير أحكامه أمام الجميع بربط أنطونيوس في أحمد أعمدة النور، وجلده أمام الجميع عشرين جلدة على الأقل، ثم طرده خارج القرية.

هكذا وجد أنطونيوس نفسه خارج القرية، وأمام عواء الذئاب ونباح الكلاب وحجارة الأطفال والسفهاء لم يكن أمامه سوى أن يجر أقدامه ليخرج إلى الصحراء دون أن يعرف إلى أين، كان يأمل أن يصل إلى قرية أخرى قبل أن ينزل الليل، لكن قواه خارت وسقط على وجههمستسلما لقدره بأنها النهاية.

*****

20

رسائل أوريجانوس

ـ 2 ـ

تلميذي وصديقي البابا ديونيسيوس، أنا ألان أتذكر ما جري لي طوال سنوات مضت، كما لو أن قطيعا كبيرا من الغزلان يمر أمام عيني، بعضه منتظم وبعضه شارد، لكن الكل في النهاية يسير كخيط طويل لا ينمحي، أتذكر ما كانت تحكيه أمي عن أن أبي، كان يقف بجانبي وأنا نائم، فيعري صدري وينظر إليه كأن الروح القدس ينام فيه، وذلك لحفظيللكتاب المقدس كله في هذه السن، كان شغفي بالتعلم مثار دهشة للجميع، كنت أشعر كأن نهراً ينساب من السماء ليصب ماءه العذب في رأسي، لم أكن أعيد قراءة قرأتها، فقد انطبعت على ذهني كأنها نقش على صخر، لذا لم أندهش مما قالته، كما لو أنها أكدت لي ما هو مؤكد، لكنني تيقنت أن ما أفعله وما أقوله وما أصل إليه من رؤى ليس من عندي، لكنه من السماء، تلك التي لوأرادت أن يجف نهرها من صدري لفعلت، وحتى الآن أشعر أنني لدي الكثير الذي يريدأن يتدفق نحو الخارج، وأن يصدر على هيئة تفسيرات ورسائل وعظات،أعلم أن البعض يرتبك من تفسيراتي، لكنني ما جئت بها عن هواي، وما تحدث الملاك الذي في صدري بوضوح أكثر من هذا، ما أفسره رمزاً الآن قد يأتي غيري غدا ليجلو رموزه.

كان ومازال هذا اعتقادي في تفسير نصوص الرب، فلا يمكن التعامل مع ما يقوله الرب كما نتعامل مع ما نقوله في حياتنا اليومية، تلك المليئة بالتفاصيل، والتي لابد من الوضوح الحازم فيها، حياتنا الفانية لا يمكن أن تكون كحياة الإله، وكلماتنا ليست ككلماته، ولا عشقنا كعشقه، أو أبديتنا كأبديته، الفارق واسع بين الرب القادر صاحب الاختيار وبين العبيد الضعفاء من أمثالنا، وعلى الكنيسة أن تنتبه إلى هذا الفارق، حتى وإن اختار الرب أن يمضي جانباً من حياته بيننا، وفي أبديتنا الفانية، فصور الرب جزء منه، واختياراته كاكلمندسه، كلاهما لا ينفصلان عنه.

يا للهول يا صديقي، ها أنا أعود للرمز من جديد، أعود للحديث عن التفسير والإيمان القويم، متناسياً أنني أكتب لك من أجل أن أعترف، نعم صديقي أنا أريد أن أعترف، لذا أرجو أن تعتبر ما أكتبه اليك الآن هو نوع من الاعتراف، أرجو أن تقبله مني، فضعفي وعجزي الآن لا يسمحان لى أن أقطع المسافات إليك، وأوقن أنك ستصعد فوق قدس الأقداس رافعاً اعترافي قائلاً (يا الله الذي قبل اليه اعتراف اللص على الصليب المكرم،اقبل اليك اعتراف عبدك الصغير أوريجانوس، واغفر له جميع خطاياه من أجل اسمك القدوس الذي دعى علينا، كرحمتك يا رب لا كخطايانا).

نعود إلى طفولتي يا صديقي، فقد كانت الأسكندرية تلك المدينة البديعة محصنة بالجنود من كل اتجاه، كان الرومان يرونها الجنة التي عليهم أن يحموها من دخول الأشقياء في الأرض، وكانت بالفعل مدينة الله على الأرض، وجنته التي حوت من كل شيء، كان جمالها باهراً، ورخاؤها عميم، كل شيء فيها كان بهياً، والدعوة إلى الله تنتشر بخفة سحابات صيف، كان والدي ليونيدس حريصاً على تعليمي في مدرستةاللاهوت، وذاع صيتي بين الطلاب كواحد من أفضل المتعلمين، وظن أبي أنه سيجلس في يوم مفتخراً أنني رئيس هذه المدرسة، لكن هذا اليوم وإن جاء فإن أبي لم يشهده، فقد أراد الرب أن يختبرنا جميعاً، أراد أن يضعنا تحت مقصلة الصبر على ما نكره وما لانريد، إذ صعد لعرش روما سبتيموس الطاغية، ولأن الأسكندرية درة التاج فقد قرر أن يزورها، ويقدم على مذابحها الأضاحي للآلهة، وصحبه الوالي في عجلته الحربية ليجوب شوارعها الجميلة، ويمر على معابدها العديدة، لكن كاهن السيرابيوم وقف أمامه قائلاً: كثر الخارجون على ديانات الأباء والأجداد، فقلت الأعطياتوكثر الفساد، فانصر آلهتك أيها الامبراطور.

يومهااقسم سبتيموس للآلهته أن يعيد مجدها، وأمر نائبه في الأسكندرية بأن يمحو المسيحيه منها، ولم يكن أمام الأخير سوى أن يظهر الولاء والقوة، فألقى القبض على كل من هو مسيحي، وكل من تشكك في أنه مسيحي، يومها أغلقت الكنائس، وهرب الرجال إلى الصحاري والجبال، كانت الجنود تطاردهم بالخيول وهم يفرون على أقدامهم الصغيرة، لا يلوون علي شيء ولا يسيرون على هدى، كثيرون سقطوا تحت سنابك الخيل، وكثيرون لعبت السيوف في رقابهم، حتى النساء لم ينجون، فقد هاجم الجند البيوت، ويكفي أن تكون هناك ولو اشارة على أن صاحبها مسيحي لتستباح، فامتلأت السجون بمن وردوا إليها، وامتلأت المزابل بالجثث، وفاضت الدماء على الأرض، كانت أحجار الطرقات تنز دماء، وتكتسي بجلود من سحلوا، الأسكندرية التي كانت جميلة صارت مدينة الله الكافرة، وظن الجميع أن سبتيموس هو المسيح الكاذب، وأن النهاية أوشكت، ولابد أن ينزل المسيح ليرفع الظلم عن الناس.

في تلك الآونة كتبت رسالتي في الاستشهاد، كنت أحض الجميع على أن يقبل مصيره، وأن يوقن أن ما يمنعه عن ملكوت السماء هو تأخر نزول سيف الجنود على عنقه، كنت أطالبهم أن يبرزوا لشهادتهم في أي مكان، فالشهادة أقصر الطرق إلى الملكوت الأبدي،فمع المسيح ذلك أفضل، وحين قبض الجنود على أبي لم أستطع أن أنفذ ما قلته، أعترف يا صديقي أنني لم أستطع، للحظة ما خفت، وشعرت أن الموت نهاية سيئة، أن الموت ليس الطريق الحقيقي نحو الخلود، وأن مركب الإله لا تمر عبر نهر الموت المتدفق في شوارع الأسكندرية، أقول أنني جبنت وتواطأت على منع أمي لي من الخروج، فقد جردتني من ملابسي، انتزعتها عني وجمعت ما بالخزانة وأحرقت كل شيء، تركتني في غرفتي عارياً كيوم ولدتني كي لا ألحق بأبي، هذا الذي اكتفيت بأن أرسل له رسالتي عن الاستشهاد، وكانت النتيجة أنني بينما انتقل هو إلى الأمجاد السماوية، أبي قديس شهيد، وأنا هنا أعاني آلام عذابي، أعاني أثار الطوق الحديدي الذي صحبني في مقمورتي عاماً كاملاً، أنا هنا موشك على الموت كعابر سبيل لا يعرفه أحد، بينما روح أبي ترفرف بجناحيها في البعيد إلى جانب الرب. فصل من أجلي يا أخي وصديقي، لأنني جبنت.

*****

21

قررت دميانة أن تنحي انجذابها نحو أنطونيوس جانباً وتركز في القضية التي طالبها رئيس الدير بسرعة إنهائها، أحضرت مذكرة الاتهام المحولة إليها من الأب جورج، تلك المذكرة التي كان من الممكن أن يحكم فيها بنفسه، مبدياً لومه أو تأنيبه لأنطونيوس، لكن الجرم المتهم فيه الأخير فضلاً عن مكانته كأحد التلامذ المقربين من إيمانويل الفقير، جعل من الحرج لأي من مسئولي في الدير أن يتهمه بشيء، ومن ثم لجأوا إلى المحققة دميانة كي تكون بمثابة القفاز الذي يمكنهممن خلاله تشذيب الشوك دون جراح.

 ضحكت دميانة حين تصورت أنها ستنهي قضيتها بتوصية تطالب فيها بعزل أنطونيوس، وفكرت للحظة أنهما الممكن أن يلتقيا خارج الدير، ويبدأا حياة تليق بآدم وحواء وليس مريم والمسيح، كان شبح ابتسامة قد ارتسم على وجهها وهي تسرح بخيالها في مشهد قس يضع إكليل الزواج على رأسها، لكنها سرعان ما استفاقت على أنها لن تبني بيتها على ظلم رجل تتمناه، فهذه بداية خاطئة تؤديإلى نهايات خاطئة.

كان أنطونيوس قد استفاق من فقدان وعيه ليجد نفسه أمام دميانة، واستغرق الأمر منه وقتاً كي يستعيد ذاكرته ويستوعب ما حدث، فقد سقط مغشيا عليه إثر ضربة جاءته من الخلف وهو ينادي على دميانة أن تنتبه، لكنها حين انتبهت كان قد نال ضربته، وسقط أمامها على مبعدة مائة متر قطعتها هرولة نحوه، لم تعرف ما الذي يمكنها فعله في ذلك الوقت، ولا كيف يمكنها أن تحمله أو توقف نزيفه، فصرخت بقدر ما تسطيع، وخرج رهبان وشماسة من قلاليهم ليلقوا برؤسهم نحو الصوت النسائي نادر السماع في المكان، للحظة نسيت أنها المحققة التي يخشاها الجميع وانهارت في نوبة بكاء ولطم، وأمام صراخها المتوالي توافد الرهبان نحوها وتعرفوا على أنطونيوس فنقلوه إلى قلايته.

 كان ملاك من بين الذين خرجوا مندهشين لسماع صوت نسائي في الدير، قلة هي التي كانت تعلم أن المحققة دميانة لها استراحة فوق مبنى التحقيقات، لكن أحداً لم يعرف ما الذي أخرجها من استراحتها في ذلك الوقت، هدأ من روعها وجود ملاك على مقربة منها، وحين ذهبت معه إلى قلاية أنطونيوس ظلت متمسكة بوجوده كورقة تسمح ببقائها في غرفة راهب، كان مفتاح العيادة مع الشماس أبانوب ، فذهب مع صديق له وأحضرا بعض الشاش والقطن والمطهر، وجلست دميانة وملاك ينظفان الجرح، داعين الله ألا تكون ثمة إصابات في الجمجمة من الداخل، ولم تعرف لم كان عليها أن تظل إلى جانبه حتى يستعيد وعيه، فهدهدت على كتفه بعدها وطلبت من أبانوب أن يرافقها في طريق العودة إلى استراحتها، على أن يتركا ملاكا معه حتى الصباح.

لم تنم ساعة حتى استيقظت لتكتب مذكرة بما رأت، وفي الصباح ذهبت لتلتقي جورج المنحنى في قلايته المجاورة لكنيسة ديمتريوس الصغير ، كانت مساحة القلاية لا تزيد عن سبعين مترا، قسمت إلى غرفتين وصالة وحمام، كانت الصالة مزودة بأنتريه من الأرابيسك ومنضدة زجاجية في الوسط، بينما الغرفة الأولى بها مكتب وكرسيان من الجلد، وعلى الجانب الآخر كانت غرفة نوم مزودة بسرير فردي ودولاب ملابس وخزانة كتب، في المدخل يقف شماس في الخمسين يستقبل القادمين ويجلسهم في الصالون لحين استئذان المنحني في دخولهم عليه. جلست دميانة على كرسي منجد بالقطيفة الحمراء في انتظار خروج الشماس، حين عاد أخبرها بأنه يصلي، فأخذت تطالع الصليب الكبير المعلق على الجدار وعلى جانبيه أيقونة للمسيح مصلوبا، وأخرى للعذراء وهي تحمله في طفولته، لم يمض كثير من الوقت حتى خرج إليها المنحني بصليبه الكبير ومسبحة تتدلى منه، مد لها يده بالصليب فانحنت وقبلت كلاهما، رحب بها ودعاها للدخول إلى مكتبه، وبعد حشرجة في صوتها انتظمت كلماتها معلنة عن رغبتها في أن تقدم بلاغا بأن ثمة من يريد قتل القس أنطونيوس.

كان جورج يهز رأسه الكبير المضغوط في جسده السمين بتكاسل شديد، وعبرت عيناه من أسفل نظارته إلى دميانة بثبات لمتعرف إن كان من قلة النوم أم شدة التركيز:

ـ  ما أخبار التحقيق؟.

 دهشت دميانة من سؤاله، ولم تعرف إن كان عليها أن تضحك أم تصرخ، لكن المنحنى وضع ابتسامة هادئة على وجهه قائلاً:

ـ ولمن نعطي بلاغك للتحقيق فيه؟

شعرت أنها تاهت وفقدت القدرة على التركيز، فهي مسئولة التحقيق ولا ينبغي أن تكون خصماً لأحد، ولم تعرف كيف سيستقيم الأمر في حال هذا الاجراء، كادت أن تجيبه بأنه يمكنه أن يحقق فيه بنفسه، لولا أنها تراجعت قائلة "لا تدري"، لكن الكلمات ماتت على شفتيها، وظلت عيناها مشدوهتان نحو المنحني، فعاد يكمل:

ـ أرجو أن تنتهي من تحقيقك.

أدركت دميانة أن عليها أن تختفي من أمامه، فقد أنهى المقابلة بطرفة عين،والمحت نبرة صوته الأخيرة  إلى أن الدير يدفع لها كي تحقق مع الرهبان، لا لكي تقع في غرامهم، فانتفضت مستأذنة في الخروج، ودون أن تنتظر مجيء الشماس ليصحبها إلى الخارج اندفعت إلى الصالة، فوجدت نفسها في مواجهة الأب يوساب، ذالك الذي وقف كعود كخيزران يابس في وجهها، ودون كلمة منه نظر كلاهما إلى الآخر متفادياً الاصطدام بصعوبة بالغة، لينتهى الموقف بخروجها كما لو أنها جردت من ملابسها، فراحت تتلمس من تيارات الهواء الناعم أن تدثرها قبل أن يراها الناس.

في هذه اليوم أرسلت إلى ملاك لا ليطمئنها على أنطونيوس ولكن ليخبره أن غداً موعده في التحقيق، ثم أغلقت على نفسها وأخرجت ملف قضيتها منحية طيف أنطونيوس وما جرى له كي تتمكن من قراءة المذكرة بحياد تام، لكن وجهه لم يفارق عينيها وهي تقرأ عن القديس أنطونيوس العظيم، واختلط في ذهنها الزمان والمكان بدير الملاح وأنطونيوس الجريح في قلايته الآن، فلم تعرف القديم من الحديث، وظلت في متاهتها حتى دخل عليها أنطونيوس في الصباح، فعدلت من وضع نظارتها على وجهها متجاهلة الشاش الذي على رأسه، واهتزازه أمامها وهو مقدم على الجلوس، محملة صوتها بكل ما تملك من حياد:

ـ من الذي كتب مقدمة الكتاب؟

ـ الأب إيمانويل.

أجاب أنطونيوس بهدوء المندهش، وكاد أن يضيف أن اسمه مكتوب في نهاية المقدمة، لكنه رأى مدى تعكر وجهها فالتزم الصمت، ودارت بها الدنيا ليختلط وجهه بأيقونة القديس العظيم، فجالدت نفسها كي ترفع يدها معتذرة،  لأنها ستسأله عن أمر خارج القضية:

ـ هل اخترت اسمك تيمناً باسم القديس العظيم؟

ابتسم أنطونيوس، وهز رأسه قائلاً:

ـ اختاره لي الأب إيمانويل حين رسمني قساً.

*****

22

أعرف أن المحققة دميانة تنجذب كل يوم نحو القس أنطونيوس، لكنني لا أعرف ما الذي جعلها صارت راغبة في انهاء التحقيق على هذا الوجه من السرعة، فقد خاطبتني بحدة لم أرها منها من قبل، قائلة بأن علي إبلاغه أن موعده في التحقيق غدا، لم تراع إصابته، ولم تتذكر من الأساس مدى الرعب الذي طل من عينيها حين رأته ملق على الأرض، أعتقد أنه لو لم تكن عظام رأسه قويةلتنيح في هذه الليلة، أعرف مثل هذه الرؤوس، تبدو من الخارج صلبة كثمرة جوزة هند، ومن الداخل عنيدة لا تلين، ولا يمكنها أن تتكيف بسهولة مع الظروف، لا أعتقد أن هذا الرجل سيناسب هذه المرحلة، وعما قريب ربما يصطدم بيوساب أو المنحني، لكن دميانة تختلف عنه، رقيقة وضعيفة وتلين أمام الضغوط، هي في النهاية امرأة، ولابد أنها خافت إن لم تكن ارتعدت من داخلها، فإيمانها ليس في إيمان أنطونيوس كي ترى المسيح أو تظهر لها العذراء،هي ضعيفة مثلي، تسكنها الأشباح التي تخيف البشر.

 لذا فأنا أكتب هذه الكلمات كي تكون دليلاً على الخطى التي بدأت تتخذ مسارها على أرض الدير، فمنذ انتقلت للإقامة في مخزن المخطوطات مع الكاتب إدورد حنا وأنا أفكر في هذا المكان، كما لو أنني أفكر في بداية الخلق ونشأة الحياة، حين سألت سألته عما يدور في رأسي ابتسم لي وأشارنحو تلال الدفاتر والكتب القديمة.

ـ لا أفهم؟

أجبته بغضب، فرفع رأسه عن كتاب في يده:

ـ إذا قرأت ستعرف.

كان علي أن أحسم أمر تعلمي للقراءة التي تحول بيني وبين معرفة ما جرى، وتعصمني من أن أكون خادماً على بوابة الدير كميخائيل، كانت وراثتي لإدور ومهنته هي طريقي لتغيير المسار الذي ينتظر طفلاً يعلم الجميع أن ميخائيل وجده ذات صباح أمام بوابة الدير، لم يسمح لي خيالي بأكثر من ذلك، فلم أفكر في أن أكون راهبا أو شماساً، فصرت بوابة بين الرهبان الذين جاءوا ليعتزلوا الحياة في هذا الدير النائي، وبين القادمين من العالم الفسيح في الخارج، لذا وهبت نفسي لأن أقرا وأكتب ما جرى.

في البدء كانت هضبة الملاح نهاية العالم، وصلها الملاح بعد شهور طويلة من السير، صعدها تاركا الحياة من خلفة، دون أن يدري أنه سيكون قديساً يتبرك به الجميع، ويأتي الناس من أقصى البقاع إليه، وحين تولى ديمتريوس الصغير من بعده، رأى حزن الناس عليه، ورغبتهم في التأسي به، فأمر تلاميذتهأن يضعوا رفات الملاح ولبؤته وأشبالها في المغارة التي اتخذها مقاماً له، وأن يبنوا على المغارة كنيسة يصلي بها المؤمنون، ويقدموا على مذبحها أعطياتهم للرب، متناولين خبزه وخمره، متلمسين روحه التي تسري في أرواحهم، متذكرين عذاباته على الصليب من أجل خلاصهم، راضين بما يجري لهم وعليهم، مثلما رضي هو بما جري عليه، رغم علمه به، وقدرته على تغييره.

لم يخيب أبانوب ظن أستاذه ديمتريوس، كانت الرغبة في النجاح تحدوه لعمل المستحيل، غاب عن الدير عدة أسابيع أو شهور، ذهب فيها للجنوب، حيث والده الذي مازال على دينه القديم، سأله عمن رمم لهم معبد إيزيس في الجزيرة المقدسة، وحين التقي به جلس أمامه معتذراً عن سوء أدبه، فليس من الحكمة أن يطلب شخص تحول عن ديانة إيزيس المعونة من أهلها ، لكن البناء كان حكيماً، ربت على كتفه قائلاً أنها تصاريف القدر، حينها شرح له طلبه والمكان الذي يريد بناءه، فأوضح له الرجل ما يحتاجه من مواد وأدوات ورجال. وكان على أبنوب أن يعود لأستاذه كي يفكرا في كيفية تجهيز ذلك.

نزل ديمتريوس من على الهضبة وبدأ في جولة لم يعلم أنها ستكون مباركة إلى هذا الحد، فقد وجد أن كثيرين ممن عاشوا على صخرة الملاح قد دخلوا المسيحية، ولا ينقص إيمانهم سوى أن يعلمهم كاهن شعائر دينهم، وجد الجميع راغبا في أن يظهر علامة إيمانه، ولم يكن هناك اختبار أفضل من المشاركة في بناء كنيسة للرب، ومن لم يتبرع بمال تبرع بجهد ووقت، كان يكفي أن يصل إلى الدير بدابته كي يفرغ حمولته بجانب مخر السيل، أو يذهب ليسلم نفسه لأبانوب المتحمس، هذا الذي لم يكن يعرف إن كان سلم نفسه للبناء الماهر، أم أن الأخير هو الذي سلمهعقله، فقد عكفا على تخطيط المكان، والاستفادة من المغارة كي تكون قدس الأقداس، وسرعان ما رفعوا قواعد الأعمدة العالية، فبدت كبهو معبد قديم.

رفض ديمتريوس أن تترك الأعمدة بلا سقف، قال أن كنيسة الله لا بد أن تكون مسقوفة، فبيت الله سر من أسراره، وكان على الرجال بعدما انتهوا من تجزئة الأحجار وتهيئتها للدخول في البناء أن يبحثوا عن الأخشاب الطويلة التي تربط بين الأعمدة وبعضها، ليبدأ أبانوب في تعريشها، ووضع باب لها، وبدأ المؤمنون يصعدون إلى الهضبة ليحضروا قداس الأحد، وينصتوا لعظات ديمتريوس، ويقدموا أضحياتهم ويتناولوا من خبز الرب وخمره.لكن لم تمض سنوات حتى أسقطت السيول السقف على رأس المصلين، وعاد أبنوب في جديدة نحو الجنوب، ليبحث عن بناء آخر يمكنه أن يبني سقفا لا تسقطه السيول.

بعد تأمل طويل للمكان والأعمدة والسقف المنهدم، قال الرجل:

ـ يمكننا تدعيم روابط الأعمدة وبناء أقبية عليها.

هز أبنوب رأسه قائلا:

ـ افعل ما تريد.

من جديد عاد العمال وبدأ نشاطهم في تقطيع الأحجار، وتكوين الملاط من ترابها، وارتفعت السقالات، وأخذ البناء العجوز في وضع الأحجار على الدعامات والأربطة على هيئة داوئر تضيق كلما ارتفعت، حتى انطبقت في نهايتها على نفسها،فكانت أول كنيسة مقببة يراها الناس، وبدت في نظرهم أعجوبة، حتى أن ديمتريوس خرج من خلوته ليرى ما تحدث به الرهبان.

يومها أفصح ديمتريوس لأبانوب عن رغبته في بناء كنيسة أخرى في الطرف المقابل من الهضبة، حيث يمكنها أن تتسع لعدد أكبر من المصلين، وتكون بديلا يعتمد عليه حال انشغال الكنيسة الأخرى، وكان لابد أن يتحرك كلاهما لتحقيق الحلم، فنزل ديمتريوس في جولة طويلة لم يعد منها إلا بعد عام أو اكثر، جولة بشر خلالها بكنيسة الرب التي على الهضبة، ووعظ في تجمع بقرية أو كوم، مطالبا الجميع بالمساعدة في بناء كنيسة جديدة للرب، وأخذته جولته نزولا مع النيل إلى الدلتا سيرا على الأقدام، متحدثا عن بركات الملاح وقداسته، لم يكن بصحبته غير راهبين من الدير، وكلما سمع الناس بسيرة الملاح ولبؤته تدافعوا لنيل البركة من رسوله، فكان يجمع بركات كل قرية منها ويبيعه لمن يجده من التجار.

عاد ديمتريوسمن جولتهليضع ما معه من أموال أمام تلميذه مطالبا بالشروع في البناء، حينها أحضر أبنوب البناء من جديد، ووضعوا الأعمدة ورسموا أركان الكنيسة، تلك التي لم ترتبط بمغارة ولا قدس أقداس، فتربعت على مساحة كافية، وارتفعت لها قباب وأبراج عالية، وحملت جرساً كبيراً في برجها الغربي المطل على السفح، حيث الرعاة في الصحراء والمزارعين في الحقول والأجران.

ظل العمل يجري مدة أعوام ثلاث، فقد رأى أبانوب أن يستثمر فائض الأموال التي أحضرها ديمتريوس في عمل جديد، فألح عليه في بناء عدد من القلالي للرهبان على حافة الهضبة، كي تحميهم من البرد والمطر، وتكون سورا يحمي الدير من دخول الذئاب و الضواري إليه.

***

23

من أوراق أوريجينوس

ـ 3 ـ

صديقي العزيز ديونيسيوس، كما قلت لك في رسالتي السابقة، أنني ما أكتب كي ترد علي، أو أن تنظر في شأني على أي نحو، لكنني أريد أن أعترف، وليس أمامي الآن أفضل منك كي أعترف له، وربما هذا ما جعلني أعاود الكتابة من جديد إليك، دون انتظار رد، أو حتى توقع لهذا الرد، فأنا أعلم أن الطرق صارت مكتظة بالكارهين لأبناء الرب، وأن كل حجر في الطريق أسفله عين تنظر أو سهم ينطلق، لذا لا أتوقع مجيء لرسائلك، وألتمس ألف عذر لك، لكن قلبي مليء بالآلام، آلام أكبر من تلك التي يئن تحتها جسدي، وشوقي للتخلص منها لا يقل شوقا عن القفز في الهواء نحو الأسكندرية وبحرها، حيث صباي وتكويني، وخطاي الأولى وأيام صعودي، هذه السنوات التي لم أحمل سواها معي، والتي مازالت تطاردني حتى الآن:

ـ لا تغير قلبك بسببنا.

 هكذا أرسلت لوالدي أحثه على الاستشهاد متمسكا بطريق الرب، وألا يسمح لضعفه تجاهنا نحن أولاده السبعة الصغار أن يميله عن طريق الحق، فأن يميل رجل مثله فهذا يعني أن آلاف الرجال من الضعفاء سيميلون من بعده، كنت أتمنى أن أكون مثالا لهم كوالدي، لكن أمي حبستني، جمعت كل الأناجيل وكتب الرسل والقديسين وحرقتها، أغلقت على باب غرفتي وجلست تبكي، نعم يا صديقي بكت، بل إنها مالت على قدمي ومسحت وجهها فيه مقبلة وراجية ألا أتي لها بمصيبة أخرى بعد مصيبة والدي، لم أعرف ما الذي يمكنني فعله، هل أتركها وإخوتي الصغار كي أذهب فأقول للجنود أنني على دين المسيح، وأنهم إما أن يتركوا والدي أو يأخذوني لأقتل معه، أم أرضخ لطلبها وأجلس في مكاني، شعرت لحظتها أن قواي تنهار، وأن كل الكلمات التي يمكن أن نقولها عن العزيمة والإيمان لا وجود لها.

 أعترف يا صديقي أنني ضعفت، وأنني لم أكن مؤمنا بحق في هذه اللحظة، أعترف أنني لم أكن جديرا برعاية المسيح لي، لذا فأنا اتحمل آلامي وعذاباتي بنفس راضية، وكلما أشتد أعداء الرب في تعذيبي وإلامي كنت أبتسم، نعم كانت عيني تنزف دمعا حارقا وفمي يبتسم، لا لشيء سوى أنني كنت أعلم أنه كلما ازداد ألمي كلما تجاوز الرب عن خطأي وضعفي.

مضت شهور علي وأنا لا أخرج من قمرة أمي، والحال يزداد سواء كل يوم عن سابقه، فقد أتى الجنود وانتزعوا كل شيء من البيت، ولم يبقوا فيه سوى حوائط عارية، انتزعوا كل ما كنا نمتلكه، وبالكاد تركوا الحوائط بعدما بكت أمي وإخوتي أمامهم كي يتركوا لنا مكانا نبيت فيه، وتدخل أصدقاء ومعارف والدي لحاكم المدينة، فأوقف الجنود أيديهم لكنهم لم يردوا شيئا مما نهبوه، فخرجت بحثا عن رزق لنا، حملت كتبي وأوراقي وذهبت إلى السيدة أوثاكا نيكيدا طالبا أن أقدم خدماتي لتعليمها المسيحية، تلك التي دخلتها مؤخرا ولا تعرف عنها الكثير، يومها حدثتها عن اسشهاد أبي، وشعوري أن روحه هي التي تحميني وتحركني، وأنها التي دفعتني لأن أطرق بابها الآن، كانت سيدة طيبة القلب، لديها صفاء يمتزج بطيبة واضحة، لم أخف عنها احتياجي إلى المال، وأنني كنت مطلوبا من قبل السلطات، وأنني توقفت عن الذهاب إلى مدرسة اللاهوت بعد مصادرة أملاكنا.

 يومها رأيت الدموع تتقافز في عينيها، وفي لحظة احتضنتني، شعرت أنني أمام أمي التي لم تلدني، وأن التي تركتها في البيت ليست سوى أختي التي تكبرني، حينها أرحت رأسي على صدرها وبكيت، كان نشيجي يتعالي كلما مسحت على رأسي، وكانت صورة أبي تتحرك في عيني كما حدثني عنها الجيران، فقد رأوا الجنود يحنونه رغما عنه على خشبة كبيرة، لينزل السياف بآلتها على عنقه،فتتفجر الدماء منه كنهر ينهمر على الأرض، بعض الجنودتأفف ساخطاً حين طالته الدماء، وبعضهم ضحك ساخرأ وهو يلعن أبي، وبلا سببأخذوا يركلونه، بينما جسده ينتفض وهو يموت، بكيت في سري وأنا أروي لها قصتي، ثم تعالى نشيجي أكثر فأكثر، بينما أناملها تخلل شعري، متمتمة بكلمات يونانية كثيرة، كما لو أنها تطارد الشرير كي يخرج مني.

في بيت أوثاكا ذات الأربعين من العمر أمضيت عاما ونصفأعلمها الصلاة وبعضا من فلسفة اللاهوت وأفسر لها آيات الأناجيل، عام ونصف تكفلت فيه بنفقات عائلتي ومصروفات إكمال تعليمي في مدرسة الميوزيوم، وبدا لي أن الحياة اعطتني وجهها الباسم، فقد استعدت مكانتي في المدرسة، ومحبة أساتذتي لي، فضلا عن رعايتي لإخوتي وأمي وبيتنا الذي أخذ يستعيد بعض رونقه، لكن الأيام السعيدة لا تدوم، فقد مر على بيت السيدة أوثاكا كاهن من أنطاكيا يدعى بولس، طالبا أن تمده ببعض المال لأنه يريد الذهاب إلى البرية كي يبشر أهلها، فاستضافته ليعظها، وطال مقامه في بيتها، بعدما أقنعها أنها لم تعرف تعاليم السيد المسيح كما ينبغي، فقد جاء من أورشليم، وقد أمضى في معية كهنتها شهور، علم فيها أن الصلاة بهذه الطريقة ليست على صواب، فقد فهم الكثيرون صلاة المسيح وآرائه على غير ما أراد.

هكذا تحدث الرجل بطلاقة فاستجابت له بطيبة قلب، وشكت في أن كل ما علمتها أياه كان خطأ، وأخذ يعلمها أن الابن ليس الآب، وأنه وإن حمل صفات أبيه إلا أنه ليس مثله، ولا يمكن أن يحل الأب فيه، فكلاهما منفصل عن الآخر، وبينهما الروح القدس، ولا يمكن للثالوث أن يكون واحداً، فكل له طبيعته، هكذا تحدث، ووجدتها تنظر لي بوصفي شابا لم يعرف الحقيقة بعد، وسعت لإرشادي نحو الصواب كما تصورته، وسعيت لمناظرة الأنطاكي، دافعت عن الرب ووحدة أقانيمه، دافعت عن الامتزاج بين اللاهوت والناسوت، لكنه شككها في حداثة سني، وثقة الآباء الذين علموه الحقيقة في القدس وبيت لحم، ووجدتني غير قادر على أن أكون في بيت يدنس بالهرطقات،  فقد أعدت له مجلساً، وسمحت له أن يلقي تعاليمه الغريبة على ضيوفها، فصرخت في وجهه أن يتوقف عن حديثه، وصور لي حماسي أنني يمكنني أن ألزمه المنطق بالقوة، فأمسكت بثيابه صارخاً أمامهمبكذبه، فما كان منها إلا أن طردتني من بيتها.

هكذا عدت إلى نقطة البدء، حيث أسرة مكونة من سبعة أفراد لا عائل لهم سواي، وقد صرت منبوذا من قبل السيدة العطوفة علينا، صرت أيضا مغضوبا عليه من قبل الطبقة الثرية، ولم يسمح لي بالدخول إلى بيوتهم، ليس لأنني أحدثهم بغير ما يقوله الأنطاكي، ولكن لأنني لا أراعي اللياقة في الحديث، وهذه يا صديقي أكبر، لدى الأثرياء، من الهرطقة عشرات المرات، فهم يغفرون كل ما دونها، ولا يتسامحون مع مرتكبها، خاصة وإن كان من طبقة المستخدمين لديهم.

 حينها فكرت طويلاً، وقررت أن أتوقف عن تدريس اللاهوت في البيوت لأبناء الأغنياء، ووجدت أنني يمكنني أن أتعامل مع أبناء الوثنيين، فحصيلتي من الأشعار والخطب اليوناية كبير، ويمكنني أن أعتمد عليها في تدريس الأدب وقواعد اللغة لهم، يومها ارتديت ثيابا وثنية وأخذت أدور على بيوتهم طالبا التدريس لأبنائهم، لم يكن الأمر في بدئه سهلاً، فكثير من الآباء كان ينظر لي بوصفي طفلا وليس شاباً، كانوا يستخفون بي وبقدرتي على حفظ الملاحم، مما جعلني أتحدى أحدهم في تعليم أبنائه، وكان على أن أنقطع لثلاثة أبناء في أعمار مختلفة لأعلمهم الشعر والنحو والبلاغة مجانا، في البدء وضعت خطة مبسطة لتحبيبهم في الأشعار والملاحم، ثم تدرجت في تعميقهاشيئاً فشيئاً، كانت بديهتي سريعة، وذاكرتي حاضرة، ولساني يتدفق بالحكم والمأثورات، حتى أن الرجل الذي كان ينصت من خلف الأبواب دهش، وتحدث عني لأصدقائه وأصدقائهم، ووجدتني مطلوبا في بيت كل منهم للتدريس لأبنائهم.

في البدء كان همي أن أجمع ما ينقذ أمي وأخوتي من الجوع، ويمنع الدائنين عن مطاردتنا من جديد، لكن ما أن ازداد عدد طلابي حتى بدأت أعود لكوني مسيحياً، وأنني لابد أن أنشر دين الرب بين عبدة الأوثان، كان ذلك بالنسبة لي مغامرة وسعيا للاستشهاد من أجل الإيمان، مثلما فعل أبي، ومثلما قلت له "لا تغير قلبك بسببنا"، ولم أكن أريد أن أضعف أو أحيد عن طريق المسيح، فرحت أشرح لهم الإلياذة والأوديسة لهوميروس، وقصيدة الأعمال والأيام لهسيود، وما تركه كل من بندار وسافو من قصائد مغناة، وما تركه إيسخيلوس وسوفوكليس ويوربيديز من أعمال محزنة، وما كتبه أريستوفن من أعمال مضحكة، وما حكاه إيسوب على لسان الحيوان، وتركه هيرودوت من أخبار الملوك والدول القديمة، وما وصلنا من خطب ديموسثينيس وغيره، وبين هذا وذاك كنت أنشر سيرة المسيح، تارة بوصفه حكيماً، وتارة بوصفه المخلص، فانجذب لي الكثيرون، كبلوتارخس شقيق البابا هيراكليس، وكلاهما آمن على يدي، وأخذ التعاليم مني، وكلاهما نبغ في العلم وباركه المسيح، لكن بلوتارخس نال إكليل الشهادة، أما هيراكليس فقد خلفني في رئاسة مدرسة اللاهوت، وكان البابا السابق عليك في كرسي مرقص الرسول.

**********

24

سيظل أنطونيوس لسنوات يذكر الليلة التي قضاها إيمانويل في ضيافته بمغارة الصخرة القائمة على تخوم القرى، فقد كانت بداية علاقته بكلب السماء، هذا الذي لم يتركه يهنأ بنوم، حتى أنه ترك الصخرة والقرى وفر لاهثا من مكان إلى آخر بحثا عن إيمانويل ودير الملاح، لم يكن الدير معروفاً في الشمال ولا الجنوب، ولم يستطع أي ممن التقي بهم أن يخبره بمكانه، لكنه كلما تكاسل أو فكر في التكاسل طاردته المخالب ذات الأظافر الطويلة، وسمع على البعد نباحا يهز كيانه، فكان يستيقظ من نومه مهرولاً وكأنه لن ينجو من القتل.

 الطريق إلى الدير استغرق عامين من البحث، وقادته أقدامه للمرور على مختلف الكنائس والأديرة، كان مساره خاطئاً في البداية، فقد اعتقد أن دير الملاح في الغرب، فقطع الدلتا سيراً على حواف الترع حتى وصل إلى وادي النطرون، لم يكن يعرف ما الذي سيخبر به الأباء هناك، ترك سلاحه إلى جانب خادم البوابة ودخل ليصلي، لا أحد يمنع المصلين ولا المريدين من الصلاة، لا أحد يمنع السائحين من الدخول أوالتنسم بهواء الدير ورؤية قلاليه، لا أحد يمر دون أن يتطلع إلى أيقونات القديسين والآباء، البعض يشكو همومه وأمراضه ويطلب الاعتراف، البعض يطلب المساعدة وربما الانضمام إلى أهل المكان، البعض يعزي نفسه بأنه في بيت الرب وبين أبنائه ومحبيه، لكن أحدا لم يسأل من قبل عن دير الملاح، كثير من الرهبان لا يعرفون، كثير من الآباء ذهبوا إلى الشمال والجنوب، اعتكفوا هنا وصلوا هناك، لكن أحداً منهم لم يعرف أين هذا الدير، ولا الصحراء التي تحتويه.

 كانوا يبتسمون في وداعة محيلين أنطونيوس إلى آباء آخرين ليسألهم، لكن حظه لم يسعفه في العثور على من يجيبه، وشعر أن إيمانويل لم يكن سوى الملاح نفسه، وأن الأمر لم يكن سوى مسألة من المجاز، فقرر أن يعود من حيث أتى، لكنه في تلك الليلة، وأسفل جدران دير السريان رأى وجه المسيح، كان منيراً ومبهجاً ووديعاً إلى درجة تجعل من ينظر إليه لا يفكر في النظر إلى غيره، كان يرتدي جلباً من الكتان الأبيض، وله شعر طويل مسترسلعلى كتفيه، وعينه تبدو كما لو أنها كحلت للتو، كل شيء كان يؤكد في الحلم أنه الرب، وأنه نزل من السماء من أجل أنطونيوس، أمر واحد هو الذي أرقه في منامه، لم يكن ذلك الأمر سوى الكلب الضخم الذي وضع المسيح يده على رأسه، كما لو أنه أسد تم ترويضه ليصبح في وفاء الكلب، بدا أنه راغب في الانفلات من يد الرب والانقضاض على أنطونيوس، لولا أن يد الرب كانت تمسح على رأسه برفق وحزم.

لم يكن أنطونيوس يدرك أن رحلته ستطول، وأنه سيتعذب في تطوافه إلى هذا الحد، لكنه كان سعيداً أن الرب اختاره، وأنه لابد أن يكمل طريقه حتى لو وصل إلى آخر العالم، ليس بحثا عن الدير ولا إيمانويل، ولكن عن الرب الذي قال:

ـ ستجدني حيث يجب أن تذهب.

حين استيقظ من نومه تخيل أنه أينما ولى وجهه سيجد الرب، وأن ثمة صداقة قد نشأت بينهما، فخرج من دير السريان إلى البراموس، ومنه إلى الأنبا بيشوى والأنبار مقار، لم يكن في تلك اللحظة مشغولاً بالوصول إلى شيء، لم يسأل أحدا عن الملاح ولا ديره، فقط رأى أن يتطلع إلى أيقونات الرب وقديسيه، أن يجلس ليصلي أمام العذراء طالباً الرحمة، لم يعرف لم الرحمة منها وليس من الأب أو الابن، لكنه كان يدرك في نفسه أنها وجه الله الرحيم، فهي الرحم الذي تكون فيه المسيح، جلس أمام أيقونتها طويلاً كأنه يحمل نفسه فيض الرحمات، ثم غادر وداي النطرون متجهاً إلى الاسكندرية، قائلاً لنفسه أنه لن يطلب من أحد أن يدله على الدير، لابد أن يصل إليه بنفسه، فلا ينبغي الوصول إلى الرب عبر وسطاء وأدلاء.

 حين وضع قدمه في الأسكندرية اتجه إلى كنيسة القديس مرقص، حيث الكرازة والكرسي الرسولي، حيث بدأت الدعوة وتوالت الأفكار، وحضر الإله بتجلياته على الجميع، ليعين المؤمنين في مواجهة الروم والوثنيين، علم أن مبانيها ليست المباني القديمة، وأنصت إلى شرح طويل من شماس مختص بتاريخ المكان، علم أن هياكلها الثلاث تحمل مرقس الرسول وميخائيل ومارجرجس، شعر أنها بمثابة الكون المصغر، وأن أضلاعها هي أضلاع الحماية من سيفيروس الشرير، لكنه في النهاية لم يسمع بكلمة الملاح ولو لمرة واحدة، فتركها ونزل إلى بلقاس، حيث جلس أسبوعا في رحاب كنيسة العذراء، وتشكك الآباء في هويته وسلاحه، ونظروا إليه على أنه يمثل خطرا، هنالك كان كلب السماء قد انطلق من يد صاحبه، وخرج يلهث خلفه في منامه، فانتفض من بين جدران الكنيسة فارا من بلقاس إلى  سخا، ترك البلدة تغط في هدوئها واتجه إلى العذراء في كنيستها هناك، لكن كلب السماء طارده من جديد إلى القاهرة، فأخذ يلهث حتى وصل إلى أبوابها، وسقط مغشيا عليه أمام كنيسة أبو سيفين، فحمله الشمامسة والكهنة إلى المستشفى القبطي.

 كان قد أصبح شبحاً بلحية وشعر مهوش وجسد ناحل وعينين غائرتين في عظام وجلد محروق، أمضي أسابيع يتلقى علاجا ينقله من الموت إلى الحياة، كان سؤاله الدائم عن سلاحه، قال أنه خفير في بلده، وأنه جاء لزيارة أضرحة القديسين، حين سمحوا له بالخروج صلى للرب اعتذارا عن تأخره عليه، وذهب إلى كنائيس أبو سرجة والمعلقة والقديسة بربارة وغيرها دون جدوى، فمال على كنائس الروم والأرثوذكس سائلاً عمن يعرف دير الملاح، لكنه لم يجده، وعل عليه المرض من جديد، فضاقت أنفاسه، وانقبض صدره، وصرخ تحت وطأة الحمى والعرق في السماء:

ـ أين أنت؟

ظل يكرر السؤال كما لو أنه يستولد الرب من رحم الصراخ، لكن الرب لم يلن له، وتركه شهرا كاملاً في مكانه بغرفة على سطح بيت في مصر القديمة، يتلمس قوت يومه على هيئة متسول، يخرج فيتوه في الشوارع، لا يعرف أين تأخذه أقدامه، لا يعرف متى سيأكل ولا متى سينام، وحين يجيئه النوم كان يغلق عينيه ويذهب في ملكوته البعيد، كان الناس يمنحونه ما في جيوبهم ويعبرون، بعض الأطفال أتوا بما في أيديهم ووضعوا في يده، بعض الأمهات رققن لحاله ونزلن لأجله، بعض الشباب صفعوه على رأسه عشرات المرات ليعرفوا اسمه، وهو يبحث في صدره عن كلمة الملاح، ظل يبحث عنها في الأفواه والصدور كما لو أنها محيت من الوجود، لا يعرف بما يفسر أمره، ولا كيف يحدث الناس عن رجل زاره في مغارة على مشارف القرى طالباً منه أن يتبعه لدير الملاح، ولا كيف يخبرهم بكلب ضار يطارده صباح مساء، يريد أن ينهشه في خطفة واحدة لولا أنامل الرب التي تمسح على رأسه.

ظل تائها في الدروب القديمة شهورا وأسابيع،حتى ظهر له من جديد، جائعاً كما لو أنه لم يأكل منذ سنين، كان صوته يأتي من الأعماق، وأقدامه تزلزل الأرض، ولم يعرف لم فرح بمجرد سمع نباحه، فقد انتفض من مكانه صارخاً:

ـ الرب يتذكرني، الرب يطاردني.

جاء صراخه أمام مسجد قديم،فظنه الناس مجنوناً أو مخرف، وراحوا ينتصرون لله عليه، ولم يتركوه حتى هده  التعب، فاستند إلى جدار المسجد وغفى، فإذ بكلب السماء ينبح، بينما الأرض تهتز من تحته، فانتفض أنطونيوس مهرولاً، ودون أن ينتظر إشارة الرب كي تخبره بالاتجاه الذي سيتخذه، أو بالأرض التي سيحل بها، حتى دخل محل حلاق، فطلب من صاحبه أن يزيل عنه شعره، ثم عاد إلى غرفته فوضع بندقيته على كتفه ونزل تاركا أمره للسيد ومشئته.

************

25

أكاد أجزم أن دميانة أصيبت بلوثة حين جاءها الأب يوساب غرفتها في مبنى الضيافة، لم تكن تنتظر هذا المجيء في يوم ما، وأدهشها أن تسمع صوته أمام بابها، لم تعرف إن كان عليها أن تفتح له أم تترك الباب مغلقاً وتحدثه من خلفه، لكن صوته كان حاسماً في طلب الفتح، كما لو أنه صوت مخبر أو أمين شرطة. هي تعرف هذا النوع من الأصوات بحكم وظيفتها، تعرفهاأيضاً بحكم تاريخ والدها مع الشيوعيين، فقد سجل رقما مهماً في الذهاب إلى السجن، كان في أسبوعه الأول بالجامعة حين أتاه زوار الفجر بصحبة كلابهم الكبيرة السوداء، ثم تعددت زيارتهم وغيابه، حتى أنه أمضى ذات مرة عامين من الغياب في أقبية سوداء، وفي عام 67 وقف في زنزانته لا يعرف إن أن كان عليه أن يرقص أم يبكي، فقد أنهى أخيرا دراسته الجامعية، لكنه فقد الحلم وانكسرت البلاد وضاعت القدس من جديد، خرج مع رفاقه من السجون يبكون ويعضدون بقاء ناصر في السلطة، مطالبين بالصفح والبدء من جديد، لكن هذا الصفح كان من جانبهم فقط، فلم يمض عامان حتى عادوا إلى الزنازين من جديد،، ليخرجوا باكين منهارين على رحيل ناصر.

في سنوات السادات كان النهر يتجه نحو المصب، تراخت قوى صلاح، وأخذ الشعر الأبيض يظهر على جانبي رأسه، ونصحه الأهل والأصدقاء بضرورة الزواج، وكان على الجميع أن يساعده في تلك المهمة، ظل يحلم لسنوات أن يكون بطلا ولو في فيلم غرامي قصير، فكل مناضل له رفيقته،وكل مناضل له قصة حبه التي يعرفها الجميع، ما عدا هو، لا يعرف لم لم تقتنع به أي من الرفيقات، ظل هذا السؤال يطارده حتى وفاته، ولم يخف عنه ثقله إلا مكتب المحاماه الذي فتحه مع زميله سعد الله خليل، فقد نشط في التعامل مع قضايا البسطاء، وأظهر موهبة في فهم القوانين والبحث عن الأحكام المعضدة لها، كان ذلك في منتصف السبعينات التي شهدت زواجه من تريزاالتي احترمت محبته للآخرين، هو بدوره أفنى حياته في العمل حتى حقق سمعة جعلت الكثيرين يقصدون بابه، بعضهم كان يريد تأميمه لصالحه، وبعضهم كان يريد استغلاله، لكنه لم يكن معنياً بغير الهروب من أسئلته الخاصة، باحثا عن ميلاده الجديد وسط ضجيج المحاكم.

مرت دقائق طويلة على يوساب قبل أن تفتح له دميانة باب غرفتها، وبين ابتسامة واهنة وعين يملؤها التساؤل وقفت تعتذر عن تأخرها، همهم يوساب بكلمات غير مفهومة وجلس في الكرسي المواجه للباب:

ـ أنا اللي باعتذر لك، لأن أبونا جورج أمر بأن تأخديأجازة طويلة.

كان الأمر مفاجئابالنسبة لها ، فهكذا وبدون مبررات تجد نفسها خارج الدير، وبدا على يوساب أنه لا يريد مغادرة الغرفة قبل أن تخرج منها، أشار إليها بجمع أشيائها لأن السائق ينتظرها أسفل الهضبة، سوف يقلها إلى السويس، ومن هناك تتخذ طريقها إلى القاهرة.

لم تعرف ما الذي عليها أن تفعله:

ـ لا داعي للمقاومة.

 تذكرت ما حكاه والدها عنهذه الجملة،فدائما ما يبتسم زوار الفجر ويقولونها بأدب جم، ودائما ما كان يستوعب الإشارة فيستأذنهم في جمع ملابسه والخروج معهم،  تذكرت ذلك قبل أن تهز رأسها وتبدأ في ملابسها بخجل واضح أمام الراهبان المتطلعينلمعرفة التفاصيل، كانت تعرف أن الراهبان طوال القامة الواقفينأمام الباب قادرون على إلقائها من فوق الهضبة، ولن يسمع أحد بشيء.

ـ أنا جاهزة

قالتها باستسلام كما لو أنها تعرف المصير الذي ينتظرها، فنهض الرجل من مكانه:

ـ ألن تغيري ملابسك؟

بدا أنها ليلة الصدمات الكبرى، وبدت المخاوف تتزايد في رأسها، رأت عينه تسرح على تفاصيلها، فشدت نفسها ونفت رغبتها في شيء، حينها هز الرجل يده لاستلام مفاتيح الغرفة، وتسليم الحقيبة لطوال القامة، وفي مشهد شبه جنائزي تحرك يوساب ومن خلفه دميانة ومن خلفها ثلاثة من الشماسة الذين لا تعرفهم، وقبل أن تخرج من البوابة الحديد وقف يوساب ليودعها:

ـ لا أظن أنك لست بحاجة للحديث عن الدير ومن فيه.

صفعتها الكلمة، وشعرت أنها موجهة نحو أنطونيوس، فما الذي سيحدث معه، ومن سيكمل التحقيق، كانت لديها رغبة في السؤال، لكن الخوف ألجمها، فكتمت أنفاسها وهزت رأسها وتركته دون سلام، فاستدار في اتجاه الكنيسة الكبيرة واتخذ طريقه.

 تحركت في اتجاه المنحدر وأخذت تنزل درجاته الرخامية الكبيرة، بينما الرهبان طوال القامة يتبعون خطواتها في سيرها، نظرت بعينها نحو القباب المحاطة بكشافات كبيرة تطلق عليها أضواء ناعمة، كانت الظلال من بين النور والظلمة تمنح أجواء من القداسةللمكان، شعرت أنها لأول مرة ترى الدير بالليل من الخارج، وأنه تحفة جميلة، وتساءلت في نفسها عمن يكون وراء هذا الجمال، ربما لو كان ملاك الكاتب برفقتها لأخبرها أنه الأب يونان النحاس، ذلك الذي لم يكن يؤمن برؤيةشيء غير نظيف، فلما تولى رئاسة الدير التقي بالأنبا شنودة وشرح له أهمية المكان وتاريخه، فأوصى الأخير ثلاثة من العلمانيين الميسورين بزيارة الدير، وهؤلاء بدورهم فهموا الرسالة ووضعوا خططهملثلاث سنوات.

شهد المكان ترميمات واسعة للقباب والقلالي وغرفة الطعام والمذبح، وأصر المتبرعون على أن يكون المدخل قنطرة العبور المقدس من الملكوت الدنيوي إلى الملكوت السماوي، فأمروا ببناء سور على جانبي المنحدر، ووضعوا الرخام ورصفوا الأرض المتجهة نحو الوادي الفسيح، حيث الأرض التي اعتاد الآباء على زراعتها قمحا من أجل غذاء الرهبان، فأصبح المنحدر بمثابة مدرج روماني يتهادى ما بين النزول السريع والنزول عبر درجات تحكم الخطى، وكان من المقرر أن يصطحب الأنبا في زيارته جمعا من الأباء والأساقفة لإعادة افتتاح الدير،  لكن خلافه مع السادات كان قد تصاعد إلى حد الإقامة الجبرية في دير الأنبا بيشوي بالنطرون.

كانت المخاوف تملأ رأس دميانة وتضرب بجناحين كبيرين في صدرها، توقعت أن طوال القامة الذين نزلوا معها سيتركونها فور التأكد من ركوبها الباص، لكنهم صعدوا معها، وتحرك السائق بالباص وهم معها، كانت تنظر في كل الاتجاهات في صمت علها تفهم ما يجري، لكن السكون كان قد خيم على كل شيء، فرفعت عينها نحو القلالي والقباب صارخة في أنطونيوس أن يأتي لنجدتها.

رأت أن السائق ليس نفس السائق، ولا الطريق هو نفس الطريق، فالذهاب إلى السيويس بمحاذاة الجبل، فأين ذهبت الجبال في هذا الظلام، رغبت أن تسأل السائق، لكنها انطوت في كرسيها ولزمت الصمت، فما الجدوى من السؤال الآن.

 حين أيقنت أن هذه ليلتها الأخيرة، رفعت عينها نحو النجوم المتوارية خلف سحبخفيفة، رأت القمر يتسحب من خلف غيمة داكنة، فتحت النافذة قليلا ليتسرب هواء رطب لرئتها، لم تكن تفكر فيما سيجري معها، لكنهاكانت تفكر في أنطونيوس، موقنة أن خروجهاعلى هذا النحو له علاقة بالتحقيق، فما الذي سيجري معه.

حين توقف الباص بدعوى أن ثمة شيء في العجلة الخلفية أيقنت أن النهاية اقتربت، لكنها تماست وظلت في كرسيها لا تتحرك، رأت الرهبان ينزلون يتداولون مع السائق،رأته يجيئها ليستئذنها في النزول لأن كريك الرفع أسفل الكنبة التي تجلس فيها، استسلمت لطلبه ونزلت لتراهم يفكون الإطار، كانت الريح تحمل بعض البرودة وهي تدوي في الصحراء، شعرت أنها بحاجة للاحتماء منها، لم تكن هناك غير صخرة على الجانب الآخر، فعبرت  الطريق وذهبت لتجلس في ظلها، رأتهميفتحون الباب الخلفي للباص، يخرجون أشياء لا تعرفها، كان أحدهم يحمل ما يشبه الفأس مبتعدا عن الباص، وآخران يعاونان السائق بانهماك واضح، تصاعدت أصوات الذئاب في مكان ما، انتابها الخوف من أصواتها المتوالية، نظرت إلى السماء فرأت الغيوم انقشعت، وأخذت النجوم في الظهور، والقمر ينير ما حوله، فاستبشرت وتراجعت المخاوف، وداعبها النعاس، فأغلقت عينيها لتسأل أنطونيوس عما حدث، لكنه لم يسمعها، وأخذ يسير بصحبة رهبان من طوال القامة علىالصخرة التي تجلس تحتها، نهضت من لتنادي عليه، فرأتهم يحاولون دفعه من الخلف، صرخت فيه بفزع كي ينتبه، فانتبهت إلى أنها كانت تحلم، وأنها جالسة أسفل الصخرةولا شيء فوقها، رأت السائق انتهي من عمله، وأحد الرهبان يعبر الطريق نحوها، حين نهضت من مكانها تجاه الباص لمحت الراهب الثاني يقف خلف الصخرة، فانتفض جسدها كما لو أن شيئا تلبثها، وأدركت أنها مقتولة لا محالة، فتراجعت بخطواتها إلى الخلف، ثم انطلقت كالريح في الصحراء، بينما الراهبان يهرولان خلفها، صارخين في السائق أن يلاحقها معهما، فظلت تهرول دون أن تدري إلى أين، لكن حركتها لم تسعفها في الابتعاد كثيرا، فقد لحقها أحدهما ودفعها في الأرض، بينما هجم الثاني عليها ليصفعها، لكن الراهب الذي كان في البعيد نادى عليه فتوقف، وظنت أنه رسول السماء من أجلها، فتقدم بهدوء نحوها ثم ضربها على بيده على رأسها فسقطت مكانها.

*******

26

في تلك الليلة صمت أنطونيوس ولم يفتح فمه لرفيقه في المغارة بكلمة، كانت الحيرة تكاد تفتك به، فقد صدق الراهب فيما قال، ومات شيخ البلد دون أن تنطلق من بندقة أنطونيوس رصاصة واحدة، بل ودون أدنى حضور لأنطونيوس نفسه في القضية، ورغم أنه سعى لأن يكشف للجميع حضوره وقوته ودوره الذي لم يقم به، إلا أنه لم يفعل أكثر من الاعلان عن دور المسكوتي، فهو الذي استأجر وهو الذي دبر، ومن ثم فهو الفائز الوحيد دون خسائر تذكر، حتى الاحساس بالذنب فلن يصيبه، ربما كان هذا هو السبب الذي دفع أنطونيوس لأن يخرج من مكمنه، وينزل أمام الناس ليسلم على المسكوتي مطالباً ببقية أجره، ولم يستطع الأخيرالاختلاف أو الرفض، فضربيده في جيبهوأخرج مبلغا أكبر من المتفق عليه، طالبا من أنطونيوس الرحيل، فأخذ المبلغ ومال تجاه حقول الذرة، مطلقا عدة رصاصات في الهواء كي يرعب من يفكر في ملاحقته، هذه الرصاصات هي التي أكدت أن المسكوتي المسئول عن الجريمة التي لم تتم، فدفعته الأكتاف والصدور بعيدا عن طابور العزاء، ليجلس كشخص منبوذ على دكة بالقرب من الباب، وبعد قليل، وعلى أمام أعين العمدة وأقارب شيخ البلد، خرج باحثاً عن باب بيته، وهناك تلقى الطلقة التي رسخت في صدره، وحين خرجأبناؤه ليستعلموا عما حدث وجدوه ينزف وبجانبه رزمة الأوراق الحمراء ذات المآذن الطويلة.

كان أنطونيوس قد مال وسط الحقول نحو بيت المسكوتي، موقنا أن العمدة سيقوم بحركة شجاعة مباغة، لأجل تبرئة نفسه من الارتباط به كقاطع طريق، وبالفعل صدق حدثه، وخرج رجاله إلى حدود القرية مع الصحراء، عازمين على الذهاب لاقتلاع أنطونيوس من صخرته، لكنهم فوجئوا بصوت الرصاص في القرية من خلفهم، فعادوا ليجدوا المسكوتي مدرجا في دمائه، وزوجته وأبناءه ينوحون من حوله، فدب الضعف في أوصالهم، وتشاغلوا بتجهيز الموتى ودفنهم.

حين عاد أنطونيوس إلى صخرته كانت نجمة الفجر قد بزغت بوضوح، حتى أن السماء التي كانت شبه مظلمة أضيئت كما لو أنها تتهيأ لفرح ما، وانبلج القمر على صفحتها في هيئة نصف رغيف أو أقل، لم يكن أنطونيوس بحاجة للتفكير في الطريق، فأقدامه تحفظ  كل حصاة وحبة رمل فيه، تسلق الصخرة صاعدا عبر شقها الواسع، وتذكر حين لجأ إليها أول مرة هاربا من الكلاب والذئاب، رأى شقها كما لو أنه سلم يصعد به إلى السماء، ولم يكن أمامه سوى أن يتسلقه مستكشفا النهاية، عسى أن يصل لفجوة يبيت فيها حتى الصباح، حين انتهى الشق وجد نفسه جالسا على هضبة تحتمي بصخرة أكبر، وفي الصخرة ثقب واسع، حين دخله وجد نفسه في غرفة كبيرة تطل على القرى من أمامها، رأى أثار شخص كان يقيم في المغارة من زمن، فأدرك أن المكان كانصومة لراهب أوقاطع طريق، فقال لنفسه أن المكان إرث، وقد آل لمالك جديد.

مرت سنوات عليه وهو مقيم على الصخرة، الكل يعلم بمكانه ولا يرغب في الاقتراب منه، الاتفاقات تأتيه عبر رجال اصطفاهم من القرى، عادة كانوا يقدمون فروض الولاء من تلقاء أنفسهم، يجيئون إلى الصخرة،وينتظرون أسفلها بالساعات كي يخاطبهم شبحها، عادة ما يظهر لهم ملثما، لا أحد  يعرف إن كان هو نفسه قاطع الطريق الذي سيطر على مفارق الطرق أم واحداً من رجاله، أم أنه في حقيقة الأمر وحدا من أشباح المقتولين على يديه، آلاف المزاعم والهلاوس والخيالات التي نسجت حول الصخرة، ولا أحد يعرف سرها، وحدهم رجاله هم المسموح لهم بالاقتراب منها، ينتظرونه أسفلها حتى يخاطبهم، أو يتجلى لهم، فيتفق على التنفيذ ووقت التنفيذ، لكن أحد لم يصعد مرة إلى كفهه.

وحده الراهب هو الذي صعد، لا يعرف أنطونيوس كيف ولا متى، فقد انتبه من نومه ليجده واقفا أمامه، مبتسما في هدوء من يتطلع إلى أمر محبب إلى نفسه، حين انتفض من النوم رافعا سلاحه في وجه الراهب وجد ابتسامتهتتسع،  وشعر أنه يعرفه، مر بذهنه على صور كل من يعرفهم  فلم يجده، ولم ير وجهه في ملف الذين قتلهم، ولا الذين هرب منهم، ففتح ملف الأطياف والهلاوس والأحلام، أخيرا عثر عليه، وجده، كأنه هو، نفس الهدوء ونفس الابتسامة الفرحة الواسعة، نفس الهدوء المحبب للنفس، كما لو أن طيورا حطت من السماء لترفرف من حوله، هكذا رآه منذ أيام قائلاً:

ـ أنا المسيح.

لم يعترض أنطونيوس، ولم يتساءل عن السبب الذي جعل الرب يحضر إلى صخرته الفقيرة المنبوذة، لكنه استيقظ من نومه سعيدا برؤيته، ليس هناك ما يدعوا للسؤال عن سبب لهذه الرؤية، هو نفسه لا يشعر أن الرب غاضب عليه، فلديه يقين دائم أنه ينفذ مشيئته الرب، وأنه عبد من عباده الصالحين، ورسول من رسله، أو واحد من ملائكته، فهل يمكن أن يغضب الرب من عزرائيل لأنه ينفذ عمله.

ـ لو لم يكن الرب راض عن عملي لمنحني عملا غيره.

هكذا قال ساخرا حين طلب منه إيمانويل أن يترك عمله ويتبعه، فنظر إلى الأرض وفكر كثيرا قبل أن يرفع وجهه ليقول جملته، كان يتوقع أن الراهب سيصاب بالإحباط والفشل، أو أنه سيتمتم ببعض الأدعية التي تجلب هداية السماء له، لكن الأخير وقف بباب المغارة قائلاً:

ـ احذر من كلب السماء.

هكذا تلقى تهديدا مشمولا بابتسامة لم يعرف أن كانت طمانينة أم سخرية، يمكن القول أنها كانت شبح ابتسامة ارتسم بهدوء نابع من أحشاء الراهب إلى وجهه، الراهب الذي حمل صليبه ورحله ونزل من شق الصخرة ليذوب في الصحراء مثلما نبت منها، لكنه كان قد ألقى بذرته التي أخذت تنمو سريعا، فما أن نام أنطونيوس حتى رأى أن كلباً عظيماً يحاول أن ينفلت من تحت أنامل الرب لينطلق في إثره، ربما كان أسدا وليس مجرد كلب، كان يجري منه دون أن يعرف إلى أين،ولا من أين جاءه هذا الجرم الهائل ذو المخالب العملاقة والأظافر المسنونةوالأنياب التي تلمع في الظلام، وحتى إن لم يكن الوقت وقت ظلام، فهكذا كان يراه، يشق الصخر ويخرج من أعماق المغارة، كأنجزءاً منهايتحرك نحوه على هيئة كلب يقفز باتجاهه وهو نائم، فينتفض أنطونيوس من نومه هاربا، دون أن يعرف إلى أين، ودون أن تسعفه سرعته في أن يطلق الرصاص عليه، في النهاية خرج إلى حافة الهضبة، فرآه يخرج من المغارة خلفه، مجرجراً ما علق بسلسلته من صخور، كانت السلسلة تعوقه لكن صوتها والنيران التي تنتبثق من جرجرتها على الصخر تجعل أنطونيوس يرتعد، وخطواته تضيق، فأين يمكنه الذهاب، لم يكن أمامه سوى أن يلتقط سلاحه وينزلق من شق الصخرة مهرولاً في الصحراء، بينما صوت إيمانويل ترن في أذنه:

ـ ستجدني في دير الملاح.

****

27

من أوراق أوريجينوس

ـ 4 ـ

كنت قد بلغت السابعة عشر من عمري، وكان قد مضى على عملي كمدرس لآداب اليونانعام ونصف، لكنني حققت شهرة جذبت الأنظار نحوى، وأقنعت الكثيرين بدخول المسيحية سراً على يدي، فكنت أرسلهم إلى الأب اكلمندس، أستاذي في مدرسة اللاهوت بالكنيسة، ليلقنهم الأصول التي ما كان بمستطاعي تعلميها لهم، لأنني أدرس في بيوت الوثنيين أنفسهم، ولو علموا بأمري ما تراجعوا عن قتلي.

في تلك الآونة طلباكلمندس من البطريرك ديمتريوس أن أكون مساعدا له في التدريس بالمدرسة، فواقه على ذلك، كان ديمتريوس يعرفني منذ زمن، والحق يقال أنه شملني برعايته وفضله، كان ذلك قبل أن يدب الخلاف بيننا، وقبل أن يعتبرني مارقاً مخالفاً للتعاليم، وها أنا أكتب لك الآن عن الأمر وديمتريوس في ملكوت السماء، وكلما تذكرت ما جرى أشعر بأننا كنا حمقى، أضعنا أعمارنا في سوء فهم كبير، لكنني أيضا أشعر براحة صدر ، صدقني.. أنا الآن لا أحمل في قلبي ذرة حقد أو غضب عليه، على النقيض أشعر أنه ما كان له أن يفعل إلا ما فعله، فالإنسان ابن طبيعته هو، ابن أوهامه وأفكاره ولحظة اتخاذه لقراره، لذا لست غاضباً من ديمتريوس، بل على النقيض ممتن لما فعله معي، بدءا من رعايته لي، وصولاً إلى تفجيره كل مكامن طاقتي، لقد صرت العلامة بفضله، صرت صاحب مدرسة بفضله، وجاءت تفاسيري العديدة بفضله، لقد كان بمثابة الإله النقيض، كان شيطاني الذي يحركني نحو الأمام، يضيق على الخناق في مكان لأفر إلى مكان أرحب، أنا شاكر له، وأرجو أن يكون نعيم السماء قد طهر قلبه من الغضب علي.

شعرت حين أبلغني اكلمندس بموافقة ديمتريوس أن المسيح ينظر لي من علياء السماء بعيني الرضا، فظللت أصلي حتى خشيت أمي أن أكون قد مت على حالي مثلما مات سليمان على كرسيه، حين ابلغتها بالأمر رقصت كعادة المصريين حين يجيئهم خبر مفرح، فأخذت بيدها ورقصت معها، متذكرا أبي ولحظة الفرح التي لابد أنه يشاركنا إياها من ملكوت السماء، كنت موقنا أنه يرقص بيني وبين أمي، فقد صار ابنه مساعدا لرئيس مدرسة اللاهوت، وكنت أنظر إليه بعين الرضا، وكأنني أقول أن عليه أن ينتظر، فأمامي الكثير، وأنا لابد أن أحقق أكثر مما يتوقع أهلي وأساتذتي جميعا.

كان كليمنت أستاذي منذ دفع بي أبي إليه لأتعلم على يديه، لم أبتعد عنه إلا في العام الذي حبستني أمي في قمرتها كي لا يلقيالجنود القبض على، تماما كما فعلوا بأبي، هذا العام عملت فيه لدى السيدة ثيكاتا، لكنني حين فكرت في التدريس للوثنين لم أستطع أن أتخذ هذه الخطوة إلا بعد موافقته، كان عالماً وقديساً جليلاً، لعلك تذكر فضله في ضبط تعاليم المسيح بكنيسة أورشاليم بعدما ترك الأسكندرية، فحين اشتد بطش سبتيموس ساويرس فر الجميع بأنفسهم، وكان من بينهم اكلمندس الذي قرر الذهاب إلى أنطاكيا، وفي طريقه إلى هناك مر على أورشليم، واستقر بها حتى تنيح.

 حين ترك الأسكندرية ظلت مدرسة اللاهوت خالية، لا أحد يرأسها، ولم يكن عدد أساتذتها يتجاوز أصابع اليد الواحدة، ولا عدد التلاميذ المترددين عليها يتجاوز الثلاثين تلميذا، فالكل خائف، لأن جنود سبتيموس في كل مكان.

عرض علي ديمتريوس رئاسة مدرسة اللاهوت خلفا لاكلمندس، ولم أعرف بما أجيبه، فأن أكون في الثامنة عشر من عمري خليفة لاكلمندس الفيلسوف والمعلم صاحب "المتفرقات" و"نصائح إلى اليونانيين" فذلك شأن لم أكن أحلم به في هذه السن، وهو مغامرة كبرى، فتعاليم كليمنت تملأ أرجاء الأسكندرية، الفلاسفة في رأيه أطفال ينضجون من خلال الإيمان، ومن ثم فالفلسفة ليست شراً، لكنها منحة من السماء، لأن البشر هم الذين يخلطون الحق بالباطل وليس الفلسفة ولا الفلاسفة، هكذا كان يزاوج بين نقيضين لا يجتمعان، وزاد في الأمر أن قال بأن الغنوسية ليست هرطقة، لكنها تمتع بالإعلان عن الله من خلال السيد المسيح المعلم،ولذا فغنوسي لا تعني هرطوقيًا، بل مسيحيًا مؤمنًا يسلك بروح الرب وينعم بمعرفة الله.

فلسفته هذه صارت تملأ الآن البر والبحر، وانتشرت بين المؤمنين كالنار في الهشيم، فمن الذي سيوقفها، وكيف له ذلك، ومن الذي سيملأ مخيلة الناس بعلمه عوضاً عن فلسفته ومعرفته.

 يومها قررت أن أكرس حياتي لأجل عملي الجديد كمعلم للموعوظين، في البدء عملت على إعدادهم وتهيئتهم للعماد، لا بتعليمهم الإيمان المسيحي فحسب، وإنما بتقديم التعاليم الخاصة بالحياة المسيحية العملية أيضًا، ولم يقف عملي معالأعداد المتزايدة على تهيئتهم لنيل سر العماد، وإنماتهيئتهم أيضا لقبول إكليل الشهادة. وقمت بتقسيم التلاميذ إلى فصلين، جاعلاً المبتدئين تحت إشراف هيراكليس، حيث يعلمهم المبادئ الأولى للإيمان، أما أنا فقد عكفت على تعليم المتقدمين اللاهوت والفلسفة، واضعا الكتاب المقدس نصب عيني، مؤكدا للجميع أنني أعمل من خلال الفلسفة على خدمة النص، وشرعت في تفسير الكتاب المقدس وفقا لمنهج رمزي، حيث استنبط المعاني الباطنية للآيات والمواقف والأحداث، ذاهبا إلى أنه لا يمكن أن تخضع الكتب المقدسة لقراءة مباشرة، فهذا لا يحدث مع الخطب والملاحم، فكيف يحدث مع مواقف الرب ومقولاته.

 على الجانب العملي وظفت طاقاتي لتقديم حياتي كمثل للحياة الإنجيلية. مهتما بحياة النسك وممارسة الصلاة كمنهج يساعد على تحرير النفس واتحادها مع الله، لذا جعلت من الصلاة نعمة خاصة من قبل الله لفهم اكلمندسه، مؤكدا أن الاتحاد معه لا يكون إلا بالحفاظ على الحالة البتولية، وأنعلى الإنسان أن ينسحب عن العالم وهو ما يزال مقيما فيه، مضحيا بالترف ومحتقرا المجد البشري ، كي يكون حاله كله لله.

ظل أمري على هذا النحو عامين أو ثلاثة، والمؤمنون يتزايدون من حولي كل يومعن سابقه، حتى أن النسوة صرن يتدفقن من أطراف المدينة لسماع موعظتي، كنت أجلسهن في صف وأجلس الشباب والرجال في صفين، كثيرات كن يسعين لأن يجذبن انتباهي، كثيرات تفنن في ألقاءأسئلة أوحكي مواقف تحدث لهن، طالبين مني الرد على هواجس الشيطان لهن، كنت أتحلى بالصبر قدر المستطاع وأنا أجيب عن أسئلة ما كان لبني أسرائيل أن يسألوها.

 وفي غمار هذه الأسئلة التي لا إجابات لها عندي رأيت ميريت، وقعت عيني عليها في ثيابها البسيطة ووجها الجميل، كان مدورا كالبدر، ناعما كفراشة، مضيئا كشمعة في الظلام، رأيتها وسط أقرانها صامتة لا تتحدث، ولا تفكر في طرح سؤال واحد ، فقط تجلس كملاك نزل من السماء ليكون شاهداعلى موعظتي، توقفت عن الكلام، ربما خاطبتها في داخلي أن تنهض لتقول ما لم تفكر في قوله، ورددت بداخلي بما كان ينبغي علي الرد به عليها، ربما غازلتها في صدري، وتمنيت أن أضمها إلي قلبي، أو أغزوها بآلتي، فلأول مرة أشعر أن شيئا في داخلي يتحرك نحو الإناث، وأنني لست حجرا لحفظ الكلام وترديده، أنني إنسان له رغبات وأحلام وخيالات، ورأيتني أنتفض من داخلي،بينما الموعوظون يهتفون باسمي:

ـ أيها الأب أوريجانوس.

حين انتبهت إليهم وجدت ابتسامات على الوجوه، بحثت عن ميريت بطرفي من جديد، ورأيت احمرار وجهها، فعلمت أن ثمة شيء ما كان ينبغي أن يكون مخفياً، شعرت أن جبهتي تنزف عرقاً، فجففتها بيدي وعدت لما كنت أتحدث عنه، لكنني لم أستطع أن أكمل، فقد تشتت فكري وعقلي، واهتزت قواي مني، فأنهيت الموعظة مواعدا الحاضرين بأكمالها في الغد.

يمكنني أن أعترف يا صديقي أمامك الآن بأنني فكرت في ميريت بحيوانية مفرطة، فوجهها الملائكي وجسدها اللدن لم يفارقا مخيلتي، فقد وقفت أنظرهم وهم يعبرون من الباب أمامي في طريقهم إلى الشارع الواسع، لم أكن أفعل ذلك كثيراً، لكن الجمال الهادئ لتلك الفتاة جعلني أقف مشدوها أمامها، باحثا بعيني عنها بين زميلاتها وجاراتها، بدا لي أن أمها كانت معها، بدا أيضا أنها شرحت لها الرسائل، فقد وضعت عينها في الأرض، عينها الكبيرة الواسعة ذات الرموش الطويلة السوداء، بينما رفعت يدها ملابسها عن الحصى، فبدت كملكة ترفع إزارها عن الدنس، لا أعرف كيف سمحت لعيني أن تمر على صدرها العريض، حتى أنني على البعد لمحت منبت الصدر، ونزلت بطرف عيني على الخصر الممشوق كعود من بخور، وكفارس يحي أميرة آن عبورها من أمامه انحنيت، أو هكذا تصورت، مسدلا رمشي على عيني، بينما شبح ابتسامة صغيرة من فهما يطل على.

 كنت موقنا في هذه اللحظة أن الرسالة وصلتها، حتى أن أمها نفسها أدركت أنني أريدها أن تؤكد لي على استلامها، وظللت طيلة الليلة مبعدا كتبي وأوراقي جانباً، فلأول مرة لا رغبة لدي في الكلام أو القراءة، لأول مرة أشعر أنني أريد أن أجلس على سطح بيتنالأتأمل النجوم والسحب، نعم فعلت هذا، تركت إخوتي يتسامرون في غرفة المعيشة وصعدت وحدي أرقب وجهها، تارة أراه في قرص القمر، وتارة أراه قادماً من بين النجوم، حتى غلبني النوم في مكاني، ووجدت أمي توقظني لأعود إلى فراشي، أذكر أنني نهضت دون أن أجيب على سؤال واحد من شلال أسئلتها المتلاحق.

في الصباح،وكان النوم مازل ملاصقا لعيني، ذهبت إلى المدرسة، ظللت أنتظر قدوم ميريت مع أترابها، لكنها لم تأت، كدت أجن، ورغبت في أن أسأل عنها، لكن ذلك لم يحدث، شعرت بنوع من التعاسة والضيق، نوع من الرغبة في الثورة والغضب، تشاجرت مع رجل سألني إن كان المسيح ابن الله فمن يكون يوسف النجار، لا أعرف ما الذي جعلني أشعر أن الرجل يهين الرب، وأن هذه الاسئلة قد تفتح أبواب الشيطان، ثرت عليه، محذرا من أن الشيطان الذي يكمن في التفاصيل، يكمن أيضا في طرح كل ما ليس مطروحاً، وبغضب أنهيت العظة.

سيطرت على حالة من الغضب غير المفهوم، لا أمي قادرة على إرضائي، ولا أي من تلامذتي قادر على فهمي، حتى ارتباطاتي مع القساوسة والآباء اعتذرت عنها، وحبست نفسي في حجرتي، مدعيا أن لدي عمل أريد أن أنجزه، لكن العمل الوحيد المتاح كان معاقبة نفسي علىضعفها، وانحرافها عن المسار الذي وضعته لها، وأمام رغبتي في عقابها على ما حدث قررت أن أفعل قال الإنجيل "يوجد خصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السموات"، باحثا بذلك رضا الرب، ملتزما بنصه حديثه، فبحثت عن الشفرة التي كنت أحلق بها، وقمت إلى نفسي واضعاً حشوة من قماش في فمي، ثم أمسكت بخصيتي وجذذتها بالشفرة، مطلقا صرخة مدوية من الألم، دخلت على أثرها أمي إلى الغرفة لتجدني غارقا في بحر من الدماء.

****

28

خرج من القاهرة منتشيا بأن كلب السماء مازال يعرف طريقه، وهو ما يعني له أن الرب لم يهمله، ولم يحكم بتركه في المتاهة والضلال، فمازال تحت عين الله، يريده في الطريق الصواب، لذا كان يهرول في الطرق متسمعا صوت السماء وكلبها، مذكرا نفسه بوجه الراهب الذي جاءه في المغارة، الراهب الذي لم يبت سوى ليلة واحدة وقلب حياته رأساً على عقب، فترك مهنتة التي تخيل أنها قدره المحتوم، وأخذ يلهث خلفه في الطرقات، متخلياً عن الرعب الذي كان يثيره في عيون الناس وقلوبهم، ليتلبسه هو الرعب من كلب السماء ومخالبه.

كثيرا ما تمنى أن تعود الأيام الخوالي،حيث قريتهم التي على هوامش القرى، والتي تبدو كما لو أنها تركت سوأتها للصحراء، فجاءها منها أصحاب اللحى العتاة، فطالبوا أهلها بدفع الجزية، لم يتوقع في يوم أن يكون مختلفا عن الجميع،  ولا أن يطالب الناس بالرفض والعصيان، لكن الجزية إهانة، الجزية إقرار دونية وتبعية،  فمن الذي ذكرهم بها الآن؟

حين علم الأمير بأمرهقرر أن يجعله يطرق على باب كل بيت طالبا الجزية من أهله، كان راغبا في كسر كرامته وزرع الخوف في نفوس الآخرين، وكان الخوف يغلف الجميع،هم خافوا عليه من الموت، وهو خاف على بيوتهم من الحرق وأطفالهم من القتل ونسائهم من الهتك، وحين سمع بأحكام الأمير وأنه لا يساكنه فيها قط، أيقن أنه فقد كل من يعرف، رأى والده يسقط أمامه غماً، ورأى أمه لا تعرف هل تصرخ عليه ام على زوجها، فظلت تلطم وجهها حتى سقطت بين أيد الناس، ولم يستطع أن ينحني ليحمل أيا منهما، رأى القرية تطلق كلابها وسفاءها في إثره، ولم يعرف كم استغرق في هلعه وخوفه، ولا كم كان عليه أن يقفز بين الأحجار والحفر خوفا من النباح والأنياب والمخالب، كان ينظر إلى الخلف ويجري، ينظر إلى الأمام ولا يدري أين سيضع أقدامه في الأرض.

 ظل الخوف يطارده حتى انكفأ على وجهه، لا يعرف من أين أتته هذه الحفرة ليسقط فيها، فالأرض لم تكن مستوية، لكن لم تكن بهذا القدر من الهبوط، كما لو أنها أحدا حفرها بفأسه ويديه من أجله، فظهرت تحت أقدمه فجأة، فلم يتملك نفسه، وسقط فيها على وجهه، فأظلمت الدنيا عليه، وغاب عن وعيه.

 كان موقنا أنهم اقتربوا بما يكفي لأن يقتلوه، هكذا سمع صراخهم ونباح كلابهم حين استفاق من موته، شعر بالتراب الذي أثارته أقدامهم، لكنه ظل كامنا في مكانه، فهو ميت،وليس هناك ما يستحق النضال من أجله، ظل منتظرا أن يأتيه موته على يد أشخص أو شبح، لكنه لم يأت، هدأت الأصوات وخفت الأقدام وسطع القمر ولم يأت، هاجت الكلاب وعوت الذئاب ونزل البرد دون أن يأتي، كل ما أتى هو إحساسه بإن جراحه تزيد عليه، بينما الذئاب تنثر التراب عليه،ورائحتها النتنة تملأ أنفه، وتخيل لو أنها نزلت إليه، لكن الرب ستر، فقد ظهر  جماعة من أهل الليل، وقرروا أن يطردوا الذئاب بعيدا عن غنيمتهم، وبدافع الفضول ألقى أحدهم ضوء كشافه في الحفرة، سطع الضوء على وجه أنطونيوس، فأخذ يئن بصوت عال من مكانه، حتى أنهم تصوروا أن ذئبا قد أكله، فألقوا إليه بحبل وجذبوه إليهم، فسار معهم إلى حيث التبة التي يأوون إليها في الجبل، فعالجوه وأعطوه بندقية يتعلم عليها التصويب وتركوه يذهب ليأخذ ثأره بنفسه.

وضع أنطونيوس بندقيته في كتفه ونزل من التبة باحثا عن طريق عودته إلى القرية، بدت له الصحراء رغم اتساعها واضحة المعالم، فظل يمشي حتى وصل إلى قرية الجهاديين من الخلف، كمن في مكانه منتظرا أن يعرف من أين يمكنه أن يبدأ، كان يعلم أن أصحاب اللحي يتجمعون كل ليلة في كوخ الأمير على قناة الماء، فكر في أن يكمن في حقول الذرة منتظرا مرور أحدهم فيقتله، لكنه عاد وقرر أن يباغت الأمير نفسه، كان الأخير في الأربعين من عمره، ممتليء بعض الشيء، حين طرق على بابه خرج رجل آخر، وبدا أنه كان ينتظر رفاقاً آخرين، وضع أنطونيوس بندقيته في عنق الرجل ودفعه حتى دخل به على الأمير، فطلب من الرجل أن يربطه من قدميه، وتحت فوهة السلاح ونظرة الشر التي ملأت وجهه أطاعهالرجل، وما إن انتهى حتى نزلأنطونيوس بمؤخرة البندقية على رأسه، ثم طلب من الأمير أن ينهض، وكان الأخير ينتفض من الرعب، فأطاعه في كل ما يريد، حتى أنه خلع ملابسه ووقف عاريا أمامه دون تأخير، وكان هذا آخر ما طلبه منه أنطونيوس، فلم يستطع أن يصبر أكثر من ذلك على قتله، حين ضغط على الزناد وانفجر الدم أمام عينيه أدرك أنه الآن أصبح قاتلا، في البدء أرتجفت أوصاله، لكن الأمير كان قد مات بالفعل، شيعه برصاصة أخرى ليتأكد عبوره نحو الرغبة الدائمة في القتل.

كان هذا أول دم يجري على يديه، بعدها خرج من الكوخ، وجلس على مقربة منه حتى جاء أتباع الأمير إلى المكان، كان يعلم أن صاحبهم لم يمت، وأنه سيخبرهم بما جري، فخرجوا باحثين عنه، كانت ثالث رصاصة له في رأس الرجل الذي أبلغهم، وأسقط في يد الجميع حين وجدوا أنطونيوس واقفا بينهم وفوهة بندقيته على رأس أحدهم من الخلف، طالبا منهم أن يلقوا بسلاحهم في الأرض، بعدها أمر واحدا منهم بأن يقيدهم على نحو ما حدث مع الأمير، ثم وقف ليطلق عظته الأولى على رؤسهم، مهدداً بأنه لو علم أن قبطيا حدث له مكروه في القرية أو غيرها فلن يتورع عن قتلهم في بيوتهم، ثم تركهم وفر إلى حقول الذرة، ذلك الجبل الأخضر الذي يختفي فيه كل شيء.

هكذا علم الجميع بتحول أنطونيوسمن رجل يقرأ ويكتب إلى رجل يقتل وينهب، ولم ينس أن يخرج من القرية مثلما دخلها، فلا عزاء لأهله ولا مصافحة لأصدقائه، فقط ظل يهرول في الصحراء حتى وصل لتلك الصخرة التي بدت كما لو أنها في انتظاره، كان شروق الشمس وغروبها على جلده قد جعله يعرف كيف ينام مغمضا عينا وموقظا الأخرى، وكان عليه أن يستيقظ في الصباح كي يعلن عن وجوده كقاطع طريق وقاتل مأجور.

******

29

نعق غراب عجوز على باب حجرتي، في البدء لم يشغلني صراخه، فعادة ما تصرخ الحدادي والغربان في المكان، لا جديد في ذلك، هكذا قلت لنفسي حين تعلق قلبي بالصوت الزاعق في هذا الوقت من الليل، غير أن أذناي أخذتا ترهفان السمع، وسرعان ما انتابني إلحاح غريب لأن أخرج فأستطلع الأمر، نهضت من فراشي متمتما باسم المسيح الحي أن ينقذنا من الشرير.

 لم يكن هناك ما يستدعي الريبة، كل شيء هادئ وساكن ووديع، حتى الغراب الذي شعرت أنه صرخ أمام الغرفة لم تقع عليه عيني ، بدا لي أن الدير أصبح مسكوناً بشبح ما، أو أنني الذي أصيبت بالجنون، نظرت إلى صفحة السماء العارية مستطلعا نجومها، ورأيت أن الليل انتصف ولا يمكن لأحد سواي أن يكون مستيقظا، فركت يداي في بعضهما وقررت العودة إلى فراشي متثائبا، لكنني ما إن استدرت حتى لمحت على البعد ضوء غرفة دميانة مضاء، لم يكن في مبنى الضيافة غيرها في ذلك اليوم، حاولت أن أقنع نفسي أنها ربما مازالت تقرأ رسائل أوريجانوس للبابا ديونيسيوس، تلك التي نشرت ضمن كتاب أثناسيوس عن القديس أنطونيوس، فقد ذكرت لي أنها غرقت في تفاصيل  الكتاب الذي أحيل بسببه أنطونيوس إليها.

خطفني من شرودي نعيق جديد لطائر أسود عملاق رأيته يرفرف أعلى الجبل، كان نعيقا قويا ومؤلما، كما لو أن أحدا كان يشد وثاق الغراب تأهيلاً لصلبه هناك، صرت موقنا أن ثمة شيء غريب يحدث في الدير، جلست في مكاني أمام مخزن الكتب على أمل أن تهدأ وساوسي أو يراودني النوم من جديد، ولم يمر كثير من الوقت حتى وجدت راهبين من المكلفين بحراسة الدير يعبران باتجاه البوابة، بعدها وصل أتوبيس سياحي صغير وأطلق صافرته مرتين أسفل المدرج الرخامي، واتجه راهبان يتمتعان بطول القامة نحو البوابة والمدرج، وعاد الحارسان إلى مبنى الضيافة من جديد، حينها أيقنت أن ثمة شيء مايحدث، ووقفت في ظل الباب مراقبا ما يجري، رأيت الأب يوساب يمشي وخلفه دميانة في حالة من الفزع وخلفها ثلاثة من الرهبان طوال القامة، كان أحدهما يحمل حقيبة ملابسها.

ظللت أرقب المشهد حتى توقف الجميع أمام البوابة، وسمعت صريرها العجوز وهي تفتح وتغلق، سمعت توسلات من دميانة بالبقاء حتى الصباح، بعدها عاد يوساب متجهاً نحو قلالي الرهبان المجاورة للكنيسة الصغيرة.

أغلقت بابي واقنعت نفسي بضرورة النوم، لكن النوم لم يعرف لي طريقا، فقد انتابتني الهواجس والأفكار الشريرة، حاولت طردها بمختلف السبل دون جدوي، في النهاية قررت أن أبحث عمن يحمل عني بعض ما أعانيه، أخير وصلتإلى الشخص الذي يمكن الوثوق به، لم يكن سوى أنطونيوس، هذا الذي يهمه أمر دميانة مثلي، تطلعت من فرجة الباب إلى ما يجري بالخارج، كان القمر قد انزوى في جانب من السماء، وتكاثفت الغيوم على وجهه، شعرت ببرودة جعلت جسدي ينتفض، وددت لو أرجع مكانيلأنام حتى الصباح ولا ينكشف أمري، لكن كل شيء كان يدفعني نحو قلالي الرهبان، بينما نعيق الغربان يتزايد في قمة الجبل.

 كانت خطواتي تتسارع على الأرض، متسحبا بجوار الحوائظ ومتخفيا في ظلال المباني، حين وصلت إلى قلاية أنطونيوس أخذت في طرق خفيف على بابها، كان توتري أكبر من طرقاتي على الباب، فالخوف أن يسمع أحد غيره ويخرج لينظر ما يجري، ناديت عليه بصوت خفيض، صوت كان يدخل إلى جوفي أكثر مما يخرج منه، ورحت ابتهل إلى الرببحرقة أن يوقظه، ويبدو أن المسيح كان معي، فثمة حركة أخذت في الظهور داخل القلاية، حينهانزعت خوفي وركلت الباب بقدمي، فوجدت أنطونيوسواقفا أمامي بملابس نومه.

نحيته جانبا وألقيت بنفسي إلى دخل الغرفة، حين أغلق الباب متسائلا عما يجري أخذت في إبلاغه بما رأيت وما سمعت، اشتعل الغضب في جسده، وكل ما سيطر هو أن دميانة في خطر، وأنه لا بد من حمايتها، بدت عليه الرغبة في عمل شيء ما، شيء ينقذها مما هي فيه، لكنه لم يكن يعرف ما ينبغي عليه عمله، قال أنه سيذهب إلى يوساب سائلا عما حدث، حذرته من أن ذلك لا يفيدها في شيء، وربما سيزيد من ورطتها ويورطه معها، وهم لن يسمحوا لأحد أن يفضح أمرهم، شعرت أنه يستجيب لكلامي، لكنني في النهاية شعرت أن بقائي أصبح يمثل خطرا علي أنا أيضا، فاقنعته بالصلاة لأجلها، ثم تركته عائداإلى المكتبة.

في الصباح كان كل شيء هادئا كأي يوم آخر، خرج الشمامسة والرهبان من قلاليهم وغرفهم مع إشراقة النهار لتأدية أعمالهم، ونشط الفلاحون في حرثهم وبذارهم ورعاية مواشيهم، وتسامعت أصوات الديكة وهي تصيح ككل صباح، كل شيء بدا معتادا كما لو أن شيئا لم يحدث، وحدي الذي كنت أترقب أن يقع أمر غير معتاد، أو أن يفتضح الأمر غير المعتاد، ويأتي بتداعياته على الجميع، لكن شيئا لم يحدث، حتى أنطونيوس نفسه لم يخرج من مكانه، ورأيته بعد القداس يتجه إلى مركز التحقيقات، بدا لي أنني الوحيد المختلف عن طبيعته، ارتديت ملابسي على عجل وذهبت خلفه لأفتح المركز في انتظار المحققة دميانة التي أعرف أنها لن تجيء، ألقيت عليه تحية الصباح وأعملت مفاتيحي في ثقب الباب معتذرا عن التأخر، ورد هو أيضا باقتضاب كما أنه لا يعلم شيئاً، كدت أن أصرخ فيه عما حدث وجعله باردا بهذا الشكل، لكن الحق يقال أن الرجل كانت عيناه مرهقتان كما لو أنهما لم تعرفا معنى النوم، نظر نحوي في يأس مشمول بالغضب، فتركته وذهبت لأحضر له كوبا من اللبن، لكنه بادرني:

ـ ألم تأت المحققة دميانة بعد؟

من جديد نظرت مندهشا نحوه، فإما انه أصيب بجنون أو أن ما رأيته بالأمس كان حلما، وأمام إصرار عينيه الواسعتين قررت أن أسايره:

ـ سأرسل في استعجالها.

تركته وأرسلت إبراهيم الساعي ليستعجلها، فقد انتصف النهار ولم نبدأ في أي من أعمالنا، ولا أدري ما الذي جعلني أذهب لعمل القهوة بدلا منه، ربما سعيت لأن أشغل نفسي بشيء ما، حين عدت وجدت الأب يوساب واقفا أمام غرفة التحقيقات يرقب أنطونيوس في صمت، وحين رآني سألني:

ـ لمن تصنع القوة بنفسك يا ملاك؟

تلعثمت قائلا:

ـ أرسلت إبراهيم لاستعجال المحققة دميانة، فطلب مني أن أكمل عمل القهوة.

هز رأسه قائلا:

ـ المحققة دميانة سافرت بالأمس، فقد أنهى الأب جورج مهمتها في الدير.

كان يلقي بكلماته ضاغطا على مخارج الحروف وكأنه يصبها في أذن أنطونيوس واحدة تلو أخرى، حينها أدركت كم كان أنطونيوس فطنا حين تعامل في هذا الصباح كأنه لا يعرف شيئاً، ولا أدري لما ارتاحت أعصابي بعدما كان التوتر سيقتلني، فقد شعرت أن أحدا فقأ دملا بداخلي وأخرج صديده من جسدي، فوقفت أنظر للرجلين وكلاهما ينظر في عين الآخر بتحد غريب، وحين عن لي أن أنطونيوس قد يكشف عن غضبه ويتفوه بما لايجب أن يبوح به، قررت أن أتدخل :

ـ هل سيتم انتداب محقق آخر؟

ابتسم يوساب وهو ينظر بطرف عينه نحوي:

ـ لا .. التحقيق مع القساوسة والرهبان سيكون في الأبرشية.

ثم استدار نحو أنطونيوس:

ـ ومن سيجد المجلس أن أفكاره تستحق الحرمانفلن يترددوا.

حينها رفع أنطونيوس وجهه مبتسماً:

ـ هل سيراجعوا أفكار الجميع؟

هز يوساب رأسه بغضب:

ـ ربما.

ثم استدار مشيحا بيده في وجهي طالبا إغلاق المكان.

******

30

 

ـ أسبوع الآلام هو أقدس أيام السنة يا أنطونيوس.

هكذا نظر باخوميوس إلى تلميذه وراح يتحدث كما لو أنه يعظه من جديد:

الملوك والأباطرة كانوا يمنحون الناس عطلة في هذا الأسبوع، يمنحون موظفين الدولة عطلة ليتفرغوا للعبادة، ثيؤدوسيوس كان يطلق الأسرى والمساجين ليشتركوا مع باقي المؤمنين في العبادة، السادة كانوا يمنحون عبيدهم عطلة، لأن الوحي قال "لا تصنع عملًا ما، أنت وابنك وابنتك، وعبدك وأمتك وبهيمتك، ونزيلك الذي داخل أبوابك"، الرب لم يسمح بأن تكون روحانيات السادة مبنية على حرمان العبيد، فالكل للرب, يعبدونه معًا، ويتمتعون بحضوره في قلوبهم معًا، مظاهر الحزن تكون واضحة على الجميع، أعمدة الكنيسة تكون ملفوفة بالسواد، الأيقونات يجللها السواد، وكثير من الجدران والمانجليا، حتى الهواء يتضمخ بألحان حزينة, والنساك يمضونأيامه في صلوات ونسك، جوعا يجوعون، وظمأ يظمأون، وآلاما على آلامهم يتوجعون، المؤمنون لا يأكلون سوى الخبز والملح من مساء الخميس حتى قداس العيد، والضعفاءلا يتذوقون حلوا فيه،  لأنه لا يليق بهم أن يأكلوا حلوًا وهم يتذكرون آلام الرب، جميع الأسرار تعطل، ما عدا الاعتراف والكهنوت، فلا معمودية ولا ميرون, لا بخور يرفع ولا قداس يقام, إلا في خميس العهد وسبت النور، لازواج ولا مسحة مرضى ولا صلاة تجنيز، من ينتقل في أسبوع الآلام لا يرفع عليه بخور, وصلوات الأجبية تعطل، وتحل تسابيح البصخة محلها، صلاة البكور نتذكر فيها ميلاد المسيح, صلاة منتصف الليل نتذكر فيها مجيئه الثاني, وصلاة الثالثة نتذكر حلول الروح القدس، صلاة السادسة تذكرنا بصلبه, وصلاة  التاسعة تذكرنا بموته.

بكى باخوميوس حين ذكر موت المسيح، وتوقف عن موعظته التي لم يجد جمهورا لها غير أنطونيوس، ولم يشأ الأخير أن يحرمه من نشوة  الانطلاق في الموعظة، تلك التي اعتاد أن يتجلى بها على الشعب في زمن صديقه إيمانويل، بوجه مبتسم، وجسد ممتلئ كبرميل صغير، لكن روحه كانت تحلق على رؤس الجميع بمرحها المعتاد كفراشة بيضاء، كان باخوميوس أيقونة الآحاد، كثيرون كانوا يشدون الرحال من أجله، الآباء والأمهات والأبناء، جميعهم يتنادون من البيوت في القرى والخيام في الصحاري لأجل سماع موعظته، الآحاد جميعها من أجل باخوميوس، ما من صلاة تمر في هذا اليوم طيلة سنوات إيمانويل إلا وباخوميوس يطلق بخورها، ويدعو الرب من أجل أن يتقبل الجميع في ملكوته.

ـ لم أسموه بالبصخة؟

سأل أنطونيوس في خشوع، كمن يبلغ صاحب الوعظة أنه بحاجة لعظته، فنظر باخوميوس في وجهه مبتسماً، ثم مد يده وقبض على رأسه ووضعها على صدره قائلا:

ـ لأن فصحنا المسيح؛وقد ذبح لأجلنا. فإننا نتذكر أن دمه كان عوضا عنا، وأنه لا خلاص بغير الدم.

رفع أنطونيوس وجهه من على صدر باخوميوس:

ـ ألا خلاص بغير الدم؟!

ـ هذه مشيئة الرب، ونحن نتمثلها في كل تناول.

هز أنطونيوس رأسه مستسلما، وبغير تفكير قال:

ـ دميانا خطفت، ولا نعرف إلى أين ذهبوا بها.

ظهرت على ملامح باخوميوس صدمة المفاجأة، فرفع حاجبيه وترك عينيه مفتوحتين على الفراغ، فأكمل أنطونيوس:

ـ رآهم الكاتب وهم يرحلونها في منتصف الليل، كانوا رهبان غرباء، وكان يوساب قائدهم.

ـ هل التقيت به؟

 سأل باخوميوس بخوف

ـ رأيته في الصباح، قال أن التحقيقات ستتولاها الأبرشية، وستراجع من ترى أن أفكاره بحاجة إلى المراجعة.

تنفس باخوميوس بحزن، ودار بوجهه باحثا عن النافذة الصغيرة التي تطل على حافة الهضبة وما أسفلها، بدا أنه يبحث عن وجه صديقه إيمانويل، وسمعه أنطونيوس يقول:

ـ لماذا تركتنا؟

حين استدار كانت الدموع قد حفرت مجراها على وجهه، احتضنه أنطونيوس مهدهدا على ظهره حتى تمالك الرجل نفسه من جديد.

ـ هل نسيت رحمة الرب ومشيئته؟

هكذا رقق أنطونيوس صوته وهو يحتضن وجه أستاذه بعينيه، فمد الأخير راحته ومسح بقايا دموعه قائلا:

ـ تذكرت إيمانويل، وحز في نفسي ما يجري من بعده.

هز أنطونيوس رأسه:

ـ لقد عاش محنته، ونحن نعيش محنتنا، نتلمس منه العون، ولا نلومه على شيء.

هنالك مد باخوميوس يده أسفل وسادة قديمة أعلى النملية التي يضع فيها أغراضه، فأخرج لفافة بها بعض الحبوب متناهية الصغر، هز اللفافة أمام عيني أنطونيوس وشبح ابتسامة يرتسم على وجهه:

ـ آخر الذكريات مع إيمانويل، هو الذي أحضرها لي، كان يأتي ليشرب منها معي.

على ضوء موقد صغير خبأه باخوميوس أسفل سريره جلسا يتابعان الروائح المنبعثة من الحبوب التي تغلي في المياه أمامهما، وعلى مهل أخذا يرتبان تفاصيل الأوراق التي تشابكت وتعقدت في الدير، قالا أن خطف دميانة وترحيلها له علاقة بوضع الدير من جديد على مسار الأبرشية، وأن كلاهما المقصود بمسألة مراجعة الأفكار، ولابد أننا سنواجه بأسئلة عصيبة، وتشكيك لا حدود له، وربما لا ننجو من تهم الهرطقة، والحكم بالحرمان.

للحظة شعر باخوميوس أن رفيقه في الغرفة لا يعنيه كل ذلك، وأنه غير مهتم بالبقاء في الدير أو الخروج منه، غير مهتم بحظيرة الرب وما فيها، فأخذ ينظر إليه بتعجب، حتى كشف له أنطونيوس عما في صدره:

ـ كنت قاتلا وقاطع طريق، بحثت عن الله في كل كنيسة ودير، حتى هنا، ولم أصل إليه إلا حينما رأيت دميانة، وجهها السمح، جسدها اللدن، صوتها الناعم، أصابعها الصغيرة، كل شيء فيها كان يشعرني بحضور الرب، ويمنحني القدرة على السمو والتعالي، كلما فكرت فيها كنت أدرك أنني موجود وحي، كلما رأيتها أدركت أن الحقيقة تكتمل، والوجود لم يأت من عدم، وأن الله كان لابدأن يمر برحم أمرأة كي نراه، أنا الذي أهرقت كثيرا من الدماء على الأرض أشعر الآن أن دمي مهرق، وأن أسبوع آلمي قد بدأ.

ربت باخوميوس على كتف تلميذه متنهدا كمن يخرج قبضة من نار علقت بأحشائه، لم يكن لديه ما يقوله، لكنه كان يوقن أن المحنة ستعبر على خير، وأنه لابد من الاحتياط في التعامل مع الآخرين، وضع يده في حوض الماء وبدأ يغسل الغلاية والكوبين، وأعاد الموقد إلى مكانه متأكدا أن النمل لن يزحف على الأرض:

ـ يمكنك أن تذهب للبحث عنها.

ألقي العجوز بحجر في بحيرة الصمت التي رانت بينه وبين تلميذه، ونظر إلى الشعاع المتدفق من النافذةالصغيرة نازلا على وجه أنطونيوس، لم يعرف الآخير بما يرد، لكن الفكرة بدت كما لو أنها جذبته:

ـ كيف؟

طلب باخوميوس منه أن يفتح سحارة الكنبة التي يجلس عليها، حين فتحها وجدة لفة كبيرة حبال الليف التي حبكها باخوميوس في وقت فراغه، قال باخوميوس:

ـ يمكنك ثقب الجدار والقفز من على الحافة.

كان المكان قد أصبح خانقا، وشعاع الشمس يتمدد على وجه أنطونيوس، حتى أن بعضا من قطرات العرق نبتت على جبينه، فرفع كم ردائه ومر به عليها، شعر أن باخوميوس يمر بحالة من الاكتئاب التي أودت به للتفكير في هذه الأمور، فلا يمكن لأحد أن يفكر في الهروب من الدير، وما الذي يجعله يفعل ذلك والبوابة لا تغلق؟

نظر باخوميوس بعينيه المحاطتين بأكياس دهنية وجلد مترهل إلى أنطونيوس قائلا:

ـ لا تدعهم يلقون القبض عليك.

بدا لأنطونيوس أن أستاذه جاداً فيما يقول، فرفع حاجبيه موقنا أن ثمة خطوب كبيرة ستقع على الأرض، وأنه سيكون في خطر محدق، ولم يعرفهل يمكنه التجاوب مع تبؤات رجل في السبعين، أم يتعتبرها تخاريف الشيخوخة، فتحرك بعيدا عن الشعاع المسلط على وجهه، رأى الغرفة كما لو أنها مظلمة، لكنه مع إغماضة عينه مرة وأخرىرأى أن الظلمة تزول، فنفظر في عين باخوميوس سائلاً عن السبب.

ـ لأننا في حاجة لمن يدافع عنا.

ـ لم يلقون القبض على؟!

قالها أنطونيوس غاضباً، وانتابه يقين أن أستاذه يعرف شيئا ولا يريد الافصاح عنه، لكن الأخير ضحك قائلاً:

ـ مجرد هواجس لرجل عجوز.

*****

31

لم يكن رفائيل يتوقع أن يجد ملاذه في أفكار الرواقيين والأفلاطونيين الجدد، وجد نفسه معجباً بأفكار زينون السيشومي عن أن العالم كل عضوي تتخلله قوة الله الفاعلة، وإن رأسالحكمة هي معرفة هذا الكل، علما بأن الإنسان لا يمكنه أن يلتمس هذه المعرفة، إلا إذا كبح جماح عواطفه وتحرر من الانفعال.

أنطلق يتابع أفكار الرواقيين عن التناغم مع الطبيعة، والصبر على المشاق، والأخذ بأهداب الفضيلة كمصدر السعادة، لأنهاهي إرادة الله، بينما المشاعر الهدامة كالخوف والحسد والجنس ليست سوى ضلالات وأحكام خاطئة، فالانسان الذي حقق الكمال الفكري والأخلاقي لا يخضع لهذه المشاعر، ولكي يحيا المرء حياة صالحة فلا بد من استيعابه قوانين الطبيعة.

كان الجدل الدائر بين الأساتذة والطلابثريا، وكان رفائيل كالأرض الظامئة إلى المطر، فأخذ ينصت إلى هؤلاء وهؤلاء، في الصباح يذهب إلى الميوزيوم حيث الرواقيين والأفلاطونيين، وفي المساء يذهب إلى الكنيسة حيث المطارنة والأباء، ومدرسة اللاهوت التي انطوت بعد أوريجانوس وخبا ضوؤها، لكنها ظلت تعلم المبتدئين التعاليم الضرورية للإيمان، رأى رفائيل أن الآباء في الكنيسة لا يرغبون في الرواقيين وتعاليمهم، فقد أودت بكثير من المتعاملين معها إلى اللإلحاد، ولا ينبغي التشبه بالوثنيين وكفرهم.

لم يكنرفائيل يدخل أرضا إلا بعدما يتحسسها باصابع قدميه أولاً، ولا يحادث أحداً عن شيء إلا بعدما ينصت إليه فيه، علمه أساتذته في الميوزيوم كيف ينصت، وحين لا يضيف له الإنصات فيمكنه أن يسأل، كانوا وهم أهل الجدل يكرهون الجدال، ويرون في تلاميذهم الجمهور المرجو لطرح الأفكار والنظريات عليه، وجميعها نظريات تبحث في تفاصيل التفاصيل، وتستوجب خيالا نشطاً للتجاوب معها، لأنها تقوم على الفرض غير المتحقق، لكن إحتمالية حدوثة واردة بنسبة واحد في الألف.

بعد فترة التفت رفائيل إلى القراءة، رأى أنها أفضل ما يمكن التعلم من خلاله، ومن ثم عرفت أقدامه طريق المكتبة، كان يذهب بعد انتهاء المدرسة في الصباح، يجلس ليطلب من الموظف المتفاني في خدمة الرواد كتابا لزينون أو أفلوطين، وبعد فترة عرَّفه الموظف بما جمعه تلامذة أفلوطين من محاضرات له، قال أنها التاسوعيات الست، لأنها ستة أجزاء، كل جزء منها يشتمل على تسعة فصول، مع الوقت صار رفائيل صديقا لموظف المكتبة، يخبره بأحدث ما لديه، ويدله على الأساتذة الذين يترددون على المكان، فأقام صداقات معهم، وأخذ في سؤالهم عما يعن له من أفكار، كان آخر ما يمكنه أن يسأل عنه هو المسيحية، فقد كانت ما تزال دينا منبوذا من الجميع، رغم اعترف قسطنطين بها.

ظل رفائيل معلنا أنه يهودي يتعلم في الميوزيوم، ينام في بيت والده، ويتحصل على مصروفه منه، ويذهب للمدرسة والمعبد والمكتبة بوصفه يهوديا، لكنه يوم الأحد يذهب سرا إلى الكنيسة ليحضر القداس، ظل أربع سنوات يمارس حياته على هذا النحو حتى التقي به هناك جار لهم، وفي المساء أبلغ الرجل والد رفائيل أنه لمح شخصا في الكنيسة يشبه ابنه، كان ذلك بالنسبة لرفائيل كارثة، فقد ترك والده عمله وتفرغ لمتابعته، حين وجده يدخل الكنيسة أعد له محبسا في غرفة خلفية بالبيت، ومنع عنه الطعام والشراب مؤكدا أن موته أفضل من أن يدنس العائلة ويدخل في دين المهرطقين، كان والد رفائيل متشدداً، لكن أمه كانت سيدة تعرف أنها ليس لديها أبناء سوى رفائيل، فأدركت أن حياته ولو مسيحيا أفضل عندها من أن يكون نبيا ميتاً، فقررت الإفراج عنه دون علم والده.

شعر رفائيل أنه بحاجة إلى ترك الأسكندرية، فوالده لن يسكت، وسوف يستخدم كل نفوذه من أجل إعادته إلى دينه القديم، فقرر أن يعود إلى الدير، كانت حكمة ديمتريوس في ذلك الوقت هي أكثر ما يحتاجه، فجمع أغراضه سريعا، وقبض على ما وفرته له أمه من مال، وأصر على أن يحمل معه هدية لديمتريوس، وليس هناك أفضل من تاسوعيات أفلوطين وشروحاتاكلمندس السكندري والمبادئ لأورجانوس، وأعمال الرواقيين.

حين اكتمل ما يريده بحث عن أول قافلة متجهة إلى جنوب القلزم، فخرج معها يحادث من فيهاعن اليهودية والمسيحية وعبادة أيزيس، وجد نفسه يستعير مقولات الرواقيين عن السعادة النابعة من الفضيلة، والحساب القائم على العمل، وتجسد الله في كل شيء، وأنه هوغاية لكل موجود. وجد نفسه يمزج ما بين الرواقية والأفلاطونيةوآيات الإنجيل، بينما عيون من ينصتون إليه مشدوهة إليه وكأنه صوت السماء.

حين وصل إلى الدير كانت كنيسة الله قد ارتفعت على أرضه، وكان أبانوب قد أسلم قياد نفسه لمهندسه الذي أتي من الجنوب، فأخذوا يحتفلون بأسبوع الآلم مزينين بالجريد الأخضر القلايات وغرف الخدم والعاملين في المكان، كان الجبل قد أصبح كقلعة من الجريد، والرهبان يحتفلون بآلام المسيح كما لو أنهم يجمعون أعضاءه على نحو ما فعلت إيزيس مع أوزوريس.

ـ أخي أبانوب الطيب .. ما هكذا حدث مع المسيح.

قالها رفائيل بتوسل، خائفا أن يقع الدير في الهرطقة، فتعاليم الكنيسة واضحة، ولا يجب الخروج عنها، لكن أبانوب لم يكن يرى في المسيح سوى أنه أب للجميع، لا في ذلك عن أوزوريس، والاحتفال به على نحو ما يفعل المصريون بإلههم أجمل وأبهج، فكيف يأتي العيد ولا يبتهلون إلى النور الذي سينزل ليملأ الوجود، ويرتفع به إلى مملكة السماء.

احتكم رفائيل إلى ديمتريوس، وكان الأخير قد وقع فريسة للمرض، والدير كله أصبح في يد أبانوب ورفاقه، فلم يرد أن يفتح باب الانقسام، وجلس مع رفائيل يشكره على هديته، وطلب من أبانوب أن يجهز لرفائيل مكانا يعلم فيه الرهبان ما حصله منعلومالكنيسة والميوزيوم، ويضع فيه ما جمعه من كتب خلال رحلته، كان الأمر بالنسبة للاثنين قسمة العدل، فالعلم لرفائيل، والطقوس لأبانوب، لكن رفائيل كان باحثا عن مجال أوسع، فقرر النزول من الهضبة والذهاب بتعالميه إلى حيث يكون الناس.

*********

32

لم تكد الشمس تشرق على الأرض حتى وجدت من يطرق باب غرفتي، للوهلة الأولى تخيلت أنهم علموا بأمري، وأنني مقضي علي لا محالة، انتفضت من فراشي في ملابس نومي ووقفت خلف الباب سائلاً بذعر عن الطارق، وجدته الشماس روبير، أحد تلامذة يوساب الذين تمت سيامتهم منذ أيام، قال أن الأخير ينتظرني في قلايته، شكرته على المجيء وأبلغته أنني سألحق به.

كان الصباح خارج المخزن وكتبه مختلفا، وأفضل ما فيه رائحته، دائما ما كنت أستيقظ مبكرا، باحثا عن رائحة الصباح، متصوراأن ملكوت الله في الأعالي بهذه الرائحة التي لا أعرف سببا لجمالها، ربما هي بعض من يود البحر الكامن خلف الجبل، وربما هي بعض من نفحات الصخر النائم أمامنا، وربما أنفاس الله التي يطلقها على الدنيا، ويستقبلها الرهبان بالتسابيح والتراتيل، وتنطلق من أجلها أجراس الكنيسة التي توقظ كل شيء، قبل أن ينبلج النهار وتختفي الظلمة.

تذكرت طفولتي وأقدامي تدوس بحذائي القديم على الحصى النائم في الأرض، وشعرت بهمتي في السير من الأنين المتوالي للحصىأسفل حذائي، حين وصلت إلى قلاية يوساب طرقت الباب بخوف وخجل، كانت رأسي تقلب الأفكار كلها وجهاً لظهر، لا أدري ما الأمر الذي جعله يرسل في طلبي، فقد رحلت المحققة دميانة بالأمس، وهو نفسه قال أن التحقيقات ستكون في الأبرشية، فما الذي ذكره بي الآن؟.

لم يطل وقوفي أمام الباب، فقد فتح لي روبير ودخلت خلفه إلى غرفة يوساب:

ـ خذ هذه الأوراق إلى مخزنك.

هكذا قال يوساب في حسم وهو يشير إلى صرة من القماش في جانب من الغرفة، كانت الفرحة تحملني على جناحيها وتطير بي إلى غرفتي، فلم أصدق أنني خرجت سليما معافى، فلو نمى إلى علم يوساب أنني رأيته ورجاله برفقة دميانة لألقى بي من على ظهر الجبل، وطيلة الطريق لم أنظر إلى أحد، ولم ألق تحية الصباح على أحد، كنت أهرول كمن نجى من الموت، مخفيا وجهي في أعماق الصرة التي وضعتها على كتفي، وما أن وصلت إلى الغرفة حتى أخذت أصلي شكرا للرب، ولم يأت في ذهني أن ما حملته هو أوراق دميانة وكتبها.

كانت الأوراق تشتمل على التحقيقات التي أجرتها في فترة عملها بالدير، والتقارير التي رفعتها لرئيس الدير في نهايتها، فضلا عن عدد من كتب القانون، وبعض سير الآباء، ونسخة من الكتاب المقدس، وعدد من الروايات وكتب التاريخ، لكن أهم من كل ذلك كانت التحقيقات التي جرت مع أنطونيوس، والتقرير الذي رفعته إلى جورج المنحني، مطالبة فيه بفتح تحقيق حول محاولة اغتيال أنطونيوس، فهناك من لمحتهم يهاجمونه ويفرون في ضوء القمر الشاحب، مهاجمين كانوا يرتدون زيا موحداً بالأسود، ليس زي رهبان، ولا عاملين في الدير، وكانوا يغطون وجوههم، مما يثير الريبة في أنثمة من يسعى لقتل الراهب المسكين.

حين قرأت التقرير انتابنيالفخر لأنني تعرفت على هذه الفتاة، وأدركت أنها واجهت نتائج شجاعتها، أدركت أيضا كم أنا صغير  لأنني لم أمتلك شجاعة فتاة وحيدة وغريبة في دير رهبان كهذا، هززت رأسي بأسى متفكرا فيما قد يكونجرى لها على أيديهم، ولم أستطعسؤالنفسي إن كان بمقدورها الشهادة بما رأيت أم لا، في تلك اللحظة ظهر في مخيلتي أنطونيوس، فهو الرجل الوحيد الذي يمكنه أن يدفع عمره في مقابل إنقاذها والدفاع عنها، فما بالنا وأنها ذهبت ضحية الدفاع عنه، وقلت لنفسي أنه لا بد أن يقرأ هذا التقرير ليعرف كيف يواجه أعداء يحيطون به ولا يعلمهم.

حين وضعت التقرير في مكانه وجدت دفترا بغلاف بلاستيكي أبيض، فتحته من منتصفه فطالعت:

منذ رأيت أنطونيوس وأنا أسأل نفسي أين رأيته من قبل، وجهه معتاد لدي، حتى طوله ولحيته وطريقة كلامه، ليس واردا أننا التقينا من قبل، ففي الوقت الذي كنت أجاهد فيه كي أخرج من نفق الديون التي تركها والدي، كان هو يعيش حياته في الصحراء، سواء كان قاتلا أو راهباً، لكنه في كلا الحالتين كان في أماكن أبعد ما تكون عن حياتي في سانت تريزا، فأين رأيته؟ أعتقد أنه الحلم، حيث تغادر الأرواح أجسادها، وتهيم على وجهها في الملكوت لتتعارف، ولابد أننا تعارفنا هناك، فوجهه المستدير بعينيه العميقتين ليس غريبا عني، ولا تلك الطمأنينة التي لا أعرف مصدرا لها، حتى أنني أختلق الفرص من أجل رؤيته، فأطلب من الكاتب ملاك أن يبلغه بموعد جلسة تحقيق عاجلة، لكن خشيتي من أن ينتبه ملاك أو غيره إلى افتعالي الأمر تجعلني أتراجع فأطلب تأجيل الموعد.

لا أعرف إن كان ملاك انتبه لشيء أم لا، لا أعرف إن كان أنطونيوس يبادلني نفس الشعور أم لا، وحتى لو فعل، فما الذي بإمكان رجل وهب حياته للرهبنة وعزلتها أن يفعل، وهل أكون له بمثابة حواء التي أغوت أدم فأخرجته من الفردوس؟! لابد أنه لن يوافقني ، وأنا نفسي لن أرضى له بذلك، فما الذي يمكنني فعله تجاه ما يجتاحني من عواطف تسد علي منافذ حياتي، فلم تعد القاهرة التي ارتبطت بها روحي تشغلني في شيء، لم أعد أهفو إلى بيتنا، ولا إلى وجه أمي، لم تعد الأيقونات تشغلني، ولا الشموع بشذاها وأضوائها المتمايلة تشدني، لم تعد أصوات الجيران ترن في أذني، ولا صوت تريزا وهي تحذرني من الغرباء، وشباب المسلمين المهووسين بالجنس، وذوي اللحى الطويلة الذين يكرهون أنفسهم، لم يعد يشغلني غير الجلوس في غرفتي لأتطلع إلى القمر في النافذة، حيث الأرنب الذي يطحن في الهون الكبير يتشكل على هيئة وجه أنطونيوس، وحيث زيه الأسود الذي يتحول إلى هالة من البياض الشديد، هالة من المحبة والنور أهيم في رحابها وأنا أتشمم رائحة اليود والنباتات الزكية التي زرعها الرهبان على حواف الصخور.

 لكنني في النهاية استيقظ على واقعي المؤلم، حيث عين الأب يوساب القاسية التي تسعى لاختراقي، لا أعرف لم لا أرتاح لها، شيء ما يتلبسني كلما ألقي الرجل بنظره تجاهي، أشعر كما لو أن الشرير مسني بيديه، أعرف أنني ظالمة، فلم يحدث من الرجل شيء يسيء لي، لكنني أعترف لنفسي هنا على الورق، ولا يمكنني أن أكذب أو أزيف الحقيقة أو أجملها، هذا الرجل يربكني، وبشجاعة كافية يمكنني القول أنني أخاف منه، وليس هناك شخص واحد يمكنني الاطمئنان إليه في المكان سوى أنطونيوس وملاك الكاتب، الذي لا يملك سوى الجلوس إلى جانب أكوام الملفات التي تركت في عهدته، أكوام ورثهاعشرات الكتاب السابقين عليه، ولم يفكروا تجاهها في شيء، مثلما يفكر هو، هذا الرجل رغم عوده الناحل إلا أن لديه طاقة روحية وافرة، كم أتمنى أن أمتلك بعضا منها.

حين قرأت ما كتبته دميانة عني شعرت أنني بالفعل شخص مختلف عما أظهر عليه للآخرين، لا أعرف لم جاءني هذا الاحساس، موقنا أنني رجل يتمتع بطاقة روحية يمكنها نقل الجبل من مكانه، ابتسمت ساخرا من خيالي الواسع، واستجابتي لكلمة مديح كتبت عني، لكن ذلك لم ينف رغبتي في إثبات أنني ذلك النحيل الذي يمكنه أن ينقل الجبل من مكانه.

كانت كلمات دميانة بمثابة طوق كبير نزل من السماء ليحيط بعنقي، فصرت مدينا لها، وراغبا في أن أكون عند رؤيتها لي، صرت أبحث في مشاركة شخص أخر فرحتي، ولم يكن هناك أيضا سوى أنطونيوس، ذلك الذي لا يكاد يخرج من قلايته إلا لرؤية أستاذه باخوميوس، فقد أهمل العيادة التي منحوها له، موقنا أنها لم تكن سوى فخ صنعوه كي يفسدوا علاقته بالناس، لكنها لم تزدهم سوىمحبة له، وإبرازا لقدراته على شفائهم، رغم تمسكه بفكرة الداء والدواء، والمادة وليس الروح، حين سألته عن ذلك قال أن أحدا لم يعمد بالروح سوى الله، وكل تعميد هو بالمادة، ولو أراد الله لنا أن نعمد بالروح لفعل، فلمَ ننكر عليه إرادته ونزيح عنه غطاءه.

كانت خطاي تتخذ طريقها على الحصى المفتت تحت أقدام الرهبان ومعاولهم، حين وصلت إلى قلايته طرقت الباب مرتين ولم يأتني صوت، لكنني شعرت أن الباب مفتوح، فدفعتهللداخل مناديا على أنطونيوس، لم يأتني صوته، لكن جاءتني صورته وهو مصلوب على الحائط، كان يعذب نفسه منذ حدثه باخوميوس بالأمس عن أسبوع الآلم، قال أنه لا بد أن يتمثل آلام المسيح بين أصحابه وهو يعلم أن منهم من سيخونه، يتمثل آلامه ويعلم أنه سيصلب مع أحط الناس وأقلهم مكانة، موقنا أن حتى هؤلاء الأصاغر لن يرحموه، فمنهم من سيهزأ به، ومنهم من سيبصق على وجهه، وجميعهم سيطالبونه بأن يظهر علامة على أنه ابن الله، فهل يضع الله على قوس التجربة، هل يطلب من الله أن يرسل حمامة بيضاء كي تحمله على ظهرها وتلوح لهم بجناحها، أم يرسل ملاكا يهدم الجبال عليهم، أم يترك المسيرة التي خطها الأب الإله بيديه لتسير في مجراهاليكفر عن خطيئة آدم، وينقذ أبناءه من جحيم عذابه، من أجل ذلك أتي، ومن أجل ذلك سيتحمل في هدوء، ومن أجل ذلك على أنطونيوس أن يصمت عن كثير مما يعرف، وأن يمشي في الفلك الذي خطته أنامل الله في كتابه الكبير.

****************

33

رسائل أوريجانوس

ـ 5 ـ

صديقي العزيز ديونيسيوس، هذه رسالتي الخامسة إليك، كنت قد انتهيت في رسالتي الرابعة إلى الاعتراف بالجرم الذي ظل يطاردني طيلة حياتي، رغم أنني لم أكن أسعى لارتكاب خطيئة، فقد فعلت ما فعلت تقربا للرب، فاتخذت نص حديثه ونفذته كي أكون أقرب المؤمنين إليه، وكي أمنع نفسي من الخطيئة أو الضعف، لقد بترت نفسي بنفسي كي لا أسقط من عين الله، أو أفقد محبته لي، فالذي يعظ الشعب لا ينبغي له أن يقع في ضعف، أو أن يكون منبين الضعفاء الذين يستسلمون لمحاصرة الشيطان، لذا فقد انتظرت حتى جفت دمائي واحتملت ألمي، وطلبت من أمي أن تحملني إلى ديمتريوس الكرام، ذلك الذي أرسل في السؤال عني ثلاث مرات، وكل مرة كانت تقول لرسوله أنني ذهبت لبعض أقاربي خارج الأسكندرية.

رآني الرجل فانتفض من مجلسه وقام ليحملني بنفسه عن أذرع إخوتي وأمي، حين وضعني أمامه طلبت منهم أن يخرجوا، وطلبت منه أن يتقبل اعترافي الآن، وبعد محاولة من التملص والمناورة لفهم هل يستحق الأمر أمانة سر الاعتراف أم لا اضطر لأن يومئ برأسه موافقاً، فأعلنت أنني سأعترف اعترافا رسميا أمام كاهن اعترافي الأب ديمتريوس، ثم أخبرته بما حدث، وكيف خطفتني ميريت بنظرة منها، وكيف سرحت عيني رغما عني على جسدها المغوي، وكيف تواطأت أمها على نظراتي نحوها، فشبت النيران في جسدي ولم أحتمل الابتعاد عن التفكير فيها، وزاحمت الرب على مكانتهفي عقلي وقلبي، فجلست في غرفتي أضغط جماح رغبتي، لكنني كلما ضغطت على آلتي انتصبت، وكلما حاولت خنقه كان يناورني ويتملص مني، وكلما دفنته كان ينهض من جديد منتصبا ومنتصرا علي، ولم يكن أمامي سوى أن أجلده إلى أن قذف بماء ساخن خارج جسدي، كان ماؤه يتدفق كبركان، وينفلت في الفراغ كما لو أن منجنيقا يلقي بجمره وناره في الفراغ، حين انتهيت شعرت بالذنب والخطيئة، شعرت كم أنا ضئيل كجرذ غارق في العار، وكم أنا منبوذ من عيني المسيح اللتين تطلان من الجدار نحوي، كان المسيح يحدق في بعينين متقدتين بالشرر، بينما أصوات كلاب تنفلت من عقالها مهرولة نحوي، كانت الأصوات تتعالى وتتزايد في اتجاهي، كنت أشعر أن أنيابها ومخالبها تكاد أن تنقض على صدري لتنزع قلبي منه.

 بدت الخطيئة أكبر مما تغتفر، بينما أناملي تسعى لتحسس الماء الذي برد على ملابسي الخفيفة، تقززت بما يكفي من نفسي، وتذكرت أن المسيح يقول "يوجد خصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السموات"، وترددت الأية في ذهني مرات ومرات، وكلما وضعت رأسي على الوسادة وجدت من يهتف بها في أذني، فنهضت من مكاني وأحضرت الشفرة التي كان والدي يحلق بها لحيته، وكدت أن أطيح بآلتي كاملة، لكنني لم أستطع، وانتهيت إلى الإطاحة بالكيس الجلدي الكامن أسفلها، فآلامه لن تكون كآلام الطواش، فجمعت الخصيتين في يدي، وأغمضت عيني طالباً من المسيح أن يغفر لي خطيئتي، وأن يتقبل مني أضحيتي، وبضربة واحدة محكمة فصلت بين الآلة كعمود كبير وبين الكيس الذي انفجر بالدم المتدفق، حين رأيت الدم انتبهت إلى أنني فعلت فعلاً كبيراً، فألقيت بالشفرة ورحت أصرخ محاولا كتم اللون الأحمر، كنت أعوي وبطني تتقلص مني ونصفي الأسفل كله يتجمع في بؤرة انبلاج الدم.

 سمعت صوت أمي وأخوتي يهرولون نحوي، سمعت صراخاً، ومحاولات شتى لاسعافي، وسرعان ما غبت عن الوعي، لأستيقظ فيما بعد فأجد لفافة كبيرة من القماش تحيط بما بين فخذي، كان الألم كبيرا لكنه محتمل، وكنت قد صرت هزيلا بشكل واضح للجميع، هزيلا وبائسا وخجلا، كنت أرى آلاف التساؤلات في عيون من حولي، لكنني أستطيع أن أتحدث في شيء، ولا هم يستطيعون أن يتحدثوا.

في ذلك اليوم انتظرت من ديمتريوس أن يقول شيئاً، الحق أنه ظل لفترة واجما، وشعرت من ملامح وجهه بقدر الجرم الذي ارتكبته، لكنه بعد لحظات طرق على كتفي قائلاً:

ـ لقد تقبل الرب أعطيتك.

في هذا اليوم شعرت أنني برئت من خطيئتي، وأنني أستطيع السير على قدمي دون ألم، فقد قبل الرب عطيتي، وصرت واحدا من أبنائه الأبرار، شكرته وعدت مع أهلي إلى بيتي، ولم تمض أيام حتى عدت إلى مقعدي في مدرسة اللاهوت،لأعظ المؤمنين وأشرح لهم كيف استقبل الرب أعطيات كل من قابين وهابيل، كنت أتحدث بصورة تمثيلية عن الرب وابني آدم، وما لا أستطيع تمثيله كنت أتحدث عنه رمزاً، متذكرا طريقة أستاذي اكلمندسومنهجه الباطني في شرح الآيات، كان يغرق نفسه في تصوير رؤية مختلفة للنص غير الرؤية الظاهرة، ويطالب بالتفكير فيما وراء السطور وما تخفيه عن العيون.

كنت أجل اكلمندس كثيرا، وأقدر منهجه الذي تعلمت منه الكثير، فلسنوات وأنا أنهل من كتاباته وآرائه ورؤاه، أحسبه البحر الواسع الذي فاض علي بالكثير من النوات والنسائم، أتأمل أعطياته وأفرح بها، لكنني فيما بعد وجدت أنه من الصعب أن تكون ثمة رؤية خفيةطيلة الوقت عن الرؤية الظاهرة، وأن هذه الرؤية محكومة بتجليات تخص القارئ، لذا رفضت القول بالتفسير الغنوصي وحده، رفضت الارتكان إلى تصورات النفس الطيبة عن العالم، فمن الممكن أن تأخذ النفوس الشريرة أشكالا طيبة، ومن الممكن أن يودي بنا ذلك إلى الهلاك، أو الابتعاد عن طريق الله.

 لكنني أيضا لم أستطع القول بما يقوله لنا ظاهر النص فقط، فحين يقول لنا أن لصا بصق على وجه الرب وهو على الصيلب، فلا يعني حرفية النص، ولكن ما يرمز إليه هذا الفعل، وهو كون الناس قد سخروا من عجز الرب عن الرد عليه بالطريقة التي يعرفونها، وفي الوقت الذي يريدونه، ومن ثم كانت الآلم أكبر وأكثر قوة، فالرب الخالق القدير كان يمكنه أن يزيلهم جميعا من الوجود، كان يمكنه أن يلقي برحمته لهم فيؤمنوا له، لكنه اختار أن يتمثل بشكل بشري، اختار أن يكون في جسد بشري، وأن يتحمل عذابات البشري، وقلة حيلته، وعجزه أمام الجميع، اختار أن يكون آدم وألا يخرج عن طور آدم وقدراته.

وجدت شروحاتي وتفسيراتها برمزية الأفعال لا حقيقتها طريقها إلى قلوب الناس، وصار من لا يريد التفسير الغنوصي يرتكن إلى رؤية الرمز في حضور الآيات، صار الناس يطالبونني بكتابة ما أقوله في برديات أقدمها لهم، وصرت أجلس في الظهيرة كي أعظ في المدرسة وأتدبر شئونها مع تلامذتي من جانب، وأختلط بالآباء في الكنيسة كي أسمع منهم ويسمعوا مني بعدها، وفي المساء أحضر أوراقي ودواتي وأجلس على ضوء مصباح تملؤه أمي كل يوم بالزيت، فأكتب شروحاتي وتفسيراتي، وفي الصباح أذهب إلى ناسخ بجانب الكنيسة فأطلب منه أن ينسخها ويبيعها لمن شاء شراءها، هكذا توزعت كتاباتي، ووجدت بعضها بخط هذا الناسخ في بعض أديرة فلسطين وبحر القلزم وصحراء الاسقيط وجزيرة العرب، رأيتها بعد سنوات من خروجي من مصر، وعلمت كم اعتمد الكهنة عليها في مواجهة الغنوصية التي كادت أن تضرب أعمدة الكنيسة في مقتل، وتفتح الباب على اتساعه لمن أراد أن يتحدث بغيب عما جاء في كتاب الرب، مدعيا أن روحه ترى ذلك، وأن المعنى الظاهر لا معنى له.

في البدء وجد الأب ديمتريوس أنني أحقق ما تريده الكنيسة في مواجهة الغنوصيين المتأثرين بأفكار أفلوطين وأصدقائه القائمين على شرح مقولات أفلاطون، فقد تسربت أفكارهم من الميوزيوم والسيرابيون إلى الكنيسة عبر اليونانين واليهود الذين دخلوا حظيرة الايمان، وتلاقت أفكارهم مع شروحات اكلمندسالروحانية للكتاب المقدس، فانتشرت كنوة شديدة الوطأ على ملكوت الرب، في هذه الآونة كانت كلماتي بمثابة الماء الذي يزيل الأدران عن الأذهان، فكنت بالنسبة لديمتريوس ابنه الذي لم ينجبه، كان يباهي بي الجميع، يقدمني للسادة والرؤساء والأثرياء وكبار الكهنة بوصفي المعلم، مؤكدا على أهمية شروحاتي للكتاب المقدس، وأنني الدم النقي الذي يجري في عروق الكنيسة بعد اكلمندس أو كليمنضس كما يقولون.

 لم يتوان ديمتريوس عن إرسالي نيابة عنه إلى أسقفية روما في زمن بطريركها زفيروس، فجلست أنصت معه بوصفي ممثل بطريرك الأسكندرية إلى عظة طويلة من القديس هيبوليتس عن كرامة المسيح المخلص، ثم عدت إلى الأسكندرية لأخبر ديمتريوس بحفاوة الاستقبال الذي اعدوه لي بوصفي ممثلاعنه، ولم يمض عامان حتى سمح لي بالذهاب إلى جزيرة العرب، حيث دعاني ملكهم جفنة بن عمرو لوعظ وجهاء مملكته، كان ذلك بالنسبة لديمتريوس أمرا مهما، فقد تلقى الرسالة بفرح شديد، مؤكدا على ضرورة توسعة الأرض التي تسيطر عليها الكنيسة روحياً، قال أنني يجب أن أخلب أذهانهم، وأن أكون حاضر البديهة للرد على كل تساؤلاتهم، فنحن لم نذهب إلى هذه الأرض من قبل، ويجب أن نجعلها تحت نفوذنا. وفي النهاية زودني بجوادين أحدهما لي والآخر لشماس اسمه بطرسجعله في معيتي، وطلب منه أن يدون كل المواعظ التي أعظ بها، كي يتيحها لمؤمني الأسكندرية وشعبها حين أعود.

قطعنا الطريق شرقا، حيث عبرنا من أمام البحيرات النائمة ما بين فرع النيل العظيم في الغرب، وما بين صحراء القلزم، وحين انتهينا منها اتجهنا جنوباً حتى رأينا جبال القلزم العالية، فجعلناها على يميننا وأكملنا طريقنا نحو الشرق، ملتزمين بالطريق الموازي لشاطئ المياة.

 استغرقنا ثلاثة أيام حتى وصلنا إلى أورشاليم، ومررنا بالقدس حاملين رسائل من ديمتريوس إلى بعض أصدقائه وتلامذته هناك، فأصروا على أن أعظهم ببعض مما قرأوه فيما وصلهم من كتبي، فطلبت منهم أن يوجهوا لي أسئلتهم وأنا أجيب، هذا يا صديقي أسلوبي الذي تعلمه عني، فأنا لا أحب أن أجلس لألقي العظات بلا سبب ولا هدف، ومن ثم أوظفها في الاجابة على ما يحير عقول الموعوظين.

في هذا اليوم جاءني رجل وفي يده قطعةمن الخشب قائلاً :

ـ أتحب أن أنحت لك الرب؟

لوهلة وقفت متحيرا لا أعرف بما أجيب، لكنني بعد تأمل قلت له افعل، فأخرج سكينا من خاصرته وبدأ في تسوية الخشبة وتشكيلها، كان ماهرا بشكل شد انتباه الجميع إليه، فحسدته على مهارته وإتقانه لعمله وسرعة انجازه، فقد كانت السكين تتحرك في يده كريشة في الهواء، بينما بدت الخشبة كما لو أنها زرع أخضر يتشكل بين يديه كما يريد، رأيته يخلق من خشبته رجلا في صدر شبابه عاريا إلا من إزار على وسطه، بينما ذراعاه مصلوبان على صليب قائم على ظهره، فأمسكت بالخشبة قائلاً أننا لدينا فنان ماهر في عمله، وأنه يستحق المكافأة على ذلك، وأخرجت من جيبي عدة دنانير ووضعتها في يده.

ثم استدرت إلى الناس قائلاً:

ـ لكن هذا ليس الرب، ولا يمكنه أن يكون الرب، فالرب وإن كان قد اختار لنفسه أن يكون على هيئة إنسان، إلا أننا لا نستطيع أن نمنحه صورة الآدمي، ولا نستطيع أن نعتقد أن نحتنا له على صورة الآدمي سيجعل بركاته تقيم بيننا، فلو أراد الرب أن يبقى بيننا كما كان لفعل، وما تجسده من خلال رحم أم الإله القديسة مريم العذراء إلا ليسهل لأهل زمانه ومكانه رؤيته والتعامل معه، وليضرب مثلا لا ينبغي لغيره أن يضربه، ومن ثم فلا يجب أن نجسد الإله، فهذه بقية من بقايا ثقافاتنا القديمة، بقية من الوثنية التي كنا عليها، والتي مازالت تضرب في عروقنا دون أن ندري، فتجسيد الإله توثين له، ونحن نعبد الله الذي لا يحده مكان ولا زمان، الله القدير، فلا يجب حبسه في خشبة كهذه.

حين ألقيت الخشبة في النار منهيا عظتي بكل شجاعة وحماس بين جمع من المؤمنين،وجدتهم يهللون فرحاً بما سمعوا، وجدت الرجل الذي صنع تمثال الرب يقف عاجزا غير مستوعب، وللحظة شعرت أنه يريد أن يتحدث أو يجادل، فأشحت عنه بنظري ومددت يدي للسلام على أصحابي، هؤلاء الذين زودوني بجوادين جديدين، ودلوني على الطريق إلى الجابية عاصمة ملك جفنة ابن عمرو، هذا الذي ورثت مملكته حدود مملكة تدمر العظيمة، لكنه ظل في خدمة الروم، وفي مواجهة أهله من العرب الذين يسكنون وسط الجزيرة وجنوبها، كما في مواجهة أبناء عمومته المقيمين في الحيرة، هؤلاء الذين يخدمون الفرس، في مواجهة بقية بني جنسهم من العرب في الجنوب.

كان أهل تدمر يقيمون في الجبال، نحت بعضهم بطريقة فائقة المهارة بيوتا في واجهات جبالهم، كان أمرهم يدعوا إلى الدهشة، والاحساس بالقوة، هذه الجبال منحتهم قوة ومنعة، فكيف استطاع الروم انتزاع هذه المملكة من يد الملكة الزباء، وكيف نجت قبائل جفنة ابن عمرو من القحط الذي ضرب سبأ العظيمة في الجنوب، ليأت بأهله ويصبح ملكا على الأنباط في الشمال، علمت أنهم كان لهم في الجنوب سد يخزن الماء حين تفيض به عيون السماء، فيزرعون منه الأرض بالعنب والنخيل والزيتون، ظلوا لسنوات طويلة ينعمون برخاء ما بعده رخاء حتى قرضت الفئران روابط السد وهم لا يدرون، فانهار وكسح الماء كل شيء أمامه، وفروا من بلادهم إلى البلاد التي تلتها، حتى وصلوا في ترحالهم إلى هنا في الشمال.

استقبلني الملك جفنة استقبالا يليق بحاكم الاسكندرية نفسه، وقال أنه قام ببناء كنيسة كبيرة تقربا للرب، ولم يرد أن يفتحها بدون دعم روحي من كنيسة الأسكندرية وأسقفها، وحين سألت عن أفضل عالم في المسيحية بالأسكندرية الآن قالوا أنه أوريجانوس، معلم المسيحية الأول في مدينة الفلسفة والعلم، فأرسلنا إلى البطريرك كي يسهل مهمة مجيئك إلينا، وكي تكون أول من جلس ووعظ فيها.

شكرته على دعوته، وأخذت في عدد من الدروس لم يغادرها الملك، كان دائم السؤال عن حقوق المؤمنين،وكان أبعد ما يكون عن الفلسفة أو ما يشغل الناس غير العمليين، فلم يسألني عن تجسيد المسيح، ولا عن كونه إلها أم إنسانا، لم يسألني عن سر الافتخاريا، فقط سألني عن سر الزواج، وحاول معي جاهد أن أجد له إجابة تتيح الزواج بأخرى، أوتتيح طلاق زوجته والارتباط بغيرها، لكنني لم أفده بشيء، وأكدت أن ذلك من الكبائر التي لا غفران لها، فما جمعه الرب لا يفرقه العبد، وأوضحت أن الجسد هو خطيئة آدم، وكلما قلل المؤمن علاقته بجسده كلما علا وارتفاع في ملكوت السماء، شعرت أن الرجل لم يبتهج بملكوت السماء ولا الارتقاء فيه، وإن أكد على أنه مقتنع برسالتي وأمانتي في الوعظ، وأنني صرت صديقا شخصيا له.

حين عدنا إلى الأسكندرية رويت كل ما جرى لديمتريوس، وناوله الشماس بطرس حزمة كبيرة من الأوراق قائلا أنها مجمل عظاتي في الطريق، فأمر بنسخها وتصنيفها في رسائل، لكن الامبراطور سبتيموس سيفيروس كان قد رحل منذ عامين، وأوصى بعرشه لولديه كاراكلا وجيتا، وأمام وصيته اضطر مجلس الشيوخ الروماني أن يعترف بهما معا امبراطوريين على عرش روما، لكل منهما سلطة مكافئة للآخر، إلا أن هذا الاقرار لم يرق للشقيقين، فقررا أن يقسما الامبراطورية بينهما، حيث يتولي كلاركلا الجزء الأوربي منها، وتكون روما عاصمته، بينما يتولى جيتا الجزء الأسيوي وتكون أنطاكيا أو الأسكندرية عاصمته، لكن أمهما رفضت هذا الحل، وأصرت على بقاء الامبراطورية موحدة، فما كان من كلاركلا إلا أن قتل أخيهأمامها كي تبقى الامبراطورية موحدة، وأسرع فقتل كل رجال جيتا، وكل من كانوا يناصرونه، حتى أنه قتل أكثر من عشرين ألفا في ليال قليلة، ثم طلب من سينكا الفيلسوف أن يعد رسالة تبرر أمام مجلس الشيوخ هذا القتل، وأمر القاضي بابنيان أن يفرغ كل ما أوتي من مهارة وفصاحة في سبيل تلمس الأعذار لهذا القتل، لكن بابنيان وقف في شجاعة أمام الجميع قائلاً:

ـ إن قتل الأشقاء أهون من تسويغ هذا القتل، فتسويغ قتل النفس ليس أسهل من اقتراف القتل ذاته.

 وحين حاول كلاركلا أن يظهر ما فعله على أنه مجرد دفاع عن النفس، قال له بابنيان:

ـ أن اتهام قتيل برئ بالقتل قتل ثان له.

 وكان هذا الرد حاسما في أن أشار كلاركلا لجنوده بقتله، فتقدم أحدهم ببلطته ليقض عليه، فما كان من بابنيان إلا أن ثار في وجه الجندي معنفا، إذ كيف يقتله بالبلطة وليس بالسيف، فهل أصبح إلى هذا الحد قليل الشرف لا يستحق الموت بالسيف، فاستل الجندي سيفه ثم قتله وهو يبكي من أجله.

كان كلاركلا مهووسا بالقتل والتعذيب، فما ان استقر له الحكم بعد قتل أخيه حتى قرر أن يجتاح الشرق على نحو ما فعل الاسكندر الأكبر، فانتقل إلى أنطاكيا ليهاجم بارثيا ومنها إلى بقية مدن الشرق، حتى جاء إلى الأسكندرية، هذه التي كما تعلم يا صديقي ديونيسيوس مركز الثقافة والعلم والمعرفة في الامبراطورية، ومن ثم كان مواطنوها على معرفة بكل ما يجري في الشمال، فكونوا رأيهم عن كلاركلا من قبل أن يرووه، وكتب أحدهم قصيدة هجاء طويلة أوصى بتسريبها إلى فراش كلاركلا، هذا الذي نهض من نومه ليقرأ هجاءه بنفسه، هنالك أعلن غضبه على الأسكندرية ومتعلميها، فأغلق مدارسها ومعابدها وكنائسها، وأمر جنوده بمطاردة كل زي رأي أو معرفة فيها، حتى أنه قتل أكثر من عشرين ألف سكندري في بضعة أيام، ولم يكن أمام الناس سوى الفرار إلى الصحراء أو الخروج من البلاد، كنت ممن اختاروا الفرار إلى فلسطين، حيث أصدقائي الذين استقبلوني  كي أكون واعظهم الأول.

*******

34

لا أعرف ما الذي جعل الأب باخوميوس يخرج من قلايته في ذلك الوقت المتأخر من الليل ويقف أسفل برج كنيسة الملاح صائحاً:

ـ  طوبي للذي يقرأ، وللذين يسمعون أقوال النبوة، ويحفظون ما هو مكتوب فيها، لأن الوقت قريب.

 كان يجأر كما لو أنه أشعياءوهو يدعو على أورشليم بالهلاك.

ـ لكن الوقت قريب!

هكذا كررت الكلمة خلفه سائلاً نفسي عن أي وقت يعني، وما الذي جعله يتمثل يوحنا اللاهوتي في هذا الوقت من الليل، حيث النجوم ساطعة، والهواء يكاد يحمل الرهبان من على أرض الدير ليلقي بهم أسفل الهضبة، فما الذي جعل العجوز يخرج من قلايته في ذلك الوقت؟

حين طرحت أسئلتي على أنطونيوس لم يرد، وظل ساهماً كما لو أنه يفكر في أمر سيحدث، أو بالأحرى، حدث بالفعل، فرؤيا يوحنا من أجل البشارة بزوال الطاغوت وقرب النصر، هي انتصار الله عبر لسان يوحنا الحبيب على الهرطقات التي انتشرت، وكان لابد أن يعيد الله الدين إلى جادة الصواب، فجاء لعبده يوحنا كي يحمله برسالته للكنائس السبع، لتهدأ بالا وتطمئن أنها على الصواب، وأن الهراطقة ستغور بهم الأرض عما قريب، فهل رأى باخوميوس في الدير ما يستحق التذكير بما قاله يوحنا؟.

كانت الأسئلة تجتاحني، وتعبر من صدري إلى لساني، بينما أنطونيوس صامت في قلايته، ينظر من النافذة المطلة على سفح الهضبة ولا يطالبني بالصمت أو الكلام، فرحت أسأله:

ـ لم فعل الأب باخوميوس ما فعله؟

ارتسمتعلى جبهته تقطيبة كبيرة، وراح يجاهد نفسه من أجل الحديث:

ـ لأنه يوقن أنهم لن يتركوه.

كان صوته خافتا كما لو أنه ينبع من تحت أحجار الجبل، وكلماته مبهمة كأنه يلقي بالألغاز، شعرت أن سفر الرؤيا هو الذي يتحدث، وأن حالة من التحذير سوف تتهادى إلى مسامعي، لكنه فجأة نقل الحديث إلى واد أخر:

ـ هل هناك جديد عن دميانة؟

لم أعرف بما أجيبه، فقد كنت أفكر في أن هذه هي المرة الأولى التي أدخل فيها قلايته منذ قام المجهولون بضربه على رأسه، ثم توالت الأحداث على الدير، كنت أفكر في أن الأب باخوميوس فعل ما فعله من أجل أن تجيء وقفتي بجانبه في الحلقة التي ضربت أسفل برج الكنيسة، كلانا كان يسأل بنظره عما حدث، وكان البرد يلسع الوجوه، والهواء يكاد يجرف الناس من فوق الهضبة إلى السفح، حين انتهى باخوميوس من صياحه، كان كل من في الدير قد استيقظوا وخرجوا ليستعلموا عما حدث،  وحده المنحني هو الذي لم يخرج لينصت إلى سفر الرؤيا وهو يتدلي بوجع من فم باخوميوس الحبيب:

ـ وظهرت أية عظيمة في السماء، امرأة متسربلة بالشمس والقمر، تحت رجلها وعلى رأسها إكليل من إثني عشر كوكبا، وهي حبلى تصرخ متمخضة ومتوجعة لتلد، وظهرت آية اخرى في السماء، هو ذا تنين عظيم أحمر له سبعة رؤوس وعشرة  قروون، وعلى رؤوسه عشرة تيجان،وذنبه يجر ثلث نجوم السماء فطرحها إلى الأرض، والتنين وقف أمام المرأة العتيدة أن تلد حتى يبتلع ولدها متى ولدت، فولدت ابنا ذكرا عتيداأن يرعى جميع الامم بعصا من حديد، واختطف ولدها الى الله وإلى عرشه، والمرأة هربت إلى البرية حيث لها موضع معد من الله، لكي يعولوها هناك ألفا ومئتين وستين يوما.

نبهني من جديد أنطونيوس إلى سؤاله عن دميانة، كما لو أنه كان يفكر في نفس الآيات التي وردت في رأسي، فنظرت بنصف وعي إليه، وحاولت الربط بين دميانة الحبلي المتمخضة والتنين ذي الرؤوس السبعة والقرون العشر، تذكرت ليلة رأيتهم يأخذونها نحو المنحدر ودرجاته الرخامية العظيمة، وكيف طلبت منهم أن يتركوها حتى الصباح، لكنهم لم يستجيبوا، تذكرت تقريرها للأب جورج، وما كتبته في دفترها الأبيض ذي الغلاف البلاستيكي، كنت أفكرفي كل ذلك،لكن يد أنطونيوس طرقت على كتفي:

ـ هل سمعت أخبارا عن دميانة؟

قلت:

ـ لم أسمع أخبارا، لكن لك عندي مفاجأة، فقد أرسل لي الأب يوساب، فاستلمت منه كتب دميانة وأوراقها التي تركتها في غرفة إقامتها، وهي الآن بحوزتي.

حينها استدار أنطونيوس عني واتجه نحو النافذة المطلة على سفح الهضبة، كان النهار قد بدأ يملأ الدنيا بضوئه الحليبي، بينما النسمات الباردة أخذت تتنزل من السماء لتهبط إلى الأرض على قلوب المؤمنين، فتح أنطونيوس صدره ورفع رأسه ومط وجهه بقوة كما لو أنه طائر سيعبر من النافذة الصغيرة، ثم فجأة أمسك بيدي وأخذ يدور بي مرتلا من سفر الرؤيا أيضا:

ـ وحدثت حرب في السماء، ميخائيل وملائكته حاربو التنين، وحارب التنين وملائكته، ولم يقووا، فلم يوجد مكانهم بعد ذلك في السماء، فطرح التنين العظيم الحية القديمة المدعو إبليس والشيطان الذي يضل العالم كله، طرح إلى الأرض، وطرحت ملائكته، وسمعت صوتا عظيما قائلاً في السماء، الآن صار خلاص إلهنا وقدرته وملكه وسلطان مسيحه، لأنه قد طرح المشتكي على إخواتنا الذي كان يشتكي عليهم أمام إلهنا نهارا وليلاً، وهم غلبوه بدم الحروف وبكلمة شهادتهم ولم يحبوا حياتهم حتى الموت، من أجل هذا افرحي أيتها السماوات والساكنون فيها.

لكنه توقف فجأة ولسانه يكاد ينطق الآية الأخيرة من تلك الفقرة في الأصحاح الثاني عشر، فقد أدرك أن القادم ليس خيراً، وأن التنين العظيم لن يسكت على هزيمته، فرأيته يتجمد في مكانه، بينما يده تسقط من يدي، ولسانه يتعثر في نطقها بحزن وخوف:

ـ ويل لساكني الأرض والبحر، لأن إبليس نزل إليكم وبه غضب عظيم، عالما أن له زماناً قليلاً.

كان أنطونيوس قد ذهب وركع تحت أقدام استاذه باخوميوس أسفل برج الكنيسة الصغيرة، طالبا منه أمام الجميع أن يتوقف عما يفعله بنفسه، ويعود معه من البرد إلى دفء الفراش، لكن باخوميوس الذي كان يحدق نحو نجم بعيد في السماء دفعه بيده فأوقعه على الأرض، ثم نظر إليه ونهره بقوة وعنف:

ـ أنت آخر من يقترب مني.

هكذا نطقها واضحة وصريحة أمام الجميع، حتى أن الهمهمات بدأت تتعالي وتتسع بأن الرجل يعرف عن أنطونيوس شيئاً، وأن العداوة بدأت بينهما، هنالك تدخل الكثيرون، بعض الأيد ساعدت أنطونيوس على النهوض من على الأرض وسحبته بعيدا عن الدائرة التي ضاقت حول باخوميوس، وبعضها أخذ يهدهد على جسد الأخير طالبين منه الانصياع إلى كلامهم، كان الأمر بمجمله بائساً، فالصديق لم يعد صديقا، والتلميذ أصبح عدواً، والغرباء هم الذين يجمعون الشمل، بينما يوساب ينظر ويرقب ولا يتدخل، وثمة أقدام تهرول في الخفاء نحو قلاية المنحني لتبلغه بما يجري، وتحت وطأة الريح العاصفة والبرد الذي يتنزل على المكان، وإلحاح الرهبان وشفاعاتهم، قرر باخوميوس أن يعود إلى قلايته، غير عابئ بما جري لتلميذه القديم.

هنالك تقدمت وحدى لأهدهد على كتف أنطونيوس، كان يقف كعمود انهار من حوله كل شيء، يقف حزينا وغير مصدق، وضعت يدي خلف ظهره ودفعت به نحو الأمام، لم تكن أقدامه راغبة في الحركة، كما لو أنه غير قادر على تحريك نصفه الأسفل، لكنها مع الاصرار زحفت، ومع ميل الأرض أصبح كقاطرة كانت معطلة ثم انطلقت، حين وصلنا إلى قلايته شعرت أن طاقة من الغضب تمور بداخله، حاولت تسليته بالكلام والأسئلة والكلام، ولا أعرف ما الذي جعله يربط بين ما فعله باخوميوس وما جرى لدميانة، فسأل عن أخبارها، وسرعان ما تلا بعض الآيات من رؤيا يوحنا، كل ذلك وأنا أحسب أنني استطعت أن أخرجه من حزنه، لكنني وجدته يقول:

ـ ثمة أمر سيجري الليلة، وقد نهض باخوميوس ليحذرنا منه.

شعرت أن ثمة نوبة من الجنون أخذت تجتاح الدير، فرفعت عيني وحاجبي مستفهماً، لكنه دفعني إلى الخلف قائلاً:

ـ علينا أن نلحق به.

فتساءلت وأنا أكاد أسقط على الأرض:

ـ بمن؟

وكأنه كان يريدني أن أفهم الرسالة بنفسي، فسمعته يقول وهو يهرول في الخارج:

ـ ولما رأى التنين أنه طرح إلى الأرض، اضطهد المرأة التي ولدت الابن الذكر ، فأعطيت المرأة جناحي النسر العظيم لكي تطير إلى البرية إلى موضعها، حيث تعالى زمانا وزمانين ونصف زمان، من وجه الحية ، فألقت الحية من فمها وراء المرأة ماء كنهر لتجعلها تحمل بالنهر ، فأعانت الأرض المرأة ، وفتحت الأرض فمها وابتلعت النهر الذي ألقاه التنين من فمه ، فغضب التنين على المرأة، وذهب ليصنع حربا مع باقي نسلها الذين يحفظون وصايا الله، وعندهم شهادة يسوع المسيح.

********

35

فيما يشبه رحلة العائلة المقدسة ارتحل أنطونيوس من مصر القديمة إلى المعادي، حيث زار كنيسة السيدة العذراء بها، وسأل أسقفها إن كان يعرف طريقا لدير الملاح أو الأب إيمانويل، لكن الرجل أجابه بالنفي، وقال أن صعيد مصر به العديد من الأديرة والكنائس، ويمكنه أن يكمل طريقه إلى هناك، فربما دله القساوسة على الملاح وديره.

اتخذطريقه إلى البهنسا، حيث دير الجرنوس وكنيسة العذراء، بحث عن عين الماء التي بجوار الحائط الغربي للكنيسة، حيث قيل أن العذراء شربت منها، فملأ كفه وارتوى متوسلاً إلى الرب في عليائه أن ينهي رحلة آلامه، كما أنهي آلام العذراء وابنها،واستند بظهره إلى الحائط طالبا الراحة من السير والترحال،فما كان من كلب السماء إلا أن انتفض نحوه من جديد، عازما على ضرب مخالبه الطويلة في وجهه، فانتفض أنطونيوس من نومه حاملا حذاءه وسلاحه وهو يهرول، ولولا فضلة من عقل لصدمته سيارة في طريقها، تأسف لقائدها وتأسف ركابها إليه، ودون أن يدري إلى أين سيذهب ركب معهم، كانوا في طريقهم إلى جبل الطير، وكان مولد العذراء قد بدأ، فانقطع طيلة أيام المولد يستمع لحكايات العائلة المقدسة، وكيف أتت إلى مصر، وكيف كادت الصخرة تسقط عليهم من الجبل، لولا أن الطفل الإله وضع يده فأقامها من جديد.

لكن أنطونيوس لم ينشغل بالمولد وناسه المتبارين في فرحهم به، وظل يسأل كل من يراه عن دير الملاح، وبدا له أن كلب السماء قد نسيه في هذا المكان، فقد انفض المولد وأخذ الناس في العودة لقراهم ومدنهم، وأنطونيوس يصرخ في كلب السماء أن يدله على الطريق، كان ينام من أجل أن يظهر له، وينهض ليبحث عنه بين النجوم والسحب، ولما لم يجده قرر أن يبتكر طريقه بنفسه، فترك أقدامه تأخذه كمتسول، يحمل بندقية في كتفه ويطلب من الناس أن يدلوه إلى أقرب دير أو كنيسة.

ظل في سيره حتى أوصلته عربة لنقل الماشية إلى الأشمونين، تلك التي شملتها معجزات المسيح بالكثير، فبحث عن أطلال الكنيسة القديمةفيها ، وجلس بين بقايا أعمدتها الرومانية يبكي من اليأس والتعب، هنالك ظهر له كاهن كبير وفي يده جرة ماء، لم يسأله أنطونيوس أن يعطيه منها، وهو أيضا لم يسأل أنطونيوس إن كان يريد أن يرتوي  أم لا، لكنه اقترب ومال بجرته نحو فمه، فراح أنطونيوس يعب من مائها كما لو أنها نبع الحياة، حتى أن الكاهن أسرع برفع الجرة عنه:

ـ ماذا تريد؟

بصوت ملؤه التعب واليأس أجابه أنطونيوس:

ـ دير الملاح.

ـ  اذهب إلى دير المحرق، واسأل عن الأب باخوميوس.

لم يزد الكاهن عن تلك الكلمات، وهم بالانصراف، غير أن أنطونيوس الذي دبت فيه الحياة، وكاد يطير من الفرح لأنه وجد شخصا يدله على من يعرف المكان، أمسك بثوبه الكاهن طالبا أمارة لباخوميوس،  فمد الكاهن يده وخلع الصليب الكبير المعلق في عنقه ودفع به لأنطونيوس، فنهض الأخير على قدميه، وارتدى الصليب مالئلاً صدره بالريح والشمس، ثم استدار ليشكر الكاهن على منحته، لكنه لم يجده، ولولا أن صليبه ظل يتارجح في صدر أنطونيوسلشك في أنه رآه.

في الطريق إلى المحرق كانت حقول الذرة الخضراء على امتداد البصر، وكان الكل يتحدث عن بركة المسيح التي شملت كل شيء في المكان، فهنا أقام الرب وأمه ستة أشهر، وهي أطول مدة أقاموها في مكان ببر مصر، كانت أسوار الدير عالية وتشبه أسوار القلاع، والأبواب مشرعة كالجبال التي تسد الطريق، طرق أنطونيوس بيده على الباب الخشبي العالي حتى انفرج قليلاً، وأطل خادم عجوز برأسه من خلال الفتحة الصغيرة:

ـ أنا رسول للأب باخوميوس.

سأله الخادم من أين:

أجاب أنطونيوس مستسلما، كما لو أن الكلمات هي التي تجري على لسانه.

ـ من دير الملاح.

تركه الخادم وقتا ليس بالقليل في الغرفة المجاورة للباب، تلك التي يبيت فيها الخادم ومن يتناوب حراسة البوابة معه، بعدها اصطحبه لقلاية رئيس الدير، كان باخوميوس راهبا في الخمسينات من عمره، تبدو عليه ملامح السمنة، لكنه يتمتع بعين تلمع على الدوام، دون أن نعرف إن كان لمعانها من البكاء أم الفرح، دفع أنطونيوس بالصليب الذي على صدره في وجهه قائلاً:

ـ هذه أمارتي.

تهلل وجه باخوميوس بالفرح، ثم نهض واستقبله بحفاوة بالغة، سائلاً إياه عن عن الصليب وأين وجده، لم تكن لدى أنطونيوس إجابة واضحة، فأخذ يحكي قصة بحثه عن دير الملاح حتى وصل إلى بقايا الكنيسة القديمة في الأشمونن، وقدهده العجز والتعب، فجلس يبكي بين الأعمدة الرومانية، هنالك ظهر له كاهن يحمل جرة ماء رواه منها، ثم دله على دير المحرق والأب باخوميوس، فلما طلب منه أمارة خلع هذا الصليب الكبير من عنه وأعطاه له، ولم يكد يرتدى الصليب وينتشي به حتى اختفى الكاهن وكأنه لم يكن.

دهشأنطونيوس ورئيس الدير حين علما من باخوميوس أن هذا الصليب يخص أبيه في العماد، وأنه كان كاهنا في دير سانت كاترين، استشهد منذ سنوات، كان باخوميوس يسأل أنطونيوس عن صفته، وتتهلل عينه بدموع الفرح وهو ينصت متشمما الصليب:

ـ هو هو، هذه صفاته، وهذا صليبه.

بينما رئيس الدير يضحك مؤكدا لأنطونيوس أنه سيكون ذو شأن كبير.

كانت هذه آخر خروجات باخوميوس من دير الملاح، وكان هذا أول لقاء له بأنطونيوسالذي رافقه في رحلة عودته بعد أسابيع قضاها معه في ضيافة دير المحرق، في الطريق تعضدت علاقتهما معاً، وحكي له باخوميوس عن علاقته بأستاذه وأبيه في العماد، قال أن اسمه شنودة، وكانمن المحاربين الذين نالوا الشهادة في سبيل الوطن، لم يستسلم لكون اليهود احتلوا المكان، فكون عناصر من الشماسة الذين ذكرهم برسائل الآباء الأوائل، وما أعده الله لمن يستشهد لأجل دينه أو عرضه أو وطنه، فوافقوه على رأيه، وحفروا نفقاً من أسفل الدير إلى خارجه، كانوا يقومون بعملياتهم ضد اليهود ليلا ثم يعودون من حيث خرجوا، دون أن يتعرف أحد عليهم، حتى أصطدمت قدمه في ليلة مظلمة بلغم، فتطايرت أشلاؤه وتناثرت في الهواء، حتى أن وجه باخوميوس أصابته بعض الشذرات من دمه ولحمه، عاد باخوميوس لرئيس الدير معلنا شهادة شنودة، فرفض رئيس الدير خروج أحد من المكان، وهدد بالحرمان من يخالف أوامره، فغضب باخوميوس واستأذنه في الرحيل، وظل لسنوات يتنقل من دير لآخر حتى استقر مع بداية الثمانينيات في دير الملاح.

حين وصل أنطونيوس برفقة باخوميوس إلى المساحة المنزرعة أسفل الهضبة استحى أن يصعد إلى الهضبة ومعه سلاحه، فحفر بيديه أسفل صخرةناتئة من جدار الهضبة، وودع سلاحه بقبلة وحضن طويل ووضعه في الأرض وردم عليه، وصعد الدرجات الرخامية خلف باخوميوس المجهد اللاهث، الذي يحيل كل شيء إلى نكتة حتى ثقله الزائد، ما إن دخلا من البوابة الكبيرة حتى وجدا إيمانويل الطيب يقول لأنطونيوس:

ـ في موعدك بالضبط.

فرد عليه الأخير

ـ لولا كلب السماء ما جئت.

فضحكت إيمانويل

ـ ولولا أن الرب كان يحول بينك وبينه لفاز بك .

هنالك رفع باخوميوس صليب أستاذه منبهاً عن نفسه:

 ـ ولولا هذا ما جئتك به.

 

**************

36

رأى أنطونيوس جسد أستاذه باخوميوس الحبيب يتأرجح في فضاء الغرفة المطلة على سفح الهضبة، كان الجسد معلقا من عنقه في حبل متدل من عود خشبي في منتصف السقف، لم يستطع أنطونيوس أن يكتفي بالفرجة على تيار الهواء وهو يؤرجحه في فضاء الغرفة، هرع إلى جوف القلاية وصعد على السرير محتضنا إياه، حاول رفعه لتخليص العنق من الحبل المطوق له لكنه فشل، جاهد من جديد مرتين وثلاثا لكنه لم يفلح في تمرير الرأس من الطوق، وزاد الأمر سواء حين سقط به السرير على الأرض، فوقف عاجزا عن فهم ما يجري من حوله، غير قادر على الوصول لطريقة ينزل بهاأستاذه، ذلك الذي أخذ يدور بوجهه وجسده الممتلئ في الغرفة كما لو أنه موشك على الطيران، رأى أنطونيوس ذلك وأدرك أنه فارق الحياة. نظر إلى صليب الأب شنودة المتدلي من عنق باخوميوسوشعر بأن ثمة ما يحثه على أخذه، مد يده وجذبهفانفلتمن عنق باخوميوس إلى يد أنطونيو، وضعه في جيبه وفكر في إكمال مهمته من جديد، غير أن كلب السماء ظهرفجأة وأخذ ينبح تجاهه.

تجمع أمام القلاية ثلاثة من طوال القامة، كأن الأرض انشقت فجأةعنهم ، فأخذوا يتصايحون أن أنطونيوس قتل باخوميوس، وتطوع أحدهم بالإسراع نحو قلاية يوساب كي يخبره، في حين وقف الآخران ممسكين بباب القلاية ليمنعا أنطونيوس من الخروج، لكنه خرج، فقد جذب أحدهما بقوة إلى الداخل ملقيا به نحو كلب السماء الغاضب، وخرج كوحش ثائر نحو الثاني، ذلك الذي لم ينتظر أن تأتيه النجدة، فقد فر من أمامه ليحتمي بالقلايات المجاورة.

في البدء تخوفت من هيئة أنطونيوس وغضبه، وكنت أقرب إلى الفرار مني إلى متابعة ما يجري، لكنني أدركت أنه لا يعرف إلى أين يذهب، فصرخت فيه بصوت خافت كي يتوجه إلى الكنيسة، كنت أقصد كنيسة الأب ديمترويوس، لكنني وجدته يتجه إلى كنيسة الملاح، تلك التي أقيمت على باب المغارة التي دفن بها الملاح ولبؤته وأشبالها، وأصبحت بمثابة قدس الأقداس، لا يتقدمها سوى غرفتي الهيكل والمذبح، ولا يكاد يدخلها أحد من زمن طويل، وحده رئيس الدير هو الذي يذهب للصلاة أمامها كل عيد، ملتمسا البركة والعون من الملاح وأسوده النائمين في حضرته.

كثر الصياح فجأة بين الرهبان أن أنطونيوس يهرب، ورأيت شبابا لم أرهم من قبل في زي الرهبان، لكنهم أكثر طولاً ونشاطا، تدفقوا من أماكن عديدة، متسائلين عن المكان الذي ذهب إليه، ولم ينتظروا ليستفهموا عن أكثر من ذلك، فقد تصايحوا بإشارات مبهمة للذهاب خلفه، كانوا أكثر من عشرة رهبان، تدافعوا فجأة لدخول الكنيسة، بعضهم حين دخلوا تكاثرو على أنطونيوس وأحاطوه في نصف دائرة من أمامه، هو بدوره قبض على خشبة في يده وجعلهم أمامه، فأخذوا يتقدمون وهو يتراجع باحثا عن جدار يحتمي به، لكن من أين له الجدار وهم يضيقون الخناق عليه، ظل يتراجع بين صفي الكراسي المعدة للمصلين في صحن الكنيسة، بينما هم يتخطون بسيقانهم الطويلة الرشيقة المقاعد في يسر وبساطة، حتى أنهم باتوا موقنين أنه سقط في أيديهم، وأنهم بضربات سريعة سوف يقضون عليه، فظل يتراجع وهم يتقدمون حتى وصل إلى غرفة المذبح، دار حول الحوض الكبير وارتكن بجسده إلى الستارة المدلاة أمام الحوض، شعر أن ثمة تيار بارد يتدفق من خلفها، حين مد يده نازعا الستارة من مكانها وجد بابا صغيراً مزخرفا بصور القديسين، ورأى الأب يوساب قادما ومعه مجموعة جديدة من الرهبان الغرباء، بينما كلب السماء يتقدم الجميع بفم مفتوح تجاهه، وأقدامه تترك بصماتها الواضحة على بلاط الكنيسة.

كان انتباهه إلى خطى كلب السماء وتقدمه للرهبان قد أكد له أنه يسير في الاتجاه الصحيح، فاستدار وضرب قدمه بقوة في الباب الخشبي فكسر قفله، ودلف منه إلى دهليز مظلم بارد، لم يعرف إلى أين سيأخذه، لكنه وجد نفسه يبتعد فيه، وسمع أصوات الرهبان وهم يحاولون تشجيع بعضهم للدخول خلفه، بينما يوساب يكاد يجن وهو يصرخ بسرعة الدخول، لكنهم جميعاً سقطوا على الأرض،وفروا إلى خارج المذبح حين رأوا اللبؤة وقد مدت عنقها من الباب الصغير، ثم زأرت في وجهوهم وخرجت عليهم بصحبة أربعة أشبال يافعين، زأرت من جديد وهي تقفز برشاقة الى حوض المذبح لتنام فيه، فتقافز الرهبان إلى صحن الكنيسة، ودون أن يدروا ما الذي يفعلونه داسوا بأقدامهم على يوساب الذي في الممر الفاصل بين صفوف الكراسي، جميعهم كانوا خائفين من الموت في ذلك المكان الذي لم يجرؤ على تدنيسه أحد سواهم.

 

ـ 2ـ

دميانة: ريح الجنون

 

1

كانت دميانة تعرف أن الربيع سيأتي، دائما ما كانت تنتظره ويأتي، لا يخذلها في عام من الأعوام، يتأخر بعض الشيء لكنه يأتي، تكسو الأرض الخضرة في الريف الذي لم تذهب إليه غير أيام معدودة، ربما مع والدها في صغرها، وربما مع زملائها في المدرسة، لكنها عشقت شكل الأرض الخضراء، والأزهار على الأشجار، تعشق الروائح الذكية، وتبحث بأنفها عن الذرات التي تأكل الجيوب الأنفية، كانت تقول لنفسها أنها حبوب لقاح تنقلها الريح من مكان لمكان، كانت تعاني بعض الشيء من حساسية في العين، تدعس عينها بيديها وترفع أنفها للريح باحثة عن روائح الربيع، ذلك الذي يحاصرها برياحه وحبوب لقاحه وربما بعض الأمطار، لكنها دائما ما كانت تنتظره، تخرج من شرنقتها لتقف على باب البيت، الربيع فصل الأعياد، فيه الصوم الكبير، فيه أسبوع الآلم والبركات، فيه عيد القيامة، الشموع التي توقد للقديسين، والأم العذراء، الربيع فصل النهر الجاري لغسل النفوس من الذنوب، هكذا كانت تقول لها أمها وهما جالستان في انتظار والدها، والدها صلاح متري، الشيوعي المناضل الذي آمن بإذابة الفوارق بين الطبقات، فانتهي مآله بأن ذاب بينها، ولم يترك لابنته وزوجته غير السيرة العطرة وأبواب الربيع الذي مات في مقدمته، فظلا ينتظران بالسنوات والشهور، ولما تأكد لهما أن الذي يذهب لا يعود قررا التفكير فيما بقي من حياتهما.

هكذا نزلت دميانة من برجها الوردي إلى أرض الواقع، ومرت بها السنون وهي تسأل:

ـ متى يأتي الربيع برجل مناسب.

الكثير من الذين مروا بباب بيتها لم يناسبوها، لا تعرف لم كانت تراهم  ثقيلي الظل، بعضهم كان مثقفا لكنه ثقيل الظل، بعضهم كان واسع الثراء لكنه ثقيل الظل، كانت مشكلتها أنها تبحث عن شخص تحبه، كانت تريد أن تعشقه قبل أن تتزوج به، رفضت كل ما قالته أمها عن الحب الذي يأتي بالعشرة، والمرأة التي خلقت من ضلع الرجل الحنون، والمودة التي تنبت بين كل ضلعين ناما في فراش واحد، رفضت أن تتزوج دون أن تؤمن:

ـ لابد أن أرى كي أؤمن.

هكذا قالت لنفسها، لكن رؤيتها تأخرت، وطال انتظارها حتى ظنت أنها لن تأتي، وفي الوقت الذي أوشكت فيه على اليأس من مجيئها، وجدتها أمامها، فرأتها بأم عينها مجسدة في الراهب القس، الراهب المحال إلى التحقيق بسؤال مستبطن عن هرطقته، رأت الحب المحرم، ولا تدري كيف يمكنها أن تعشق رجلا وهب نفسه للرب، هل تغويه كحواء وتخرجه من الفردوس لتتزوج به، أم تحضتنه وتقفز من فوق جبل القلزم كي يتاح لروحيهما الزواج في عالم الخلود، هل يتسع ملكوت الرب للمنتحرين من فوق الجبل كي يسكنوه، أم أن الله لا يحبولا يغفر للمحبين، ولا يريد إلا بشرا يمشون على قضبان من حديد.

كانت ترغب في الانفجار عشرات المرات بهذه الأسئلة في وجه أنطونيوس، كادت أن تصرخ فيه:

ـ لماذا تأخرت كل هذا الوقت؟

لكنها لم تسأل، ولم تعرف لم دفعوا بأوراقه إليها، في البدء قالت أنهم محض حمقى، لكنها بعد تأمل وجدت أنهم جنود الرب، وأن أنطونيوس هو هدية السماء، لكن ما الذي ستفعله بهدية محرمة، أهي رغبة في التعذيب أم سعي للخروج من الملكوت، بعد كل هذه السنوات من الصمت والصبر والشموع التي ذابت تحت أقدام القديسين تجيء الهدية على هيئة راهب؟ هل يريد الرب مني أن أدخل إلى بئر الرهبنة، أن أترك الدنيا وملذاتها وأمضي ما بقى من حياتي في رقعة منعزلة عن العالم كهذه، أم أموت كمدا بحب رجل لا رجاء منه؟

هكذا أمضت أيامها الأولى في التحقيق مع أنطونيوس، الشيء الذي أنقذها من الجنون أنها وجدت نفسها تحب رجلاً مهددا بالموت، وأن عليها إنقاذه قبل التفكير في إدانته، فالأمر لا يكمن في الجرم الذي ارتكبه، الجرم الذي لا تعرف لم يعاقب عليه، فالكتاب نفدت نسخه، ولم يعترض أحد على ما به، فأين المال المهدر، وما الذي يجعل رئيس الدير متحمس لإدانة راهب لا ينافسه في شيء، هكذا كانت خيوط القضية في نسيجها الأولى، قرأت كل ورقة أحيلت إليها، وكل ورقة لم تحل إليها، كانت تنزل المدينة الكبيرة لتبحث في مكتباتها وأرشيفاتها عما يعضد وجهةنظره، كانت تسأل الأساقفة الذين تعرفهم والقساوسة الذين تثق في رؤيتهم عما يمكن أن يحدث مع رجل نشر بالخطأ أو العمد مذكرات راهب مهرطق، كانت تعيد عليهم الأقوال والظروف والملابسات،وتسأل نفسها عما يجري في دير الملاح من صراعات وفتن.

ـ هل تعرف الأب إيمانويل؟

ـ ما الذي جرى له؟

ـ إلى أين كانت رحلته الطويلة؟.

 كان ملاك بوصفه نصف راهب ونصف فليسوف مرجعها الأول في الإجابة عما يجري، أحيانا كان يتأمل قبل أن يجيب، وأحيانا كان يخمن، لكنه في كل مرة كان يتحدث، كان ملاك يسأل الآباء والشماسة والخدم ويجيب، جميعهم يعرفونهم، فهم لا يزيدون عن أربعين راهبا، بالاضافة إلى الخدم والعاملين في الزراعة والورش، كان ينهي عمله ويذهب ليجلس معهم، يحادثونه عما يعرفون، ويحادثهم عما يعن له، بعضهم كان يرى أنه على حافة الهرطقة والجنون، وبعضهم كان يخيفه بالأب يوساب، لكنه في العموم كان يحب أن تكون بينه وبين القساوسة مسافة، كان يقول لنفسه أنه ليس كاهنا ولا راهباً، وأنه لن يكون، فهو في أفضل الحالات شماس مبتدئ، إبصالتوس لا يرغب في مفارقة درجته، هو أقرب للخدم والمزارعين منه إلى الرهبان، لكن وجوده الأزلي في المكان جعله كما لو أنه مالكه، فهو لا يعرف مكانا غيره، هو كل العالم بالنسبة إليه، مرات قليلة التي غادره فيها، بالتأكيد في معية أي من الأباء، وبالتأكيد إلى كنيسة أو دير مشابه، كان يسير في شوارع المدن التي ذهب اليها خائفا، محتميا بجسد وروح الذي معه، لم يحب القاهرة، ولم يتمتع برؤية الأسكندرية، لكنه استطاع التعامل مع السويس، شعر أنها آخر حدود العالم، فعينه لم تتعود على الزحام، وروحه لم تعشق سوى الايقاع الهادئ للحياة.

كان يعرف كل حصاة في عالمه، يعرف تاريخها والقبيلة التي أتت منها، كان يعشق السماع وتغريه الحكايات، وحين علم أن الكتب بها أكثر مما يمتلكه الناس قرر أن يتعلم كي يعرف ما تحتوي عليه، وحين عرف غرق، واستهواه تنسيق المخطوطات، استهواه أن يعرف أفضل من السابقين عليه، فأعاد تنظيم التركة، وطلب من الأب إيمانويل أرففا كبيرة ليضعها عليها، ولم يرفض الأخير، فذهب ملاك إلى النجارين واصطحبهم معه، وظلوا عدة شهور يصنعون المكتبة، أصر على أن يكون هذا مسماها، وظل يكره أن يقول أحد أنها مخزن الورق، كان الجميع يسميها المخزن، لم يكن يشتمل على الكتب ولفات الورق المربوط بالليف والكتان فقط، لكنه كان مكانا لكل ما هو قديم ومستهلك، بعد جهد تم فصل كل ما هو قديم عن كل ما هو ورقي قديم، وأخذ العمال في دهن الحوائط بالزيت قبل أن توضع الأرفف، وقام وحده بتنسيق الكتب والمخطوطات عليها، هنأه الأب إيمانويل على عمله، وتغاضى عن استغلال علاقته بالنجارين كي يصنعوا له مكتباً دون أن يعلم أي من الآباء، وحده إيمانويل الذي علم وضحك، طلبها  ملاك بهمس وتردد، فسمعها إيمانويل وضحك، ثم أومأ أنه لم يسمع، وكان ذلك يعني أن يفعل ولا يخبر أحداً.

كانت حياة ملاك ثرية وجميلة ولا يوجد بها ما ينغصها، لم يكن يظن أنه في يوم ما سيكون شخصا غير الذي كانه، فلم ينذر نفسه للحب ولا للرب، لكن ظهور دميانة فى الأفق قلب الأمور رأسا على عقب، هو نفسه كان يود الهروب من قدره، كان يود أن يظل على ما هو فيه، لكن كيف ذلك وهو الكاتب، كيف يمكنه أن يهرب من قدره، هكذا وجد نفسه أمام يوساب الذي أكد عليه ضرورة التعاون الجيد مع المحققة الجديدة، عرفها بنفسه وجلس أمامها كتلميذ ينتظر أوامرها، كانت التحقيقات المحالة إليها بسيطة وصغيرة، كان غالبا ما يشرح لها كيفية التصرف فيها، فنقل إليها خبرته من المحققين السابقين، حتى أحيل إليها أنطونيوس ومشكلته، تلك التي يكاد يكون قد اعترف فيها بنشره أعمالا لراهب مهرطق، فهم من دميانة أنه باعترافه الكامل سيجردونه من رتبته الكهنوتية، وربما يلقي مصير أوريجانوس ذاته، فهم أيضا أن ثمة ضغوط تمارس عليها لتنهي التحقيق في الوجهة التي يريدونها، لكنها لن تفعل.

كان ملاك متعاطفا مع دميانة أكثر من أنطونيوس، بالأحرى كان قد سقط في حبها مثلما سقط أنطونيوس، كانت في نفس سنه، وفي نفس طبقته إن كانت له طبقة، جمالها ليس صارخاً، لكن تناسق ملامحها يمنحها ملاحة واضحة، ورغم الجدية التي تسعى لفرضها إلا أن لديها دلالا لا تستطيع أن تواريه، أحيانا تكون كطفلة تريد أن تشاكس وتلعب وتضحك، وأحيانا تعامل الجميع ككائنات مفتقدة للعطف، فتهدهد على كل من تجده في طريقها، لكنها في كل الأحوال خلقت للمكان روحا مختلفة، فسعى الجميع لأن يكون على قدر روحها الجميلة، ملاك نفسه ضبط نفسه يعيد النظر في مرآته، يحلق ذقنة ويضبط هندامه ويذهب ليجلس في انتظار تحية الصباح، يوصى الخادم بقهوتها وبنها المخصوص ويحملها بيديه إليها، يحضر الأوراق والأقلام ويكتب بخط واضح منضبط كي لا تتعب عينيها في القراءة، يفعل كل ما تتمناه وتحلم به، لكنها أبدا لم تنتبه لحبه، لم تنظر إليه بعين المحبوب، كانت تراه ملاكا الكاتب، وربما أخ أو صديق، ربما خادم أوتابع، وربما ليس موجودا من الأساس، ورغم ذلك كان غارقا في حبها، في عطرها الهادئ الذي تعودت على أن تضعه أسفل أذنها، كان يعشقها في صمت، خاصة وأنها تركته يحترق كعود بخور جاف وأخذت تلهث خلف أخبار أنطونيوس، وكيفية تمرير رأسه من حبل المشنقة التي وضعوها حول عنقه.

******

2

 لم يمض يومان على اختفاء دميانة أو إصرارها على الرحيل ليلاً حسبما قال الأب يوساب إلا وظهر الرهبان الثلاثة الذين رافقوها في رحلتها، كانوا يعبرون أرض الدير كما لو أنهم يسيرون في مشهد جنائزي، بدا كما لو أنهم مقبلون على الموت أو مساقون إليه، حين وصلوا إلى قلاية يوساب تفحص وجوهم بعناية قبل أن يفتح فمه:

ـ ما الذي حدث؟

وقف الثلاثة ينظرون إلى بعضهم وكأن كل منهم يستنجد بالآخر كي يبدأ، لكن أيا منهم لم يتكلم، فاضطر يوساب أن يعيد سؤاله بصوت مكتوم لكن به من الغلظة والحسم ما يجعل الأحجار ترتعد، وأمام وطأة الصوت وحدة العيون المسلطة على الوجوه خر الثلاثة فجأة على أقدامهم طالبين المغفرة، كان ذلك بمثابة وضع مزيد من الزيت على النار، فقد ثار يوساب وأخذ في صفعهم كي ينطقوا:

ـ هربت.

هكذا قال أحدهم باكيا، فقبض يوساب على ياقة جلبابه:

ـ كيف؟

وبدا أن الحجر الذي كان في فم الراهب قد سقط، فأخذ يبكي ويدلي بكل ما يعرف دون أن يتوقف عن الارتجاف، ليس خوفا من يوساب وما قد يفعله، ولكن رعبا من اللبؤة وأشبالها، وما قد يحدث بسبب دميانة وما معها من ملائكة أو جن.

كان الرهبان قد انطلقوا بسيارتهم من أمام مخر السيل القديم الذي أصبح مدرجا مكسيا بالرخام، وقطعوا نحو عشرين كيلو في طريق الرهبان ، صامتين لا يتفوهون بكلمة عما يجري، في البدء كانت نظرات دميانة حائرة تحمل عشرات الأسئلة عن الطريق ووجهتهم، لكنها مع الوقت هدأت واستسلمت، وكلما فتحت عينيها لتنظر من النافذة لم تر سوى النجوم المتوارية خلف غيوم تتحرك في سماء لم تغادر شتاءها بعد، بينما الظلام والرمل ينامان على الأرض بامتداد البصر، فتغمض عينها وتسند رأسها على الزجاج مستسلمة لقدرها من جديد.

لم يكد الباص يأخذ سرعته على الطريق حتى هدأ السائق سرعته وتوقف في مكانه قائلاً أنه لا بد من تغيير الإطار الخلفي، فنزل الرهبان معه وتشاوروا قبل أن يصعد أحدهم ليخبر دميانة بضرورة نزلها، لأن رافع العجل أسفل كرسيها، نهضت باستسلام ونزلت تنظر نحو الإطار، لكنها سرعان ما شعرت بالبرد وقوة الريح فقررت عبور الطريق للاحتماء بصخرة على الجانب الآخر، وأخذت تنظر للنجوم بخوف واضح وهي موشكة على البكاء، كان السائق قد أخذ يرفع السيارة ويفك الإطار، بينما فتح الرهبان الثلاثة الباب الخلفي وأنزلوا منه فأسا كبيرة، فأخذها أحدهم وابتعد عن الطريق مسافة مائة متر وبدأ في الحفر، بعدها ذهب أحدهم ليخبرها أن السائق انتهي ويمكنها صعود الباص، كان القمر قد أصبح مضيئاً إلى حد كبير، فرأت الشر في عينه، ورأت عصا من الحديد في يده، وزميله يسعى لتطويقها من الجانب الآخر من الصخرة، فتراجعت بأقدامها إلى الخلف، تراجعت حتى أصبحت الصخرة بينها وبينهم، ثم ما لبثت أن هرولت في الصحراء،فأنطلقوا متصايحين خلفها، كانت خطاها رشيقة كما لو أنها موشكة على الطيران، وكان صراخها مكتوما وأنفاسها متلاحقة، وهم لا يكلون من الجري، حتى سقطت في أيدهم، فضربها أحدهم بيده على رأسها، فسقطت فاقدة الوعي.

 ما رواة الرهبان ليوساب أنهم ألقوا بها في الحفر، وكانوا على وشك أن يردموا عليها الرمل،لولا أنهم رأوا لبؤة بصحبة أشبال أربع ظهرت كأنها نزلت من السماء أو خرجت من الأرض، وتمطت أمامهم على رأس الحفرة كما لو أنها تستعرض قواها عليهم، ثم ما لبثت أن رفعت عنقها نحو السماء مطلقة صوتها الغاضب، فتقافزوا متراجعين للخلف، جميعهم كادوا ينكفئون على وجوههم وهم يهرولون، لم يكن لهم ملجأ في ذلك الوقت ولا في تلك الصحراء الشاسعة غير الباص، ذلك الذي ارتجف قليلاً قبل أن ينطلق ليغادر المكان.ظلوا يقطعون الليل بطوله في طريق لا ينتهي، ومع انبلاج الصباح اكتشفوا أنهم على مشارف أسيوط، وأنهم لم يعد بمستطاعهم أن يذهبوا لأبعد من ذلك، فأمضوا يومين كاملين يستجمعون فيه شتات أنفسهم من الرعب قبل أن يفكروا في العودة إلى دير.

توقف يوساب عن تأنيبهم وراح يفكر فيما يجري، فهذا المكان أنشيء على أسطورة لا أحد يعرف مدى صدقها، هو نفسه كان يعتبرها من قبيل الخرافات التي نسجها الآباء القدامي لحماية الدير من البدو واللصوص، لكن ما يجري هذه الأيام يقول بأن الأكاذيب أصبحت حقيقة، والأساطير لم تعد أساطير، فكيف يمكنه أن يعيد الماضي إلى قبوه القديم.

شعر الرهبان الذين كانوا يتوقعون الموت على يد يوساب أنه شرد بعيداً عنهم، حتى أنه لا يكاد يشعر بوجودهم من حوله، فنهض الراهب الذي كان يرتجف منذ لحظات ونظر لأصدقائه، هم بدورهم تبادلوا معه النظرات، وحين طال الانتظار انفرجت الأسارير وانبسطت الملامح وضاعت الرهبة، بعضهم تلمس ما اعتبره إشارة بالخروج وأومأ للأخرين بترك الرجل في حاله، تسحبت أقدامهم واحدا تلو الآخر من القلاية الواطئة عن الأرض، ناظرين إلى الظلال التي تحركت لتنبسط على جانب من الممشى الطويل الرابط بين الكنيستين، بينما جلس يوساب يفكر وكأن كل ما خطط له أوشك على الانهيار، جلس على الكرسي المجاور لباب الكنيف وكأنه الشماس المكلف بتنظيف القلاية والعناية بها.

******

3

أسرع الراهب يوحنا إلى قلاية أبانوب ليخبره أن شابا على باب الدير يقول أنه رسول البابا ألكسندروس إلى الأب ديمتريوس، فنهض أبانوب من فوره لاستقبال الرسول، لكنه لم يجد شابا واحداً كما قال يوحنا، بل شابين وفي نفس السن تقريبا، لكن أحدهما بدا أنه أصيب بضربة شمس، ألقى أبانوب نظرةعلى أسفل المنحدر فوجد جواديهما يأكلان الأعشابالخضراء، فأشار ليوحنا أن يوثقهما على مقربة من المنحدر.

كانت الشمس في ذلك الوقت ساطعة كما لو أنها قررت أن تشوى الأرض ومن عليها، فألقي أبانوب التحية على الشابين سائلاً عمن يكون رسول البابا، فأشار أحدهما إلى نفسه:

ـ أنا اثناثيوس ...رسول البابا ألكسندروس، وهذا سيلاس، رفيق الرحلة معي من صحراء الإسقيط.

بدا على سيلاس أنه لم يعد قادرا على احتمال مزيدا من السير، فصرخ أبانوب على راهبين في القلاية المجاورة ، وسرعان ما احتملاه بين أيديهما ودخلا به إلى القلاية، ووقفا إلى جانب إثناسيوس ينظران لأبانوب وهو يذيب الملح في الماء ويضعه على رأس سيلاس وجسده.

أبدى أثناسيوس إعجابه بالكنيسة الكبيرة التي كانت ماتزال تزهو بألوانها، وقال أنه لم ير في أي من الأديرة التي مر بها كنيسة كهذه، شعر أبانوب حينها بالنشوة، وكاد أن يقول أنه صاحب هذا الانجاز العظيم، لكنه تراجع موضحا أن الأب ديمتريوس هو صاحب هذا العمل، فقد كان الدير في زمن الأب جبرائيل مجرد مكان لتجمع الباحثين عن حماية الرب، بعضهم استمر في رهبنته، وبعضهم عاد إلى قراه من جديد، لكن ديمتريوس قرر أن يقيم لهم كنيسة تجمعهم، وبدلاً من القلايات المتناثرة  نظمها في صف واحد بامتداد سور الدير، ورتب شروطا للانضمام للمكان، لا يسكنه إلا الراغبون حقا في العزلة وحياة النسك، أما العابرون من الضيوف فإنهم يقيمون في سفح الجبل.

شرح أبانوب لاثناسيوس النظام الذي وضعه ديمتريوس، ممتليئاً بالفخر لأنه يتحدث إلى رسول البابا، موقنا أنكل ذرة في هذا المكان له بصمة عليها، وأن من منحه هذا الشرف هو الأب ديمتريوس، لذا كان يذكر اسمه بإجلال واضح، متمنيا له الشفاء من المرض الذي ألم به، فصدره لا يحتمل الاجهاد، لذا ترك كل شئون الدير في يده وحده ليقوم بها، شعر أثناسيوس أن محدثه يسعى للاستئثار به أو عزله عن رؤية رئيس الدير، ومن ثم أصر على ألا يخبره بالهدف الذي جاء من أجله، وطلب منه أن يعودا لرؤية صديقه سيلاس والاطمئنان عليه، غير أن أبانوب فاجأه:

ـ لدينا هنا مدرسة للاهوت.

 بدا على إثناسيوس الاهتمام، فاصطحبه أبانوب إلى المكان الذي أعده لرفائيل كي يشرح فيه للرهبان قواعد الايمان وما يعرفه من تفاسير للكتاب المقدس، إلا أن المفاجأة كانت في أن أثناسيوس يعرف رفائيل، فما أن رآه حتى نطق باسمه، بينما نهض رفائيل من مجلسه مندهشاً لاحتضانه ، مبادلاً إياه التحايا باليونانية والرومانية على مرأى من الجميع، ولم يكن أبانوب يعرف أن علاقة رفائيل بأثناسيوس غريبة ومدهشة، فقد كان رفائيل معجبا بأفكار أريوس، كاهن كنيسة بوكالياغرب الاسكندرية، ومن ثم قاطع إثناسيوس ذات في درسه بمدرسة اللاهوت سائلاً:

ـ هل الابن خاضع للآب أم لا؟

هنالك نظر إليه أثناسيوس بعينين ملؤهما الغضب، وبعد صمت طويل سائلاً رافائيل:

ـ أأريوسي أنت؟

ادعى رفائيل عدم الفهم، وطالب أثناسيوس بالإجابة دون مواربة، فقال:

ـ بالطبع لا ... كيف يخضع المثيل لمثيله،فكلاهما متساو في القوة والعطاء والتحقق، ولولا هذا ما كان ذاك.

كان رافائيل بحكم دراسته للأفلاطونية والرواقية أقرب إلى تصديق مقولات آريوس عن الابن، هذا الذي يراه خاضعا للآب، وأنه جاء من أجل خلاص البشرية، ومن خلال بنوته وتضحيته تحقق الخلاص، ومن خلال الآب اكتسب ألوهيته وقوته، ومن ثم فهو ليس مساو للآب، ووجوده تابع لوجود الآب. لكن إثناسيوس في ذلك اليوم اصطحبه بعد أن انصرف الناس في جولة طويلة بشوارع الأسكندرية، قال فيها أن المنظور الإيماني يختلف عن المنظور العقلاني، فرؤية العقل تقول بما اعتاد عليه الناس، كأن يكون الإبن تابعا للأب، وأنه لولا وجود الأب ما كان وجود الأبن، ومن ثم فالأب يتغلب على الإبن، هذا ما اعتاد العقل على قوله، لكن ما هو فوق العقل، وما نراه بقلوبنا ويقيننا وبصيرتنا وليس بصرنا، أن الأب والابن متساويان، ولا يمكن التفكير في أن الآب كان يوما بدون الابن، وإلا فكيف كان آباً، وكذلك لايمكن أن يكون الابن بلا آب، ومن ثم فحضورهما متلازم متكافئ متساو.

في ذلك اليوم شعر رافائيل أنه بدأ يؤمن بقلبه وليس بعقله، وأن معرفة الله تخضع لتصديق القلب وليس فهم العقل، وأن على العقل أن يبذل كل جهده لاثبات وجود الله وقدراته، وليس لاختباره والابتعاد عن طريقه، فآريوس ليس قويم الإيمان، وقد اختلط عليه إدراكه بعقله البسيط، وما قرأه من فلسفة اليونانيين على نور اليقين والإيمان، ولذا تاه في منتصف الطريق، بعدما كان تلميذا نجيبا للأب بطرس الذي رسمه كاهناً، فخرج عليه وانضم إلى أشد خصومه وهو ميليتيوس، ولم يستطع الأب أرشيلاوس، خليفة الأب بطرس الأول، أن يقف في وجه أفكاره المغلوطة، ورغم أن الأب ألكسندروس نهى آريوس عن التحدث للناس بالهرطقات،  إلا أنه لم ينته.

كان إثناسيوس طيلة الوقت في معية الكسندروس العجوز، متمتعا بالبلاغة والفصاحة وسعة الاطلاع، وكلما سأل أحد المؤمنين عن أمر يحتاج لمزيد من الشرح، كان إلكسندروس يومئ إلى تلميذه كي يتحدث نيابة عنه، حتى أصبح بمثابة المتحدث الرسمي باسمه، في ذلك الوقت تعرف عليه رفائيل، وتحول غضب إثناسيوس منه إلى محبة له، إلا أن الوقت لم يسمح لصحبتهما أن تتسع وتتعمق، فقد انشغال رفائيل بدراسته فيالميوزيوم، وسرعان ما ترك الأسكندرية وعاد إلى الدير، ولم يكد تستقر أحواله فيه حتى وجد نفسه من جديد أمام أثناسيوس، هذا الذي قطع كل هذه المسافات كي يدعوه أن يكون رفيقاله في رحلته، فقد قرر  البابا ألكسندروس أن يعقد مجمعا لمراجعة أريوس في أفكاره.

***********

4

رسائل أوريجانوس

ـ 6ـ

غادرت الاسكندرية مرغماً، أو بالأحرى فررت بجلدي من أمام جنود كلاركلا الذين هاموا على وجوههم باحثين عن كل من يعرف القراءة والكتابة، فتحولت الأسكندرية على أيديهم إلى حرائق وأشلاء وجثث، حتى أن روائح الدخان والنتن كانت تفوح من كل مكان فيها، ولم يكن أمامي سوى أن أحمل في يدي ما استطعت حمله والفرار ليلاً، ودعت أمي وإخوتي وتركت رسالة لديمتريوس أنني سأذهب إلى أورشاليم.

على أطراف الأسكندرية من جهة الشرق اتفقت مع حمَّار على نقلي إلى الفرما، فظللنا نقطع المسافات سيرا طيلة الليل والنهار لمدة يومين، بعدها مكثت بالفرما حتى أستبين أمري، فقد خشيت أن يقبض الجنود على الحمار فيرشدهم على مكاني، أمضيت يومين آخرين في كوخ على مشارف البلدة، ثم بحثت عن دليل يأخذني إلى بيت لحم، فمكثت على ظهر جمل يومين آخرين، كانت الريح والرمل والشمس هما كل ما نعرف، فلا مكان نأتنس به ولا أناس نسترشد بهم، والخوف من الدليل البدوي يلازمني طيلة الوقت، فقد بدا عليه أنه ليس مسالما، والصحراء تغري بما هو سيء، وأنا لا أفهم نصف ما يقوله، لكنني أخذت أوافقه طيلة الوقت حتى وصلنا في النهاية، فضاعفت له الأجر كما طلب ورحت أتنعم برؤية الناس وتفاصيل المكان، فهاهنا ولد المسيح، ومن هنا حملته أمه وسارت بهإلى بلادي، وهنا تكلم ووعظ وتنبأ، أمضيت أسبوعين في المكان باحثا عن استرداد أنفاسي، وبعدها ذهبت إلى القدس، حيث أصحابي الذين تركت لديهم انطباعا جيداً عني آن مروري بهم، سواء في طريقي إلى روما أو إلى جزيرة العرب حيث جفنة ابن عمرو.

كانت المدينة أهدأ حالا من الأسكندرية، وكأن كلاركلا نسيها، أو أنها سقطت من دفاتره، التقيت بصديقي الكسندر الذي أصبح أسقفاعلى أورشليم، وصديقي ثيؤكتستوسالذي صار أسقفا على فلسطين، رحبا بي ترحيبا كبيراً، وأخذا يسألاني عن الأسكندرية وأحوالها،قلت أن الحرائق والسيوف التهمت أكثر من عشرين ألف نفس، ولم تترك مكانا دون أن تتصاعد منه رائحة الموت، تأسفا لم جري ويجري، ومكثت في ضيافتهما شهرا أو يزيد، لا أخرج من البيت الذي جهزاه لي، ولا أتحدث مع أحد خشية أن يكون من عيون الرومان، وعكفت على بعض الكتب التي أحضراها لأطلع عليها، حتى رأيتهما في يوم من الأيام يدخلان علي إثر نقاش وجدل حاد، فقد سألهما أحد المؤمنين عن العقل ووجوده، كان السؤال محيرا ولم تكن لديهما إجابة واضحة، ظلا يتناقشان حتى سألاني، فتأملت السؤالوتذكرت ما تعلمته في الميوزيوم على يد أمونيوس السكاس، وما كان يقوله عن الروح والليجوس، فقلت أن الله ألقي في بداية خلقه للكون بالعقل، ذلك الذي يعد الصورة المثالية لله الواحد، وهو في نفس الوقت كائن وفكر وفكرة وعالم مثالي، فهو كصورة يتوافق مع الواحد، لكنه كمشتق  يختلف عنه، فهو الفكر النقي نفسه، وهو العنصر الأكثر أهمية من الميثالية، لأنه الطاقة التي تحيل العالم المادي إلى قدرة على الإدراك الحسي.

حين توقفت عن الحديث ناظرا في وجهيهما لأعرف مدى فهمهما لما أقول، وجدت عيونا مفتوحة على الفراغ، حتى أنني هززت يدي أمامها مرتين كي يستفيقا مما ذهبا فيه، حين سألتهما إن كانت الفكرة وصلت أم لا، وجدت ثيؤكتستوس يباغتني بسؤاله:

ـ ما رأيك أن تجلس لتعظ المؤمنين هنا كما كنت تفعل في الأسكندرية؟

راقت الفكرة لي، ووجدتني أجلس في حجرة بمدخل كنيسة أورشاليم لأشرح للمؤمنين مبادئ الإيمان، لأنتقل إلى بعض أسفار الكتاب المقدس، ثم بعض المسائل اللاهوتية المتعلقة بالإيمان وكيفية الحفاظ عليه، وتنزيه الرب عن التعامل معه كما يفعل الوثنيون بأربابهم، بدا لي أن القدس كانت بحاجة إلى مدرسة كهذه، فهي مدينة الرب، لكنها خالية من مدرسة تعلم الناس الإيمان الصحيح، بدا أيضا أن الناس في قرارة أنفسهم كانوا يبحثون عن المدرسة ومعلمها الأول، ووجدتني هذا الرجل الذي دفعت يد كلاركلا بحرائقه وسيوف جنوده ليخالف ما كتبه عن مقاومة الاضطهاد بالاستشهاد، ويفر بجلده إلى القدس، كنت موقنا أنها مشيئة الرب، فجلست على وسادة بمواجهة الراغبين في الاستماع للوعظ الروحي حسبما قال لهم ثيؤكتستوس، فوجدت الرجل الذي سألهما بالأمس يقف في مكانه ليخبرني بسؤاله، فأجبته بما قلته للأكسندر و ثيؤكتستوس، وما أن انتهيت حتى وجدته يقول:

ـ فما الروح؟

ووجدتني من جديد أتذكر محاوراتنا مع السكاس، هذه التي كنت موقنا أنها من صحيح الإيمان، لأن السكاس كان مؤمنا بالمسيح، معظما للكنيسة، وقد رافقته في الذهاب إليها مرات، وسمعت منه ونحن في الطريق إليها، ومن ثم عدلت نفسي في مجلسي وقلت:

الروح هي الصورة وناتج العقل الساكن، ومن ثم فهي ليست مادية مثل العقل، وصلتها به كصلة العقل بالواجدان، وموقعها بين العقل والعالم الحسي، مخترقة ومنورة بالسابق، لكنها أيضا ملامسة باللاحق، ويمكن القول أن العقل هو الروح غير المجزئة، ويمكن لعالم الروح أن يحافظ على وحدته ويبقى في العقل، لكنه في نفس الوقت لديه القدرة على التوحد مع العالم الجسدي، ومن ثم قد يتفتت، والروح باعتبارها جوهراً مؤثراً، تولد العالم المادي أو العالم غير الظاهري، هذا العالم يجب أن يمتد من خلال الروح التي يجب أن تبقى أجزاؤها المختلفة في وئام تام، ومن ثم فلا بد لها أن تتقفى خطواتها للعودة إلى الخير الأسمى، ولا يكون هذا إلا بممارسة الفضيلةالتي تؤدي الفضائل الإلهية، أما الفضائل المدنية فهي مجرد تزيين للحياة دون رفع للروح. والكنيسة هي مكتب الفضائل المطهرة، حيث تتحرر الروح من الحسية، وتقاد عائدةَ إلى نفسها، ومن ثم إلى العقل عبر ممارسات الزهد والتقشف، حيث يصبح  الإنسان مرة أُخرى كائِنا روحيا دائم الوجود وخال من الخطيئة. ولا يكفي أن يخلو الفرد من الآثام فقط، بل عليه أن يسعى لأن يكون"إلإله"، أو متوحدا معه، وهذه المرحلة يتم التوصل إليها من خلال نهج وجداني يبدأ بتفكر الأشياء المادية في تعددها وتوافقها، ثم الإنكفاء على نفسها والعودة إلى أعماق كينونتها، ثم تصاعدها إلى العقل (حيث يقع عالم الأفكار)، وحيث مايزال صدى ضعيف يتردد قائلاً"نحن من صنعنا أنفسنا"، لكن في المرحلة الأخيرة من هذا المنهج الوجداني تنظر الروح في صمت ونسيان مطلق وبتوتر وتركيز شديد في كل شيء، موقنة بمقدرتها على خسران كل شيءمن أجل رؤية مؤسس الحياة ومصدر الوجود، لأنه أصل كل الأشياء وجذر الروح. في هذه اللحظة تستمتع بأعلى النعم غير القابلة للوصف، مغتسلة في ضوء الألوهية والاتحاد مع الله.

ما إن أنهيت حديثي الذي لم أدر كيف طال، فقد كان من المفترض أن أرد باكلمندسين على سؤال لا يخص المبتدئين، لكنني وجدتني أتدفق كنهر جار من أعلى إلى أسفل، ووجدت محدثي يغوص بين أقرانه، بينما صوتي ينتظم ويتوالي، وإشاراتي تتضح وتزيد، فكان الصمت حليفهم والتجلي حليفي، ولم أنتبه إلى وجود صديقي ألكسندر وثيؤكتستوس إلا بعدما انتهيت من الكلام، فقد وقفا أمام الناس بفخر متحدثين عن الساحر الذي ساقته يد الله للقدس كي يقدم فيوضاته عن الروح والعقل والله والفضائل ودائرة الوجود كله، معلنين أنني من اليوم سأستمر في إلقاء عظاتي على كل من يريد.

شعرت أنني وجدت نفسي، وكلما زاد عدد الوافدين لسماعي كلما زدات رغبتي في الحديث، وتجلت قدرتي على التخيل والاستنتاج والتفكير في مسائل أكثر تعقيدا في أمور الإيمان، وظل الأمر على هذا النحو عدة شهور قبل أن تجيء رسالة غاضبة من ديمتريوس، فكيف يحق لي أن أجلس لأعظ أمام أساقفة القدس دون إذن منه.

 لم أشعر بإهانة في حياتي قدر ما شعرت حين قرأت رسالته، فقد تحدث عني كما لو أني عبد يمتلكه، ولا ينبغي لي التصرف في أمر من شئوني إلا بإذن منه، ألقيت الرسالة غاضبا ورافضا كل حرف بها، لكن صديقي رفضا أن يكون ثمة خلاف بيني وبين بطريرك الأسكندرية بسببهما، فأرسلا يعتذران عما حدث، موضحان أنهما لم يريدا غير الخير للجميع، وأنهما أوقفا دروسي للموعوظين منذ وصلتهماالرسالة، لكنه أرسل في طلبي، ولم يكن أمام الرجلين سوى أن يظلا يحثانني على الذهاب، فأي تأخير سيفهم أنه من قبلهما، وحرصا على ألا تقع الفتنة بين أسقفية الأسكندرية والقدس، فقد جمعت أشيائي وامتطيت ظهر بغل في صحبة راهبين من القدس، وأخذنا نقطع المسافات متجهين إلى الأسكندرية، لأجد ديمتريوس يستقبلني بترحاب لا حدود له، موضحا أنه لم يقصد إهانتي قط، لكنه حسب الأعراف والقوانين الكنسية فإنه لا يجوز لرجل غير الكاهن أن يعظ في حضور الأسقف، وأن غضبه كان من صديقاي لأنهما لم يراعيا أصول وأعراف الكنيسة التي تربيا وتعلما في أروقتها الداخلية.

******

5

شعرت دميانة أن يدا امتدت لتلتقطها من الحفرة التي سقطت فيها، حين خرجت من مكانها لم تجد أحداً، حتى الرهبان الذين كانوا يطاردونها رأتهم أشباحا تفر في البعيد نحو الباص، كان المكان قفرا والريح تصفر فيه من حولها، نظرت نحو السماء واستحضرت شجاعتها لتخاطب الرب، كانت توقن أنه في الأعالي يسمع ويري، ولابد أنه الذي أوقف الرهبان عن مطاردتها، وربما هو الذي مد يده ليخرجها من حفرتها، شعرت أن دمعة تنزل على خدها وهي تسأله:

ـ لماذا؟

كان سؤالها واضحا ومباشرا، ولم تكن لدى السماء أجوبة بوضوحه في ذلك الوقت، فظلا كلاهما ينظران تجاه بعضهما في صمت، هي بدورها انشغلت بأضواء النجوم التي تلألأت فجأة، والسماء أخذت في تغيير مصابيحها، من بين الوهج الذي اختطف عيني دميانة ظهر لها راع يسير خلف أغنامه، كان المشهد بالنسبة لها مدهشاً، حين لمحته على البعد شعرت أن السماء تفاعلت مع شكواها، فاندفعت نحو الراعي وأغنامه كسهم انطلق من قناته، كان القمر مضيئا بما يكفي لأن يراها القادم من بعيد، والأغنام تسير تجاهها مسرعة كما لو أنها تتشمم رائحتها، بينما الراعي الطويل القامة يضع عصاه على كتفه ويغني كما لو أنه يهتف في الشياطين بالابتعاد عن أغنامه، هرولت دميانة نحوه هاتفة بالنجدة، غير أنها في منتصف المسافة توقفت عن سعيها، فماذا لو أن الرهبان قد عادوا، لكنها تحت وطأة البرد والخوف وأصوات الضواري رفعت وجهها للسماء، وأسلمت أمرها للرب، ثم أكملت طريقها مسرعة نحو القادم بأضوائه المبهرة.

حين سمع الراعي صوتها أوقف شياهه وأسرع لإغاثتها، سألها عما بها ومن أين أتت لكنها لم تجبه، فقد أذهلتها المفاجأة، كيف أتي أنطونيوس إلى هذا المكان في ذلك الوقت من الليل، ومن أين بهذه الملابس وتلك الأغنام، كادت أن تصرخ باسمه لكن دوارا أصابها وسقطت في مكانها، حين انتبهت وجدت نفسها في سيارة وسائق يحاول أن يحادثها، أسئلة تلاحق أسئلة، وكلمات لا تفهمها تعبر على أذنها، ما بين الحيرة والسخرية كان السائق يلتفت نحوها ويتحدث راجيا أن تخبره بشيء، لكنها ظلت كامنة في كرسيها الخلفي لا تنطق بشيء، موشكة على الصراخ في وجهه، ودموع تنهمر من عينيها، فكل ما سيطر عليها أنها الآن تكمل الطريق الذي بدأه الرهبان، وربما عما قليل ستلتقي بهم، وظلت طلة الطريق تستيقظ بنصف وعي لتنتبه إلى بعض كلماته دون القدرة على الرد، ثم سرعان ما تتوه وتفقد وعيها من جديد.

ـ من أنت؟

هكذا رفعت دميانة وجهها، وضيقت عينيها سائلة بخوف واضح، لكن السيدة التي حملت في يدها كوب ماء من الصاج اقتربت من سريرها مبتسمة:

ـ أنا أسماء يا حبيبتي.

قالتها ودمعة تكاد أن تفر من عينها شفقة على الفتاة التي هبطت فجأة عليهم، لتصبح أمانة في عنقها هي وزوجها، تركتها في مكانها دون أن تتجاوب مع كلماتها، واستدارت بوجهها لتنظرنحو الفرن القديم والبط السارح في فناء البيت وصورة الخط العربي المعلقة على جانب من الجدار، بحثت بعينها عن الراعي الذي أنقذها من الضواري في الصحراء، وتذكرت أنه كان أنطونيوس، فأخذت تردد اسمه كما لو أنها تطلق تعويذة في وجه الشيطان، حينها انتبهت السيدة التي في الثلاثين من عمرها إلى أن ضيفتها تتحدث.

ـ أخيرا تحدثت.

لكن دميانة لم تنتبه لسؤالها، واستدارت برأسها من جديد لتستكشف المكان، وتقوفت بعينها أمام الآية المرسومة بخط كوفي يحيطها إطار معدني معلقا على الثلث الأخير من الجدار، وبرق في ذهنها أنها في آخر مكان يمكن أن تتوقع وجودها فيه، فصرخت فزعة تتلفت على أنطونيوس، مرددة اسمه كما لو أنها تتشبث بالحياة من خلاله، انحنت أسماء من جديد لتهدهد عليها، وتطرد شياطينها بقراءة الفاتحة والمعوذتين على رأسها، وسرعان هدأت دميانة، وسكنت في فراشها، فاحضرت لها أسماء كوب الماء من جديد وهي تبتسم:

ـ حمد الله على السلامة.

كانت دميانة بحاجة إلى الماء بالفعل، قبضت على الكوب ورفعته على فمها، لكنها سرعان ما تراجعت سائلة:

ـ أنتم مسلمين؟

ند السؤال عنها فجأة كحجر أطلقته في وجه أسماء:

ـ الحمد لله.

ـ فين أنطونيوس؟.

لاحقتها دميانة بالسؤال، وظهر على أسماء ملامح الشك في جنونها:

ـ أنطونيوس مين؟!.

كانت دميانة تتوقع أن تجيبها بأن أنطونيوس في الخارج، وتروي لها كيف أتى بها إلى هنا، وكيف انتصر على الضواري في الصحراء، وقتل الرهبان الأشرار، لكنها تشكك فيما تحلم بالوصول إليه، فكل ما حولها غريب عليها، وهي لا تتذكر شيئا عما حدث، وكلما أجهدت ذهنها محاولة الوصول إلى أبعد من صورة الرهبان وهم يلقونها في الحفرة فإنها تعجز وتشعر بالدوار، فكيف وصل بها الحال لأن تنام في بيت ريفية مسلمة؟.

بدا على أسماء أنها فهمت ما يدور في ذهن دميانة، فمدت يدها نحوها من جديد بكوب الماءقائلة:

ـ لا أعرف أنطونيوس ولا غيره.

وكان عليها أن تخبرها للمرة العاشرة أن زوجها رضا وجدها منذ أسبوع أمام البيت، كان في طريقه للعمل، حين فتح الباب وجد فتاة بملابس المدينة مغمى عليها، حاول أن يكلمها لكنها لم ترد، في البدء تصور أنها مقتولة، نادى على زوجته لتعرف إن كانت بها الروح أم لا، حين أتته أسماء فعلت كما يفعلون في الأفلام، حاوت جس نبضها من يدها، ثم وضعت أذنها على صدرها، في ذلك الوقت استفاقت دميانة ونظرت إليها بعينين مجهدتين، لكنها لم تتحدث، حاولا استفسارها عن اسمها أو أي شيء يدل عليها لكنها بدت مصابة بالخرس، وسرعان ما فقدت الوعي من جديد، في ذلك الوقت ظهر أحد الجيران واستطلع ما جرى، تطوع بأن يوقظ الطبيب ويحضره من بيته، ثم عاون رضا وأسماء على إدخال الغريبة إلى بيتهما، فوضعاها على كنبة بوسط الدار.

حين حضر الطبيب كانت القرية كلها قد علمت بأمر الغريبة التي وجدت بين الحياة والموت أمام دار رضا وأسماء، وظل الكل منشغلا بغرابة الأمر، متعاطفا مع الفتاة التي دلت ملابسها وهيئتها على أنها ليست من الصعيد، وكتب الطبيب ورقة بعدد من الأدوية والإسعافات المطلوبة، ولم يتركها إلا بعدما سرى الجليكوز في أوردتها، بعدما خرج الطبيب ذهبت السكرة وأتت الفكرة، فقد تشاغل من حضر من الجيران بالصليب الذي لمحوه على رسغها، وبدأت التساؤلات حول ما إذا كان يجوز لمسلم أن يؤوي مسيحية في بيته؟ وقرر البعض أن يذهب ليبلغ النصارى الذي في الجانب الآخر من القرية أن يأتوا لرؤيتها، فربما أتت من أجلهم وضلت الطريق، ولم يكن عدد النصارى في القرية كبير، فهم أربعة أو خمس بيوت متجاورة، وغالبا جميعهم أقارب، حين ذهب إليهم أهل القرية نهض معهم رجلان وامرأة للتعرف على الغريبة، لكن المرأة نظرت إلى الصليب الموشوم على رسغ دميانة وقالت أنها ليست على مذهبهم، ومجيئها معهم سيحدث مشكلة لا يرغبون في وقوعها، ثم نهضوا عائدين إلى بيوتهم، وأصبح على رضا وزوجته أن يتقبلوا بقاءها معهم إلى أن تشفى أو يظهر أي من أقاربها ليأخذها.

تعاون أهل القرية في رعايتها وتوفير علاجها، لكن أحدا منهم لم يستطع التعرف على من تكون ولا من أين أتت، وظل الأمر لغز حتى أتى لرؤيتها حسنين الجرف صاحب السيارة "دوبل كبينة"، التي يذهب بها كل أسبوع مرتين إلى السويس لتخليص أوراق جمركية للشركة التي يعمل بها، فما أن سمع في اليوم الثالث أنرضا زوجته أسماء وجدا أول أمس فتاة من المدينة أمام بيتهما فاقدة الوعي، حتى بدأ يسأل عن ملامحها وملابسها، وفي النهاية قرر أن يقطع الشك باليقين ويذهب لرؤيتها بنفسه.

كانت دميانة في حالة دوار دائم، ما إن تنهض من نومهاحتى تبحث عن وسادة لتلقي برأسها عليها، ولا تملك أسماء كل عدة ساعات إلا أن تناولها بعضا من الطعام رغما عنها، دون أن تعرف من هي ولا من أين، فدائما ما تهذي مع نفسيها وكأنها ترى خيالات وشخوص تحدثهم، وإذا سألتها عن شيء فإنها تتوه ولا تستطع الاجابة، حاولت أسماء أن تستمع لما تهذي به ربما تعثر على اسم تعرفه لكنها جميعاً كانت أسماء كتريزا ويوساب والمنحني وملاك وغيرها من الأسماء الفردية التي لا تدل على شيء، مما جعلها تفقد الأمل في معرفة من هي ولم أتت، ولم تعرف كيف يمكنها تتخلص من غريبة حطت أمام بيتها في صباح باكر، فاستسلمت في النهاية لفعل الخير مع من تعرف ومن لا تعرف، حتى جاءها حسنين مستأذنا في رؤية الغريبة التي لديهم.

 حين رآها علم أنها الفتاة التي قطعت عليه الطريق وهو مسرع في طريق الرهبان، كان الوقت قد تأخر عليه في السويس، ولم يكن سواه على الطريق، فأشعل الأضواء العالية لسيارته، وأعطى أذنيه لكوكب الشرق وهي تغني "في ليلة من الف ليلة وليلة"، حين لمحها وسط الضباب الخفيف مسرعة لتقطع عليه طريقه، فضغط على كابح السرعة بقدر ما يستطيع، حتى أن العجل أصدر صوت احتكاك بالأسفلت لا حدود له، وشك أنه صدمها حين اختفت من أمامه، فنزل وأعصابه كلها ترتجب ليجدها مكومة أمام العجلات دون قطرة دوم واحدة، حتى دون أثر للاصطدام بها، كان بخار الماء يتصاعد من أنفاسها اللاهثة بشكل متوال، بينما تقول بوهن شديد:

ـ خذني معك.

حاول أن يفهم منها أكثر من ذلك دون جدوى، نظر حوله بحثا عمن يطاردها فلم يجد غير صوت الذئاب والكلاب النابحة على بعد، ساعدها على الركوب في الكبينة الخلفية، وعاد يقطع الصحراء الصامتة من حوله مرتجفا من هول المفاجأة، أغلق صوت أم كلثوم وأخذ يسأل دميانة عن طريقها لكنها لم تجبه بشيء، فقد استسلمت للنوم،ولم تستيقظ إلا بعدما وقف حسنين في موقف السيارات الذاهبة إلى أسيوط، أيقظها موضحا أنه لابد أن يذهب إلى بيته، وأنها يمكنها أن تكمل طريقها إلى أسيوط في سيارة أجرة.

كان النهار قد بدأ يلقي بمصابيحه على الأرض، فخفت أقدام الذاهبين إلى أعمالهم خارج القرية، لكن شيئاً ما أشعرها بالخوف، بينما أخذت الدنيا تتأرجح من حولها، فتسحبت بخطواتها، لكنها كلما سارت كانت البيوت تبتعد وخوفها يزداد، فظلت تمشي حتى لم تعد أقدامها قادرة على السير، وشعرت أن العالم كله يغوص من حولها، فركنت بجسدها على حائط ملتمسة منه المساعدة، لكنه سرعان ما مال بعها وفقدت وعيها، ولم تستيقظ إلا على صور أشباح يحادثونها، ثم يدخلونها لدفء بيتهم، وسرعان ما علقوا عليها محاليل وأدوية.

أكد حسنين أنها هي نفس الفتاة التي القت بنفسها في طريق سيارته، لكنه لا يعرف من أين أتت، ولا إلى أين كانت تتجه.

******

6

كان ظهور اللبؤة وأشبالها معجزة بالنسبة للرهبان، فقد خرجوا متصايحين بظهور أسد في كنيسة الملاح، وسرعان ما عدَّل من يعرفون تاريخ الدير كلماتهم بظهور اللبؤة وأشبالها، وربط بعضهم بين هذه المعجزة وبين أنطونيوس باخوميوس، فمنهم من رأى أنها أتت لتحميهمن يوساب ورهبانه، ومنهم من قال أنها خرجت لتنتقم منه لقتله أستاذه، وعزز هذا الرأي الاختفاء أنطونيوس.

أخذ صوت يوساب ورهبانه يتعالى وهم يقتربون من الباب الفاصل بين المقبرة والمذبح، بينما أخذ قلب أنطونيوس يتقافز في صدره من الخوف، لكن حرصه على الحياة جعله يتخطى قبري الملاح ولبؤته متراجعا إلى الداخل في الظلام، حينهاشعر أن جدران المغارة أخذت تهتز كما لو أنها تنتفض لأجله، ورأى اللبوة وأشبالها ينسلون خارجين من مقبرتهم واحدا إثر الآخر، متجهين الى الباب الذي واربه أحدهم محدقاً في الظلام بحثا عن أنطونيوس، بينما يوساب يصرخ فيه أن يدخل خلفه، فإذ باللبؤة  تطل عليهم برأسها كقطة تقف في المغارة، وبرشاقة بالغة انسابت من الباب القصير لتقف بينهم، وقبل أن تكشف عن أنيابها كان الرهبان الممتلئين بالفزع قد تدحرجوا إلى الخلف، وسرعان ما تقافزوا من المذبح إلى صحن الكنيسة، غير منتبهين إلى يوساب تعثر في الأرض وسقط تحت أقدامهم، غير منتبهين لصرخاتهم بأن يتوقفوا أو يبتعدوا عنه، لأنهم لم يسمعوها من الأصل، ولم ينتبهوا إلا لأن ينجوا بحياتهم، بعدما خرجوا من الكنيسة وقفوا يطمئنون على أنفسهم، متسائلين عمن غاب ومن حضر، فاكتشفوا أن يوساب هو الوحيد الغائب، وأنه الذي عبروا بأقدامهم من على جسده.

كانت هذه واحدة من المرات القليلة التي ظهر فيها جورج المنحني بعد توليه رئاسة الدير، فقد هرع بعض الرهبان لقلايته طالبين منه النجدة، وما أن سمع بكلامهم حتى نهض من مجلسه متجهاً معهم إلى كنيسة الملاح، كان الكل يقف على الباب رافضا الدخول، وحده المنحني هو الذي رسم بالصليب الذي في يده ثلاثاً ثم دفع بالباب إلى الداخل، وبقليل من صبر العجائز ووهنهم وجد نفسه بين صفي الكراسي، بينما يوساب نائما على الأرض، غير قادر على الحركة أو الكلام، حين رأى المنحني رفع يده متوسلا أن يخرجه من المكان، فأشار للرهبان أن ينقلوه إلى قلايته، ويسقوه شيئاً يرد إليه روحه.

 بدا على المنحني في ذلك الوقت أنه يعرف ما لا يعرفه الكثيرون، فالتزم الصمت واكتفى بالسير على خطى الرهبان إلى قلاية يوساب، وما أن وصل إلى هناك حتى طلب من الجميع تركه وحده برفقة صديقه، وبعد فترة من الوقت خرج بوجه تملؤه سحابة من الظلام،آمراً الأب مينا المسئول عن أمن الدير بعد يوساب ألا يصعد أحد إلى الهضبة إلا بمعرفته.

أغلق المنحني قلايته على نفسه ولم يخرج إلا في صباح اليوم التالي، حيث ألقي عظة في كنيسة ديمتريوس، مطالباً الجميع بالانتباه لأعمالهم كي يرشدهم الرب إلى الصواب، ويمنع عنهم تمثل الشرير فيما يعتقدون، مؤكدا أن الشيطان يوهم أصحابه أنهم قريبون من الرب، وهو يأخذهم إلى الجحيم، في النهاية أمر الجميع بعدم الحديث في شيء سوى الصلاة من أجل باخوميوس الحبيب.

 بعدها أصطحب ثلاثة من الرهبان القدامى ليتفقد كنيسة الملاح، كان همه إحصاء الأضرار التي وقعت بالمكان، نظر إلى صفوف الكراسي والممشي المدرج الواصل حتى الهيكل، حيث يلقي عظة الأحد، كان ينظر بعينين جاحظتين إلى آثار الأقدام المتسخة التي هرولت في المكان، ويشير إلى مساند المقاعد التي تهشمت من الاصطدام بها، استدار لينظر في المذبح، لم يجد ما يستحق عناء البحث، وحده الباب الفاصل بين المذبح والمقبرة، كان مفتوحاً، ووضحت معالم تهشيمه على الخشب القديم، كانت حية ونابضة كما لو أنها تصرخ فيه أن يذهب إليها،وضع يديه على الخشبب الأبيض حديث الكسر، أخذ نسيلة منه ووضعها أمام عينه كما لو أنه يحسب عمر بقائها على قيد الحياة، ثم همهم بكلمة لم يسمعها سواه، وألقى بالنسيلة إلى الأرض، دافعاً برأسه إلى الداخل حيث مقبرة الملاح ولبؤته، كان الظلام يغلف كل شيء، ووصلت إلى أنفه رائحة رطوبة هواء قديم، وللحظة فكر في أن يرفع قدمه ويعبر عتبة الباب لكنه شعر أن قوته ستخذله، وأن القلب لم يعد لديه طاقة لاحتمال مزيدا من المفاجآت، فأغلق الباب وعاد بظهره إلى الخلف معطياً أوامره بغلق الكنيسة لحين إصلاح ما تهشم بها، ثم توجه من فوره إلى يوساب في قلايته، ليخرج من عنده طالبا من الأب مينا أن يشدد الحراسة على أسوار الدير، وبدء الاستعداد لمراسم جنازة الأب باخوميوس.

لم يعرف مينا بما يرد على المنحني، فقد وجدوا باخوميوس معلقاً من عنقه في حبل بوسط قلايته، وهو ما يستدعي إبلاغ الشرطة عن جريمة انتحار إن لم تكن قتلاً، حين قال ذلك للمنحني تغير وجه الأخير، ونظر نحو السماء كما لو أنه يلتمس المعونة من الرب في المصائب التي توالت عليه، وفي النهاية هز رأسه:

ـ وتدخل الشرطة لتعيث في المكان، ويفقد الدير قداسة طالما انتظرها في عهد إيمانويل الفقير؟

شعر مينا باتساع المسافة بين ما يقوله وما يراه المنحني، فلو علمت الشرطة بالأمر ستجيء للتحقيق في جريمة قد تفقد الدير هيبته، وبدا للحظات أنه لم يعد يعرف الخطأ من الصواب، فطرق المنحني على كتفه:

ـ يا بني .. هذه محنة... وعلينا أن نحسن التصرف.

هز مينا رأسه مبديا تفهمه الأمر، فابتسم المنحني بوهن قائلا:

ـ باخوميوس كان مسناً وذو قلب ضعيف. دعنا نخبرهم بذلك.

من جديد هز مينا رأسه مأمناً على ما قاله رئيسه، هذا الذي سرعان ما غير نغمة صوته متسائلاً:

ـ كيف لم تقبض على أنطونيوس؟!

حملت صيغة السؤال لوما لمسئول الأمن، فقد شغل نفسه بالمقتول وترك القاتليتحرك في جنبات الدير بحثا عن جريمة أخرى، ازدرد مينا ريقه طالبا المعذرة، فتركه المنحني واتجهإلى قلايته، كان يمشي بانحنائة ظهر تجعله يبدو كرسالة تنطوي على نفسها، كانت خطواته وئيدة على التراب والحصي، بينما الشمس تضرب أشعتها في الصخر لتنعكس على وجهه المترهل، فيلتقط أنفاسه بصعوبة وهو يطعن بعصاه في وجه الأرض، بينما صليبه يتدلى من عنقه متأرجحاً على صدره مثلما كان باخوميوس يتأرجح مشنوقا في قلايته.

لم يستطع أنطونيوس أن يتخيل خروج اللبؤة وأشبالها من قبرهم، فشعر أن الدنيا تدور به، وسرعان ما سقط مغشيا عليه، فلم ينتبه إلا على دخول المنحني ورهبانه صحن الكنيسة في اليوم الثاني،حينها شعر أن تياراً بارداً من الهواء يتدفق تجاهه، وجعلته أصوات الداخلين ينتفض من نومه باحثاً عن مكان يختفي فيه، كانت الصوات ماتزال في صحن الكنيسة، فكتم  أنفاسه مبتهلا إلى الرب ألا يفكروا في الدخول لقبر الملاح، لكنه كلما شعر بخطواتهم تقترب كان يتراجع بظهره، متلمساً بيديه جدران الكهف في الظلام، تلك الجدران التي أخذت تنحني على جسده الطويل حتى جلس، ظن أنها هذه نهاية حدود المغارة، لكن تدفق الهواء البارد جعله يعتقد أن أن ثمة بقية من فراغ يمكنه أن يطوي جسده فيها بعيداً عن العيون، فنزل إلى الأرض وتراجع بمؤخرته زاحفا إلى الخلف، أدهشه أن المسافة التي زحفها كانت أطول مما توقع، فقددفع بنفسه عدة أمتار في ممر طويل انتهى بحجر، في البدء اعتقد أنه هذه هي النهاية، فكمن بها منتظرا أن يخرج من بالكنيسة، لكن تيار الهواء ظل يتسرب من خلفه، وأدرك أن ثمة خلاء خلف الحجر الذي وراءه، بحث بقدمه عن المكان الذي يتسرب منه الهواء فشعر أن الحجر غير مستقر، فتمتم باسم المسيح والملاح وضرب الحجر بقدمه فسقط، وتدفق مزيدا من الهواء المشمول بعض النور إلى الممر.

 في البدء ارتعد من فكرة السقوط في هاوية ما، فأخذ يتحسس بقدمه أبعاد الفراغ، وأخذ يدفع بنفسه للخلف قليلاً قليلاً، حتى شعر أن ظهره يكاد يلامس الصخر وهو يعبر خارج الممر، حين اكتمل خروجه وجد نفسه في مغارة جديدة بابها على البحر، وأن ما زحف فيه ليس أكثر من ممر يربط بينها وبين مغارة الملاح،  فاستدار بوجهه إلى الباب المضيء، بدا له أن العالم يولد أمامه من جديد، فلم تستطع عينه احتمال الضوء الصارخ ، وتهادت إلى أذنه أمواج ناعمة لبحر يكاد أن يكون زاهداً في كل شيء، لم يكد يصدق أنه أصبح في الجانب الآخر من العالم، وأن الجبل الذي ظل الجميع لقرون طويلة يعتقد أنه السد المانع بينهم وبين البحر يخبئ في باطنه أقرب وأقصر الطرق إلى البحر.

أيقن أنطونيوس في تلك اللحظة أن المسيح راض عنه، أيقن أيضا أن هذا المكان وصل إليه أناس غيره، فلا شيء يحول بينه وبين مغارة الملاح سوى ممر وحجر غير مثبت في مكانه، شكر الربعلى عطيته وجلس يلتقط أنفاسه من الخوف والتعب، جال بعينه في المكان فوجده أشبه بقبو كبير يطل على البحر، دقق بعينيه في الجانب المظلم منه فرأى عدة صناديق من الخشب، عالج أحدها بيديها فوجده ممتلئا بمخطوطات كتب قديمة، بعضها كان باليونانية وبعضها باللاتينية والديموطيقية، مخطوطات تعود إلى أزمنة بعيدة، ربما إلى بداية الدير أو المسيحية نفسها، صناديق تحتاج إلى أزمنة لترجمتها ومعرفة ما فيها. .

حين طرق أنطونيوس بابي كدت أموت في جلدي من الرعب، فقد مضت ثلاثة أيام لا أحد يسمع فيها بشيء عنه، فتش الرهبان في كل مكان، ونظر جورج المنحني بنفسه في ظلام قبر الملاح ولبؤته، وخرج ومن معه من الكنيسة مؤكدين أن المكان كما هو من مئات السنين، كان غياب أنطونيوس قد أصبح الشغل الشاغل لكل من في الدير، فهو العلامة الوحيدة على المعجزة التي حدثت أمامهم، حيث قامت اللبؤة من موتها وخرجت تطارد الجميع، كان الكل يتحدث في ذلك همساً بعدما حرم المنحني الخوض فيه، وهدد بعض المقربين منه بالشلح إن عادوا ليهرطقوا بهذه الأحاديث من جديد، كان المنحني قد تحول إلى عجوز عنيد  لا يكل من الحركة، مؤكدا على مينا ضرورة انتباه الرهبان في حراستهم للمكان، وألا يخرج أحد أو يدخل إلا بإذن منه، حتى لو كان من الرعاة أو الفلاحين بأرض الدير، فأنطونيوس مجرم ولابد من القبض عليه، حتى وإن تجنبنا إدخال الشرطة في أمرنا.

كانت الأيام الثلاث قد شهد إعداد جثمان الأب باخوميوس للدفن، إذ أرسل المنحني إلى الإبرشية في أسيوط، مثلما أرسل إلى رؤساء الأديرة التي في الشرق والجنوب، مخبراً الجميع أن باخوميوس الحبيب قد صعد إلى الأمجاد السماوية بعد عمر طويل من الصبر على الآلالم لأجل المسيح، وأن بركاته تتنزل على الدير وأهله، وأن من يمر على مقربة من هضبة الملاح سيشعر بنسائم روحه الطاهرة في المكان.

كان ذلك بمثابة انتصار للحكمة من قبل جورج الذي ترك يوساب حبيسا في قلايته، وأخذ يراجع كل تفصيلة من تفاصيل تهيئة المتنيح للدفن، مؤكداً على ضرورة تأمين الدير وعدم الحديث في أمر القس الهارب، كي لا يصل إلى آذان أحد أن الأب باخوميوس مات متأرجحا من عنقه في سقف غرفته، فقام مينا بفتح قلاية باخوميوس لتهويتها،وكي يقرأ فيها الرهبان على جسده المسجى، وتهيئة الجثمان قبل نقله إلى كنيسة الأدب ديميتريوس، تلك التي يمكنها أن تتسع للاستقبال الضيوف القادمين من الأبرشية والأديرة المحيطة، فضلا عن أنها ليس بها ما يستدعي الترميم وإثارة أسئلة عن أمور لا ينبغي الحديث فيها.

ظل الدير بمثابة ترنيمة صلاة طويلة على مدار الأيام الثلاث، فلأمر ما كان كل من في الدير قد أصبح حريصا على نظافته الشخصية، ومظهره العام، وسلوكه أمام الجميع، كان الكل يشعر أن الدير قد عادت إليه روحه المبهجة في زمن الأب إيمانويل، حيث الضيوف القادمين والذاهبين، وحيث الإحساس بالقداسة التي تشمل كل شيء، روح من البهجة كانت تعم المكان، وكان الجميع موقنا أن هذه البهجة الجديدة تخص الأب باخوميوس، رفيق إيمانويل الطيب في رحلة الحياة، وأول اللاحقين به من أهل المكان.

لم يفكر أحد طيلة المشهد الجنائزي العظيم في شأن أنطونيوس، وبدا أن أحدا لا يريد ان يقلق نفسه بالفكير فيه، ربما لأن أحدا لم يرد أن يذكر نفسه أن باخوميوس الحباكقد مات قتيلاً، فقد منحه الجميع قداسة الشهادة دون الدخول في تفاصيل، وبدا أن اللقب الذي توقف حضوره منذ أزمنة الاضطهاد القديمة كان مفصلاً من أجل باخوميوس وحده، وقف جورج المنحني بين ممثلي الكرازة والأبرشية ورؤساء الأديرة يلقي عظة القداس أمامهم،  مانحاً خلالها ألد خصومه لقب الشهادة ، مؤكدا أن الديراحتضن على مدار تاريخه كثيراً من الآباء المقدسين، وأن عطر هذه القداسة لم ينمح يوما من دير جبرائيل الملاح، وأن لبؤته وأشبالها مازالوا قائمين على حماية الدير وأهله، وحراسة نفوس المقيمين فيه من شرور الشرير، وأن باخوميوس الحبيب كان واحداً من نفحات القداسة على أرض هذا المكان.

كانت عظة تأثر بها الجميع، وبكوا خلالها من أجل باخوميوس، ثم حملوا جثمانه وساروا بتابوته حتى نزلوا به إلى السفح، حيث المقابر التي اعتاد الدير أن ينزل إليها جثامين موتاه، فوضعوه هناكوعادوا ليقرأوا الأناجيل من أجله، ومطلقين أجراس الكنيسة حزنا عليه.

 وجدت أنطونيوس أمامي بطوله الفارع يطلب مني الدخول، واستغرق الأمر لحظات كي أنتبهأنه  ليس شبحاً، وأنه لم يمت، أخبرته بما جرى في تلك الأيام الثلاث، وحكي لي كيف انقذته اللبؤة وأشبالها من الموت، وكيف شفع الملاح لندائه وخوفه، حكي لي عما اكتشفه في المغارة التي على البحر، والكتب التي جلس طيلة تلك الايام يطالع ما فيها، هازئاً من مخزن الكتب الذي جاهدت زمنا كي أجعله مكتبة لا يعترف بها أحد، كان يضحك بفزع قائلا أن أسرار الأجداد جميعاً في تلك المغارة الخلفية، تلك التي تجمع أعمالالقديسين إلى جانب تعاليم المهرطقين.

*******

7

اعتاد الطبيب المرور يوميا لرؤية مريضته، واعتاد العمدة وبعض مشايخ القرية المرور أيضا على بيت رضا وأسماء، بعضهم كان يترك ما تيسر من مال لمساعدة الرجل، وبعضهم كان يذهب ليتفقد الأحوال ويعرف الأخبار، لكن أغلبهم كان يتساءل عن جواز إنفاق المسلم على نصرانية من ماله، وحين بلغ السؤال أذن العمدة أمر رضا على الفور أن يغلق بابه ولا يفتحه إلا للضرورة:

ـ الناس لا يأتي منها إلا التعب.

هكذا همس في أذنه مفسرا الأمر. فأغلق رضا بابه وأسلم أمره لله.

كان وراء هذه التساؤلاتبعض المشايخ الذين عادوا من الخليج تاركين اللحى وحافين الشارب، وقف العمدة  يذكرهم بتقوى الله باحثاً في ذاكرته عن الآيات التي تعضد موقفه، ولما لم تسعفه ذاكرته تلجلج وتبلبل عقله وشعر أن موقفه ضعيف، بينما تكاثرت الذقون والجلابيب القصيرة عليه كنمل تكاثر على قطعة خبز، اتهموه بأنه جاهل لا يفقه في شرع الله، وبدا الأمر بالنسبة له صفعة لا يمكنه السكوت عليها، جحظت عيناه واحمر وجهه وأخذ يسمعهم ما يقدر عليه من شتائم،فانفضوا من حوله تاركينه يكلم الهواء، دون أن يعرف ما الذي يمكنه فعله، فكل ما يحتكم عليه هو سبعة من الخفر الموزعين في جنبات القرية ليلاً تحت مسمى حراسة الأمن، وهم غير قادرين على حراسة أنفسهم أو حتى حماية بنادقهم، ملأ صدره بالهواء الفاسد وزفره أمامه بقوة كمن يطفي حريقاً يكاد أن يلتهم كل شيء، وأسرع إلى التليفون الحكومي النائم على المكتب ضاغطاً على عدة أزرار، وبعد عدة محاولات جاءته الإجابة من عامل التحويلة، وبعد دقائق رد عليه ضابط برتبة ملازم، شرح له الأمر مرة واثنتين، ووعده الضابط أنه سيبلغ المأمور.

مضى يومان قبل أن يضطر العمدة لمعاودة الاتصال طالباً النجدة، فقد قرر السلفيونتزويج الفتاة، وذلك منعاً لاختلاط الزيت بالنار في بيت رضا، وحين حاول الأخير أن يسأل عن المقصود بالزيت والنار لكزه أحدهم بأنه لا يجوز الرد على الشيخ هاشم، فالتزم الصمت متعجبا، وحين جاء المساء وجد هاشم برفقة ثلاثة من رفاقه جالسا على الكنبة التي في وسط الدار، لم يكد يرحب به حتى وجده يقول:

ـ يا أخ رضا ، الأخ هشام يطلب منك يد الفتاة التي عندك.

فنظر إليه رضا باستنكار ودهشة:

ـ إنها مريضة، وفاقدة للذاكرة والوعي.

فرد الشيخ هشام:

ـ الحمد لله الذي خلقنا على الفطرة، وبفضله تتم الصالحات.

لم يعرف رضا بما يجيب، وفي النهاية هداه تفكيره إلى:

ـ العمدة ولي أمرنا، ولابد من أخذ رأيه.

وظهر الغضب على وجه الشيخ هاشم:

ـ تحدثنا معه من يومين، وهو فاسق لا تجوز ولايته.

شعر رضا أن الدنيا تضيق من كل جانب، وأن كارثة ستقع على أرض بيته، فهز رأسه طالباً أن يمهلوه للغد كي يفاتحها في الأمر، وبدا أنهم كانوا يرغبون في الوصول إلى هذه النقطة، فاستراحت معالم وجوههم، ومهضوا طالبين من الله أن يوفق الجميع للخير.

لم يكد النهار ينتصف نهار اليوم التالي حتى انتفض من بيته متجهاً لبيت العمدة، فقد أشارت عليه زوجته أسماء أن يبلغه بما حدث، حين سمع العمدة ما جرى تفكر كثيرا، ثم طلب من رضا أن يحضر دميانة إلى بيته هذه الليلة، وحين يسألوه عنها يخبرهم أنها هربت، ولهم أن يفتشوا كما يشاءون، ثم اتصل بالمأمور راويا له الماساة التي تقبل عليها قريته، لكن الأخير اعتبره يبالغ في الأمر، ووعده بأن يرسل له غدا سيارة تحضرها للمركز.

لا أحد يعرف من أين علم السلفيون بما اتفق عليه رضا مع العمدة، فقد جاءوا بعد صلاة العشاء طارقين بابه، لكنه لم يفتح لهم، وأخبرهم أن زوجته مريضة ولا يمكنها استقبال ضيوف الآن، فأخذوا يطرقون من جديد بقوة سواعد تجاهد في سبيل الله، وزاد بعضهم في الأمر أن اتهمه بأنه يؤوي أجنبية في بيته بلا وجه حق، كانت أسماء تسمع وتكتم أنفاسها، بينما دميانة تضع يدها على رأسها مرتجفة في ركن بعيد من الغرفة، موقنة أن الرهبان قد عادوا من جديد، وراحت أصوات الذئاب والضباع تتصاعد في أذنها، بينما أنطونيوس يمشي خلف أغنامهمترنما بصوته القوي في الصحراء الفسيحة، فأخذت ترتجف متمتمة باسمه، كما لو أنه التميمة التي تطرد بها الشياطين في داخلها، ولم يكن أمام أسماء ورضا سوى حملها بعيدا والأصوات المتعالية، فدفعا بها على السلم تجاه السطح لتختبئ في الغرفة العلوية.

 في ذلك الوقت كان أحد المجاهدين قد حمل قالبا من الطوب وضربه في شباك النافذة المطلة على الشارع، فاحدث دويا يشبه الانفجار العظيم، وظهرت في عقبه ألسنة اللهب المحمول على أعواد الخشب، صرخت دميانةقافزة من على السلم صارخة، وأخذت انتفاضات جسدها تتصاعد كما لو أنها سمكة خرجت من الماء، شعرت أسماء أن الفتاة ستموت من الخوف في بيتها، وأنها عاجزة عن حمايتها، فصعدت للسطح وأخذت تصرخ مستنجدة بالناس.

مضى أكثر من ساعة قبل أن يصل العمدة بخفره إلى بيت رضا، فقد خرج الناس ليحموا البيت من أفعال المعتدين، بينما تنادى السلفيون وأتباعهم لحسم الموقعة، حاملين عصيا وأسياخ حديد في أيديهم وعلى أكتافهم، مصرين على حرق البيت وتطهير القرية من الرجس، لكن الناس حالوا بينهم وبين ذلك، ولم يفتح رضا بابه إلا للعمدة، فقد استنجد به الناس، لكنه رفض أن يترك بيته قبل أن أن يبلغ المأمور بما يجري، طالبا قوة من النجدة، ثم خرج بخفره مطلقا عدة أعيرة في الهواء، حينها فتح الناس له طريقا إلى باب البيت، وأخذ ينادي هو وخفره على رضا الذي أطل برأسه من فوق السطوح لمعرفة القادم.

حين انفتحت ثغرة في الباب دخل منها العمدة وشيخ البلد وثلاثة من الخفر وبعض من كبار القرية، شعر رضا أن البيت قد امتلأ بالضيوف، وجاهد بمساعدة آخرين لأعادة غلق الباب، في وسط الدار وقفوا جميعا يستطلعون الأمر، كانت دماينة مازالت ترتجف في غرفة الضيوف، بينما أسماء تلطم خديها، ورضا تائها لا يعرف من أين جاءته كل هذه المصائب، انتحي به العمدة وشيخ البلد جانباً، ومنحه أحد الموجودين سيجارة ليشعلها، ووضع الخفر أكتافهم في الباب من الداخل، طالبين من زملائهم في الخارج ألا يسمحوا لأحد بالدخول، وعبث العمدة في هاتفه الصغير مرات عدة للاتصال بالمأمور، لكن الأخير لم يرد، فوضع الهاتف أمامه ونظر إلى رضا بدهشة واضحة:

ـ أين أهلها من الصاري؟

بداالسؤال كانه اكتشاف لحقيقة أنها مسيحية، فالنصارى الذين في القرية على مذهب مختلف مع مذهبها.

ـ لا إله إلا الله يا عمدة.

قالها شيخ البلد وكأنه يطلب إغلاق ملف لا جدوى منه، فرفع العمدة هاتفه، وكأنه نسى الأمر كله، وأخذ يتصل بالمأمور من جديد، لكن الأخير كان هاتفه مغلقا أو خارج الخدمة، فجلسوكأنه سقط في جب عميق، إلا أنالأصوات التي بالخارج لم تترك لأحد فرصة التمتع بنعمة الصمت، فقد صدحت مآذن المساجد بأن الفاسق يأوي الرذيلة في بيته، ولابد من تطهير القرية منهما، كي لا ينزل الله غضبه على الجميع، فخرج كثيرون من بيوتهم لينصروا الله، بينما أقسم آخرون لهم بأن رضا وأسماءمن الصالحين، وأن الفتاة كانت بين الحياة والموت، لكن كيف تقنع أناسا بالعودة عن طريقهموقد رأوا الجنة على بعد أمتار منهم.

******

8

نزل الأدب ديميتريوس بعد يومين من خلوته في أعلى الجبل، وأنصت بإجهاد واضح إلى رسالة أثناسيوس، مؤكداً أنه سيبتهل للرب كي يعينه على الحضور، فشكره أثناسيوس على نشره للإيمان القويم، واستأذنه أن يصحبه في رحلته لأديرة  الجنوبصديقه رفائيل، حيث عليه أن يدعو جميع الرؤساء لحضور ذلك المجمع، وافقه ديميتريوس على طلبه، وأشار لأبانوب بتجهيزهما بالزاد اللازم للطريق.

حين نزلا من مخر السيل الرابط بين الهضبة والأرض المنبسطة تحتها قررا أن يقطعا الصحراء الواقعة بين القلزم والنهر في اتجاه ليكوبوليس، حيث ارتاحت العذراء بطفلها في مغارة الجبل الغربي، وحيث تحولت المغارة إلى كنيسة في نهاية القرن الأول من ميلاد المسيح، وما لبث يوحنا الليكوبوليسي في نهاية القرن الثاني أن أنشأ على الجبل ديرا للعذراء، هو الآن واحد من الأديرة التابعة لميليتيوس المناوئ البابا بطرس، ومازال الميليتيوسيين يسيطرون عليه، داعمين بحضورهم القوي ما يذهب إليه أريوس في تعاليمه.

كان إثناسيوس يشرح لرفيقه طبيعة الأرض التي يمشيان نحوها، فتلك اللحظة كانت لحظة خلاف وشقاق كبرى، فما أن انتهت الكنيسة من هرطقات الغنوسيين وتأثرهم بفلاسفة اليونان حتى دخلت في آراء أوريجانوس، تلك التي بنى عليها بولس السمساطي أراءه في المسيح، والتي استل منها أريوس بعضها وبنى عليه معارضته لبطرس، فصرنا أمام هرطقات تتوالد من بعضها البعض، ولا سبيل لوقفها إلا بعودة المسيح نفسه كي يشرح للناس مراده وفكرته.

هكذا تحدث إثناسيوس بحزن من أعماق صدره، كما لو أنه أزاح غطاء بئر الأسى وجلس أمامه، لكن رفائيل الذي لم يسمع بالساموساطي من قبل ألح في السؤال عنه، فتنهد إثناسيوس قائلا أنه كاهن من مدينة سيمساط بين النهرين، كان ابواه فقران للغاية، لكنه أصبح غنياً للغاية، وذلك من خلال سلوكه غير القويم، فقد سيطر بمعسول الكلام على عقل الزباء، فجعلته أسقفاً على أنطاكية، كان يمشي وأمامه مائة من الخدام وخلفه مائة من الخدام، وعن يمينه امرأة جميلةوعن شماله امرأة جميلة،والزباء لا تثق في شخص سواه، مما جعل عشرات القساوسة والرهبان يفتنون به، فيصيبهم الضلال والعماء.

أنصت رفائيل لصديقه باهتمام بالغ، منتظرا منه أن يكمل حديثه، لكن الشمس كانت قد اشتدت على رأسه، فأخذ ينظر في الأفق بحثا عن مكان يقيلان فيه، على البعد ظهرت ربوة بجنب شجرة عتيقة، لكن ما إن اقتربا حتى سمعا راعيايغني لأغنامه:

ـ بحسب إيمان مختارى الله… عارفى الله

أبناء قديسين. ذوى التعاليم الشرعية الثابتة.. حاصلين على روح الله القدس

أنا نفسى تعلمت هذا.. من حكمة المشاركين.. السابقين.. عارفى الله..

حسب كل أقوال الحكماء.. أتيت أنا مقتفيا أثر كل هؤلاء..

وأنا ذو السمعة الحميدة.. متمش بنفس العقيدة..

ومتحمل كثيرًا من أجل مجد الله.. بنفس حكمة الله..

استبشر الرفيقان خيراً، فكلمات الراعي تمجد الله وتؤكد على اتباع التعاليم الثابتة، ألقيا التحية عليهوطالبان أن ينزلا بجانبه إلى أن يزول الحر، فخف الراجل لاستقبالهما، وأخرج لهما بعضا من زاده ومائه.

بعد الطعام التزم إثناسيوس الصمت وكأنه دخل في صلاة خاصة، بينما تجاذب رفائيل الحديث مع الراعي عن صاحب الشعر الذي تغنى به، فأجابه بأنها أشعار الأب آريوس، يشرح بها تعاليم الشريعة التي تلقاها عن الحكماء والعارفين بالله، والتي من أجلها تحمل الكثير.

 وما أن سمع إثناسيوس هذه الكلمات حتى قطع صلاته سائلا الراعي:

ـ هل تعرف آريوس؟

ـ نعم.

ـ هل التقيت به؟

ـ لا؟

ـ ما رأيك في تعاليمه؟

ابتسم الراعي متحيراً:

ـ أنا لا رأي لي، هذه أمور معقدة، وأنا راعيغم.

حينها شعر رفائيل أن رفيقه سيستعدي عليهما الراعي، وإن نجيا منه فلن ينجوان من غيره، فليكوبوليس عاصمة الميليتيوسيين، وجميعها تسلم بالفكر والرأي لآريوس، ومنذ عشرين عاماً وهم يناوئون الكنيسة، فاعتذر للراعي بأن الشمس أثرت على ميزاج صديقه، وشكره على ضيافته، حين أكملا رحلتهما لم يعاتب رفائيل أثناسيوس، وفكر في أن يعيده إلى أمر الساموساطي من جديد، هنالك ارتاحت ملامح أثناسيوس وأرخى العنان لجواده قائلاً:

هذا المهرطق ذهب إلى أن العذراء ولدت يسوع الإنسان، ثم حلَّ عليه كلمة الله عند ولادته، فصار إلهًا،ومن ثم فهو يرى أن المسيح إنسان تأله، وليس إلهًا تأنس،وقال أيضا أن للمسيح أقنومان يمثلانإبنين لله، الأول بالطبيعة وهو الكلمة، والثاني بالتبني وهو يسوع. وأنكر أقنومية الروح القدس قائلاً أنها مجرد قوى من قوى الله، مثل العقل والفكر لدى الإنسان. ولأجل هذه الانحرافات حكمت عليه الكنيسة بالحرمان.

*****

9

رسائل أوريجانوس

ـ 7 ـ

كانت المدينة أهدأ حالاً عما تركتها عليه، فقد رحل جنود كلاركلا، وعم السلام من جديد، وعاد ديميتريوس من الصحراء، حيث كان قد هرب من أمام الجنود الذين نشطوا في البحث عن الكهنة والواعظين، نشطوا في البحث عن كل متعلم، فلما انتهوا من سجن وتعذيب المتعلمين صبوا غضبهم على عامة المسيحيين، فكان كل مسيحي هدفا لهم.

 تركت المدينة وروائح الحرائق والقتل والعطن تفوح منها، وعدت إليها قد تزينت وعادت إلى سابق عهدها، الأسكندرية جميلة وزاهية وبهية، حدائقها غناء، وشواعها جميلة ومرصوفة بالأحجار، مبانيها عالية وشامخة أمام الجميع، لم أدرك أنني متيم بها إلا حينما عدت إليها، فأخذت أجوب شوارعها من الشرق إلى الغرب ومن الجنوب إلى الشمال، هواء البحر فيها ليس كهواء أي مدينة أخرى، وشعور المرء أنه من أبنائها ليس كشعوره في أي مكان أخر، كم يتعذب الذين يكتب عليهم الخروج منها، وكم هم أقوياء الذين تحملوا هذا البعد.

 ربما كان وقوفي علي بحرها منتشياً بهوائها المنعش هو ما جعلني أغفر لديميتريوس إهانته لي، هو نفسه اعتذر موضحاً أنه لم يقصد إهانتي، فقط كان يوجه غضبه تجاه ثيؤكتستوس وألكسندر، أسقفي فلسطين وأورشليم، لأنهما لم يراعيا تقاليد الكنيسة التي نشأا بها، لم أجادله كثيراً، واكتفيت بأنني عدت إلى مدينتي، مدينة الرب عن حق، أو هكذا أشعر، فقبلت عذره وعدت لأبحث عن أمي وإخوتي.

 كانت أمي قد أصيبت بالرمد وكف بصرها من كثرة البكاء، وكان أخي دانيال قد التحق بعمل في الميناء، قال أنه يدر عليه مبلغاً يكفيه لأن يفتح بيتاً ويعول أخوتنا الخمس، وفهمت من أمي أنه يرغب في الزواج من ابنة رئيسه في العمل، لكنه يخشى الحديث أمامي في الأمر كي لا يثير حزني، فذهبت إليه وربت على كتفه موضحا أنني وهبت نفسي منذ زمن للوعظ وشرح كلمات الرب،وسوف أكون سعيداً حين أراه يصطحب زوجته وأبناءه كل أحد للصلاة، وفي المساء اصطحبته ووالدتي إلى بيت رئيسه، فطلبنا ابنته للزواج من دانيال، وما أن عقدنا نصف الإكليل حتى نشطت معه في البحث عن بيت يصلح أن يكون بداية لأسرة جديدة، وفي عيد القيامة التالي عقدنا له أكليلا كاملا، وزففناه وعروسه إلى بيته الجديد، في ذلك اليوم كنت أشعر أنني صرت والدي، فقد كانت أمي تتكأ على ذراعي وأختي سارة تسير أمامي وأنا أتأمل السنوات والأيام التي مرت، سنوات بها الحلوى الممتزجة بالمرار، شعرت أنني كبرت، صرت بملامح منحوتة، وظهر مقوس وحمول كثيرة، صرت شيخا عجوزاً رغم أنني لم أتجاوز الثلاثين من عمري.

عادت مدرسة الأسكندرية من جديد إلى سابق عهدها، وإن كنت لم أعد متفرغاً لترتيب شئونها كسابق عهدي، فقد خصصت للوعظ  من بعد الظهيرة حتى نزول الظلام على الأرض، ثم أعود لأجلس على منضدتي في غرفة بيتنا، أطالع الكتب وأسجل الملاحظات وأدون الشروح، وفي الصباح أذهب إلى مكتبة بطليموس فأطالع أحدث ما ورد إليها من كتب، وأشتبك في مناظرات مع أساتذة الفلسفة والتاريخ واللاهوت في الميوزيوم، كان الجدل الفكري هو طعامي اليومي، هم بدورهم أخذوا يفردون لي مساحة بينهم، وكثيراً ما يدعونني لنتناقش حول أمور تخص اللوجوس وطبيعة الرب وأقانيمه وروحه القدس، كان هذا النقاش يشغلني أكثر مما تشغلني مدرسة الأسكندرية ذاتها، وكنت كلما شعرت بحاجة للرد على مسألة مهمة أجلس لأكتب رسالة فيها، في ذلك الوقت كانت أمي قد عافت الحياة، فصارت تراودها الأحلام عن والدي، فتروي لي كيف اختصها بالثوب الأخضر، وأخذ منها قطع الجبن الطري، وداعبها على عدم معرفتها الجيدة للألوان، كانت تحكي بفرح تارة وحزن أخرى، تحكي كما لو أنها تمهد لسفر طويل، سفر لم تخبرنا عنه إلا قبلها بيوم واحد، حين نامت على نفسها تاركة الطعام يحترق على النار، أحضرت لها ثلاثة أطباء، جميعهم خرجوا في صمت قائلين:

ـ اطعموها ما تريده إن طلبت الطعام.

في المساء كانت قد أودعت أمانتها إلى صاحبها، وأصبحت جثة هامدة بين أيدينا، لم تفعل أكثر من أن ألقت بمزيد من التعب على كاهلي، أوصتني من جديد بأختي سارة وتجهيزها للزواج، ثم بكت وهي تقول لي ان استطعت الزواج فتزوج، وإن لم تستطع فاشتر جارية تخلص لك طيلة حياتك، ربت على كتفها وأنا أطلب منها أن تبلغ السلام لوالدي، بعدها صعدت الروح كنزع شوكة من فراء، فجلسنا لتلقي العزاء وصلاة القداس، وعدت لأبكي وحدي، فلم يعد لي غير هذه الجدران وسارة التي لم تعد صغيرة، وأربعة من الأخوة الأصغر، شعرت أنني فقدت كل جذوري في الأرض، وأنني صرت اليوم وحيدا، صرت ريشة تتقاذفها الريح كيف تشاء، فرفعت رأسي وطلبت من الرب ألا يحدث هذا إلا بعد أن أطمئن على أختى في بيتها، ولتفعل بي الحياة بعدها ما تريد.

مرت بي خمس سنوات في الأسكندرية، لا أخرج منها ولا أذهب إلى غيرها، ولا يختلف خط سيري عن البيت والمدرسة والمكتبة، لكن فيما يبدو أن كتبي كانت تذهب أبعد من هذا بكثير، كانت تعبر البحر إلى الشمال حيث روما وبيزنطة، وتسير على البحر في الشرق نحو أنطاكية وفي الغرب نحو المدن الخمس، وتيقنت أنني صرت شخصاً معروفاً حين فوجئت الأسكندرية بالحامية الحربية لوالدة الامبراطور تنزل على شطآنها مستأذنة في التوجه إلى الكنيسة الأم، فما كان من حاكم المدينة إلا أن رحب بقائدها وتقدم برفقته طالباً لقاء البابا ديمتريوس، كانت المعلومات قد وصلت من القصر أن نائب الامبراطور سيجيء لمقابلة الأب ديمتريوس، فأخذ الكهنة يسرعون في إلقاء الأوامر للخدام والشماسين بتزيين الكنيسة وتنظيفها، بينما أحضر ديمتريوس ثيابه الرسمية مطلقا البخور بين يديه، وسامحاللشماسين بالترنم في حضرته كي يكتمل بهاء سلطانه حين يجيء نائب الأمبراطور للقائه.

دام الانتظار نحو ثلاث ساعات قبل أن يتسرب الملل والضجر إلى الجميع، وكنت بطبيعة الحال من بينهم، فقررت التسلل والذهاب للغداء مع سارة واخوتها الصغار، لم أستطع الوصول إلى ديمتريوس لأستأذنه، فأخبرت بعضا من خدمه وشماسيه أن أختي مريضة ولابد أن أذهب لرعايتها، لم يعر أي منهم حديثي اهتماماً، وأومأ بعضهم بالموافقة حتى دون أن ينظر إلى، فخرجت وأنا ألمح من بعيد مظهر الجنود وهم يتراصون على جانبي الطريق، بينما على البعد تتحرك العربات الذهبية في طريقها إلى الكنيسة وسط جوقة من الطبول والأصوات النحاسية، خففت خطاي متعجلا كي لا ألتقي بأي من الآباء أو القساوسية فألتزم بالبقاء معه وسط كل هذا اللهو والصخب، لكنني ما إن خلعت ملابسي واسترخيت في جلستي بالبيت حتى وجدت من يطرق الباب وكأن القيامة قد قامت.

كان حاكم الأسكندرية قد وصل إلى الكنيسة طالباً لقاء الأب ديمتريوس، وهناك سأله عن المعلم أوريجانوس، فأسقط في يد الجميع، إذ أن أيا منهم لم يشغل نفسه بمعرفة أين ذهب أوريجانوس، وعلم ديمتريوس أن قائد حامية أنطاكية جاء ليطلب مني الذهاب للقاء الأمبراطورة مامسيا والدة الأمبراطور ألكسندر ساويرس، وفي الوقت الذي تنبه فيه بعض من استأذنتهم في الذهاب إلى البيت كانت خطى البعض الآخر تهرول لتخبرني بطلب نائب الامبراطور لي، ما زاد من صعوبة الأمر أن قائد الحامية أبلغ نائب الامبراطور أنه لابد أن يذهب إلى حيث يوجد أوريجانوسليبلغه طلب الإمبراطورة بنفسه، فما كان من الموكب الامبراطوري إلا أن اصطحب ديميتريوس معه باحثين عن الدرب المتفرع من شارع البحر، حيث أقيم مع إخوتي الصغار، وما أن ارتديت ملابس خروجي حتى وجدت البيت قد أحيط بالجنود من كل جانب، وقائد الحامية ونائب الامبراطور والأب ديميتريوس في طريقهم نحوي، فوقفت في استقبالهم وهم يصرون على أن يدخلوا معي إلى البيت، كي يسلمني قائد الحامية رسالة الامبراطورة الأم. 

دامت هذه الرحلة نحو ستة أشهر، لقيت فيها من التعظيم والاجلال ما لم أشهده من قبل، كانت الأمبراطورة مامسيا قد طلبت من يجيبها عن بعض الأسئلة المقلقة لديها، وخشى الجميع أن يجيب إجابة غير التي تريدها، فتبرع أسقف أنطاكية بالقول أن في مدينة الأسكندرية علامة لم يفته من العلم شيء، وهو من نتعلم على كتبه ورسائله وشروحه، فطلبت منه أن يكتب بنفسه رسالة باسمها إلى هذا العلامة الكبير تستأذنه فيها أن يكون ضيفاً على قصرها كي يعظها، وطلبت من قائد الحامية ألا يترك الرسالة لأحد، وأن يذهب إلى حيث أكون كي يسلمها لي بنفسه، ولم يجد حاكم الأسكندرية والأب ديمتريوس بداً من اصطحابه لاكمال مهمته، فاستأذنته يومين لترتيب أموري، كنت في حاجة لأن أستدين بعض المال الذي سأتركه لسارة كي تنفق منه، وأن أوصي دانيال بدوام التواصل معها وعدم الانشغال عن إخوته، لكن فكرة الاستدانة فسدت، فكيف يمكن لرجل حضرت الدنيا إلى بيته أن يخرج في الصباح طالباً المال من الناس، الأدهش أن الجنود لم يتركوا باب البيت، وكاد الحاكم أن يصدر قرارا بذهابي معه إلى القصر، لولا أنني رجوته أن يتركني على راحتي، فاستأذن وعاد برفقة ضيوفه.

لم تكن الأرض تحمل إخوتي من الفرح، وشعر كل منهم أنه قبض على نجمة من السماء، خاصة سارة ودانيال، كانا يتفاخران بأن بيتهما جاءه نائب الامبراطور وأساقفة الأسكندرية، وأن أخيهم ذاهب للقاء الأمبراطورة الأم، لم أعرف ما الذي ينبغي أن أقوله لهما، فقد كنت ما بين الدهشة والفرح والخوف، عالم السلطة مدهش وجميل وقاس، ومثلما يعطي فإنه يغدر ويأخذ، بت ليلتي أخبئ خوفي وأفكر في مصيرنا القادم، وفي الصباح لم أشعر بضرورة في تأمين نفقات سارة خلال غيابي، فقد أصر دانيال على أن ينتقل بزوجته ليكون مع الصغار في بيتنا، ووجدت سارة راضية بالأمر،فوافقت وبدأت أجهز نفسي للسفر.

كانت أمتع الرحلات التي قمت بها، لم أشهد إجلالا وتقديراً مثلما رأيت في أنطاكية، نزلت ضيفاً على قصر الامبراطورة مدة ستة أشهر، علمتها فيها المبادئ الأساسية للإيمان، وكلما عنت لها مسألة كنت أجيبها عنها بسلاسة ويسر، لكنني وجدتني بعد فترة حبيس كطائر في قفص ذهبي، فلا هو أصبح شيئاً غير كونه طائر حبيس، ولا أفاده الذهب في أكثر من كونه سجناً له، فطلبت منها أن ألقي بعض العظات للناس، وأن أجري بعض المناقشات مع الأساقفة والقساوسة، فعقدت لنا مجلساً في القصر لنتناقش أمامها في أمور الدين، كنت أنصت وأنصت ثم أجيب، وفي كثير من المناقشات كانت إجاباتي ضافية وواضحة، فكان أسقف أنطاكية يشعر أنني رفعت رأسه ولم أخذله، وأنني أسديت له معروفا لم يكن يتوقعه، لكن أيام الانتظار طويلة، وكل يوم جديد بمثابة دهر يمر على جسدي، فقد توحشتني الأسكندرية وناسها وشوارعها، حتى ديمتريوس نفسه توحشني، وصار القلق يضرب قلبي على أختي، لا أعرف ما الذي جعل القلق يتزايد عليها بهذا الشكل، فطلبت من الامبراطورة الاذن بالرحيل، فاصرت على أن تعيدني حاميتها مثلما أخذتني، وما أن وصلت باب البيت حتى فوجئت بقائد الحرس يضع صندوقاً صغيراً من المجوهرات أمامي قائلاً:

ـ هذا هدية من الامبراطورة لأجل أختك.

*******

10

أرسل الأب جورج في طلبي، هكذا وجدت الشماس الشاب المنوط به مرافقة المنحني في تحركاته يطرق بابي، أيقنت أن نهايتي قد حلت، وأن ثمة من وشي بي إليهم، أغلقت الباب خلفي وذهبت مع الشماس، كنت ألعن أنطونيوس في سري، فما لي أنا بما يجري من صراعات بين الرؤساء، لم أكن أرفع خطوة أو أضعها على الأرض إلا وأنا أقدس المسيح، طالباً من العذراء والروح القدس أن يلقوا بمعجزاتهما على لأخرج سالماً.

حين وقفت أمام المنحني لم يرفع نظره تجاهي، وظل منشغلاً بقراءة شيء ما في الكتاب المقدس، منقلا عينيه أسفل نظارته منه إلى كتاب آخر بجانبه على المكتب، لا أعرف ما الذي كان يفعله المنحنى وقتها، وما كنت أريد أن أعرف، فقد كنت أبتهل للعذراء في سري أن تضع سترها علي، فلا يراني المنحني ولا يسمع بي، ويبدو أنها سمعت صوتي الذي لم يخرج عن جدران صدري، فقد أنهى المنحني عمله، ووضع نظارته جانباً:

ـ هل تعرف دير درنكة؟

كانت كلماته هادئة كما لو أنه مازال يقرأ في الكتاب الذي أمامه، والحق يقال أنني بحثت في ذهني عن درنكة الذي نطقه بسلاسة واضحة فلم أجده، كانت عين المنحني تطل نحوي من بين الترهلات المتراكمة أسفلها كما لو أنها تتفحص فأرا جبليا غريب الطباع، شعرت أنها تريد الدخول إلى روحي لتتأكد إن كنت سأصلح لما يريده مني أم لا، نحيت خوفي جانباً، وهززت رأسي:

ـ لا.

أومأت أنا أحاول قتل شبح ابتسامة بلهاء ندت من فمي وأنا أجيب بالنفي، فقد تصورت أنني أفسدت عليه فكرته، لكنه تغاضى عن ذلك مهمهماً:

ـ أفضل.

حاولت أن أستوضح ما عناه بكلمته الأخيرة، لكنه وضع صيلبه على المكتب ونهض تجاهي:

ـ حين تذهب أسيوط، تسأل عن دير درنكة.

هززت رأسي باهتمام واضح، لكنه تجاهل وجودي:

ـ في داخل الدير كنيسة العذاراء، حين تصلها ستميل على الجالس بجانب البابسائلاً عن الأب اسطفانوس، ثم تنتظر حتى يجيئ من يأخذك إليه.

كانت هذه هي المرة الأولى التي يتكلم فيها المنحني معي، وهي المرة الأولى التي يتم تكليفي فيها بمهمة خارج الدير، أذكر أنني ذهبت مرة في صحبة باخوميوس إلى أسيوط، كنت صبياً ولا أعرف إلى أين كانت خطاي تأخذني، ولم يكن لدي اهتمام بأكثر من مطالعة الوجوه التي ملأت ساحة الاحتفال بمولد أحد القديسين، في هذا اليوم اصطدمت بي دراجة رجل عجوز فطرحتني أرضا، وسرعان ما شعرت أن الشمس تضوي بقوة فوق جبهتي، والدنيا تظلم من حولي، وروحي تنسل منيكشعرة تخرج من لوح عجين، يومها أدخلني باخوميوس إلى خيمة مليئة بالنساء، أحضرت لي إحداهن كوباً من المانجو المثلج، مازالت حلاوته حتى الآن في حلقي، شعرت أن روحى التي انخلعت مني ردت إلى، وفتحت عيني على فتحة صدرها الواسعة، ورغبت في إطالة النظر لما أسفلها، لكني أسرعت بإغماض عيني كي لا تشعر أنني عدت لوعي، وما إن فتحتها من جديد حتى وجدتها تضمني إلى صدرها ضاحكة:

ـ يا شقي ... أنت تمثل كي تظل في حضني.

انفجرت الضحكات من حولها، ورأيت وجوههن تحدق في كأني فأر في مصيدة، فأصابني الخجل، وظننت لوقت طويل أن الذين في الخارج يسخرون من الغرباء أمثالي، فكرهت الخروج من الدير، لكنني لم أنس الكوب المثلج وحلاوته التي تسربت لروحي، ولم أنس وجه السيدة ولا حضنها الطري، وما زاد من تذكرغوايتها لي، هو ظهور دميانة في حياتي، دميانة التي تشبه كأس مانجو مثلج في شهر أبيب.

كان أنطونيوس قد طرق على بالأمس باب المكتبة، وحين فتحت له كاد يغشى عليه، وأخذت أتطلع فيه لأتأكدا أنه ليس شبحاً ولا معجزة، وكلما أطلت النظر كلما همس في وجهي:

ـ إنا أنطونيوس ...

سمعت منه ما جري معه منذ دخوله قلاية باخوميوس ورؤيته معلقا من رأسه في سقفها، حتى دخوله مغارة الملاح وهروبه في الممر الرابط بينها وبين المغارة التي على البحر، تلك المليئة بمخطوطات القديسين والهراطقة على نحو سواء، وكأن من جمعها لم يكن يعاني ما نعانيه الآن.

كان أنطونيوس يضحك ساخرا من كل شيء، وكأنه يهرب نفسه من مواجهة الحقيقة التي يعيشها، فهو الآن مهرطق ومتهم بقتل باخوميوس، ويوساب ورهبانه طوال القامة يبحثون عنه، كان يضحك ولا يعنيه أن يسمعه طوال القامة فيقتحمون المكتبة علينا، ظل يضحك وأنا أهدئ من روعه حتى سقط في النوم كطفل صغير، ولم أجد أمامي سوى تحريك دولابين فارغين من الكتب بحيث يحيطانه من الجانبين، ثم أسرعت ووضعت عليه بعضاً من الكراتين الفارغة والقماش المستعمل بشكل يضمن ألا يراه أحد، ولا يفكر في الاقتراب من مكانه أحد. كان الخوف يجتاحني من أن يكتشفوا وجوده لدي، فالدير كله لا يشغله سوى أمر أنطونيوس، ما بين الباحثين عنه وما بين الحالمين بقدراته ومحبة الملاح له.

 في النهاية دخلت  في فراشي المعتاد بجانب المكتب ورحت أبحث عن النوم، شعرت أن كل الكوابيس شديدة السوء أخذت في مهاجمتي، كان أغلبها يدور حول اكتشاف أمري وسحبهم لي كي يلقونني من فوق الجبل، بعضها الآخر كان عن أنطونيوس وهم يقطعونه ويلقون به للكلاب قائلين له هذه لبؤتك وأشبالها، الحلم الوحيد الذي راودني كان عن دميانة، كانت تضحك بوجهها المنير على جملة قلتها بلهجتي التي ما بين الصعيد والحضر، كان ثغرها يشع في الظلمة نورا ليملأ المكان من حولي، وكان المكان غريباً، لا يشبه الدير ولا يشبه أماكن المدن، و ثمة أصوات ذئاب كانتفي الخارج، ذئاب كثيرة تطل بوجهها من النافذة، لكن دميانة كانت تضحك وتضحك، وأنا أرتعد من الخوف، والمخالب تضرب في شباك البيت وأبوابه، وأنا أقبض على يد دميانة مرتعداً، وكلما اشدت الأصوات والطرقات كلما اشتد تمسكي بها، حتى شعرت أنها ستموت في يدي، فانتفضت من نومي لأجد الطرقات على باب المكتبة وليس في الحلم، كان ذلك شماس المنحني وقد جاء يطلبني ، كنت في حاجة لأن أغسل وجهي وأغير ملابسي، لكنني خشيت أن يدخل خلفي بحجة الانتظار، فتركت كل شيء على حاله، واغلقت الباب خلفي مبديا العجلة في لقاء رئيس الدير.

حين عدت من عند المنحني إلى المكتبةوتلافيفها؛ وجدت أنطونيوس مختبئاً كفأر كبير بين الدولابين اللذين طبقتهما عليه، فأخذت  بصوت خفيض أنبهه لعودتي، موضحا أن المنحني يريدني في مهمة خارج الدير، لكنني لا أريد أن أذهب، فنفسي ترتعد من غواية الشرير في الخارج، والرب لن يحرس الجميع، فهل ألقي بنفسي من فوق الجبل، أم أشنقها كما فعل باخوميوس الحبيب.

كنت في تلك اللحظة أبحث عن مزحة تزيل عن روحي القلق والخوف، لكنني وجدت وجه أنطونيوس الباسم يتحول إلى ظلام يقفز منه الشرر:

ـ باخوميوس لم ينتحر، لكنه قُتل .. وهو من الشهداء.

قالها بحدة وغضب واضحين، حتى أنني تلجلجت،ولم أعرف كيف أعتذر، فالتزمت الصمت وتصنعت البحث عن مخطوط تركته في درج المكتب، لكنه نبهني من شرودي قائلا:

ـ لو قفزت من على الجبل، هل يلحقوا بي؟

كادت ابتسامة تقفز مني لولا أنني أسرعت في وأدها، خشية أن يواجهني بغضبه، ونظرت إليه مندهشاً، فرأيت شبح ابتسامة شريرة يرتسم على شفتيه، بينما يده ترسم الصليب على وجهه وصدره كمن ينهي صلاة سرية، حين سألته عما يعنيه، قال لا شيء، وأخذ ينظر في كتاب بجانبه، حينها لا أعرف لم أخبرته أنني رأيت دميانة في الحلم، وأن قلبي صار قلق عليها، رأيته ينظر نحوي باهتمام واضح، طالباً أن أعيد عليه الحلم كما رأيته بالضبط، لكنه بعد أن سمع ما أمكنني تذكره هز رأسه قائلا:

ـ الرب معها.

أمنت على كلامه:

ـ ومعنا يا صديقي.

في المساء استدعاني المنحني قائلاً:

ـ غدا في الصباحيأخذك الباص إلى أسيوط.

ثم أعطاني صندوقا خشبيا مربعا، وبه باب يتحرك من الجنب قائلاً:

ـ لا تفتحه ولا تعطه لأحد غير اسطفانوس.

خرجت من عنده ومفاصلي ترتعد، لا أعرف لماذا شعرت بالخوف، هل من نظراته أم من الاحساس بأن الأمر مريب، كنت أهرول بين الظلمة وضوء القمر الشفيف، حين عدت إلى المكتبة وجدت أنطونيوس يخبرني أنه عزم على الرحيل.

ـ كيف؟

تساءلت بفزع، فوضع يده على المكتب وأخذ يشرح خطته:

ـ لو أن قلاية الأب باخوميوس على حالها، لم يسكنها أحد ولم يؤخذ منها شيء، فالفرصة سانحة للهرب، يمكنني حسبما قال لي باخوميوس أن أزيل حجرين من الجدار، وأربط حبل الليف الطويل، الذي في سحارة الكنبة، بطرف السرير، ثم أنزل من على جدار الهضبة حتى مقابر الرهبان، بعدها أختبئ في المطبعة أو أنطلق في الصحراء.

بدت الفكرة أبسط من التوقف لتأملها، فأدرت رأسي معجبا بها، ومتسائلاً عن كيفية الوصول إلى قلاية باخوميوس، فسحبني من يدي نحو الباب قائلا:

ـ الرب سيحرسنا.

كتمنا أنفاسنا وتسللنا خارجين من المكتبة إلى جانب سفح الجبل، ثم جعلني بجانبه لا أسبقه ولا أتأخر عنه، وانحنى حتى أصبح كما لو أنه ظلى الذي يمتد على الأرض، حتى عبرنا من خلف كنيسة الأب ديمتريوس، ثم ملنا بجانبها نحو البوابة، لنعبر على مقربة من أكثر الأماكن عيونا وحراسة، لا أعرف لمَ لم يوقفنا أي منهم، فقد مررنا أمامهما كراهبين يتناقشان في شأن هام، هم بدورهم لم يعيرونا اهتماما وتشاغلوا في الحديث عن عشائهم الذي تأخر، بعدها انفصل عني أنطونيوس ليلتصق كخفاش في جدار قلايات الرهبان، كان يظهر ويختفي من بين المنحنيات بخفة مدهشة، في هذه اللحظة فقط أيقنت أن أنطونيوس استعاد وعيه كقاطع طريق، ولم نلبث حتى وجدته يقف أمام قلاية المنحني مباغتاً الراهب الذي يحرسها بطرقةعلى رأسه، فسقط مغشياً عليه، بعدها عالج القفل الموضوع علي الباب بآلة معه، ثم غاب في الظلام.

*******

11

انتفضت أسماء من مكانها صارخة في العمدة والرجال الجالسينوسط الدار:

ـ خذوها واخرجوا.

كانت صرختها قوية وواضحة، وشعر الجميع أن الموقف تطور لما هو أسوأ، فنهض رضا من بين الرجال نحوها محاولا تهدئتها، لكنها كانت حاسمة في موقفها، موضحة أنها لا تريد لبيتها أن يحترق، والعمدة هو الحكومة وعلى الحكومة أن تقوم بدورها، كانت الكلمات تخرج من فمها كمدفع رشاش انطلق في وجه الجميع، وشعر الرجال أن آذانهم غرقت في عمائمهم، فنظروا جميعا الى بعضهم بعضا، بينما مثل رضا دور الرجل صاحب الكلمة في البيت، فشتمها أمامهم، وورفع حذاءه ليضربها، فانتفضوا من مكانهم ليمنعوه، وانسحبت هي إلى غرفتها من جديد.

هكذا حركت أسماء المياه التي ظن البعض أنها ستظل ثابتة إلى أن يجئ الصباح، ويذهب كل إلى حال سبيله تاركا الأمر معلقا في صدر رضا وزوجته، أو أن تأتي الشرطة من المركز وتخلص الجميع من المشكلة، في تلك اللحظة بدأت العقول تفكر والألسن تتحرك باقتراحات للخروج من الموقف، فقال أحد الجالسين مستسلما:

ـ ما نخرج بيها يا حضرة العمدة.

لكن العمدة الذي وجد نفسه محملا بعبء أكبر من قدراته جحظت عيناه تجاه القائل، ممسكا نفسه عن أن يجري وراءه بالحذاء، وبدا على الجميع أن الرسالة وصلتهم، فقرر أحدهم أن يطرح حلاً بديلاً:

ـ طيب .. نأخذها من على السطوح إلى الشارع الخلفي، ومن هناك نأخدها في سيارة إلى المركز.

بدا أن هذا الحل به نوع من الخيال لكن له وجاهته، فلا أحد سيضار ولا أحد سيتحمل المسئولية، وهكذا يخرج الجميع سالماً، فتحمس الموجودون، ولزمت أسماء ورضا الصمت، فربما يمكنهم الخلاص مما دخلوا فيه، وبدأت الاتصالات تجري بالسائقين ذوي القلب القوي، لكنهم لم يجدوا غير حسنين النمر، هذا الذي شعر أنها قدره فقرر الاستسلام له.

كانت الاتصالات التي جرت مع السائقين قد نبهت بعضهم إلى أن ثمة ما يجري الاعداد له، وبمجرد أن سرب أحدهم الخبر حتى انتشر كالوباء، فما كان من السلفيين إلا أن بدأوا يعدون ما استطاعوا من قوة يرهبون بها أعداء الله وأعدائهم، فأسرعوا في استخراج ما بقي لديهم من قطع سلاح وعصي حديد، ووضعوا مزيدا من الخرق المشبعة بالزيت على أطراف أعواد الخشب، وشددوا حصارهم للبيت من كل جانب فيما يشبه استعراض القوة، وفي الوقت الذي أخذت النداءات فيه لنصرة  الإسلام ترج أرجاء المكان، كان العمدة ورضا ومن معهما قد جعلوا دميانة ترتدي ملابس أسماء وتصعد معهم إلى السطح، ليقفزوا منه إلى سطح البيت المجاور عبر سلم خشبي، ومنه إلى السطح الذي يليه، لكن حسنين الذي انتابه القلق من تأخر العمدة عليه قرر أن يتصل به، وسمعه أحد المارة وهو يؤكد وجوده في المكان المتفق عليه، فما كان من الرجل إلا أن صرخ بأعلى صوته:

ـ الكفرة يريدون الهروب.

فتجمع البعض لينظروا ما الذي حدث، وفطن آخرون إلى خطة العمدة وجماعته، فتتطايرت الأعيرة النارية في الهواء لمنعهم، وبات العمدة محاصرا على السطح لا يعرف إلى أين يمكنه الذهاب، بينما تم القبض على حسنين ومصادرة سيارته، وتحت وطأة العصي اعترف بالمخطط كله، وكانت الخطة البديلة أن ينزل العمده ومن معه ليواجهوا السلفيين، في حين يعود رضا بدميانة إلى بيته من جديد.

ما إن نزل العمدة حتى تجمع حوله عدد من الذين رفضوا الدخول في الفتنة، فنهرهم الرجل على سلبيتهم وعدم دفاعهم عن الحق، حتى أنهم بجبنهم يهدرون كرامة القرية ويتركونها لمن يرهب الناس ويعتدي على حرمات البيوت، كانت كلمات العمدة صادقة وحارة، حتى أن كل من سمعها دبت في عروقه دماء الشجاعة، فضلاً عن أن من سينقذه اليوم لن ينساه العمدة غدا، فكان كلما مر بدرب تزايد عدد من تجمعوا حوله، حتى أصبحوا كتلة أكبر من كتلة السلفيين وعددهم، وتنادى الصبية والأطفال أن العمدة قادم، فارتبك السلفيون من مواجهة قد تودي بحياة الكثيرين، ومن ثمقرروا افسراع في اقتحام بيت رضا وزوجته لينهوا الأمر ويفوزوا بغنيمتهم، حمل بعضهم جذع شجرة كبير وأخذوا يضربونالباب حتى تكسر، ودخلوا ليجدوا أسماء وزوجها واقفين أمامهم، ولا إجابة لديهما إلا أن العمدة أخذ الفتاة ورحل، فجن جنون السلفيين، وانتفضوا يهشمون ما تقع أيديهم عليه، وفي النهاية أخذوا معهم رضا ليقيموا عليه الحد.

وصل الخبر إلى المركز عبر أطراف عدة، من بينها المحافظ الذي هاتفه بعض المسئولين سائلا عما يجري، ولم يكن هناك فضل في ذلك إلا لمواقع التواصل التي اشتعلت بالاستغاثةلنجدة القرية من الاحتراق على يد السلفيين، راحت الاتصالات تجري بمدير الأمن المشغول بإعداد كمين لتجار المخدرات في الصحراء، فظل بعيدا عن تغطية شبكات الهاتف محمول، لكنه بمجرد أن عاد من كمينه وجد عشرات الأرقام حاولتالاتصال به، علم بما جري وما هو متوقع حدوثه، وتوجه بالقوة التي معه للقرية، واستدعى معه قوة أخرى مخصصة لفض الشغب، وما إن دخل القرية حتى أطلق عبوات الدخان المسيلة للدموع على الجميع، وانضم العمدة ومن معه للرتب التي نزلت بكامل عتادها، وفوجئ السلفيون أنهم اصبحو أقلية فقرروا الفرار، لكنهم أيضا قرروا أن يتركوا للحكومة ما يشغلها عنهم عدة ساعات، فتركوا المشاعل التي معهم على أسطح البيوت المليئة بالحطب.

كان رضا قد فكر في خدعة بسيطة حين تركه العمدة ومن معه يعود بدميانة إلى بيته، فخبأها وسط كومة من الحطب على سطح بيت مجاور لبيته، ونزل ليبلغ السلفيين أن العمدة أخذها ورحل، وكان من الممكن لخطته أن تسير في مجراها الطيب لولا أن سارينات الشرطة التي نبهت السلفيين للتغير الذي حدث،مما جعلهم يلقون بمشاعلهم إلى أسطح البيوت، وما أن وصلت الحكومة لبيت رضا حتى وجدوا أسماء تلطم وجهها، مطالبة الجنود بإنقاذ المسكينة من النيران، ولم يكن أمام النساء والرجال سوى حمل المياه على الرؤوس والأكتاف لمواجهة النيران المتصاعدة، باحثين عن دميانة وسط ألسنة النيران، وفي خضم صراعهم الطويل لمحوها دميانة ترتجف من الأشباح التي تحيط بها من كل جانب، لكن لم يمسسها شيء منهم ببركة المسيح والعذراء مريم.

*****

12

قطع رفائيل وأثناسيوس مسافات طويلة في الصحراء، لكنهم لم يذهبوا إلى ليكوبوليس، فكلما مروا بجماعة من الرعاة سمعوا أشعارا لآريوس، وكلما جادلهم إثناسيوس شعر رفائيل أن العيون تتقد وملامح الوجوه تتلون، فكان يسحب صديقه ويفر به قبل أن يعتدوا عليه، كان أثناسيوس خطيبا عظيما، ومؤمنا صادقاً إلى أبعد مدى، لكنه لم يكن سياسيا كبيراً، كان إيمانه الصادق يدفعه للدخول في جدل مع أناس ألغت عقولها، واستسلموا لكلمات منظومة وأسطورة صنعها مارقون، وكان رفائيل المثقف ابن المدينة يخشى ألا يعود من رحلته جثة هامدة، وربما تكون طعاماً للذئاب، حينها أبلغ أثناسيوس بمخاوفه، مذكرا إياه أن ليكوبوليس عاصمة ميليتيوس التي خرج منها على سلطة الكنيسة، وأن أريوس ورث رجاله وكنائسه ، فجميعها تدين له، وأهلها لن يقبلوا بمناقشتهم في فكرته، وقد يعرضنا هذا للموت في تلك الصحراء.

تحدث رفائيل بأسى مطالباً بتغيير الاتجاه إلى طيبة، حيث يمكن دعوة الكهنة هناك لحضور المجمع الذي يريده إثناسيوس والبابا الكسندروس، وتحت وطأة الإلحاح وتضخيم المخاوف استجاب أثناسيوس لرغبته، فتجنبا السير في الطرقات المعهودة أو الدخول في نقاشات مع من لا يعرفونه، ورددا أمام الناس في أماكن الخطر بعض أشعار لأريوس، حين وصلا طيبة وجدا أمرهم أخف وطأة، فالوثنيون الذين يعبدون إيزيس كانوا على خلاف مع أساقفة ميليتيوس وأنصار أريوس، يرون الأول متشددا، والثاني أقرب لفكر من بقي من كهنة إخناتون.

 حين أنهى رفائيل وأثناسيوس جولتهما على كنائس وأديرة الجنوب اتخذ طريقهما عائدين إلى الأسكندرية، لم يكن الطريق هذه المرة من جوف الصحراء وفيافيها، فقد تعبا من الترحال، وأزف الوقت الذي حدده البابا، ولديهم أعمال لابد من إنجازها، كان البابا الكسندروس رجلاً مسناً غير قادر على مواجهة المشكلات التي تكاثرت على الكنيسة منذ انشقاق ميليتيوس على بطرس، وتضخمت المشكلات من بعده في زمن أرشلاوس، فوجد في أثناسيوس العود الصلب الذي يمكنه الاعتماد عليه، وحين طرح الأخيرة فكرة دعوة الأساقفة والكهنة لمجمع مقدس يؤكدون فيه على مبادئ الإيمان التي توارثتها الكنيسة عن الآباء والقديسين الأوائل، وجدها ألكسندروس فكرة طيبة للإنهاء على خصومه بضربة واحدة، ومن ثم حدد الموعد وترك إثناسيوس يقوم بجولته لجمع الآباء الراغبين في المشاركة، إلا أنه لم يستطع الذهاب لأساقفة ليكوبوليس ولا المحاجر في الإسقيط، واكتفي بأن أرسل لهم عبر الأديرة القريبة منهم كي يحضروا المجمع، مبلغاً الجميع أن الموعدهو الأول من شهر توت، ولم يكن قد بقى على الموعد سوى القليل لاستقبال نحو خمسة أساقفة وثماني عشرة قساً، وعشرة رؤساء أديرة، ومائة شماس من الرهبان المتوحدين في الجبال.

 وقف الكسندروس في استقبال ضيوفه بنفسه، بينما كان أثناسيوس بمثابة المسئول عن تنظيم كل شيء، بدءا من إنزال الضيوف في منازل أقامتهم، وصولاً إلى أماكن جلوسهم في المجمع، وترتيب الوفود وبنود المناقشات ومواعيد الاستراحات، كان هذا دوره المعلن الذي يرافقه فيه مجموعة من الشمامسة التابعين له، لكن دوره الخفي والذي شعر به الجميع هو أنه العقل المفكر لألكسندروس ذو القلب الطيب واليدين المرتجفتين، فكان إثناسيوس بمثابة لسانه الذي يتحدث به، وذراعه التي يفعل من خلالها كل شيء، مما منحه القوة والقدرة على توجيه أساقفة وقساوسة ورؤساء أديرة أقدم منه في خدمة الرب بزمن كبير.

لكن اللحظات الصعبة لا تمر سريعاً، ففي الوقت الذي تأخر فيه كثير من القساوسة والأساقفة الميلتيوسيين وأنصارهم عن الحضور، ظهر آريوس أمام الجميع في الجلسة الأخيرة، وكأنه حضر كشبح من بين الجدران، وبدا على إثناسيوس الغضب، وارتبك الحضور جميعاً، فيما فرح الميلتيوسيين وصفق بعضهم لدخوله، وكان ألكسندروس حكيماً، فرحب به ككاهن مجد ومجتهد في كنيسة الرب، وأشار لإثناسيوس أن يجلسه في مكانه بين القساوسة، لكن الأخير اختار مكاناً قريبا من أنصاره، وبدا من تحفزه في جلسته أنه يشعر بأنه في محاكمة، وأخذ يداري قلقه بضحك واضح، قائلا لأصدقائه أن المكان  الذي يجلس فيه يليق بالمهمة التي انعقد من أجلها المجمع، فأهمل ألكسندروس تعليقاته وإشاراته وافتتح الجلسة بالصلاة وطلب الهداية من المسيح إلى الإيمان القويم، وأخذ يشرح قائلاً أن هذا المجمع عقد من أجل مراجعة مبادئ الإيمان التي تسلمناها من آبائنا، وعلينا أن نحافظ عليها نقية مبرأة من الهرطقات وزيف الشيطان، فباسم الآب والابن والروح القدس إله واحد أمين، نبدأ عملنا اليوم. لمراجعة آخر بنود لائحة الإيمان القويم.

كان الكسندروس يسعى للتغاضي عن المشكلة التي توشك أن تقسم الكنيسة فكرياً، كان موقناً من إيمان غالبية من حضروا الاجتماع بما اتفقوا عليه في لائحة الإيمان، فقد تناقشوا على مدار عدة أيام حول المبادئ التي يجب اثباتها في وثيقة يوقع عليها الجميع، وكان من المفترض أن يتم التوقيع دون جدل أو اعتراض، إلا أن أريوس الذي ظهر في الصباح  رفع يده مقاطعا وهو يقول:

ـ إن إيماننا الذي تلقيناه عن أسلافنا، والذي تعلمناه منك أيضا، يقول أننا نعرف إلها واحدا، وحده غير مولود، وحده سرمدي، وحده ليس له بداية، وحده الذي له الخلود، وحده الحكيم، وحده السيد الذي جبل الابن الوحيد المولود قبل الدهور، والذي به خلق الأزمان وكل شيء، فالابن خلق بإرادة الله قبل الأيام والدهور، ومنح الحياة والأمجاد من قبل الآب، فالله خالق الكل ليس له بداية، لكن الابن الذي جبل بواسطة الرب، لم يكن موجودا قبل أن يخلق، فوحده الله هو الذي كان موجودا قبل الجميع كخالق، ومن ثم أيضا كان موجودا قبل الابن، هكذا تعلمنا منكفيهذه الكنيسة.

كانت كلمات أريوس غاضبة وقوية وبليغة، حتى أن ألكسندروس الذي تلجلج بدا عليه أنه غير قادر على السيطرة وجذب انتباه الحاضرين، فاحمر وجهه والتزم الصمت ناظراً لأثناسيوس وكأنه يستنجد به، فرفع الأخير يديه طالباً من الجميع الهدوء، وهو يقول:

ـ إن أريوس يعرف أن كل ما قاله خطأ، وأنه كذب على الحبر الأعظم البابا ألكسندروس، هذا الذي بمحبته للجميع تقبل وجود أريوس بيننا، عله يكون في حظيرة الرب، وجميعنا يعرف تاريخ أريوس ومن أين استقى أفكاره المغلوطة، فهذه ليست تعاليم كنيستنا المؤمنة بأن الله لا يتجزأ ولا ينفصل، وأن الآب والإبن والروح القدس أقانيم ثلاث لإله واحد،  جميعنا يعلم أن أريوس أمونوس ولد في إحدى المدن الخمس بالغرب، وتعلم في مدرسة اللاهوت، ثم اجتهد في تحصيل العلم حتى ذهب إلى أنطاكيا فأقام بين أساقفتها، وتاه بين ما قرأه من أفكار الأفلاطونيين وما تحصله من أفكار الأنطاكيين، هؤلاء الذين تأثروا بكتابات أوريجانوس، فجاءته أفكار تجزئة الرب وفصل أقانيمه، مخضعا معجزاته وقدراته لمقاييس الفكر والقدرة لدى البشر، غير قادر على التصديق بأن الرب موجود من قبل أن يولد من العذراء، وغير مدرك أن الآب لا يمكنه أن يكون آبا إن لم يكن الأبن موجوداً، وأن الأبن لن يكون بحال ابناً ما لم يكن له آب، ومن ثم فالآب آب أزلي، والأبن ابن أزلي، لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر، ولا إخضاع أحدهما للآخر، وما كان حمل العذراء به، ووضعها له، إلا تآنساً مع الصورة البشرية، وما كانت العذراء إلا معبراً لهذه الصورة، والكلمة هو السر الجامع بين الآب والإبن، الكلمة هو الروح القدس، والشعاع الذي بدونه ما كنا سنعرف بوجود الشمس ولا سنرى ضوأها.

كانت كلمات إثناسيوس بنفس قوة كلمات أريوس وقدرتها على التأثير، ولم يتخطى الجمل الأولى منها حتى أصبحت القاعة تدين له بالصمت، وكأن الملاك الحارس أخذ يرفرف بجناحية عليها لصالحه، وحين أدرك أريوس أن قضيته خاسرة، انتفض مقاطعاً:

 ـ هذه الخلافات لم تناقش في لائحتكم، خلافات في صلب العقيدة وطبيعة الرب، لا أظنكم تريدون مناقشتها، فافعلوا ما تشاءون، لكنني لن اعترف لكم بما تريدون.

ثم حمل صليبه وخرج متهماً ألكسندروس بأنه مريض مأفون لا يستحق مكانه، فما كان من الأخير إلا أن رفع يده قائلاً:

ـ الآباء المبجلون، إنني أضع أمامكم الآن أمر الكاهن أريوس أمونيوس، ولكم أن تحكموا في صحيح إيمانه أو إيماننا الذي تلقيناه وحفظناه عن آبائنا الشهداء القديسين، ولا يجب أن ينتهي عملكم الذي سهرتم عليه وقطعتم كل هذه المسافات من أجله دون أن تتموه.

ثم نزل ألكسندروس من مكانه، تاركاً إدارة القاعةلأثناسيوس، هذا الذي استدعي الأب أنطونيوس المعتزل المتوحد في ديره بجبل القلزم، فنهض من مكانه وجلس حيث كان ألكسندروس على كرسيه الكبير قائلا:

ـ باسم الآب والابن والروح القدس إله واحد أمين. هكذا تعلمنا وهكذا نحافظ على إيماننا.

ثم أشار لأثناسيوس بأن يمر على الآباء المقدسين باللائحة التي تمت مناقشة بنودها في جلسات سابقةكي يضعوا أختامهم عليها، فما كان من الأساقفة والقساوسة الميليتيوسيين إلا أن رفضوا التوقيع، وخرجوا من الكنيسة، فأقرها الآخرون مطالبين بحرمانهم، فطلب أنطونيوس من أثناسيوس أن يبلغ الأب ألكسندروس برغبة المجمع في حضوره وتوقيعه على اللائحة، وحين حضر سألهم من جديد عن إقرارهم بما فيها، فوافقوا ووضع توقيعه عليها، هنالك طالبوه بحرمان أريوس لأنه خارج على تعاليم الكنيسة ورافض للائحة الإيمان التي أقرها الجميع. فوافق ووضع توقيعه على وثيقة الخلع والحرمان، وكان ذلك يعني ضمنيا طرده من الأسكندرية.

*****

13

أوراق أوريجانوس

ـ 8 ـ

سيدي وصديقي ديونيسيوس، لا أطيل عليك، فهذه رسالتي الثامنة، أرجو أن يكون ما سبقها قد وصلك، فقد أخبرني الصديق الذي يتحمل مشقة إرسالها أنك استطعت الفرار من الجند، وأنك منذ مدة تقيم خارج الأسكندرية، ربما في صحراء القلمون أو الإسقيط، كم هي مشقة كبيرة الخروج من المدن إلى الفيافي والجبال، وكم أصلي من أجلك ألا تسقط في المشقة الأكبر، حيث الجنود المنتشين بقوتهم، الساخرين من ضعف وهزال غيرهم، غير المؤمنين بفكرتك ولا قيمتك ولا جهدك من أجل إضافة سطر أو كلمة لما يعرفه البشر، لقد قضيت حياتي بين هاتين المشقتين، فلم تكد الدنيا تبتسم لي بمعرفة الناس أن قائد حامية الامبراطورة مامسيا وضع صندوقا من المجوهرات بين يدي، حتى تكدرت وأظلمت وتغيرت أحوالها، فقد تكاثر الخطاب على باب بيتنا لخطبة سارة التي لم تتجاوز الرابعة عشر من عمرها، وأنجبتت زوجة أخي دانيال توأماً، وأخذت تلح عليه في أن يحصل على شيء من هبة الامبراطورة لأختي، كنت مقتنعا أن المجوهرات كانت نوعا من المكافأة لي، وأن الامبراطورة جعلت قائد حرسها يقول أنها هدية لسارة كي لا تشعرني بالحرج، كان الكل يوقن في قرارة نفسه بذلك، بدءا من الخاطبين الذين تفننوا في لفت اتباهها إليهم، وصولا إلى دانيال وزوجته وحتى إخوتى الأصغر.

 كانت مناسبة إنجاب التوأم هي الأفضل لطلب المساعدة، قال دانيال أنه يرغب في شراء مركب والنزول به إلى البحر، عسى أن يكون فاتحة خير وتوسعة رزق، وقالت زوجته أن والدها تقاعد ولم يأخذ شيئاً من عمله، وأنه لابد أن يتعلما من خبرته ودرسه أيضاً، خاصة وأن حملهما أصبح ثقيلا، ولديهما بدلا من الفم الواحد اثنين، هززت رأسي متوافقا مع حديثهما، ونظرت إلى أختى طالباً منها أن تجيئناً بالصندوق، فقسمت ما به بين الجميع، فأعطيته جزءاً، وأعلنت أن جزءاً آخر يخص سارة وزواجها، وما تبقي فهو للأطفال الذين تركهما أبي وأمي معلقين في عنقي.

شعرت أن سارة أصيبت بخيبة أمل من فعلي، وأنها في الأيام التالية لم تعد تتحدث معي، بينما دانيال وزوجته يطيران من الفرح، بعد وقت اكتشفت أن سارة تعرفت على شاب في العشرين من عمره، وأنها تهيم به عشقا، كان حماس دانيال وزوجته كبيراً للرفض، فضغطا بكل ما يملكان بوصفهما أولياء الأمر، وكان ذلك بالنسبة لي محزنا ومقيتا، حتى أنني شعرت بكم أنا ساذج في نظرهما،فقررت الموافقة عليه استجابة لرغبتها، ونكاية في تصورهما عني، أسرعت بإتمام الزواج منه، وفي مشهد مهيب وجليل قمت بتسليمها مجوهراتها أمام الناس.

بعدها كلفني ديميتريوس بالذهاب إلى كنيسة كورنثوس في إقليم أخائية باليونان لشرح بعض الأمور لأساقفتها هناك، فظللت نحو ستة أشهر  أمارس عملي بوصفي مندوباً للبابا ديمتريوس، أفصل في نزاعات وأعيد شرح نقاط خلافية في الأناجيل، فلما انتهيت من عملي عدت إلى الأسكندرية لأعلم أن الشرور لا تتوقف عن ملاحقة الانسان أينما كان، فقد أخبرتني سارة أن حقيقة زوجها على خلاف ما يظهر، فقد سرق مجوهراتها وفر من البيت، هدهت عليها وأجلستها برفقتي إلى أن يعود، ومضى زمن قبل أن نعرف طريقا له، كان ذلك حين ألقت الشرطة القبض على دانيال الذي أحال مركبه الجديد إلى ماخور دون علم السلطات، وكان زوج سارة من بين من قبض عليهم الجنود في المركب، لنكتشف أن زوجة دانيال كانت المدبر لأمر الزواج من البدء، وأن مجوهرات سارة لم تسرق، لكنها وزوجها دخلا بها في صفقة مع دانيال،فخسرا كل الشيء، وهرب هو من وجه الشرطة التي أخذت في البحث عنه، حتى وجدته ضمن من كانوا على مركب دانيال.

 حين أرسلت الشرطة لتسألني في شأنهما، لم أستطع انكارهما ولا الغفران لهما، لكنني علمت بكل ما فعلاه من أمور سيئة وتجارات رخيصة، علمت أن الجميع مذنب في حق بعضه بعضاً، بما فيهم أنا الذي ارتضيت للغرور والعناد أن يركباني، ولم أختر زوجا مناسبا لأختي، في ذلك اليوم جلسا يطلبان مني التوسط لأجلهما لدى الحاكم، فذهبت وأنا أجر أذيال العار إلى الرجل الذي كللني بالفخر منذ سنوات حين زارني برفقة البابا وقائد حامية الامبراطورة ماميسا، ورغم تعاسة الموقف إلا أن الرجل لم يخذلني في شيء، حتى طلبي المباشر بمصادرة المركب وما وجده الجنود عليه من أموال وذهب، ففعل وهو حزين لأجلي.

كنت حزينا ومستاء من إخوتي وما جلبوه لي ولأنفسهم من شرور، وكانت الأسكندرية بكل جمالها قد تكورت على نفسها في عيني حتى أصبحت بمثابة نقطة مظلمة سوداء ، فطلبت من ديمتريوس أن يسمح لي بالذهاب حاجاً إلى القدس، حيث أريد أن ألتمس الغفران والصفح من الرب في أرضه المباركة، وكانت أخبار ما حدث قد وصلته، فلم يمانع ولم يجادلني كعادته، جهزت زادي وكتبي وبحثت عن حمّار يوصلني إلى تل برما، ومنها اتخذت طريق حورس بمحاذاة البحر مع قافلة متجهة إلى أورشاليم، حيث مررنا بتلال حبوة والحير والصيفي والبرج والكدوة ووصلنا إلى رينوكورورا، فنزلنا في خيمة حتى صباح اليوم التالي، ثم تزودنا بالماء والطعام من بعض أبناء المكان، وغيرنا ركائبنا وعدنا إلى الطريق في الصباح من جديد، لنكمل مسيرنا إلى أورشليم التي وصلناها بعد أربعة أيام من خروجي من الأسكندرية، لأجد أسقفها صديقي الكسندر هناك، فأمضي معه فترة من الوقت حاجا قبل أن ألتقي بصديقنا ثيؤكتستوسأسقف فلسطين.

في ذلك الوقت لم تكن لدي رغبة في العودة إلى الأسكندرية، ولم يكن لي عمل في فلسطين، فلزمت بيتاً خصصه لي ثيؤكتستوس لا أخرج منه إلا برفقته، لكن خبر وجودي انتشر بين الناس، وجاءني من كانوا يترددون على مدرسة اللاهوت من قبل، حيث كنت أجلس للوعظ وشرح مبادئ الإيمان وبعض الشواهد من العهدين القديم والجديد، وذلك قبل أن يرسل ديمتريوس في طلبي موبخا صديقي الكسندر وثيؤكتستوس، فرفضت دون أن أخبر أحد بالسبب، وكلما زاد رفضي ازداد إصرارهم، وألحوا على صديقي في قبول الأمر، في النهاية قال لي ألكسندر أنني لا ينبغي أن أرفض الناس، فقد جاءوني مرة واثنتين، ولابد أن أجيبهم لطلبهم، فأخبرته أنه لا ينبغي لي أن أجلس للوعظ، لأنني لست كاهناً، حينها جلس صديقاي يضحكان، موضحان أن هذه أبسط الأمور، وأن أيا منهما بوصفه أسقفاً يمكنه أن يقوم بسيامتي في الغد، ولا يوجد ما يمنع من ذلك.

حين علم الناس أنني سأجلس من جديد للوعظ في مدرسة أورشليم أوقدوا الشموع على المذابح للرب، وأخذوا يذهبون إلى الكنيسة كل يوم سائلين عن الموعد الذي سأكون جاهزا فيه للوعظ،  وبعد أن تمت كل الطقوس والمراسم جلست لأعظ في صحن الكنيسة نفسه، ولاقت مواعظي حضوراً قوياً لدى الناس، بل أن الكنائس الأخرى أخذت ترسل في طلبي، فذهبت إلى صور وقيصرية وبيت لحم وأنطاكيا نفسها، تلك التي احتشدت من جديد لسماعي، فألقيت موعظة أمام ما يزيد عن عشرة آلاف مؤمن، وفي تدمر أمتدت عظتي لنحو عشر ساعات أمام خمسة ألاف مؤمن.

نسيت في تلك الأيام ما جرى من دانيال وسارة، وفرحت بالسعي بين الكنائس ووجوه المؤمنين وأسئلة الحائرين، ووجدتني أناقش بجرأة وأتعلم بحرية، ووجدت بعض ما كنت أقوله صواباً وبعضه خاطئا، في هذه الآونة كنت أتحدث عن الروح والجسد، كانت فكرتي عن الروح القدس أنه موجود منذ الأزل، ومن ثم فالروح موجودة منذ الخليقة، ومن ثم فهي أسبق على الجسد، لذا فالمسيح الابن إله من قبل أن يتجسد في رحم العذراء، ليجيء على هيئة آدمي يمشي بين الناس.

 لكن الحديث عن الروح أعادني للأسئلة عن المسيح ذاته، وكان الأساقفة في أنطاكية يتحدثون عن وجود لله مستقلا عن وجود الابن، حيث الله في السماوات والابن في الأرض، لم يكونوا مشغولين بالروح، ولا حضورها، فقط كانوا يتحدثون عن ثنائية الاب والإبن، وحاولت أن أفسر الأمر بالحديث عن إيزيس وأوزوريس وحوريس، عن الشمس والشعاع والضوء، لكنهم ما كانوا مؤمنين بثلاثية تربط السماء بالأرض، السماء لديهم منفصلة، وما بينهما ليس جزءا منهما، فثمة من يقوم بالتبصر والتكهن، من يعرف بخبر السماء وينقله إلى أهل أرض، هو ليس سماوياً لكن لديهالقدرة على سماع صوت السماء.

عشرات الأسئلة بدأت تمور في ذهني، صرت أسمع من المحيطين بي أكثر مما أكلمهم، ووجدتني في حاجة للعودة إلى كتب الأفلوطنيين وأرائهم، بحاجة للتبحر فيما تركه أرسطو واستدلاله المنطقي، وجدتني في حاجة إلى مزيد من العلم، فلم أنشغل بالعودة إلى الأسكندرية، ويبدو أن غيابي طال وأقلق ديميتريوس، فأرسل من يتتبع أخباري قبل أن يطلب عودتي، حينها علم أنني أعظ في الكنيسة، فأرسال غاضبا وموبخاً لثؤكتستوس، إذ لا يجوز أن يقوم رجل بالوعظ في حضور الأساقفة وهو ليس كاهنا، فأجابه ثؤكتستوس بأنه ليس هناك ما يبرر كل هذا الغضب، لأن صديقنا الكسندر قاما بسيامة أوريجانوس كاهناً، وهو الآن يباشر المهمة التي أرسله الرب من أجلها.

*******

14

فر أنطونيوس ولم يستطيعوا اللحاق به، لكنهم ألقوا القبض علي، قد قال الرهبان المكلفين بحراسة البوابة أنهم رأوني أسير مع راهب طويل يضع غطاء على رأسه، لكنهم لم يبصروه، ولم يتوقعوا أن يكون أنطونيوس، بينما قال الراهب الذي ضُرب أمام قلاية باخوميوس أن شبحاً طويلا ذا يدثقيلة كمطرقة هو الذي ضربه، حينأبلغمينا المسئول عن أمن الدير الأبالمنحني بما حدث وقف الأخير متحيراً، ليس من عودة أنطونيوس إلى الحياة، ولكن من قدرته على المرور من بين الجميع دون أن يراه أحد،نظر بغضب لمينا وكأنه يتمنى أن يلقي به من فوق الجبل، ودون أن ينطق بكلمة واحدة ذهب إلى قلاية يوساب قائلاً:

ـ أنطونيوس هرب، ولابد من ملاحقته.

 ظهر يوساب في أرض الدير وبرفقته أربعة من الرهبان طويلي القامة، في يد كل منهم عصاتان صغيرتان متصلتان بسلسلة من الحديد،وقفوا تحت الضوء الشاحب للقمر أمام الظلال المتعرجة بجانب قلاية باخوميوس، كان يوساب يخاطبهم بصوت هامس، وهم شاخصون كتماثيل نحاسية، وسرعان ما سلم كل واحد منهم شيئاً يشبه الصليب، فدسوه في ملابسهمالقلاية ليغيبوا في ظلامها كما فعل أنطونيوس.

كانت فكرة يوساب أن يلاحقواأنطونيوس من أسرع من الطريق التي اتخذها لنفسه، فترك مينا يرسل رجاله من بوابة الدير والمدرج الرخامي الذي إلى أسفل الهضبة، حيث تقع على يمينه الأرض المنزرعة بالزيتون والخضروات والنخيل، وعلىيسارهتنام المقابر التي تشتمل على عظام الرهبان والقديسين الذين أقاموا في الدير على مدار قرون طويلة، عظام لها جلالها وتاريخها في تلك الجبانات التي أعيد ترميمها مرات ومرات، وأقيمت لها بوابات وعين عليها حرس وخدام، وخلفها تنام ماكينات الطباعة الحديثة التي تبرع بها أحد المؤمنين الأثرياء، لينتقل عمال الطباعة من صف الحروف الكمبيوتر والمونتاج وألواح الزنك.

حين نزل أنطونيوس بحبله الليف وجد نفسه بين المقابر التي كثيرا ما جلس بين اشجارها أن عمله في المطبعة، لم يكن يعرف إلى أين يذهب، في البدء فكر في أن يحضر سلاحه من حيث دفنه منذ عشرين عاماً، لكن ما بدات خطاه تسير في هذا الطريق حتى ظهر كلب السماء، رفع في وجهه صليب باخوميوس وقرأ آيات الحماية من الشرير، لكن غضبه لم يتوقف، فأخذ الرعب يجتاح أنطونيوس من أنيابه البارزة وعينه التي تقدح بالشرر، ولم يجد سوى أن يهرب من أمامه، فوجد سورا قفز من عليه،ووجد ألقى بنفسه منها فإذا به بين مخلفات الورق المتراكم في حجرة أمام المطبعة، كان المكان مغلقا والظلام دامساً ولا أحد سوى البدوي الموكل بالحراسة ويغط في نوم عظيم، حين استقر بين الورق شعر أن لهاث الكلب قد هدأ في أذنيه، فلم يفكر في الهروب واستسلم للدف الذي اجتاحه فغفى في مكانه.

في نومه رأى باخوميوس وإيمانويل يسيران في نفس المقابر التي كان يجلس بينأشجارها، كانت أرضها خضراء كسجادة فرشت لهما خصيصاً، بدا كما لو أن وجهيهما يضيئان في الظلام، كان ينام كما اعتاد أسفل شجرة الكافور بجانب المطبعة، فجلسا يتحدثان بجانبه دون أن يرغبا في إيقاظه، قال أحدهما أنه في أمان، وقال الآخر :لابد أنه أحبها. ونظرا نحو السماء حيث النجمات القليلة التي أخذت في الظهور، كتم أنطونيوس أنفاسه ليكملا ما بدأا فيه، لكنهما شعرا أن ثمة من يتحرك خلف الأشجار من بعيد، فلزما الصمت في مكانهما، بعد وقت شعر أنطونيوس أن الأطياف رحلت، ولا يعرف لمَ لم يكمل صديقاه حديثهما، رفع عينه ليرى ما الذي ألزمهما الصمت، لدهشته كانت دميانة بجانبه، دميانه بعيونها الجميلة وشعرها الأسود الطويل وقد تخلت عن وقارها،ارتدت ثياباً خفيفة أبرزت جمالها أكثر مما يعرف، كانت صفحة صدرها واسعة وكبيرة وبيضاء، بينما نهداها ينحدران بقوة نحو شيء في الأعماق، صانعين واد ناعم وسحيق وبلا نهاية، سعي للوصول إلى النهايات لكن عينه لم تستطع الوصول لأكثر من ذلك، رغم تمددهما أمامه كقطين بريين في حديقة لا يسترها سوى غلالة من بخار، حين رأت ظمأه وجهده وضعت يدها على يده، ورفعتها قليلاً لتضعها على النهد الطري، كان طرياً كأنه قطعة من القطن الأبيض، وكبيرا ككرة من الماء الدافيء، الماء الذي أخذ ينساب متدفقا على فخذيه.

انتفض أنطونيوس من حلمه مبلل الثياب، موقنا أن الشيطان يحاصره من كل جانب، لكنه حمد الله أنه لم يكن في الدير، ونفض الورق عن وجهه وهو يسمع صوت المطبعة يغلق من جديد، بينما الحارس يعود إلى غرفته لينام، فأدرك أن رهبان يوساب في الخارج يبحثون عنه، ظل كامناً في مكانه حتى أيقن أن الحارس غط في نومه، ومن حيث أتى خرج متسلقا السور ليجد نفسه في الصحراء، وكما لو أن كلب السماء يطارده أطلق العنان لقدميه من جديد، كان رهبان يوساب قد داروا في جولة طويلة حول الدير والمطبعة والأرض المنزرعة مفتشين عنه، ولم يكن أمامهم غير أن يعودوا ليؤكدوا لسيدهم أنهم يطاردون شبحاً لا يمكن رؤيته، لكن قبل العودة كان لابد أن يتأكدوا من جديد أن المطبعة خالية، ففتح لهم الحارس وهو يلعن اليوم الذي سمع فيه اسم أنطونيوس، فأمروه أن يظل مستيقظا ولا يفتح لأحد، فوافقهم وعاد يكمل غطيطه.

كان الوقت قد أوشك على خروج النهار من رحم الظلمة، فأخذ أنطونيوس يهرول حتى كلت أقدامه، ورأى ضوء سيارة قادمة على الطريق، ففكر أن يعود إلى دور قاطع الطريق، لكنه انتبه إلى لحيته الطويلة وثيابه السوداء وصليب باخوميوس الكبير الذي يتأرجح على صدره، فاعتدل في مكانه ورفع يده ملوحا للسائق أن يتوقف، ولم يكن لسائق أن يفكر في مخالفة رجل دين، فوقف أمامه بإجلال:

ـ خدني في طريقك.

هكذا قال أنطونيوس، ثم صعد في السيارة التي شاءت الأقدار أن تركبها دميانة من قبل.

   حين عاد الرهبان بفشلهم في العثور على أنطونيوس قرر يوساب أن يجري تحقيقا سريعا مع رجاله عمن شاهدوه في الدير قبل اكتشاف الحادث، فأخبروه بأسماء أناس كثيرين كنت من بينهم، وما أن علم أنني كنت خارج فراشي في ذلك الوقت حتى برقت عيناه، ولم يرسل في إحضاري، لكنه الذي حضر وهم برفقته، وقف في المكتبة يجول بنظره في المكان ككل، حتى توقف أمام الدولابين الذين طبقتهما كي ينام بينهما أنطونيوس، ثم ثبت عينه على وجهي قائلاً:

ـ من كان هنا؟

شعرت أن أمري قد اكتشف، وأنني آجلاً أو عاجلاً سأتهم بقتل باخوميوس، إلا أنني رفضت فكرة الركوع على قدمي والاعتذار أو طلب العفو، فهززت رأسي قائلاً بتعجب:

ـ أنا.

زم شفتيه كمن يقبل الهواء، وهز رأسه رافعا حاجبيه :

ـ اين ذهبت حين مررت بالبوابة؟.

هززت رأسي وأنا أعترف:

ـ كنت في طريقي للأب جورج.

ثم أخبرتهبالمهمة التي كلفني بها رئيس الدير، وأحضرت له الصندوق الخشبي الصغير كنوع من التأكيد على حديثي، فوضعه تحت إبطه وطلب مني أن أتبعه، أغلقت باب المكتبة وتحركت بصحبة رهبانه، كان يمشي أمامي بخطوات واسعة وقوية دون أن يعطيني فرصة للحديث، بينما الرهبان يمشون خلفي كما لو أنهم جدار يحيط بي.

  عبرنا بوابة الدير، ونزلنا من على الدرج الرخامي الطويل إلى الأرض الواسعة أسفل الهضبة، كانت هواجسي تزداد كلما نزلنا إلى الأسفل بأنهم قبضوا على أنطونيوس ويريدونني أن أعترف عليه، وللحظات شككت أن يوساب من الممكن أن يكون ملاكاً طيبا وليس كما أتخيل، فصليت في سري للعذراء أن يكون عند حسن ظني، لكنني كلما تلكأت في سيري وجدت أيد الرهبان تدفعني للحاق به، فأدركت أن العذراء غائبة، وأنه لا يمكنه أن يكون ملاكاً ولو ليوم واحد، وما أن وصلنا إلى حظائر الماشية حتى تأكد لي أنني ميت لامحالة، فتشبثت أقدامي بالأرض وأنا أحاول الصراخ، لكن قبضة قوية نزلت على رأسي أخرستني، ولم أستعد رشدي إلا في الصباح، حيث وجدتني في مخزن السماد.

ـ هل دميانة تحب أنطونيوس ياملاك؟

هكذا سألني يوساب بعد حفلة الضرب والإهانة والتجويع والعطش، ففي الصباح نزل رجاله واستجوبوني عن أنطونيوس وأين ذهب، ثم تركوني ولم يعودوا إلا في المساء، ليكرروا ما فعلوه لمدة ساعتين، ثم تركوني كخرقة بين الحياة والموت، دون كسرة خبز واحدة أو شربة ماء، وفي الليل جاءوا وحملوني إلى كنيسة الملاح المغلقة، ووضعوني أمامهم على الأرض وهم واقفون في حلقة من حولي أمام الهيكل، كان الدفتر الأزرق في يد يوساب الجالس خلفهم، ولم أعرف بما أجيب، فلابد أنهم فتشوا المكتبة وحصلوا على كل شيء، حتى أنهم قرأوا دفتر دميانة وسخروا من مشاعرها.

ـ لا أعرف.

هكذا قلت بعد تفكير وبيأس واضح، لكن يوساب الذي نهض من مكانه وتقدم مخترقا حلقة الرهبان طوال القامة، ضربني بالدفترعلى رأسي:

ـ  وهذا؟.

ألمتني الضربة، وشعرت بالغضب يسري في عروقي، وكدت أقدم على فعل أندم عليه، لكنني لا أعرف كيف تمالكت أعصابي وكتمت غيظي، فنظرت إليه بعين يتطاير منها الشرر دون أن أفتح فمي:

ـ ماذا لو ألقينا بك الآن من فوق الجبل.. هل سيسأل عنك أحد؟

هكذا سألني بهدوء شديد، كان ينطق كل كلمة وكأنه يتأمل حروفها على مهل وهي خارجة من فمه، فنزل الوهم على صدري، وظللت ناظراً تجاهه بعين تملؤها البلاهة وعدم الفهم، فضحك قائلاً:

ـ وأنا أبحث في أوراق المقيمين بالدير اكتشفت أنك الوحيد الذي لا أوراق له، لا بطاقة شخصية ولا شهادة ميلاد.

أدركت حينها أن يوساب ليس مجرد كاهن في دير ناء، لكنه شخص يتمتع بالقدرة على التفتيش في الأورق، وأن ما يعرفه يفوق معرفة الكثيرين، وربما لا يكون وحده، فثمة آخرون يمدونه بما يريد، هززت رأسي موقنا أنه يستطيع أن ينفذ تهديده، لكن قلبي لأمر ما كان يشعر في تلك اللحظة بالثقة، وأنه لن يقدم على جريمة قتل جديدة في غضون أيام، لزمت الصمت متمنياً لو أن اللبؤة تخرج من قبوها لتقضي عليه، يمكنني القول أنني ابتهلت للمسيح كي يظهر معجزاته الآن، وبدا من صمت يوساب وشروده المفاجئ أنه يصلي لأمر ما، ربما لأنأخبره بما يريد معرفته عن دميانة وأنطونيوس، لكن فيما يبدو أن صلاتي وصلاته لم تكونا كما تريد السماء منا، فقطع صمتنا صوت طرق هادئ على باب الكنيسة، وحين التفت يوساب ظهر راهب أبدى احتراماً كبيراً وهو يقول له أن رئيس الدير يريده. فندت عني ابتسامة فرح، لكنني  سرعان ما قطعتها حين أشار يوساب لرجاله أن يتركوني الليلة في جحر اللبؤة، فأدركت أن السماء فهمت دعائي خطأ.

*****

15

في دير العذراء استعادت دميانة بعضاً من عافيتها وشعورها بالطمأنينة، فقد خرجت من بين النيران كما لو أن آلاف الشياطين مستها، لكن الذين وصلوا إليها أولا وجدوها تردد اسماً واحداً كتعويذة لطرد الأرواح الشريرة:

ـ أنطونيوس .. أنطونيوس ..

كانت النيران تحيط بها من جوانب عديدة، ولا يفصلها عنها سوى مترين أو ثلاثة، فقبضت في يد على عصاتين متقاطعتين كصليب كبير، وفي الأخرى على قطعة من الحطب المشتعل على هيئة شمعة تضيء لها، وكلما حولت الرياح وجه النار نحوها رفعت يديها في مواجهتها مرددة اسم أنطونيوس، بدا للرجال الذين صعدوا على الأسطح باحثين عنها أنها فقدت عقلها، فلفوها في بطانية وحملوها من بين ألسن النار إلى الشارع، وهناك جاءهم العمدة ومأمور المركز وعربة اإسعاف وسيارة شرطة، وانطلق الجميع من القرية إلى أسيوط، حيث تلقت علاجاً في مستشفاها العام، لكن السؤال الذي ظل يطرح نفسه لدى المأمور والعمدة هو:

ـ من تكون؟.

كانت مواقع التواصل الاجتماعي قد جعلت من دميانة والقرية الصغيرة حكاية أخطأتها حكايات ألف ليلة، وتذكر الأقباط الحوادث التي مرت بهم، منذ رياض أفندي غالي في عصر الملك فاروق حتى حوادث الزاوية الحمراء والكشح وماسبيرو، وظلت هذه المواقع تتحدث عما فعله السلفيون مع الفتاة القبطية دون أن يكون للفتاة صورة واحدة، فقدأصطحبها العمدة والمأمور وقيادات الشرطة إلى المستشفى العام، وهناك أمروا بحراسة مشددة عليها، وظل الجميع يتعامل مع الأمر على أنه من الأسرار العليا للدولة، حتى وجد المأمور نفسه مضطراً لنشر صورة لهاعلى أمل أن يتعرف عليها اي من أقاربها، حدث ذلك بعدما فشلت النيابة في الوصول منها لمعلومة مفيدة، فقد ظلت تردد أسماء أنطونيوس ويوساب وملاك وتريزا وغيرهم، دون جملة واضحة، ومن ثم أمر وكيل النيابة بنشر صورتها، فعرضت صورتها ضمن قوائم المفقودين، وتباري كثيرون في الإدلاء بمعلومات متضاربة، مما جعلهم في النهاية يحجمون عن إعادة نشرها.

اصبحت أسماء وزوجها من بين المشاهير، فقد تعامل معهما مقدمو البرامج على أنهما جزء من الحدث، فأسرار اللحظات الأولى والأخيرة معهما فقط، ومن ثم أخذا يتنقلان من قناة لأخرى كي يحكيا تفاصيل الملبس والمأكل والنوم والأحلام، وتعايشا اسم "أنجيل" الذي منحته لها أسماء، في البدء كانا يتحدثان بتحفظ لكن مع الشهرة والمالأعمالا الخيال في ذكر تفاصيل لم تحدث، وأسرار لا علاقة لها بالواقع، وأحضرت إحدى القنوات رساما جلس على الهواء مباشرة أمام اسماء وزوجها ليرسم ملامح الفتاة التي أحدثت فتنة الصعيد، هذه اللوحة التي راجت في وسائل الاعلام بوصفها الوثيقة المعتمدة من قبل شهود العيان، ورأت الشرطة أن ذلك أفضل لقتل القضية برمتها.

ظلتدميانة في هذياناتها ومخاوفها حتى أيقن الجميع أنها بحاجة لطبيب نفسي، وبعد عدة زيارات من الطبيب قررت النيابة حفظ القضية، ولم يجد المأمور كي يخلي سبيله سوى أن يسلمها لدير الراهبات، فجهزت لها رئيسة الدير الأم مريانا غرفة في مبني الضيافة، ووقفت بنفسها في استقبال الضابط المكلف بنقلها للدير، والذي أكدا على ضرورة ألا يعلم أحد بوجدوها لديهم.

عاشت دميانة في عالمها الخاص، فمنذ هاجمها الرهبان ليلة خروجها من دير الملاح وقد انفتحت لها نافذة تنقلها لعالم غير الذي تعيش فيه، حيث يمكنها أن ترى أنطونيوس وملاك وتريزا ومدرسة الراهبات وروب المحاماة ووالدها الشيوعي القديم صلاح متري، وحيث كانت في أيام الدراسة تنتظر أعياد القيامة وشم النسيم والخروج للفسحة فيالنيل، فجلست في نافذة غرفتها بمبنى ضيافة تتشمم روائح الربيع وتتأمل الزهور التي تتفتح، متذكرة أيام طفولتها وعلاقتها الدائمة بالربيع الذي لا يخلف موعده،  وكلما رأت وجوها لا تعرفها كانت توغل في نافذتها نحو من تحبهم، فتناجيهم تارة وتحذرهم أخرى، هكذا فعلت ليلة أن حاصر السلفيون بيت رضا وأسماء، فوقفت بين النيران وقد تلألأت كل الألوان في عينيها، كانت تضحك وتبكي وهي ترى أنطونيوس يمشي بتؤدة نحوها.

رأت أنطونيوس يمشي بين عدد من الرهبان كما لو أنه رئيس الملائكة، وحين وقف أمامها أخذ يعرفها باسمائهم، لكن لميعلق في ذهنهاغير أوريجانوس، كان ملاكا متأنقابوجه طفولي باسم، وأجنحة التي لا تغطي كامل جسده، بدا لها كطفل وديع فقده أهله في ساحة القديسين، شعره الفاحم كان ينز بالدهن والزيت المقدس،رغب في معانقته والطيران معه، لكن غربان سود ظهرت في تلك اللحظة، ظهر الشرير برجاله وأعوانهوأخذوا يلفونها في قماط طويل من الكتان، كل شيء تحول في عينها من النور للظلام، فراحت تصرخ، وكلما ترددت الأصوات العالية الغريبة في أذنها كانت ترتجف وتصرخ، ظلت تصرخ ترتجف حتى فتحت لها المهدئات النافذة على اتساعها، فرأت العالم ملائكة تتنزل من البياض، فراحت تناديها بأسمائها:

ـ أوريجانوس ... أوريجانوس.

كلما اختفى واحد وظهر آخر كانت تراه أوريجانوس، فتتأمل فيه وتناديه عليه، وكلما جاءها سألتهعن أنطونيوس، ذلك الذي يجلس وحده متطلعا للصحراء والنجوم، دون أن يفكر في حبيبته، أنا هنا يا حبيبي ، هنا يا أنطونيوس، انتظر وحدي، أنتظر وأبكي، في كل لحظة تتأخر فيها عني، فإننيأنتظر وأبكي، أقطع الفيافي بحثا عنك،وأنت لا تنظر نحوي، فلم هجرتنييا حبيبي،وتركت الأبواب ترتد في وجهي.

****

16

أوريجانوس

ـ 9 ـ

ما كان لديمتريوس أن يقبل فكرة الخروج عليه أو الانتقاص من صلاحياته، فقد كان مشغولاً ببسط نفوذه حتى على روما نفسها، ومن ثم فقد رأى أن سيامة كاهن من أبناء كنيسته على يد أسقف آخر هو اعتداء مباشر على سلطاته ونفوذه، فأرسل شماسيه إلى مختلف الأساقفة والكهنة بالأسكندرية والمدن الخمس وجنوب البلاد وشرقها عاقداً مجمعاً مقدساً، حين جلسوا أمامه أخذ يشرح عدالة قضيته، قال أن أسقف قيصرية ارتكب جرماً حين قام بسيامة شخص ليس تابعاً لإبراشيته، وزاد من الجرم أنه لم يستأذن أسقفية هذا الكاهن، ولو أنه فعلها لأدرك أن أوريجانوس لا تجوز سيامته، ثم فضح ما اعتبرته سراً بيننا، قال أنني قمت بإخصاء نفسي، وحتى الآن لا يوجد من يمكنه أن يقول بسيامة من قام بإخصاء نفسه، فلابد أن يكون خادم الرب والمتحدث باسمه سليماً معافى من كل شيء، لاينقصه العقل ولا تنقصه الخصوبة ولا القدرة على مجاهدة النفس، فهذا ضعف لا يستحق أن نكرمه بالوقوف أمام يدي الرب كي يتحدث باسمه طالباً المغفرة للناس.

كان أكثر من نصف الحاضرين في المجمع المقدس تربطني بهم علاقة صداقة وود، وعدد كبير من القساوسة كانوا تلاميذة لي في مدرسة اللاهوت قبل أن تتم سيامتهم، وهم الآن تحت وطأة المفاجأة، فالرجل الذي علمهم مبادئ الدين وشروحات الكتاب المقدس لم يكن قساً، بل أنه كان ناقص الرجولة والأهلية للوعظ باسم المسيح، بعضهم تعاطف معي بوصفي ضحية لقوانين كنسية صارمة، وبعضهم حاول أن يقطع المسافة بشكل عملي، فلا فائدة من البكاء على اللبن المسكوب، فطالبوا بمقترحات ديميتريوس في الأمر، ونظر الأخير إليهم متأملاً وجوههم وهو يقول أنني لا أستحق التعاطف من قبل أحد، لأنني مخادع مضل، فقد أخفيت عن أسقف قيصرية خصياني لنفسي، ولو كنت أعلنت له ذلك ربما لما أقدم على هذه الفعلة التي يهتز لها عرش الكنيسة في ملكوت الرب السماوي، ولذا لابد أن يكون العقاب شملاً، بإلغاء سيامته، ثم الاعتذار من قبل أسقف قيصرية وتبرير اعتذاره بعدم معرفته، ثم حرق أوريجانوس لأنه أخطأ للمرة الثانية في حق الكنيسة، ففي الأولى جلس ليعظ وهو علماني في حضور أساقفة فلسطين وبيت لحم، وفي الثانية أخفى عن أسقف قيصرية نقصانه البدني وقبل بترسيمه كاهناً، لذا فلابد من حرمانه وحرقه كي لا يتجرأ غيره على اقتراف أخطاء جديدة في حق المسيح وإيماننا الصحيح.

وجد الحاضرون أن مطالب ديمتريوس مبالغ فيها، فليس هناك ما يستحق كل هذا الغضب، والرب نفسه لن يسعد بقتل إنسان خصى نفسه كي لا يقع في الخطيئة، حينها حاول بعض القساوسة التخفيف من وقع الكلمات، وطالبوا بالاقتصار فقد على عدم قبولي للتدريس بينهم، وإن كان حضوري الأسكندرية سيثير غضب ديمتريوس فإنهم مع عدم دخولي لها، لكنهم ليسوا مع رفض سيامتي، ولا مع قتلي أو تعذيبي أو حرماني، خاصة وأن المكانة التي بلغتها، والكتب التي عكفت على إنجازها، ويتعلم منها الجميع المسيحية وأفكارها الصحيحة، لن تجعل هذا الأمر سهلاً، إلا أن ديمتريوس أصر على اتخاذ قراره بحرماني وقتلي، وهو ما جعل أعضاء المجمع يتناقشون معاً، ساعين للوصول إلى نقطة وسط، وهو ما رفضه القساوسة، معتبرين أن رئيس المجمع لا يريد الحكم باسم الرب، بقدر ما يريد حكمه هو، وتخليص ثاراته هو، ومن ثم رفضوا التنازل عن رأيهم، وقرر بعضهم الانسحاب، فنصح الأساقفة ديمتريوس بتأجيل انعقاد المجمع لوقت أخر، وهو ما استجاب له ديمتريوس.

كان تصعيد الكرام مفاجئاً وسريعاً، وأصبح هذا الأمر الشغل الشاغل للكنائيس الرئيسية في العالم، سواء في روما أو أنطاكيا أو قيصرية أو فلسطين أو طليطلة، أما أهل الأسكندرية أنفسهم فقد شعروا بالذهول، فالرجل الذي وقفت الأسكندرية منذ أعوام على قدم واحدة كي تشاهد البابا ونائب الإمبراطور وقائد حامية أنطاكيا يسيرون على أقدامهم تكريماً لعلمه، يريد البابا الآن أن يحكم عليه بالقتل، كانت الصدمة قوية وكبيرة، وكنت في قرارة نفسي أرى أن صديقنا ديمتريوس العظيم يمزح، وربما سيفاجئ الجميع أن الأمر ليس أكثر من سورة غضب، وربما عما قليل سينسى الأمر برمته، ويتركه ليذوب في مياه البحر أو ينطمر في مستنقعات الدلتا، لكن الأمر لم يكن مجرد مزحة، كان إصراراً بلغ إلى حد العناد، وكأن لعنة تطارد كلانا دون أن نعرف سبباً لها، فقد أسرع من جديد في عقد مجمع مقدس قصره على الأساقفة فقط، ووقف بينهم يقول أن طلبه بالخلع والحرمان الكنسي ليس لضغينة أو حسد كما يردد العامة، فليس هناك ما يجعلني أحمل ضغينة لأوريجانوس، لأنه كان بمثابة صديقي، وابني الذي لم أنجبه، وهو درة الأسكندرية في العلم بعد اكلمندس، لكننا حراس كلمة الرب، ولا يمكننا أن نقبل بالهرطقة في دين الله، لا يمكننا أن نقدم على هدم تعاليم الرسل في الكنيسة، ونتبع أمورا لم تحدث، فأوريجانوس نفسه قال أن تعاليم الرسل في الكنيسة هي من مبادئ الإيمان، والخروج عليها نوع من الهرطقة.

في هذه الآونة عدت إلى الأسكندرية متخفياً لأنظر ما الذي ستنتهي إليه الأمور، لم أكن أريد لأحد أن يتهمني بالهرطقة أو الجبن والهروب، فقلت أن علي أن أواجه مصيري بقوة ووضوح، لكن ذلك لا ينبغي أن يكون عبر تثوير الجماهير، لا ينبغي أن أجمع الناس لأهدد أمن الكنيسة وآبائها، فقطعت الطريق في ثلاثة أيام لا أكاد أنام فيها، حين وصلت إلى بيتنا وجدت أخي دانيال مقيما في البيت مع سارة وبقية أخوتي، فقد خسر كل شيء في واحدة من مقامراته الخاسرة، ولم يجد أمامه سوى أن يجيء بزوجته وابنيه ليقيم في بيت أبينا، بينما خسرت سارة زوجها في حادث خارج الأسكندرية، جاءها الخبر وقامت بدفنه وباعت بيتها للعيش من ثمنه.

 حين سمعت حديثهما وما جرى لهما لم أعرف هل أواسيهما أم أغضب من هما، فالتزمت الصمت ودخلت إلى غرفتي، كان "المبادئ" واحد من الكتب التي انتهيت من كتابتها دون أن أراجعها، فوددت لو أجلس لأنتهي من مراجعته، لكنني لم أستطع، فكل ما تمكنت من عمله هو اختيار الكتب المهمة ووضعها في أجولة، تلك الكتب التي اقتنيتها على مدار أعوام من أساتذة كبار، ومن نساخ كنت أذهب إليهم خارج المدينة، كتب أخذتها من الميوزيوم ولم أعد متفرغاً لنسخها كما في الصبا، فنسختها لدى أخرين، ويعز علي الآن أن أتركها دون أن أعرف مصيرها أو مصيري، كنت أضع كل كتاب وأنا أتامل سطوره وفصوله وأتساءل عما يجري وما سيجري، وجمعت ما أريد مراجعته، وما أريد قراءته في تلك الأجولة وأرسلت بها إلى صديقي أمبروسيوس لتبقى أمانة عنده.

في الصباح فكرت أن أذهب للقاء ديمتريوس، وأن أعتذر عن كل شيء، لكن ما وصلني مما قاله عني جعلني أكره لقاءه، فذهبت لألتقي بأصدقاء من الكهنة الذين رفضوا التوقيع على وثيقته بإدانتي، أخبروني أنني لابد أن أغير مكاني، ولا يجب أن ألتقي ديمتريوس لأن الغضب يملأه، ولا يمكن لأحد أن يتكهن بما ستنتهي إليه أفعاله، وقد ترك له نائب الإمبراطور حامية من الجند تأخذ أوامرها منه لحماية الكنيسة، ولا نظنه سيحسن التصرف حين يراك، هكذا قالوا بخوف وحزن وغضب، فطمأنتهم أنني سأفعل ما يرونه صائبا، لكنني لن أقف لأدين ديمتريوس أو أفضح أوهامه، لأنه رغم كل ما يفعله هو البطريرك، وهو صاحب أياد بيضاء على، حتى وإن خان هذه الأيادي، فإنني لاأستطيع خيانته، ولن لتجريده من ثوبه مهما حدث.

ظللت أياماً معتكفاً في بيتي أراجع "المبادئ"، وشغلت به عن كل ما يجري في الخارج، حتى فوجئت أن ديمتريوس دعا الأساقفة فقط لمجلس مقدس، كنت موزعا ما بين انجاز ما أقدمت عليه وبين الغضب والخوف مما قد يحدث، لكنني في النهاية أصيبت بعدم الرغبة في متابعة أي شيء، وتساوى لدى الموت مع الحياة، والخوف مع اللاخوف، فجلست للكتابة فقط، حتى أنتهيت من المبادئ ، بعدها فكرت في الخروج، لكن سارة رفضت، قالت أن البابا أرسل لنائب الامبراطور كي يصدر قراراً بطردك من المدينة، ولو خرجت وقبضوا عليك فإننا لن نراك.

 يومها ملأ الغضب دمائي، وطلبت منها أن تعد لي شيئاً لآكله، وما ان دخلت حتى خرجت إلى الشارع قاصداً الكنيسة، كان الجميع يعلم بأمري، ووجدتهم يهتفون باسمي كما يهتفون باسماء المصارعين، خففت البهجة التي تلقيتها من آثار الغضب على وجهي، وارتد إلى وقاري كرجل علم وواعظ للمؤمنين، وشعرت بالسلام يملأ قلبي، وأن ديمتريوس وأساقفته لا يمثلون شيئاً، شعرت أنني انتصرت ولا حاجة لأن أخوض حرباً لا طائل منها، فارتددت من شارع آخر إلى بيتي، لكنني ما إن دخلت البيت حتى وجدت الجند في أعقابي، قال رئيسهم معتذراً أنه لابد من القبض علي، فلديه أوامر بذلك، كنت أعتقد أنه أحد الجنود المخصصين لحراسة الكنيسة، لكنني فوجئت به من حامية الحاكم نفسه، أيقنت أن الأمر قد انتهى، وأنه لابد من الانصياع لأوامره، فقبلت سارة ووعدتها بأن كل شيء سيعود أفضل مما كان، وأوصيتها أن تنتبه لإخوتها الصغار، ثم استدرت خارجاً مع الجند من البيت والشارع والميدان والأسكندرية كلها، لأجد نفسي من جديد بعد خمسة أيام أبكي على صدر صديقي ثيؤكتستوس أسقف قيصرية.

******

17

كان إيمانويل الطيب حريصاً على أن تعود لدير الملاح سمعته، فقد مرت عليه سنوات لا يكاد يسمع به أحد، وربما تصور الكثيرون أنه أحد الأديرة المنقرضة، فمع انتهاء زمن الاضطهاد لم يعد يتجه للأديرة سوى الراغبين في حياة التقشف والزهد والتأمل، حتى أن الأديرة التي كانت تتراص بجوار بعضها على الجبال وفي بطون الصحراء أخذت تختفي شيئاً فشيئاً، بعضها طمر كلية وأصبح أثراً بعد عين، وبعضها اقتصر على عدد من الرهبان المعتكفين في الصوامع والقلالي للصلوات والتراتيل، كان الملاح أحد هذه الأديرة التي قل عدد المتجهين إليها، واتخذ نظاما صارماً في انضمام رهبان جدد إليه، كان لا يسمح بانضمام إلا من لديهم رغبة في المعرفة والعلم، حيث يمكنهم أن يكونوا جزءا من مدرسة يتجة الناس إليها. ولعقود طويلة ظل آباء الدير حريصون على توفير الرقاع والرياش والأحبار والجلوس لنقل معارفهم وما حصلوه من علوم للرهبان الجدد، فاشتهر الدير بأنه دير الشراح، وكثر الرهبان الوافدين إليه من مختلف الأديرة طالبين شرح ما استغلق عليهم فهمه فيما لديهم من كتب، موقنين أن الإجابةدائما هنا، في دير الملاح، لكن الأزمنة تغيرت، وفقد المكان وهجه وتألقه.

كان إيمانويل من بين الحالمين بعودة الدير إلى مكانته الشهيرة، فاهتم بتجديد المطبعة وتحديثها،وحين عرض عليه الكاتب ملاك أن يلقي نظرة على الكتب التي في مخزنه، حضر واستمع إلى حديثه الطويل عما بها في هذه الكتب من معارف وعلوم، وما في مخطوطاتها من وثائق وحكايات وتواريخ، ولم يرفض حين قال الكاتب أنه يرغب في إخراج الكتب والدفاتر من الصناديق ووضعها على أرفف، فطلب من الأب استيفان تحويل المخزن إلى مكتبة كبيرة.وحين تولى رئاسة الدير فتح أفق الاتصال بين الدير والكنيسة الأم، حتى بدا وكأنه تابع لها مباشرة، ولا علاقة له بأبرشية أسيوط، حيث أسقفها الذي رفض الاعتراف بقداسة إيمانويل، معتبرا رؤيته للمسيح خرافة أطلقها لجذب الاهتمام، وخروجا عن تباعية الدير له، لكن إيمانويل لم يقف مكتوف الأيد، فقد دفع بكل رهبانه المتميزين للحصول على درجات علميةمن كلية اللاهوت، كان من بينهم يوساب الذي كان مهتما بالأفكار المختلف عليها لدى أوريجانوس، لكنه لسبب ما لم يستطع الحصول على الدكتوراه، أما جورج المنحني فإنه أحد علماء الذين لهم مؤلفات مترجمة للعديد من اللغات، إلا أنه دائم الاعتزال وتجنب الناس، مما جعلالدير يسقط في يد يوساب المسئول عن الأمن.

كان يوساب قد أمر رجاله بتركي أبيت في قبو اللبؤة، وهو ما يعني السخرية مني ومن إيماني بالمعجزات، لكنني ظللت موقناً أن ثمة معجزات تجري على الأرض، غير أننا لا نراها، وقد تكون هذه الليلة واحدة من الليالي الأهم في حياتي، فقد تظهر لي اللبوة بأشبالها، إلا أنني لا أعرف ما الذي سيحدث بعد ظهورها، هل ستأتي لتباركني وأصبح قديساً يتبارك به أبناء الدير، أم أنها ستكشر عن أنيابها وتلتهمني كما التهمت أعداء الملاح، لا يحدث دائما أن تكون المعجزات في صالح المرء، وهو ما أخشاه، فلو ظهرت هرة وليس لبؤة فإنني سأموت في مكاني من الخوف، ولن ييفرحني أنني مت في كنيسة الملاح أو غيره، ولا على يد لبؤته أو مخلب قط.

أخذت الوساوس تنتابني من الموت، وفي سط الظلمة التي طمرت عيني بالسواد، لم أجد طريقة لطردها سوى التفكير في تاريخ الدير، برقت الفكرة في عقلي كمعجزة ظهرت في الظلمة للعيان، وجدتني أقسم الكتاب إلى أبواب وفصول، وأقسم الصراع لشخصيات وعهود، كان أوريجانوس واضحاً في ذهني بقوة، حتى أنني تخيلته يجلس بجاني ليملي على رسائله المفقودة لصديقه ديونسيوس، بينما ثمة شخوص تصيح من حولي كي أكتبها، من بينهم رهبان معلقين في السلاسل على جدران، معترفين للمسيح بذنوبهم، سمعت منهم من يقول "إنني أوطيخا، أعترف أنني أخطأت وأصابني الشطط، لكنني كنت أسعى لخلاص البشرية من الفتن". بينما أريوس يتألم في جانب بعيد على الجدار قائلاً "ربي، أعترف أنني أخطأت،فاسمح لي أن ألقي بنفسي من فوق الجبل، كي تنهشني الحيات".

علت الأصوات في ذهني وتداخلت، حتى أنني أصيبت بالصمم من كثرتها، ولم أعد قادرا على تمييز الصواب من الخطأ، وصارت كل الوجوهملونة بالدماء، ضاربة رؤوسها في الصخر رغبة في التوبة، كان أكثرهم دهشة لي هو "ميليتيوس"، ذلك الذي وقف حائر لا يعرف ما الذي يمكن أن يقوله، بينما الرب يسأله:

ـ هل نقبل اعتراف المخطئين أم لا؟

يبدو أن الرعب كان يتملكني من الداخل والخارج، فقد أصابتني الحمى وظللت أهذي طيلة الليل، حتى أن رهبان يوساب حين جاءوني في الصباح وجدوا حرارتي تزيد عن الأربعين، بينما العرق يغمرني من كل جانب، وبدلاً من أن يكملوا مشروعهم في تعذيبي قاموا بنقلي إلى فراشي في المكتبة، ووجدتهم يضعون كمدات على وجهي، ويغلون  أعشاب ويسقونني، ظللت على حالتي هذه ثلاثة أيام أو أكثر، بعدها استدعاني يوساب وهو يبتسم قائلا:

ـ لم أكن أتصور أن قلبك ضعيف إلى هذا الحد. تقبل عذري.

كنت منهكاً إلى حد لا يمكنني فيه النقاش أو الجدل، فشكرته وقررت العودة إلى فراشي من جديد، لكنه لاحقني:

ـ إذا أردت أن تخبرني بشئ فأنا في انتظارك.

هززت رأسي بالموافقة ثم انسحبت بهدوء من باب قلايته كما لو أنني طيف لا يراه أحد، في مدخل المكتبة وجدت راهبين يريدان الدخول بحثا عن أحد الكتب، فهززت رأسي وسمحت لهما بالدخول، تركتهما يبحثان عما يريدان وارتميت على فراشي أفكر في شأن كتابي عن الدير، تذكرت أن أنطونيوس طالب مني أن أكتب ما أعرفه، وها أنا الآنرغم أنني أتعافي من الحمى فإن صور الذين رأيتهم معلقين على جدار الصخور يصرخون في أن أحررهم من خطاياهم، وسرد ما جرى معهم، أجد الأصوات مازالت حية ونابضة كما لو أنني أسمعها بأذني، فابتسمت مزيحا صور الرهبان القدامي، منصتا للراهبين الذين يبحثان في المكتبة عن مخطوط يريدانه، فسمعت أحدهما يقول للأخر أن المحققة دميانة وجدت مقتولة في أسيوط.

حين سمعت باسم دميانة انتابتني رعشة كما لو أنني أصابني المس، ولوهلة تحولت أعضائي جميعا إلى أذن كبيرة أمام أفواههم، لكن أيا منهم لم يقل شيئاً، وكأنهم أصيبوا بالخرس فجأة، وانشغل كل منهم بالبحث في دولاب عن كتاب غير الذي جاءوا من أجله، وددت لو أنني أنتفض من مكان لأسال الراهب من أين علم بأمر دميانة، لكنني للحظة شعرت أن الأمر مرتب من قبل يوساب، وأنه هو الذي دفع بهما ليلقيا بالمعلومة أمامي، فإذا اشتبكت معهما في الحديث فأنني معني بالأمر، أما إذا التزمت الصمت وكأنني لا أعرف دميانة ولا يعنيني شأنها فهذا أسوأ، لأن يوساب سيعتقد أنني شريك لأنطونيوس في هروبه، فوجدتني متهم في كلا الحالتين، ولم أعرف ما الذي ينبغي على عمله، خاصة وأن الراهبين أنهيا بحثهما فجأة وخرجا من المكتبة.

حينها طنت في رأسي جملة يوساب " إذا أردت أن تخبرني بشئ فأنا في انتظارك."، فوجدتني أنهض من فراشي كمن لدغه عقرب، لأقف بباب يوساب قائلاً:

ـ يقولون أن دميانة وجدت مقتولة في أسيوط.

*******

18

أرسل رفائيل إلى ديمتريوس الصغير قائلاً أن والده رفض أن يدخل المسيحية، لكنه سمح بعماد شقيقه الأصغر، قال أن هذا التحول في موقف والده جاء بعد أن رأى ما وصل إليه رفائيل، فهو الصديق المقرب لأثناسيوس الذي يراه الجميع الرجل القوي في الكنيسة، ومن ثم يحظى بكل مهابة وتقدير، رغم أنه لم تتم رسامته كاهناً، إلا أنه خلال سنواتقليلة أثبت للجميع أن رهان ألكسندروس عليه لم يخب، رآه الأخير يلعب مع بعض أصدقائه لعبة العماد، ويمارس دور الكاهن في تعميدهم، فنال ذلك أعجابه، وطلب من أمه أن تبقيه في صحبته كي يتعلم على يديه، وبالفعل التحق بمدرسة اللاهوت، وتلقي منها مبادئ الإيمان، وتم رسمه شماساً ضمن المجموعة المصاحبة لألكسندروس، وأظهر أثناسيوس محبة فائقة للعلم، فنهل قدر ما يستطيع من كتب الآباء والقديسين، وكانت أعمال أوريجانوس هي المهد الذي عكف عليه، ليفهم من خلالها علاقة الرب بالعالم، ثم التحق بدير القديس أنطونيوس في جبال القلزم، فصحبه مدة من الزمن، وحين عاد إلى الأسكندرية وجد أستاذه ألكسندروس يعاني من ظهور الفتن، سواء الغنوصيين أو من فهموا بعض نصوص أوريجانوس خطأ، أو السابلة الذين قالوا بالأقنوم الواحد للرب، أو الميليتوسيين الذين رفضوا قبول المعترفين بخطأهم، وفي النهاية ظهر أريوس الذي تأثر بفكر الأفلوطونيين من جانب وفكر الأنطاكيين من جانب آخر، فراح يتحدث عن طبيعة المسيح، فاصلاً بين الآب والآبن، وذاهباً إلى أن الإبن لم يكن موجوداً قبل أن يولد من العذراء، وأنه بنزول كلمة الرب وروحه القدس عليه ترقي إلى درجة الألوهية، وهو ما رآه أثناسيوس مغالطات تصل إلى حد الهرطقة، فجلس يتصدى لها بالشرح والتفنيد، مدافعا عن الإيمان الصحيح حسبما تلقاه من الأباء في الكنيسة، وما درج عليه قديسون وشهداء فقدوا أرواحهم في سبيل الحفاظ عليه.

كان ذلك بداية طريق أثناسيوس لرسالتيه "ضد الوثنين" و"تجسيد الكلمة"، فقد رأى أن من انحرفوا عن تعاليم الكنيسةيتوهمون أن للشر كياناً جوهرياً، وأن ثمة إله غير الإله الحقيقي ربنا يسوع المسيح، وأن هذا الإله هو الباعث للشر، ورأس كل الشرور، وأنه أيضاً بارئ الخليقة، وبذلك يكون  لإله الشر القدرة على إخراج الخير من إله الخير، وهو ما يعني العدم، لأنه إذا تساوت القوى فإن الأسمى والأفضل لا يمكن إدراكه، وإذا كان إله الخير موجود على الرغم من إرادة إله الشر بالنقيض، فإن اله الشر يكون موجوداً على الرغم من إرادة إله الخير بالنقيض، وهو ما يعني فساد الإرادة وتحقق العدم.

كانت الرسالتان مكتوبتان بأسلوب سهل ومنطق واضح، وكانت فصولهما قصيرة، وجملهما سريعة، مما جعل الكثيرين يقبلون على قراءتهما، وراج طلبهما من النساخ، حتى أن الرهبان في الأديرة والكهنة في الكنائس كانوا يحرصون على تداولهما كما لو أنهم يتعاطون دواء ضد الوباء، مما جعل أثناسيوس محاطاً بهيبة في مجمع ألكسندروس الذي انتهي بحرمان أريوس وطرده من الأسكندرية، لكن الآخر لم يكن مجرد كاهن فرد، ولا رجل يسعى إلى حب الظهور ولو بالخطأ في تعاليم الكنيسة الأم، لكنه كان رأس فكرة تمازجت في بنائها عدة روافد، جانب منها قام على تأويلات خاطئة لبعض رؤى أوريجانوس، حيث كان أهل أنطاكيا وقيصرية يحتفون بما يعضد عدم قدرتهم على فهم معجزة الرب وطبيعته الواحدة، وكان أوريجانوس يعتمد على الرمز في كتاباته، لكن الكثيرين لم يفهموا رمزيته، وهو الخطأ الذي وقع فيه أريوس وغيره ممن أعتقدوا أن الابن تهذّب وتشكّل بهبوط قوة إلهية مجردة على يسوع، وقد مزج أريوس هذه الفكرة بما قاله بولس السيمساطيالذي لم يكن يختلف هو وأتباعه عن اليهود إلا في أنهم لا يختنون ولا يقدسون السبت.

أما الفئة الثالثة التي جاورها أريوس، وأعاد مزج أحاديثها في فكرته فهم ممن رفضوا وجود الإبن والروح القدس من السكندريين، وتحدثوا بألوهية الأب وحده، مؤكدين على أن الوحدانية الإلهية اتسعت لتحوي كل الموجودات، ومن ثم فإن أريوس يعتقد أن الله واحد، غير مولود، سرمدى وحده، ليس له بداية وحده. حقيقى وحده، له الخلود وحده، ليس بجانبه كائن آخر، وعن طريقه توجد قوة الحكمة والكلمة. وهذه هي المبادئ التي قال بها بولس السيمساطي في "الوحدانية المقتدرة"، ويعتقد أريوس بتأثيرات من الغنوسيين أن الله وإن كان واحدا فهو لم يكن دائمًا أبا، لكنه صار أباً عندما أراد أن يخلق العالم. فخلق كائنا واحدا. هذا الكائن أسماه الابن، وأحيانا الكلمة أو الحكمة.

كان ديميتريوس الذي تحسنت صحته قليلاً ينتظر رسائل رفائيل إليه، ليقرأ ويطالع ويعرف ما الذي يجري في المدينة، وما الذي انتهى إليه الآباء المقدسون هناك، وشغله أن يعرف من تلميذه رفائيل كيف استطاع أريوس أن ينشر فكرته بكل هذا الاتساع والسرعة، فالجدل الدائر في العالم الآن لا يخرج عن أن ألكسندروس وأثناسيوس قالا، وأريوس قال، حتى أن دير الملاح بدأت تصله أهازيج الرعاة بكلمات أريوس، وصارت أفكاره تبلبل المقيمين في الدير، فأخذ رفائيل يلقي موعظتين في الأسبوع، حيث يتابع شئون الرهبان ويسمع منهم، ويرد عليهم، وكلما أعياه شئ أرسل إلى رفائيل ليجيبه عنه،فلا يمر شهر دون أن تأتي رسالة من رفائيل أو تذهب أخري إليه.

وازن رفائيل بين التزاماته تجاه أهله الذين قبلوا به بينهم، وبين أن يطلع ديميتريوس على كل جديدويلبي ما يكلفه به أثناسيوس، ذلك الذي أخذ يعتمد عليه في كثير من الأمور، خاصة وأن المعركة بين الكنيسة وأنصار أريوس أصبحت على أشدها، ولجأ الأخير إلى أصدقائه ممن تعلموا على يد لوكيانوس في أنطاكيا، وصارت لهم الآن مكانة وحظوة لدى الامبراطور قسطنطين، وفي مقدمتهم يوسابيوس النيقوميدي الذي أصبح مستشاراً للامبراطور، وسعى لأن يجعل قسطنطين يضغط على ألسكندروس لعقد مجمع جديد يلغي فيه قرارات مجمع الأسكندرية، لكن الامبراطور طالبه بالحصول على قرار من أي مجمع مقدس آخر كي يتدخل، وكان ألكسندروس أيضا رجاله وعيونه في البلاط، فأبلغوه بما يسعى إليه يوسابيوس، فما كان من أثناسيوس إلا أن خرج من الأسكندرية برسالة إلى بطريرك روما مطالباً إياه فيها بحرمان أريوس لخروجه على تعاليم الرسل، والغاء ألوهية الابن، وجعله مخلوقاً وليس مولوداً، أي أنه ليس من جوهر الآب، ولكن خاضعا له، فما كان من بطريرك روما إلا أن عقد مجمعاً حرم أريوس فيه بناء عن رسالة ألكسندروس.

ولم تكن أنطاكيا بحاجة لأن تنتظر رسالة من ألكسندروس كي تعلن تنظيف نفسها من أريوس وبدعته، فقد أسرع أسقفها مركلوس بعقد مجمع مقدس أعلن فيه حرمانه آريوس لفساد اعتقاده في المسيح، وسعيه لنشر الهرطقة بين الناس، كان ذلك بعد عامين من مجمع الأسكندرية، لكن في الوقت الذي شعرت فيه الأسكندرية أنها حققت نصرها المؤزر على أريوس وأنصاره من اللوكيانوسين والميليتيوسيين،كان يوسابيوس قد أقنع أسقف قيصرية بعقد مجمع طالب فيه ألكسندروس بقبول أريوس وعدم حرمانه، وألح يوسابيوس على الامبراطور أن يفي بوعده، فارسل قسطنطين رسالة طالب فيها ألكسندروسبوقف الخلاف بينه وبين آريوس، لأن الامبراطورية تكاد أن تنقسم على نفسها بسببهما.

 بدا من رسالة قسطنطين أنه يأمر الكسندروسويتدخل في شئون الكنيسة، فراح الأخير يصرخ في وجه تلميذه إثناسيوس "ما لله لله.. وما لقيصر لقيصر"، وفهم أثناسيوس أن الامبراطور يساوي بين مجمع الأسكندرية ومجمع الرعاع في قيصرية، هكذا اوضح ألكسندروس سبب غضبه، وأخذ الاساقفة والقساوسة الموجودون يهدئون انفعاله، مقترحين عقد مجمع جديد يؤكدون فيه على ما ذهب إليه المجمع الأول، وجلس أثناسيوس يكتب رسالة الكسندروس إلى قسطنطين، قائلا أنه لا يعارض ما يراه جلالة الامبراطور، لكن هذا قرار مجمع مقدس، وسوف يأمر بانعقاد المجمع مرة أخرى لعرض رسالتكم عليه.

وسرعان ما انطلق أثناسيوس ورفائيل في جولة جديدة إلى الأساقفة والقساوسة، جولة لم تختلف كثيراً عن سابقتها، سوى أن رفائيل جاء لرؤية أستاذه ديمتريوس، وصديقه أبانوب، وبدت عليه ملامح النعمة رغم إرهاق السفر، وأصر أثناسيوس على المبيت في دير أستاذه الأنبا أنطونيوس، وشرح له كل ما جرى من خطوب وأحداث، قبل أن يذهبا للقاء الأب بولا، ثم ينطلقا للقاء الأنبا بيشوي والأنبا شنودة في ديريهما الملقبان بالأحمر والأبيض، ثم يعودان إلى الأسكندرية من جديد، حيث ألكسندروس الذي عكف على كتابة رسائله في الرد على الأريوسيين وفرياتهم، آخذا في مراسلة رؤساء الكنائس كي ينتصروا للرب.

 كان وجه ألكسندروس قد تضاءل أكثر مما هو عليه، وعينه غارت واكتست بالهالات السوداء، بينما الارهاق أخذ به كل مأخذ، وأثناسيوس يعرض عليه نتائج جولته، مؤكدا أن الجميع مازال على تقديسه لوثيقة مبادئ الإيمان التي وقعوها، وأن أحدا لن يرضى بالتأخر عن نصرة الرب، ودفع الهراطقة عن الكنيسة وتعاليمها منذ مرقس الرسول.

لم يمض أكثر من شهر ونصف حتى انعقد مجمع جديد، وقرأ ألكسندروس رسالة قسطنطين على الرؤوس، فهمهمت الأفواه وكسى الوجوه الظلام، وما كان منهم إلا أن رفضوا طلب مجمع قيصرية، مؤكدين أن بدعة أريوس تخالف كل التعاليم الموروثة عن القديسين والشهداء، وأنها تنزع عن الابن أزليته وقدرته، وتجعله جوهراً مختلفاً عن جوهر الآب، ومخلوقا خاضعاً له، تنفي أقنومية الروح القدس.

حين انتهى المجمع من صياغة قراراته أرسل بها ألكسندروس في رسالة مطولة إلى الامبراطور، وحرص على أن يكون اثناسيوس في معيتها، كي لا تلتقطها عيون يوسابيوس فيقومون بتحريفها أو تقديمها في أجواء مناقضة، خرج أثاسيوس من الأسكندرية بحراً إلى نيقوميدا حيث يقيم قسطنطين، وحيث يرأس يوسابيوس النيقوميدي أسقفيتها، وشعر أن الأرض التي يمشي عليها كارهة له، وترجو لو أن آلاف الشياطين تتخطفه، لكنه تغاضي عن كل ذلك، وحدث يوسابيوس بهدوء عن الاجتهاد في معرفة الحقيقة، وضرورة الايمان بما استشهد من أجله القديسون، وشعر يوسابيوس أنه من الصعوبة اجتذاب الشاب الذي لم يتخطى الخامسة والعشرين إلى جانبه، كما لن يستطيع أن يسقطه في عداوة تغير قلب الامبراطور عليه وعلى ألكسندروس في الأسكندرية، وحين فض الامبراطور رسالة ألكسندروس، شعر أثناسيوس أن خيبة أمل ظهرت على وجهه، فقد كان ينتظر أمراً غير الذي قرأه، لكنه هز رأسه وأمره أن يبلغ تحياته لبابا الأسكندرية.

شعر أثناسيوس في الطريق أن الانتصار قد اكتمل، وأنه أعطى لخصوم الكنيسة ضربة ستنهي على وجودهم للأبد، ولم تكذب الأيام شعوره، فقد أكد عيون ألسكندروس أن الامبراطور احترم قرارات مجمع الأسكندرية، وانشغل بأمور السياسة، نادما على تدخله، واستمر هذا الانتصار لما يقرب من عامين، حتى أن ألكسندروس بدأ يشعر أن مهمته اكتملت، وأخذ يسعى لمكافأة رجاله، فرسم بعض القساوسة أساقفة، ورسم بعض الشمامسة كهنة، وبالغ في الترحيب بأثناسيوس، مؤكداً أنه الأولى من غيره بالترسيم، لكن لابد أن يكون ذلك في مناسبة تليق بمكانته عنده، ولم يكن أثناسيوس مشغول بالترسيم، فهو فتى الكنيسة الأول، والكل يشير إليه بالبنان، ويحسده على حظوته لدى البابا، لكن الأيام الطيبة سرعان ما تنقضي، فقد استطاع أريوس ويوسابيوس عبر علاقة توطدت بالامبراطورة الضغط على قسطنطين لعقد مجمع مسكوني يحضره ممثلون عن مختلف الكنائس، لإنهاء كل الخلافات اللاهوتية المعلقة.

*****

19

لم يكن اتجاه السيارة "دوبل كابينة" هذه المرة إلى أسيوط، فقد كان حسنين النمر في طريقه إلى السويس، حيث مهمته نصف الأسبوعية في تخليص أورق شحنات شركته من جمرك السيوس، وكالعادة كان عليه أن يمر من الطريق الذي يقطع الصحراء في اتجاه الشرق، حيث يلتقي على مقربة من دير الملاح بالطريق الموازي لجبال القلزم، ليكمل مساره إلى نحو السويس في الشمال، حين رفع أنطونيوس صليبه ولوح به تجاه السيارة المسرعة في الصباح الباكر كان حسنين يفكر في أنه قد وجد الفتاة المسيحية في هذا المكان، حيث ظهرت أمام السيارة كما لو نزلت فجأة من السماء أو خرجت من تحت الأرض، يومها ضغط على الفرامل مرة واحدة فأطلقت العجلات صوت احتكاكها القوي بالإسفلت، لم يعرف في ذلك الوقت إن كانت رأسها ارتطمت بمقدمة السيارة أم لا، لكنه نزل فأجلسها بين يديه وهي شبه فاقدة الوعي، كان قلبه مرتعد وكل ما فيه يرتجف، سألها إن كانت بخير فهزت رأسها بالموافقة، فحمد الله وأطلق زفرة مكتومة وهو يسألها عن طريقها، فقالت:

ـ خذني معك.

 لم يفكر حسنين في شيء سوى الهروب من المكان، فقد راوده شعور أنه مسكون بالجن، وبمساعدة منه صعدت دميانة لتركب في الكنبة الخلفية، فالسيارة من نوع الدوبل كابينة، ورغم كل التمتمات التي انطلقت من فم حسنين لحظتها كرشاش يطارد به فلول الشياطين إلا أنه بعد قليل نسى الأمر كله، وبدأت عينه تراقب الفتاة النائمة في كرسيها الخلفي، وندم أنه لم يضعها في الكرسي المجاور له، فكر في أن يوقف السيارة متعللاً بأي سبب ليجعلها تنتقل إلى جانبه، لكنها بدأت تزوم وتصدر أصوات غريبة، أجزم بأن جنيا أصابها، وأن عليه أن يتخلص منها في أقرب مكان، قال أنه ذاهب إلى أسيوط، فهزت رأسها بالموافقة، وأدرك أن ليلته ستكون طويلة ومزعجة، فالتزم الصمت وأخذ ينصت إلى الأسماء التي تهذي بها، وما أن وصل إلى مشارف قريته حتى تخلص منها، وذهب إلى بيته ليغط في نومه بقية اليوم، وفي الصباح التالي ذهب إلى لمقر الشركة في أسيوط ليسلم المستخلصات التي لديه.

لا يعرف حسنين ما الذي جعله يتوقف للراهب، فقد انتبه من شروده على صورة أنطونيوس وهو يطل بوجهه وصليبه عليه وكأنه سيدخل في زجاج السيارة، ضغط  على دواسة الفرامل في استسلام واضح، كما لو أنه يتقرب إلى إله الشياطين كي تصيبه بمكروه، كان أنطونيوس ينظر له من شباك النافذة الأخرى سائلاً إن كان بإمكانه أن يأخذه معه، فأطلق زفرة طويلة وهو يحاول إقناع نفسه بضرورة خدمة رجال الله من أي ملة أو جنس:

ـ إلى أين؟

هز أنطونيوس رأسه :

ـ حيث تذهب.

ثم فتح الباب وكاد أن يصعد إلى الكرسي المجاور لحسنين، لكنه تذكر أن رجال يوساب ربما يكونون على مقربة من الطريق فيلمحوه.

ـ هل يمكن أن أرتاح على الكنبة الخلفية؟

هكذا قال، فهز حسنين رأسه مستسلماً بالموافقة، صعد أنطونيوس إلى نفس الكرسي الذي صعدت إليه دميانة،وسرعان ما انحنى بجذعه لينام بوجهه مثلها على الكنبة، فأيقن حسنين أن الرجل متعب ولم يسأله عن شيء، لكنه فكر في أن الفتاة التي ركبت من نفس المكان نامت أيضا في نفس الكرسي، وللحظة شعر أن عليه أن ينقل من هذا المكان أناسا مصابين بالجن، وأخذ يتابع أنطونيوس من المرآة عسى أن تظهر عليه علامات الهذيان أو التشنج، لكن الأخير التزم الصمت حتى عبرا دير الملاح بمسافة كبيرة، فاعتدل في جلسته لينظر من النافذة إلى الصحراء وقمم الجبال من حوله، وراح حسنين يروي له واقعة الفتاة التي ركبت معه من نفس المكان، وعن مرضها الغريب، وكيف تسببت في كارثة حلت بقريته.

لم يقدم حسنين إشارة واحدة تجعل أنطونيوس يفهم أن الفتاة التي تحدث عنها هي دميانة، وما كان لأنطونيوس أن يتخيل أن دميانة نجت من الموت، أو أنها غيرت طريقها من السيوس إلى أسيوط، أطلق زفرة طويلة وهو يتذكرها، وسرعان ما هز رأسه حزناً عليها هي وصديقه باخوميوس، طالبا لهما الرحمة، وود لو أنه يستطيع أن ينتقم لموتهما، لكنه عاد وتذكر أن الرب غفور للجميع.

سأل السائق عن وجهته فقال أنها السويس، ولو أراد أن يوصله إلى أي مكان آخر سيفعل، هز أنطونيوس رأسه شاكرا حسنين، وزاعما أنها الجهة التي يريدها، ثم سرعان ما فكر فيما سيفعل، فلابد أن يتأكد أن دميانة على قيد الحياة، وبعدها يحدد موقفه، ومن ثم وضع خطته بالذهاب إلى القاهرة، ثم الوصول إلى بيتها، رغم أن كل ما يعرفه عنها أنها مقيمة في شبرا، وأنها ابنة لمحام يدعى صلاح متري، فهل يمكن أن توصله هذه المعلومات إليها؟

ما إن وصل حسنين إلى السويس حتى توقف أمام موقف السيارات الذاهبة إلى القاهرة، وما أن أدرك أنطونيوس أنه خرج من الدير بلا مال حتى شعر أنه سيواجه أزمة كبرى، وللحظة فكر في أن يطلب من حسنين أجرة الطريق، لكنه شعر بثقل الأمر على قلبه، فشكر حسنين على معروفه، وسأله عن اسم الفتاة التي أخذها إلى قريته، فقال أنها أنجيل.

لم يكن يفكر في الطعام، لكن رائحة متصاعدة من عربة كبدة في الموقف ذكرته أنه لم ينل كسرة خبز واحدة منذ الأمس، وشعر أن أمعاءه أخذت في التحرك، أشاح بوجهه بعيداً مؤجلاً كل شيء للقاهرة، فقد علمته الرهبنة وحياتها كيف يؤجل رغباته إن لم يستطع قتلها، ومن ثم أطاح بالفكرة ككل وحدق في الشمس التي اشتعلت على الرؤوس، كان يرى العيون وهي تنظر إليه تارة بإجلال وتارة بخوف، فلا أحد يرغب في الاحتكاك بقس في هذه الآونة، لا أحد يرغب في شبح فتنة تقافز بمختلف أنحاء البلاد.

فكر أنطونيوس أنه منذ اجتاحت الثورة مفاصل البلاد والحياة لم تعد طبيعية، وما سمعه من المؤمنين الذين كانوا يحجون إلى الدير جعله يفكر ألف مرة في عدم الخروج من قلايته، فقد ازدادت إهانة المسيحيين والاعتداء عليهم مع فقدان الأمن، وراح الرعب يجتاح الكنائس مع صعود نجم الاسلاميين ووصولهم البرلمان، وأخذ الجميع يتساءل عن المصير الذي سيواجونه، وما إن فاز الاخوان بالحكم حتى شعر الأقباط بالنكبة، واتخذ بعضهم قراره بالهجرة، لكن ما إن بدأت تلوح في الأفق علامات الخروج على الاخوان حتى استبشروا خيراً، وأخذ الكهنة في الكنائس والأديرة يجيبون بأن الكنيسة لا دخل لها في السياسة، لكنها لا تمنع أحدا من ممارسة حقه في الاعتراض والتمرد، وكانذلك إيذانا بأن يلقي المؤمنون رهانهم على أراقم الثورة، ولم يكن هناك كثير من الأوراق في ظل احتياج الناس إلى الجيش كقوة تحميهم من المليشيات.

هز أنطونيوس رأسه وهو يركب سيارة الميكروباص، وشعر بعضهم أنه يلقي السلام عليه، بينما شعر أخرون بالامتعاض، تجاهل أنطونيوس الجميع ومسد لحيته الطويلة بيديه راسماً بالصليب على وجهه، لكن ذهنه ظل مشغولا بما آلت إليه الأوضاع حتى بعد سقوط الاخوان، فقد تزايدت الضغوط  وتكاثرت المحن وغاب المسيح برحماته عن الجميع، فلا ندري أي غضب ينظر به إلينا الآن، وأي خطيئة ارتكبناها كي يحدث لنا كل ما حدث.

ما إن خرج الميكروباص من الموقف حتى أخذ الركاب في جمع الأجرة، ولما كان أنطونيوس شارداً عما يجري من حوله فقد اضطر أحدهم إلى تنبيهه لدفعها، وهنالك تذكر أنه بلا مال ولا أوراق هوية، فرقق من صوته معتذرا.

ـ معذرة ... ليس معي.

ما كان من الرجل إلا أن صاح في السائق بأن القس ليس معه أجرة، هنالك ضغط السائق بقوة على الفرامل حتى انكفأ الركاب على وجوههم، وتجاهل لعناتهم وغضبهم صائحا فيهم:

ـ ينزل!

هنالك التفتت كل الأعناق نحو القس، متطلعة في وجهه وكأنها تنتظر رد فعله، وشعر أنطونيوس بالإهانة، فاعتذر للناس وطلب أن يفتحوا له الباب، لكنه سمع من نهاية المكروباص من يقول:

ـ لا تنزل.

انتقلت العيون إلى صاحب الصوت، كان شابا في الثلاثين من عمره، يحدق بعين قوية في أعين الآخرين، وهو شاهر ورقة من فئة المائة جنيه أمامه:

ـ أجرته.

كانت الكلمة مسموعةللجميع بما فيهم السائق الذي شعر بخطئه، فنكس رأسه وعاود الانطلاق على الطريق من جديد، لم يكن وحده الذي يشعر بالخجل، فقد استدارت العيون نحو أنطونيوس لتعتذر في صمت، طالبة منه أن يبادرها بالكلام، لكن الأخير كان غاضباً ومصراً على غضبه، فظل صامتاً لا يقبل منهم اعتذارا ولا يبوح لهم بسر، وحده السائق الذي أعتذر بوضوح، مبررا غضبه بغلاء المعيشة وأن أجرته في اليوم لا تزيد عن أجرة راكبين، فهز الجميع كتفه مبدين تعاطفهم معه، وخائفين من أن يوقف السيارة أو يعود بهم إلى الموقف.

 وجه الركاب طاقاتهم نحو موضوعات شتى، من بينها ما كتبته الجرائد عن الفتاة التي أشعلت الفتنة في إحدى قرى الصعيد، قال أحدهم أنها مسلمة، وأن أهلها رفضوا تسليمها لزوجها فهربت منهم، ورد آخر أنها مسيحية لكن السلفيين اعتبروها غنيمة لهم، كانت الأفواه تدور في العربة دورة تنتهي من بعي بوجه أنطونيوس، وكأنها تسأله عن الحقيقة، أو وجهة نظر الكنيسة في الأمر، لكن أنطونيوس الذي لم يكن يعرف شيئاً التزم الصمت، وحين ضيق عليه أحدهم سائلاً عن رأيه، ابتسم مكتفيا بهز رأسه، فما كان من راكب آخر إلا أن قال:

ـ من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر.

فنظر إليه أنطونيوس نظرة أماتت الابتسامة على وجهه، ويبدو أن هذه النظرة وصلت إلى الجميع في نفس الوقت، فأصيبوا بالخرس المؤقت، ثم سرعان ما غطوا في نوم أو حكايات ثنائية.

حين وصلت السيارة إلى نهاية رحلتها في ميدان رمسيس، لم يكن قد بقي بها غير بضعة أفراد من بينهم أنطونيوس والشاب الذي تطوع بدفع الأجرة له. توقع أنطونيوس أن يكون قبطياً أخذته الغيرة على رجل دين من أهل، لكنه فوجيء أن اسمه أحمد، وكان في زيارة لعائلته بالسويس، وتملكته الرغبة في معرفة من هي أنجيل وما الذي حدث معها، فما كان من الشاب إلا أن دعاه لتناول كوبي شاي كي يحكي له ما يعرفه.

لا يعرف أنطونيوس لماذا لم يندهش حين علم أن الجالس أمامه صحفي في جريدة قومية، لكنه فتح له قلبه وأخذ يحكي عن دير الملاح، بوصفه دير الشراح العظيم، لكن الأنظار اليوم لا تعيره انتباها، فمساحته صغيرة، ورهبانه لا يكادون ينزلون من هضبته العالية، وقبابه لا تكاد ترى من على الأرض.

لم يمض كثير من الوقت حتى مد الصحفي يده بورقة من فئة المئة جنيه تجاه أنطونيوس قائلاً:

ـ هذا قرض سأسترده حين أزورك هناك.

تردد أنطونيوس في رفض القرض، إلا أنه تحت وطأة الاحتياج وعدم المعرفة بالمكان اضطر لقبوله، كما اضطر لأن يكشف عن سره للصحفي الغريب، فأخبره أنه جاء للقاهرة لملاقاة شخص لا يعرف عنه غير اسمه، لا يعرف حتى إن كان حيا أم ميتا، بدت على وجه أحمد علامات الدهشة، لكنه في النهاية نصحه بالاتصال بالدليل عسى أن يصل إلى تليفونه، وحين أدرك أن أنطونيوس قادم من مكان لا علاقة له بتقنيات الاتصال، قرر أن يساعده عبر هاتفه الشخصي، في المرة الأولى لم يتوصلا لاسم دميانة، لكنهما عاود الاتصال بحثاً عن صلاح مترى المحامي، فحصل على العنوان ورقم الهاتف.

 اتصلا بالرقم ووجدا أنه مرفوع من الخدمة، ولم يكن هناك كثير من الحلول سوى الذهاب إلى العنوان، وسرعان ما نزلا درجات المترو واتخذا القطار إلى سانت تريزا، وهناك سألا عن الشارع ورقم البيت، شعر أنطونيوس أن أحمد ملاك نزل إليه من السماء ليوفر عليه عبث البحث عن إبرة في كومة قش، حين وصلا إلى البيت ودعه أحمد تاركاً في جيبه رقم هاتفه.

البيت قديم ومكون من عدة طوابق، رفع أنطونيوس عينه ليعد طوابقة الأربع، رأى على الدور الثالث لافتة تراكم عليها التراب حتى أخفى معالمها، ددقق النظر بها حتى لمح كلمة مترى، وتأكد أن دميانة حافظت كل هذه السنين على اسم والدها مرفوعا على مكتبه، هز رأسه مطمئناً نفسه أن الرب معه، وما إن أسلم قدميه لدرجات السلم حتى ظل يصعد إلى أن وجد لوحة على الباب باسم صلاح مترى المحامي، فطرق بهدوء وخجل على الزجاج، لكن أحدا لم يفتح، وخشى أن يرجع من حيث أتى دون أن يرى وجه دميانة أو يعرف خبرا عنها، فترك الخجل والزجاج وطرق بقوة على ضلفة الباب، وكاد أن يستدير مسلما نفسه للسلم من جديد لولا أن سمع مزلاجا يتحرك من الداخل، فتوقف حتى أطل عليه وجه سيدة في نهاية الخمسين من عمرها، لكنها بدت أكثر عجزا مما عليه، قلبت عينيها في وجهه بدهشة، فما كان من أنطونيوس إلا أن سألها:

ـ أنت أم دميانة؟

 لمعت عينها بالفرح وهي تقول:

ـ هل وجدتها الكنيسة؟

وقف أنطونيوس لا يعرف بما يرد، وللحظة شعر أنه لم يعد قادرا على الاحتمال أكثر من ذلك، فانهمرت من عينه دمعة بحجم حبة عنب صغير، وأخذت تسيل حتى توقفت على غابة الشعر النابت في وجهه، فمسحها ونظر متطلعاً للسيدة تريزا وكأنه يشم يريح يوسف، فانتبهتالأخيرةإلى أن عليها الاحتفاء بالقس ثم استجوابه على مهل، أفسحت له كي يدخل البيت، وبدا كما لو أنه كان ينتظر مثل هذه اللحظة منذ سنوات، فقد شعر أنه وصل إلى مصدر الرائحة التي جذبته كل هذا الطريق، وأخذ يتطلع إلى الجدران والحوائط كأنه يتشمم كل جزء فيها، لاحت له دميانة بثوب بيت وردي خفيف، وظهر على فمها ابتسامة صغيرة موجهة له وحده، لاحقته كلمات الأم المندهشة من تطلعه لكل ما في البيت.

انتبه إلى أن عليه أن يختار مكاناً للجلوس كي يطمئن السيدة على ابنتها، فانتهت رغبته في التشبح بريح دميانة، ورفح حاجبيه مدركاً أن مهمته الآن أصبحت ثقيلة، فالسيدة لا تعرف شيئاً، ويبدو أنها شكت للكنيسة تأخرها، فوعدوها بالسؤال والرد، لكن أحدا لم يهتم، وعليه الآن أن يبلغها بما يثلج صدرها، فأخذ يهيء صوته لأن يكون أكثر هدوءا وهو يمارس أول كذبة له بعد خروجه من الدير، فما الذي يمكن أن يقوله لها؟

******

20

ما إن سمعت مريانا بقصة دميانة حتى أمرت بتجهيز غرفة لها تطل على الطريق المؤدي إلى الدير، وهو واحد من الأديرة القديمة، يقال أن أثناسيوسلجأ إلى مغارته هربا من تعقب الرومان له، فأقامعدة سنين فيه، في البدء لم يكن يعرف بأمره غير صديقه رفائيل، لكن في يوم لجأ أحد الرعاة إلى المغارة، ووجد نفسه وجها لوجه مع رأس الكنيسة، فخرج صائحاً في الناس أنه وجده، وأخذ يخبر من يراهأن أثناسيوس مختبئ في مغارة الزاوية، فتكاثر الناس لرؤية أبيهم الروحي، طالبين منه أن يعترفوا بخطاياهم على يديه، جلس يعظهم من على الجبل، ويباركهم بالماء المقدس، ولما رأى على البعد جنود الرومان قادمين نحوه أمرهم أن يصعدوا للمغارة، ورغم كثرة الناس إلا أنها اتسعت لهم، حتى لم يبق غير الذي دلهم على المغارة، فسأله الجنود عن مكانه، لكنه لم يعرف بما يرد، فقد اختفت بمن فيها، وأصبح الجبل بلا ثغرة تدل على أن أناسا كانوا هنا، فأخذه الجنود وعادوا إلى ثكناتهم.

 بعدها عادت المغارة من جديد، وعاد الناس إليها كل يوم متلمسين رؤية القديس أثناسيوس، لكنهم مرة يجدونه ومرات لا يجدون غير النساخ الذين صحبوه في رحلته، فكانوا ينتظرونه حتى يظهر لهم، هؤلاء الذين تعودوا الجلوس إلى باب المغارة أوجدوا لنفسهم عملا يفيدالناس، فقد تعلموا من النساخ أن يكتبون عظات أثناسيوس ويبيعونها لغيرهم، فعرف الدير باسم دير النساخ، وباسم دير أثناسيوس، وفيه أملى الأخير على نساخه سيرة أستاذه القديس أنطونيوس، ومنه خرجت عظاته للرد على الأريوسيين وهرطقاتهم، وخرجت رسائله إلى رؤساء الأديرة والكنائس لترشد الجميع إلى طريق الإيمان القويم.

نالت دميانة رعاية طيبة على أيد الأم مريانا وبناتها الراهبات، وتردد عليها في الأيام الأولى طبيب نفسي أعطاها عقاقير مهدئة، ونصح مريانا بمساعدتها على ممارسة الرسم والكتابة، وفرت مريانا بعض الأوراق والألوان، وألزمت إحدى الراهبات بمرافقتها، ومع الهدوء والطمأنينة بدأت هلاوسها تتراجع، وذاكرتها البعيدة تعود على هيئة مشاهد متقطعة، كان أبرزها التحقيق مع أنطونيوس، كانت هذه لحظاتها الأثيرة، فكلما هدأت أعصابها وخلت إلى نفسها تذكرتها، ومع الوقت أخذت توسع المشاهد والذكريات، حتى فاض بها الوجد إليه، فأخذت تحكي للراهبات عن حبيبها البعيد، وأخذت الكلمات تسري حتى وصلت إلى مريانا، فشعرت أن أحجار الدير العتيق سوف تتهاوى، فعاقبت الجميع وقررت التخلص من الضيفة غريبة الأطوار.

لم تكن مشكلة مريانا أندميانة تحب راهبا أو علمانيا، لكن المشكلة تكمن في إحياء المشاعر التي خلفتها الراهبات خارج أسوار الدير، نعم جئن من أجل الرب، وأمضين حياتهن في العمل والعبادة، متناسيات العالم الخارجي برغباته وشهواته، منتصرات على مشاعر الجسد واحتياجه، لكنهن في النهاية نساء، أقل كلمة قد تحي بداخلهن الذكريات، وتشعل نيرانا كانت قد خمدت في النفوس منذ أمد بعيد، كان ذلك مصدر خوفها، فقررت الاتصال بالمأمور طالبة منهاستعادة ضيفته، ولأنها لا تستطيع أن تشرح له أسبابها، فقد اعتقد انها لا تود أن تتعاون، وراح يوضح لها كم سيرتبك نظام الدير أكثر لو أن المتشددين فكروا في دخول الدير، حينها وصلت مريانا رسالته، فتراجعت في موقفها، متمتمة لنفسها:

ـ ربنا لا تدخلنا التجربة.

بعد ليلة طويلة من التفكير رأت مريانا أن تعزل ضيفتها عن الراهبات، وتضعها في قلاية بعيدة منعزلة بأعلى الجبل، ولا يدخل عليها سواها، موفرة لها كل ما قد يساعدها على الشفاء بالكتابة والرسم كما قال الطبيب، مع الوقت عرفت دميانة من جديد طريقها إلى الكتابة، فراحت تسجل ما تراه وما تتذكره، وبقليل من الجهد استطاعت أن تتجاوز محنتها بأسرع مما توقعت، وانتبهت إلى أن ما تكتبه يخصها وحدها، فعمدت لاخفائه في دفتر لا يطلع عليه سواها.

اعتادت مريانا على الذهاب لدميانة في قلايتها، اعتادت على الجلوس معها بعيدا عن هموم الدير ومشكلاته، واكتشفت أنها يمكنها أن تحكي عن همومها لفتاة لا تزيدعن كونها مجرد أذن كبيرة، فراحت تحدثها عن أنهذا الدير لم يكن في الأصل ديرا للراهبات، فمنذ لجأ أثناسيوس الرسولي إلى مغارته طالبا من الرهبان الذين معه أن ينسخوا رسائله وعظاته للناس كي يطلعوا عليها وقد أصبح هذا المكان ديرا للنساخ، يجيئه الناس من كل مكان، طالبين كل جديد في كتب اللاهوات، ويجيؤه القساوسة والأساقفة طالبين نسخ رسائلهم وعظاتهم، هكذا كان الجميع يلتقي هنا، وكانت الكتب، كل الكتب، حتى الممنوعة والمحرمة، تنسخ بينن جدران هذا الدير، يسهر عليها أباء تدربوا منذ صغرهم على رسم الخطوط، وتفننوا في صنع أدواتهم من الغاب والبردى، الجميع كان يأتي إلى هنا، يقطعون المسافات ليقتنوا أحدث الأعمال، ثم يحملونها إلى دير الشراح، طالبين تفسير ما غمض فيها، دير الشراح ليس بقريب، لكنه على مسافة طريق طويل في قلب الصحراء، طريق يبدأ من أسيوط إلى هضبة في جبال القلزم، طريق عرف من كثرة الساعين فيه باسم طريق الرهبان، حيث يجلس أباء أمضوا حيواتهم في قراءة الكتب الغريبة، مطلعين على الأفكار التي مع المسيح وضده، موقنين أن العلم لا انتماء له، وأنهم ليسوا مع الكنيسة ولا ضدها، لكنهم مع المعرفة، فجهدهم الذي يعيشون منه منذ وضع الملاح رحاله على هذه الهضبه النائة هو المعرفة.

لكن دير النساخ فقد بهاءه حين أغلقه يوساب الثاني في الخمسينات، كان الخلاف قد تزايد بينه وبين الأمة القبطية، وكان يعلم أن عددا كبيرا من عناصرها يقيمون هنا، وما أن فشلت محاولتهم للاطاحة به حتى قرر القضاء عليهم، فأمر بإغلاق هذا الدير، لكنهم لم يتركوا المكان، كثيرون منهم ظلوا مختبئين في الجبل، معتبرين رحيلهم بمثابة إقرارا بخطيئة لم يرتكبوها، زظلوا يضغطون على البابا لإعادة فتح الدير، ورغم استجابته بعد عامين لهذه الضغوط إلا أنه أصدر قراره لأن يكون للراهبات فقط، موقنا أن تلك أفضل طريقة للتخلص من الأمة القبطية ومهنة النسخ أيضا، لكن الرجال ظلوا مختبن في قلال خلف الدير، آخذين على عاتقهم تعليم الراهبات الصغار فنون النسخ التي أصبحت محرمة.

كانت مريانا تحكي وهي موقنة أنها حديثها لن يخرج من بين جدران القلاية، لأن ضيفتها ليست أكثر من أذن لا تتحدث ولا تتذكر شيئاً. لكن دميانة فاجأتها بسؤالها عن مصير النسخ التي يرسمنها، فتوقفت مريانا عن الحكي، ليس تفكيرا في إجابة مناسبة، ولكن لاكتشافها أنها تورطت أكثر مما ينبغي، وللحظة ساورها الشك في أن تكون دميانة عين عليها، فاصطحبتها في جولة بالدير، قامت خلالها الأخوات بالبحث في قلاية دميانة عن أي شيء غريب، ولم يستغرق الأمر كثيرا كي يصلا إلى الكراسة التي كانت دميانة تدرب فيها نفسها على استعادة الذاكرة، فكان من بين ما كتبته أجزاء طويلة تخص مريانا وحكاياتها في الدير.

********

21

أوريجانوس

ـ 10 ـ

الأب المبجل ديونيسيوس، أعلم أن ما قيل عن العداوة بيني وبين الأب ديمتريوس كثير، أعلم أن الحديث عما جرى بيننا قد ملأ الآذان والأفهام في مختلف بقاع الأرض، فقد اشتط ديمتريوس في عقابي على شيء لا أعلمه، ولم يتراجع قيد أنملة عن السعى لاخفائي من الوجود، ولم يكن أمامي سوى أن أنصاع لدفعات الجنود في الشوارع وهم يخرجونني من الأسكندرية، لا تلامذتي ولا أساتذتي ولا حتى نائب الامبراطور في المدينة العريقة استطاع الشفاعة لي، الجميع وقف مكتوف اليد، بل شعروا بالفخر والنصر أنهم استطاعوا أن ينقذوا عنقي من القطع وجسدي من الحرق، أنا أيضاً شعرت أنني قد أذيت الرجل، وأنه لابد أن أستجيب لما اتفق الجميع عليه، لابد أن أنهي هذه الحرب التي بلا معنى ولا سبب، وأن أخرج في هدوء مع الجنود إلى حيث الميناء، فخرجت في حراسة مشددة، وصعدت إلى ظهر مركب مليء بالجنود، جميعهم كانوا ينحنون احتراماً لي، أغلبهم لم يكن مصدقا ما يجري، فالعالم الجليل الذي بجله الجميع يخرج الآن منفيا من مدينته بلا مبرر، ويحرم من أن يكون قساً لا في بلاده ولا بلاد غيره، بعض القادة كانوا يعتذرون لي وهم يأمرونني بالصعود أو النزول، بعضهم كان يبكي غضباً، والبعض حاول مجاملتي بالسب في ديمتريوس، لكنني رفضت، قلت لهم أنه راعينا باسم المسيح، وأنه يجلس الآن على كرسي مرقس الرسول.

في ذلك اليوم تعجبوا مما أقول، فطلبت منهم أن يجلسوا أمامي، فجلسوا، ولكنني لمحت على وجه بعضهم نظرة هزأ وسخرية، إذ أنني سأعظهم رغم كوني مشلوحاً، لكنني تجاهلت ذلك وسألت:

ـ أتدرون من هو ديمتريوس الكرام؟

 لكن أحدا لم يرد، فقد بدا السؤال مباغتاً لهم، وبدت الدهشة أكبر على الوجوه، فعدت أسأل من جديد حتى رأيت أن نظرة السخرية طارت من أعين المارقين منهم، وانفتحت الأعين والأذان رغبة في المعرفة، فنظرت في وجوههم قائلاً:حين اقترب البابا يوليانوس من أجله رأى في منامه ملاك الرب يقول له:

ـ غدا يأتيك فلاح بعنقود عنب،... كنيسة الرب في حاجة لعنقوده.

 ولما انتبه يوليانوس من حلمه نادى الأساقفة والقساوسة وأعلمهم برؤياه، متسائلاً عن معناها الذي يعرفه في قلبه، لكن أحداً لم يخبره به، لأن الجميع ظن أنها هلاوس الحمى، ظلوا بجانبه يواسونه حتى فوجيئوا بفلاح ذي قامة طويلة، ويدين مشققتين وقدمين حافيتين كبيرتين، يدخل عليهم، وفي يده عنقود كرم كبير، ولم يكن هذا وقت الكرم، إلا أن الفلاح كان قد قرر زيارة الرب في كنيسته لم يجد ما يحمله إليه، فرأى في منامه من يقول له يا ديمتريوس إذهب إلى كرمك تجد عنقوداً استوى، احمله إلى الرب معك، فلما نزل الحقل وجد العنقود أمامه مضيئا كأنه من حقل سماوي، فأعجبه منظره واكتمال حباته، فحمله في كم جلبابه وخرج من قريته حتى دخل الكنيسة، حينها تطلعت العيون إلى قامته وهيئته وثيابه المليئة بالطمي والعرق، تطلعت إليه بدهشة وهو يخرج عنقود كرمه كمسبحة مضيئة أمامهم، فنظروا إلى بعضهم ثم نظروا إلى يوليانوس معترفين أنه الحق من الرب.

حينها نهض يوليانوس من مرقده، وتجمع الأساقفة والكهنة حول القادم من الحقول البعيدة بعرقه وترابه، ليجلسوه إلى جانبه، مترفقين بهم، محضرين له الماء المبرد الممزوج برائحة الورد، طالبين منه أن يصلي من أجلهم، كل ذلك وديمتريوس يزداد تعجباً في نفسه من أمرهم، حتى أنه فكر في النهوض والعودة لحقله البعيد، لكن يوليانوس أمسك بذراعه قائلاً:

ـ ليس الآن يا بني.

وكلما زاد المرض على يوليانوس بكي ديمتريوس من أجله ماسحاً عرقه بيديه، وصابا على رأسه ووجهه من الماء، حتى فارقت روحه جسده الضئيل، واجتمع الأساقفة ينظرون من سيخلفه في كرسي مرقس الرسول، ولم يكن أمامهم غير الذي جاء من القرى ومعه تقدمة لا تزيد عن عنقود كرم سابق لأوانه، فذهبوا إليه وهو جالس في ركن بالكنيسة، ينتظر كغيره من المؤمنين اختيار الرب، ففاجأوه أنهم أجمعوا أمرهم واختاروا ديمتريوس الكرام ليكون على رأس كنيسة الرب.

نظرت في وجوه الجنود على المركب وأنا أقول:

ـ هذا ديمتريوس الكرام، اختاره الرب لأمر عظيم، فعكف يتعلم القراءة والكتابة وهو رئيس الكنيسة، لم يخجل ولم يتعال ولم يترك أمراً دون الاقبال على معرفته، الرب نفسه لم يخجله في شيء، فتح آفاقه وآذانه لكلماته المقدسة، فحفظ التعاليم، ودرس التفاسير، وصارت أقوال النعمة تتدفق من فمه وهو يعظ الجميع، حين رأى أن قيامة المسيح تجيء مع فصح اليهود عز عليه أن يحتفل بقيامة المسيح في عيد من قتلوه،نظر في السماء وأخذ يعد ويحسب الشهور والأيام، حتى وضع نظاما محسوبا بدقة الفلاح لمواقيت الصوم والأعياد، جاعلاً الأربعين المقدسة وأسبوع الآلام في وقت واحد. وكتب بذلك إلى كل من أغابيانوس أسقف أورشليم ومكسيموس بطريرك إنطاكية، فاستحسنوه وعملوا بقواعده.

هذا ديمتريوس الكرام الذي منحه الله موهبة تخصه، فحين يكمل قداسه يتقدم لتناول القربان المقدس، فيعطي من خبزه كل من يستحق، أما إذا تقدم من لا يستحق فالمسيح يظهر له ذنبه،فلا يسمح له بالتناول حتى يعترف بخطيئته، فيؤنبه عليها قائلاً:

ـ تنح عن خطيئتك وتب ... ثم تقدم بعد ذلك لتناول الأسرار المقدسة.

هذا ديمتريوس الذي تذمر الخطاة وتجمعوا عليه فاضحين السر الذي ستره الرب سنوات طويلة، فقالوا كيف يوبخنا على خطايانا وهو متزوج،فلا يصلح أن يكون رأساً للكنيسة، لكنملاك الربأتاه في الليل قائلاً:

ـ يا كرام لا تطلب خلاصك وتترك غيرك يهلك في شكه.

فبكى قائلاً:

ـ وكيف أخلصهم من الشك؟

قال الملاك:

ـ تكشف عن سرك فيزول عن النفوسشكها.

في الصباح أقام القداس الإلهي، آمراً الشعب ألا يخرج من الكنيسة، معترفاً أمام الجميع أنه متزوج منذ أربعين عاماً، لكن زوجته حتى الآن بتول، فلم يعرفا بعضهما يوماً مثلما يعرف الأزواج بعضهم. غير أن المزايدين تصايحوا بأنهم لايصدقونه، فما كان منه إلا أن أمر الشمامسة بإشعال النار حتى تلألأ ضوؤها، فأخذ بيد زوجته ووقف أمام المحراب دعيا الله أن يحرقهما بنيرانه إن لم يكونا بتولين، ثم ملأ إزاره وإيزارها بالجمر وطاف أمام الجميع، طاف بالجمر المشتعل في حجر ثيابه دون أن يصيب جلبابه أثر للنار، طاف وطالب المزايدين أن يلتقطوا الجمر من حجره، فلما فعلوا أكلت النيران أصابعهم، وصاح الجميع باسم الكرام مؤكدين أنه اختيار السماء وليس اختيارهم.

حين أنهيت حديثي عن الكرام وجدت الكل محدقا نحوي ما بين متعجب ومتأثر، كانت العيون تكاد تصرخ في بأن الرجل الذي أتحدث عن مآثره هو نفس الرجل الذي سعى لخلعي والحكم بهرطقتي، لم أقل لهم أن ما حدث للكرام بشأن التشكيك في بتوليته، ونصرة الرب له أمام الشعب في الكنيسة، حوله من فلاح بسيط إلى محارب عنيد، لا يعرف معنى الهزيمة، ويصر دائماً على النصر، وما موقفه معي إلا واحدة من تلك المعارك، فقد راهن علي في وقت مبكر، وأعطاني المدرسة التي رأسها من اكلمندس من قبلي، ذلك الفيلسوف والعلامة صاحب التفاسير الجليلة، وتعجب الجميع أن يوكل مدرسة اللاهوت لصبي في الرابعة عشر من عمره، فتوقعوا فشلي وربما فشله أيضاً، لكنني استطعت أن أملأ الفراغ الذي تركه اكلمندس، كان ذلك بدعم من الكرام، اعتبرني أبنه الذي لم ينجبه، وكان يريدني أن أبقى معه، لم يتفهم رغبتي في الصعود والتحليق بعيداً، لم يتفهم أن أجنحتي كبرت، وصار دور التلميذ ضيقاً علي، حاول أن يحتويني عبر ارسالي لبعض الكنائس، لكن ذلك لم يكن كافياً، كان صعودي أسرع من توقعاته، رحلاتي في الشرق كانت مدهشة للجميع، مواعظي كانت تدون وتذهب إلى أفاق بعيدة، كتبي كان النساخ يعملون عليها ليل نهار، الحفاوة التي استقبلتني بها ماميسيا جعلت اسمي يضوي في البلدان والآفاق، كنائس روما وطليطلة وأنطاكيا واليونان دعتني لزيارتها، لكنه أخذ في الرفض، كان يقول أنه بحاجة لي، كان يقول أنني ابنه الذي يخاف عليه من الغبار ، لكنه في الحقيقة كان لا يريد لي ألا أخرج بعيداً عن إزاره.

لم اقل لهم كلمة من ذاك، فقد انتحيت جانباً وتركتهم يعتقدون ما يعتقدون، بعضهم رآني مثالاً للنبل، وبعضهم رأى أنني صاحب خطيئةوالكرام على حق، وأان ما قلته هو اعتراف بصدق الرجل وهرطقتي، لكنني لم أحبذ الطعن في الرجل الذي رباني، لو رأيته وقد أصبح كهلاً تجاوز المائة، يحمله شمامسته على محفة أمام الجميع، لشعرت بكم يستحق الرثاء، فرغم كل هذا العجز يرى أنني حربه الأخيرة، وأنه لابد أن يدمرني مثلما صنعني، أشفقت عليه، ورأيت أنه أصبح شيخاً فانياً، لا ينبغي أن أكسره أمام شعبه، ولا أن استعرض معرفتي عليه ، رأيته وأنا في طريقي إلى قصر الحاكم، كان محمولا على محفته، وددت أن الحراس لوداعه، فرغم كل ما فعل بي إلا أنني أجدني أحبه، وأوقن في قرارة نفسي أنه يحبني، غير أنه العناد والكبرالذي أخرج الشيطان من الجنة، لذا فصلي من أجلي ومن أجله، صلي كي يخلصنا الله من خطيئتنا، ويمنحنا من عفوه ما تستحقه قلوبنا الرقيقة.

******

22

هز يوساب رأسه وهو يبتسم ابتسامة خفيفة قائلا:

ـ لو تأخرت ساعة واحدة كنت سأشك فيك.

لم أستوعب أنني نجحت في الامتحان، فهززت رأسي بشكره، مؤكداً أنني خادمه المطيع، ارتسمت ابتسامة أكبر على وجهه وأشار لي بالاقتراب، كان ما يزال جالساً على مكتبه وتحت يده عدة أظرف صفراء، وضع يده في أحدها وأخرج أوراقا سميكة ملونة:

ـ تعرف ما هذه؟

أومأت برأسي نافياً، فأدخل الأوراق وأغلق المظروف، ثم نهض ليدور حولي دورة كاملة، قبل أن يضعط على كتفي كي أجلس على الكرسي المواجهة لمكتبه:

ـ هذه شهادات ميلاد كل منبالدير، الجميع له شهادات ميلاد أو بطاقات شخصية، شخص واحد لا تواجد له شهادة ولا بطاقة، شخص ولد ونشأ بين جدران الدير، ليس معرفا من أباه ولا من أمه، وجده خادم أمامالبوابة،رباه وكبره دون أن يهتم بإثباته في أوراق حكومية، هل تعتقد أن هذا الشخص لو غاب أو قتل هل ستنتبه الحكومة لغيابه،وما الذي يثبت إنه كان موجودا؟

تحدث يوساب بطلاقة كما لو أنه تدرب على حديثه عشرات المرات، فأدركت أنه عازم علىالخلاص مني، شعرت أن حياتي أرخص شيء في هذا المكان، أرتجفت من الداخل كورقة في فصل الخريف، لكن يوساب عاد ليبتسم، أدى دوره وجلس على كرسيه وهو يبتسم، ضم الأظرف لبعضها ومد يده بها نحوي:

ـ نريد أن نؤسس قاعدة بيانات للدير، لا يصح أن نعرف الأشياء بالصدفة، يمكنك أن تشارك معنا في عمل قائمة بالكتب التي لديك.

سمعت الكلمات كما لو أنني أنصت إلى حكم بالبراءة، فعادت الدماء الى وجهي وأنا أتسلم المظاريف منه:

ـ بالطبع... لكن ماذا أفعل.

استدار بوجهه إلى جهة أخرى كما لو أنه مهتم بالبحث عن شيء أكثر أهمية من الشخص الواقف أمامه، فعدت إلى سؤاله من جديد، حينها استدار نحوي:

ـ إنزل للمهندس عماد في المطبعة، هو ينتظرها، ولا تتأخر في بيانات الكتب.

هززت رأسي واستدرت للخروج من قلايته، لكن صوته لاحقني:

ـ ملاك... أنت من الآن أحد رجالي، فلا تغضبني.

كانت الجملة الأخيرة بمثابة السيف المسلط على عنقي، فقد صرت من رجاله، وهو ما يعني أنني سأصبح تحت نظره، وقد يطلب مني ما لا أستطيع تنفيذه، لكن على كل هذا أفضل من قبل، فقد كنت أنتظر الموت في كنيسة الملاح، قضيت ليلة مليئة بالهواجس، في كل لحظة كنت أشعر أن الباب الفاصل بين المذبح ومقبرة الملاح يفتح، وأن اللبؤة تعبر منه في اتجاهي، كانت الظلمة والصمت والأفكار الشريرة هي كل ما أمتلكه في ذلك الوقت، كنت أرى أشباحا تلعب أمامي على الجدران ، أرى قساوسة وقديسين يقتلون، مشاهد موتهم لا تغادر ذاكرتي، كنت أشعر بدمائهم وهي تتطاير لتستقر على وجهي.

في الطريق إلى المطبعة أسفل الهضبة تذكرت أن أنطونيوس كان المشرف عليها لعدة سنوات، قبل أن يتنيح الأب إيمانويل، وقبل أن يتهم في نشر رسائل أوريجانوس، تذكرت أن عماد كان مساعده في التجهيزات، وأنه الآن أصبح مديراً لها بعد أن تغيرت الأحوال، تذكرت ما سمعته عن المعركة التي خاضها إيمانويل في بداية إنضمامه للدير، معركة كبيرة أعلن فيها عما يتمتع به من شجاعة وحكمة، كان ذلك في عهد الأب يونان النحاس، حين كثرت غارات البدو على مزرعة الدير ومطبعته، كانت المطبعة في ذلك الوقت ماكينتين تصف في دولابهما الحروف، وتطبع كل منهما ورقة ورقة عبر ذراع يدوي طويل، في ذلك اليوم جمع إيمانويل الرهبان الجدد ومن تطوع من القدامي، ووقف في  كنيسة الملاحيحثهم على الشجاعة والشهادة، موضحا أن القديسين نالوا أمجادهم السماويةبتضحياتهم من أجل الاخرين، والآن جاءت هذه اللحظة كي يعلنواأنهم يسيرون على دربهم.

حين نزل إيمانويل من مكانه واتجه إلى باب الكنيسة كان خلفه نحو عشرة رهبان وثمانية شماسة، لكن ما إن وصل حتى أسفل الهضبة لم يجد خلفه سوى عشرة رجال فقط، فانحنى وملأ يديه بالتراب ورشهم به، ثم أكمل سيره، كان البدو مختبئين خلف المطبعة،يطلقون الرصاص على بوابة الدير، لكنهم فوجيئوا بالرهبان يقفون خلفهم، ففروا أمامهم من الرعب، وكلما التفتوا وجدوهم يهرولون وراءهم، فكانوا يقعون على وجوههم ثم ينهضون ليهرولوا من جديد، ظل إيمانويل ومن معه يطاردونهم بالعصى والحجارة حتى أبعدوهم عن المكان، وعادوا غانمين بعض أسلحتهم وما كان معهم، في ذلك اليوم كان يوساب واحدا من الرهبان الذين نزلوا، فرشحه إيمانويل كي يتولي حراسة المكان وحماية، فاختار رجاله ووزع عليهم الغنائم.

كان عماد يقف أمام منضدة كبيرة عليها لوح زجاجي أسفله لمبات مضاءة، وعليه فرخ من الورق الشفاف، كان يقص ورق الزبدة المليء بالكتابة ويلصقه على وجه الفرخ، سألني دون أن ينظر نحوي عما أريد، هذبت صوتي قائلا أن الأب يوساب أرسل معي المظاريفالتي يريدها، وأنني سأتعاون معه في وضع قائمة بأسماء الكتب التي في المكتبة، رفع نظره نحويكما لو أنه يعترض على كلمة "سأتعاون"، ثم أمرني أن أضع المظاريف على كرسي أمام جهاز كمبيوتر، حينها صدرت أغنية من جهاز صغير كان بجوار الشاشة:

ـ هات الموبايل.

لم أستطع سماع الكلمة جيداً، فتحرك بنفسه ورفع الجهاز الصغير في وجهي مردداً:

ـ موبايل .. موبايل.

سمعته يتحدث مع شخص أخر، لا أنكر أنني سمعت بهذا التليفون الذي يتحرك مع الناس، لكن هذه كانت المرة الأولى التي أراه فيها، كان يصدر غناء واضحاً لصوت أنثوي جميل، وكانت على شاشته أيقونة العذراء، وحين تحدث فيه كنت أكاد أسمع صوت من يحدثه، لكنني لم أرد أن أتلقى إهانة جديدة، فشاغلت نفسي بقراءة بعض من سطور ورق الزبدة الذي على الفرخ الشفاف، كان العنوان "أبوكريفون يعقوب" مكتوباً بخط عريض في ورقة وحده، ليس فيها غير كلمة "نصوص نجع حمادي" التي وضعت على جانب في أسفل الصفحة، مررت بعيني سريعاً ونظرت إلى التي تليها، فوجدتها تقول:

عليك السلام من السلام، والمحبة من المحبة، والنعمة من النعمة، والإيمان من الإيمان، والحياة من الحياةالمقدسة!بما أنك قد طلبت مني أن أرسل لك كتاباً سرياً كُشف إلي أنا وبطرس من السيد، فلا يمكنني لا أن أرفض طلبك، ولا أن أكلمك مباشرة، ولكني كتبته بحروف عبريةوأرسلته إليك – لك أنت فقطولكن بقدر ما أنت وكيل على خلاص القديسين، فتصرف بهمة وخذ حذرك أن لا تحكي هذا الكتاب لكثيرين ـ هذا الذي لم يرغب المخلص أن يحكيه لنا كلنا، نحن تلاميذه الإثني عشرة. ولكن مُبارك هؤلاء الذين سيُنقذون بالإيمان بهذا الحديث.لقد أرسلت لك منذ عشرة أشهر كتاب سري آخر كشفه لي السيد، ولكن ذاك عليك ان تعتبره بهذه الطريقة، كما أوحي إلي أنا يعقوب.

نسيت نفسي وأخذت في قراءة النص الغريب علي، كنت أعرف أن أبوكريفون تعنيباليونانية الكتابات السرية لدى بعض طوائف اليهود والمسيحيين، هذه الكتابات تعود إلى القرنين الأول والثاني، حيث كانت المسيحية مستهدفة من الجميع، فلجأ الأباء إلى هذا النوع من الكتابة، كنت أعرف أنا هناك كتابات مرفوضة كإنجيل توما ومريم وغيرهما لما تضمنته من تعاليم وأوامر لا تتفق مع لائحة الإيمان، وأن الإرشادات التي جاءت في تلك الكتبادعى أصحابها أن المسيح أعطاها لهم بعد قيامته، وهي في غالبها تشير إلي أفعال غير متفق عليها لدى الآباء، كالقول بأن ملاكاً لعب دورا في حمل مريم، أو أن المسيح تزوج من مريم المجدلية، لكنني للحق لم أقع على أي من هذه النصوص، وكنت أعتبرها خرافات، لكن ها أنا الآن أمام واحد منها.

حرص عماد على ألا أنصت إلى لمكالمته فخرج من الغرفة ليتمشى بين ماكينات الطباعة، مما سمح لي بالاستغراق في القراءة، وكدت أن أقرأ المزيد لولا دخوله على كما لو أنه رأى عفريتاً في المكان:

ـ ماذا تفعل؟

لم أستطع أن أخبره بأنني أقرأ المكتوب، ولا حتى بمناقشته فيحرف منه، فذهني قد تبلبل، وأخذت الشكوك تراودني حول ما يجري، وما كان يحدث وقت تولي أنطونيوس لأمر المطبعة في زمن إيمانويل الطيب، في النهاية أجبته أنني أستمتع بالفرجة، لكن عماد الذي أزاحني عن المنضدة بعيداً:

ـ استمتع بعيدا.

هززت رأسي وأنا أؤكد عليه بتسليمي له مظاريف يوساب، وأنني سأكتب له قائمة بالكتب التي في المكتبة، فهز رأسه وكأنه لا يعنيه ما أقوله، وأنشغل من جديد في قص الأوراق الصفراء ولصقها على فرخ ورقي جديد.

*****

23

كان لابد من الاستعداد للمجمع المسكوني الذي سيحضره مئات الأساقفة من مختلف كنائس العالم، فلابد من حسم العديد من القضايا التي أربكت الكنيسة، في مقدمتها بدعة أريوس، وانشقاق ميليتيوس، والخلاف حول موعد الاحتفال بقيامة السيد المسيح، وبتولية الكهان،  كان أثانسيوس يصر على أن توضع هذه القضايا جميعا على جدول أعمال المجمع، مغلقا الباب الذي أطلت منه الفتن والبدع والهرطقات على مدار سنوات، فأخذ يعد لاجتماعات مطولة بين البابا والأساقفة من جانب، ومراسلة كنائس القدس وأنطاكيا وروما وقرطبة واليونان، لم يكن ينام لا هو ولا رفائيل الذي صاحبه في كل خطوة يخطوها، حتى أن البعض كان يرى أن أثناسيوس الذراع اليمني لألكسندروس، ورفائيل الذراع اليمني لأثانسيوس، العديد من الاجتماعات عقدت، والعديد من الرسائل أرسلت، والأوراق المصاحبة كتبت ونسخت في عشرات الصفحات، حرص أثناسيوس على جمع الآيات والعظات والشروحالتي تفند خطأ أريوس وبدعته، وأوكل لرفائيل أن يقوم بدور أريوس نفسه، فيعمل فكره في عرض أفكاره ورؤاه، باحثاً عما يعضدها من الكتاب المقدس وأناجيل الرسل وعظاتالأباء وقصائد أريوس نفسه، حتى أنه كان يشك في بعض اللحظات أنه أصبح مهرطقاً، فيستأذن أثناسيوس في الاعتراف بأن بعض أفكار أريوس تترك تأثيرها عليه، لكن أثناسيوس كان يضحك قائلاً:

 ـ إن لم تتقن دور الشيطان فلن نستطيع هزيمته.

في النهاية خرجت سفينة كبيرة من الأسكندرية محملة بعشرات الأساقفة من مصر والقدس وأفريقيا، ومعهم عشرات الشماسة والخدم المصاحبين، فضلاً عن الجنود الذين أرسلهم حاكم الأسكندرية ليكونوا برفقة البابا ألكسندروس وحماية موكبه، وهو الأمر الذي حرص ألكسندروس على إظهاره للجميع في نيقية، فهو الأسقف الوحيد الذي يلقبه أتباعه بكلمة بابا، وهو ابن مدرسة الأسكندرية العريقة في السياسة والحرب والثقافة والفن، كان ألكسندروس يعي كل ذلك وهو يفكر في إلقاء الرعب بنفوس أعدائه، فثمة مهام لابد من حسمها من اللحظات الأولى، ولا ينبغي للرؤوس أن تتساوى، ولا للجدل أن يأخذ مجراه طويلا، الحسم هو العلاج الذي تحتاجه القضايا الكبرى، كي لا تتسرب المياه بفعل الزمن من بين الجدارن.

أرسل رفائيل بعدما عاد من نيقية إلى ديمتريوس الصغير قائلاً :

 ـ ظللنا أكثر من أسبوعين في عرض البحر، قطعنا فيها بحر الروم إلى الشمال، ومررنا بتكريت وجزر اليونان، لكننا لم نتوقف بها، فبعد يومين دخلت السفينة مضيقا طويلا اسمه الدردنيل أو جناكالي،ومنه وصلنا لبحر واسع اسمه مرمرة، فقطعته السفينة كاملاً نحو الشمال الشرقي، وهنالك نزلنا إلى اليابسة، فوجدنا عربات تجرها الخيول في انتظارنا، ظلت الخيول تقطع الأودية الفسيحة الخضراء على جانب بحيرة تتمدد نيقية في طرفها الشمالي، هي ليست مدينة كبيرة بحجم الأسكندرية، لكنها نظيفة وهادئة وبسيطة، لا يسكنها الكثيرون، بها خضرة تكسو كل شيء، وأمطار تتساقط طيلة النهار، كانت مزدانة بالصلبان والأعلام وأيقونات القديسين، وضعتنا العربات أمام الكنيسة الكبيرة، فنزلنا منهكين على نحو واضح، حتى أن بعض الآباء والأساقفة لم يستطعوا السير، فاحضر الشماسة المرافقون محفات وحملوهم إلى الداخل، كانت مهمتي أن أكون في معية البابا ألكسندروس، أن أكون عصاه التي يتوكأ عليها حسبما قال أثناسيوس، لا أتركه ولا أعيقه، وأكون عقبة في طريق من يقترب منه دون إذن، كانت هذه هي المهمة الأكثر إرهاقاً، فكثيرون كان يريدون السلام عليه، كثيرون كانوا يسعون لنيل البركة من منه، ولم يكن أمامي سوى أن استخدم الفطنة، وإن صعب الأمر فعلي أن أشير للحرس المرافق بالتدخل كي يفسحوا الزحام.

 صلينا في الكنيسة صلاة شكر للمسيح على حمايته لنا طيلة الرحلة، ثم خرجنا نبحث عن أماكن المبيت التي أعدها مطران نيقية ساؤغنس، لم يكن بالمدينة غير نزل واحد بسيط، ومن ثم فقد طلب ساؤغنس من الناس أن يفسحوا لنا أماكنهم في البيوت، ويبدو أنه أمر عددا ليس بالقليل بترك منازلهم لأجلنا، كان لابد من أن ينزل كل أسقف بالشماسة المصاحبين له في مكان واحد، والحقيقة أن البيت الواحد كان ينزل به نحو ثلاثة أو أربعة أساقفة بمن معهم، كان عدد الأساقفة الذين وصلوا على مدار أسبوع نحو ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا، معهم شماسة وخدم مصاحبين، مما جعل المدينة تبدو كما لو أنها سوق عظيم، فانتشرت الخيام في الشوارع وعلى التلال والشواطئ، وانتشر الباعة الجائلون، كانت صور القديسين ومواعظ الرسل وشروحات الكتاب المقدس أكثر السلع المعروضة، أنا نفسي اشتريت كتابين للعلامة أوريجانوس من هناك، وبعضاً من الشروحات الغنوصية لأستاذه كلمندس السكندري، وأسرعت بدسها في حقيبتي كي لا يسألني أحد عن احتياجي لها، فلا أحد سيفهم ما أريده من جمع نسخ نادرة من كتب الآباء والقديسين، وإرسالها إلى دير الملاح الآن، هذه الكتب يجب أن تقرأ بعناية وتفند بعناية وتشرح بعناية للناس، يجب أن يعاد النظر إليها على ضوء ما سيقرره المجتمعون هنا في هذه المدينة.

في اليوم الثالث لوصولنا أمرنا البابا ألكسندروس بدعوة الأساقفة وجميع الحاضرين لقداس سيرأسه، وأمر أثناسيوس أن يجهز نفسه لأمر هام في هذا القداس، لم نعرف على وجه التحديد ما الأمر، لكن مع بدء انطلاق أجراس كنيسة نيقية في صباح اليوم التالي أخبرني أثناسيوس أن البابا سيرسمه كاهناً كي يحق له أن يعظ في حضور الأساقفة، ولا تكون لأريوس وأصدقائه أوسابيوس أسقف نيقوميديا ومارس أسقف خلقدونية وأوسانيوس أسقف قيصريةوثاؤغنس أسقف نيقية، حجة الاعتراض على مخاطبته لهم أمام الأساقفة، فهمت منه أنه ليس له دخل في الأمر، وأن الذي نصح ألكسندروس بذلك هما صديقاه بفنوتيوس أسقف طيبة، وبوتامون أسقف هرقيلية بأعالي النيل، فاخبرهما ألكسندروس أنه كان ينتظر المناسبة اللائقة، وها قد جاءت، ومن ثم استأذن أسقف نيقية في إقامة القداس، وفي نهايته وأمام جميع الأساقفة والشماسة الحاضرين قام بترسيمه كاهناً.

في اليوم التالي حضر إلى المدينة الامبراطور قسطنطين، فاستراح يوماً ثم أمر ببدء أعمال المجمع في اليوم التالي، فكان افتتاحه يوم العشرين من مايو، وكان الامبراطور وأسقف نيقية قد رأيا أن يكون المجمع برئاسة الأنبا أوسيوس أسقف قرطبة، لكن أوسيوس وجد حرجاً في رئاسة المجمع والبابا ألكسندروس موجوداً، خاصة وأن أغلب الحضور أساقفة الشرق الذين يجلونه، فقد حضر من الشرق نحو ثلاثمائة وعشرين أسقفا، بينما لم يحضر من أساقفة الغرب سوى ثمانية فقط، فاعتذر أوسيوس مطالباً الامبراطور بدعوة ألكسندروس لرئاسة المجمع.

 في البدء رأى ألكسندروس أنه لا يجب أن يكون الخصم والحكم، فمن المفترض أن القضية الأولى التي جاء المدعوون لمناقشتها هي الهرطقات التي يقولها أريوس، والحكم فيما إذا كانت من صحيح الدين أم لا، لكن أثناسيوس تحدث أمام الامبراطور قائلاً أن هذه واحدة من القضايا التي اجتمع الأساقفة لأجلها، فهناك قضايا سيتم النظر فيها من قبل الحضور، من بينها بتولية الكهان، فهل يحق للكاهنأن يتزوج أم لا، وإذا تزوج فهل يحق له أن يكون أسقفاً أم لا؟، وهل يحق للأسقف أن يرسم كهاناً خارج أسقفيته أم لا؟ وهل تقبل الكنيسة عودة المعترفين بكفرهم في زمن الاضطهاد كما فعل بطرس وأرشيلاوس وألكسندروس، أم ترفضهم كما فعل ميليتيوس وأتباعه؟، وهناك لائحة الإيمان التي واعتمدها أساقفة الأسكندرية في مجمعهم، فهل يعتمدها المشاركون في نيقية لتكون قانون الإيمان الحاكم للجميع أم لا؟.

كانت أسئلة أثناسيوس قوية وواضحة، حتى أن الامبراطور دهش من حضور بديهته، فوافقه هو وألكسندروس، وجلس الامبراطور في اليوم الأول أمام منضدة كبيرة في مواجهة المجتمعين، طالبا من أسقف نيقية أن يجلس بجانبه، ثم طالباً من البابا ألكسندروس أنيجلس بجانبهما، فعاونا ألكسندروس في سيره حتى جلس على يمين الامبراطور، فألقى الأخير كلمات بسيطة عن السبب الذي دعى من أجله لمجمع مسكوني، موضحاً أن الخلافات قد كثرت بين الكنائس، ولا يريد لها أن تفتت امبراطوريته، ومن ثم فإنه ينتظر من المجتمعين في نيقية أن يجدوا حلولاً لكل الخلافات الكبيرة، وما ينتهون إليه سيكون بمثابة القانون الحاسم لكل الأمور، ثم طلب من الأساقفة أن يعلنوا عن القضايا التي ينبغي لمجمعهم القدس أن يفصل فيها، وكان ذلك إيذانا ببدء النقاش من أجل إدراج القضايا التي يجب مراجعتها، فقام كثيرون ووعظوا وطالبوا بإدارج العديد من القضايا، لكن أريوس ومن معه اعترضوا  على جلوس ألكسندروس بجوار الامبراطور، فما كان من أتباع ألكسندروس إلا أن وصفوهم بالمهرطقين الذين لا يحق لهم الحديث، فرد أتباع أريوس بأنهم يستقون أفكارهم من الوثنيين، وأن الوثنية تسيطر على كنيستهم، فعلت الأصوات واختلطت الوجوه، واعتدى أحد الأساقفة على غريم له بالضرب.

كان ذلك بمثابة إهانة للامبراطور، وعدم تقدير لحضوره، فما كان منه إلا أن نهض تاركاً الجلسة، واضطر ثاؤغنسأسقف نيقية أن ينهى اجتماع اليوم الأول، وسرى الخبر بين الجميع أن الأساقفة الكبار ذهبوا إلى خيمة الامبراطور معتذرين عما حدث، مؤكدين أن ذلك لن يتكرر، ومن ثم عاد الامبراطور في الصباح لكرسيه، بدأت النقاشات هادئة، لكن حدتها سرعان ما تصاعدت، وشعر قسطنطين أن الأمور ستخرج عن سيطرة ثاؤغنس من جديد، فنهض من مكانه قائلاً:

ـ لم أكن أتوقع من كهنة الرب وأساقفته مثل هذا السلوك، عليكم أن تخجلوا، لأن من يعلو صوته في كنيسة الرب فإنه لا يستحقها، لقد جئنا لننهي خلافات الكنيسة لا لنبدأ خلافات جديدة، ومن كانت لديه هذه الرغبة فإنني أعتذر لكم، فما يشغلني أكثر من انتصاراتكم لأنفسكم، وعن نفسي أرى أن الاحتفال بقيامة السيد المسيح في وقت احتفال اليهود بفصحهم أمر غير لائق، وأن رئاسة الامبراطور لمجمع مقدس أمر غير لائق، لذا فمن سيرأس هذا المجمع هو أسقف مدينة الأسكندرية لها من مكانة عظيمة في نفوسنا جميعاً.

كان الإعلان عن رئاسة ألكسندروس للمجمع بمثابة الصاعقة بالنسبة لأريوس وفريقه، ففي الوقت الذي هلل فيه كثير من الآباء ترحيبا فإن  آريوسو وأوسابيوس ثارا معلنين عن رفضهما، وهو ما أعاد الغضب إلى وجه الامبراطور من جديد، حتى أنه أشار لقائد حرسه بالوقوف على الباب بكامل عدته الحربية، فوصلت الرسالة للجميع، وساد الصمت برهة لم يقطعها إلا صوت ألكسندروس وهو يتلو صلاة الشكر للرب على نعمه وعطائه لشعبه وبني الانسان.

أدى انتقال ألكسندروس إلى رئاسة المجمع إلى أن وقعت المهمة الرئيسية في رفض بدعة أريوس وهرطقاته على كاهل أثناسيوس ، فوقف يشرح ويفند ويرد على كل كلمة يقولها أريوسهو وأعوانه، منتهياً إلى أن تعاليم أريوس تؤدي إلى أمرين غير لائقين، الأول أنها تنهي على القول بالثالوث المقدس، وتفتح الباب للاعتقاد بتعدد الآلهة، إذ أنها تسمح بعبادة المخلوق، أما الثانيفأنها تنهي على فكرة الخلاص للأبد، لأن المخلص الذي يخلص البشرية يلزمه أن يكون حاصلاً على اللاهوت الكامل، وإذا كان الكلمة قد أخذ على عاتقه أن يؤله الإنسان، فكيف يمكنه أنيقوم بذلك وهو ليس واحداً في الجوهر مع الله؟ فالمسيح لم يصر إبنا لله جزاء لكماله الأدبي، بل على العكس، فإنه هو الذي ألهنا، أي جعلنا إلها، ومن ثم فإنه لم يكن إنساناً ثم صار إلهاً، لكنه كان إلها ثم صار إنساناً كي يؤلهنا.

كان أثناسيوس يلقي خطبته والقاعة تكتم أنفاسها، فالكل تحول إلى آذان كبيرة وعيون شاخصة، وحده ألكسندروس كان جالساً على المنصة إلى جانب الامبراطور مبتسماً وهو يهز رأسه موافقا على ما يقوله تلميذه، ويبدو أن أريوس شعر أن البساط قد سحب من تحت قدميه، وأن أشعاره التي كان يتغنى بها هو وتابعوه لم تعد تجدي نفعا، فنهض من مكانه مخاطباً ألكسندروس في حيلة أخيرة لخلط الأوراق، وإظهار الأمر على أنه من بدئه محض مؤامرة دبرها ألكسندروس، فراح يصرخ فيه:

ـ لقد تلقينا إيماننا منك، ومن تعاليمك، ومن عظاتك لنا، فلمَ ترفضها الآن، لمَ تخرجنا من عباءتك، وتلقي علينا بغضب الأساقفة والأحبار، وكأننا لا نريد وجه المسيح، ولا فعل الحقيقة، لم ترفضنا الآن ونحن تلامذتك؟

هنالك ضجت القاعة بالهمهمات، وأخذت الأصوات في التعالي، وبدا على وجه الامبراطور أن الصراخ موجه له هو، فقطب جبينه وحدق في أريوس بعينيه، لكن الباب ألكسندروس رفع يديه عاليا، مشيراً للجميع بالصمت، فخفتت الأصوات من جديد، حتى أن أريوس نفسه أدرك أنه ارتكب خطأ لم يكن في الحسبان، فخفض من حدة صوته، ثم سرعان ما التزم الصمت كالجميع، فما كان من ألكسندروس إلا أن سأله:

ـ يا أريوس...أتؤمن بأن المسيح إله مخلوق وليس من جوهر الآب؟

فقال أريوس:

ـ نعم.

فساله ألكسندروس:

ـ وإنه كائن وسيط بين الله الإله الحقيقى (الآب) وبين العالم المخلوق، لأنه لا يليق أن يتصل الله بالخليقة، وأنه أسمى من أن تكون له علاقة مباشرة بها؟

فأجاب أريوس:

ـ نعم

فسأله ألكسندروس

ـ وهل عبادة من خلقنا أوجب أم عبادة من لم يخلقنا؟

فوجئ أريوس بالسؤال، والتزم الصمت، لكن ألكسندرس ألح عليه بالإجابة حتى قال:

ـ بل عبادة من خلقنا.

فرد ألسكندروس:

ـ فإن كان الابن خلقنا كما وصفت وهو مخلوق فعبادته أوجب من عبادة الأب الذي ليس بمخلوق، بل تكون عبادة الخالق كفراً وعبادة المخلوق إيماناً، وهذا أقبحالقبح، وأنا برئ منه، لأنني أؤمن بإله واحد، هو الله الآب، ضابط الكل، خالق السماء والأرض، ما يرى وما لا يرى، أؤمن برب واحد يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساو للآب في الجوهر، الذي به كان كل شيء. هذا الذي من أجلنا نحن البشر، و من أجل خلاصنا، نزل من السماء و تجسد من الروح القدس و من مريم العذراء، تأنس و صلب عنا على عهد بيلاطس البنطي، تألم و قبر وقام من بين الأموات في اليوم الثالث كما في الكتب، وصعد إلى السمواتوجلس عن يمين أبيه، وأيضًا يأتي في مجده ليدين الأحياء والأموات، الذي ليس لملكه انقضاء. أؤمن بالروح القدس، الرب المحيي المنبثق من الآب، أسجد له وأمجده مع الآب والابن، الناطق في الأنبياء. أؤمن بكنيسة واحدة مقدسة جامعة رسولية، وأعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا، وأنتظر قيامة الأموات وحياة الدهر الآتي. آمين .آمين.

*****

24

لم يتوقع أنطونيوس أن تسير الأمور على غير ما فكر فيه، فقد كانت العلاقة بين دميانة وأمها بسيطة وواضحة، دفعتهما الوحدة لأن تكونا صديقتين، حتى أن دميانة كانت تحكي لها كل ما يرد في ذهنها وليس ما يحدث لهافقط، حين جلس أنطونيوس على الكنبة التي في الصالة لم يعرف بما يستطيع الرد على سؤال تريزا إن كانت الكنيسة قد وجدت ابنتها أم لا، فنكس رأسه في الأرض واستجمع قواه كي يقول أنه من الدير الذي كانت تعمل به، وأنه جاء ليسأل عنها بعدما غادرت الدير فجأة، بدا على تريزا أنها تتفهم ما يقوله الكاهن الجالس أمامها بثيابه السوداء ولحيته الطويلة وصليبة الكبير الذي ينام على بطنه وفخذيه، سكتت قليلاً وكأنها تبتلع حزنها، ثم سألت:

ـ  هل تعرف أنطونيوس؟

هنالك انفرجت أساريره ولمعت عيناه بابتسامة كبيرة وهو يهز رأسه كطفل صغير قائلاً:

ـ أنا أنطونيوس.

ردت عليه بهدوء موضحة أنها تعلم أن ابنتها في ضيق كبير، وأنها رأتها في الحلم تعاني من هذا الضيق، فذهبت لتسأل عليها في الكنيسة، لكنهم أخبروها أنهم لا يعلمون عنها شيئاً، ذكرت لهم أن ابنتها تعمل منذ ثلاثة أعوام محققة في دير الملاح، وأنها رأت العذراء في منامها تمد لها يدا لتخرجها من بئر سقطت فيه، ولابد أن ابنتها التي لم تعد للبيت منذ نحو شهر تعاني خطرا ما، ولابد من إنقاذها، لكنهم ضحكوا وظنوا أنها تهذي، وحين ملوا من سماع حكايتها تجهم أسقف كبير في وجهها قائلاً:

ـ هذه هرطقة وتجرؤ على العذراء.

حينها لملمت حزنها الذي طرحته أمام الجميع، وخرجت منكسة الرأس تعزي نفسها، كانت تدرك دميانة تعاني أمرا يحتاج إلى معجزة كي تنجو منه، وأنها لا طاقة لها بالمعجزات، فعادت إلي بيتها، ودخلت إلى الركن الذي تحمل فيه العذراء طفلها المسيح على ذراعيها، فاشعلت عشر شمعات وجلست تبكي، كانت عينها تتفجر بالدمع كما لو أنه حمم تتدفق من جوف بركان نشط، ظل وجهها معلق بصورة ابنتها وأيقونة العذراء والشموع المتلألئة  حتى غلبها النعاس فنامت في مكانها، حينها رأت أنطونيوس، بنفس الهيئة التي يجلس بها الآن ، كان طويلا وصامتاً كملاك أرسله الرب ليقف بابها، لم تعرف بما عليها أن تحدثه، فقط ألقت بنفسها أسفل قدميه وبكت، فقبض عليها ورفعها عالياً، كانت تطير في الهواء وهي تنظر في وجهه المبتسم، ووجهه المظلم الغاضب يتطاير منه الشرر، كانت تبكي خوفا من غضبه وتضحك فرحاً لابتسامته، بعدها أوقفها على الأرض وأشار نحو السماء، كانت دميانة تسير بجانب العذراء في سحابة خفيفة بيضاء، رفع يديه لتصبح بالتقاطع مع جسده، وضرب بقدميه الأرض فاندفع في الهواء نحو السحاب، وانطلقت معه دميانة إلى عالم بعيد.

كانت تريزا تنتظر أن يجيئها أنطونيوس، فأغلقت بابها على نفسها ولم تخرج، كأنها كانت تخشى أن يجئ في وقت خروجها، حين فتحت الباب ورأته طويلاً وفارعاً أمامها، أدركت أنه الملاك الذي كان في الحلم، وأن ابنتها ستكون من اليوم في أمان، لكنها لم ترد أن يختلط عليها الحلم بالواقع، فابعدته جانباً وتعاملت بالعقل، سألته إن كانت الكنيسة وجدت ابنتها؟، صمته كان الاجابة الأبلغ، فالملاك لا يكذب ولا يصدم، لذا يفضل الصمت، رحبت به وأدخلته ليجلس حيثما تجلس ابنتها دائماً، ومن جديد عاودت السؤال، لكنها في هذه المرة كانت أكثر تحديدا، فتسألته إن كان يعرف أنطونيوس، هذا الاسم الذي تردد طيلة الحلم في أذنها كالصدى، وانتظرت إجابة حاسمة، فالملاك لايكذب ولا يصدم.

كانت دميانة قد حكت لأمها عن أنطونيوس الذي رأته في الدير بسمت الملائكة، هادئ وبسيط لكنه في نفس الوقت يعمل قاتلاً مأجورا، كان ذلك قبل أن يدعوه إيمانويل الطيبللتخلي عن حياته والمجيء خلفه، لم تكن دميانة تعرف سبباً لحكيها عنه، لكنها كانت تدرك أنه سيصبح جزءاً من حياتها، فثمة تآلف بين روحه وروحها، ثمة لهفة عليه، وارتجافة نحوه، ثمة يقين بأنهما سيرتبطان معا، لكن كيف؟. هذا ما لم تكن مخيلة دميانة ولا أمها قادرتان على تصوره.

 لكن الأيام دائماً ما تفصح عما كانت تخبئه، فها هو أنطونيوس الحلم والحقيقة يجلس أمامها بديلاً عن ابنتها، يجلس بخجل راع بسيط في نفس مكان دميانة، وربما جاءها بديلاً عنها، فالرب أعطى والرب أخذ، والرب معنا في الضيق والفرج. هكذا هزت رأسها لنفسها وهي تعد له شيئاً يأكله.

فهمت منه أنه ترك الدير بعد وفاة صديقه باخوميوس، هذا الذي حدثتها دميانة عنه أيضا، وفهمت أنه الآن مطارد وربما متهم بقتله، فأيقنت أنه في نفس الجب الذي سقطت فيه دميانة، وراودها شعور بأن تحسن إلى ابنتها فيه، فعرضت عليه أن يبيت الليلة بشقتها، حين علا وجهه الحرجمن المبيت في منزل سيدة وحيدة، قالت أنها بمنزلة أمه، وأنه راهب وهب حياته كلها للرب، وهذا البيت طالما كان مسكوناً بأناس آمنوا بالله على طرائقهم المختلفة، فلم لا يكون واحدا منهم؟!

في المساء جلس في مكتب صلاح متري يقيم صلواته الخاصة، ثم أوى إلى كنبة بجوار المكتبةليفرد عظامه عليها، كانت عينه معلقة على أيقونة العذراء المعلقة في مواجهته، ظل يتأمل ملامحها التي رأى أنها تشبه ملامح دميانة كثيرا، لكن دميانة جاءته باكية، رأى جسدها متعرياً وهي تبكي، وخشى عليها من الثعابين التي تتقافز نحو قدميها، صرخ فيها أن تنتبه، ودلها على أماكن الخروج، لكنها لم تكن تسمعه، ولم يكن أمامه إلا أن يلتقط الثعابين بيديه ويلقي للسماء، وفي غمرة حماسه شعر بلدغة في قدمه فانتفض جالساً في مكانه.

نهض من الفراش ملقيا اللعنة على الشياطين وأباطيلها، مستجيراً منها بالسيد المسيح، باحثا عن مكان غير جمرة النار التي نهض منها، لم يكن هناك سوىكرسي من البلاستك أمام منضدة عليها شاشة كمبيوتر، لكنه فضل أن يجلس على كرسي المكتب، باحثا بعينيه عن شيء يساعده على نسيان ما رآه، كان المكتب مليئا بكتب غريبة، قلب في عناوينهافوجدها جميعا في القانون، لكن عينه وقعت في النهاية عنوان كبير "دفعا عن أوريجانوس"، كان على مجموعة كبيرة من الورق المطبوع بالكمبيوتر، والموضوع في ملف بلاستيكي شفاف، دقق بنظره باحثا عن مؤلفه ولم يصدق أنه "صلاح متري المحامي" والد دميانة.

ما إن انتهى من قراءة ما كتبه صلاح مترى عن اوريجانوس حتى شعر أنه اصبح شخصا مختلفاً، فنهض من مكانه باحثا عن النافذة ليلتقط هواء الصباح الجديد، كان النهار قد ظهر بضوئه الحليبي في الخارج، وأخذت أصوات العصافير تظهر على استحياء في الشارع، وسرعان ما تعالت بعض الصيحات هنا وهناك، تمنى لو أنه يستطيع الخروج الآن، لكنه لم يرد أن يكون ضيفا مزعجاً، فألزم نفسه بالبقاء في كرسيه حتى طرقت عليه تريزا على الباب، وجدها أعدت فطورا وجلست تناقشه في خطتهاللبحث عن دميانة، بعدها نهضا متجهين إلى الكنيسة الأم، حيث الردهات المليئة بالأساقفة والقساوسة والعاملين في المكان، قالت أنها ذهبت من قبل وعادت كسيرة الخاطر، بعدما شعرت أنها تتسول الاطمئنان منهم على ابنتها، هز أنطونيوس رأسه مؤكدا أنه لن يتركها تخوض هذه الحرب وحدها من جديد.

 ما إن وصلا للكنيسة حتى غابا في الردهة الكبيرة الطويلة، كان يتلقي التحية بوصفه قساً، لكنه من داخله كان يرتعد كهارب في شوارع المدينة، ما إن وصلا إلى مكتب أسقف التحقيقات الكنسية حتى طلبا لقائه، لكن القس الذي يتولى إدارة مكتبه نادى على تريزا:

ـ كنت هنا من قبل؟

نظرت إليه تريزا بتحد وحزن:

ـ ابنتي مختفة منذ شهر.

وقبل أن يفتح القس فمه كان أنطونيوس قد تدخل:

ـ أنا من دير الملاح، وهي مختفية بالفعل.

نظر الأسقف إلى أنطونيوس طويل القامة ذي اللحية الكثة والرداء الكهنوتي، ثم أمر أحد العاملين في مكتبه لاحضار مقعد للسيدة والقس، متوقفاً في نطقة لكلمة القسوكأنه يتساءل عن اسمه، وبتلقائية شديدة أجابه:

ـ أنطونيوس.

سأل تريزا عن اسم ابنتها والدير الذي كانت تعمل به، ثم سأل أنطونيوس إن من رهبان هذا الدير أم لا، وشعر أنطونيوس أنه أمام تحقيق، وأن قدمه انزلقت أكثر مما ينبغي،ففضل الصمت على الكذب، وتدخلت تريزا لتجيب نيابة عنه موضحة أنه ابن أختها، ويعملا راعيالكنيسة في المنصورة، فهز أنطونيوس رأسه وكأنه يؤكد على كلامها.

وضع مدير المكتب ابتسامة لزجة على وجهه وهو يستأذنها للدخول إلى الأسقف، ولم يستطع أنطونيوس أن يمنع نفسه من الابتسام حين لمحه يتحرك كبرميل صغير نحو الباب الفاصل بين مكتبه ومكتب رئيسه، لكنه ما إن أغلق الباب خلفه حتى مالت تريزا منبهة أنطونيوس إلى أنه رجل شرير، فاشتعلتحواسه، وراحت عينيه تتنقلانفي المكان، رأى أن الحركة غير عادية، وأن عدد الضيوف المنتظرين قد تضاءل، فأدرك أن ثمة من يمنع الناس بالباب من الدخول، لم يحج الأمر كثيرا من الوقت كي يدرك أنه عما قليل سيواجه مشكلة في المكان، فطلب من تريزا أن تسبقه إلى البيت، وما إن خرجت أمسكبنسخة من الكتاب المقدسوأخذ يترنم:

ـ ها انت جميلة يا حبيبتي، ها أنت جميلة، عيناك حمامتان من تحت نقابك، شعرك كقطيع معز رابض على جبل جلعاد، أسنانك كقطيع الجزائز الصادرة من الغسل اللواتي كل واحدة متئم و ليس فيهن عقيم، شفتاك كسلكة من القرمز، و فمك حلو، خدك كفلقة رمانة تحت نقابك، عنقك كبرج داود المبني للأسلحة، ألف مجن علق عليه، كلها أتراس الجبابرة، ثدياك كخشفتي ظبية، توأمين يرعيان بين السوسن، الى أن يفيح النهار و تنهزم الظلال، أذهب الى جبل المر والى تل اللبان، كلك جميل يا حبيبتي ليس فيك عيبة.

كان صوت أنطونيوس رخيما وقويا، وكانت صورة دميانة في عينيه وهو يتصبب في حبها، لم يكن يقرأ بقدر ما كان يستحضر روحها إلى جانبه، لم يكن منتبهاً إلى أن الشماسة والموظفين والعابرين في الردهة الواسعة قد توقفوا لسماعه، وأن الأسقف الكبير خرج من مكتبه ليراه وهويتغني بحبيبته الغائبة وسط حلقة كبيرة:

ـ ما أجمل رجليك بالنعلين يا بنت الكريم، دوائر فخذيك مثل الحلي، صنعة يدي صناع، سرتك كأس مدورة لا يعوزها شراب، ممزوج بطنك صبرة حنطة، مسيجة بالسوسن، ثدياك كخشفتين توامي ظبية، عنقك كبرج من عاج،  عيناك كالبرك في حشبون عند باب بث، ربيم أنفك كبرج لبنان الناظر تجاه دمشق، رأسك عليك مثل الكرمل، و شعر رأسك كارجوان ملك قد اسر بالخصل، ما أجملك، و ما أحلاك أيتها الحبيبة باللذات.

لم يكن أمام الأسقف إلا أن أخذ يصفق محاولاً إنهاء إنشاد أنطونيوس البديع، وتفريق الناس من حوله، لكنه الأخير تحرك نحو الباب مكملاً إنشاده بين مستمعيه، كانت ترانيمه القوية الباكية المتصببة تزداد روعة كلما خطى خطوة في الردهات، حتى أن الجميع ظن أنه راهب منجذب بالبتول مريم، فما بين مادح وما بين متأسي لحاله، تركوه يتحرك في الردهة نحو الباب الخارجي، ولم يملك الأسقف ولا أي من رجاله أن يعترضوه، فخرجأمامهم ليذوب في الشوارع الكبير.

******

25

ثمة أمران حال دون أن تلقي مريانا بضيفتها من فوق الجبل وتنتهي من أمرها، كان الأول خوفها من مساءلة الشرطة لها، فقد جاءتها عن طريقهم، وربما كانت عينا لهم لمعرفة أسرار الدير، الأمر الثاني أنها حين طالعت الكراسة التي وجدتها الأخوات في قلايتها قرأت اسم صلاح متري، وحين سألتها عنه أخبرتها أنها ابنته، للحظة فكرت مريانا في أن الدنيا قد تكون صغيرة إلى هذا الحد، فصلاح متري أحد المؤسسين لجماعة الأمة القبطية، فهل يمكن أن تكون ابنته حقا؟.

في سرية تامة أرسلت مريانا في لقاء الأب يؤانس كي تشرح له ما جري، وكان عليها أن تنتظر يومين قبل أن ينتقل من دير درنكة ليجيء قلايته القديمة في الجزء الخلفي من دير النساخ، فحملت في يدها الكراسة وما بها من حكايات وأسماء، وأمرت بفتح الباب السري الفاصل بين دير الراهبات والجزء الذي اختبأ فيه الرهبان حين أمر يوساب الثاني بإغلاق الدير، لم يكن إيمانهم بفكرة النسخ التي أفنوا فيها أعمارهم هو وحده الذي يلزمهم بالبقاء قريبين من ديرهم،لكن إيمامانهم أيضا بضرورة  الحفاظ على رسالتهم في تقديم كل الرؤى، سواء اتفقت مع الكنيسة أم اخلفت معها،  فجميعها تبحث في وجود الله وطبيعته، ولابد من تدبر أوجه الحكمة فيها.

كانت مريانة في سنوات طفولتها قد وهبت نفسها لمهنة النسخ، فجلست تتعلم وتمارس فنون التعامل مع الهوامش والمتن، لكن الدير كان قد فقد الكثير من قدراته، وحرم من الراغبين في شراء مخطوطاته، وتحول الناس لدير الشراح، حيث أحضر آباؤه مطبعتين وبدأوا في نسخ ما لديهم من أعمال، فأصبح الدير النائم على هضبة في جبال القلزم، قبلةالباحثين عن الأمهات والأصول في الكتب.

حين انفتح الباب ودخلت مريانا إلى الجانب الآخر من الجبل، رأت بعض النساخ القدامى جالسين في قلاليهم يمارسون أعمالهم بنفس الدقة والانتظام رغم تقادم العهد وتقدم العمر، وقفت أمام قلاية تبدو من الخارج متهدمة وطرقت على بابها بأدب شديد، سمعت سعالاً وصوتاً يأذن لها بالدخول، كان ذلك صوت الأب يؤانس الذي تجاوز التسعين من عمره، رأته نائماً في سريره يعانينزلة برد، لم يكد جسده يتضح من بين ثنيات الفراش، ولولا لحيته الطويلة التي يهذبها بزيت الكافور ما عرفت عينها الطريق إليه، حاول الاعتدال في جلسته، وهي حاولت مساعدته في النهوض، ثم حكت له ما حدث بدءامن اتصال المأمور بها حتى عثورها على أوراق دميانة واسم صلاح متري.

ما إن تناول يؤانسالأوراق منيدها حتى كتم سعاله وبدأ يطالع ما كتب فيها، ثم أرسل بعد يومين إلى مريانا كي تعيد عليه كل ما قالته من جديد، أعطاها أذنه وعينه وجلس ينصت باهتمام لا حدود له، وحين أنهت كلامها قبض على يدها طالباً رؤية الفتاة ليتأكد من بعض الأمور، حاولت مريانا أن توضح أن وجودها في الدير قد يعرضهم لمشكلات ينبغي تجنبها، وأن الحل يكمن في التخلص منها بطريقة لا تجعل الشرطة تطالبهم بها، لكن العجوز هز رأسه مبتسما، وفتح عينه مصرا على رؤية دميانة، فنهضت مريانا من مكانها كلبؤة في طريقها إلى فريسة.

 تطلع يؤانس في وجه دميانة، ثمطلب منها أن تجلس بالقرب منه، حين فعلت داعبها كجد عجوز، ممتدحاً خجلها وجمال طلتها، وراح يسأل عن تعليمها، واسمها بالكامل، كانت دهشته كبيرة حين تأكد أنها ابنة صلاح متري، وببساطة سألها عن أمها تريزا، فصعقت من معرفته بها، ورأته يضحك حتى سقط طاقم أسنانه من فمه، ثم أومأ لمريانا أن تتركهما معا، فشعرت دميانة أنه الملاك الذي أرسله الرب لإخراجها من هنا.

ـ وماذا عن أوريجانوس؟

سألها بدلال كما لو أنه يطلب منها الحديث عن أنطونيوس، فضحكت، وتذكرت ما كتبه والدها في أوراقه، تلك التي بفخر كتبتها في ملف على الكمبيوتر طبعت منه عدة نسخ، كان واحد منها لا يفارق مكتبه. كانت سعيدة بما قرأت فيه، وفخورة بأن والدهاشخص مختلفعن أقرانه، لأنه ليس محام للفقراء فقط، لكنكاتبله رسالة، حتى وإن كانكانت رسالته عن شخص حرمته الكنيسة.

حين لمسيؤانسيدها انتفضت مستيقظة من أحلامها، سألها عن سبب شرودها، فردت عليه بتوجس:

ـ من أين علمت؟

هز العجوز رأسه وكأنه يسترجع الزمن البعيد:

ـ كنت مدرسا للألعاب، وكان والدك تلميذي، كان صغير الحجم ولا يصلح لشيء، أنقذته عدة مرات من أيد زملائه، لكنه كانكثير الجدل، أحببته لشجاعته وعناده، ورغبته في تعليمه كيف يواجههم، لكنه فشل، رغم ذلك صرنا أصدقاء، وحين دخلت الدير كان الوحيد من بين الذين علمتهم الذي أحضر والده وجاء لزيارتي، لذا حينفكرنا في إشهارالأمة القبطيةأصررت على أن يكون من بين المؤسسين، لم يكن يتجاوز الخامسة عشر من عمره، لكنني اعتبرته ابني الذي لم أنجبه، ودافعت عن حقه في الثورة.

*******

26

أوارق أوريجانوس

ـ 11 ـ

عزيزي ديونسيوس، أرسل إليك هذه الرسالة وقد تمكنت الآلام مني، فأماكن القيود والجلد والكي تحولت إلى قرح لا تريد أن تندمل، ولا تشفع معها وصفات المجربين ولا حيل الأطباء، وزاد الأمر سوء أن الضلع المكسور أسفل أبطي تورم وحرمني النوم، حتى أن نومي لايزيد عن غفوات وأنا جالس على حالي ، تلامذتي وأصدقائي يعاونونني في كل شيء، بدونهم ما كان لي أن أكمل يوماً واحدا على قيد الحياة، لكنني بحق أشعر أنني أثقلت عليهم أكثر مما ينبغي، ويبدو أنه لا مفرمن الموت لعجوز منهك مثلي، فالموت سترة، الموت دواء العظام الهرمة، سيظل الكائن الوحيد المتاح له أن يدب على قدمية ليل نهار إلى أن يفني كل من على الأرض.

صديقي،لا أعرف سببا واضحا للكتابة إليك، فربما لأنك أبديت رغبتك في عوتي إلى بلادي، وربما لشعوري بدنو الأجل، ورغبتي في الاعترف على يديك، رغم بعد المسافة بيننا، وربما لأنني أردت أن أترك شهادة مني للجميع بما جري، فأنا على يقين أن الكثيرين سيختلفون حول ما جرى، وربما يراني البعض قديساً، بينما سيراني آخرون بمثابة الشيطان اللعين ، لكنني لا هذا ولا ذاك، أنا محض رجل محب للمعرفة، لا يغلق ذهنه على فكرة بعينها، ويوقن دائماً أنه لا عمل مكتمل، وأنه مهما كنا على صواب، ثمة احتمال وارد بأننا على خطأ، وعلينا أن نحترم هذا الاحتمال وندقق فيه مثلما ندقق في أقوالنا الصائبة، فأنا محض رجل مؤمن بالله وباحث في كل ما يتعلق به، لكنه غير مغلق لذهنه على فكرة أو قول، مؤمن بكل ما سبق، ومؤمن بالشك فيه أيضاً، وعدم القدرة على تصديقه كاملاً، لا أدعى القداسة ولا يمكن اعتباري محض عابر في طريق خطأ.

إنني يا صديقي أراهن على الزمن، فحين ينسى الناس الخطأ فإنهم يمكنهم أن يروا الأمور بحياد واضح، وحين يتحرروا من الحب فإنهم يمكنهم أن يروا الأمور بحياد واضح، تذكرتأن الخطأ والوقوع في الحب يؤديان إلى فقدان الصواب، وكلا الأمرين حدثا معي، الكنيسة ومن بها من رجالك وأصدقائك لن تنسىأنني خرجت عليها، وصرخت في البرية بخطأ ديمتريوس في استبعادي منها، مؤكداً على أنني لدي الكثير مما يستحق النظر إليه، وما أقوله ليس هراء ولا هرطقة كما يزعمون، أما أصدقائي هنا في الشرق، هؤلاء الذين عشت بينهم، وتعلموا على يدي، فلا يمكنهم أن ينفلتوا من إسار حبهم لي، وما أن أرحل حتى سيتسع الخلاف، وكل فريق سيكون فرحاً بحكمه، وهو ما سيجعلاسمي يتردد في كل بيت، ويجلب آخرين من بعدي ليكملوا ما قد بدأت، وسيضيق صدر الكنيسة بهم مثلما ضاق صدرها بي، وستلجأ إلى كتبي ورسائلي ليس للرد عليهم فقط، ولكن لإلزامهم بحدود الإيمان القويم.

أراهن على الزمن يا سيدي، وأعرف أنه سيكون في صالحي، وأخشى ما أخشاه على كنيستنا الموقرة من الثبات والجمود، أخشي عدم فتح أذهانها لاستيعاب الآخرين، هؤلاء الذين يشاركونها في البحث عن حقيقة الله، هم ليسوا كفارا يا صديقي، هم باحثون مثلنا، ربما أخطأوا، وربما ضلوا الطريق، لكن اسهامهم أضاء مناطق ما كنا نعرفها، ولا أظن الله بكاره لها، لأنها تجعل اسمه يتردد في كل بيت وعلى كل لسان، يتردد بوعي وليس مجرد ترتيل أو تكرار، هؤلاء لهم شرف المحاولة، فضيلة الخطأ، لأننا لا نتعلم بغير الخطأ، ولو لم نكن مخطئين ما كنا بشراً، وما نزل الله ليخلصنا من خطايانا.

في صباي كنت أتردد على الميوزيوم، وأنصت لفلاسفة الرواقيين والأفلاطونيين، مثلما كنت أتردد على اكلمندس، ذلك الذي جلس أمامي ذات يوم قائلاً:

ـ ليست الغنوصية كل الغنوصية على خطأ، هي فقط تأثرت ببعض أفكار الوثنيين واليونانيين، لكنها في مجملها ترى الله بعين محب وليس كاره، هي مع الله وليست ضده، فجنوسيس تعني المعرفة الروحية، وهي خليط من فلسفات اليونان والفرس واليهود، وهي التي حافظت على انتشار المسيحية في مهدها الأول، وبدونها ربما لم يكن للناس أن تعشق المسيح، كان سيمون الساحر الوارد ذكره في سفر أعمال الرسل، هو الغنوسي الأول، شرح من خلالها أصل ومصير الروح، فقد كانت في البداية في عالم سماوي منير،لكنها سقطت فجأة من هذا العالم المنير إلى الأرض، فأصبحت سجينة الجسد الحسي،وتأثّر الإله الأعظم تأثراً كبيراً لسقوطها، فأرسل المخلص ليخلصها من هذا السجن، فاتخذ المخلص مظهر الإنسان، لأن الإله لا يمكن أن يتحد بالمادة المرئية، فاستطاع بهذه الطريقة أن يعلن للعارفين أنهم من عالم سماوي.

لم يكن اكلمندس يبشر بالغنوسية التي انتشرت في زمانه، لكنه تعلم منها طريقة جديدة لشرح الكتاب المقدس، طريقة لرؤية العالم من حوله، فالغنوسية تؤمن بثنائية الخير والشر، ومن ثم ينقسم العالم لديها إلى مملكتين، الأولى مملكة النور،وفيها الإله السامي الذي خرجت منه طاقات متنوعة الدرجات، أما الثانية فهيمملكة الظلام التي يسيطر عليها إبليس برفقة أعوانه الشياطين. الغنوصيون يرون أن المادة شر،وكل اتصال بما هو مادي شر،وإله الخير بعيد كل البعد عن المادة الشريرة، لذا يرفضونالقول بأن المسيح اتخذ جسداً مادياً، ويقولون أنه أخذ مظهراً جسدياً، كان هذا التفسير منتشرا في زمن يوحنا الرسولي بأفسس، فرد عليهم بالآية الرابعة عشر من إنجيله قائلاً "والكلمة صار جسدا، وحل بيننا، ورأينا مجده، مجدا كما لوحيد من الآب، مملوءا نعمة وحقا".

اكلمندس درس لي هذا، ولم يخف علي من الوقوع في الزلات أو الإيمان بالهرطقات، لأنه كان يؤمن أن الاطلاع على فكر الآخر أفضل طريقة للحماية منه، لم يكن الخوف قد عرف طريقه بعد إلى قلب كنيستنا، ولم يكن ديمتريوس الكرام أصبح ذلك الشيخ الهرم الذي يؤمن بأن المنع أولى، والتحريم أفضل، كان ما يزال شاباً قوياً، يفرق بنور القلب بين المخطيء والمصيب، لكنه الزمن، هذا الذي أراهن عليه، هو نفسه الذي يجعل الخلايا تضعف وتتشبث بكل ما كان يرشدها نحو الصواب، تتمسك فقط بالطرق المعتادة والبعيدة عن الرهان، هذا ما آمله منك في فترة رئاستك للكنيسة الأكبر والأكثر وعياً ونضوجاً بين غيرها من الكنائس، الكنيسة التي تحمل الآن ميراثاً عظيما من مواعظ الآباء والقديسين وتقاليد الإيمان القويم، هذا الإرث الذي بقدر ما سيحميها من الخطأ، فإنه سيكبلها، وقد يخرجها من دائرة التفاعل مع الزمن

صديقي .. أشعر بمشقة في إملاء الكلمات، فجروحي تنزف، وألمي يزداد، وصدري يضيق، ولا أعرف متى سيأتيني الموت، أشعر بمشقة لكنني أرغب في الحديث معك، لدي كثير مما يجب أن يقوله عجوز في مثل سني، لو قيض لي أن أتعافى قليلاً، أو أهرب نفسي من الألم على نحو أو أخر، فإنني ساقص عليك ما جري لي بعد خروجي من الأسكندرية، فقد ارتقى شأني، وزادت رغبة الناس في علمي، حتى أن كنائس الشرق والغرب صارت تدعوني لألقي عظاتي بها، وصارت رحلاتي نحو بلدان العرب تزاد وتكثر، وانفتح فكري على رؤيتهم للمسيح، فرحت أمزج بين رؤية كنيستنا ورؤية كنائسهم، رؤية أصدقائنا في الشمال وأصدقائهم في الجنوب، باحثا عن الله، باحثاً عن طبيعته، وموقفه منا، باحثاً في شأن الروح القدس، وجوهره وقدراته وسبب وجوده، وكلما بحثت كانت الطريق تنفتح أمامي، حتى أنني لم أعد قادرا على العودة إلى النقطة التي بدأت منها.

*****

27

الحق أقول أنني أفتقدت أنطونيوس في المكان، وشعرت بكم أنا وحيد، لا علاقة حقيقية تربطني بأحد هنا، والحق أقول أيضا أن وحدتي ورعبي ازدادا بعدما علمت أن موتى لن يهم أحد، فأنا بلا شهادة ميلاد، ولا وجود لي في أوراق الحكومة، إذا غبت لن يفكر أحد في غيابي.

كانت رأسي تدور بالهلاوس عن طريقة قتلي، وشعرت أنني ليس أمامي سوى أن أساير يوساب ورجاله في كل ما يريدونه، فعدت إلى المكتبة أسجل أسماء الكتب ومؤلفيها، وأسماء البطارقة الذين كتبت فيعهودهم، كان عملاً مضنياً تصورت أنني تخلصت منه منذ عدة سنوات، حين طلب مني إيمانويل إعادة تصنيف المكتبة، فطلبت منه عمل أرفف تتسع لتصنيفها، وعكفت على توزيعها حسب الموضوعات والعصور، وأعددت لنفسي مكتبايليق بكاهن ذوي شأن في الدير، وجعلت فراشي بجانبه، فصارت المكتبة بيتي الذي أختفي فيه عن الناس، ولولاكوني كاتب لتحقيقات الدير ما خرجت منها.

انهيت قائمة طويلة بالكتب المتاحة في المكتبة، وتوجهت بها بعد يومين إلى قلاية يوساب، محاولا الإعراب عن اندماجي في مجموعة التابعين له، مكفرا عن خطيئة أنني كنت صديقا لأنطونيوس، وما إن رآني الرجل حتى ابتسم ونهض لاستقبالي، تفاءلت خيراً وقلت أنني قطعت مسافة في إقناعه بإخلاصي، مددت يدي بقائمة الكتب فأخذها وألقاها على مكتبه دون أن ينظر فيها، وكأن الأمر لا يعنيه، أو لم يكن مطلوبا من الأصل، ازدردت ريقي وتأسفت لنفسي وفكرت في العودة إلى مكتبتي، لكن الرجل جذبني من ذراعي ليجلسني في الكراسي المواجه له، ثم سألني إن كنت قد خرجت في نزهة خارج الدير من قبل؟، ارتبكت للحظة، وشعرت أنه يفكر في الخلاص مني، ويبدو أنه انتبه من ارتباكي لما فكرت فيه فربت على فخذي قائلا:

ـ لا، لا تقلق... فقط جد أمر بسيط قد يستدعي ذهابك أسيوط.

عاد الهدوء إلى نفسي وتذكرت رسائل أوريجانوس التي أرادني المنحني أن أوصلها لصديقه هناك، قلت أنني ذهبت مرة في صغري مع باخوميوس، ولا أعرف الطرق، فنهض من كرسيه مبتسماً وهو يقول:

ـ الأب جورج يريدك أن تذهب برسالة منه إلى بعض أصدقائه، وأنا أريدك في مسألة أكثر أهمية.

ارتسمت معالم الدهشة على وجهي، ولم أعرف بما أجيب:

ـ تحت أمركما.

هكذا قلت، فاتسعت الابتسامة في وجهه كما لو أنني كافأته على شيء لميتوقعه، إلا أنه فجأة أغلق فمه وجز على فكيه كما لو أنه يعاني حالة من التشنج قائلا:

ـ تصور أن صديقك أنطونيوسقدم بلاغاً يتهمنا فيه بقتل دميانة؟

وقعت الجملة على سمعي كحجر ارتطم في وجهي، فتركني الرجل أستوعب ما سمعت وأخذ يتأمل ملامح وجهي، فرسمت كل ما أملك من معالم الدهشة، وأنالا أعرف هل أدافع عن أنطونيوس أم أصب عليه اللعنات، ووجدتني كفأر في مصيدة أحاول المراوغة والتفوه بكلمات بعيدة عن مشاعري وما يدور في ذهني، لكن أيا من ذلك لم يجد، فقد اتخذ الرجل قراره بأن أذهب إلى أسيوط كي أثبت لمسئولي التحقيق هناك أن أنطونيوس كان قاطع طريق، وأنه المرشح الأول لقتلها.

كنت أسمع ولا أتفوه، متخيلاً أنني السكين التي ستقطع عنق صديقي، فظللت أزدرد ريقي، بينما يوساب يهون الأمر ويشرحه بطرق مختلفة، فأهز رأسي متجاوباً معه تارة، وشارداً عنه تارة أخرى، حتى طالبني بالحديث، كان خوفي قد منع صوتي من الخروج، لكن عينه تحولت من نظرة الود إلىالزجر، فسألت مستوثقا:

ـ هل فعل أنطونيوس ذلك؟

تنفس الرجل الصعداء وكأنه كان يتوقع مني الرفض، ثم أخذ يقسم بالمسيح أن هذا ما حدث، وأنهذه فرصتي كي أثبت ولائي له وللأب جورج والدير كله:

ـ هل أنت معنا أم لا؟

فأجبته وأنا شبه منوم:

ـ معكم.

تركت الرجل ينام في قلايته مطمئناً، وخرجت أبحث عن نسمة هواء على حواف الهضبة، ألقيت بنظري نحو القلالي المصفوفة كسور مطل على المطبعة والمقابر في الأسفل، تذكرت الليلة التي هرب فيها أنطونيوس، تصورته مازال يهرول بين المقابر وأرض المطبعة هربا من رهبان يوساب، ورغماً عني بحثت عن قلاية باخوميوس الحبيب، كما لو أنني رغبت في التأكد أنها مازالت على حالها، وللحظة رأيته جالسا أمامها كما كان يفعل ساعة الغروب، حتى أنني كدت ألقي عليه التحية، لكني انتبهتإلى أن القلاية مغلقة وأنه غير موجود، فاستدرت بوجهي وتسحبت بأقدامي بعيدا في طريقي إلى المكتبة، ولم أكد أجلس في مكاني حتى ظهر على الباب اثنان من رهبان يوساب، كانا طوال القامة مفتولي السواعد، أومأ لي أحدهما برأسه كنوع من التحية، فأجبته بالمثل وأنا أسأل نفسي عن نوع الشر  الذي يتدحرج في أقدامه نحوي:

ـ الأب يوساب يريد محاضر التحقيقات التي لديك.

رفعت رأسي محاولاً الاستفسار إن كان يقصد التحقيق مع شخص بعينه أو في فترة بعينها، لكنه أكد على أنه يريد كل محاضر التحقيق، فنهضت من مكاني وذهبت إلى رف كنت قد خصصته للدفاتر التي سجلت فيها التحقيقات، حين أشرت إليهما عليها أزاحاني جانبا وحملاها بين أيديهما وخرجا.

شعرت أنني مهما حاولت أن أنتمى إلى يوساب ورجاله فإنني سأظل غريبا عنهم، شعرت أيضاً أن كل ما أخشاه أتٍ لا محالة، فأنا بالنسبة لهم شخص بلا ثمن، ولن يسأل عني أحد حال غيابي أو اختفائي، لكنني لا أعرف ما الذي يمكنني عمله، أغلقت باب المكتبة على نفسي وجلست أتأمل حالي، كان الضعف يتصاعد بداخلي كفيضان شديد، حتى أن أعصابي انهارت فجأة، وأخذت أعضائي ترتجف كورقة شجر في فصل الخريف، وسرعان ما انخرطت في بكاء أعقبه نشينج طويل حتى فقدت وعي.

لم أستيقظ إلا في منتصف الليل ناسياً كل شيء، فقط وجدتني أعاني صداعا خفيفا، لكنني على كل صرت في ميزاج أفضل، وطاقة أكثر حيوية ونشاطاً، حتى أنني لم أشعر بالرغبة في معاودة النوم، وأدركت أن جسدي يطلب الخروج لتنسم الهواء في فضاء الدير، فجلست أمام المكتبة كما كان باخوميوس يفعل أمام قلايته، كان الهلال يفرش ظلال القلالي على الأرض، فرحت أرقبها متأملاً أطوالها وهيئاتها، لكنني فجأة لمحت ظلاً طويلاً يتنقل من قلاية باخوميوسإلى قلاية يوساب، لم يكن ظلاً واحداً، فقد تبعته عدة ظلال تتسحب بجوار الجدران، أخذ الفضول يغذي مخيلتي ولم أستطع أن أتمالك نفسي، فنهضت لأعرف ما يجري، ورحت أسير بنفس الطريقة في ظلال القلالي.

 كان الدير يغط في نوم عظيم، ولم يكن لأحد أن يتوقع أن ثمة من هو مستيقظ في ذلك الوقت، وبدا أنهم عما قليل سيعودون إلى قلاية باخوميوس من جديد، فقد تركوا الباب مفتوحاً، حاولت أن أقنع نفسي أنني تجاوزت الحدود المسموح بها للتطفل، لكن شيئاً ما كان يدفعني للدخول، دفعت الباب بهدوء ومددت قدمي لأجدني بداخل القلاية التي لم أدخلها منذ تنيح صاحبها، كانت الظلمة تملأ المكان، لكن كانت ثمة ثغرة نور قادمة عبر الفجوة التي أحدثها أنطونيوس، وعبر من خلالها بحبال باخوميوس إلى أسفل الهضبة، حين نظرت إليها شعرت أن عيني اعتادت على الرؤية بدرجة ما، رأيت السرير في المنتصف، ورأيت في السقف عود الحديد الذي تدلت منه مشنقة باخوميوس، وفي ركن بعيد كانت كومة كتب قديمة تنام على الأرض، وسرعان ما شعرت أن ثمة أقدام تقترب، ولم يكن أمامي سوى الخروج من ثغرة أنطونيوس، حيث المطبعة والمقابر في الأسفل، تمسكت بالجدار ودفعت نفسي خارج القلاية، كانت ثمة مساحة لا تزيد عن شبرين بينالقلاية وحافة الهضبة، الصقت نفسي بالجدار وكتمت أنفاسي وأنا أرتعد خوفاً من أن يعرفوا طريقي.

كان الداخلون هم أصحاب الظلال، عددهم نحو ثلاثة أو أربعة رهبان، جاءوا محملين بكتب وضعوها بجانب الكومة السابقة، وسمعت أحدهم يهمس لآخر أن يضع الدفتر الذي معه بين الكتب، بحيث لا يرى إلا بعد البحث عنه، كنت أسمع همسات تعليماتهم لبعض، حين انتهوا خرجوا وأغلقوا الباب، فكرت سريعاً في أن أخرج قبل أن يعودوا من جديد، لكنالباب كان قد أغلق من الخارج، ولم أشعر بثقل الكارثة التي وضعت نفسي فيها، فقد أخذت أتلمس الضوء الخفيف المتسرب من الفجوة الصغيرة لأنظر في العناوين، كانت المفاجأة أنها كتب تخص الغنوصية والأبيونية والماركونيةوالانتحالية والسابلية، وبعضها يعود إلى أوريجانوس كالمبادئ والتفسيرات، وبعضها يخص أريوس كالأشعار، وفي واحد منهم عثرت على كراسة صغيرة كتب عليها بخط قلم جاف "اعترافي الأخير".

لا أعرف لم أعدت ترتيب الكتب كما كانت، بينما وضعت الكراسة الصغيرة أسفل جلبابي، وبدأت أفكر في الخروج، كان من العسير أن أحاول فتح الباب، ولم يكن أمامي سوى ثغرة أنطونيوس التي أحدثها في الجدار، فمددت نفسي وخرجت منها إلى الفضاء الواسع، كان الهلال قد انحنى أكثر في الأفق وبدا أنه يوشك على الزوال، وقفت إلى جانب الحائط من الخارج متمنياً على المسيح ألا أموت ميتة شنعاء، وأخذت أتحرك وأنا ملتصق بالحائط حتى وجدت جداراً به نتوء، فشمرت ثيابي وربطها على وسطي كفلاح في حقل، وتسلقت بخوف لا حدود له حتى صرت فوق النتوء، ومددت نفسي حتى تلمست سطح القلاية فتمسكت به، وحاولت حتى نجحت في الصعود، وكان على أن أظل في مكاني مختبئاً إلى أن يختفي القمر تماما ويسود الظلام.

****

28

عادالجميع من مجمع نيقية وكلهم شعور بالفرح والانتصار، فقد أقر المجمع لائحة الإيمان، وحكم بإدانة أريوس وتعاليمه، وزاد الأمبراطور بأن أمر بنفيه، ويبدو أن غضب قسطنطين عليه كان شديداً، فقد سيق مكبلاً في السلاسل من نيقية إلى نيقوميديا، ومن هناك تم نفيه إلى الليريا، كان كل ما جرى مرضيا لألكسندروس، هذا الذي بقي في نيقية بعد انتهاء المجمع حتى ودع جميع الأساقفة والكهنة وهم في طريق العودة إلى أوطانهم، ثم استأذن الامبراطور وأسقف نيقية في العودة إلى الأسكندرية، فخرجت بنا السفن في موكب بهجة وسرور، فظللنا ننشد التراتيل طيلة الطريق فرحابسقوط أشباح الشر، لكن أثناسيوس كان يقول أن الصعب لم يبدأ بعد، فقد زرعوا الكثير من الآلام في الطريق، وعلينا نزع الشوك من الأقدام.

 لم يكن رفائيل مستوعباً ما قاله صديقه، وبالأحرى لم يكن مهتماً بالتفكير في ماهية الشوك وآلام، فقد أغلق على نفسه قمرتهبالسفينة وأخذيراجع حصيلةالكتب التي جمعها، كتب عن الأبيونية والماركونية والبنويونية والغنوسية  والأفلاطونية والوثنية القديمة، كتب تشرح رؤيتهم للعالم على نحو مخالف لما تقره الكنيسة وتراه، كان يتسلل من بين الآباء والأساقفة في المساء ليبحث عن ناسخي الكتب متفقدا ما لديهم، وكلما وجد عملاً مهماً لم يستطع أن يمنع نفسه عن شرائه سواء كان من أعمال القديسين أو الهراطقة العتاة، حتى تحصلت لديه كومة كبيرة من الأعمال وضعها في جوال كبير وحملها إلى قمرته، حين فاجأه أثناسيوس وهو يخبئها قال له أن الامبراطور لو رآها لحكم عليه بالنفي مع أريوس، فضحك رفائيل مؤكدا على ضرورة دراسة الهراطقة وأعمالهم كي نعرف على أي حجة  يستندون ، فرفع أثناسيوس حاجبيه دهشة ثم أغلق القمرة على صاحبه ومضى.

كانت الآلام والأشواك التي تحدث عنها أثناسيوس تكمن في تطهير الكنيسة من الأريوسيين والميلتيوسيين، ومن ثم فقد بدأ بإرسال نسخ من لائحة الإيمان إلى رؤساء الكنائس، مطالباً بنسخها والعمل بها، مؤكدا على أن من يخالفها سوف يحرم وينفي، ولأنه كان عليه أن يتأكد من وصولها إلى الرؤساء بأنفسهم، فلم يكن أمامه سوى أن يرسل أكثر الناس ثقة وقربا منه، ولم يكن هناك سوى رفائيل الذي يمكنه أن يأتمنه على رحلة تبدأ من الأسكندرية إلى الأسقفيات والكنائس والأديرة البعيدة في بلاد النوبة، مروراً بالمدن الخمس وصحراء الإسقيط والقلمون وجبال القلزم وأرض الفيروز، فخرج في رحلة طويلة مع ثلاثة من الشماسة ليسلموا الكنائس نسخها، وكانت خطته أن يبدأ رحلته من جبال القلزم، حيث قرر حمل كتبه إلى دير الملاح، فهو المكان الأكثر أمانا بالنسبة إليه، وحيث الحلم الذي تمناه أستاذه ديمتريوس بأن يصبح دير الملاح قبلة من يريدون العلم، كان ديمتريوس قد ظهر له في منامه صامتا وحزيناً، حتى أنه قلق عليه، فقرر الذهاب لرؤيته، متخذاً النيل حتى وصل إلى منف، ومنها إلى كلسيما على بحر القلزم، ولم يتوقف في كنيسة أو دير لأكثر من يومين.

كانت قلالى الدير تعطى ظهرها من على الهضبة العالية للقادم للمكان، حتى أن الذي يمر لا يكاد يدرك أن الهضبة عليها حياة، فحتى مخر السيل الذي يتسلقه الرعاة في طريقهم إليها جرف الماء الأحجار التي وضعوها للصعود، فوقف أريوس متأملاً المكان وكأنه غريب عليه، متفكراً في كيفية الصعود، لكن أحد الشماسة المرافقين له نبهه للبكرة التي ثبتها أبنوب على جانب الهضبة، فتصايحوا باسم أبنوب حتى أطل عليهم بعض الرهبان، وجهوا الرافعة نحوهم لتنزل منها شبكة في أسفلها لوح خشبي عريض، فوضع رفائيل ورفاقه رحالهم بها وصعدوا.

على الهضبة تلقاهم أبنوب بالأحضان والقبلات، وأخذ يدور بهم على قلالي الرهبان قائلاً:

ـ هذا رفائيل... صاحب اثناسيوس والبابا الكسندروس.

كان رفائيل يضحك مؤكداً أن صاحبه يبالغ، والآخر يقسم أنه يقول الحقيقة، حين سأله رفائيل عن ديمتريوس الصغير أبلغه أبانوب أنه مريض، ولم يخرج من قلايته منذ شهور، فالسعال يلازمه، وصدره يشد عليه من أدنى مجهود، تركه رفائيل وخف خطاه إلى قلاية ديمتريوس، وجده هزيلاً أكثر مما كان، وبدا أن نور عينيه آخذ في الإنطفاء، إلا أنه نهض من مكانه فور سماع صوت رفائيل، فقام ليحتضنه ويقبله، وعلى ضوء ما تبقى له من نور في عينيه أخذ يدقق في ملامحه وكأنه يطبع صورة جديدة له في ذهنه، ثم دخل في نوبة سعال طويل قبل أن يطلب منه أن يحكي له ما جري في نيقية، فبعض الأمور لم تكن الرسائل توضحها.

مكثرفائل في دير الملاح نحو أسبوعين، حكي فيهما لديميتريوس عن كل شيء، ثم ذكره بحلمه القديم حين أرسله ليتعلم في الميوزيوم بالأسكندرية بأن يصبح دير الملاح قبلة الراغبين في العلم، قائلاً أنه جمع من نيقية كل ما وقعت يده عليه من كتب مهمة، حتى لو قيل أن أصحابها مهرطقون أو على خلاف مع الكنيسة، فمعرفة أفكار المهرطقين لا تقل أهمية عن معرفة أفكار القديسن لراغبي المعرفة، لأنها ستخبرنا عن الطرق التي يدخل من خلالها الشيطان إلى عقل الإنسان وقلبه، وكيف يمكننا أن نسد هذه الثغرات ونرد عليها، لكن هذه الكتب وما سيتلوهالا ينبغي أن تتاح لحديثي الإيمان، لأننا في محيط من الرعاة الذين كانوا مؤمنين بديانات وثنية، وسوف يجدون فيها ما يفتنهم، فتضل عقولهم وتتشابه عليهم الهرطقة مع الإيمان الصحيح. لذا لابد من حفظها بعيدا عنهم، في مكان لا يصل إليه إلا كبار الرهبان ومن يمكنهم فهمها وتبسيطها للناس.

كان أبانوب يسمع ويفكر في الطريقة والمكان الذي يمكنه أن يضعها فيها، فقال متحمساً لرفائيل أن كل ما يحلم به سينفذ، حتى لو صل الأمر إلى أن ننقب الجبل ونضعها فيه، كانت الكلمة عفوية وصادقة ككل ما يرد على ذهن، لكن ديمتريوس نظر إلى رفائيل مبدياً إعجابه بالفكرة، وتساءل ساخراً عن كيفية تنفيذها، فضرب أبنوب على صدره بحماس:

ـ بمشيئة الرب نفعل.

ضحك رفائيل ونهضباحثاً عن رفاقه، طالباً منهم أن يجهزوا أغراضهم،لأنهم في الصباح سيقصدون ليكوبوليس وكهنتها الأريوسيين.

أمضى رفائيلورفاقه أربعة أشهر يجوبون البلاد من شرقها إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها، ثم عادوا إلى الكنيسة ليجدوا أثناسيوس في انتظارهم، أبلغوه بكل ما رأوا وما سمعوا، فقد كان الغضب يجتاح كنائس ليكوبوليس  والمدن الخمس وأديرة الإسقيط، بينما الفرح يسيطر على كنائس الدلتاوالقلزم وطيبة،أماأرض الفيروز فقد انقسمت على نفسها تجاه أريوس وآرائه، لكن أثناسيوس قلل من شأن الغضب مؤكدا أن شيئاً لن يحدث، وإذا حدث فجيوش الامبراطورية ترابط على مقربة من الجميع، وافقه رفائيل على ما قاله ثم آوى إلى فراشه باحثا عن النوم عبر تراتيل المساء التي تهادت إلى مسامعه.

كان الأب الكسندروس قد دخل في نوبة مرض شديد، حتى أن المحيطين به توقعوا أنه سيفارق مملكة الأرض إلى ملكوت السماء، لكن يبدو أن مملكة السماء رأت غير ذلك، فنهض من مرضه مقيما القداس الإلهي،ومتابعا شئون الكنيسة بقوة وحزم، حتى ظن الجميع أنه أحد الخالدين الذين لن تصيبهم عصا الموت، خاصة أنه أخذ في التشديد على الأساقفة ورؤساء الأديرة بمتابعة عظات الكهان، فمن تفوه بتعاليم أريوس أو غيره من الهراطقةعليهم أن يستوقفوه، ومن خالف لائحة الإيمان يقومون بطرده من كنائسهم، ومضى عام كامل قبل أن يسقط ألكسندروس في مرضه الاخير، ليسلم الروح في وداعة على صدر أثناسيوس، مبتسماً في وجه الأساقفة والكهان من حوله، وكأنه لم يعان من ألم قط.

 أخذ أثناسيوس يدير حركة الكنيسة، فأرسل إلى نائب الإمبراطور مبلغاً إياه بالخبر، كي يقوم من جهته بإبلاغ الامبراطور، وأخذ يرسل لرؤساء الكنائس الكبرى كأورشاليم وأنطاكية وروما والقسطنطينية وقرطبة نيقوميدا واليونان وصقلية ليعلمهم بالخبر، ونشط الشماسة من حوله في إبلاغ رؤساء الكنائس والأديرة في مصر، وظل الإعداد للقداس الجنائزي ممتداً لمدة شهر، بعدها كان لابد من الدفن بمباركة عشرات الأساقفة والكهان الذين حضروا، لكن هذه المدة لم تخل من مشاورات جانبية للإجابة على سؤال: من الذي سيخلف ألكسندروس في كرسي مرقس الرسول؟، وبدا على السؤال أنه أصبح محسوماً بعدما علم الجميع أن الامبراطور عفى عن أريوس وأعاده من منفاه.

نجح أصدقاءأريوس ورفاقه من تلامذة لوكيانوس الأنطاكي في إقناع الامبراطور قسطنطين بأن صديقهم لم يهرطق، لكنه فهم الأمر من أساتذته في مدرسة الأسكندرية على نحو خاطئ، وما أن استوعب الأمر على وجهه الصحيح حتى أعلن قبوله لائحة الإيمان التي أقرها المجتمعون في نيقية، ونقلوا للامبراطور شهادة مغلوطة من آريوس اعترف فيها بصيغة إيمان تتشابه مع صيغة نيقية، حتى أن قسطنطين الذي تابع جلسات المجمع بنفسه لم يستطع التمييز بين الصواب والخطأ فيها، فتراجع عن غضبه على أريوس وسمح له بالعودة من منفاه.

جرى ذلك في الشهور الأخيرة  من حياة الكسندروس، تلك الشهور التي انشغل فيها الجميع بمرض الرجلدون أن يتوقعوا هبوب الرياح بغير ما تشاء السفن، ولم يعرف أحد أن أريوس عاد من منفاه إلا مع مجيء ممثلي أنطاكياوأورشليم، هنالك بدا الغضب واضحا على وجوه الجميع، مما حسم موقفهم في اختيارأثناسيوس ليكمل مسيرة ألكسندروس وأرشيلاوس وبطرس الشهيد، فليس هناك أفضل منه كي يقود الكنيسة في هذه الأيام الحبلى بالمخاوف، ولم يكن أمام رفائيل سوى أن يكون في معية صديقه، فقد ترك له الكسندروس تركة ثقيلة وصراعا لا يريد أن ينتهي.

****

29

اتجه أنطونيوس بعد خروجه من الكنيسة الأم إلى رمسيس، لا يعرف كيف وصل إلى هناك، لكنه كان يشعر أن كلب السماء يلهث خلفه، جاءه هذا الشعور بمجرد أن دخل مدير مكتب أسقف التحقيقات إلى غرفة رئيسه، فما مالت نحوه تريزا وهمست في أذنه حتى اقشعر جلده وتهادى إلى مسامعه لهاث الكلب السماوي، فطلب من تريزا أن تسبقه للبيت، ثم أخذ في ترنيم نشيد الإنشاد، لم يكن صوته قديما بمثل هذه الروعة والجمال، لكنه حين دخل إلى الدير وأصبح ابصالتيوص، كانت مهمته الأولى هي الترتيل والإنشاد، تعلم كيفية ترخيم الصوت، وعشق التنغيم والتأثير في المستمعين، هو نفسه لم يكن يتوقع أن لديه هذه الموهبة، لكن إيمانويل رأى أنه يمكن الاستفادة منه في شئون أخرى، وأوعز لصديقه باخوميوس أن يلزمه بمزيد من الأعباء الكنسية، فعمل في كل شيء، كان يعمل بنفس الروح التي يغني بها، حتى أن العاملين معه ما كانوا يرتاحون إلا على صوته، فيطلبون منه أن ينشدهم من الكتاب المقدس ما يعن له، فأصبحمعروفا بالشماس ذو الصوت الجميل، وكاد أن يعتقد أنه لأجل سمح إيمانويل بدخوله الدير، لكن الأخير كان يفكر في كيف ينضجه يضعه على الطريق الصواب.

في زحام العابرين بميدان رمسيس وقف أنطونيوس يتطلع إلى الشمس العالية البعيدة في الأفق، كأنه يريد أن يسألها عما يجري له، وأين يمكنه الذهاب، كان يقينه يتزايد بأنه لو عاد إلى منزل تريزا سيلقون القبض عليه، فثمة رابط بين ما يجري في الدير ومكتب أسقف التحقيقات، ثمة من يتواصل مع من في جبال القلزم وخارجها، شعر أنطونيوس أن بعضا من رجال الرب ليسوا رجال الرب، وأن عليه أن يكتشفهم كي يحذرهم، فهؤلاء لا يرغبون في إصلاح الكنيسة ولا جمعها على كلمة واحدة، هؤلاء لديهم القدرة على التعامل مع الشيطان من أجل أغراضهم البسيطة.

فكر في أن يركب قطارا ويتجه إلى أبعد مكان ممكن، هو لا يريد أن يصارع أحدا، ولا يريد أن يكتشف مساوئ أحد، لكن إلى أين، وكيف يمكنه أن يترك دميانة دون أن يعلم مصيرها، فهل رحلت أم مازالت على قيد الحياة، كانت أقدامه قد دخلت به إلى أرصفة المحطة، فجلس على رخامة كبيرة في انتظار شيئ لا يعرفه، لكنه من جديد شعر بتشمم كلب السماء له، فنهض من مكانه ودار جولة على الرصيف قبل أن يسأله أحد مفتشي التذاكر عن وجهته، وجد نفسه يقول أسيوط، فأشار له الرجل نحو الرصيف الذي يقف عليه هذا القطار ، طالبا منه السرعة.

هرول كاي مسافر اكتشف فجأة أن قطاره سيغادر الرصيف، وما إن وصل إلى كرسي شاغر حتى ألقى بجسده فيه، موقنا أنه اتخذ الطريق الصواب، وما إن أخذت الأذرع الحديدية تتحرك برتابتها المعتادة بين العجلات الضخمة حتى تخدر جسده ودخل في نوم عميق، ولم يستطع المحصل أن يقطع عليه نومه، فتركه موقنا أن قسا ينام نوم الملائكة لا يمكنه أن يغالط الرب في أجرة تذكرة.

حين وصل القطار إلى محطته الأخيرة نزل الجميع، وحده أنطونيوس الذي استغرق وقتا كي يستوعب ما الذي حدث، كأنه كان يعيد ترتيب ذهنه ومخيلته، تذكر أنه ألقى بجسده على الكرسي الشاغر وسرح بخياله متفكرا في دميانة وما يمكن أن يكون قد حدث لها، تذكر وجهها الجميل وهي تجلس أمامه لتسأله، لم تكن أسئلتها تجيئه بصيغة المحقق، كانا يبدوان كحبيبين يتناغمان معاً، كان يتحدث دون أن يفكر، يقول ما في قلبه بمحبة وثقة، موقنا أنها تعامله بنفس الطريقة، وأنها مثله تلغي عقلها وتتحدث من قلبها إليه، شعر أن دميانه تترك كرسيها في مكتب التحقيقات وتصعد، كانت ترتدي قميصاً أبيض سماوي طويل وهي تصعد، كان ينظر لها بطرف عينه وهي تعلو مخترقة الأسقف والحواجز والقلزم وما حوله وتصعد، كان صعودها ناعما، وخلفه موسيقى هادئة، وفراشات وطيور بيضاء وزرقاء، خلفها حديقة مليئة بالورود والروائح الطيبة، وأنطونيوس يغلق على المشهد كي لا تضيع منه مفرداته، أنطونيوس يذوب من داخله، ويشعر أنه ترك جسده على الكرسي كجثة تغط في نومها لأجل أن يحلق خلف دميانة في السماوات السعيدة، وكلم تأرجح القطار وازدادت سرعته كلما حلق أنطونيوس عالياً، وزادت متعته بالتحليق، ظل في أحلامه السعيدة حتى وصل القطار إلى أسيوط، فتبرع الناس بإيقاظه لأجل النزول.

في أسيوط تذكر أنه لم يأت هذه المدينة منذ سنوات، حين أتى من الأشمونن إلى دير المحرق كي يلتقي باخوميوس الحبيب، ومعه بدأت رحلته إلى دير الملاح، فراوده الحنين لزيارة المحرق والإقامة فيه، ترك خطاه تقوده إلى جبل قسقام، صاعدا بخطوات متئدة الدرب الجبلي المؤدي إلى بوابتة العظيمة، وما أن فتح له الخادم حتى سأله عن كنيسة العذراء، مربالقلايات والمطابخ وأماكن طعام الرهبان، ثم عرج على الكنيسةللصلاة، وكاد أن يخرج منها لولا أن لمح شخصا يشبه ملاك الكاتب، فاتخذ مكانا قصيا وجلس يصلي من جديد.

كانت عينه ترقب ملاك وهو يصلي، ظل لا يقترب منه ولا يرفعها عنه حتى نهض الأخير من مكانه واتجه إلى الباب، حينها أنهى أنطونيوس صلاته ونهض ساحبا غطاء رأسه على وجهه، ظل يسير خلفه حتى خرج من الدير، ووجده يصعد باصا من النوع الذي يستأجره الدير لقضاء أبنائه مهامهم في المناطق البعيدة، فانتظر حتى تحرك الباص، وأشار لسائق تكسي أن يتبعهم.

وظل صامتا طيلة الطريق حتى بدأت السيارة في صعود الجبل الغربي، كان مرتفعا عن الأرض الزراعية من حوله بنحو مائة متر على الأقل، بينما الخضرة تحيطه من كل جانب، كانت السيارة تعاني في صعودها، فابتسم السائق قائلاً أنه دير درنكة، جاءت جملته كما لو أنها اعتذار عن عدم كفاءة التاكسي، ونوع من طمأنة أنطونيوس إلى أنهما يعرفان الآن إلى أين اتجه الباص، ومن ثم فلا قلق من تأخرهما الآن، حين وصلا الدير كان الباص واقفا أمام الساحة التي أمامه، جال أنطونيوس في المكان بعينه بحثا عن ملاك لكنه لم يره، ولم يعرف إلى أين يمكنه أن يذهب، في النهاية ففتش نفسه حتى وصل إلى المائة جنيه التي تركها له أحمد مع ورقة بها رقم هاتفه، فمنحها للسائق وكاد ان ينزل لولا لولا أن أوقفه الأخير ليعطيه ما زاد عن الأجرة، بحث بعينه عن مكان يواري نفسه فيه إلى أن يخرج من ملاك ومن معه، فرأىبجانب البوابة رجلاً يضع قبعة على رأسه، كان يشرح لمجموعة من الأجانب تاريخ قائلاً:

ـ هذا جبل درنكة، ووهذا الدير يسمى باسمه، لكنه أيضا يسمى باسم القديسة العذراء، لأنها جاءت المغارة التي بني عليها الدير، ونزلت بها، جاءتهابعد ستة أشهر قضتها في جبل قسقام، حيث دير المحرق الآن.

رأى ذو القبعة أنطونيوس يقف مبتسما في خلفية الأجانب، وشعر أن الأخير يثمن ما يقوله، فرفع صوتهوتحدث بثقة مستشهدا بأنطونيوس، فابتسم الأخير كما لو أنه يتواطأ معه على صحة ما يقوله، وشجع ذلك الرجل لأن يكمل موضحاً:

ـ حين قطعت العذراء المسافة من قسقام إلى ليكوبوليس لم تجد سفينة على وشك الإبحار للشمال، فقررت الانتظار إلى أن يأتي سفينة، لكنها خشيت على نفسها وطفلها والنجار وابنة خالتها من الأذى، فقررت العودة إلى الجبل، حيث يلجأون إلى إحدى مغاراته، فصعدوا إلى هنا، وأقاموا في تلك المغارة، التي بني عليها الدير فيما بعد، وسمي باسم العذراء مريم.

مضى أكثر من ساعة قبل أن يخرج ملاك وطويلي القامة برفقة راهب آخر، فصعدوا جميعاً إلى الباص، بحث أنطونيوس بعينه عن تاكس في المكان لكنه لم يجد، ولم يكن أمامه سوى أن يطلب من المرشد السياحي أن يلحق بالباص، كان الأخير قد انتهى من شرحه للأجانب، ويبدو أنه تلقي مكافأة مجزية، فقرر أن يعود إلى بيته، لكنه ما إن إن أعمل المفتاح في دراجته الناريةحتى وجد أنطونيوس ينقض عليه، طالبا منه أن ينطلق خلف الباص وسوف يعطيه ما يريد، لم يفكر الرجل في المال بقدر ما فكر في أن أنطونيوس كان شهما معه، فلم يقاطعه، ولم يفضح أمره، فما هو إلا مدرس تاريخ بمدرسة إبتدائية، لا يحمل تصريحا بالتعامل مع السياح، ولا يملك إلا أن يرد له الجميل، فاردفه خلفه وانطلق على الاسفلت كالرمح.

استسلم أنطونيوس إلى الضجيج المنبعث من موتور الموتوسيكل، وصوت صاحبه وهو يكمل دور المرشد السياحي متحدثا عن دير درنكة والمحرق، لكن الباصالذي كان متجها في طريقه نحو مركز الغنائم ترك الطريق الرئيسي واتجه غرباً نحو قرية الزاوية، هكذا قال مدرس التاريخ الذي استمتع بدور المرشد السياحي، حيث أشار لأنطونيوس نحو الجبل قائلاً:

هذا دير النساخ،قديما كان يعرف بدير الأنبا أثناسيوس، لكنه تحول إلى دير للراهبات، كان ذلك في زمن البابا يوساب الثاني، حين اشتد الخلاف بينه وبين جماعة تدعى الأمة القبطية، وكان بعض أعضائها من أبناء هذا الدير، فاختطفه خمسة منهم وأجبروه على توقيع تنازل عن منصبه،وجعل العلمانيين المشاركين في انتخاب البابا أكثر من رجال الإكليروس، ثم أخذوه منالكاتدرائية إلى وادي النطرون، حيث احتجزوه هناك، لكن حكمدار القاهرة شك في تنازلهبمحض إرادته والدخول في عزلته قبل انتخاب البابا الجديد، فأخذ يبحث في الأمر حتى اكتشف الجناة، وأعادهإلى منصبه من جديد، فما كان من يوساب إلا أن أمر بحل الجماعة، وإغلاق هذا الدير، دير الزاوية أو النساخ كما يقولون.

****

30

رسائل أوريجانوس

ـ 12 ـ

كنت قد تجاوزت السادسة والأربعين من العمر حين نزلت من جديد فلسطين، فقد رست بنا السفينة على شاطئ يافا، في ذلك اليوم تذكرت أنني أكملت عامي السادس والأربعين، ترجلت من السفينة وأنا لا أعرف هل أشكر الحراس أم أشيعهم باللعنات، هم أيضا لم يعرفوا بأي درجة من التقديس عليهم أن يودعوني بها، في النهاية تبادلت كلمات سريعة مع قائدهمشكرته فيها على حسن المعاملة ونزلت، كنت أتوقع أنني سأكون وحيدا في بلد لا أعرف عنه الكثير، لكن ما إن وطأت أقدامي الشاطئ حتى وجدت صديقي ثيؤكتستوس وألكسندر وبصحبتهما بعض من تلامذتي في القدس وقيصرية.

 بدا على الوجوه الحيرة في استقبالي، فلم يعرفوا إن كان عليهم أن يفرحوا لوجودي بينهم أم يحزنوا لخروجي منفيا من مدينتي، تلقيتهم بترحاب كما لو أنني غريق وجد من يتلقفه من الماء، لكنني لم أستطع أن أزيل الحزن كثيرا عن صدري ووجهي، فالأسكندرية كانت كل شيء لي، هي ميلادي وحبوي وتعليمي وشهرتي وعظاتي، هي رفات أبي وأمي وشقاء أخوتي وأحلامي الكبيرة، هي السيرابيون والميوزيوموالمكتبة والكنيسة والبحروأمبروسيوسوديميتريوس الكرام ، هي كل شيء، وما عداها ليس سوى محطة أعبرها لأعود من جديد إلى مسقط رأسي.

احترم الجميع حزني وغضبي أيضاً، وطالبني بعضهم بالرد على ديمتريوس، لكنني رفضت، فلو شئت ذلك ما خرجت من الأسكندرية، كان بإمكاني حين أخبرتني سارة أن ديمتريوس أرسل لنائب الامبراطور كي يصدر قرارا بنفي أن أفر إلى الصحراء أو الجبال، كان بإمكاني أن أجمع القساوسة الذين رفضوا حرماني وأحدث صدعا في صفوف الكنيسة، لكنني لم أرد، راهنت على أن يستفيق من عناده، راهنت على قلب الأب الذي أعرفه أكثر من غيري، لكنه ظل سادرا في كراهيته وعنفه تجاهي، فلم يكتف بأن أرسل لمختلف الكنائيس يعلمها بعزلي وحرماني، لكنه أخذ يشيع بين الجميع أنني مهرطق، وأنني غنوصي تخفى في ثوب أستاذ لمبادئ اللاهوت.

 كان كل ما يقوله يصلني، كانت أصداء رسائله إلى جميع الأبرشيات تدوي من حولي، فجميعها عقد مجامع مقدسة أقرت فيها قراره، وهو لم يأل جهدا في السعي لمحوي من الوجود.

ما إن وصلنا قيصرية حتى طلبت من صديقي أن يستأجرا لي بيتاً صغيرا أجلس فيه، فلم أرد أن أزيدهم هموما ولا أن أربطهم بي، وتحت ضغط مني اضطر ثيؤكتستوس أن يستجيب لطلبي، في هذه الليلة بكيت حتى فقدت الوعي من البكاء، وكنت أميل لأن أصعد على سطح البيت فألقي بنفسي منه كي أموت وأتخلص من همومي، لكنني ما أن سقطت في جب النوم حتى رأيت أبي يجيئني بطعام كثير، وضعه أمامي قائلاً "كل"، فنهضت التهمه، أحضر لي من جديد فأكلت، وظللت كلما أتي بشيء أكل ولا أشعر بالامتلاء، وكلما نظرت إلى وجهه رأيته مبتسماً، وكلما أكلت ازداد وجهه فرحاً. حينها نهضت من نومي هادئ البال، أشعر بطمأنينة لا أعرف سببها، حين أخبرت ثيؤكتستوس بما رأيت قال أن عطية الميت خير، وأخذه شر، وأنني على أبواب منح كبيرة.

ظللت معتكفا في البيت الجديد للصلاة واستقبال الذين جاءوا للسلام علي، كان الكثيرون يشدون الرحال من القرى المجاورة لرؤيتي، كما لو أنني تحولت في نظرهم لقديس يتبركون به، كان الأمر يبهجني لكنني لم أجد فيه ثمرا ليبقى بين الناس، فقررت أن أخرج بعيداً عن المدينة، حينها تذكرت الأسكندرية وجولاتي في شوارعها، كلما كان يؤرقني شيء كنت أتخذ شارع البحر مسارا لي، ثم سرعان ما أعرج على الدروب والحارات الداخلية، فأتشمم رائحة اليود، وأتطلع إلى المباني القديمة، وأنظر إلى السماء ونجومها، وأستمتع بمطرها الخفيف، حينها أعود نقيا وصافياً، كأن شيئا لم يعكر صفوي.

 تذكرت ذلك وأنا أهم بالخروج إلى حيث لا أعرف، فتركت أقدامي تمشي إلى حيث تريد، حتى وجدتني على أبواب المدينة، هنالك فكرت في أن أذهب في رحلة إلى الجابية للقاء جفنة ابن عمرو، هذا الملك الذي أكرمني حين ذهبت إلى دياره، حين فاتحت ثيؤكتستوس بذلك طلب مني أن أنتظر ريثما تمر موجة الرسائل التي بعثها ديمتريوس إلى الكنائس، فبدأت أنتبه إلى ما يجري من حولي، وطلبت من ثيؤكتستوس أن يحضر لي ورقا وحبرا كي أشرح لرؤساء الكنائس موقفي، فوجدته في اليوم التالي يأتيني بورق ورياش وأحبار وثلاثة نساخ يجلسون في البيت، حتى أنني تحرجت من وجودهم، فمن أين سأطعمهم وأنا أمضى أيامي صياماً كراهب في قلاية على عامود من الصخر.

أحصينا الكنائس المهمة، وقسمنا درجة معرفتنا برؤسائها، ومدى تعاطفهم معنا ومدى رفضهم لنا، ثم أرسلنا لهم رسائل باسم ثيؤكتسيوس شارحاً لهم الأخطاء التي وقع فيها ديمتريوس، فقد رأيت أنني لا ينبغي أن أدخل في خصومة مع ديمتريوس، وألا أكتب للناس في مواجهته، وألا أشرح لهم خطأه، فما بيننا أكبر من أن تتناوله الرسائل والعظات، في النهاية وافق ثيؤكتستوس وأرسل باسمه للجميع، كنا نتوقع رفضا عاما لقرار ديمتريوس، لكن الأخير مارس ضغوطه ملوحا بخصومة بينه وبين من يرفض، ولم يكن لأحد أن يعادي بطريرك الأسكندرية لأجل واحد من شعبه، لكن جهود ثيؤكتستوس لم تذهب هباء، فقد نجح في إقناع كنائس أنطاكيا واليمن وتدمر فضلا عن أورشليم وقيصرية برفض القرار، أما كنائيس روما وطليطلة ونيقوميدا وأثينا والمدن الخمس فقد رضخت لرغبته، وبات واضحا أنني لم يعد لي غير فلسطين وصحراء العرب.

لم أعرف فيما سأستفيد من النساخ الذين يجلسون في البيت طيلة اليوم، فأنا لم أحضر أيا من كتبي معي، حتى الكتابين الذين انتهيت منهما، راجعتهما على عجل وتركتهما لأمبروسيوس في الأسكندرية،فقد خرجت بملابسي كما يقولون، من بيتي إلى الشارع إلى البحر إلى قيصرية، كنت بحاجة لإعادة النظر في أحدهما أو كليهما، خاصة المبادئ الذي يحتوى على أراء قد تبدو ملتبسة بعض الشيء، إذ عكفت فيه على التفرقة بين الغنوصية المقبولة والغنوصية المرفوضة، شارحاً مبادئ الإيمان القويم، تلك التي نعرف من خلالها ما يجب علينا قبوله وما يجب علينا رفضه، فلا يدخل الشيطان إلى قلوبنا من طرق ملتوية، أما الكتاب الثاني فهو الجزء الخامس من تفسيري لأنجيل يوحنا.

ـ أظن أن علي أن أكمل الآن هذا العمل الكبير، فلم يبق منه حسب خطتي له سوى الجزء السادس، فلم لا أبدأ فيه الآن.

هكذا قلت لنفسي، وفي الصباح حدثت ثيؤكتستوس في عزمي على إتمام شرحي لانجيل يوحنا، فابتهج كما لو أنه عثر على شيء كان مفقودا، قال أن هذا أفضل ما سمعهمني منذ وصولي لقيصرية، غير أنني قللت من فرحه حين أخبرته أن من الصعوبة البدء فيه الآن، لأن الناس يتزايدون في المجيء إلى البيت، سائلين عن أمور كثيرة، ولا أستطيع أن أغلق الباب أمامهم، ولا أن أمنع نفسي من الرد على مسائلهم، فأصبح الوقت كله ملكهم، وكلما خلوت إلى نفسي وجدت من يطرق الباب طالباً السلام والمحادثة.

حينها فكر ثيؤكتستوس طويلاً، ثم سرعان ما فتح عينيه مبتهجاً، وكاد أن يصرخ مثل أرشميدس "وجدتها"، حين سألته عن سبب فرحه، وجدته يسألني:

ـ ولم لا نفتح مدرسة للاهوت، كمدرسة الأسكندرية؟

بدت لي فكرة جيدة، إذ يمكنها أن تعيد لي عملي السابق، وتنظم لي وقتي، وتدفعني لملاحظة ما يشغل العقول في أمور الدين، غير أنني لم أتحمس، وأخبرته أن ذلك سيعتبره ديمتريوس تحدياً له، ونحن لا نرغب في زيادة الأمور سوءاً، فهو في النهاية الأب ونحن الرعية.

لم يكن حديثي على هوى ثيؤكتستوس، فزم شفتيه وتركني على أمل أن أغير رأي، لكن رأي لم يتغير إلا بعدما وجدت صديقي أمبروسيوس يرسل لي من السكندرية قائلاً أنه أعطى للنساخ كتابي المبادئ والجزء الخامس من إنجيل يوحنا، فقاموا بنسخهما على عجل، رغبة في الرد على ديمتريوس وما يتحدث به، ويبدو أن الأسكندرية كلها كانت ترغب في الرد بطريقتها على ديمتريوس، فتنافس الناس على الكتابين كما لو أنهما أخر الكتب، وعكف نساخ أخرون في أماكن أخرى على توفير نسخ لآخرين، وهكذا امتلأت المدينة بالكتابين، ولم يعد لها حديث إلا عنهما، حتى أن ديمتريوس نفسه أرسل من يحضر له نسخة ويقرأها له، بعدها حدثت الكارثة، فقد وضع يده على بعض العبارات والجمل، وأرسلها إلى الأساقفة والقساوسة، طالباً رأيهم فيها، فقالوا أنها هرطقة، فأمر  بعقد مجمع مقدس وأصدر قرارا باعتباري مهرطقاً.

***********

31

لا أعرف كيف انتهت تلك الليلة، فقد التصقت بسطح القلاية التي صعدت عليها، حينها رأيت خلف أرض المطبعة مجموعة من الرهبان الذين يمارسون تمارينارياضية، كانوا يقفون في صفوف على مسافات متباعدة، وأمامهم رجل يعطيهم أوامر بالزحف أو الركض، وضعت خدي على يدي لأحميه من وخزات الحصى، ورحت أرقب الظلال وهي تجري على الرمال، لم يمض كثير من الوقت حتى وجدتهم يدخلون في عراك مع بعضهم بعضاً، كنت أرى خيالاتالعصي التي في أيديهم، ولم تكن المسافة وضوء القمر الشاحب يسمحان برؤية أكثر من ذلك، تأكدت من حركاتهم المنظمة أنهم يتدربون على شيء ما، وأن هذا ليس لقاؤهم الأول،وأصبح السؤال المثار في ذهني: أين يقيم هؤلاء الرهبان؟ فالدير ليس كبيراً، وكل من على الهضبة أعرفهم منذصعودهم إليها، لكن الوجوه الجديدة بدأت تكثر هذه الأيام، ولا أحد يعرف من أين أتى أصحابها، تذكرت ما كتبته دميانة في مذكراتها عن الذين كانوا يرتدون ملابس سوداء وهم يهاجمون أنطونيوس، تذكرت ما قاله الأخير عن الصناديق التي كانوا يحملونها بين أيديهم، أدركت أن ثمة من يسعى لتحويل الدير الهادئ إلى نقطة مظلمة في جوف القلزم.

 حين خدر الطل النازل من السماء جسدي رأيت نفسي في مدينة مزدحمة بالناس، وثمة شعور أن هناك من يطاردني، لم أكن أرى أحدا، لكنني كنت أشعر بلهاث في إثري، ظللت أهرب من طريق إلى أخر، واتخفى بين جدران الحوائط حتى وجدتني في صحراء تطل على القرى من بعيد، كانت دميانة هناك، لكنها لم ترني، كنا قريبين حتى أن أيا منا لو رفع نظره لرأى الآخر، لكننا لم نفعل، وسرعان ما أصبح المكان مزدحماً بالرهبان، وظهرت نباتات بردي، رأيت راهبات يضعنها في الماء، وأخريات تضربنها بعصي طويلة وتفردها على طاولات، كنت مفتونا بالراهبات وهن يتابعن أعمالهن، بينما دميانة تنظر ولا تشارك، تركتها ورحت أبحث عما جئت من أجله، وجدتني أمام أنطونيوس، تخيلته لن يراني مثلها، لكنه اقترب وطعنني في جنبي.

 نهضت من نومي متوجعا، وجدت الظلام حل على الدير، ولا وجود لمستيقظ سواي، ألقيت نفسي بقفزة هائلة على الأرض، وقطعت المسافة الفاصلة بين القلالي وكنيسة الملاح على أطراف أصابعي في غمضة عين،وأنا أدين للخوف بالرشاقة التي تلبستني في تلك الليلة، فما بين ظلال ونتوءات كنت أتحرك كطيف في الظلام، في النهاية وجدتني أمام المكتبة،دخلت ودسست نفسي في فراشي، موقنا أنني فزت بعمر جديد، لكنني في الصباح نهضت على طرقات رجال يوساب:

ـ أين كنت بالأمس؟

هكذا قال أحدهم

ـ متى؟

ـ على الحادية عشر.

ـ ذهبت لأقضي حاجتي في الخلاء.

كان الحوار حادا وسريعا، ولا أعرف ما الذي جعلني أتحدث بهذه الجرأة، يبدو أن شجاعتي في الرد الأول أجبرتني على إكمال الطريق بنفس الحدة، هز الرجل رأسه بطريقة أقرب إلى الندم:

ـ الأب يوساب يريدك.

تذكرت ما جرى بالأمس، وودت لو أنني أسأل عن السبب، لكنني أغلقت المكتبة وسرت خلفهم، كانوا ثلاثة، وكنت أتخيل أن أيا منهم سيستدير ليحملني على كتفه ويلقي بي من على الهضبة، لكنني روضت خوفي، وقلت أنهم لو كانوا رأوني ما تركوني أنام ليلتي في فراشي، ولو كانوا مضطرين لتركي فإنهم لن يأذونني حتى ينتهوا من حاجتهم.

 حين وصلت إلى هذه القناعة شعرت أنني استنشق الهواء ملء رئتي، وأنني قادر على مواجهة عزرائيل، فظللت أقطع الخطى خلفهم وكأنني سأسبقهم، حتي وصلنا إلى قلاية يوساب، كان ينتظرني وحده، حتى أن الخادم الذي لا يفارق مكانه بالقرب من الباب لم يكن موجوداً، وحين طرق الشماس وجدنا يوساب هو الذي يفتح لنا، ثم أومأ لهم فانسحبوا لنصبح وحدنا، كان قد تجاوز الخمسين، وبدا على وجهه تعب السنين وخطوطها، حاول أن يبتسم لكن التوتر كان غالبا عليه، قال أنني غداً سأذهب إلى أسيوط لألتقي محققا هناك، فأسلمه الأوراق التي تجزم بأن أنطونيوس هو المرشح الأول لقتل دميانة، تاريخه واعترافاته تشهد بذلك، بعدها تبدأ المهمة الأخرى، حيث سأسأل عن الأب اسطفانوس في دير المحرق، وحين أصل إليه أخبره أنني قادم من قبل الأب جورج، وهو سيتكفل بكل شيء.

كان علينا أن نذهب لملاقاة المنحني في قلايته، فانتظرت حتى بدل ثيابه، وخرجنا نمشي تحت وهج شمسأخذت في الإعلان عن نفسها، وددت أن أخبره أن الأب جورج أبلغني أن أسأل رجلا يجلس على باب كنيسة العذراء في دير درنكة عن اسطفانوس، وليس في دير المحرق، لكنني فوجئت بيده تمتد نحوي بالدفتر الذي كنت أدون فيه تحقيقات دميانة مع أنطونيوس، ما إن رأيته حتى كدت أشم رائحتهما، قال أنه وضع خطوطا حمراء تحت الأجزاء المطلوبة، وأن كل ما على هو تسليم الدفتر والشهادة بصحة ما فيه.

 حين طرقنا باب المنحني ظهر خادم عجوز غير الذي رأيته في المرة السابقة، تأملت وجهه ثم تركته ودخلت خلف يوساب، كان المنحني جالسا على مكتبه ناظرا من خلف نظارته ذات العدسات الصغيرة في صفحات كتاب قديم، حين رآنا مد يده بصليبه، فانحني يوساب لتقبيلهما، وفعلت مثله بنفس الحماس واليقين،حينها ابتسم ووضع صليبه على مكتبه قائلا ليوساب:

ـ هل أخبرته بما سيفعل ؟

نظر يوساب نحوي:

ـ ما يخص التحقيق واسطفانوس.

رسم المنحي ابتسامة وديعة على وجههمن جديد، وأخذ يشرح لي كيف كان دير الملاح قبلة للعلماء والآباء والقديسين، وكيف حافظ الذين تولوا رئاسته منذ ديمتريوس الصغير حتى وقتنا الراهن على تراثه، لكن في السنوات الأخيرة سعت جماعة من الرهبان المندسين على المسيحية لتخريب كل شيء،معلنين أن المسيح منحهم سره وقداسته، هؤلاء الكذبة نشروا في عظاتهم الكثير من الهرطقات، وقاربوا بين ما يريده الرب وما يريدونه هم، للأسف تسلل بعضهم إلى هنا، ووصلوا إلى أماكن متقدمة، ولولا أن الرب كان لطيفا بنا لانتهى كل شيء، وربما لوصلت هرطقاتهم للكنيسة الأم، لذا ليس أمامنا سوى أن نقاوم البذرة التي وضعها الشيطان، كي نرفع غضب المسيح عنا.

كان المنحني يتحدث بعينين مغرورقتين وصوت باك حزين، حتى أنني كدت أن أبكي معه، معلنا تصديقي لكل حرف من حروفه، معترفاً بما رأيته بالأمس، لكنني ازدردت ريقي، وظللت لا أفتح فمي ولا أرمش عيني حتى سمعته يقوله:

ـ هل أنت معنا؟

أجبته بحماس:

ـ بالطبع.

فرد بطمأنينة:

ـ المسيح يحفظك.

ثم استدار وأغلق الكتاب الذي أمامه، كان ورقه قديم وغليظ، وكان المنحني يتعامل معه بحرص شديد، حين أغلقه ظهر لي غلافه المصنوع من جلد الماعز، وتذكرته على الفور، فقد كان في حوزتي ليلة أن فر أنطونيوس، وأخذه مني يوساب معلنا تأجيل مهمتي. وضعه المنحني في قطعةحرير أخضر، وأخرج الصندوق الخشبي الذي يفتح من الجنب فوضعه فيه، ودفع به نحوي كمن يسلم علم مدينة منهزمة لمستعمر جديد.

في البدء كنت أشعر أنني أحد رسل السماء لقرية ضالة، ولابد أن أؤدي رسالتي كما طلبها الرب مني، فلا أفتح الصندوق ولا أقترب منه، أنا فقط حامل رسالة وليس لي علاقة بما فيها، لكن الفضول جعلني لا أنام دون أن أخرجه من مكانه وأنظر في محتواه، في المرة السابقة لم أستطع أن أتأمله، فقد فر أنطونيوس وأمضيت الليل مرتعدا،أزحت قطعة الحريرورحت أتطلع إلى ورقه الذي يكاد يتفتت بين الأنامل، كان مرسوما بخط اليدعلى ورق كبير ذي هوامش واسعة، حيث وضعت كتابات صغيرة على الجانبين، كان الناسخ الذي كتبه قد رسم عنوانه بعناية ومحبة واضحة، ما إن تأملت العنوان المحفور بالكي في جلد الماعز (الرسائل) ثم اسم المؤلف (أوريجانوس)، حتى تذكرت أنني كدت أعترف واطلب الغفران من المنحني، وشعرت أنني موشك على الجنون، فما عدت أعرف القديس من المهرطق.

*****

32

لم يكن أثناسيوس من بين الذين تقدموا بأسمائهم لشغل كرسي مرقس الرسول، لكن ظهور أريوس في الأفق جعل الجميع يأتي به من نهاية المشهد ليضعه في مقدمة الصفوف، هكذا اتخذ الأساقفة والكهنة المجتمعون في كنيسة الأسكندرية قرارهم، ليجد أثناسيوس نفسه محملاً بعبء تخلى الجميع عن حمله، وباركوه بأنفس راضية لشاب لم ينه عقد العشرينات من عمره، ليقف في وجه أمواج لم يتوقعها أكثر المتشائمين منهم، فقد قضى نحو أربعين عاماً من الصراع مع أريوس وتابعيه، فما أن اتخذ قسطنطين قراره بعودة أريوس من منفاه، حتى بدأ اللوكيانوسيين في الضغط لعودته إلى كنيسته.

كان الآريوسيين والميليتيوسيين من أتباع ميليتيوس قد قويت شوكتهم، وتعاظم وجودهم في الشق الشرقي من الامبراطورية، خاصة أن يوسابيوس أسقف نيقوميديا كان أحد تلاميذة لوكيانوس، تعلم على يديهمثلما تعلم أريوس حينذهب إلى أنطاكيا، ووجد يوسابيوس تلاق فيما يطرحه أريوس مع ما ورثه عن أستاذه، وما توارثوه من بعض تفسيرات أوريجانوس للكتاب المقدس، كان يوسابيوس بمثابة رأس الحربة القوى للأريوسيين والميليتيوسين، خاصة أن نيقوميديا كانت العاصمة الثانية للامبراطورية، مما جعل لأسقفها مكانة لدى الامبراطور، فاستغلها لاعادة صديقه من المنفى، وسرعان ما طلب من الأخير أن يعيده لشركة الكنيسة.

أرسل قسطنطين لأثناسيوس طالباً أن يقبل أريوس في كنيسته، وبدا أثناسيوس غير قادر على الرفض أو القبول، ولم يكن أمامه سوى أن يجتمع بالأساقفة والكهنة ليسألهم عما يمكن عمله، ففقروا عقد مجمع مقدس لحرمان أريوس من جديد، وفكروا في أن يهملوا الأمر وكأنهم لم يسمعوا به، وفي النهاية انتهوا إلى ضرورة اللجوء لأصدقاء يمكنهم أن يشرحوا للامبراطور خطورة الأمر وخطئه، ولم يكن هناك غير يوليوس أسقف روما، هذا الذي تكفل بالتدخل شارحاً موقف أثناسيوس، ومخففا من وطأة رفضه طلب الامبراطور، وبدا أن قسطنطين لم يكن يشعر بالعدل في طلبه، فتسامح مع الرفض وكأنه لم يطلبه من الأصل، وهو ما جعل يوسابيوس وأريوس يشتعلان غضباً، وفكرا في طريقة تفقد الامبراطور ثقته في أثناسيوس.

 أبحر ثلاثة أساقفة من الميليتيوسين إلى نيقوميديا ليقدموا اتهاماً ضد أثناسيوس بأنه حطم كأس الأفخارستيا الذي يستخدمه الكاهن أسخيراس في كنيسة ليكوبوليس، بينما تقدم أخر باتهام قال فيه أن أثناسيوس قتل الكاهن أرسانيوس وأخفى جثته، وما كان من أوسابيوس إلا أن حمل عريضتهم على وجه السرعة إلى الامبراطور، موضحاً أن أثناسيوس الذي يتعاطف معه قاتل ومخرب لبيوت الرب، وأن ما يحدث للمؤمنين منه معلق في عنقك كراع للشعب وكنائسه ومؤمنيه، فما كان من قسطنطين إلا أن استدعى الأساقفة الثلاثة، وعرضهم على بعض الحاضرين لديه منأساقفة وكهان روما، طالباً منهم أن يحكموا على أثناسيوس قبل أن يحكم هو عليه ، فظلوا ينصتون حتى انتهى الأساقفة من رواية ما حدث، والتأكيد على أنه حدث، هنالك قام أحد أساقفة روما سائلاً عن كنيسة ليكوبوليس وموقعها، ثم هز رأسه واستدار نحو الامبراطور قائلاً أنه لا يجوز، بحكم المنطق، فلا يمكن لأثناسيوس أن يكسر كاس الأفخارستيا بكنيسة هذه المدينة، لأنه كهنتها تابعين لميليتيوس المنشق على بطرس الشهيد، وكانت عاصمة لهم حتى مجمع نيقية،وهو ما يعني أن هذه المدينة مركزا يود أثناسيوس القرب منه، وليس خلق ثورة عليه.

بدا على الامبراطور تفهمه لما قاله الأسقف، لكن الأمر ظل مجرد إثبات منطقي، وإن قبل المنطق في هذه الواقعة فلا يمكن قبوله في جريمة قتل كاهن وإخفاء جثته، هنالك تدخل يوليوس أسقف روما قائلاً أنه لابد من أن يرد أثناسيوس بنفسه على هذه الاتهامات، علماً بأنها مازالت مجرد اتهامات، ومن ثم فإنني أقترح أن نرسل في استقباله ليشرح الأمر على نحو لا يضعنا في مواجهة مع شعبه. تفكر قسطنطين في الأمر، ثم هز رأسه موافقاً على أن تجري الأمور كما طرحها يوليوس، وكان هذا بداية انفلات الأمور من يد أريوس ورفاقه.

 أرسل يوليوس إلى أثناسيوس يخبره بما يحاك له، طالباً منه أن يحضر إدلة قاطعة على براءته، هنالك طلبت من أثناسيوس أن يترك الأمر لي، وأرسلت إلى أبنوب أخبره أن كاهن ليكوبوليس يقول أن أثناسيوس كسر كأس الأفخارستيا في كنيسته، فتحقق من الأمر.أرسل بدوره بعضاً من رهبانه ليتحسسوا ما جرى، فما كان منهم إلا أن نزلوا ففتشوا بيت الكاهن حتى وجدوا الكأس التي أخفاها، فقبضوا عليه وأخذوه لدير الملاح، وهناك أخبره أبنوب أنه لن ينتظر حتى ينظر الرب في عقابه، لكنهسيقوم بذلك بنفسه، فما كان من الكاهن إلا أن انهار معترفاً أنهم أغروه بالمال، وأنه لم يكن ليدعي كذباً على البابا أثناسيوس، لكنه المال والضعف، فقد هددوه بقتلزوجته وابنه إن لم يتعاون معهم، وفي طيات الاعتراف جاء ذكر أرسانيوس الذي سافر إلى صور بصحبة أحدهم.

 أرسل أبنوب بما توصل إليه، فانتشينا بالخبر، وطلبت منه أن يجهز الكاهن للسفر معنا على نفس السفينة، بينما طلبت من أثناسيوس أن يبحث لنا في صور عن أرسانيوس، فأرسل إلى أسقفها قائلاً "لي صديق لديكم لا تبلغوه سلامي" ثم ذكر اسم الكاهن، ولم يمض أسبوع حتى جاءه الحمام برسالة تقول "رأيناه ولم نكلمه"، فأبحرت بنا السفينة إلى نيقوميديا حيث كان الامبراطور هناك، ولم يتحدث أثناسيوس كثيراً، بل الذي تحدث هو أسخيراس، فقد قدم للامبراطور الرشوة التي أخذها، وذكر بالأسماء الكهنة الذين أغروه بها، وفضح أمر أرسانيوس المختفي في صور، هنالك وقف قسطنطين لا يعرف كيف يعتذر لأثناسيوس، وقد علا وجهه الغضب.

كنا نتصور أن هذه ستكون نهاية آريوس ويوسابيوس، لكنهما استطاعا الدفاع عن نفسيهما، فليس هناك ما يلصق بهما، ولم يأت ذكرهما في شيء، حتى أرسانيوس ادعى أنه لا علاقة له بالأمر، وأنه كان في زيارة لصديق، بينما قال الكاهن الذي قدم عريضة يتهم فيها أثناسيوس بقتل أرسانيوس أنه أخطأ في اعتقاده، إذ ظن أن التوتر بين الميليتيوسيين والأثناسيوسيين أودى بحياة صديقة. فأمر قسطنطين بجلدهما وحبسهما، لكنه لم يجد دليلاً على الذين فكروا وخططوا، ومن ثم لم يمض كثير من الوقت حتى عقدوا مجمعاً مقدساً اتهموا فيه بإفقادعذراء بتوليتها.

كان أثناسيوس في ذلك الوقت قد شعر ببعض الراحة من التهم التي سيقت ضده، وقرر أن يقوم برحلة رعوية إلى الجنوب، حيث يمكنه أن يخفف من غلواء الميليتيوسيين وأنصارهم على الشعب، كما يمكنه أن يبسط نفوذه بنفسه هناك، فركبنا مركباً وسبحنا في نقيض التيار، حتى وصلنا إلى منة الرب التي كانت معروفة في زمن الفراعنة بمنعة خوفو، فنزلنا بكنيسة السيدة العذراء التي شيدت في نفس زمن كنيسة القبر المقدس بالقدس، فأقام بها أثناسيوس قداساً للشهداء، ورسم عدداً من الأساقفة والكهان، ثم أكملنا طريقنا نحو مدينة ليكوبوليس حيث مدينة الذئب المعروفة بسيوت، حيث نزلنا بكنيسة العذراء، وهي المغارة التي نزلت به السيدة العذراء حين قدمت ليكوبوليس، واستقرت بها حتى جاء الملاك لخطيبها يوسف النجار بالبشارة، معلنا أنهم يمكنهم العودة إلى فلسطين، فأقام أثناسيوس القداس الإلهي، ورسم عدداً من الأساقفة والكهان، كم رسم أسقفا خاصاً بأكسوم هو فرومنتيوس الذي لقب بمعلن النور.

في هذه الرحلة أبحرنا إلى أقاصى الجنوب، حيث مدينة الذهب المعروفة بسوان، وهناك رغب أثناسيوس في لقاء الأب باخوميوس، وكان معتزلاً في جبل وعر، لكن باخوميوس لم يأت مع الرسل الذين ذهبوا إليه، فقرر أثناسيوس أن يذهب له بنفسه، فصعدنا الجبل عبر طرق قاسية، حتى وصلنا إلى المغارة التي يلازمها باخوميوس، لكننا لم نجده، انتظرنا ظهوره ونادينا عليه لكنه لم يظهر، حتى أن أثناسيوس شعر بالإهانة وغضب، وحزن الجميع لغضب البابا، ونزلوا معه إلى الكنيسة يعدون لقداس الغد، لكن أثناسيوس وجد رجلاً يسأله عن سبب طلبه لباخوميوس، فقال أنه يريد أن يلتمس البركة منه، ويسأله الصلاة لأجله، فنظر الرجل مرات لأثناسيوس قائلاً: فقط؟ وأثناسيوس يقول نعم، في النهاية قال الرجل أن باخوميوس هرب في الجبل خشية أن ترسمه أسقفاً أو قساً، وهو لا يريد إلا أن يعبد المسيح كما هو في عزلته. فضحك أثناسيوس قائلاً "له ما يريد، لكن لا يحرمني من رؤيته"، فتركنا الرجل وصعد الجبل، وفي الصباح وجدنا باخوميوس حاضراً في القداس، يرتل مع المرتلين ويتنشق نسمات العطر المقدس.

كنا قد تعبنا من رحلتنا وتطوافنا على الكنائس والرهبان في القلالي والكهوف والجبال، لكن أثناسيوس أبى إلا أن يخترق صحراء القلزم لرؤية الأب بولا والأب أنطونيوس، وكان كل منهما قد اتخذ له ديراً في الجبل، ما إن وصلنا إلى جبال القلزم حتى تنسمت ريح الملاح والأب ديميتريوس، فتركت أثناسيوس ومن معه يكملون مسيرتهم نحو بولا وأنطونيوس في الشمال، وأخذت أصيح على رهبان الملاح أن ينزلوا لي بكرة أبنوب، فلما عرفوني أنزلوها، صعدت أقبل كل من رأيته في طريقي، وكان في مقدمتهم أبنوب الذي أصبح وجهه منحوتاً بقسوة، كأنه قد صار جزءاً من الجبل، اصطحبني بترحاب وحفاوة لقلاية ديمتريوس الصغير، كانت صحته أفضل، وذكرياته عن الأسكندرية كثيرة، فجلست بصحبته ثلاثة أيام، ثم طلبت منه أن ينزل معي للقاء أثناسيوس، فقد تعب الرجل ولا أريده أن يتحمل المزيد، وكدنا ننزل من الدير حين رأينا أثناسيوس ومن معه يتخذون طريقهم لصعود مخر السيل، فصحت عليه أن ينتظر، ونزلت مع ديمتريوس وأبنوب في البكرة للقائه، قال أن الأب أنطونيوس عاتبه على عدم المرور بالأب ديمتريوس، فقررت العودةللصلاة في ديره وإقامة قداس بكنيسته.

 كنا مشفقين على الرجل من رحلته الطويلة، فاكتفينا بأن مر معنا على القلالي يسلم على الرهبان، ويبارك الكنيسة قبل أن يرسم أبنوب كاهنا فيها، ورسم له شماسين من تلامذته هما ساويرس ولاون، بعدها نزلنا جميعاً لزيارة الأب أنطونيوس في ديره، هذا الذي يحمل له أثناسيوس إكباراً أكثر من أي راهب آخر، فظللنا في صحبته يومين، عاد بعدهما ديمتريوس وأبانوب إلى دير الملاح، وأكملنا طريقنا نحو الأسكندرية في الشمال، حيث وجدنا رسولاً من يوسابيوس القيصري أسقف صور جاء يدعو أثناسيوس لحضور مجمع مقدس هناك. 

أوعز يوسابيوس النيقوميدي ليوسابيوس القيصري أن يدعو  أثناسيوس لحضور مجمعه في صور، فرتب الأخير أمره للذهاب برفقة عدد من القساوسة والشمامسة في موكبه، وهناك عامله الجميع بتقدير واحترام كبير، لكن لم يمض يومان على بدء المجمع، وفي ذروة احتدام المناقشات، إذا بسيدة تدخل صارخة بنجدتها، فقد اعتدى عليها أثناسيوس أسقف السكندرية وأفقدها عذريتها، كان الأمر مفاجئاً للجميع، وثار لغط بين الآباء المجتمعين، ولم يعرف أثناسيوس بما يرد، لكن الله ألهم الشماس تيموثاوس أن وقف في مكانه سائلاً المرأة بفزع:

ـ هل رأيتك من قبل يا امرأة؟

فما كان منها إلا أن قالت:

ـ نعم ، بالأمس هاجمتني وأفقدتني عذريتي، ولن أسامحك.

كانت جملتها خاطفة وسريعة، حتى أن الذين أدخلوها لم يستطيعوا انقاذها، فصرخ فيهاتيموثاوس:

ـ أنا؟!

فأعادت تأكيدها من جديد:

ـ نعم أنت أثناسيوس ..

فما كان من أثناسيوس إلا أن نهض من مكانه، وخرج غاضبا من الكنيسة، وصرخات الأساقفة تنادي عليه بالانتظار، وبين خروجه وصياح الأساقفة المطالبين بمحاسبة الساقطة ، كان يوسابيوس القيصري قد فقد السيطرة على الأمور، فأنهى الجلسة وخرج يبحث عن أثناسيوس، لكن الأخير صاح في وجهه:

 ـ أرأيت ما يريدونه، أرأيت كيف يساعدهم الامبراطور، إنني لا أريدها حرباً، ولو أردتها لحرمت روما من وصول حبة قمح لها.

تحدث أثناسيوس بانفعال أمام الجميع،وتوالي الأساقفة يقبلون رأسه، لكنه الشيطان كان حاضراً بقوة في ذلك الوقت، فأمرنا أثناسيوس بإعداد السفينة لمغادرة صور، فأقلعنا دون أن نعرف إلى أين سنذهب، فقد ظل محدقا في الماء، فاتحاً صدره للهواء عسى أن يزيل ما به من غضب، وكان الربان يريد أن يعرف إلى جهة سيذهب، كنت أتصور أننا عائدون إلى الأسكندرية، لكن أثانسيوس فاجأني برغبته في الذهاب إلى روما، فلابد من ملاقاة قسطنطين لحسم الكثير من الأمور، خشيت أن ندخل روما وهذا الغضب جاثم على صدره، فتخرج منه كلمة تغضب الامبراطور منا، فنصحته بالذهاب إلى القسطنطنية، فنستريح ونفكر فيما يجب أن نوضحه للأمبراطور، بعدها نبحر إلى روما.

يمكنني أن أعترف أن أثناسيوس كان على صواب، وأنني كنت على خطأ، فلو كنا قد خرجنا من صور إلى روما كما اراد ربما لتفادينا الكثير من الأمور، فقد شعر يوسابيوس النيقوميدي بالخطر على نفسه ورفاقه، فأسرع بالذهاب إلى روما، حيث التقي قسطنطين قائلاً أن أثناسيوس يهدد بمنع خروج القمح من بلاده إلى روما، فما كان من قسطنطين إلا أن أمر بالقبض على أثناسيوس، فلما أحضر إليه أمر بنفيه إلى تريف، فهاج أثناسيوس صارخا في وجهه مرات ثلاث:

ـ الرب يحكم بيني وبينك.

******

33

قال أنطونيوس أنه حين رآني في دير المحرق توقع أنني مختطف، فكمن بعيداً يرقب الموقف ويتحين الفرصة كي يقوم يحادثتي، لم يكن يعلم أن شيئا ما جعلني أشعر بحضوره في الدير، ربما كان الحلم الذي رأيته على سطح القلاية قبل أن يتم تكليفي بهذه المهمة، وربما حدس من قبل السماء، على كل كان حضوره يتزايد كلما اقترب مني، حتى أنني اضطررت لأن أميل برأسي كي أراه وهو يصلي في كنيسة العذراء بدير المحرق، وحين تركته وخرجت لمحته بطرف عيني، لكنني لم أشأ أن ينتبه لوجوده أحد ، وحين خرجت من دير درنكة لمحته أيضا، كنت في كل حركة أبحث عنه كما لو أنني أسعى للتواصل معه بالروح، فأجذبه إلى الطريق الذي أسير فيه قبل أن يضل عني، وأفقد فرصتي في النجاة.

في صباح ذلك اليوم استيقظت على طرقات أحد الرهبان طوال القامة على باب المكتبة، أخبرني أن الباص ينتظرني أسفل الهضبة، غسلت وجهي وغيرت ملابسي وحملت صندوق المنحني معي، ولم أنس دفتر التحقيقات ولا كراسة "الاعتراف الأخير"، فقد وضعتها أسفل ملابسي تحسبا لأن يتم تفتيش المكتبة بعد خروجي، في الباص وجدت اثنين من الرهبان يتمتعان بطول القامة، وصلتني الرسالة ولزمت الصمت طيلة الطريق، ما إن وصلنا إلى دير المحرق حتى سألت عن كبير المحققين الكنسيين هناك، كان أسقفا كبيرا، ما إن عرفته بنفسي حتى رحب بي وطلب مني الأوراق، حاولت أن أراوغ فسألته عما يعنيه، نظر لي بغضب متسائلا عن سبب قدومي، فهمت الرسالة وأخرجته من أسفل إبطي،بدوره فتح دفتراً كبيرا دون فيه بعض الكلمات، ثم سألني إن كنت أقر بأن كل ما في هذا الدفتر صحيح وغير ناقص أو مزور، وقبل أن أجيب كان قد كتب:

ـ نعم صحيح.

ثم عاد ليسأل:

ـ هل تشك أن أنطونيوس قام بقتل باخوميوس؟

 ولم ينتظر إجابة مني، فقد كتب بصوت شبه مسموع:

ـ لقد اعتدى عليه أمامي، لكن باخوميوس مات بعدها بثلاثة أيام ميتة طبيعية في قلايته، فقد كان عجوزا مسناً وغير قادر على احتمال الاهانة.

هكذا وجدت التحقيق قد دار عن باخوميوس، لكنه كان يحاصر أنطونيوس من كل جانب، خاصة حين سأل:

ـ إن كانت المحققة دميانة قد اختفت، فهل تعتقد أن أنطونيوس مسئولعن اختفائها؟

 فأجبته سريعا:

ــ لا.

رفع وجهه عن الدفتر، ونظر لي بلوم واضح، ثم عاد ليجيب:

ـ لا أعرف، لكنه كان قاتل وقاطع طريق قبل أن يدخل الرهبنة، وقد ذكر لها هذه المعلوم أثناء التحقيق معه كنوع من الترهيب.

 وكان سؤاله الأخير:

ـ ما الذي خشى أن تكشفه دميانة في تحقيقاتها؟

نظر لي كي أهمس ببنت شفة، لكنني لم أستطع التجاوب معه، فعاد ليكتب في دفتره:

ـ كان يطبع كتب المهرطقين ويوزعها على الناس.

بعدها طلب مني أن أوقع، ثم كتب أسفل توقيعي أن التحقيق تم بمعرفته وقام بالتوقيع. بعدها ضغط زرا بجانب مكتبه، ظهر  راهب ممشوق القوام مزجج الحواجب، فأمره أن يوصلني إلى الخارج، لكنني التفت إليه سائلا:

ـ أين يمكنني أن أجد الأب اسطفانوس؟

نظر نحوي بغضب، ثم أعطى إشارة للراهب بالخروج قائلا:

ـ سيخبرونك.

 أدركت أن هذا الرجل جزء من حلقة كبيرة، وأنني وهو نسير وفق مخطط اتفق عليه مسبقاً، وليس أمامي سوى الانصياع إلى أن تجيء فرصة لكسر الحلقة والخروج منها.

حين خرجت من مكتبه وجدت الراهبين طويلا القامة ينتظراني، بينما أشار مزجج الحواجب بانتظاره، تركني ودخل إلى الغرفة من جديد، ثم عاد ليستدعي شماساً كي يرافقنا، لم أشأ أن أسأل عن شيء، فقد تركت نفسي أمشي خلف الشماس، بينما يمشي خلفي طويلا القامة، ظللنا نصعد درجات رخامية وننزل درجات حجرية، وندخل ردهات ونصعد أدوار حتى وصلنا إلى سلم في نهاية الدير، أشار الشماس لطويلا القامة أن ينتظرا، وأشار لي بالصعود، أخذت في ارتقاء درجات مظلمة لسلم خلفي يدور حول عمود لا نهاية له، في النهاية وجدت نفسي أمام ردهة مظلمة، فلم يكن أمامي سوى دخولها، انتهت بسلم صغير ينتهي ببابلغرفة بدت كما لو أنها صومعة نسيت منذ أمد بعيد، طرقت على الباب فوجدته مفتوحاً، واربته ونظرت بنصف عين فوجدت شخصا تخطى المائة من عمره يجلس في كرسي من جريد، لم أصدق أن كل هذا التعب من أجل الوصول لهذا العجوز، سألت مستفسراً:

ـ الأب اسطفانوس؟

أومأ برأسه إيماءة خفيفة، ومد شفتيه إلى الأمام قليلاً، كانت عينه عجوز جداً، حتى أنها لم تكد تظهر من بين التجاعيد التي ملأت جفنيه وخديه، من جديد حرك شفتيه مرتين إلى الأمام والخلف كما لو أنه يجهزهما للكلام، ثم عاد فهز رأسه وكأنه يسألني عن هويتي، ولم يكن أمامي سوى أن أقول:

ـ أنا من طرف الأب جورج المنحني.

ارتسم شبح ابتسامة على وجهه، وهز رأسه مشيرا بأنامله الرقيقة نحوى، فدفعت ما بقي من الباب ودخلت، كان النور في الخارج قوياً، حتى أنني لم أستطع أن أكشف ما بداخل الغرفة قبل الدخول، ولدهشتي كانت غرفة كبيرة مستطيلة، على نقيض ما ظهرت عليه من الخارج، كانت مستطيلة ومبطنة بأرفف مليئة بالكتب من كل جانب، وفي وسطها دولابان يتركان مساحة صغيرةلاسطيفانوس كي يتخذ جلسته المريحة هذه، ثم يمتدان إلى نهاية الغرفة، كانت رائحة الكتب التي أعرفها جيدا تتصاعد في أنفي، فأشار لي اسطفانوس بالجلوس على كرسي في مواجهته، وهمس بصوت ضعيف:

ـ ماذا معك؟

أخرجت الصندوق من طيات ملابسي، ووضعته أمامه، فمد يدا عجوزا مدربة وفتح الغطاء الجرار، ثم أزاح قطعة الحرير الأخضر فظهر غلاف الكتاب، نظر إلى العنوان وهز رأسه ثم أعاد الحرير إلى موضعه وأغلق الدرج في هدوء:

ـ ابقه معك.

هكذا قال، ثم سعل مرتين قبل أن يشير لشماس كان مختفيا في ظلام الدواليب، فأمره أن يأخذني إلى كنيسة العذراء للصلاة، حملت الصندوق من جديد بين ملابسي ونزلت خلف الشماس، ما إن وصلت إلى نهاية السلم حتى بحثت عن طويلي القامة فلم أجدهما، لم أصدق أنهما سيتركاني أكمل الرحلة وحدي، درت مع الشماس حول المبنى الرئيس للدير، وتعجبت من قدرة الشماس على القفز والسرعة في السير، حين وصلنا إلى باب الكنيسة جلست ألتقط الأنفاس وأنا أصلي، دون أن أعرف ما الذي ينبغي على عمله أكثر من ذلك، بعدها جاءني قس يشرح لي كيف تحملت أم النور بمشقة هائلة رحلتها من بيت لحم إلى هنا، وأنها رأت في منامها قرب انتهاء أزمتها، لكنها لم تشأ أن تتحدث عن شيء لم يتحدث به المسيح بعد.

ـ فلا تتعجل شيئاً.

قالها وهو يبتسم في وجهي، ففهمت أنه يبلغني رسالة، وأنه جاء يعاونني على الانتظار، ولا يتركني أتصرف بحماقة، في هذه اللحظة تذكرت أنطونيوس، وشعرت بوجوده، بدا لي كما لو أنني تمنيت وجوده فظهر، شعرت أنه يدخل من الباب، يقف قليلاً ثم يختار مكاناً ليجلس فيه، كانت عينه تكاد أنتخترقني وهو يحاول التأكد إن كنت أنا أم لا، بدوري كنت أشعر أنني جالس على نار، وأنني أود أن أتأكد مما يراودني، فانتهزت فرصة أنني أحاول أن أواري ابتسامتي بعيدا عن القس ونظرت خلفي، لمحته في أقصى الصحن جالساً يصلي، شعرت بالطمأنينة والدهشة أيضا، فقدت الشعور بالانتظار، ولم أنشغل بما يقوله القس، حتى عاد الشماس هامساً لي بالخروج، فنهضت خلفه خارجاً من الكنيسة.

كنت أدرك طيلة الوقت أنه خلفي، حتى لما ذهبنا إلى كنيسة العذراء في جبل درنكة كنت موقناً أنه موجود، رغم أنه لم يدخل، وخيراً فعل، لأنهم لو قبضوا عليه كانوا سيلقون به من فوق الجبل، فقد ظهرت القوة والقسوة بعد دخول الكنيسة، كان التفتيش صارماً، كما لو أن حدثاً ما سيقع، حتى أن طويلا القامة تم حجزهما بالخارج، فوقفا على يرقبان ما يجري، بينما قام القس الذي صاحبني في هذه المرحلة بالصعود معي إلى الجبل، كانت النبتات الجبلية كثيرة ومتنوعة، شعرت أنهم يزرعونها لأغراض كالطب، وعبر ممرات ومدقات جبلية دقيقة أوصلتنا للجانب القديم من الدير، حيث بوابة لا تكاد تظهر للعيان، فوقفنا أمامها وانتظرنا فترة حتى تحركت، وجدنا خادما عجوزا يكاد ينام على نفسه، حييناه برأسينا ودخلنا من جهة المطابخ، مررنا من بين الأواني التي يغسلها الرهبان، ومن بين مخازن الغلال والخضار،وصعدنا سلماً نحو طابق أو اثنين، ثم سرنا في ممر مرصوف بالأحجارينتهي بسلم يؤدي إلى غرفة تكاد أن تكون مظلمة، كان الخادم الجالس على بابها عجوز تماماً، فوقف أمامه  القس بإجلال وهو يطلب ملاقاة الأب يؤانس، لكن الخادم الذي تعاطف معنا، وكأنه يدرك مشقة رحلتنا، قال أنه ذهب إلى دير الزاوية لأمر هناك.

كان آخر ما يمكن أن أتوقعه هو أن أرى دميانة في دير الزاوية، فقد عدنا إلى الباص الذي أحضرنا من دير الملاح،  صعدت والقس الذي يرافقني ومن خلفنا صعد طويلا القامة، وطلبنا من السائق في عجلة أنا ينطلق بنا إلى دير الزاوية، ما أن وصلنا حتى تركنا الأتوبيس وطويلا القامة عند البوابة، فليس مسموحاً بدخول الرجال إلى دير الراهبات، لكن القس همس في أذن الحارس بكلمات كي يبلغها لإحدى الخادمات، فغابت الأخيرة قليلاً في الداخل قبل أن تخرج إحدى الراهبات المتقدمات في السن لملاقاتنا، تهامس معها القس بكلمات لم أسمعها، لكنني رأيته يشير بأنامله نحوي، فتركته وعادت إلى الداخل، وبعد فترة ليست طويلة عادت لتقودنا في ممر شبه دائري حول الفناء الداخلي للدير، هناك رأيت دميانة، كانت تمشي خلف راهبة في نفس سنها، وددت أن أنادي عليها، لكنني نظرت نحو القس المرافق لي وتمالكت نفسي، هو بدوره كان يحث الخطى خلف الراهبة التي لم تكن تلتفت يميناً ولا يساراً، وكدت من فرط النظر نحو دميانة أن أتعثر في حجر فانكفئ على وجهي، لكن الرب أنقذني، فأكملت طريقي وأنا أتساءل عما يجري، في نهاية الطريق وجدنا سلماً يؤدي إلى ممر في الأسفل، نزلنا حتى وصلنا إلى حائط رطب، شعرت أن الظلمة تضغط على نفسي، هنالك جذبت الراهبة شيئاً في الجدار مرتين، وجدنا جزءا من الجدار على هيئة قرص من الرخام الأسود يتحرك، عبرنا من الثغرة التي انفتحت ورأينا اثنين من طويلي القامة يقفان أمامنا، ما إن رفعت نظري عن أبدانهم المتشابهة حتى وجدتنا أمام مجموعة من القلالي القديمة، أخذتنا الراهبة إلى واحدة منها، حيث جلس راهب مسن في انتظارنا، فمد القس رأسه بأدب شديد نحوه سائلاً:

ـ  الأب يؤانس؟

هز الراهب العجوز رأسهبالإيجاب ،راسماً ابتسامة رقيقة على وجهه.

أضاف القس:

ـ  هذا الخادم من قبل الأب اسطفانوس.

اتسعت ابتسامة يؤانس وهو يشير للراهبة أن تأخذ القس ويخرجا، فطرقت بأنامل قطة عجوز على كتف الرجل، وأشارت له أن يتبعها .

حاولت أن أشرح المهمة التي جئت فيها من قبل الأب جورج، لكن الرجل الذي كتم سعاله بشدة، أشار بأطراف أنامه أن أخرج الكتاب، فما كان مني سوى أن وضعت يدي في طيات ملابسي، ومددتها إليه بالصندوق، ففتح بابه وأزاح قطعة الحرير، ناظرا إلى الغلاف المصنوع من جلد الماعز والورق القديم المتآكل، ثم عاد فأغلق الصندوق ووضعه أمامه على السرير قائلاً:

ـ شكرا لك.

**************

34

لم يكن يؤانس مجرد راهب متنسك في دير العذراء، لكنه كان مناضلاً من أجل فكرة آمن بها طوال سنوات عديدة، فقد كان مدرساً للتربية الرياضية في المدرسة التي كان يرتادها تلميذه الأثير صلاح عبد المسيح متري، والد دميانة، وكان صلاح صغير الحجم قليل الكلام، لكنه يمتلك رأساً شديدة الصلابة والعناد، حتى أنه يدخل في مشاكسات مع تلاميذ أكبر وأقوى منه، فكان ينال من الضرب ما استدعى تدخل يؤانس لانقاذه عدة مرات، أعجب يؤانس بعناده وأخذ يبسط رعايته عليه كي يحميه من التلاميذ الأشرار، ولم يلبس أن عامله كإبن لم ينجبه،وكلما تعقدت مشكلته مع زوجته كلما ازدادت بنوته له.

 لم يكن أحد يعلم أن يؤأنس ذو الجسد العملاق كلاعب سلة، والصوت الهادئ والابتسامة الودودة يعاني من مشكلة ذكورية، حتى فوجيء الجميع بأن زوجته قد هجرته، وسرعان ما ذهبت إلى كنيسة كاثوليكية ليتم تعميدها هناك، فما كان من الكنيسة إلا أن فرقت بينهما، وكان ذلك بالنسبة ليؤانس أكبر هزيمة في حياته، ليس لأنه كان يحبها بجنون، ولكن لأن الجميع تصور أنه غير قادر على القيام بمهامه الزوجية، وعبثا حاول أن يشرح للكنيسة أن اعتناقها للكاثوليكية مجرد خدعة للحصول على الأبناء، لكن القساوسة لم يستوعبوا الأمر على النحو الذي شرحه، ولا الناس استوعبوا أن سيدة جميلة ومؤمنة تذهب باختيارها للجحيم بحثا فقط عن الأمومة. فقرر بعد مرور عامين من الانفصال الموجع أن تكون العزلة طريقه إلى الله، فحمل أغراضه الخفيفة وذهب ليدق أبواب دير البراموس في وادي النطرون، طالباً منهم الانخراط في حياة الرهبنة، فتم ترسيمه شماساً، ليبدا في دراسة اللاهوت ويصبح فيما بعد قساً في نفس الدير.

التلميذ الوحيد الذي حمل والده على الذهاب لرؤية يؤانسفي عزلته كان صلاح متري، يومها فرحيؤانس بلقائهما، واعتبر صلاح ابنه الذي كان يجب عليه أن ينجبه، وبمرور الأيام التقي يؤانس بإبراهيم فهمي هلال في إحدى المحاضرات بالدير، اقتنع بحديثه عن مؤتمر الأقباط الأول عام 1911، والذي عقد في أسيوط عقب اغتيال بطرس غالي، برعاية من المحامي أخنوخ فانوس، وطالب هلال يومها بعقد مؤتمر ثان للأقباط، كما طالب بتأسيسس جمعية أهلية باسم "الأمة القبطية" يكون من أهدافها إصلاح شئون الكنيسة، وإصدار جرائد يوميه تكون منبرا للدفاع عن الأقباط في مصر والخارج، ويكون شعارها الله ربنا، ومصر وطننا، والإنجيل شريعتنا، والصليب علامتنا، والقبطية لغتنا، والشهادة في سبيل المسيح غايتنا.

حدث إبراهيم فهمي هلال القس يؤانس عن حقوق الأقباط  وعدم تمثيلهم بما يكفي في المراكز القيادية، وإفساح المجال لمزيد من العلمانيين كي يشاركوا في اختيار البابا وتفسير الكتاب المقدس، كان حماس إبراهيم لإدخال العلمانية إلى الكنيسة كبيرا، حتى لو استلزم ذلك فرض الأمر بالقوة، وكان مشهد تفريق الكنيسة ليؤانس عن زوجته مازال حاضراً في مخيلة الأخير، فوضع يده في يد هلال مبايعاً على إحداث التطوير ولو بالقوة.

حين حصل إبراهيم فهمي هلال على ترخيص بإنشاء الجمعية كان صلاح متري من مؤسسيها، فقد أصر يؤانس على وضع اسمه في قائمة المؤسسين رغم صغر سنه، ولم يكن لأحد أن يغضبه بعدما أسندوا إليه مهمة اختيار العناصر الشابة وتدريبها، ولم تمض شهور على صدور الترخيص حتى ذهب إبراهيم فهمي هلالبوصفه وكيلاً عن الأمة القبطية ليشرح للبابا يوساب الثاني رؤيته للتطوير، لكن البابا الذي استمع إليه طويلاً، والذي كان يعاني من صراعات كبيرة في الكنيسة والأديرة، اعتبر أن ما يقوله إبراهيم محض هرطقة جديدة، وهدده بالحرمان إن تحدث بمثل هذه الأمور، ولم يكن أمام ابراهيم سوى أن يبلغ أعضاء جمعيتهبما قاله يوساب الثاني، فاعتبروا ذلك تهديداً لوجودهم، واتخذوا قرارهم بتذليل العقبات.

في ذلك الوقت كانت الجماعة تعمل على ضم شباب الأقباط الذي يحمل درجات علمية، ويهدفون إلى النهوض بالشعب القبطي عن طريق الإصلاح من خارج الكنيسة، وكانت مصر متشبعة بالتيارات التي كانت سائدة في ذلك الوقت كالإخوان المسلمين والضباط الأحرار، فطالبت الجماعة الحكومة بإنشاء محطة إذاعة خاصة بالأمة القبطية، وإنشاء مقرات للجماعة بالقرب من الأحياء القبطية، وذلك لتحقيق أهدافها في تقديم المساعدات للمحتاجين والعاطلين، وهو ما وافقت عليه الحكومة لكنها لم تدعمه، ولم يتم دعمه إلا برعاية من عبد المسيح باشا حين انضم الجماعة، فوفر لها المقراتومنحها التجهيزها، وسهل اختلاط أعضائها بالأقباط في الأحياء الفقيرة، كي تنتقي منها العناصر الصالحة لدخول الجهاز  الخاص، هذا الذي ترأسه يؤانس على نحو ما فعل عبد الرحمن السندي ي جهاز الاخوان.

وضعيؤانس برنامجاً تثقيفيا رياضياً أسبوعيا للشباب، وأخذ في حثهم على زيارة الأديرة والكنائس الكبيرة، قائلا أن هذا بداية الطريق للشباب المؤمن، الشباب الذي يحمل فكر الكنيسة ورؤية العلمانية في قلب واحد، لكن الأمر لم يأت بالنجاحات التي كان ينتظرها، خاصة بعدما تصاعد الخلاف بين إبراهيم والبابا يوساب الثاني، فقد قرر الأخير حرمان الجمعية وأعضائها، فخرج إبراهيم من مقر الجماعة في شارع الفجالة متجهاً إلى وادي النطرون، وهناك التقي بيؤانس شارحاً المأزق الذي تعيشه الجماعة، وأنه لابد من تذليل العقبات كي تتمكن الأمة من تحقيق أحلامها.

استيقظت البلاد يوم الرابع والعشرين من يوليو عام 1954 على قيام خمسة من شبان الأقباط بهجوم مسلح على المقر البابوي في شارع كلوت بيك،مقتحمين بوابة دار البطريركية،شاهرين مسدساتهم على عاملي البوابة والنظافة،  ومجردينهما من عصيهما وملابسهما، ومقيدينهما في أماكنهما، ووقف أحد الشبان الخمسة أمام الدار ليمنع أي شخص من طلب النجدة، بينما وقف آخر عند مدخل جناح البطريرك ليمنع أي محاولة للاقتراب من غرفته، بينما شق الثلاثة الآخرون طريقهم إلى غرفة يوساب العجوز، فاستيقظ على وجوه ثلاثة من الشبان الذين أشهروا أسلحتهم في وجهه، مطالبينه بالإسراع في ارتداء ملابسه لأنه سيذهب معهم، وما أن ارتداها حتى وجدهم يضعون أمامه ثلاثة قرارات كنيسة ليقوم بتوقيعها، كان القرار الأول هو تنازله عن العرش البابوي، وتعيين الأنبا ساويرس مطران المنيا بدلا منه، أما الثاني فكان دعوة المجمع المقدس والمجلس الملي العام لانتخاب بطريرك جديد، في حين كان الثالث توصية منه بتعديل لائحة انتخاب البطريرك، بحيث يشترك في انتخابه جمهور رعاياه من العلمانيين.

بعدها خرج الشبان الخمسة ومعهم البابا ليركبوا سيارة وقفت على مقربة من مقر البطريركية، فانطلقت بهم إلى أديرة وادى النطرون،حيث كان يؤانسهناك في انتظارهم، فقام باحتجاز البابا في إحدى القلايات القديمة، وكلف مجموعة من الشبان التابعين له بحراسته ومنع أحد من الوصول إليه، وما أن عاد الشبان الخمسة إلى مقر الجماعة في الفجالة حتى وجدوا إبراهيم فهمي هلال قد بدأ تنفيذ الجزء الثاني من مخططه، حيث أرسل بيانا إلى مختلف الكنائس والجهات الرسمية في الدولة معلنا تنازل البابا عن منصبه، وإقراره بوجود فساد مستشر في الكنيسة، مطالبا الشعب القبطي بانتخاب بطريرك آخر، ومحذرا الدولة من التدخل في الشئون الداخلية للأقباط.

كانت الدولة وقتها قد فرغت من الاحتفال بالذكري الثانية لقيام ثورة يوليو وسط أجواء بالغة التعقيد, فقد كان الصراع بين محمد نجيب وجمال عبد الناصر على أشده، قدم نجيب في تلك الفترة استقالته لمجلس قيادة الثورة, لكنهم أعادوهاإليه من جديد، كانت مفاصل الدولة مشغولةبالصراع بين الفرقاء عليالسلطة, وهي الفرصة التي أغتنمها يؤانس وإبراهيم فهمي هلال  لتنفيذ مخططهما بعزل البابا بعيدا عن أعين الدولة، وهو ما تم لهما بالفعل، وحرصا من مجلس قيادة الثورة على ألا تتدخل الدولة في شئون الأقباط كما قالت توصية البابا المعتزل فقد أرسلت الحكومة وزير التموين القبطي جندي عبد الملك الي المقر البابوي، ولم يكن أحد يشك حتى ذلك الوقيت في وجود شبهة جنائية في الأمر، فالكل كان يعتقد أن ما حدث محض خلافات داخلية تخص المسألةالقبطية داخل الكنيسة، لكن ما إن التقي جندي عبد الملاك بإبراهيم فهمي هلال في مقر البطريركية حتى أيقن أن ثمة شبهة جنائية، فعاد على الفور إلى مقر وزير الداخلية ليبلغه بالأمر، فأمر الأخير بذهاب قوة لهاجم مقر الأمة القبطية وإلقاء القبض على من فيها، ومع بداية التحقيق اعترف البعض بمكان وجود الباب، فتحركت على الفور قوة من الشرطة والجيش إلى إلى دير الأنبا بيشوي، وهناك ألقت القبض يؤانس وخمسة وثلاثين من الشباب الذين برفقته، وعادت برفقة البابا إلى المقر البابوي في كلوت بيك.

ألغت الدولة ترخيص الجماعة، وأصدرت أحكاماً بالسجن تراوحت ما بين عامين وخمسة على المقبوض عليهم، واستغل يوساب الحادث في الخلاص من مناوئيه، فعزل مطران المنيا متهماً إياه أنه كان وراء المسلحين الذين هاجموه، ونشط في نقل عدد من رجال الإكليروس من مناطق عملهم، وعزل أخرين في مناطق بعيدة ومتفرقة، منها رئيس دير الأب أنطونيوس، وهو نفس الدير الذي خدم فيه يوساب، كما عزل رئيس دير الملاح الأب فلوباتير، وأخيرا أمر بإغلاق دير النساخ متهماً من فيه بترويج الهرطقة، وإيواء المناهضين للكنيسة، كانت مجموعة القرارات التي اتخذها يوساب بمثابة انقلاب على الجميع، وهو ما جعله في مرمى كراهية الجميع، ولم يمض عامان على حادث اختطافه حتى تعرض لمحاولة قتل فاشلة من قبل بعض عناصر الأمة القبطية التي لم يتم القبض عليها، ثم اجتمع المجلس الملي واتخذ قرارا بنفي يوساب إلى دير المحرق مع الإبقاء على رئاسته للكرسي البابوي.

 لم يكن هذا كل ما في الأمر، فالحلم بالأمة القبطية تزايد مع وصول الأنبا شنودة إلى رئاسة الكنيسة، خاصة بعدما قام السادات بنفيه إلى وادي النطرون، فاعتمد شنودة على المخلصين لحمايته وتوصيل رسائله ونصوص عظاته إلى الجميع، ولم يكن هناك غير يؤانس ورفاقه، هؤلاء الذين شعروا أنهم ظلموا وحان الوقت ليعترف الجميع بجهودهم، فأخذت الدماء تتدفق في العروق، ونشط يؤانسفي جمع الرهبان الذين يتمتعون بالشباب وطول القامة ومحبتهم لتعلم فنون القتال ، كانت الأديرة البعيدة وغير الشهيرة هي مقر معسكراته، وكان دير الملاح صاحب التجربة الأولى، فهو غير معروف وغيرمطروق، هنالك بدأت التوسعات في زراعة الأرض، وتبرع عدد من رجال الأعمال الأقباط لتجديده ووضعه على خريطة السياحة، لكن الأمر برمته دخل طي النسيان بموت السادات، فقد اختفى طويلو القامة من الأديرة والكنائس، وتم الاقتصار  على الكشافة لتحمل مسئولية الحماية والتنظيم.

كان يؤانس أول المقبوض عليهم في حادث اختطاف الأنبا يوساب، فحكم عليه بخمسة أعوام وتم شلحه من الكنيسة وطرده من الخدمة في الدير، وحين خرج كانت الدنيا قد تغيرت، والجماعة قد وهنت، إلا أنه ظل يحلم بالأمة القبطية وتحقيق أهدافها، ولم يكن وحده الذي عاش الحلم ورفض التنازل عنه، فكل من دخلوا السجن معه لم يرغبوا في الاعتراف بهزيمتهم، وظلوا مؤمنين بتغيير المستقبل، فشرعوا في تجنيد الراغبين مثلهم في التغيير، سواء من الإكليروس أو خارجه، للضغط على الكنيسة من أجل التغيير من الداخل وفقا لما تقوله مدارس الأحد، لكن العنف الإسلامي أعطى في السبعينات يؤانس ومن معه قبلة الحياة، فعاد لتدريب الشبان الأقباط على حماية الكنائس والأديرة، والظهور باسرع ما يمكن لنصرة إخوتهم في مواجهة الإسلاميين، وكان حادث الزاوية الحمراء أول ظهورهم، لكن أكبر حضورلهم كان بعد ذلك بسنوات في قرية الكشح.

لم ينس يؤانس يوما تلميذه صلاح متري عبد المسيح، لكن صلاح لم يكن من طويلي القامة، ولم يحتمل التدريب في الصحراء، فظل يتابع دروسه حتى تخرج من كلية الحقوق، وانتظم في سلك المحاماة، واختار طريقه الخاص في الدفاع عن الأمة القبطية، وما أن وضحت معالم طريقه حتى فاجأ يؤانسبرغبته في الزواج،فوقف الأخير لا يدري بما ينصحه، إلا أنه في النهاية طلب منه أن يصطحب خطيبته إلى المستشفى ليجريا فحوصات الخصوبة، فلا يتكرر معه نفس المصير ، لم يكن صلاح قادرا على مفاتحة تريزا وأهلها في الأمر، مما اضطر يؤانس للنزول من الصحراء كي يلتقي بهم، وهناك رأىبتريزا وحكي لها مشكلته القديمة، فتفهمت مخاوفه وقامت وأصطحبت صلاح لاجراء الفحوصات دون علم أهلها.

******

35

رسائل أوريجانوس

ـ 13 ـ

لم أكن قد راجعت كتابي المبادئ بشكل جيد، فقد عملت تحت ضغط الأحداث والرغبة في الهروب منها، وكان الأمر يحتاج مني مراجعة ثانية، خاصة وأنني أعمل على تفند أفكار الهراطقة، وكان لابد من توضيح بعض الفقرات والجمل بشكل كاف، لكن الأحداث التياضطرتني أن أسلمه لصديقي أمبروسيوس تحسبا لما هو قادم، وصدق حدسي، فقد فاجأتني قوات نائب الامبراطور بقرار رحيلي عن الأسكندرية، ويبدو أن أمبروسيوس تصور أنني انتهيت بشكل كامل من "المابدئ" والجزء الخامس من تفسيري لإنجيل يوحنا، فقرر أن يدفع بهما للنساخ في محاولة للدفاع عني.

وكانت النتيجة أكبر مما توقع، هكذا قال أمبروسيوس بعد مجيئهإلى قيصرية، إذا عكف النساخ على نسخ العملين وبيعهما للناس، وبلغ الأمر أن وصلت ديميتريوس الكرامنسخة منهما، فطلب من شماس أن يتفرغ لقراءة المبادئ عليه، فوجد فيه الفقرات التي كانت تحتاج إلى توضيح كي لا يتصور القارئ أنني مؤمن بما يقوله المهرطقون، فأرسل من فوره ما قرأه إلى الأساقفة، ولم ينتظر أن يشرحوا ما قرأوه وما وصلهم منه، إذ دعالمجمع مقدس، أخذ يصيح في أساقفته وآبائه بالجمل والفقرات التي أخرجها حتى أقروا معه بأنني مهرطق.

كان الخبر أكثر صدمةبالنسبة لي عنخروجي من الأسكندرية، فقد أخ ديمتريوس على عاتقه نشر قراره باسرع ما يمكن، مرسلا الفقرات التي توقف أمامها إلى كنائس روما وقرطاجة واليونان وطليطلة وأنطاكيا، شعرت أن الرجل يحاصرني من كل جانب، وأنه قصد إيذائي بكل الطرق، وزاد من سوء الأمر أن العديد من الكنائس اتخذت موقفه، فعقد أسقف روما مجمعا أقر فيه بقرار ديميتريوس، وهكذا فعلت طليلطلة وقرطاجة، شعرت أنه لم يبق لي غير كنائس الشرق، خاصة بعدما رفضت كنيسة أنطاكيا رسالتهإليها، وهكذا فعلت نيقوميديا والقدس وقيصرية، فعكفت أملي على النساخ الذين وفرهم ثيوكتستوس رسائل إلى الأساقفة والقساوسة في مختلف الكنائس، شارحاً موقفي لهم، موضحا أنني أبعد من يكون عن الهراطقة، فأنا من نذر نفسه لمحاربة أفكارهم في هذا الكتاب، فهل يختلط على القراء الأمر إلى هذا الحد، وهل يعقل أن يتم الحرمان دون مناقشة صاحب الأمر فيما كتب.

لم يخفف عني سوى انتقال صديقي أمبروسيوس للإقامة في قيصرية، قال أنه شعر بالذنب تجاه ما حدث لي، وأنه سعى بكل ما يملك من صداقات ومعارف لدى الأب ديمتريوس كي يخفف من حملته، لكنه كان مندفعا نحو محوي من الوجود، وكأن وجودي كان نفيا لوجوده، وهو ما لم أسع إليه، ولم أفكر فيه من قريب أو بعيد، لكن هكذا حمل الرجل كل سنواته وقوة نفوذه وتاريخه كي يصب لعنته علي، قال أمبروسيوس أنه حينما أدرك أن ديمتريوس لن يتراجع عما عزم عليه قرر أن يترك له المدينة، فباع كل ممتلكاته وحمل في سفينة كبيرة كل كتبي وكتبه وأتي بها إلى قيصرية قائلاً:

ـ لم أستطع أن أقيم بينهم وحدي، فجئت لأقيم بعيدا عنهم معك.

الحق أنني أنست بوجود أمبروسيوس معي، فرغم كل ما فعله ثيوكتستوس وألكسندر إلا أنني كنت أشعر بالغربة، لم أدرك هذه المسافة التي تفصلني عنهما إلا بعد مجيئه، فهو ابن مدينتي، وتلميذي الذي أنقذته من السعي خلف الهراطقة، وهو الثري الذي تكفل بي سنوات طوال، وهو الآن كل أهلي وتاريخي الذي اختفي من بين يدي، شعرت أن روحي ردت لي، وبدأت أفكر بشكل حقيقي في اكمال مشروعاتي التي توقفت، بدأت أفكر في أن أنتج شيئاً كي يتربح منه هؤلاء النساخ الجالسين بلا عمل، ولم يكن هناك سوى أن أبدأ في الجزء السادس والأخير من تفسير إنجيل يوحنا، فأخذت أملي عليهم ما يعن لي من إشارات، وأخذ الناس يسمعون أنني أشرح الكتاب المقدس فيتوافدون على البيت الذي اكتراه ثيؤكتستوس، وشعرت بالحرج منهم، فقد تشتت الوقت ما بين الشرح والإملاء، فشكوت لأمبروسيوس ما أعانيه، فما كان منه إلا أن جد في شراء بيت جديد لإقامتي، مقترحاً أن يكون بيت ثيؤكتستوس مكاناً للناس والشرح.

كانت هذه بداية مدرسة قيصرية التي نشأت في بيت من غرفتين وفناء صغير، في هذا البيت أنهيت شروحي وتعليقاتي على إنجيل يوحنا، وشرعت في شروحاتي لأنجيل متى، ثم المزامير، لكن أعظم ما عكفت على إنجازه هو هيكسابلا، وهي سفر عظيم، تكونت فيه الصفحة الواحدة من ستة أعمدة، خصص العمود الأول للأصل العبري، ثم وخصص العمود الثاني للأصل الذي بالحروف اليونانية، والثالث لترجمة أكويلا اليونانية للأصل، والرابع لترجمة سيماخوس، والخامس للسبعينية التي ترجمها سبعون حبر يهودي في زمن بطليموس الأول إلى اليونانية، أما العمود السادس فكان لنسخة ثيودوشن، عكفت على انجاز هذا السفر في نحو ثمانية وعشرين عاماً، حتى أصبحت النسخة الوحيدة المنقحة والمنضبطة لكل نسخ الكتاب المقدس، فهي المرجع الذي يشتمل على كل المراجع، ويضاهي كل النصوص ببعضها، ويعلق على كل اختلاف، ويثبت كل نقص، ويحذف كل زيادة، فاشتهر بأنه السداسية أو هيكسابلا، وانتقل من كنيسة لأخرى، ومن دير لأخر، وأصبح المرجع الأول للكتاب المقدس في الشرق والغرب، وهو ما رد لي اعتباري أمام اتهامات ديمتريوس، وجعل العالم الذي تسابق على حرماني إرضاء له، يأخذ في دعوتي لزيارته، لكنني كنت قد حددت بوصلة توجهي، فلم يعد لي غير النساخ الذين أملي عليهم، ولو وجدت جهداً للحركة فللكنائس التي دعمتني وقتي حاجتي إليها، وللبلدان التي لم تخض حرباً ضدي، وربما حملت لي مزيدا من الود منذ زيارتي القديمة لها في عهد الملك جفنة بن عمرو.

 جاءت فكرة عملي على الهيكسابلا حينما بدأت في شرح المزامير، ووجدت قلقا في بعض النسخ، واختلافات في نسخ عن نسخ، فتركتها وعدت إلى التوراة السبعينية التي ترجمها شيوخ اليهود عن العبرية إلى اليونانية، فوجدت بعض القلق أيضا، فعدت إلى النسخة العبرية نفسها، لكن بعض اليهود أكدوا لي أنها قد دخلها الزيف، فوضعت فوضى النصوص والاختلافات أمامي وجلست أفكر في ضبط كل هذا النسخ، ولم يكن أمامي سوى أن أقسم الكتاب على ست أعمدة، اثبت فيها كل نسخة في مقابل الأخرى، مبرزاً الاختلافات، ومنقحا النصوص من الزيادات، وهو عمل بدا في البدء نوعاً من العبث، لكنه سرعان ما اتضحت رؤيته بعد الجزء الثاني منه، وتسارع الناس على اقتنائه، وهو ما جعل النساخ يطالبونني بإكماله، ورغم الارهاق الذي لاقوه إلا أن حماسهم كان شديداً، ورغبتهم في إنجاز عمل كبير كانت قوية وواضحة، فكانوا يطاردونني لأكمل ما بدأت، وأنا أحاول أن ألتقط أنفاسي عبر الانشغال بالوعظ، فكانوا يكتبون المواعظ  خلفي ويوزعونها على الناس، وكأنهم يقولون لهم خذوا هذه الآن واصبروا، لكنني في النهاية كنت أنصاع لرغبتهم رغم ما عانيت من أرهاق في تصحيح النصوص وتفنيد الأخطاء.

عادت لي شهرتي من جديد، وبدا العالم متسامحا معي أكثر مما توقعت أن يفعل في يوم من الايام، وأخذ الطلبة يتوافدون على البيت حتى تحول إلى مدرسة تضاهي مدرسة الأسكندرية، ولم يكن أمامي سوى أن أجعل أحد تلامذتي عريفاً عليهم، حيث يراعيهم حتى أتفرغ لهم، وكان من بين من اعتمدت عليهم في هذا الشأن هو غريغوريوس الذي يعرفه الجميع الآن بلقب صانع العجائب، فقد تتلمذ في مدرستي نحو خمس سنوات كاملة، لاحظت نبوغه أكثر من شقيقه، وانتبهت إلى أنه أشبه بالأرض الظامئة إلى الماء، فأخذت أرويه بالعلم كل يوم حتى اكتملت معرفه، ووقف يلقي موعظة يوم انتهاء تعليمه وعودته من قيصرية، موعظة ودع فيها زملاءه وأصدقاءه، ونصحهم أن ينهلوا من معرفتي بقدر ما يستطيعوا.

كان غريغوريوس وديعاً ومحبا للناس والمعرفة، فعهدت إليه أن يكون عريفا على زملائه، يشرح لهم المبادئ الأولى للإيمان، ويكلفهم بدروس ومراجعات بسيطة حتى أجيئهم، قام بعمله على أفضل ما يكون، وكان واسطة راقية بيني وبين زملائه، مازلت أتذكر خطواته الوئيدة الواثقة وهو متجه نحوي في غرفة النسخ كي يبلغني أن زملاءه حضروا، أو أنه سجلفي دفتر جديد محاورته لي حول ما قاله أفلاطون وما استفاد منه الغنوصيون في فلسفتهم، كنت أتحدث بإسهاب معه كما لو أنني أتحدث إلى نفسي، ولا ألبث أن أطالبه بالرفق على نفسه، فالفارق بين الإيمان والهرطقة شعرة، والناس عمي لا يبصرون، فكان يضحك دون أن يحدثني بما في نفسه، وكنت أدرك أنه يريد أن يقول أنه لن يكون مثلي، ولن يسمح للناس أن تختلط عليها المعارف مثلما سمحت بذلك في كتبي، فكانت النتيجة أنني محروم من ملكوت السماء وملكوت الأرض.

36

كان آخر ما توقعه أنطونيوس أن يكون ملاك شاهد الاثبات في اتهامه بقتل دميانة، لكن هكذا اعترف له ملاك عقب هروبهما من طويلي القامة، كان أنطونيوس قد أقنع مدرس التاريخ الراغب في أن يعمل مرشدا سياحياً بأن طويلا القامة قد اختطفا شقيقه، وأنه يرغب في تخليصه منهما، فجلسا ينتظران خروج ملاك من دير النساخ، وما أن رأياه اقترب حتى وقف مدرس التاريخ بالموتوسيكل على جانبالبوابة، وانتظر إشارة أنطونيوس له نحو ملاك والراهبين، فتحرك بالموتوسيكل كمن فقد السيطرة على سرعته، فاصطدم بهم وألقاهم على الأرض، هنالك أسرع أنطونيوس لمساعدة ملاك على النهوض، ودفع به في تاكسي كان بالقرب منهما، وطلب من السائق التحرك سريعا، انتبه طويلا القامة إلى فرار ملاك، وبدلاً من أن يشتبكا مع سائق الموتوسيكل قفزا في الباص الذي ينتظرهما، حاثين سائقه على ملاحقة التاكسي، لكن مدرس التاريخ كان مؤمناً بعدالة قضية أنطونيوس وشقيقه، فراح يلاحق الباص ويضيق على سائقه الطريق مطالباً إياه بالتوقف، مما جعل أحد الراهبين يخرج عن شعوره ويوجه عجلة القيادة نحوه، فكاد الباص أن يخرج بهم عن الطريق، لولا ردة فعل سريعة من سائق الباص أعادت الأمور إلى نصابها، لكنه ضرب بقدمه على كابح السرعة بقوة جعلت العجلات تصدر صوت احتكاكهاالعالي بالأسفلت، لتبدأ مشاجرة بينه وبين الراهبين، فتركهم سائق الموتوسيكل وانطلق ليلحلق بأنطونيوس وملاك.

ما إن سمع أنطونيوس صوت احتكاك عجلات الباص حتى التفت ليتابع ما يجري، ومع أول انحناءة للطريق طلب من سائق التاكسي التوقف، وبحث هو وملاك عن صخرة اختفيا خلفها، وأخذا يرقبا الطريق حتى شاهدا مدرس التاريخ يمر مسرعا كي يلحق بالتاكسي، ثم سرعان ما شاهدا الباص بنفس السرعة في نفس الاتجاه، فعلما أن عليهما الابتعاد عن الطريق قدر الامكان، ولم يكن أمامهما غير الصحراء التي يتوه فيها الجميع، فقضيا ليلة طويلة بها، ولم يكن زادهما فيها غير الذكريات وإعادة ترتيب الأحداث، فلما سأله أنطونيوس عن سبب نزوله من دير الملاح، أخذ ملاك يضحك قبل أن يخبره أنه كان يشهد عليه بأنه قتل باخوميوس ودميانة.

كانت أكثر الأمور دهشةلأنطونيوس أن دميانة المتهم بقتلها تقيم في دير النساخ، لكننا لم نعرف كيف أتت إلى هذا الدير المشتمل على أسرار أكثر مما يتوقع الناس، فخلفه دير مهجور، يقيم بهعدد من النساخ العجائز، ظل ملاك يتحدث عما جرى في دير الملاح، وكيف أن يوساب والمنحني لم يستطيعا أن يتهما أنطونيوس بقتل باخوميوس، فقد خشيا أن يصبح الدير ساحة للتحقيقات، واضطر المنحني في عظته لأن يلمح لقداسة باخوميوس وإيمانويل الطيب.

لم يكن أنطونيوس منتبها لما يقوله ملاك، فقد هيجه الشوق لدميانة بمجرد معرفته أنها على قيد الحياة، شرد بذهنه في أحوالها، وما أوصلها إلى دير النساخ، شرد في ذهابها إلىبيتها، وإفطاره مع تريزا، وقراءته لكتاب أبيها "دفاعا عن أوريجانوس"، ظل شاردا بذهنه حتى كلت أقدام ملاك من السير، وشعر أنه على وشك الاغماء عليه، فبحثا عن ربوة عالية وجلسا يتسامران.

كانت أصوات الذئاب قد بدأت تعوي، وشعر ملاك أنها ستهاجمهما في أقرب وقت، فأمسك بذراع أنطونيوس مرتعدا، وأخذ الأخير يستدعي خبراته بالصحراء حينما كان يعيش فيها وحيدا، فطالب ملاك بالهدوء كي لا يهيجها بفزعه، وأخذ يبحث عن شيء يساعدهما في الدفاع عن نفسيهما، وجد قطعة من الصاج فطلب من ملاك أن يطرق عليها ليخبر الذئاب أنه مستيقظ، ظل يسلي نفسه بالطرق حتى غلبه النوم، فتولي أنطونيوس الحراسةوالسهر، وعلى أصوات الذئاب وأضواء القمر تخيل أنطونيوس أن دميانة تقوم بدور الأم الراعية لهما، فأخذ يستنجد بقدرتها حتى رآها تجيء على ظهر لبؤة كاشفة عن أنيابها، لترسم حولهما دائرة من نور، ظلت الذئاب تعوي أمامها ولا تقترب منهما، حتى سمع أصوات تطن بقوة من حوله، ففتح عينه ليرى ملاكا يتحدث مع صبي يرعى أغنام أسفل الربوة.

كان الصبي قد رآهما نائمين فقرر أن يوقظهما، زج بأغنامهحتى صعد بعضها نحوهما، فاستيقظ ملاك على تفحص إحدها لوجهه، بينما الصبي يضحك على تقززه منها، فما كان من ملاك إلا أن زجره، هنالك استيقظ أنطونيوس على شجارهما، ولم يمض كثير من الوقت حتى اعتذر الصبي لهما، ثم حلب إحدى عنزاته في إناء قدمه لهما مع بعض من الخبز، ونصحهما بالذهاب إلى القرية المجاورة لأن غالبيتها أقباط، فانطلقا خلف إشارته حتى وصلا إليها.

دون تفكير كبير قرر أنطونيوس أن يعلن أنه يجمع مالاً لبناء كنيسة في قرية بعيدة، وقام ملاك بوظيفته المعتادة ككاتب، كان يكتب أسماء المتبرعين والأرقام التي تبرعوا بها مهما كانت صغيرة، بينما أنطونيوس يلقي عظة عن مال الرب الذي يجب أن يذهب إليه، فكان الناس يطالبونهبأن يبارك بيوتهم عبر صلاة قصيرة بها، وملاك يحصي الجنيهات والقروش ويكتب الأسماء، ومع اقتراب اليوم من نهايته كان السؤال الذي يلح عليهما: ماذا بعد؟

مع غروب الشمس كانا يركبان الميكروباص المتجه إلى القاهرة، ومع الشروق كانا على موعد مع نفس المقهى الذي جلس عليه أنطونيوس وأحمد في رمسيس، فتناولا فطورهماقبل أن يتخذا المترو لسانت تريزا، وفي المسافة التي بين المحطة وبيت دميانة فاجأ ملاك أنطونيوس قائلا:

ـ هل تحب دميانة؟

لم يكن لهذا السؤال من قبل وجود في مخيلة أنطونيوس، ربما لأنه لم يتوقع أن أحداً سيسأله أياه، وربما لأنه لا ينبغي لراهب أمضى أكثر من عشرين عاماً في الصحراء بحثاعن الله وإفناء لرغبات الجسد أن يتحدث عن الحب بين رجل وامرأة، فوقف لا يعرف بما يرد، فكلمة حب لديه من المفترض أن تسع الجميع، دون تمييز لشخص عن آخر، ورغم أنه ينهار من الداخل بمجرد سماع اسم دميانة، وأن صورتها لا تفارق مخيلته ليلاً ولا نهاراً، وأنه لم يعد يستطيع تغيير ملابسه إلا في الظلمة خشية أن تراه، رغم كل هذا إلا أن خجله منعه من أن يقول:

ـ نعم.

 فالاعلان عن الحب يحتاج إلى شجاعة، وربما إلى صفاقة لا تتفق مع الإيمان بالخجل المصاحب له دائماً.

تفكر أنطونيوس كثيراً قبل أن يجيب صاحبه بالنفي، وكلما أعاد عليه ملاك السؤال كان يرفع رأسه نحو السماء متهربا من النظر في عينيه، محافظاً على تماسكه وإصراره قائلاً:

ـ لا.

حينها فاجأه ملاك من جديد:

ـ هل تمانع في أن أحبها؟

هذه المرة لم يعرف أنطونيوس بما عليه أن يجيبه حقا، ولا كيف يتخلص من الموقف مع الاحتفاظ بحقه في أن يحبها وحده، تمنى لو أن الصمت يطول أو أن ملاك ينسى، لكن الأخير لم ينس، والصمت لم يطل، فقد لاحقه بالسؤال كما لو أنه يطلب منه البركة فوراً، فما كان من أنطونيوس إلا أن توقف في مكانه وفرد صدره للأمام، ثم سحب قدرا وافيا من الهواء قبل أن يقول:

ـ لا أمانع.

هنالك علت الفرحة على وجه ملاك كما لو أنه بشر بلقاء المسيح، وضرب على صدر أنطونيوس مكررا كلمة الشكر مرات، بينما أنطونيوس واقف في مكانه كقائد عسكري تنزع عنه أوسمته ونياشينه، ظل صامتاً حتى دفعه ملاك ليكمل معه الطريق، دون أن ينتبه إلى أن الحزن جعل وجهه قطعة فحم. فظلا يسيران، أحدهما يتراقص فرحا، والآخر يحترق كمدا، حتى واجهتهم اللافتة التي مازالت تحمل اسم صلاح متري، كما لو أنها ظهرت فجأة لتنقذهما مما يغوصان فيه، فتقدم أنطونيوس ليصعد السلالم، وتبعه ملاك بعينين تحتضنان كل ذرة تراب على الجدران، وما أن ضغط أنطونيوس زر الجرس حتى ظهرت لهما جارة دميانة قائلة أن تريزا أصيبت بنوبة قلبية أول أمس، وأن سيارة الاسعاف نقلتها لمعهد ناصر، وهي الآن ترقد هناك بين الحياة والموت.

ـ 3ـ

ملاك: إشارة الروح

1

لا أعرف لماذا كنت سأطير من الفرح حين أجابني أنطونيوس بأنه لا يحب دميانة، ولا يمانع في حبي لها، شعرت كما لو أنني فزت برؤية المسيح، كنت أنانياً للغاية، فكرت في سعادتي فقط، ولم أسأل نفسي إن كان بمقدور دميانة أن تحبني أم لا، هل يمكن للمحققة التي ينتظرها مستقبل كبير أن تربط حياتها بشخص ليس لديه ما يثبت وجوده في الحياة، شخص في أفضل الأحوال روح تتجول في أماكن لا تعرفها، وتتحمل عذابات لم تتوقعها، روح خرجت من رحمها بهضبة الملاح لتعيش معاناة البشر، ونضالهم اليومي تجاه كل شيء، ولأجل أي شيء، فكم هؤلاء البشر مساكين، وكم هم جبابرة قساة، فما الذي أدخلني تجربتهم؟

كان علينا أن نذهب إلى معهد ناصر لرؤية دميانة والاطمئنان عليها، دار بنا سائق التاكسي نحو ساعتين في شوارع القاهرة قبل أن يوقفنا في إشارة مرور قائلاً:

ـ باب المعهد من هنا.

سيرنا على أقدامنا نحو عشر دقائق قبل أن نصل إلى الباب، وسألنا عن تريزة أم دميانا وزوجة صلاح متري، لكنهم طالبونا بمعرفة اسمها بالكامل، ظللنا نحو ساعة أمام الباب نطالب الأمن بالدخول وهم يطالبوننا بالاسم، في النهاية تحدث أنطونيوس بوصفه مندوباً من الكنيسة لزيارة السيدة تريزا، هنالك لم يسأله أحد عن اسمه ولا ما يثبت هويته، فقد أخذ الجميع يبحث في أوراقه عن اسم تريزا، ولم يكن هناك غير اثنتين، الأولى في الثلاثين من عمرها دخلت في حادث سير، والثانية في الستين، حالة ذبحة صدرية في العناية المركزة.

كانت تريزا قد خرجت من الكنيسة الأم والحزن يفيض عليها، فهي لا تعرف أين ابنتها ولا مصيرها، حتى الرجل الذي توهمت أنه سيكون عوناً لها في البحث عنها اتضح أنه مطارد من  قبل الأمن، قطعت تريزا المسافة من الكنيسة إلى رمسيس سيراً، لا تدري بنفسها إلا وهي على مشارف الميدان، لم تفكر في أن توقف ميكروباصاً ولا تاكسي أو حتى تستقل المترو، كانت شبه فاقدة للوعي وهي تسير على قدمين منتفختين من الورم، وما أن وصلت رمسيس حتى ذهبت لدرجات المترو، فألقت نفسها في أول قطار متجه لسانت تريزا، ولم تعرف كيف نجت من السقوط أسفل عجلاته، فقد التقطها الناس قبل أن تزل قدمها أمام القطار، وهي  تحاول أن تبتسم في وجوه لا ترها، ولا تدرك تفاصيلها ولا معالمها، ودت أن تبكي حسرة، كانت بالفعل تبكي بداخلها، ودموعها تتحول عرقا يتدفق من مسامها، وأنفاسا متقطعة في صدرها. أجلسها أحدهم في مكانه، ونبهها لاقتراب محطتها، وبطريقة ألية صعدت الدرجات، سارت في الشارع ووقفت أمام باب البيت تلتقط أنفاسها، ثم زجت بنفسها على السلم متغلبة على ألم في كتفها، حين أدارت المفتاح بالباب لم يطاوعها، مسحته بريقها وعادت تفتح فلم يستجب، أخيراً انتبهت إلى أنه ليس المفتاح الصحيح، دققت في مفاتيحها وأخرجت غيره، لكن النفس المتقطع كان يزيد، وألم الكتف يصرخ، فاستندت بيدها على الباب، واعتدلت بظهرها إلى الحائط، ثم نزلت لتجلس على البلاط، هنالك فتحت جارتهاسيمون، وحاولت سؤالها عما جرى، لكن تريزا رسمت شبح ابتسامة على وجهها، وزاغت عيناها قبل أن ينفرط جسدها على الأرض، رنت سيمون بالصوت العالي، فحضر جيران آخرون، وحملوها إلى معهد ناصر، وهناك علموا أنها تعاني من ذبحة كادت أن تودي بحياتها.

وقف أنطونيوس أمام تريزا في غرفة العناية كما لو أنه واحد من طوال القامة، مسح على رأسها وكتفها وهو يتمتم بصلاة طويلة للمسيح، صلاة لم أسمع بكلماتها، لكن تعبيراتها كانت واضحة على ملامحه، فتارة كان يقطب حاجبيه كما لو أنه يطرد مارداً، وتارة كانت ملامحة تنبسط وأساريره تنفرج وأسنانه تبين من بين فرجات ثغره، لا أعرف ما الذي جعلني أفكر في أنه لا يصلي، لكنه يتواصل مع دميانة عبر تريزا، كان قابضا على يدها وهو يبتسم، وتريزا ترسم ابتسامة حقيقية على وجهها رغم المرض، لم أعرف سبباً لابتسامتها، هل فرحاً بعودة أنطونيوس، أم شعوراً بالتحسن، لكن كان واضحاً أنها تشعر بالسعادة، وأنني شبه غريب في عائلة متآلفة، ففضلت الانسحاب نحو الباب، تاركاً لهما فرصة الإفصاح عما لا يريدا لي أن أعرفه، لكن هذا لم يحدث، فقد ربت على كتفها فقط، وهي هزت رأسها له. حين سألته إن كانت تعلم أن دميانة في دير الزاوية، وجدت كلاهما يومئ برأسه.

 خرجنا من المعهد وكل الطرق مسدودة في وجوهنا، لا نعرف إلى أين نذهب، تريزا تنام على سرير بارد في مستشفى واسع، ودميانة تقيم في دير بجنوب البلاد، لا أحد يدخله ولا أحد يخرج منه، وكأنه سجنها الأبدي، ودير الملاح أصبح الجحيم لا المأوي، وفي الكنيسة الأم ينتظرنا أعداء أكثر من طوال القامة، فاين نذهب؟ هكذا تساءلنا ونحن نحصي الأماكن، ولم نجد أمامنا سوى أن نعود إلى بيت تريزا، حيث نمضى الليلة إلى أن يتجلى المسيح على الدنيا بجديد.

في الطريق إلى البيت رفضنا أن نركب تاكسي، فضلنا السير على الأقدام كي نتعرف على المدينة التي لم أنزلها من قبل، سألنا عن كيفية الوصول لمحطة سانت تريزا، وتركنا لأقدامنا العنان، كان الناس ينظرون لصليب أنطونيوس الكبير وهو يتأرجح على صدره وبطنه، بينما أهرول كي أسير بجانبه، ما إن وصلنا إلى المحطة حتى تعرفنا على الشارع الذي سيوصلنا إلى البيت، هنالك رفضت أن أذهب إلى بيت لا أعرفه والجوع يقتلني، فتركت أنطونيوس على أحد المقاهي وذهبت لمطعم كي أشتري ما يأكله الناس، ووقفت منبهراً وأنا أشاهد صاحب المطعم يعد لي طلبي، ثم أخذ في لفه بأوراق الجرائد ووضعه في كيس حملته وعدت إلى أنطونيوس،حين وضعت الطعام أمامه بدا أنه كان أكثر جوعاً مني، فأخذنا في التهام الطعام دون أن نفكر في شيء، لكن بعد قليل وقعت عيني على رسم بخط اليد أقرب ما يكون لوجه دميانة، تأملته قبل أن أقرأ العناوين الحمراء ( قصة الفتاة التي أحدثت فتنة فيالصعيد ... السلفيون حاصروا القرية واشتبكوا مع الشرطة بسببها)، الملامح أقرب لملامحها، وتاريخ النشر بعد اختفائها، حينها رفع أنطونيوس يده قائلاً:

ـ أعرف من يمكنه أن يفسر لنا اللغز.

كان الصحفي أحمد قد منحه ورقة عليها اسمه ورقم هاتفه، فأخرجها وطلب من عامل المقهى أن يتصل به، حين جاءه صوت أحمد تهلل وجهه فرحاً، وأخبره بأهمية لقائه، ثم أعطى الهاتف للعامل كي يخبره بالعنوان واسم المقهى، انتظرنا نحو ساعتين قبل أن يجيؤنا، وقبل أن نتحدث في شيء سأله أنطونيوس:

ـ كيف نصل لكاتب هذا المقال ؟

تطلع أحمد للعنوان واسم الكاتب وقال أنه لا يعرفه شخصياً، لكنه يعرف أصدقاء في نفس الجريدة يمكنهم أن يدلوه عليه.

ثم تساءل عن السبب، فنظر إليه أنطونيوس:

ـ لأننا نعرف أين هذه الفتاة.

****

2

ـ مات أريوس.

هكذا انتشر الخبر في المدينة كما ينتشر الهواء العليل في الصدور، وعلت الوجوه الفرحة والراحة والحبور، ورقصت النسوة في البيوت والآباء في الحانات والكهنة رتلوا الأناشيد واقاموا القداسات، لكن أين أثناسيوس الآن ليشهد هذا الفرح العظيم، ويعلم أن الرب معه، ناصره ومعمده في فرح النور بالنور، أين البابا الكروز بالعلامة المرقسية في الشرق والغرب، إنه الآن مازال منفيا في تريف منذ غضب عليه قسطنطين، فهل يمكن أن يكون موت آريوس على هذا النحو المهين نهاية لآلم أثناسيوس العظيم، هكذا تساءل الجميع.

كان موت آريوس إعلان واضح من قبل السماء أن المسيح غير راض عنه ولا عن تعاليمه ولا أنصاره، فقد سعى هؤلاء جميعاً لاعادته لشركة الكنيسة لكن الرب لم يرد، ورفض سعيهم بشتى الطرق، فقد استغلوا نفي أثناسيوس إلى تريف، وتدشين قسطنطين كنيسة القبر المقدس في القدس، تلك التي بنيت على الجبل الذي صلب به المسيح، حيث المغارة التي دفن بها جسده، وحيث قام قيامته من بين الأموات بعد ثلاثة أيام من الموت على الصليب، فسميت كنيسة القبر المقدس، كما سميت كنيسة القيامة، هذه الكنيسة التي زين يوسابيوس النيقوميدي وأتباعه من الأريوسيين للامبراطور أهمية تدشينها عبر عقد مجمع مقدس بها، فوافقهم على الأمر، حيث دعوا أنصارهم من القسوس والأساقفة ليعيدوا مناقشة تعاليم أريوس، معلنين خطأ ما وصل إليه الذين اجتمعوا في نيقية، وأن تعاليم أريوس ليست إلا دفاعاً عن الله، هذا الذي لا ينبغي له أن يلد ولا أن يولد ولا أن يكون له مثيل أو شبيه لا في الهيئة ولا في الجوهر، وأن أريوس هو مجدد وليس مهرطق، ولا ينبغي أن يترك خارج حدود الكنيسة، إذ لابد أن يكون في شركتها مع غيره من الآباء والقديسين.

كان قرار المجتمعين في أورشاليم بهذا المجمع مطالبا الامبراطور بإعادة أريوس إلى كنيسة الأسكندرية، واستخدم يوسابيوس النيقوميدي علاقته بشقيقة الامبراطور، تلك التي كانت مقتنعة بتعاليمه وأفكاره، فضغطت على قسطنطين كي يعيد أريوس إلى مكانه بالأسكندرية، فقد أجمع الآباء من القساوسة والأساقفة المجتمعين في أورشاليم على أنه مجدد لا مهرطق، وكان الامبراطور مايزال غاضباً على أثناسيوس، راغباً في كسر شوكته ومحو أنصاره من الوجود، ولم يكن هناك أفضل من إعادة أريوس إلى الأسكندرية ليقضي على أثناسيوس وأنصاره، فأمر بسفينة مجهزة بالعتاد والرجال كي يحرسوا أريوس ويجلسوه في كرسي اثناسيوس، وكان ذلك اكبر أعلان للحرب على السكندريين، هؤلاء الذين تلقوا الخبر كما لو أن حكماً بإعدامهم جميعاً وفي لحظة واحد قد صدر، وما أن ترجل أريوس من سفينته، ظاناً أن القوة المرافقة له ستحميه وتمكنه من رغبته في الوصول إلى كرسي مرقس الرسول، حتى فوجيء أن العواصف قد اشدت، والأمواج قد هدرت، بينما الناس خرجوا يعصفون بكل شيء، مشعلين الحراق في كل مكان، مهاجمين الجند بأي طريقة وفكر، محاصرينهم حيث وجدوهم، مما جعل حاكم الأسكندرية ثيوذوروس يأمر بإعادة أريوس ومن معه إلى الميناء، مرسلا إلى قسطنطين راجياً منه أن يسحب أريوس من المدينة كي لا تحترق بمن فيها، فالشغب والعنف يجتاحها منذ سمع الناس بخبر مجيئه إليهم، ولا أظنه سيتوقف قبل أن يخرج منها أو تحترق عن بكرة أبيها.

لم يجد قسطنطين حلاً سوى النزول على رغبة ثيوذوروس، وسحب أريوس من المدينة الكارهة له إلى المدينة الجديدة التي يبنيها كي تكون عاصمة لملكه في الشرق، وأرسل إلى ألكسندروس بطريرك القسطنطينة بخطاب يلزمه فيه بقبول أريوس متى وصلهفي شركة كنيسته، وهو الأمر الذي شق على ألكسندروس قبوله، وشعر أنه سيقدم على خطيئة لا تقل جسامة عن الكفر، وأنه لم يعش كل السنين كي يقبل مهرطقا في شركته، فلزم في كنيسته صائماً مصلياً للرب كي يخلصه مما ألزمه به الامبراطور، ولما رأى الرب صدق إيمانه استجاب لدعوته، فأصاب أريوس بمرض الاسهال وهو في طريقه إلى الكنيسة، وظل يسهل حتى مات في مرحاض عام بالمدينة، فاقتنع قسطنطين أن رهانه على الأريوسيين كان خاطئاً، وسرعان ما أصابه المرض، فشعر بدنو الأجل، وخشى من غضبة أثناسيوس عليه، فاستدعاه من منفاه واعتذر له، ثم سمح له أن يعود إلى الأسكندرية، فخرجت المدينة عن بكرة ابيها لاستقباله بالأناشيد والأغاني.    

لم يكن استدعاء أثناسيوس واعادته إلى كرسيه في الأسكندرية هو الأمر الجليل الذي أقدم عليه قسطنطين في عامه الأخير، فقد أقدم على أمرين أخرين أكثر أهمية وخطورة، كان أولهما هو إعلان مسيحيته بشكل واضح وتام، هذا الأمر الذي تأخر فيه منذ إعلانه مرسوم ميلانو، حين أعلن إلغاء العقوبات المفروضة على من يعتنق المسيحية، وقام برد أموال الكنيسة إليها، هذا الأمر الذي تأخر نحو أربعة وعشرين عاماً، ولم يشعر بضروة حسمه إلا مع سقوطه في مرضه الأخير، فاستدعى يوسابيوس النيقوميدي كي يقوم بتعميده، ليعلن للجميع انتماءه إلى المسيحية، وليسد الباب أمام عودة الوثنية إلى الدولة من جديد، أما الأمر الثاني فكان توصيته بتقسيم مملكته بين ابنيه، حيث يحكم قنسطانطيوس الجزء الشرقي وعاصمته القسطنطينية التي بناها كقلعة مسيحية، بينما يحكم قسطانس الجزء الغربي وعاصمته روما بتاريخها الطويل.

كان تعميد قسطنطين على يد يوسابيوس النيقوميدي إعلان واضح بإيمانه بفكر أريوس وأنصاره، حتى وإن سعى إلى رد اعتبار أثناسيوس وإعادته إلى كرسيه في الأسكندرية، فقد تسرب إلى أبنائه شعور بأن يوسابيوس النيقوميدي على صواب، ومن ثم سقط قنسطانطيوس حاكم الجزء الشرقي من الامبراطورية في التبعية الواضحة ليوسابيوس، هذا الذي جاءت رغبة قسطنطين في أن يتعمد على يديه بمثابة قبلة الحياة له ولأنصاره من جديد، فبعدما تشكك الجميع في مدى قبول الرب لفكر أريوس وأنصاره بعد موته المهين بمرحاض عام قبل أن يقبل ألكسندروس شركته في كنيسة القسطنطينية، ومن ثم فقد انتقل يوسابيوس إلى العاصمة الجديدة بمجرد انتقال قصر الحكم إليها، وليتخذ مكانته الكبيرة في قصر قنسطانطيوس، مصوراً  له أن موت أريوس لم يكن إلا نتيجة لطعام مسموم وضعه له جنود ثيوذوروس على السفينة، وأن أهل الأسكندرية لم يرفضون أريوس ولا تعاليمه، وإنما كان الأمر حيلة من ثيوذوروس صديق أثناسيوس، والراغب هو وصديقه في الانفصال بمصر عن روما، فأثار الشغب ضد أريوس، ليضع قسطنطين في موضع المنهزم ، وليضع العامة على طريق الشجاعة في المطالبة بالانفصال، ومن ثم فلابد من الاطاحة بثيوذوروس وارسال فيلاجيوس الكبادوكي القوي عوضاً عنه، فقد حكم الأسكندرية من قبل ثيوذوروس، ويعرف كيف يخضع أثناسيوس وأنصاره للامبراطور.

ما إن وصل فيلاجيوس إلى الأسكندرية حتى أصبحت المدينة ساحة حرب، فقد تداعى الأريوسيين من أنحاء البلاد كافة ليقوموا بالشغب والعنف والقتل العلني في المدينة، متهمين أثناسيوس أنه سرق أموال الفقراء، وأنه عودته إلى الكنيسة ليست صحيحة، لأنه عاد بإذن الامبراطور وليس بقرار من مجمع مقدس، وهو ما أوحى لقنسطانطيوس أن وجود أثناسيوس في الأسكندرية سينزع عنها السلام الدائم، وأنه لابد من نفيه، فلم يكن أمامنا سوى أن نستنجد بالآباء الكبار في الأديرة البعيدة كي ينزلوا لتعضيد أثناسيوس ووجوده بالمدينة، فأرسلنا إلى الأب بولا والأب أنطونيوس والأب باخوميوس والأب ديمتريوس والأب بيشوي في أديرتهم لنصرة الرب، بينما رأى أثناسيوس أنه لابد أن يذهب ليناور من طريق آخر، ولم يكن هناك غير طريق صديقه يوليوس بطريرك روما، فجلسنا نفكر في كيفية الخروج من تلك المدينة التي تعج بالأعداء والكارهين، حتى أن كل حجر فيها أصبح مثيرا للريبة، لكن أحد التجار المؤمنين بعدالة موقف أثناسيوس قرر مساعدته في الهروب، فأحضر له ملابس تاجر وجعله يخرج برفقة اثنين من عبيده، وما أن ابتعدو عن المكان حتى عرجوا على الميناء فصعدوا على سطح سفينة تنتظرهم هناك، وسرعان ما أبحرت بهم حتى وصلت إلى روما، فنزل أثناسيوس في ضيافة صديقه يوليوس، وذكر له ما يدبره يوسابيوس، وكيف أقنع أنصاره الناس أن عودة أثناسيوس إلى كرسيه غير صحيحة، فما كان من يوليوس إلا أن سطر رسالة طويلة إلى يوسابيوس ثم أمر بعودته، وهو أمر سياسي لا علاقة له بصحة معتقد الرجل ولا أحقيته بكرسيه، فما كان من يوسابيوس إلا أن أقنع الإمبراطور قنسطانطيوس بعقد مجمع في إنطاكية، وأرسل يوسابيوس من القسطنطينية إلى يوليوس في روما بخطاب يسخر فيه من وقوفه في الجانب الخاسر، ولم تمض أربعة أيام على صدور قرار العزل في أنطاكيا حتى وجدنا غريغوريوس الكبادوكي يصل إلى الأسكندرية كأسقف بديل عن أثناسيوس.

 في روما لم يتوقف أثناسيوس عن العمل على تعليم الناس طرائق الوصول إلى الله، فقد استأذن في الاعتزال في أحدى الصوامع أو القلالي بالجبل، ولم يكن الرومان يعرفون الرهبنة، فشرح لهم كيف يخرج الراغبون في الانقطاع لعبادة الرب كي يقيموا في قلال متناثرة في الصحراء، وكيف تحولت حياتهم من الحالة الفردية إلى الحياة الجماعية، وهذا ما فعله الاب باخوميوس في جنوب مصر والأب جبرائيل الملاح والأب أنطونيوس في شرقها، ثم صعد اثناسيوس إلى الجبل فصعد معه عدد من الراغبين في حياة الاعتزال، فظلوا نحو شهرين في قلاليهم، لا يلتقون إلا ساعتين في النهار، يجمعون فيهما الأشجار التي تكفي لتدفئتهم، ويتقوتون ما توافر بين أيديهم، ثم يعودون لقراءة الأناجيل وتأمل شروحها، ويصلون قداس الصباح وقداس المساء معاً، وينصتون إلى عظة واحدة في اليوم الواحد.

 في هذه الزيارة سمع امبراطور الغرب قسطانس بأثناسيوس وحياته وعزلته في الجبال، فطلب لقائه والسماع إلى سبب العداء بينه وبين يوسابيوس، فذكر له أثناسيوس الخلاف الذي قامحول تعاليم أريوس الفاسدة، وإنكاره للثالوث المقدس، وكيف تصدى له الأساقفة في مجمع نيقية، وكيف أدانه المجمع واتخذ قرارا بعزله، كما اتخذ الامبراطور قسطنطين قرارا بنفيه، لكن يوسابيوس زور اعترافاً فاسداً من أريوس بقانون نيقية، واستغل علاقته بالامبراطور وأقنعه بتوبة أريوس، فعفى عنه وأعاده من منفاه، منذ ذلك الوقت ويوسابيوس يرغب في إعادة أريوس إلى شركة الكنيسة، فلما مات أريوس ولم يعد بالاستطاعة إعادته إلى شركة الكنيسة أصبح الهدف الوحيد لدى يوسابيوس هو إخراج أثناسيوس من شركة الكنيسة مثلما حدث مع أريوس.

اقتنع الأمبراطور قسطانس بموقف أثناسيوس، وزادت قناعته حين أعلمه الأخير أنه على استعداد أن ينظر مجمع مقدس من أساقفة الشرق والغرب معاً في أمره، وليس أن تعرض قضيته على مجمع يشكله يوسابيوس وانصاره من الأريوسيين، فوجدها قسطانس فكرة صائبة، فأرسل إلى أخيه قنسطانطيوس امبراطور الشرق في القسطنطينية قائلاً: أن الفرقة الدينية ستمزق جسد الامبراطورية، وأن أثناسيوس ليس مجرد أسقف لكنه راع لكنيسة كبيرة، وله أنصار وأتباع بلا حصر، ولن يقتنع أتباعه بعزله في مجمع محلي بأنطاكية، فلم لا ندعوا إلى مجمع عام يحضره أساقفة الشرق والغرب لمناقشة قضيته، ويكون قرارهم ملزماً للجميع؟ فوافقه قنسطانطيوس على رأيه رغم مقولات يوسابيوس وغيره من الأريوسيين عن أن أثناسيوس هو الذي اثر على قسطانس وخدعه. لكن  قنسطانطيوس لم يتراجع عما اتفق عليه مع أخيه، وقرر أن يعقد المجمع في مدينة سرديكا التي على الحدود بين الامبراطوريتين، فجاء انعقاده بعد نحو عام من زيارة أثناسيوس إلى روما.

كان أثناسيوس مازال في روما مشمولاً برعاية صديقه الامبراطور قسطانس، وكان بطريرك روما يوليوس هو المسئول عن دعوة أساقفة الغرب للمجمع، بينما كان يوسابيوس مسئولاً عن دعوة أساقفة الشرق، إلا أنه أصيب بمرض مفاجئ ومات قبيل انعقاد المجمع بنحو شهر واحد، وأصيب الأريوسيين بصدمة أفقدتهم القدرة على مواجهة يوليوس ومن معهم، ولم يكن أمامهم من حل سوى الانسحاب من المجمع، فاعترضوا على وجود أثناسيوس وأنصاره، واصروا على أنه معزول من قبل مجمع أنطاكيا ولا يجوز حضوره، وتأكيدا على موقفهم عقدوا مجمعاً خاصا بهم في مدينة فيلوبوليس المقابلة لسرديكا من قبل حدود مملكة الشرق، وفيه حرموا يوليوس وأثناسيوس وعددا آخر من الأساقفة المتضمنين مع أثناسيوس في عدم عزله، ثم أرسلوا خطاباً ليوستاثيوس كاهن كنيسة سرديكا يعتذرون فيه عن اضطرارهم للعودة إلى القسطنطينية تلبية لدعوة الإمبراطور قنسطانطيوس الذي عاد منتصراً من حربه مع الفرس، لكن ذلك لم يفت في عضد الآباء الذين جاءوا ليجتمع في مدينة سرديكا، فقد عقدوا مجمعهم الذي ثبتوا فيه أثناسيوس على كرسيه في الأسكندرية، وحرموا في المقابل أحد عشر أسقفًا أريوسيًا سعوا لحرمانه دون حق.

لم يترك الأريوسيين سبيلا لمنع أثناسيوس من العودة إلى الأسكندرية إلا وطرقوه، فأحكموا قبضتهم على غضب امبراطور الشرق، هذا الذي لم يصحو ضميره إلا مرة واحدة، حين شعر أن الأريوسيين بحماقتهم سيشعلون الحرب بينه وبين أخيه، فاتخذ عدة اجراءات سريعة كنوع من الاعتذار وإعادة ضبط الأمور في مجراها الصحيح، حدث ذلك حين أتى بعض الأريوسيين بامرأة شريرة ودخلوا بها إلى أسقفين كانا من قبل الإمبراطور قسطانس إلى أخيه إمبراطور الشرق، وحين دخلت المرأة إلى حجرة أحد الأسقفين صرخت مدعية أنه قام بالاعتداء عليها، وظلت تصرخ وتصرخ حتى استيقظ كل من بالقصر وسمعها كل من بالمدينة، وفتحوا عليها بابها وهي تولول بأن الأسقف أعتدى عليها، لكنها لم تكن رأت الأسقف، ولم تتوقع أن يكون في هذه السن، فقد قيل لها أنه شاب في الثلاثينيات من عمره، لذا لم تستطع أن تتدارك خطأها، واسقط في يدها بمجرد أن علمت أنها دخلت الغرفة الخطأ، لم تملك سوى الاعتراف بأن اسطفانوس أسقف أنطاكيا هو الذي طلب منها أن تفعل ذلك مع أسقف يدعى أثناسيوس، لكنها ضلت الطريق ودخلت إلى غرفة مندوب الامبراطور قسطانس، هنالك كان لابد أن يتخذ الامبراطور قنسطانطيوس موقفاً ينقذ من خلاله العلاقة بينه وبين أخيه. فأعلن غضبه على الأريوسيين، وأمر بعودة المنفيين بسببهم إلى بلادهم من جديد، وكان أثناسيوس في مقدمتهم، فأرسل له ثلاثة رسائل اعتذار، معلناً فيها شوقه لرؤياه، مترجيًا عودته إلى كرسيه الرسولي، وقبلأن يذهب أثناسيوس إليه قرر الذهاب إلى صديقه يوليوس أسقف روما، هذا الذي فرح كثيراً للعفو عنه، فكتب إلى شعب الإسكندرية يهنئهم بعودة أبيهم المناضل إلى كرسيه، بعدها التقي أثناسيوس بقنسطانطيوس في القسطنطينية، وتقبل منه اعتذاره، وصلى من أجل غفران خطاياه، ثم خرج في سفينة من سفن الامبراطور محملة بالهدايا إلى الأسكندرية، ليجد شعبه واقفا في انتظاره على الشاطئ بالتهاليل والأناشيد تعبيراً عن الفرح بعودة أبيهم بعد غياب دام سبع سنوات في بلدان أوربا وجبالها.

****

3

وجدت دميانة نفسها فجأة في عالم كبير واسع لم تكن تعرف شيئاً عنه، عالم سري لا يقل ثراء في أحداثه عما تعيشه في العالم المعلن، وكان الأكثر دهشة لها أنها ابنة أحد المؤسسين لهذا العالم، فصلاح متري، المحامي اليساري الذي نذر نفسه للدفاع عن حقوق الفقراء هو نفسه العضو المؤسس في جماعة الأمة القبطية، وكان من الممكن أن يكونأحد أفراد تنظيمها المسلح لولا أن بنيته الجسدية لم تساعده، فلم يحتمل التدريب في الصحراء، وآثر أن يكون طابورا خامسا للجماعة، يدافع عن حقوقها المدنية، ويكون رابطة العقد بين المتدربين وذويهم في القرى والنجوع والبيوت والحارات، هكذا عهد إليه يؤانس بمهمة جمع التبرعات وتوصيلها إلى من نذروا أنفسهم لخدمة الرب، لكن هؤلاء لم يكونوا على وفاق دائم مع الكنيسة، فهي تارة تراهم خارجين على قانونها، وتارة ترى أنها بحاجة لدفاعهم عنها، ومواجهة القوى الدينية العائد من الخليج، هم بدورهم لم يكونوا راغبين في هدم الكنيسة، لكنهم غير راضين عن تحفظها، يرون أنه لابد من توسيع رقعة العمل، وتجديد الدماء والأفكار، بما يتوافق مع القرن العشرين وليس مجمع نيقية.

جلست دميانة تنصت إلى يؤانس وهو يحدثها عما جرى في السنين الخوالي، وكيف استطاع أن يكون جيشاً من المتطوعين لحماية الكنيسة من السلفيين الذين لن يتوقفون عن مضايقة الأقباط ما لم يجدوا من يصد هجومهم،  فقانون الغابة يقول أن توازن القوى هو الذي يصنع السلام على الأرض.

ـ لكن الكنيسة لم ترض بالإعلان عن قوتنا.

قالها يؤانس مبررا عدم مهاجمتهم الاسلاميين مثلما يعتدون على الأقباط في سيناء وغيرها.

تفهمت دميانة ما يعانية يؤانس، فحتى الآن مازالت الفكرة التي ترك من أجلها الحياة العلمانية ودخل إلى الرهبنة متجرداً من كل شيء، لم تتحقق، وما زالت الكنيسة تعيش انقساما حولها، فالبابا الجديد مع التقارب مع العالم، والرغبة في الانفتاح على الكنائس الأخرى، والقبول بمعمودية الكاثوليك، متجاوزا خلافات الماضي، فقد ضعف الجميع، وتكتلت الضربات على البيت المسيحي، سواء في الشرق أو الغرب، ولم يعد بالمستطاع الوقوف عند حدود العصور الوسطى، وليس أمامنا سوى أن نعيد النظر في مختلف القوانين القديمة، ليس أمامنا سوى أن تكون ديانتنا أكثر انسانية ومعاصرة، فالشعب مثقل بالهموم، وبين فكي رحى بين التطور الذي يعيشه كل يوم، وبين الثبات الروحي الذي وضعه قديسون في أزمنة غابرة، فكيف يمكن الوصول إلى حياة قبطية مطمئنة ومبهجة، هكذا يتساءل البابا ورجال الإكليروس، لكن ليس كل تساؤل له إجابة واضحة، فكل رجال الرب حريصون على إرضاء الرب، إلا أن الرب لم يحدد لنا طريقة ارضائه، لذا فالكل يجتهد، والكل يخطئ ويصيب، وليس لدينا أوريجانوس الآن كي نهتدي به، ولا أثناسيوس كي نرمي بأنفسنا خلفه في البحر.

ظل يؤانس يتحدث مع دميانة عن ذلك العالم السري الذي لا تعرفه، وعينها تتسع دهشة أكثر فأكثر، موقنة أن العالم على شفا حرب مؤجلة، ولولا الدواعش لقاتل الأقباط بعضهم بعضا على التجديد والتغيير، لكنها لم تستطع الربط بين ما جرى معها وما حدثها عنه يؤانس ، فقد تصورت أن دير الملاح بعيد عما يجري في المنيا وأسيوط وسيناء، تصورت أن الملاح بقعة منعزلة عن العالم، وأن أحدا لم يكن يعرفها سواها، حين روت ليؤانس أنها تخرجت مثل والدها من كلية الحقوق، وعملت محققة في بعض الأديرة والكنائس، كان آخرها دير الملاح الذي تعرضت فيه لمحاولة قتل على يد بعض الرهبان، حينها انتبه يؤانس لما تقول، وطلب منها أن تعيد عليه حكايتها في الدير، مظهرا تعجبه من أن يتهم يوساب والمنحني تلامذة إيمانويل بنشر كتب الهراطقة، فمنذ متى وهذا الدير يفصل في تعاليمه بين القديسين والهراطقة، تاريخه كله أقرب إلى العلمانية منه إلى الإكليروس.

شعرت دميانة أن يؤانس لم يلتفت إلى مصيبتها بقدر ما توقف أمام ما جرى على دير الملاح من تغير، وبدا لها أن المكان أصبح شيئاً أكبر مما كانت تظن، فطيلة عامين كانت تراه منفى حقيقي، ولولا ما يمنحوها إيها من راتب كبير ما ذهبت إليه، ولولا ظهور أنطونيوس في حياتها ما تذكرت من أمر الدير شيئاً، ودت لو تحكي له عن ميلها لأنطونيوس، وعن صورته التي تراها في منامها على هيئة راعي غنم في حقل مليء بالأعشاب، لكنها لم تستطع، وأغلقت قلبها على مشاغله وهمومه، وعادت إلى الغرفة التي جهزوها لها، وظلت تتشاغل من جديد بالكتابة والرسم عن عزلتها.

لم تمض أيام حتى همست لها مريانا أن الأب يؤانس سوف يغادر الدير، فثمة أمور جدت وسيغادر لأجلها، كانت هذه هي المرة الأولى التي بدت فيها مريانا كأم بالنسبة لها، حين التقت بيؤانس أكد لها الخبر، وسألها إن كانت تريد المجيء معه أم ترغب في البقاء مع مريانا، لكنها باستسلام شديد هزت رأسها قائلة أنها تريد رؤية تريزا، أمرها يؤانس أن تكتب خطابا تشكر فيه مريانا على استضافتها لها، وتبلغهابأنها خرجت من دون علم أحد كي لا تقع في أيد السلفيين.

بعد يومين أخبرتها مريانا أن الباص ينتظرها بالخارج، وودعتها هي وباقي الأخوات قبل أن تستقل الباص، وجدته به الأب يؤانس ومعه ثلاثة من الرهبان طويلي القامة، نظرت في عين أحدهم ورأت أنه ممن سعوا لقتلها ليلة نزولها من دير الملاح، شعرت أن جسدها يرتعش وأن كلباً ينبح عليها من ركن خفي بالباص، توقفت في مكانها وترددت أن تخطوا بقدمها إلى الأمام، لكن يؤانس نظر إليها متعجباً، ثم مد يده وأشار لها بالصعود، لم تعرف بما تجيبه، ونزل أحد الرهبان ليأخذ حقيبتها ويعاونها، كان الراهب الذي شارك في مطاردتها ما يزال جالساً في كرسيه، كما لو أنه لا يريد أن يعلن عن نفسه، تردد في النظر نحوها، تردد في الاستجابة لطلب يؤانس، وظل خانعاً في كرسيه كفأر مبتل، وكان الكلب السماوي قد مال بعنقه في فتحة باب الباص مصدرا صوتاً أشبه بالعواء، تاركاً مساحة بالكاد تكفي لمرورها من جواره، كان يعوي كما لو أن أحدا ركله في صدره بقدم ثقيلة، حين صعدت لم تجد مكاناً بجانب يؤانس، ولم ترغب في الجلوس بجانب الرهبان الذين احتل كل منهم كرسياً يجلس عليه اثنان، فاختارت كرسياً فرديا وجلست تنظر بعين على يؤانس وعين على الرهبان، وضعت حقيبتها أسفل قدمها وتذكرت تلك الليلة  التي خرج بها الباص مع الرهبان من أمام هضبة الملاح، كان الخوف يتملكها إلى حد الفزع، فهل يمكن أن ينجح يؤانس فيما فشل فيه رهبانه من قبل.

حين تحرك الباص بدا لها أنه اتخذ طريقه نحو الشرق وليس الشمال، لم تكن تعرف الطريق لكنها أعملت غريزة الشعور بالاتجاهات، رأت الباص يعبر من على كوبري طويل، رأته يمشي في اتجاه الجنوب ويعرج على طريق واسع ليدور بعيداً عن النيل وليس في محاذاته، رأت الصحراء تتسع من حولها من كل جانب، مدت البصر بقلق علها ترى ملمحا للبيوت هنا أو هناك، لكنها لم تعثر إلا على خيمة لراعي أو حجرة صغيرة في الرمال، كانت عينها ترف ما بين يؤانس والرهبان الذين جلسوا كما لو أنهم تماثيل نحتت على مقاعد، بينما مال يؤانس برأسه على كتفه ونام، كيف لهذا العجوز أن يأمن على نفسه برفقة رهبان كهؤلاء، في باص يقطع صحراء شاسعة كهذه، ودت لو أنها تذهب لإقاظه، لكنها لم تجرؤ على فتح فمها أو التحرك من مكانها، استحضرت في قلبها صورتي تريزا وأنطونيوس، وظلت تتلمس منهما الشجاعة على مواجهة المصائر غير المعروفة، وبالحدس أدركت أنها ذاهبة إلى دير الملاح، حين رأت جبلا يعلو من بعيد خايلتها صور المقيمين هناك، وحين مال الباص بحذائه أيقنت أنها باتجاه موطئ موتها القديم، ظلت تصلي في قلبها للمسيح وللسيدة العذراء والقديسة تريزا كي يكونوا معها في هذا اليوم العصيب، ظلت تردد كل ما تعرفه من أناشيد وأيات ومزامير، وكأنها ذاهبة إلى الموت، مرتجفة تارة وباكية أخرى، بينما الكلب السماوي أصبح فجأة بحجم لبؤة تنام على سلم الباص، لبؤة وضعت يديها إلى الأمام  ومالت برأسها عليها، كأنها لا يعنيها ما يدور حولها، حسدتها دميانة على هدوئها في رحلة كهذه، وودت لو أنها تسأل الرهبان إن كانوا يرونها على سلم الباص كما تراها، أم أنها خيالات الصحراء وسرابها، لكنها لم تجرؤ على شيء، فلزمت مكانها وأغلقت عينيها مستدعية أنطونيوس وتريزا وصلاح متري، وحده يؤانس الذي وقطع عليها مخاوفها وصمتها، فقد استيقظ فجأة ومال برأسه نحوها سائلاً إن كانت تعرف إلى أين يذهبون الآن، هزت رأسها بالنفي، فقال أنهم الآن في جبل الطير.

حكي لها أن كنيسة العذراء بنيت على المغارة التي لجأت إليها العذراء وابنها المسيح، ويبدو أن عوامل التعرية كانت قد طمرت المغارة، فكلفت الامبراطورة هيلانة، والدة الامبراطور قسطنطين من بحث عنها حتى كشفها، ثم بنت عليها الكنيسة، كان ذلك في زمن البطريرك أثناسيوس، لم يكن وقتها موجوداً في مصر وقتها، فقد نفي سبع مرات بسبب صراعه مع الأريوسيين، وكان العالمالمسيحي منقسما على نفسه بسبب هذا الصراع.

ظلت دميانة تنصت لكلماته وهي تصعد بجواره درجات سلم طويل في اتجاه الكنيسة التي تعلو الجبل، كان يصعد درجتين أو ثلاث ويتوقف ليلتقط أنفاسه ويحكي، بدا كما لو أنه يستمتع بتعذيب الرهبان الذين جاءوا معه في الباص، أو حتى الذين ظهروا بمجرد أن وطأت أقدامه المكان، بدا أيضا أنه ملك غير متوج، وأنها يمكنها أن تلعب دور الأميرة، لكن خوفها من الاقتراب من العالم المظلم جعلها تطيح بالفكرة جانبا وتسأله عن سبب مجيئه إلى هنا، فتأمل خطواته قبل أن يمد يده إلى أحد الرهبان طالباً الصندوق، فأخرج الأخير صندوقا صغيرا فتحه قائلاً:

ـ انظري.

أومأ برأسه لها كي تزيح قطعة الحرير لترى الكتاب، حين نظرت إلى الغلاف المصنوع من جلد الماعز، أمرها أن تقرأ العنوان:

ـ الرسائل  ... أوريجانوس!.

هكذا قالت بصوت خفيض، فأعطى الصندوق من جديد إلى الراهب كي يعيده كما كان:

ـ هل تعرفي أين كان هذا الكتاب؟

هكذا قال منتظرا إجابة بعينها، حين أومأت بالنفي  ابتسم قائلاً:

ـ دير الملاح.

ثم تأمل معالم الدهشة على وجهها، ويبدو أن هذه اللحظة من الحيرة والارتباك التي بدت على وجه دميانة أصابته بالمتعة، فأخذ يطيل النظر نحوها في هدوء سائلاً:

ـ هل تعرفي كم يساوي؟

 لم يرفع عينه عن وجهها، وظل يردد أنفاسه بهدوء في صدره كمن يعيد تنظيمها من جديد، وحين لم تجبه استدار نحو المدق الصاعد إلى الكنيسة قائلاً:

ـ احسبيها بالدولار.

*****

4

رسائل أوريجانوس

ـ 14 ـ

عزيزي ديونيسيوس، علمت أن الطاغية فاليريان أمر بنفيك إلى وادي خفرو في منطقة المدن الخمس بالغرب، لا أعرف كلمات يمكنها أن تواسيك في محنتك هذه، فالنفي عن الوطن هو أصعب الآلام التي قد يعانيها المرء، لكن عزاءك الوحيد أنك تنفى وتعذب من أجل الله، فعذابك مقدس، ونفيك مقدس، وكل فعل تقوم به من أجل شعبك هو فعل مقدس، فاصبر وادع الرب أن يضيء طريقك نحو الصواب، لأن الظلم ظلمة، وظلمة الظلم تعمي القلوب لا الأبصار، فصلي من أجل أن يبقى المسيح عينيك مفتوحتين على الطريق الصواب، فلا تذل ولا تخطئ ولا ترتكب الهفوات.

عزيزي .. اسمح لي أن اصلي لأجلك، وأن أتلو التسابيح كي يرفع المسيح عنك محنتك، فحين تولى مكسيميان التراقي الامبراطورية أمر بالقضاء على الأساقفة والكهان المسيحيين، وكانت طريقته عجيبة وقاسية، فقد أباح دماءهم للشعب، هنالك خرج الوثنيون لينقضوا على كل مسيحي، وأصبح كل رجل دين مسيحي مستهدف، لأن من سيقتله أو يجرده من أمواله أو يحرق بيته لن يناله عقاب، فهكذا حكم الامبراطور الذي استمر حكمه نحو عامين وشهر، ولولا أن أبناءنا الضعفاء في بيوتهم ظلوا يصلون من أجل نجاتنا ما كنا سننجو، هكذا قرر الجميع أن يغلق بيته ويفر إلى الجبال، يومها كنت في قيصرية كيبادوكيا، وودت أن أعود لأكون بين أبنائي وأحبائي في قيصرية فلسطين، لكن أصدقائي في كيبادوكيا رفضوا السماح لي بالخروج من ديارهم، قلت لهم أن الشخص الذي حفز الآخرين على الاستشهاد لا يمكنه أن يتكاسل عن مبادئه، لكنهم رفضوا أن أخرج من بيت جهزوه لي في قلب الجبال، ولم يبق معي في البيت سوى خادم صغير، خادم لا يعي من أمره شيء، كان يتمتع بصنوف البلاهة التي تبقيه بجانب شخص مستهدف من كل جانب مثلي، حين انتهت المحنة وعدت إلى قيصرية فلسطين وجدت كيف إباح مكسيميان دماء كهنة المسيح، وكيف أجبر الناس على ترك المسيحية وتقديم الأضحيات للأوثان، كنت أنظر في كل ما حولي فأجد أثار الدماء عليه، دماء أصدقائي وأبنائي الذي عذبوا أو قتلوا في بيوتهم، لا لشيء سوى أنهم كانوا مؤمنين.

 ذكرتني الحكايات التي سمعتها في قيصرية بما سمعته عن اضطهاد نيرون للمسيحين، كان ذلك هو الاضطهاد الأول، ولم يكن مضى على قيامة المسيح سوى ثلاثين عاماً، لكن الذين أمنوا به كانوا في ازدياد، وكانت النخب الرومانية لا تخشى على نفسها إلا من تلك القلة المسيحية التي تكثر كل يوم، لذا حين احترقت روما لم يجد نيرون ضحية جاهزة سوى المسيحيين، خطب كعادته في مجلس الشيوخ قائلاً أن هؤلاء الخونة هم الذين حرقوا روما العظيمة، وصدقه النبلاء، صدقوه لأنهم ما كانوا يريدون أن يزعجوا أنفسهم بالحقيقة، صدقوه وصفقوا له رغم يقينهم أنه الذي ترك النيران تشتعل في العشش المحيطة بالسيرك، وأن الريح ساعدت رغباته الشريرة، فجلس في مسقط رأسه يتابع وينظر ولا يأمر بالاطفاء إلا حين تأكد أن النيران أتت على كل شيء، وأنهم مهما أخمدوها فلن تنطفئ، لم يكن نيرون مجنوناً، لكنه كان يحلم بإعادة بناء روما.

لم يكن نيرون الوحيد الذي اتهم المسيحيين كذباً، ونصب لهم المشانق وشدهم على آلات التعذيب، فبعد رحيله بنحو خمسة عشر عاماً، شن دوميتيان اضطهاده للمسيحيين، حتى أن سمعان، الأسقف الذي جلس على كرسي أورشليمخليفة للقديس يعقوب الرسول، مات مصلوبًا، والقديس يوحنا الرسول عُذِّب بالزيت المغلي، ثم نُفِيَ إلى بطمُس، وهناك رأى رؤياه التي سجلها في سفر الرؤيا، وفي عصر دوميتيان صدر قانون يقول "لا يُفرج عن مسيحي أمام المحكمة ما لم يجحد دينه"، وكان يلقى باللوم على المسيحيين بسبب أي مجاعة أو زلزال أو وباء يحدث في البلاد. وبعد نحو عشرين عاما حرم تراجان المسيحية نهائياً، وصلب سمعان أسقف أورشليم وهو في سِن المائة والعشرين، وفي نفس السنة استشهد الأسقف الأنطاكي أغناطيوس الرسولي،الذي خَلَفْ الرسول بطرسعلى كرسي أنطاكية، وأُلقِيَ للوحوش الضارية في الكلوسيوم، ثم ازداد الاِضطهاد قسوة وضراوة في عهد هادريان خليفة تراجان، فاستشهد في عهده نحو عشرة آلاف مسيحي.

كان الاضطهاد يا صديقي موجات إثر موجات، حتى أن الشهداء في الموجة الرابعة أثناء حكم أوريليوس أنطونيوس كانوا يسيرون بأقدامِهِم الحافية فوقَ الأشواك والمسامير، ومن فرط ما شهده المسيحيون في روما والأسكندرية ونابلس وسيسليا وإفريقيا وأسيا الصغرى من مطادرة وتعذيب، كانوا يحفرون السردايب تحت الأرض ليختبئوا فيها مقيمين صلواتهم وقداساتهم بعيدا عن القتل، قائلين (يا رب .. إضطهاد فوق الأرض ... وصلاة تحت الأرض... انقذنا يا الله).  بينما أوريليوس يصر على أن المسيحية خرافة مصطنعة، فيأمر جنوده بمزيد من القتل والإبادة لكل ما هو مسيحي، حتى ملأت جثث الشهداء الطرقات، ومن بينهم القديس بوليكاربوس أسقف أزمير، وتلميذ القديس يوحنا الحبيب.

ورغم أن الامبراطور ساويرس كان يعاني من مرض عضال، ولم يشف منه إلا على يد طبيب مسيحي كان يكثر الصلاة لأجله، إلا أن ساويرس تنكر لصلواته، وأباح دماء المسيحيين في عصره، فعصف الجنود والوثنيون بكل ما له علاقة بالمسيحية، على يد جنوده استشهد والدي، كما استشهد فيكتور أسقف روما والقديسة بوتاميناوالضابِط الروماني باسيليدسالذي آمن على يدها بالمسيح، وإيريناؤس أسقف ليون، واسكليباس أسقف أنطاكية، وكاليستوس وأوربان أسقفا روما.

 في كل موجة كانت عظامي تحتمل التعذيب والاضطهاد، لكنها في اضطهاد ديسيوس خانتني ولم تحتمل، ربما لأنني ضجرت، ولم أعد قادرا على الاحتمال، وربما لأن السنون استطاعت أن تأكل طبقات من روحي، فوهنت، واشتدت القيود على معاصمي، وحزت السلاسل في أضلعي، وتقيحت الجروح، ونزفت الشراين والأوردة، نزفت حتى صرت كحشرة وقعت في شباك عنكبوت، فلم أقوى على تخليص نفسي، ولا الهروب من مبادئي، فأنا الذي طالما حفزت الآخرين على الشهادة ما كان لي أن أبحث عن طريق للهروب منها، لكنها لم تدركني، وتركتني أعاني الموت كل لحظة.

عزيزي لا أقول لك ذلك كي تضعف أو تهن، فمازال أمامك الكثير لتقدمه، فأنت وريث مرقس الرسول، وأمينه على الشعب من بعده، وعلى الإيمان القويم، أنت البقعة الصلبة في بحر يمور بالهرطقات، لقد تعبت من مواجهتهم، تعبت من الشرح والتفسير في وجههم، تعبت من الحفاظ على الأمانة التي منحني الله إياها، وها أنا الآن أشعر أنه قد اقترب الوقت لرفعها عن عنقي، وأظنك الذي سيتسلمها ليكمل المسيرة في وجه الذين اختلط عليهم الطريق، فانهض ولا تألو جهدا، فالطريق لم يبدأ بعد، والهراطقة يحتاجون قديساً مثلك كي يناهض أكاذيبهم بسيف بيانه. 

*****

5

شعرت أن الحياة دبت من جديد في أنطونيوس بعد لقائنا بصديقه الصحفي أحمد، فبعدما تواصل الأخير ببعض أصدقائه توصل إلى هاتف زميلهم كاتب "قصة الفتاة التي أحدثت فتنة في الصعيد"، واتفقا على أن نلتقي سوياً في الغد، حينها شعر أنطونيوس أن عليه أن يترك الرهبنة ويعود إلى الحياة، حيث يمكنه أن يعارك الدنيا كما تعاركه، لينتصر في معركة حياة أو موت بالنسبة له.

 في ثورة حماسه وهو يتحدث عما سيقوم به أيقنت أنني لن أقتنص دميانة منه، فقد عاد ذلك الجبار القديم، ولن يترك ثأره ولن يتنازل عن حبيبته، فأني لي بصراعه، هززت رأسي مؤمنا على ما يقوله، ودخلنا لمحل حلاق في الطريق، فحلق لحيته وهذب هيئته، وأخذتنا أقدامنا لمنطقة أبو العلا القريبة من الجريدة التي يعمل بها أحمد، فاشترى قميصاً وبنطالا وجاكت قديم، كان يرغب في أن يغير من صورته، كما لو أنه سيتنكر للهروب خارج البلاد، حين سألته عن السبب قال أنه بحث عن الله ما يقرب من عشرين عاماً في دير الملاح، وأنه يريد أن يلتقي به الآن كواحد من البشر العاديين الذين لا تميزهم الملائكة بصلبان كبيرة ولا لحى طويلة ولا ثياب سوداء.

لم أعرف من الذي يتحدث، هل القديس أنطونيوس أم المهرطق أنطونيوس، لكنه في كل الحالات كان مايزال مشغولاً بالله، لم يفارقه ولم يرفضه، يختلف في طريقة البحث عنه وربما في تصوره، لزمت الصمت وسرت خلفه كملاك يسعى لأن يعرف كيف سيصل البشري إلى ربه دون منهاج سابق، وجدته وضع جلباب الرهبنة والصليب الكبير في كيس بلاستك وخرج مرتدياً بدلة وقميص وبنطال، بدا لي كأستاذ أو تاجر، لكن كلما قارنت صورته مع المارة كنت أراه كمتسول، البعض كان ينظر إليه مبتسماً، وما أدهشنا أننا حين كلت أقدامنا من السير وجلسنا على الرصيف نستريح وجدنا من ألقي في حجره بعض المال، في تلك اللحظة أدرك أنطونيوس غرائبية ما يرتدي، وأصر على أن يكمل الطريق الذي بدأه، فليس مهماً من وجهة نظره كيف يراك الناس، ولكن كيف ترى الناس.

لم نكن نعرف مكاناً يمكننا الذهاب إليه، قررنا العودة إلى بيت دميانة من جديد، متلمسين الاستضافة من قبل أي من الجيران، اتخذنا المترو وصعدنا سلالمه الطويلة واتجهنا في الشارع الطويل حتى استقبلتنا اليفطة الخشبية التي تقشرت ألوانها الزيتية، ولم يبق سوى بقايا كتابة يجتهد القارئ في إكمالها، لم يكن أمامه سوى أن يضغط على جرس الشقة المواجهة لشقة دميانة، حيث السيدة التي أبلغتنا بما جرى لتريزا، حين رأته السيدة سيمون أو أم مايكل، هكذا عرفنا منها فيما بعد، لم تصدق أنه هو، ولوهلة تصورت أنه الرجل الذي يجمع القمامه واستدارت لتحضرها له، لكنه استوقفها شارحاً أنه قريب السيدة تريزا وابنتها دميانة، وأنه خلع زي الرهبنة بعدما اتسخ ولم يعد صالحاً للسير به في المدينة، هزت السيدة رأسها وقد بدا عليها أنها لم تفهم الكثير، لكنني لاحقتها متسائلاً إن كانت تعرف مكانا نبيت فيه حتى تخرج تريزا من المستشفى، فأوضحت أنها احتفظت بمفتاح تريزا حين نقلوها للمعهد،  ويمكننا أن نبيت في شقتها إلى أن تعود، شعرنا أن العذراء والقديسات راضيات عنا، فأخذنا المفتاح وذهبنا لنبيت في تلك الشقة التي بات فيها أنطونيوس منذ أيام، وباتت فيها دميانة طوال حياتها.

تخفف أنطونيوس بخجل من ملابسه ودخل إلى الحمام كي أسمع صوت تدفق المياة، كانت المرة الأولى التي أعرف فيها ما يسمونه الدش، فليس مسموحا في حمامات الدير بهذه الأشياء، ولم يكن الدير به حمامات من الأصل حتى تم تجديد السور، فقام المهندس ببناء عدد من الحجرات الصغيرة، وبني فوقها صهريج كبير كان الرهبان يحملون إليه الماء من بئر أسفل الهضبة، وكان يوم ملء الصهريج يجيء كل أسبوع مرة، ولم تكن الصنابير تفتح إلا ساعة في اليوم، حيث يملأ الخادم المعني بنظافة الحمامات جراكن بيضاء كبيرة بالماء، بينما القلايات نفسها فليس بها أحواض أو غيره، ولكل راهب ثلاثة لترات من الماء في اليوم الواحد، كان يشرب ويغسل نفسه منها، ومن يريد الاستحمام كان ينزل أسفل الهضبة، حيث يملأ من البئر جركن ماء كبير يذهب به إلى غرفة خالية ليهرق الماء على جسده، وإن وجد شيئاً يدعك به ما على الجسد من صدأ فهو من المحظوظين.

رفضت أن أستحم، وحين اشتدت بي الرغبة في دخول الحمام لم أعرف كيف أتعامل مع الكرسي ذي اللون الأزرق الموضوع في الغرفة الصغيرة، قال أنطونيوس أنه الحمام، وشرح لي كيفية استخدامه، وكيفية تنظيف النفس، فخلعت حذائي وصعدت بأقدامي على فوهة الكرسي المثقوب ثقبا واسعا وعميقا ورحت أتبرز، هكذا انتهيت من معاناتي واجتهدت في الاغتسال حتى نظفت نفسي، لكنني كنت قد كرهتني إلى حد عدم الرغبة في دخول الحمام من جديد، لكن مع الوقت والتعود أصبحت أستوعب الأمور، وأتعامل كشخص ولد في أزقة المدينة.

في صباح اليوم التالي التقينا بالصحفي أحمد بمقهى في جوار الجريدة التي يعمل بها، بعد قليل من الوقت جاء زميله نائل صاحب المقال الذي قرأناه ونحن نتناول سندوتشات الفول، قال أن مقاله كان عن قضية شهيرة، جاءت في العديد من الصحف والبرامج الحوارية، لكن أحداً لم يستطع أن يعرف شيئاً كبيرا عن الفتاة التي اختفت بعد مجيء الشرطة وهروب السلفيين، هنالك بدأ أنطونيوس يروى كيف تعرف على دميانة في دير الملاح، وكيف قام رئيس الدير بترحيلها في الليل، ونظر لي كما لو أنه يطلب مني التأكيد على ما يقول، فتدخلت بالحكي عما رأيته، وكيف نزلت بصحبة يوساب والرهبان، حكيت عن ذهابي إلى دير الزاوية، ورؤيتي لفتاة تشبهها في ملابس الراهبات، لكنني لست موقنا، ولا أملك دليلاً على شيء، وكل ما أعرفه أن أنطونيوس، متهم بقتلها، وأن أسقف التحقيقات في دير المحرق سعى لانتزاع اعتراف مني بذلك.

كان نائل يسجل حديثنا على جهاز في يده ، وأحمد يكتب أسماء الأشخاص والأماكن، وفي النهاية قلت أننا نشك في أن دميانة هي الفتاة التي أحدثت الفتنة، لكننا لا نعرف كيف ذهبت إلى دير الزاوية، قال نائل أنه لا يستطيع أن ينشر موضوعا ليس في يده دليل عليه، ظللنا نرجوه أن يعيد النظر في الأمر، فالنشر هو الطريقة التي ستضمن بقاء دميانة على قيد الحياة، لكنه رفض، وبعد تفكير طويل توصلنا إلى أن نزور الكنيسة الأم ونسأل أسقف التحقيقات عنها.

في اليوم التالي التقينا في محطة مترو رمسيس، وذهبنا إلى محطة غمرة، ومنها سيرنا على الأقدام حتى وصلنا الكنيسة، كان أنطونيوس الذي هذب شعره ولحيته مازال مرتدياً الجاكت والبنطال والقميص الكاروهات، كان يتمتع بهيئة متسول حقيقي، ويبدو أنه لأمر ما أجاد تمثيل هذا الدور، فلم يكن يفرد قامته، وكان يسير كما لو أنه يعاني من عرج خفيف، بينما فمه مفتوح بزاوية كما لو أنه مجذوب أو مصاب بعته، خشيت عليه من أن يكون القديسون قد غضبوا عليه، فوضعت يدي خلف ظهره لأسنده ولأحتمي به، عبرنا من البوابة بعدما نظر الشرطي في بطاقات أحمد ونائل، بينما تركنا نعبر كما لو أنه رأى الصليب موشوماً على جباهنا، وكما لو أن كل من يرسم صليبا محب للكنيسة، في الردهة الطويلة بدأ أنطونيوس الذي أصبح خبيرا بالمكان يقودنا لمكتب أسقف التحقيقات، حيث وصلنا الى الكاهن المسئول عن ادارة المكتب، تأخر أنطونيوس وتقدم نائل سائلاً عن اختفاء المحققة التي تعمل في دير الملاح، سأله مدير المكتب عن مصدر المعلومة، فأجابه بأنهم أهلها، رد الرجل بكل هدوء شديد مطالباً بأن يحضرهم، لأنه لا يدلي بمعلومات للصحافة، ولا يتحدث إلا مع صاحب الشأن.

هنالك حدث أمر لم يكن في الحسبان، فقد سرت جلبة في الردهة الطويلة، ودخل أحد الرهبان العجائز محاطا بعدد من طوال القامة، نظرت من فوق أكتافهم لأتعرف على صاحب السطوة، فرأيت أنه الأب يؤانس، كان الكاهن قد تحول إلى فأر مذعور وهو ينحني في استقباله، ولم يتوقف ليخبر رئيسه بحضوره، لكنه أسرع وفتح باب الأسقف، همست في أذن أنطونيوس أن هذا يؤانس الذي أوصلت إليه "رسائل" أوريجانوس، وهو بدوره همس لأحمد ونائل بالأمر، بعدها خرج مدير المكتب معتذراً وطالبا من الجميع المجيء في الغد، وخرج من بعده رهبان يؤانس يطالبون الناس بالخروج من المكتب، وأمام الأجسام الفارعة اضطررنا للخرج، لكن فضول أحمد ونائل كان قد اشتعل، ورغب كل منهما في معرفة ما يحدث، ومن الذي يلقى عناية كبار الأساقفة، رحت من جديدأحكيلهم قصة "رسائل أوريجانوس"، وكيف أخذتها من المنحني وذهبت بها إلى يؤانس في دير الزاوية، وهناك رأيت دميانة.

 

*****

6

كنت قد ضجرت من الإقامة في الاسكندرية إلى جوار بطريرك غير مقبول من قبل الجميع، وما كان لي أن أكون في معية أحد غير صديقي أثناسيوس، وكانت الصراعات قد ملأت المدينة، والصدامات بين الأريوسيين وشعبها تزايدت إلى درجة لم تعد محتملة، جاهدت نفسي نحو ستة أو سبعة أشهر على أمل أن يعود أثناسيوس إلى كرسيه من جديد، لكن في النهاية تسرب إلى نفسي اليأس والضعف، فقررت اعتزال الحياة والعودة إلى دير الملاح، جمعت ما استطعت حمله من كتب ومخطوطات لفلاسفة وأساتذة أحبهم، حتى أنني ذهبت إلى النساخ المقيمين بجانب الميوزيوم واشتريت منهم ما رغبت فيه من أعمال للأفلاطونيين والرواقيين، فضلاً عن شروحات الكتاب المقدس لأساتذة مثل اكلمندس وأوريجانوس، ولم أعترض على كتابات المهرطقين كالسبليين والأريوسيين وغيرهم، جمعت كل ما توافر تحت يدي وقررت أن أعود إلى دير الملاح، حيث يمكنني العكوف على قراءة كل هذه الأعمال من جديد، واتخاذ موقف واضح  منها.

تلقاني أستاذي ديمتريوس وصديقي أبانوب بترحاب شديد، بدت على ملامحي معالم الأزمة التي أمر بها، قالا أنني يمكنني أن أعاود إلقاء الوعظ على الرهبان، لكنني كنت أشعر بثقل على صدري، كنت أشعر أنني كجدار متهدم، ولم تكن لدي رغبة في النهوض من جديد، تركاني في قلايتي أستجمع قواي، لم يشأ أي منهما أن يكسر الخلوة التي أردتها أن تطول قدر ما تسطيع نفسي من احتمال، كأنني كنت أعاقبني على ذنب لم أرتكبه، حتى بدا أنني موشك على الموت. حينها وجدت ديمتريوس المريض يحمله راهبان من الرعاة على نقالة ويأتيان به إلى قلايتي، حين رأيت المشهد أدركت كم عذبت الرجل من أجلي، وحين جلس أمامي وبكي لم أفهم سبباً لبكائه، لكنني بكيت أيضاً، وبدا أن كل منا كان يغسل همومه في تلك اللحظة بالبكاء، كنا نتطهر على مذبح الدمع سوياً، حين جفت عيوننا من الدموع أشار لراهبيه أن يحملاه ويخرجا، ورأيت في عينه أن أخرج معه، فلم أستطع البقاء من دونه، وضعاه أمام قلايته أسفل شجرة سدر تفنن أبانوب في ذراعتها وريها، وجدته يأمر لي بفراش إلى جانبه، فأحضر الرهبان جلد ماعز قديم ووضعوه لي، تبسم وهو يمسح بقايا دموعه عن وجهه، وأسر لي أن أيامه لم تعد كثيرة، وأنه هو نفسه تعب من الحياة، فما رآه من المرض أكثر مما رآه من العافية، لكنه يريد أن يترك الدير في حالة من الوحدة، يريده أن يكمل في طريقه منارة للرعاة في الصحراء، يجتذب بأنواره النفوس الضالة، ويهدي بعلاماته الرؤوس الشاردة، وليس لذلك سبيل سوى أن يكون أبانوب الرئيس من بعده.

بطبيعة الحال كنت أعلم أنني ابتعدت عن الدير كثيراً، وأن عالمي في الأسكندرية وربما ما بعدها أصبح أكبر وأكثر اتساعاً، لكنني لم أتوقع أن المحنة تصبح شديدة وكثيفة هكذا، فأستيقظت في يوم واحد لا أجد لي مكاناً في الأسكندرية ولا هنا، فهذا ما لا أستطيع احتماله، وما لا أعرف سبباً لحدوثه في نفس الوقت وبهذه السرعة، مرت على نفسي هذه الأسئلة سريعاً، وربما طفت ظلالها على وجهي رغماً عني، فوجدت ديمتريوس يبتسم وهو يقول أنها المحنة، لكنني سأترك لك شيئاً أفضل من كل ذلك، سأترك لك هذه الشجرة، وتلك القلاية والجلسة، سأتركك هنا الشارح والمفسر، هذا ما حلمت به منذ أن أرسلتك إلى الميوزيوم، هذا ما أردناه سوياً، وأظنك الآن اكتسبت ما يكفي لأن تجلس لأجله في هذا المكان، كي تشرحه للرهبان والرعاة الوافدين من الصحراء طلباً للماء ولقمة الطعام.

لم تمض أيام كثيرة حتى تنيح الأب ديمتريوس، فاضت روحه في قلايته، لازمته أيامه الأخيرة، فلم أتركه لا في جلسته تحت شجرة السدر، ولا في قلايته الفقيرة الخانقة، تعبت حتى تأقلمت مع المكان من جديد، وكان ينظر في وجهي بعينين ملؤهما الوهن والمحبة ضاحكاً، وبدا لي أنه وجد سلواه من مرضه في التخفيف عني، كان يترنم المزامير بصوت جميل، ويطالبني أن أشرح له معناها، كنت أضحك لأنني موقن أنه يعرف، وهو يضحك قائلاً أنه يحب أن يسمعها مني، وليس هناك أفضل من أن تسمع ما تحب بصوت من تحب، كنت أضعف في النهاية وأرضخ لرغبته فأبدأ في التفسير، وأمزج بين مقولات السكندريين والمقدونيين، وأميل برأسي نحو خيالات الأفلاطونيين وبدع الرواقيين، وأقول أن هذه جميعها رؤى متباينة، لكنها ليست حاسمة، فالله أعلم بحاله، وما نحن إلا قراء لآياته وأقواله، كان يهز رأسه وكأنه يستشرف ما ستؤول إليه الأحوال، وفي النهاية أسلم روحه بأمان ووداعة كأنه طائر وضع قدميه على الأرض ثم رفرف وطار.

كنت أول من أعلن للرهبان عن تنيحه، وقبل أن يدخل أحد عليه أخبرتهم بما قاله لي،مؤكدا أنه أوصى لأبانوب برئاسة الدير، وأن أبقى في قلايته وتحت شجرته، فاذعن الجميع للوصية، وبدأنا نرسل للناس بتنيح الأب ديمتريوس تلميذ الأب جبرائيل الملاح ورئيس ديره في جبال القلزم، وانتظرنا ثلاثة أيام في صلوات وتراتيل دائمة على جسده، فلما اكتمل الوقت الذي حددناه للناس حملناه على محفة ونزلنا ببكرة أبانوب، بينما لحق بنا الرهبان من مجرى السيل الرابط بين الهضبة والسفح، حيث أقمنا أول قبر أسفل الهضبة، فدفناه فيه، ووضعنا شاهداً عليه باسمه وأفضاله، ثم عدنا إلى أعلى الهضبة باكين يتملكنا الشعور باليتم.

لزمت قلاية ديمتريوس، وتخليت عن قلايتي لأحد تلامذتي النجباء، قلت له أن هذه منحة مني، فيجب ألا يفرط فيها، وكان الدير يقيم قداساً يومياً على ديمتريوس، حتى مضى أربعون يوماً على رحيله، هنالك قال أبانوب أنه يجب أن نرسم قسين وخمسة شماسين لخدمة المناطق القريبة من الدير، فالرعاة صاروا يتكاسلون في صعود الهضبة، ونحن لا نملك من البركة ما كان يملكه الملاح ولا ديمتريوس، وافقته على الأمر، وتركت له فرصة اختيار من يريد ترسيمهم، وجلست أفكر فيما يجب على في الأيام القادمة.

كان موقف أثانسيوس غائماً، فقد غاب في بلاد أوربا أكثر مما نتوقع، ولم نكن نعرف إن كان سيعود أم لا، تسرب الشك إلى نفوس الكثيرين، وانتشر أتباع أريوس في كل مكان، وبدا كما لو أن المؤمنين بقانون نيقية أقلية في جحور مظلمة، أصابني ذلك بالخوف مما سيأتي، وشعرت أن علي النزول إلى الوادي كي أعيد نشر قانون الإيمان من جديد، وأن أوضح للناس أخطاء أريوس وأتباعه، وأن المعركة لم تنته بعد، وأن أثناسيوس عائد إلى كرسيه من جديد.

 حين نزلت من على الهضبة وذهبت إلى البدو والرعاة في خيامهم ومضاربهم، وإلى الفلاحين في قراهم وبيوتهم أيقنت أن الناس قد ملت من أتباع أريوس، وأيقنوا أنهم مفروضين عليهم من قبل الامبراطور ورجاله، كان التعاطف مع أثناسيوس كبيراً، لكنه تعاطف المغلوب على أمره، لم أكن أفعل أكثر من أن أجلس في خيمة لأحكي للناس ما حدث في نيقية، وأبلغهم ما وصلني من أخبار عن أبيهم الحبيب في منفاه البعيد، كنت بالنسبة لهم الطريق الذي يعرفون من خلاله ما يجري في أوربا والأسكندرية وما يجريه الأريوسيون من مؤامرات يخذيهم الرب بفضحها.

ضمنت لي جولاتي في الوادي الخروج من حزني على ديمتريوس وغضبي لأجل أثناسيوس، هكذا وجدتني أفرغ همومي في التعامل مع الناس، واكتشفت موهبتي في خطابهم باللين والمحبة، اكتشفت قدرتي على جمعهم من حولي، فقد أحبوا بساطتي في التعامل، ولم ينسوا أنني صديق أثناسيوس ورفيقه في رحلة نيقية، كانوا يسمعون لي ويطالبونني بمزيد من الوعظ، وأنا أطالبهم بصعود الهضبة، حيث يمكننهم حضور قداس الأحد وعظة أبانوب فيه، وحيث يمكنهم أن ينصتوا لأصوات الرهبان الرائعة وهم يرتلون المزامير والأناشيد، لكنهم كانوا يقولون أن الوقت لا يكفي للرعي وصعود الهضبة.

أوعزت لأبانوب أن الدير يحتاج إلى طبيب، ويحتاج أن نفكر في طريقة نضمن بها توافر الغذاء، فلا يمكننا أن نمضي حياتنا على هبات الرعاة، فما كان منه إلا أن أرسل في طلب طبيب يقيم معنا في الدير، لكن أحدا لم يرغب في أن يقيم على هضبة عالية قرب السماء، وإذا تورط يوماً أو يومين فإنه لا يحتمل العزلة والحر وقلة الطعام، لا يحتمل مواجهة السماء وجهاً لوجه في الليل وفي النهار.

في النهاية توصلنا إلى أن نرسل راهبين لتعلم الطب، كانت أقرب المدن لنا هي ليكوبوليس، لكننا لم نرغب فيها، فأتباع أريوس هناك كثيرون، ولا نريد أن يتسرب إلينا الشك من بين أيدينا، فنصحته أن يرسلهما لمنف في الشمال، وفي النهاية أرسلهما لبعض معارفه في طيبة، حيث تلقيا تعليما لعدة شهور في معبد إيزيس، ثم عادا لا ليقيما في الدير ولكن ليمرا على الرعاة والمزارعين في قراهم ومرابعهم، حتى أقر الجميع أنهما قادران على مداواتهم، فعرفت أقدام الناس من جديد طريق الدير، كانوا يقصدونه لأجل العلاج.

في الطريق إلى الكنيسة كان الناس يجدون راهباً جالساً أسفل شجرة سدر، يقرأ في كتاب ويخط على ورق أمامه، كنت أنا الجالس أمامهم وهم ينظرون لي، أنادي لمن أجد عينه متعلقة بما أفعل ليجلس ويفعل مثلي، هكذا جذبت أقدامهم نحوي، فكان الفلاحون يحملون أولادهم إلى الدير كي يتعلموا الكتابة على يدي، وكنت أدرس لهم اليونانية والهيروغليفية إلى جانب مبادئ الحساب والرسم.

لكن أبانوب كان بناء حقيقياً، فقد شحذ همة رجاله نحو زراعة جانب من الأرض النائمة على جانبي مخر السيل أمام الهضبة ، فحفر بئراً ربطها بمجرى السيل، وجعلها خزاناً يتسع لكميات كبيرة من لماء، وجلب أشجاراً على عربات تجرها البغال والجياد إلى الهضبة، حيث حفر حفرا عميقة غرسها فيها، ثم نزح عليها من مياه البئر، وبدا الأمر في أوله أنه لن يكلل بالنجاح، فقد ذبلت الأشجار وجفت أوراقها، لكن من قلب الجفاف والموت نبعت الخضرة والحياة، رأينا أشجار الزيتون التي أتى بها من أرض الفيروز شمال القلزم، وأشجار النخيل التي أتى بها من الأشمونن في الغرب، ومضت سنوات قبل أن يتعلم الرهبان كيف يستخرجون الزيت من كليهما، لكنهم كانوا قد علموا كيف يخزنون الثمار ويبادلونها مع الفلاحين والرعاة.

ما إن وصلني خبر اعتذار قسطنطينوس لأثناسيوس، وسماحه بعودة المنفيين بسبب الأريوسيين لبلادهم حتى تركت ما في يدي، موضحا لأبانوب أنني ذاهب إلى الأسكندرية، كي أكون في استقبال صديقي حال وصوله، فلم يمانع ولم يبارك، لكنه أبدى تخوفه على من السير في موكب البطريرك، هونت من مخاوفه، وذكرته أن أثناسيوس ليس مجرد بطريرك، لكنه صديق وأخ يصعب التخلي عنه.

*****

7

في كنيسة العذراء بجبل الطير قادت المفاجأة دميانة إلى أن تعلم الكثير عنيؤانس، فقد شاهدت رجاله وهم مجتمعون كجيش صغير من حوله، جميعهم يرتدون ملابس رياضية سوداء، جميعهم يحملون في أيدهم أسلحة بيضاء، ويجأرون في الهواء كما لو أنهم يصرون على إخافة الملائكة في السماء، بدا لها أن الجبل الذي تقوم عليه مغارة الكنيسة أصبح ساحة للحرب، كانوا يعبرون الموانع ويطيرون في الهواء ويلقون بببعضهم بعضاً على الأرض، كانوا يعملون في حمية ويقين لا مثيل لهما، بينما يؤانس جالس على كرسي أمام طاولة يشاهد العرض الذي يجري أمامه.

عكف يؤانس على هذا الأمر منذ تولى مسئولية النظام الخاص في الأمة القبطية، ورغم أن الجماعة انحلت، وأغلب أعضائها سجنوا وشردوا إلا أنه ظل مؤمناً بأن الأمة القبطية تحتاج لمن يحميها، وعلى مدار سنوات طويلة ظل رقماً صعباً في معادلة الإكليروس والعلمانيين، رقم لا يمكن تجاوزه لدى كثير من الآباء ورؤساء الأديرة، فهو الذي يمدهم بالرجال القائمين على حمايتهم، يمكن لرجاله أن يصلوا لمن يريدون وقتما يريد، لكن الأمور لم تجبره على فعل ذلك منذ فشلت محاولة اغتيال يوساب الثاني، فقد ظل حبيساً بين جدران السجون حتى نكسة السابع والستين، بعدها خرج في ظل تغيرات كثيرة طالت المجتمع ككل، ورغم أن الجماعة أصبحت منحلة أو محظورة إلا أنها ظلت حية في ذهنه، وثمة ما يدعوه للعمل من أجلها، هذا الهاجس سرعان ما تحقق مع مجيء زمن السبعينات، وظهور الجماعات المسلحة التي بدأت في إرهاب الأقباط، وسرعان ما دب الخلاف بين الأنبا شنودة والسادات، فأيقن الكثيرون أن الأمة القبطية في خطر وأنه لابد من نصرتها، فظهر نجم يؤانس كرجل الضرورة الذي لا غنى عنه.

كان مدهشاً لدميانة أنها ويؤانس والرهبان طوال القامة ليسوا المدعوون فقط لصعود جبل الطير، فقد رأت أناساً يتوافدون ما بين قسوس ورهبان وعلمانيين، شعرت كما لو أن اليوم عيد العذراء، لكنه بلا احتفالات وطقوس، كان مسموحاً لها أن تتحرك كما تريد، فقد بدت كواحدة من المدعوين، ولم يكن ظهورها نشازاً أو غريباً، فثمة نساء بين الحضور، لكنها كانت توقن أن هناك من يراقب تحركها من بعيد، خرجت من غرفة الضيافة التي نزلت بها لتنظر المشهد ككل، رأت أن الدير يعلو السفح الأخضر الموشوم بالنخيل والمحاصيل المنزرعية أمامه، رأت الكنيسة وهي شامخة في طريقها نحو السماء، ودفعها حنين قديم لرؤية الوافدين عن قرب.

خرجت من مبنى الضيافة إلى ساحة الدير، واختلطت بالسائحين والزائرين العاديين، دخلت إلى الكنيسة التي زارتها في صغرها مع والدها، تذكرت حديثه عن كيف ساعدت الصخور المليئة بالكالكسيوم البناءين القدامى على نحت المذبح  في قلب الجبل، تذكرت وجه والدها وحركات يديه قائلا أن هذه الكنيسة من عمر كنيسة بيت لحم، دارت بعينها منبهرة بروعة المكان، إلا أنها ظلت خائفة، فثمة شعور راودها بأن الأحجار الكبيرة التي تعلو الممرات ستسقط على الناس.

حين وصلت إلى المغارة التي آوت إليها العذراء وطفلها أخذت تتأمل الأيقونة الكبيرة لهما، وللحظة ساورها السؤال عن كيف يكون الرب طفلا رضيعاً، وهل كان ربا وهو يمارس أفعال طفولته، أم أن الألوهية لم تنزل عليه إلا ساعة تعميده بالماء؟ كانت تحملق في اللوحة ذات الألوان الزاهية وهي مغرقة في تساؤلاتها، للحظة شعرت أنها تجدف بهرطقات لا ينبغي لها أن تطلقها، فمالت لتقبض على الشمعدان القائم أمام الأيقونة المقدسة لتشعل شموعه.

ضمت يديها أمام عينيها طالبة من العذراء أن تنقذها، إلا أنها شعرت أن العذراء لن تستجيب لها، وأن أنطونيوس سيظل بعيدا، وأن تريزا تعيش معاناة ما في مكان غريب، لوهلة شعرت أنها غير مؤهلة للصلاة، فنهضت وأخذت تشعل شموعا أخرى، حتى أن الرف المعد للشموع المضاءة امتلأ، وبدا أسفل ايقونة العذراء أشبه بالنجوم المتلألئة في صفحة السماء الزرقاء، حين مرت بعينها على العذراء لم تشعر تجاهها بشيء، وما ان نزلت بطرفها على وجه المسيح في طفولته حتى وجدته يبتسم، لوهلة شعرت أنه أبنها، وانه يتحرك بداخلها كجنين، شعرت أنها بحاجة لأن تنجب طفلاً، وأن يكون من بطنها نسل يملأ الأرض بالخير، لم تشعر يوما أنها ترغب في الزواج والانجاب أكثر من هذه اللحظة، فبكت وجلست في مكانها تصلي.

كانت الأصوات المحيطة بالمكان قد بدأت تعلو، لم يكن علوها محض ضجيج فحسب، لكنه كان أقرب إلى شجار، لم تكن تعرف من أين أتت كل هذه الضجة، لكنها كانت شعرت أنها قريبة، ربما لا يفصلها عنها سوى جدار واحد، فمن أين تأتي الضجة، ومن هؤلاء الذين يختلفون في مكان مقدس.

 تتبعت الصوت حتى وصلت إلى صحن الكنيسة، حينها رأت منضدة بجانب الهيكل يجلس عليها يؤأنس غاضبا، وعلى الجانب الآخر أسقف علمت أنه ممثل الكنيسة الأم، وفي الوسط كان رئيس الدير الذي تكفل بإدارة الحوار بين المنضدة وجماعات تفرقت على الصفوف الخشبية في صحن الكنيسة، تطلعت إلى شعاع ضوء منكسر وهو يغزو المقاعد الخلفية ليسقط على وجه رجل بدا كما لو أنه أنطونيوس، تعجبت من وجوده في هذا المكان، وودت لو أنها تستطيع تخطى كل هذه الرؤوس للوصول إليه، لكن الأصوات التي تعالت جعلتها تفكر فيما اجتمعوا من أجله.

ما إن أخضع رئيس الدير الأصوات المتعالية للعقل والحكمة والعودة للهدوء حتى التقط ممثل الكنيسة المايكروفون موضحا أن البابا حزين لما يحاك ضده من مؤامرات، وأنه لديه غيرة كبيرة على الكنيسة، ولا ينتظر من أحد أن يعلمه مهمامه، لأنه منذ جلس في كرسي مرقس الرسول وهو لا ينام من فرط التفكير في هموم الأقباط ومشكلاتهم, ورغم آلامه المبرحة إلا أنه أصر علي سماع شعبه والتواصل معهم، ويؤلمه أن يعتقد ابن للكنيسة أنها تظلمه.

لم يتنتظر يؤانس أن ينتهي معضدو البابا من تصفيقهم، لم ينتظر أن يقدمه رئيس الدير للحضور، لكنه انتزع المايكروفون بغضب وهو يقول:

ـ أن الباب قال أنه يتشاور معنا حول قانون الأحوال الشخصية، ولم يفعل أحد ذلك، ولو فعل لرفضناه من اللحظة الأولى، لأنه هرطقة وخروج على الإيمان النيقوي، وما آمن به ديمتريوس الكرام حين حرم أوريجانوس وهرطقاته، مروراً بأثناسيوس الذي تصدى للأريوسيين وهرطقاتهم، وثاؤفيلوس الذي حارب الوثنية في كل مكان، هذا القانون يستحق أن ندعو المجمع المقدس كي يتخذ قراره بعزل ذلك الجالس على كرسي مارمرقس، لانحرافه عن صحيح الإيمان، فما بالنا ببدعته في صناعة زيت الميرون المقدس، واجترائه على إباحة الطلاق كالمسلمين، ورغبته في توحيد المعمودية مع الكاثوليك، وكأن ما حدث في مجمع خلقدونية عام 451 لم يحدث، وأن دماء الشهداء التي سالت على كل أرض هذه البلاد للحفاظ على الإيمان القويم، على مدار كل هذه القرون، لا معنى لها في عقيدته.

كانت دميانة تنقل عينيها ما بين يؤانس ووجوه الجالسين أمامه، رأت أنهم لا يقلون غضباً عنه، وما إن انتهى من حديثه حتى  هاجوا راغبين في التعليق، وأخذ رئيس الدير يطالبهم بالنظام، فقال ممثل لجماعة حماة الإيمان أن من يتعدد فى أسباب الطلاق كالمحرض على عبادة الأوثان والشذوذ، لابد من شلحه، ورفع أيقونة أثناسيوس هاتفاً "فى انتظار المجمع المقدس لشلح الهرطوقى"، فهتف كثيرون خلفه بشلح البابا، هنالك ارتسمت أمارات الراحة على وجه يؤانس، وطلب الكلمة من جديد:

ـ اليوم ذكرى نياحة عمود الدين كيرلس الأول الذى جاهد ضد نسطورس وبدعته، لكن الله لا يترك نفسه بلا شاهد ـ فى كل جيل ـ يثبت شعبه على الإيمان القويم، والكنيسة دائما فى سلام مالم يهيج الشيطان أحد خدام الكنيسة ليحرف الايمان، فيضطر القديسون أن يهبوا للدفاع عن صحة إيمانهم، ويصير فى الكنيسة انزعاج وانقسام وجدل، ويظن الناس أن المدافعين عن إيمانهم هم سبب الانقسام، ويتناسوا أن السبب هو الشيطان وخدامه من الهراطقة، وما أشبة اليوم بالبارحة، وما أحوجنا الآن إلى أثناسيوس العظيم وكيرليس عمود الدين وغيرهم من الآباء القديسين الذين حفظوا دين الرب من الهرطقات والبدع في زمانهم، ويحفظوا كنيسة الرب من الادعياء والمخالفين.

حين صفق غالبية من بالقاعة اغمض يؤانس عينيه بانحنائة رأس بسيطة، لكن بعضا من الشباب، حيث يجلس أنطونيوس متابعا بحذر ما يجري، هتفوا ضد من يريدون أن يشعلوا الكنيسة حرباً، هؤلاء الذين يديرون المؤامرات، كي تظل الكنيسة تحت قبضتهم، مدعين أنهم أتباع مثلث الرحمات، ومثلث الرحمات منهم برئ، مؤكدين:

ـ كنيستنا واحدة، وستظل دون انقسام أو احتياج لأحد.

بطريقة الساحر حين يقف على المسرح ويخرج من غطاء رأسه أرنب كبير، وقف يؤأنس أمام المنضدة وشكر الجميع على حسن ظنه فيه، ثم أخرج من طيات ثيابه كتاباً على غلافه صورة القديس أنطونيوس، ولوح به للشباب الهاتفين ضده، كانت دميانة تعرف هذا الكتاب، فقد حققت مع أنطونيوس بسببه، نظرت بعينها نحو الأخير في نهاية الصفوف فلم تجده، عادت بوجهها نحو يؤانس فوجدته يسأل الجالسين أمامه عن اسم الكتاب وصاحب الأيقونة، والناس تجيبه بأنه سيرة القديس أنطونيوس، لكنه يفاجئهم بنزع بعضا من صفحاته قائلا:

ـ ستكون ديانتكم جميعاً كهذه الهرطقات.

حين ينظر فيها الحضور يجدون أنفسهم أمام الرسالة الأولى من رسائل أوريجانوس للبابا ديونيسيوس، كان أوراق الكتاب وينثرها عليهم، قائلا بكل ما أتاح له سنه من غضب:

ـ هذا ما تطبعه كنيستكم الموقرة الآن، هذه الهرطقات ستقضي على كنيستكم، فاقرأوا كي تعلموا من أين تجيئكم الهرطقات.

حينها نهض الشباب الذين في مؤخرة الصفوف هائجين متهمينه بالتآمر، ونزل بعضهم من أماكنهم متجهين نحو المنصة بغضب واضح، فاشتبكت معهم جماعة حماة الإيمان وجماعة العظام الزرقاء وصخر الكنيسة، والتف طوال القامة حول يؤانس ليحموه، ويخرجوا به بعيداً عن المعركة التي دارت بالأيد والأقدام بين الجماعات المقدسة، في ذلك الوقت بحثت دميانة بعينها عن أنطونيوس، رأت ظله وهو يخرج من الكنيسة، وشعرت أن كلب السماء أخذ يلهث في أذنها، فانتابتها قشعريرة خوف واضحة، وتركت أقدامها تتسلل من بين الأيد والأقدام المتشاجرة لتلحق بأنطونيوس.

كان طوال القامة مشغولون بحماية يؤانس، مصطحبينه إلى مبنى الضيافة في الدير، بينما انتشر عدد ممن كانوا في صحن الكنيسة خارجها، كانت دميانة لا تعرف أين يمكنها أن تذهب بعيدا عن الكلب السماوي، رأت المساحات الواسعة تسحبها للنظر في البعيد،و بوابة الدير تفتح ذراعيها لها، تركت أقدامها ونفسها المقبوض يقودانها بحثا عن الهواء النقي، كانت تسمع الصوت السماوي وهو ينفلت من السلاسل التي قيدته، بينما أقدامها تتحرك على الرمل والحصى كما لو أنها تتقافز على سجادة من هواء، عبرت بوابة الدير وأسلمت نفسها للمنحدر المتجه إلى صفحة النيل، وكلما زاد تقوس الجبل وميل المنحدر كلما وجدت نفسها على وشك أن تطير، كانت دموعها تسيل وهي تصلي بداخلها مستنجدة بأنطونيوس، لم تكن تبتهل إلى الله ولا العذراء، لكنها كانت تنتحب من أجل أن يظهر أنطونيوس، حين ظهر بطوله الواضح ولحيته الكبيرة ومسوحه الطويلة كان الكثيرون يهتفون فيها بالتوقف، لكنها كانت كسهم انطلق من قوسه نحو هدفه المنشود.

******

8

رسائيل أوريجانوس

ـ 15 ـ

كانت أحوالي في قيصرية قد أصبحت طيبة، فقد ذاع صيتي أكثر مما كان عليه في الأسكندرية، وأخذ الكثير من القساوسة والأساقفة يجيء لسماع عظتي، بعضهم كان يسأل عن أمور لم يكن يعيها جيداً، وبعضهم كان يأتي لمحاورتي، لكن الغالبية كانت تجيء لتكون من التلامذة أو الأصدقاء أو حتى ممن التقوا بي وسمعوا مني، كنت أرى كل ذلك نوعاً من الوهم أو الحلم الذي سرعان ما سأستيقظ منه، فقد كان لدى ما هو أكثر منه في الأسكندرية، وكنت في يوم الرجل المقرب من الامبراطورة مامسيا، وكنت أنزل في ضيافة أساقفة روما واليونان، وكثيراً ما ذهبت في رحلات نائبا عن البطريرك، كل هذا في لحظة زال وانتهى، وصرت منبوذا من قبل الجميع، وأصبح على أن أدافع عن نفسي، صرت بلا وطن ولا بطريرك ولا كنيسة، فما الذي سيفيده لي مجيء العالم لينام أمام بيتي وأنا بلا بيت.

تركت بيتي للنساخ ولمريدي التعلم في مدرسة قيصرية، وانتقلت من جديد إلى البيت الذي اشتراه لي صديقي أمبروسيوس، كان بيتاً كبيرا ومتعدد الغرف، لكن الكتب التي حملها معه من الأسكندرية استحوذت عليه، ففيه مكتبة والدي، ومكتبتي التي كونتها بجهدي طوال سنوات في الأسكندرية، ومكتبة السيدة أوثاكا نيكيدا التي راعتني بمالها وعطفها في صباي، وحين حضرتها الوفاة أصرت أن تكون المكتبة التي طالما تركتني أبيت فيها إرثي منها، أما مكتبة أمبروسيوس فقد كانت مخطوطات بلا حصر، جمعها عن أبيه وجده، فضلاً عن جهده في جمع كل ما عن له.

 كانت السفينة التي نزل بها أمبروسيوس حدثا فريدا في قيصرية، فلأول مرة يرى الناس سفينة كل حمولتها من الكتب، حين فاجأني بالتلال التي أحضرها جلست أضحك حتى دمعت عيناي، وشعرت أنني لأول مرة أضحك منذ سنوات طوال، لم يكن أمامه سوى أن يبحث عن بيت ليضع فيه كل هذه الكنوز بشتى اللغات التي نعرفها، بينماعكف النجارون على صناعة أرفف تليق بكامل الجدران، حتى لم يبق مكان يقيم فيه، فما كان منه سوى أن تنازل مختاراً لي عن هذا البيت قائلاً أنه يريد أن يتزوج ويتمتع بالحياة، وليس لديه رغبة مثلي في حياة النسك، تفهمت رغبته في الاعتذار لي، وتعويضي بمكتبة عن مدينتي التي فقدت، فهززت رأسي مبتسماً وشاكراً في نفس الوقت.

كان أمر المكتبة حدث فريد، ويصعب على أن أتركها للحشرات كي تسكن فيها، لذا خصصت لها خادمين لرعايتها، وتركت لمن يريد القراءة أن يقيم ويقرأ، ولمن يريد أن ينسخ منها ما يشاء أن يجلس وينسخ، فصارت قبلة للكثيرين، حتى ظننت أن الناس ما كانت تأتي لأجلي، ولكن لأجل المكتبة وما فيها من معارف وعلوم، ولم أدرك حقيقة الأمر إلا بعدما وجدت الناس تجلس حيثما أجلس لتسألني، فأدركت أنني أستاذ اللاهوت ورئيس المدرسة، وأن المدرسة ليست سوى شخصي، فحيث ذهبت ذهبت معي، وحيث جلست تصبح المدرسة، وصار تلامذتي يرافقونني في سيري ومقامي طيلة الوقت، حتى أنني كنت أهرب منهم ومن الناس، وأبحث عن مكان أنام فيه، وكلما سمعت بمكتبة في مكان كانت أذهب إليها، فأطلع على ما فيها، ولا أخرج منها حتى أشعر أنني ألممت بكل ما تحتويه، فأتركها إلى غيرها، حتى أن أصحاب المكتبات كان يرسلون في استضافتي كي أقرأ ما لديهم، ويغرونني بكل جديد لم أطلع عليه، كي أذهب وأقيم ويجتمع الناس حولي هناك، ويبدأ النساخ في كتابة ما أمليه عليهم.

ظلت الحياة على وتيرتها الجيدة حتى جاء ماكسيميانوس التراقي إلى الحكم، وكما تعلم يا صديقي، كان مهووساً بفكرة محو المسيحية عن الأرض، هكذا قال لأعوانه ورجاله، طالباً منهم ألا يتركوا مسيحياً في شارع أو بيت، وأن يعذبوا الجميع حتى يقدموا الأضحيات لأرباب روما وآلهتها، في ذلك الوقت كان صديقي فرمليانوس الكيبادوكي قد أصبح أسقفا على قيصرية كبادوكيا قرب البحر الأسود، كان الرجل قد قطع المسافات الطويلة وجاء لأجلي في قيصرية فلسطين، فقررت الذهاب لتهنئته، ولم أكن نزلت كبادوكيا من قبل، وجدت كنيستها محفورة في الجبل، لم تكن وحدها التي نحتت في الجبال، فبيوت العامة والأغنياء أنفسهم حفرت في الجبال، وبدت لي في حد ذاتها آية رمزية إلى ملكوت الله الثابت، فتعجبت من سحرها ومتانة بنائها،  وصعوبة الوصول إليها، وقوة أهلها وبأسهم في البناء وإعمار المدن، أعجبتهم اشادتي ببلادهم، وأصروا أن أبقى معهم فترة لأعظهم، وليتعرفوا على رأي في بعض المسائل التي تحدث فيها السابليون وغيرهم، فرضخت لطلبهم، ويبدو أن القدير كان قد قدر لي أن أجيئهم في ذلك الوقت الذي أمر فيه ماكسيميانوس رجاله بسجن وتعذيب رجال الدين المسيحيين، وجعل الشعب كله يقدم الاضاحي للأوثان.

كانت أيام عصيبة، ولم يسمح لي فرمليانوس بالخروج من كيبادوكيا، فقد تفننوا في اخفائي عن الجنود والعيون، وكانت المدينة محض مغارات وسراديب محفورة في الجبال، ومن البدء يصعب الوصول إليها أو دخولها بقوات كبيرة، فكان الجنود يتجاهلونها كما لو أنها ليست موجودة، ما لم تكن هناك أوامر واضحة لهم بالقبض على شخص بعينه، ولا أعتقد أن أمري كان يهم الامبراطور إلى حد أن يرسل قوة لمطاردتي بين شقوق الجبال، لكنهم ألقوا القبض على صديقي أمبروسيوسوبروتوكتيتوس كاهن قيصرية، فوضعا في السجن وعذبا عذاباً شديداً، ومثلما أرسلت لوالدي في سجنه برسالة تحضه على الاستشهاد، ووضعت كتابي عن الاستشهاد في زمن اضطهاد الامبراطور ساويرس كي أحض الناس فيه على التمسك بالايمان والاستشهاد من أجل المسيح، فقد كتبت رسالة طويلة إلى أمبروسيوس وبروتوكتيتوس أوضح لهما فيها أن الاستشهاد هو أحد البراهين على صحة الحق المسيحي، بوصفه استمرارا لعمل الخلاص، فمثلما افتدى المسيح بنفسه البشرية من خطيئة آدم، فإن المستشهدين يفتدون إخوانهم بأنفسهم من عذاب الجبابرة الطغاة.

 في أيام بقائي في قيصرية كبادوكيا وصلت إلى فرمليانوس رسالة من اسطفانوس أسقف رومايحرّم فيها تعميد التائبين الراجعين إلى الكنيسة، كان فرمليانوس يقبل معمودية الراجعين إلى الكنيسة من الهرطقة ، كما يحدث في كنائس الإسكندرية وآسيا، وكان ترتليانفليسوف قرطاجة الشهير قد كتب رسالة كبيرة ضد قبول معمودية الهراطقة، رافضا عودتهم لكنيسة الرب، هذه الرسالة آمن بها اسطفانوس في روما، وأخذ يراسل الأساقفة في الشرق والغرب طالباً منهم ألا يقبلوا العائدين من الهرطقة.

عرض علىّ فرمليانوس الرسالة التي جاءته من اسطفانوس، ووقف الكبادوكيون ينتظرون مني ردا يكتبونه في رسالتهم إليه، فتعجبت من هذه القدرة على الحرمان من ملكوت الله، كما لو أن الرب جعلنا أبناءه كي نمنع الناس عن دخول ملكوته، فرفضت رسالة اسطفانوس، وقررت أن أكتب رداً على رسالة ترتليان، الذي لم يسلم من السقوط في هرطقة المونتانيين، فقد ادعى رئيسهم مونتانيوسأن النبي ليس أكثر من آلة موسيقية يلعب عليها الله، ومن ثم فما يخرج من فم النبي ليس كلاما بشريا، إنما هو وحي ورؤى إلهية، وزاد في الأمر فادعى أنه هو البارقليط الموعود به في الإنجيل، وأنه يتمتع بوحي الروح القدس الذي ينطق علي لسانه، وأخذ يتكلم بحالة من الدهشة والذهول أمام الناس كما لو أنه يتحدث برؤى إلهية، مما جعل أصحابه يحسبونه نبياً، هؤلاء المنتانيون وصفهماكلمندس بأنهم أنبياء كذبة، ووعد بتصنيف كتاب اسمه "النبوة" للرد على زعيمهم مونتانيوس وأفكاره، وكنا نتصور أن ترتليان ، الفليسوف والمفكر القرطاجي الشهير لن يسقط في حبائل مثل هذا المهرطق واتباعه، لكنه سقط فيها، ومن فرط حماسه وقناعته بها طالب بعدم قبول من لم يؤمنوا بها، بوصفهم مهرطقين،ثم مر الوقت لنجد اسطفانوس الآن يتبنى ترتليان، دون أن ينتبه إلى أن ترتليانخطأ قبل موته آراء مونتانيوس وتأليهه لنفسه.

هكذا قلت لفرمليانوس ومن جلسوا ينتظرون مني ردا على رسالة اسطفانوس، فكتب إليه منتقداً تدخله في شئون الكنائس الأخرى، ومطالباً إياه بالإلتزام بوحدة الكنيسة، كان رد فرمليانوس قوياً وقاسياً، دون أن يتطرق إلى مزيد من الجدل، أو إعلان رأي واضح، فقد سعى لغلق الباب سريعاً، دون شرح الأسباب والدوافع، وهو ما اعتبرته خطأ في الطرح، لأنه إذا كان يغلق باب الجدل فإنه أيضاً يغلق باب المنطق والعقل، والإيمان لابد أن يقوم على العقل والمنطق، فما يرفضه العقل ولا يقبل به، لايمكن اعتباره في صحيح الإيمان، لأن الله لم يخلق لنا رؤوساً كي نحفظ فيها أوامر ونواهي، ولكن للناقش سنة الكون ونتعلم من حكمته وبديع صنعه، والمنطق يملي علينا أن نفتح أذرعنا لكل شارد يرغب في العودة إلى كنيسته، فليس من العقل أن الله خلق الحياة لأجل أن يعذب البشر، ولا أن يتصيد لهم الأخطاء، ولكن لأن يدركوا أنه الإله العظيم القدير، ولو كان يترصد ويتصيد ما افتدى البشرية بنفسه، وما تجسد في هيئة بشري كي يكون مثالاً لهم في الفداء والرحمة، فهل يعقل أنه سيرفض الرغبين في العودة الى حظيرته؟ كانت هذه الأسئلة بداية ما تحدثت به في كبادوكيا، ورحت أعظ الناس بأن يفتحوا أيديهم للعائدين من الضلال، لأن الله لا يرغب في تعذيب البشر، لكنه يرغب في خلاصهم من الآثام والشرور.

******

9

كان من المفترض أن نخرج من الكنيسة ونعود من حيث أتينا، لكن أنطونيوس الذي عاد إليه حس قاطع الطرق فرد طوله بملابسه المتسخة ووقف في وجه أحد القساوسة المتعجلين في الردهات الداخلية قائلا:

ـ ماذا يفعل يؤانس هنا؟

لا نعرف هل تصور القس أن أنطونيوس يعرف شيئاً أم لا، لكنه رد عليه في نبرة ساخرة وهو في عجلة من أمره:

ـ غير مقتنع بالبابا.

كانت هذه الجملة كفيلة بأن ترفع قرون الاستشعار لدى أحمد ونائل إلى عنان السماء، ونظر كل منهما إلى الآخر موقنا أن ثمة خلاف على البابا الجديد، وربما تصل الأمور إلى حالة من الانشقاق أو السعى لشلحه من منصبه، شعرت أن كلا منهما مبالغ إلى درجة لا يمكن قبولها، فمنصب البطريرك منحته يد الرب لصاحبه، ولا ينتزع إلا بيد الرب من جديد، وليس من السهولة الحكم بخلعه دون مجمع مقدس، وهو الوحيد الذي في يده دعوة المجمع للانعقاد، لكن أنطونيوس أوضح أنه لا يوجد مستحيل، والعالم على حافة الجنون، وكل ما يحدث لنا هو جزء من تفاصيل لم نستطع إدراكها بعد.

قررنا في ذلك الوقت ألا نمشي مجتمعين وكأننا في حالة تجمهر، وأن نسعى لتلقط الأخبار عسى أن نفهم شيئاً مما يجري، اصطحبت نائل واتجهنا من جديد نحو مكتب أسقف التحقيقات، بينما رغب أنطونيوس في الصلاة بالكنيسة البطرسية، فاصطحب معه أحمد ليتعرفا عليها، حيث وقفا أمام الحوض الرخامي الذي في مدخلها، وتطلعا إلى صفي الأعمدة الكبيرة المحيطة بصحنها، وفيما جلس أنطونيوس يصلي أخذ أحمد يتأمل جدارية يوحنا المعمدان وهو يعمد المسيح في مياه نهر الأردن، واللوحات التي علت الأعمدة الرخامية، حيث قدم فيها الفنان الإيطالي بريمو بابتشيرولي حياة المسيح والرسل والقديسين، وحين وصل أحمد بخطاه على مقربة من الهيكل، حيث أيقونة المسيح الجالس على العرش وعن يمينه العذراء وعن يساره مرقس الرسول، سمع اسم يؤانس ينطلق بين اثنين من الأساقفة، فارخى سمعه لتتهادى إليه الكلمات المعبرة عن غضب يجتاح الكثيرين، فلا يمكن القبول بتوحيد العماد مع الهراطقة ، والكرازة ليست لعبة في يد أي من كان، ولابد من وضع حد لانتشار المهرطقين فيها.

 كانت الكلمات تتقطع وتتواصل، تخفت أحياناً وتعلو أحياناً، لكن الأسقفين كانا منغمسين في حديثهما بغضب، ظلا يتناقشان دون انتباه إلى أن ثمة من ينصت إليهما، وحين ظهر أحد طوال القامة بالباب، لمس أحدهما يد الآخر مومئاً بضررة تركه، فهز الآخر رأسه بالموافقة ثم اعتدل في اتجاه الهيكل وأخذ يصلي.

اتجه أحمد نحو أنطونيوس وجلس بجانبه قائلاً أن ثمة أمور غريبة في المكان، أنهى الأخير صلاته وخرج من الكنيسة ليلحق به أحمد، وبدءا في البحث عني أنا ونائل، كنا قد وقفنا أمام باب أسقف التحقيقات كما لو أننا في انتظار الدخول، لم نكن وحدنا المنتظرين، فكل من أخرجهم طويلو القامة ظلوا واقفين، رأينا أحد المطارنة يجيء مسرعاً وخلفه أسقف وقسيسان، أفسحنا لهم الطريق للدخول، تأكد لنا جميعاً أن الأمر سيطول،  انتحيت بقس كان بالداخل وخرج معنا، سألته عن الراهب الذي أخرجونا من أجله، قال أنه الأب يؤانس المسئول عن أمن الأديرة، ويبدو أن هناك مشكلة لديه. كان فضولي سيقتلي وأنا أتساءل عن إن كان للأديرة أمن، فنظر لي الرجل كما لو أنني أسعى لاستدراجه كي يفصح عن واحد من أسرار الكهنوت، حاولت أن أخبره أنني لا أعرف سوى الكشافة الذين يساعدون في الاحتفالات، فهز رأسه:

ـ الدنيا معقدة.

ثم نظر في الناحية الأخرى معبراً عن عدم رغبته في الكلام، أسفت على خيط الحديث الذي انقطع، وعدت بنظري أبحث عن نائل، كان قد أغلق كم قميصه على رسغيه وأخذ يلقي سمعه إلى كل ما يتهامس به الآخرون، تركته يرسل أذنه حيث يشاء وتفحصت المكان بحثا عن أحمد وأنطونيوس، حين رأيتهما قادمان من نهاية الممر المؤدي إلى الكنيسة البطرسية اتجهت للقائهما.

لم يمض كثير من الوقت حتى انفتح باب مكتب أسقف التحقيقات، وخرج يؤانس ورجاله وبعض القساوسة والأساقفة، لكن أسقف التحقيقات لم يكن من بينهم، ورفض القس المسئول عن مكتبه أن يدخل أحدا، فظل الناس واقفين أكثر من نصف ساعة قبل أن يفتح لهم الباب من جديد، حين عاد نائل إلى مدير المكتب ليسأله من جديد عن المحققة دميانة التي كانت دير الملاح بالبحر الأحمر، والتي لا يعرف أهلها عن مصيرها شيئاً، رفع الرجل حاجبيه سائلا:

ـ هل تقصد دميانة صلاح؟

ـ نعم

أغمض عيناً وفتح أخرى ثم نهض من مكانه قائلاً:

ـ انتظرني.

غاب مدير المكتب في غرفة أسقف التحقيقات دقائق بدت كالدهر، حتى أن أنطونيوس همس في أذن أحمد أنه مرتاب في الأمر، ثم جذبني من يدي لنكون على مسافة ونرقب ما يجري من بعيد، فنحن لا نملك أوراقا ولا حماية من أحد، وضعنا أنفسنا مع المنتظرين دورهم في الدخول، بعدها خرج المدير طالباً من نائل وأحمد مقابلة الأسقف، وسرعان ما عاد يسألهم:

ـ هل كان معكم أحد؟

 هز كلاهما رأسه بالنفي، فضغط لهما على أكرة الباب.

 وقفنا في الخارج ننتظر ما ستسفر عنه المقابلة، لم يكن لدينا أفكار كبيرة عما يجري، وكنا نتصور أن الأسقف سوف يعدهما بالبحث في الأمر، وربما يتصل بالدير لمعرفة الموقف، فبحثنا عن مكان نجلس في انتظار خروجهما، كان أحد القساوسة يحمل ورقة ملونة وبها كلمات بالانجليزية والعربية، حين رآني أتلصص على ما فيها ابتسم قائلاً:

ـ هذه مواقع الكترونية ضالة.

 لم أستوعب ما قاله، فراح يشرح لي أنها صفحات على الفيس وتويتر وغيرهما، لكنها صفحات ومواقع تهدف لهدم الكنيسة، فأصحابها يهاجمون البابا ويعترضون على سياسته، معترضين على قانون الأحوال المدنية، معتبرينه يبيح الطلاق كما يفعل المسلمون، حينها تدخل أنطونيوس سائلاً القس عن موقفه هو، فرد أن الطلاق ليس له علة غير الزنا، فما جمعه الرب لا يفرقه الإنسان، ولا يجب التحايل عليه. سألته إن كان يؤيد ما تقوله المواقع الضالة، فنظر نحوي بارتياب قائلا أنه لا يؤيد أي انشقاق في صفوف الكنيسة، فالمسلمون ينتظرون خطأ واحدا كي يدخلوا ويعبثوا في ديننا.

لم نرغب في إثارة غضب الرجل أكثر من ذلك، هو بدوره شعر أننا غرباء على المكان، وربما نكون من جهة ما تراقب وترصد، فجمع أوراقه وأبعدها عن تطلعي، فنظر إليه أنطونيوس وكأنه يتهمه بشيء ما:

ـ هل يؤانس هنا من أجل ذلك؟

لكن الرجل أغلق الباب كاملاً:

ـ أنا لا أعرف يؤانس ولا غيره.

هكذا قالها وهو ينهض من مكانه متجها نحو باب مدير مكتب أسقف التحقيقات، فتركناه ورحنا نتحدث عن الأسباب التي تجعل رجلاً كيؤانس يترك دير النساخ في الجنوب ليأتي إلى العاصمة، لكن أنطونيوس الذي شرد بذهنه انتبه فجأة نحوي قائلاً:

ـ دميانة!.

سألته عما يعنيه فقال أنه يشعر بوجودها، وهو أمر لم يشعر به منذ كنا في دير الزاوية، كان شعوره يزداد قوة وكأن شيطانا قد تلبثه، حتى أنه أخذ ينظر بعينيه كما لو أنه سيجدها واقفة أمامه، للحظة تصورت أن عقله قد شط، اوأنه أوشك على الجنون، لكنني بعد قليل تذكرت أنني شعرت بوجوده هو حين كنت في دير المحرق، فهل يمكن أن تكون دميانة هنا، وهل يمكن أن يكون يؤانس في الكاتدرائية من أجل دميانة، هل يمكن أن يكون يوساب ورهبانه طوال القامة على علاقة بيؤانس؟

كانت الأسئلة تتوالي على ذهني ويرددها لساني، بينما أنطونيوس ينصت ويشجعني بعينيه على أن أكمل، كنت أحاول أن أربط بين ما أقوله وما سمعته في دير الملاح، لكن جلبة حدثت إثر ارتفاع صوت أحد الزائرين صارخاً بأنهم يريدون قتله، وعلى الكنيسة أن تحميه منهم، لم نكن الوحيدين الذين ذهبنا لنستطلع ما يحدث، لكننا الوحيدين الذين وصلنا شعور بأن الخلافات ازدادت داخل الكنيسة، حتى أن الرجل أخذ يصرخ بأنه يريد مقابلة البابا، وأنه لن يتحرك من مكانه دون لقائه، مما اضطر القساوسة الذين تجمعوا للتعامل مع مشكلته أن يخبرونه أن البابا غير موجود، ولا أحد يعلم متى يمكنه أن يأتي، فقد دخل في نوبة اعتزال وتأمل بأحد الأديرة، ولا يمكن التنبؤ بمتى سيخرج منها.

ربما كان الرجل يعاني من هلاوس مرضية، وربما كان يعاني من تهديد حقيقي، فالسلفيين يضيقون على المسيحيين، والدواعش يستهدفونهم في سيناء، أما ما يجري في الجنوب فهو ما لايريد أحد الاعتراف به، وليس أمام المسيحيين سوى الصبر والاحتمال، أو مطالبة البابا بما لا يملك ولا يستطيع، فهل ساد الجنون الجميع، أم أن العالم مندفع للصدام بأقوى وأسرع مما يتوقع أحد، انسحبنا من الحلقة المضروبة حول الرجل، قائلين لأنفسنا أنه لا يريد البابا، لكنه يبحث عن يؤانس، فنظر لي أنطونيوس مؤكداً أنه لا يستبعد أن يكون يؤانس نفسه هو الذي أرسله، وأن هذا الفعل الجارح لهدوء الكنيسة لا يملكه غير رجل راغب في الصدام، فهل يؤانس يملك هذه القدرة، أم أنه نفسه مجرد مقدمة لرجل آخر ينام في الظل.

خرج أحمد ونائل من مكتب أسقف التحقيقات وأخذا يبحثان عنا، حين التقينا سألناهما عما حدث، قالا أن الدير لا يعلم عنها شيئاً، فحسب التحقيقات التي لديهم أن دميانة هي التي طلبت من رئيس الدير العودة إلى القاهرة لأن والدتها مريضة، حتى أن الأب يوساب أحضر لها باص، وقام بتوصيلها من غرفة إقامتها إليه، ومنذ ذلك اليوم والدير لا يعلم شيئاً عنها.

بدا أن الأمر يحتاج إلى جلسة لمناقشة ما سمعاه، ومطابقته مع ما شاهدته بنفسي وما جرى معي في التحقيق، قررنا الخروج للجلوس على أقرب مقهى للتفكير في الأمر، لكننا على البوابة التي دخلنا منها في الصباح وجدنا أمين شرطة يستوقفنا طالبا أوراق هويتنا، تساءل أحمد ونائل إنكان ذلك يحدث أثناء الدخول أم أثناء الخروج؟ فأجابه ضابط الأمن أن ثمة بلاغ بوجود شخص مجهول الهوية يسعى لعمل إرهابي، أخرج أحمد ونائل أوراقهما، ووقفت أنا وأنطونيوس لا نعرف بما نجيب، حاول أنطونيوس أن يرسم دور المتسول المجذوب، بينما وقفت أرتعد في جلدي بجانب نائل، وفي النهاية رفع الضابط عينه نحوي سائلاً عن أوراقي، فأجابه نائل بأنني ضيفه من أسيوط، وأنني نسيت أوراقي في البيت، فهز رأسه وسمح لي بالمرور، وحين جاء الدور على أنطونيوس، غير الأخير من صوته وزاد من اعوجاج فمه ويديه، متحدثا بطريقة غير مفهومه، فما كان من الضابط إلا أن أشار لمن معه بالقبض عليه، حاول نائل أن يتدخل، لكن الضابط غير ملامحه وهو يأمرنا بالخروج، فما كان من الجنود إلا أن اتجهوا نحونا ودفعونا خارج البوابة.

*****

10

عاد أثناسيوس إلى أرض الأسكندرية من جديد، وخرجت الجماهير الغفيرة لترحب بوجوده بينها، وكأنها كانت تبعث رسالة للامبراطور بأن أثناسيوس هو الذي يمثلها، وأن ذلك البطريرك الذي عينه لكنيستها لا يمثل سوى نفسه، دامت الأفراح نحو شهر كامل في شوارع المدينة العظيمة، وتفنن النحاتون والرسامون في عمل تماثيل وأيقونات للمسيح والعذراء والبابوات المصريين، تفنن الشعراء في نسج قصص عن أثناسيوس المنتصر ورحلته الطويلة، وجلس الأخير يستقبل في مقر الكنيسة الوفود التي جاءت إليه كما لو أنها ترغب في تجدد إيمانها على يديه.

كان أثناسيوس متعطشا لإعادة تعميد البلاد وفقا لقانون الإيمان النيقاوي، فلم يمض أسبوع على وصوله الأسكندرية حتى أقام القداس الإلهي في مسرحها الكبير بحضور نائب الإمبراطور وعدة ألاف من الرومان واليونان والمصريين واليهود المتنصرين، في هذا اليوم رسم أثناسوس عدداً من الشماسة قساوسة، وعددا من القساوسة أساقفة، وعمد الراغبين في دخول المسيحية، وعقد إكليل الراغبين في الزواج، ولم تمض أسابيع حتى دشن كنيستين بالمدينة، وأعلن عزمه على القيام برحلة للكنائس والأديرة البعيدة.

تركت أبانوب في دير الملاح ونزلت الأسكندرية بمجرد معرفتي نبأ عودة أثناسيوس، شعرت أن الروح ردت إلى، فلم أنتظر أن أركب بكرة أبانوب وهرولت من على المنحدر غير عابئ بالأحجار التي تملأه، كان في صحبتي راع تبرع بأن يحضر حصانه ليوصلني للمدينة، وأصر تلميذي جورجيوس على أن يصحبني، رافضاً أن أنزل المدينة وحدي، فجهز الراعي حصانين، حملني على واحد، وامتطى هو وجورجيوس الثاني، وظللنا نقطع المسافات حتى وصلنا الأسكندرية قبل نزول أثناسيوس من على سفينته إلى شاطئها بيوم واحد.

 التقاني الجميع بمحبة غامرة، والتقيتهم بوحشة لم أكن أتوقعها، فقد جعلنا الفرح في حالة من التسامي لا حدود لها، وانصهرنا في العمل من أجل خدمة الآخرين، حتى أن الراعي ظل عدة أسابيع غير راغب في العودة، أما جورجيوس فقد أبى أن يترك المدينة ويعود إلى الصحراء، قال أنه يرغب أن يتعلم فيها مثلما تعلمت، وأن يكون صدقاته بها مثلما كونت صدقاتي، فشعرت كما لو أن شيئاً مني ينمو أمامي، فودعنا الراعي وعدنا للعمل مع الآباء والأساقفة فيما كلفنا به.

ظللت أؤجل رغبتي في معرفة ما جرى مع أثناسيوس في أوربا حتى فاجأني برغبته في القيام من جديد برحلتنا نحو الجنوب، كان الأمر بالنسبة لي مفاجأة كبرى، فقد تصورت أن السنوات والأحداث قد باعدت بيننا، وأن هناك من هو أقرب إليه مني الآن، لكن الرجل ظل على عهده ومحبته، فأخذت في التجهيز للرحلة، ومن سيصطحبونا ومن سيبقون لأداء المهام الروحية، وألححت على أثناسيوس أن يرسل لنائب الامبراطور كي يعد حامية لحراستنا، لكنه رفض قائلا:

ـ كنت أتحرك في جبال أوربا بمفردي، فهل أصطحب حامية لحراستى في بلادي.

أبديت له تقديري لفكرته ومشاعره، لكنني كنت أدرك طبيعة الأرض التي سنتحرك فيها، فذهبت لقائد حرس حاكم الأسكندرية، وأخبرته بأهمية حماية البابا في رحلته ولو من دون علمه، ثم أرسلت لأبانوب أن يبعث لنا بخمسة من الرهبان القائمين على حماية الدير، وأبلغت أثناسيوس أنهم نساخ سنحتاجهم لكتابة العظات التي سيلقيها على الشعب.

 كانت القافلة مكونة منا وثلاثة قسوس والرهبان الخمس، وكان أثناسيوس يؤنبني كلما تأخرنا في حركتنا قائلاً:

ـ لقد صرنا كالملوك نسير في المواكب.

وكنت أضحك موضحاً أن هذه الأرض سقطت سبع سنوات كاملة تحت وطأة الأريوسيين، وهناك من فرحوا بعودته، وهناك من كظموا غيظهم، ولا بد من الحذر، فكان يسخر من حديثي قائلاً أنه لاحذر يمنع قدر، وكنت أسخر من نفسي قائلاً:

ـ وماذا لو علم أن رجال الحاكم يتابعوننا عن قرب ملابس عادية.

 كنت أعرف سيماهم على جسور النيل ومدقات الصحراء، كنت أشعر بأنفاسهم وهم يسيرون أمامنا أو خلفنا، لكني لا أحادثهم ولا هم حدثونني، ولا أخبرت أثناسيوس بأمرهم، ولا هو فكر في سؤالي عن شأنهم.

مررنا بعدد من الكنائس في طريقنا من الأسكندرية إلى منف، حيث ألقي أثناسيوس بعض عظاته ورسم قساوسة وأساقفة بكل منها، ثم صعدنا إلى الأشمونين، حيث الكنيسة الجديدة التي أمرت الامبراطورة هيلانة ببنائها على المغارة التي لجأت إليها السيدة العذراء وطفلها، وهناك رسم أثناسيوس رئيسها أسقفا، ورسم معه اثنين من تلامذته قساوسة، ثم صعدنا إلى لكيوبولس، وهي معقل الأريوسيين والميليتيوسيين، فعقد مجمعاً مقدساً أعاد فيه كل القساوسة والآباء الذين تم حرمانهم إلى كنائسهم وأديرتهم، وأكلمنا طريقنا نحو طيبة في الجنوب، حيث يعتزل الأب باخوميوس في الجبال، ومنه علمنا أن الأب أنطونيوس مريض في ديره، فعدنا إلى ليكوبوليس، ثم عبرنا الصحراء شرقا حتى وصلنا إلى دير الملاح، فارتحنا من سفرنا يوما بليلة، ثم أكملنا سيرنا نحو الشمال، فصعدنا للقاء الأب بولا في ديره، ولم نبت معه سوى ليلة واحدة، فقد كنا جميعا مشغولين بمرض الأب أنطونيوس.

 وجدناه يعاني من حرارة وعرق غزير، فجلس أثناسيوس بنفسه يطببه، وما أن استعاد وعيه حتى رسم ابتسامة واهنة كبيرة على وجهه، مخبراً أثناسيوس أنه كان يصلي لأجله طيلة الوقت، وأنه أرسل لنائب الامبراطور رسالة طويلة، اعترض فيها على تعيين بابا لا يعترف به الناس، لكن نائب الامبراطور كان مغلوبا على أمره، فأرسل معتذرا ولم يزد عن ذلك كلمة، وقال أنطونيوس أنه كان يجل يوسابيوس القيصري لما كتبه في سيرة أوريجانوس عن علمه وفضله، لكنه لم يستطع فهم موقفه لا هو ولا تلامذته الكبادوكيين الثلاثة، وقد أرسل إلى القيصري مدافعا عن أثناسيوس وصحيح اعتقاده في مواجهة اعتقاد آريوس، لكن الأخير وتلامذته كانوا قد قطعوا شوطاً طويلاً في طريقهم.

قاد أثناسيوس قداس الأحد في الدير، وصلى من أجل الأب أنطونيوس، وظل بجانبه حتى شعر أنه تعافى، فاستأذنه في العودة إلى الأسكندرية، وأخذنا طريقنا بمحاذاة الجبال القاسية نحو الشمال، حتى وصلنا إلى ميناء كليزما على خليج القلزم، ثم جزنا ناحية الغرب حتى مررنا بتييس، وهناك رسم أثناسيوس أسقفا وقسيسين، ثم أكملنا الطريق نحو الأسكندرية.

تصورنا أن الحياة قد أعطتنا وجهها الحسن، لكن لم تمض شهور حتى علمنا بمقتل الامبراطور قسطانس صديق أثناسيوس وحاكم الغرب، على يد ماجنتيوس حاكم روتيا، وهو أحد قادة جيشه، لكنه تمرد عليه وقتله في إقليم الغال، قيل أنه اغتصب إبنة أخت قسطانس وقسطنطينوس حاكم الشرق، وأنه أعلن نفسه إمبراطوراً على الغرب، فلما علم قسطنطينوس بالأمر قطع حربه مع الفرس وعاد بجيشه إلى روما، وفي الطريق انضم إليه كثير من حكام الغرب، وعلم ماجنتيوس أن روما مالت لقسطنطينوس، فتركها وذهب لبلاد الغال، فتبعته جيوش قسطنطينوس، ودارت الحرب سجال بينهما، فلما طالت اتصل قسطنطينوس بقادة جيش ماجنتيوس، ووقف الأخير ذات صباح يلقي خطبة في قلعة مورسا، فإذا برجاله يهتفوا بحياة قسطنطينوس، فتركهم وففر بمن بقى معه منهم إلى أقصى بلاد الغال ، وهناك انكفأ على سيفه منتحراً.

كان الأريوسيون في استقبال قسطنطينوس فور عدودته من حربه على الفرس، فأوعزوا له أن أثناسيوس شريك في قتل أخيه، فهو صديق ماجينتيوس المتمرد، وقد أرسل له طالبا الخلاص من قسطانس، وحرض الأساقفة في فلسطين على التمرد، وعقد مجمعا هناك برئاسة مكسيموس أسقف فلسطين،بغير إذن الامبراطور ، ورسم أساقفة وقسوس في أبرشيات خارجة سلطانه.

جعلت هذه الوشايات قسطنطينوس يعلن الحرب من جديد على أثناسيوس وأتباعه، فأمر بنفى  بول أسقف القسطنطينية، وأوصى الجنود الذين أصطحبوه لمنفاه في كبادوكيا بقتله في الطريق، وعين للقسطنطينية أسقفاً أريوسياً ملأ السجون بالكثير من المؤمنين، لا لشيء سوى أنهم ليسوا أريوسيين، وخلع مارسيللوس أسقف أنقرة من منصبه وعين بدلا منه مجرما يدعى باسيل، وأمر بأن يلقي بلوسيوس أسقف أدرينوبل في السجن، وأن تعلق في عنقه الرقيق سلسلة ثقيلة من الحديد، فمات فى سجنه، أما أثناسيوس فقد نزلت الجند للقبض عليه ونفيه، لكن الشعب رفض، ودارت معركة في الكنيسة بين الناس والجنود، معركة راح ضحيتها الكثيرون، وكان أثناسيوس رافضاً لفكرة الهروب، إلا أن رهبان أبانوب خلعوا عنه زيه، وألبسوه رداء راهب منهم، وخرجوا به في أثناء الشغب والحرب الدائرة بين الجميع، واختفوا عن العيون مدة قبل أن يتجهوا به نحو الجنوب.

تخلص الإمبراطور من أعدائه وتفرغ لأثناسيوس، فأمر أساقفة الشرق والغرب بعقد مجمعين في آرل وميلان لعزله ونفيه، فتحمل بعضهم عذاب السجن والنفي، بينما رضخ أخرون موقعين على وثيقة بعزل أثناسيوس، هذا الذي احتمى بشعبه، وظل هارباً في صحبة الرهبان الخمس مدة ست سنوات، يتنقل من دير إلى آخر،  حتى وصل إلى مغارة على بالقرب من ليكوبوليسفي جبل غرب النيل، فأقام بها ومعه الرهبان الخمسة، يملي عليهم سيرة الأب أنطونيوس، كما يملي دفاعاته عن صحيح الإيمان، ورسائله إلى أساقفة مصر والمدن الخمس والحبشة، وتأملاته وتفنيده لأخطاء الأريوسيين، والرهبان يكتبون وينسخون، والناس يعادون الأسقف جورج الكبادوكي الذي عينه الامبراطور لهم حتى هرب من الأسكندرية، ويأتون من كل طريق ودرب ليجلسوا أسفل مغارة أثناسيوس في الجبل الغربي، طالبين منه أن يمنحهم رسائله التي تعينهم على صحيح الإيمان، فكان النساخ ينسخون عظاته ويعطونهم إياها، وكلما طلبوا منه أن يشرح ما غمض فيها عليهم، كان يقول لهم:

ـ اذهبوا لرفائيل على هضبة الملاح.

*******

11

ظهر كلب السماء لدميانة حين سمعت يؤانس يهدد بأنه سيتخذ موقفاً من كل ما يجري، وأنه لن يسمح بمرور قانون يتيح الطلاق لأسباب غير الزنا، لأنه التفاف على قانون الإيمان النيقوي، وخروج على صحيح الدين.

 لم يكن صوت يؤانس الوحيد الذي تعالى في الكنيسة، فقد رد عليه آخرون بأنه ينفخ في نار الفتنة، ويريد أن يجعل الأقباط دولة داخل الدولة، خالقاً شبح الخوف ليظل مهيمنا على الجميع..حينها صمت يؤانس وقرر الخروج من الكنيسة، وبدا عليه أنه بلغ أعلى درجات الغضب، فضغط على فكيه ونهض من مكانه خارجاً، دون أن يلتفت لأي من الأصوات التي راحت تصرخ أو تشرح، حينها عوى الكلب السماوي، وشعرت دميانة بلهاثه في أذنها، وأدرك أن عليها أن تترك المكان قبل أن ينشب مخالبه في جسدها.

 لم تكن تعرف إلى أين تذهب، حشرت نفسها بين جموع الخارجين من الكنيسة وفرت إلى الفضاء الواسع، هنالك شعرت أنها قادرة على التنفس، فملأت رئتيها بالهواء، وتركت لأقدامها حرية التجول في الدير، لم يكن لديها خطة للهروب، ربما لم تكن تفكر في ذلك من الأصل، فقد كانت ترى يؤانس هدية السماء التي أنقذتها من الشرور، كانت تراه جدها الذي لم تره يوماً، جلست تنصت لماضيه وأسراره مصدقة كل كلمة فيها، ولم تر فيه كل هذه السطوة والقوة، كان بالنسبة لها الوجه الآخر من المناضل صلاح مترى، لكنه اختار العمل في الصحراء، العمل على حراسة الثغور والقلاع البعيدة، فأمضى حياته في البحث عن شباب لتدريبهم على حماية الكنائس والأديرة، كانت تراه الرجل الذي أحاط نفسه بكثير من الأساطير كي يحتمل الكثير من الهزائم في الحياة، لكنها لم تتخيل أنه قادر على مناوئة البابا، واتهامه بالتحايل على قانون الإيمان، وربما السعي لإسقاطه وتنحيته

ما أن خرجت دميانة من الكنيسة حتى خفف الكلب السماوي من عوائه، فالتقطت أنفاسها شاعرة أنها أصبحت في أمان، لكن ما إن اقتربت من باب الدير حتى شعرت بمخالبه تخمش في الأرض، ونباحه ينطلق في الهواء، فارتجفت في البدء بخفة، وسرعان ما تحركت كما لو أنها ريشة تمر من الباب، دون أن يلتفت الواقفون لمرورها، وما أن وجدت منحدراً يؤدي إلى الوادي المنحصر بين النهر والجبل حتى تركت نفسها تنحدر معه، رأت على البعد أنطونيوس يقود نعاجه ناحية النهر، فدفعت بأقدامها تجاهه كقطرة ماء تنحدر على وجه ورقة خضراء، لكن أنطونيوس لم يكن يسمع لهاثها تجاهه، وظل يقود نعاجه نحو السفن العابرة، فظلت تندفع خلفه كسهم انطلق من قناته، منادية عليه، حتى توقف صوتها في فمها، فبكت من عجزها، وهرولت أكثر لتلحق به، وكلما اقتربت من الماء نادى عليها الناس أن تتوقف، لكنها لم تكن ترى سوى أنطونيوس، ولم تكن تسمع إلا غنائه العالي خلف النعاج، حتى وجدت نفسها في الماء، وأنفاسها تتقاطع، بينما جسدها ينزل ويصعد على مرأى من الجميع.

 بطريقة رجل مدرب على إنقاذ الآخرين، اتخذ ربان سفينة سياحية عابرة عدة خطوات قبل أن يقفز كسمكة كبيرة في الماء، وما أن شعر بها تجذبه معها إلى أسفل حتى ضربها على رأسها ضربة أفقدتها وعيها، وسحبها نحو السفينة ليحملها مساعدوه إليها.

ساعدها على خروج الماء من جوفها، وراح يسألها عن اسمها وسبب رغبتها في الانتحار، لكنها ظلت صامتة لا تتحدث، وكلما توالت عليها الأسئلة كلما زادت حالة الخوف والخرس التي انتابتها حين هاجمها الرهبان وحاصرها السلفيون، حتى أوشكت السفينة على دخول بني سويف، وفكر الربان في أن يسلمها للشرطة كي تعيدها إلى أهلها، لكنها حين بذلك حتى انتبهت، واخذت تتجاوب مع من حولها، فأخبرتهم أنها كانت نائمة وتحلم بأن ذئبا يجري خلفها، وأن القاهرة هي وجهتها.

تبرعت بعض السيدات على السفينة بمنحها ملابس عوضا عن ملابسها المبتلة، وأنزلها الربان في غرفة مساعده كي تبيت فيهاحتى الصباح، وحين وصلت  إلى القاهرة مع شروق الشمس أصر الأجانب على التواصل معها بوصفها عروس النيل، وتركوا لهاأرقام هواتفهم وعناوينهم الإلكترونية، بينما اعتبرها الربان جنية البحر، ومنحها هاتفه وبعضا من المال كي تصل لأهلها بأمان.

لم يكن معها مفتاح لتدخل، ضربت جرس البيت عدة مرات قبل أن تفكر في الذهاب لجارتها سيمون، فاجأتها الأخيرة أنتريزا محتجزة في معهد ناصر، وأن قريها أنطونيوس وزميله ذهبا في الصباح إلى الكنيسة الأملمعرفة سبب اختفائها، فقد قلق الجميع وتصوروا أن شيئاً حدث لها، فطمأنتها دميانة وأخذت منها المفتاح الذي تركه أنطونيوس وزميله لها قبل خروجهما.

كان آخر ما يمكن أن تتوقعه دميانه هو أن يأتي أنطونيوس إلى بيتها، فما الذي أتى به، وكيف جاء؟! هكذا سألت نفسها قبل أن تلاحق سيمون بعشرات الأسئلة عن اسمه وشكله  وملامحه، حتى أن سيمون شكت في أن يكون الرجل لصاً أو قاطع طريق، فتركتها ودخلت شقتها باحثة عما يؤكد صدق ما سمعته، لم يكن هناك غير ملابس الرهبنة التي خلعها أنطونيوس، حين أمسكتها بيدها تصاعد إليها عطر لم تكن تشمه إلا حينما يدخل أنطونيوس إلى غرفة التحقيقات، هزت رأسها موقنة آنه آن لمحنتها أن تنتهي.

كان لابد أن تذهب للاطمئان على تريزا التي تجلس بين الحياة والموت على سرير في معهد ناصر، تركت الماء الساخن يناسب على جسدها وهي تفاضل بين صورتي تريزا وأنطونيوس، ارتدت ملابسها وأخذت ما معها من نقود وهرولت على السلم، وما أن انطلق بها التاكسي حتى شردت في السبب الذي جعل انطونيوس وملاك ينزلان من هضبة الملاح إلى بيتها، وراحت مشاهد الدير وشخوصه تمر على ذهنها حتى توقفت أمام يوساب ورهبانه طوال القامة، تذكرت أن نفس الآلة التي شكلت هؤلاء الرهبان هي التي شكلت رهبان يؤانس، وأنهم هم الذين اعتدوا على أنطونيوس في الدير، وأرادوا الخلاص منها في الطريق بعد خروجهم من الدير، تذكرت أطوالهم وصمتهم وحركتهم الرياضية الجافة، وأنهم لا يختلفون عن الذين قدموا استعراضهم أمام يؤانس على جبل الطير، تذكرت أن يؤانس قال بالأمس أنه سينزل غدا في الصباح للبابا في كنيسته، ولابد أنه الآن برجاله في الكنيسة الأم.

لا تعرف ما الذي جعلها تتذكر سيمون وهي تخبرها أن أنطونيوس وملاك ذهبا للكنيسة، حينها شعرت بمخالب كلب السماء تخمش في حقيبة التاكسي، سمعت صوته يزوم وعواءه يتعالى، ووجدت نفسها تطلب من السائق أن يغير طريقه إلى الكنيسة الكبيرة، وكلما أبطأ في سيره كان الكلب السماوي يضرب مخالبه في مسند الكنبة، السائق ينظر إلى جسدها الذي يرتجف خلفه، موقنا أنها موشكة على الصراخ من الألم، فيزيد من سرعته ليسابق الريح قبل أن تنفجر الصراخات منها، ما إن وصل إلى قرب الكنيسة حتى أعطته ما معها وهرولت لدخول المبني الذي طالما دخلت وخرجت منه، عبرت من جهاز الكشف عن المعادن ووقفت لا تعرف إلى أين تذهب، في البدء بحثت بعينها عن أنطونيوس، لكنها حين لمحت واحدا من طوال القامة أدركت أنها في خطر، ولابد أن تتحسس خطاها، مبتعدة عن الأماكن التي يقفون فيها كي لا تضع نفسها في أيديهم.

لم تمض دقائق على دخولها من البوابة الإلكترونية حتى شعرت أن كلب السماء هدأ وتركها تنقل عينيها بين الناس، حين أدركت أن عليها أن تدخل إلى مكان بعيد لم يأت على ذهنها غير مكتب أسقف التحقيقات، لكنها حين قطعت الردهة المؤدية إليه شعرت بزمجرة الكلب السماوي، ورأت على البعد راهبين أو ثلاثة من التابعين ليؤانس، حاولت أن تقترب من التجمهر الموجود أمام المكتب لكن فاجأها تدافع الناس وخروج يؤانس غاضباً، كان رجاله يسرعون من أمامه ومن خلفه، يدفعون الناس بأيديهم فاتحين له طريقاً آمناً كي يمر من بينهم، شعرت أن عليها أن تختفي من المكان، فتركت أقدامها تصعد أول سلاسلم وجدتها في طريقها، أحنت رأسها بخشوع وتضرع حين فاجأها عدد من القساوسة في طريقهم إلى الأسفل، سمعتهم يتحدثون عن يؤانس وما يثيره من مشكلات، قال أحدهم أنه يجب على البابا أن يصدر قرارا بحرمانه، فلا ينبغي أن يتركه يثير الرعب في نفوس المؤمنين، وقال آخر أن الكنيسة لم تعد مكاناً مقدساً، فقد باتت تدخلها الأسلحة، لكن أحدهم رد بأن الرجل لم يخطئ، فالمجمع المقدس هو الذي جلب لنا كل هذه المشكلات، وإن حرمه البابا فإنه لن يعدم أن يجد من يقف وراءه ليحرم البابا، وربما ينشيء كنيسة مختلفة.

ما إن سمعت دميانة تلك الكلمات وتخيلت ما قد يحدث شعرت بقشعريرة تسري في بدنها، وارتجف جسدها فجأة كسمكة خرجت من الماء، ولم تجد أمامها غير متابعة ارتقاء الدرجات، حين انتهى السلم وجدت نفسها في ساحة خالية من كل شيء عدا غرفتين متجاورتين في البعيد، لم يكن في الساحة سوى كرسي وحيد يجلس عليه أسقف عجوز ممسكاً بعصا كبيرة في يده تنتهي بالمسيح المصلوب، اقتربت أكثر لتتطلع إلى العجوز النائم بعيدا عن كل ما يجري من حوله، شعرت أنه مثلها يبحث عن مكان يمضي فيه ما بقي من سني عمره بعيدا عن الصراع والهموم والملاحقة، كانت دهشتها كبيرة حين اقتربت أكثر وتعرفت على وجهه ولحيته الطويلة ويده الكبيرة التي تظهر عروقها كخارطة أسفل الجلد، إنه الأسقف الكبير، هكذا قالت لنفسها وهي تعيد النظر إلى ملامحه من جديد، حتى وجدته يفتح عينا ويترك الأخرى مغمضة كأنه لا يريد الخروج من عزلته، وقفت غير قادرة على الكلام، رغم أن عشرات الأسئلة كانت تجتاح رأسها، حين رآها متحيرة ولا تعرف من أين تبدأ عدل رأسه  وفتح عينه الثانية، وأطلق ابتسامة وادعة من بين ثغره قائلاً:

ـ لماذا جئت؟

ارتسم على وجهها شبح ابتسامة وهي تحاول أن تبحث عن إجابة سريعا في رأسها، لكنها لم تجد، فعادت تبتسم وهي تستجمع أعضاءها وأنفاسها، متذكرة أنها تبحث عن أنطونيوس الذي تشم رائحته في كل مكان هنا، لكنها لا تراه:

ـ أبحث عن صديق.

هز الأسقف رأسه متنهدا:

ـ جميعنا نبحث عن أصدقاء.

انتظر أن توضح زائرته شيئاً جديداً، لكن صمتها طال، فرفع حاجبه الأيسر قائلاً:

ـ أين تركته؟

شعرت دميانة أن الرهبة قد فارقتها، وأنها يمكنها أن تتحدث على طبيعتها:

ـ لم أتركه، لكننا افترقنا في دير الملاح، أنا محققة وهو راهب، وهناك من حاولوا قتلي واتهامه بذلك، وها نحن نحاول أن نفهم ما يجري معنا.

ندت عن الأسقف ضحكة هادئة:

ـ وفهمتِ؟

ـ للأسف، كلما تصورت ذلك وجدت الدائرة تتسع، والخيوط تتشابك، فأتوه حتى عن نفسي.

خرجت كلماتها كمدفع رشاش بطيء، مدفع لا يريد أن يتوقف، لكن لديه رغبة في تأمل كل كلمة يقولها، كان حزنها واضح وهي تترك ما بداخلها يعبر إلى الخارج، بينما الأسقف يجلس مصغيا في انتباه شديد، حكت له عما جرى معها منذ تكليفها بالتحقيق في دير الملاح وصولاً إلى هروبها من يؤانس، وأوضحت عدم رضا الأخير عن قرارت المجمع المقدس، ورفضه لقانون الأحوال الشخصية وتوحيد المعمودية، حين انتهت من كلامها أشار إليها أن تقترب، ثم وضع يده على رأسها ناظراً في عينيها:

ـ هل تحبين أنطونيوس؟

لمعت عينها بضوء من الفرح، كما لو أنه كشف عن سرها، فهزت رأسها ولم تفتح فمها.

ـ الرب القدير يصنع ما يريد... ربنا لا تدخلنا التجربة.

هكذا رفع عصاه وأشار إلى وجهها، ثم أومأ لها بالنزول، فتسحبت أقدامها نحو السلم، ثم توقفت لتسأل عما يجري، لكن الأسقف كان قد عقد يديه على عصاته، وأغلق عينيه سارحاً في ملكوت الرب، ففهمت أن منحتها انتهت، وأن عليها أن تذهب لتكمل طريقها بحثا عن أنطونيوس.

*****

12

رسائل أوريجانوس

ـ 16 ـ

انتهى اضطهاد ماكسيميانوس، وعدت من قيصرية كبادوكيا إلى قيصرية فلسطين، حيث تلقاني أصدقائي  أمبروسيوس وتيوكتستوس وألكسندر، قالوا أن رسالتي إليهم في السجن أسعدتهم كثيراً، وأن وصولها أعطاهم القدرة على تحمل التعذيب، فقد ألقوا بهم في أقبية مظلمة أسفل الأرض، وتركوا عليهم الأفاعي والفئران والبوم والخفافيش، كان الرعب يأكل أرواحهم أكثر من ضربات الجلادين وآلاتهم المحمية في النيران، وسط كل هذا الظلام كان بعض الجنود مسيحون، لكنهم لم يعلنوا عن مسيحيتهم، هؤلاء هم الذين أوصلوا رسالتي إليهم، لا أعرف كيف تم التوصل إليهم، ولا كيف تمت مخاطبتهم دون أن يكتشف أمر من خاطبهم، وكان وصول رسالتي لأمبروسيوس في عمق هذه الأقبة المظلمة دلالة على أن الرب معهم، وأن ما بينهم وبينه ليس سوى الشهادة، فكانوا كلما عذبوا أيقنوا أنهم منتصرون، فإن لفظوا أنفاسهم دخلوا ملكوت الرب، وإن ظلوا على قيد الحياة حملوا الأمل والقوة لمن سيأتي بعدهم.

مررنا على كثير من تلامذتي في بيوتهم وأماكن عملهم، كنت مصراً على القيام بتلك الزيارة إليهم، أباركهم وأصلي وأمسح على رؤوس من تحملوا التعذيب، مؤكدا مكانتهم عند الرب، أما من جبنوا وقدموا أضحيات للأوثان فقد كنت أصلي لأجلهم، وآمرهم بحمل أضحيات أكبر إلى مذبح الكنيسة، هكذا وعظت أمام القساوسة والأساقفة، وقلت أن هناك من يرفض توبة المذنبين وغير المعترفين، هؤلاء لا يسمع لهم، ولا يأخذ بعظاتهم، فالرب لم ينزل ليخلص البشرية من خطيئتها كي نحرم أبناءه من الخلاص، الرب أعظم من أن يرد الراغبين في دخول حظيرته، حتى عبدة الأوثان إن تابوا فإن الرب يقبلهم، وعبدة الأوثان الذين لم تبلغهم دعوة الرب فإنهم في ملكوته، أما من تصلهم دعوته ويرفضونها فهؤلاء هم المحرومون من الملكوت، وأمرهم في مشئة الله، إن أراد قبولهم قبلهم، وإن رأى رفضهم رفضوا، وليس لنا أن نحكم في أمر الرب، ليس لنا سوى أن نبلغ رسالته لمن لم يعرفها، ونذكر المؤمنين بالعظات كي لا ينسوا ولا يضلوا.

كنت أرى في بعض الوجوه تغيراً، البعض لم يكن يرغب في أن يتساوى مع الذين قدموا أضحيات للأوثان، والبعض يصر على أن عبدة الأوثان مبعدين عن الملكوت الإلهي، ولا يمكن قبولهم فيه، وكنت وأهدهد على الأكتاف موضحاً أننا لا نشترط على الله شيئاً، فلا نقيده بإيماننا، ولا نغل يده عن تخليصه لبقية البشر مما هم فيه، لكننا فقط نفرح بأن خلصنا من الشرور، وضمن لنا بقائنا يوم الدينونة في ملكوته، وضربت لهم مثلاً بأنه لو كان للسماء كلباً تطلقه على المؤمنين كي لا يضلوا الطريق، فهل في ذلك فضل للمؤمنين على السماء، أم أنها هي التي تتيه بفضلها عليهم لأنها أرسلت كلبها ليلزمهم الطريق الصواب؟، ظللت أشرح الفكرة مرات ومرات حتى قبل الناس أن يغفروا للجنود وعبدة الأوثان وكهان المعابد أنفسهم، موقنين أنهم بغفرانهم لهم يعملون عمل الرب، وليس ملائكة الجحيم.

كان الجنود قد دخلوا مدرسة قيصرية وفتشوا فيها عني، ثم أخذوا كل من وجدوه هناك، أما المكتبة فقد وجدوا فيها أمبروسيوس فألقوا القبض عليه، وسألوه عني فأدعى أنني ذهبت إلى أثينا، لم يصدقوه وبالغوا في تعذيبه، لكنه رفض أن يعود إلى الوثنية من جديد، وقال لي أنه كان على وشك أن يضعف ويلين لولا أن سلمه أحد الجنود رسالتي، وتركه يقرأ فيها على ضوء شمعة حتى الصباح، ثم أخذها منه ليوصلها إلى تيوكتستوس، حين مررنا على المدرسة شعرت بالحزن عليها، فقد حولتها النيران إلى جدران متهدمة، لكنني حين ذهبت إلى المكتبة ورأيت ما حدث فيها شعرت أن قلبي سيتوقف، فقد أظلمت الدنيا ولم أعد قادراً على الوقوف، قالوا أنها ظلت مدة أسبوع كامل مشتعلة، وأن السكان القريبين منها تركوا منازلهم وذهبوا إلى منازل أخرى خشية أن تنتقل النيران إليهم، هكذا أتت النيران على آلاف الكتب والمخطوطات، أتت على مجهود سنوات وإرث استلمته من عائلات، أتت على كتبي وكتب والدي وكتب أمبروسيوس وكل من عرفتهم، كانت أعمال بلغات مختلفة، ومخطوطات نادرة لا يوجد منها إلا في المكتبة الجديدة بالأسكندرية، في النهاية أخذني أمبروسيوس إلى بيته الجديد، وقال أننا سنقيم هنا إلى أن نعيد ترتيب الأمور.

ظللنا نحو ستة أشهر نرمم المدرسة والمكتبة وبيت أمبروسيوس الذي نهب بالكامل، ودعا تيوكتستوس وألكسندر المؤمنين للتبرع لترميم الكنائس، هكذا عشنا نجمع تبرعات من الناس كي نصلح ما أفسدته يد البطش والجبروت، حتى عادت الأماكن إلى سابق عهدها، لكن ما فقد لم يعد كما كان، فضلت أن أقيم حيث كانت المدرسة، في ذلك البناء الصغير المكون من حجرتين وباحة صغيرة، وتركت مكان المكتبة ليكون مدرسة، كان ذلك تعديل غير مرض لأمبروسيوس، لكنني أصررت عليه، وفاجأته بأنني أفكر في أن أنفذ ما قاله للجنود عني حين اعتقلوه، حين بدت عليه علامات عدم الفهم شرحت له أنني أريد الذهاب إلى أثينا، لم يكن في ذهني أكثر من أنني أريد أن أرد على بابا روما اسطفانوس بشكل ما، لكنني لم أشأ الذهاب إلى روما كي لا يصبح تعديا على سلطاته الروحية هناك، لذا فكرت في الذهاب إلى مدينة لها نفس القيمة والمكانة، ولم يكن هناك غير أثينا.

كان على قبل أن أشرع في تنفيذ رحلتي أن أدعم إعادة بناء كنيسة قيصرية، فقد اقترح على تيوكتستوس أن ألقي بها عظاتي يومي الجمعة والأربعاء، هززت رأسي وفهمت ما يرمي إليه، حيث يمكنني أن أحث الناس على تقديم أضحياتهم لمذبح الرب، والتبرع لله ببعض ما لقيصر، فأخذت أتردد على الكنيسة في هذين اليومين، بينما يجيء الناس للاستماع إلى العظات التي كانت تطول من الصباح حتى ما بعد الظهيرة، كنت أرد على التساؤلات، ثم أبدأ في تفسير الكتاب المقدس، كنت أشعر أن الرب يفتح علي بعبارات لم أستخدمها من قبل، فأتحرى الدقة في استخدامها قدر ما أستطيع، حتى إذا عجز ذهني عن الوصول إلى الكلمة الأكثر تعبيرا عما أريد قوله كنت أتوقف عن الشرح، وأطلب من الحاضرين أن يصلوا لأجل أن يلهمني الرب الكلمة المناسبة، ودائماً ما كان الله معي، يوفقني لما أريده، والناس يفرحون بحالتي، وعدم خجلي من أنني لا أعرف، فكانوا يدعونني بالأمين في كل شيء.

ما أن انتهينا من إعادة بناء الكنيسة حتى أعلنت لتيوكتستوس عن رغبتي في الذهاب لأثينا، حيث سألتقي بأسقفها وأهديه نسخة من كتابي "المبادئ" و"هكسابلا"، كان المبادئ بالنسبة لي هو الأهم، وكنت أود له الانتشار في تلك البلدان والأسقفيات البعيدة، ففيه لم أكتف بالرد على المهرطقين من الغنوصيين وغيرهم، لكنني حددت طريق الإيمان بوضوح، فلم يعد يكفي القول بأن الدين القويم ليس كذا ولا كذا، فقد بات من الضرورة أن نقدم للمؤمن تعريفاً وطريقة إيمانية واضحة، وهو ما أخذت على عاتقي عمله في الأجزاء الأربعة لهذا الكتاب، فخصصت الجزء الأول للحديث عن الواحدانية وروحانية الله، موضحا خطأ مرقيون وغيره من الغنوصيين في تمييزهم بين إله العهد القديم وإله العهد الجديد، كما تحدثت عن الثالوث المقدس وعلاقتهم بالخليقة، أما الجزء الثاني فقد تحدثت فيه عن العالم المادي وخلقة الإنسان كنتيجة لسقوط الملائكة، وذهبت إلى أن الإنسان هو روح ساقطة وليس جسداً مادياً، وفي الجزء الثالث تحدثت عن اتحاد الجسد بالنفس، وأن ذلك يعطي فرصة للجهاد والنصرة، وأن الملائكة تساند الإنسان في هذا الجهاد، بينما الشياطين تقاومه، مما يشعر الإنسان بالحيرة، ولا يحسم الأمر بين الملائكة والشياطين سوى إرادة الإنسان واختياره، وهو ما ينفي فكر الغنوصيين عن عدم حرية الاختيار، أما الجزء الرابع فقد خصصته للتعاليم الأساسية للمسيحية، وفيه تحدث عن الكتاب المقدس بوصفه مصدر الإيمان، وعن الوحي وتفسيراته الحرفية والأخلاقية والروحية.

كنت أريد لهذا الكتاب أن يأخذ صداه، لأنه يخاطب العقل، ويشرح المبادئ الأساسية للإيمان بالله، ويعطي الإنسان القدرة على الاختيار وحرية الإرادة، ولا يجعله مجرد عبد تابع بلا قوة ولا منطق، فالله لم يخلق البشر كي يكونوا عبيداً ولا أنعام سائمة في الفراغ، ولكن منحهم التكليف عبر العقل، وسيحاسبهم على اختيارهم وليس اختياره، وإلا فإنه يقدم على فعل ينافي المنطق ذاته، ويلغي قدرة الإنسان على الاختيار والعمل، وينفي دوره في مجاهد الشرير والانتصار عليه. كنت متحمساً لأن أجعل الانسان مركز الفعل وليس رد الفعل أو تابع لارادة ينسبها الغنوصيون للرب، لكن حماسي هذا لم يلق قبولاً كبيراً لدى أساقفة اليونانين، فقد بدا عليهم عدم القدرة على فهمه، وفي الوقت الذي تحمس له كثير من القساوسة فقد شعر كثيرون أيضا أن فيه خروجات لم يألفوها.

كانت بثينية رقعة مقدسة بالنسبة للآباء الأوائل، لذا حرصت على زيارتها، والإلتقاء باساقفتها وقساوستها، هؤلاء الذين استقبلوني استقبالا حافلاً، وأقاموا قداس شكر لوصولي بلادهم، وأصروا على أن ألقى عظة من على منبرهم، تركوني أعظ من الضحى حتى الظهيرة، والناس تطلب المزيد، حتى شعرت بالحرج أن أطيل أكثر من ذلك أمام الأساقفة، فصليت شكرا لمجيء إلى بلادهم، وفي الوقت الذي أهديتهم فيه كتابي "المبادئ" و"هكسابلا" أشرت لهم أن اضطهاد ماكسيميانوس أتى بالحريق على المكتبة التي وضعت فيها كل كتبي، فما كان منهم إلا أن جمعوا لي من كل كتاب لديهم نسخة، فتحصلت على مكتبة وضعتها في صناديق من الخشب على ظهر السفينة قبل أن أكمل مسيرتي إلى اليونان،

 تركت بيثينية ولدى مشاعر فرح وحبور، فقد تعامل الجميع معي بإجلال، وحين شرحت لهم ما أردت الوصول إليه في المبادئ تلقوه بمحبة واضحة، بعضهم قال أنني بذلك أقطع الطريق على المهرطقين وأوضح قواعد الإيمان القويم، لكن في أثينا تغير الموقف من الفرح بحضوري إلى بلادهم، والصلاة شكراً لوجودي بينهم إلى حالة من القلق تجاه أفكاري، فاضطررت أن أجعل أيام بقائي بينهم معدودة، وعدت بما لدي من كتب إلى قيصرية موقناً أنني بحاجة إلى رحلة جديدة لبلاد جديدة كي أشرح ما قدمته في المبادئ، وكانت بلاد العرب هي الفكرة التي طرحها تيوكتستوس بدلاً من الذهاب إلى الشمال.

******

13

كان من المفاجئ لنا أن نجد دميانة واقفة أمام الكنيسة الأم تبحث عن شيء ما، كنا قد خرجنا خلف الجنود الذين أخذوا أنطونيوس محاولين إقناعهم أنه برئ، ولا شيء ضده، لكنهم لم يلتفتوا إلينا، في النهاية أخرج أحمد كرنيه نقابة الصحفيين من حافظة أوراقه وقدمها للضابط، فتوقف الأخير باهتمام واضح لسماع شكوانا، إلا أنه في النهاية أبلغنا أنه لا يستطيع أن يترك أنطونيوس إلا إذا أبلغه الضابط المسئول عن أمن الكنيسة بذلك، فهم الذين اشتبهوا به وأبلغونا بالتحفظ عليه، حينها قررنا العودة لمكتب الأمن في الكنيسة، كي نقنعنهم ببراءة أنطونيوس، لكن المفاجأة التي ألجمت لساني أنني وجدت دميانة أمامي، كانت عيناها زائغتان كما لو أنها تبحث عن شيء ضائع، حين رأيتها لم أصدق أن الدنيا صغيرة إلى هذا الحد، فقد رأيتها من قبل في دير الزاوية، فما الذي أتى بها إلى هنا وفي هذا الوقت، لم أعرف ما الذي يمكنني أن أتحدث به، فأخذت أشير لأحمد ونائل بأنها هي، لكنهما لم يفهما ما أريد قوله، وأنا لم يسعفني لساني بنطق أكثر من كلمة هي، وفي النهاية ذهبت لأنظر في وجهها عن قرب كي أتأكد أنني لا أحلم ولا أهذي، وجدتها تنظر لي قائلة:

ـ ملاك!

هنالك اتسعت الابتسامة المندهشة على وجهي، وشعرت أنني سأطير من الفرح، وكأنني أتأكد لأول مرة أنها حية، وأن كل ما قيل عنها محض هلاوس نثرتها الشياطين في رأسي، أجبتها بأنني ملاك بشحمه ولحمه، وأن الواقفين بجانبي هما صديقان لي ولأنطونيوس، فوجدتها تتجاهل كل ذلك سائلة عن الأخير، بلعت غصة مرت في حلقي وأجبتها بأنه هنا، لكن الأمن يشتبه به، وعلينا الذهاب لملاقاة الضابط كي يأمر بالافراج عنه.

توجهنا إلى مكتب الأمن سألين عن الضابط المسئول، كان شاباً في الأربعين من عمره، تركنا وأخذ ينظر إلى دميانة، سألها عن اسمها فترددت قبل أن تقول "أنجيل"، استند بظهره إلى الكرسي وأغمض عينيه كما لو أنه يبحث عن اسمها وصورتها في ذاكرته، في النهاية فتح عينه:

ـ هل التقينا من قبل؟

أجابته بالنفي، وقبل أن يحول اللقاء الى تحقيق معها تدخل نائل وسأله عن سبب احتجازهم أنطونيوس، فقال لأننا نشتبه فيه، وهو لا يحمل ما يثبت هويته، وعلينا إذا كنا مهتمين بأمره أن نسرع بإحضار أوراقه، قبل أن تأمر النيابة بسجنة.

 تركناه وخرجنا موقنين أن أنطونيوس وقع في بئر عميق، وعلينا أن نترك المكان قبل أن يتهموننا بأننا خلية إرهابية، فلا أنا ولا دميانة لدينا أوراق تثبت هويتنا. فوقفت أنا وهي بعيدا عن عربة الترحيلات، وأخذنا ننظر إلى أحمد ونائل وهما يحاولان محادثة الضابط بها، لكن السيارة الكبيرة أغلقت بابها وأخذت في مغادرة المكان.

بكت دميانة وهي تعرف ما جرى لأنطونيوس بعد اختفائها، وأصيبنا بالوجوم ونحن نسمع منها ما جرى لها، وكيف فرت من يؤانس ورجاله حتى أتت لتجدهم هنا، ظللنا ننصت بدهشة وهي تبكي تارة وتضحك أخرى، حدثتها عن رؤيتي لها في دير النساخ، لقائي مع يؤانس، شهادتي على أنطونيوس بأنه المرشح الأول لقتلها، كنا نحكي كما لو أننا نعيد ترتيب الأوراق التي اختلطت علينا، وكان نائل وأحمد متحمسين لكتابة ما نقول، لكن دميانة رفضت أن ينشر أي منهما شيئاً عما جرى، قائلة أن هذا الأمر مسألة قبطية، شعرت أن وجوههم تغيرت، وأنهما على وشك الانسحاب، لكنني أصررت على بقائهما، موضحاً أننا لا حماية لنا سواهما، فنحن بلا أوراق ولا طعام ولا مال، فضحكا ونسيا ما قالت.

كنا قد اتخذنا تاكسي واتجهنا من فورنا إلى مبني قسم الشرطة الذي ستصل إليه سيارة الترحيلات، لكننا وصلنا أسرع منها، فبحثنا عن مقهى نجلس عليه، وبحث نائل عن مطعم اشترى منه عدة سندوتشات، وما بين الطعام والحكي وصليل الملاعق في أكواب الشاي جلسنا ننتظر مجيء أنطونيوس، وما أن ظهرت السيارة الكبيرة حتى تركنا نائل وأحمد على المقهي وذهبا ليسألا عن أنطونيوس، إلا أن نائل عاد بعد قليل طالبا منا أن نعود إلى البيت، فقد هرب أنطونيوس وهم يبحثون عنه الآن بوصفه إرهابياً، أسقط في أيدينا، ولم نملك سوى أن نترك المكان.

 كان من المفترض أننا سننزل في محطة سانت تريزا، لكن دميانة أخبرتني بأنها لم تزر والدتها إلى الآن، فاضطررنا لتغير وجهتنا إلى معهد ناصر، حيث صعدنا لغرفة العناية المحتجزة بها تريزا، لكنهم أبلغونا أنها خرجت منها في الصباح، ويمكننا رؤيتها في الغرفة.

ما إن دخلت دميانة الغرفة حتى ألقت نفسها في حضن أمها وجلسا يبكيان، بدا لي أنهما في حاجة لهذا البكاء، فتركتهما ينزفان ما بداخلهما من ألم، ورحت أمشي قدمي في الردهة المرصعة بالرخام، شعرت في تلك اللحظة أنني أضعف شخص في العالم، فلا أهل لي ولا بيت ولا أوراق هوية، شعرت أنني مجرد شبح، وإذا اختفيت لن يسأل أحد عني، لأنني كما قال يوساب ذات يوم، غير مثبت في أي ورق لدى الحكومة، تمنيت لو أن أحمد ونائل موجودين لأسألهما عن كيفية استخراج مثل هذه الأوراق لرجل لا أوراق له، وتوصلت مع نفسي إلى أنني يمكنني أن أقتل أي شخص وأسرق أوراقه، لكن دميانة وأمها ضحكا على الفكرة كما لو أنهما لم تضحكا من قبل، ودعت عليّ تريزا لأنني سأوقف قلبها من الضحك، شكرتهما وطلبت ألا يشغلا نفسهما بمشكلتي، لكن دميانة فاجأتني بتعاطفها معي، قائلة أنني يمكنني أن أستخرج أوارق هوية من نوع جديد، كانت لهفتي على معرفة كيفية ذلك كبيرة، فسألتها عن ذلك، غير أنها ضحكت قائلة:

ـ تنشر كتابا وتضع عليه اسمك وصورتك. 

حينها شعرت أنها تسخر مني، وقلت لها أنها لا يشغلها سوى مشكلة أنطونيوس وحده، فوجدت وجهها قد أظلم، وساد الصمت بيننا، ولم أعرف كيف يمكنني أن أعالج ذلك، فخرجت للوقوف أمام الباب، وتكفلت أمها بالحديث معها، بعد قليل جاءتني  قائلة أنها حين تنهي مشكلة أنطونيوس سوف تستخرج لي شهادة ميلاد ورقم قومي، لكن الأهم من ذلك هو المسألة القبطية، فكل ما جرى يجب تدوينه، كل ما حدث في دير الملاح منذ نشأته حتى وقتنا الراهن يجب إثباته في كتاب يحمل اسمك وصورتك، فهذا الكتاب هو الهوية التي يجب أن يراك عليها الجميع.

*******

14

كانت الرسائل بيني وبين أثناسيوس لا تنقطع، يسألني عما يجري خارج المغارة التي لجأ لها، وأنا أسأله عما يقصده في بعض ما يمليه على النساخ، فقد تحول دير الملاح إلى مكان مزدحم بالمريدين، ونشأ درب في الصحراء الشرقية يربط ما بين الجبل الغربي في ليكوبوليس وجبال القلزم، حيث نشطت الخطى ما بين الديرين، فلا وقت لدى أثناسيوس ليعظ المريدين، ولا يأمن على نفسه حال جلوسه للغرباء المتوافدين، ولولا معجزة من المسيح حدثت له لكان قد تنيح منذ شهوره الأولى في المكان، فقد فرح أحد المؤمنين بمعرفة مكانه، وأخبر الناس عنه فتوافدوا عليه، فما كان من أحدهم إلا أن أبلغ حامية الامبراطور في ليكوبوليس، فجاء قائدها للقبض عليه، لكنه دعا الرب أن يحميه وأهل دينه، فنزل الغمام على الجبل، وجاء الجنود فلم يجدوا شيئاً، حتى أن قائدهم اغتاظ من الرجل الذي أبلغه الخبر، فأمر بصلبه وقتله، كان من الممكن لولا مشئة الرب أن يقتل أثناسيوس في هذه الواقعة، أو يعذب عذاباً لا قبل له به، لكن الله القدير حماه بمعجزة تخصه.

ولأن الدير لا يتسع للأعداد التي أخذت تتوافد عليه، فقد تركت شجرة ديمتريوس على الهضبة ونزلت بجوار أشجار الزيتون التي غرسها أبانوب أسفل الهضبة، وشرعت في شرح الكتاب المقدس على النحو الذي قدمه أوريجانوس في كتبه وتأملاته، لم يكن يؤمن بفهم الناس على نحو ما هو موجود في الكتاب، كان يقول أنه لا بد من إعمال العقل والمنطق، فالله لا يقول كلامه مباشرة في كل الأمور والأحوال، لكنه تارة يشير وتارة يومئ، وعلى القارئ أن يكون واعياً بالحالات التي تجيئ عليها الآيات، الله لا يريد من شراح كتبه أن يكونوا ببغاوات تردد ولا تفهم، لكنه يريد عقولاً تستوعب قبل أن تتحدث.

كان الناس ينجذبون لهذه الطريقة في الشرح، ويؤمنون بأن الله كلفهم بالعقل، ومن ثم تقع عليهم مسئوليات الفعل، ولو كانوا مجرد ناقلين دون إعمال للوعي لأصبحوا حيوانات لا تجوز عليها المساءلة، وما كان الله بحاجة إلى تخليصها مما هي فيه. لاحظت أن شرحي يجذب من كانوا على طريق أريوس، مثلما يجذب من هم على طريق أثناسيوس، فتجنبت إعلان الخلاف مع الأريوسيين، وقلت لنفسي أن أوريجانوس رفض عذاب المخالفين والمرتدين والوثنيين، فكيف لي أن أركز على حرمانهم، وهل جاء الله ليخلص البشرية ويدخلها ملكوته أم يتفنن في حرمانها وتعذيبها، فنشطت في قبول كل من يرغب في الجلوس إلى مجلسي، وتحاورت مع كل من أراد السؤال عن شيء في الدين أو الفلسفة، ولم أفصل بينهما، قلت أن العقل هو ميزان التكليف، فإن تنافي الدين مع العقل فسد من تلقاء نفسه.

كان أبانوب قد جهز رجالاً من قبله ليكونوا في الأسكندرية، فيطلعونه على كل جديد هناك، أما تلميذي جورجيوس فقد آثر أن يبقى في الكنيسة الكبيرة كي يكون على اطلاع بكل ما يجري من البابا الجديد جورج الكابادوكي، ويراسلنا بكل جديد هناك، فهو أسقف أريوسي عنيد، أخذ على عاتقه تغيير ديانة المصريين بالقوة، وما كان المصريون ليستسلموا ولا أن يقبلوا ديناً غير دين آبائهم، فتحملوا أذاه وسجنه وتعذيبه وأساقفته وقسوسه، لكنهم لم يخضعوا له، وهاجموه في كنيسته وبين رجاله، وفشل الجنود في حمايته أكثر من مرة، حتى أنه أضطر للهروب من الأسكندرية، تاركاً البلاد بلا بطريرك سوى أثناسيوس المختفي في أديرة الصحراء.

 كنا نرسل لأثناسيوس بكل جديد حيثما كان، فقد كان يتنقل من دير لآخر ومن مغارة لأخرى، لا يصحبه سوى رهبان أبانوب ومن في مثل أمانتهم عليه، ورسائله تذهب إلى كل الأساقفة والكنائس والرؤساء، فكتب مقالاته ضد الأريوسيين، ورسائله لسيرابيون أسقف تمى، وخطاباته عن الروح القدس، وكتابه المجامع، وعبر البحر من جهة الغرب إلى سردينيا في الشمال، رغم أن الامبراطور قنسطانطيوس كان جادا في طلبه.

ظل أثناسيوس مختفيا حتى مات قنسطانطيوس، وتولي من بعده يوليانوس امبراطوراً في روما، فأمر بعودة المنفيين لبلادهم، هنالك أظهر أثناسيوس نفسه، وعاد إلى كرسيه من جديد، وبصحبته لوسيفر أسقف كلاديوس، وأوسابيوس أسقف فرشيلي، اللذين كانا منفيين بالصعيد، ثم عقد في العام التالي مجمع القديسين والمعترفين، فكل من حضروه كانوا في المنفى والسجون، وتصور الجميع أن الأسكندرية فرضت كلمتها على الكل، وشعر يوليانوس بخطورة ذلك، فأرسل لنائبه على الأسكندرية موضحا أنه أمر بعودة المنفيين إلى بلادهم فقط، وليس إلى كراسيهم، فثارت ثورة الشعب، ورفضوا ابعاد اثناسيوس عن كرسيه، لكن ذلك لم يضعف يوليانوس، ولم يجعله يتراجع، بل أرسل قرارا جديدا بنفي أثناسيوس إلى خارج بلاده، فاعتبر الشعب الدفاع عن بطريركه قضية حياة أو موت،ورفض أن يصل الجنود إلى أثناسيوس، واختبأ الأخير في مقبرة أبيه ستة أشهر، حتى تمكن من الفرار إلى الحنوب، ومن هناك عبر  طريق الرهبان إلى هضبة الملاح، حيث أقام معنا نحو عام لا يعرف عنه أحد شيئاً.

كان قد أرسل لى في دير الملاح بأنه لا يعرف أين يمكنه أن يذهب، فقد ضيق الرومان عليه المداخل والمخارج، ولم يعد يأمن على نفسه، فالعيون قد كثرت من حوله، وجدت أبانوب يتساءل عن السبب الذي يمنعه من المجيء إلى دير الملاح، فهو آخر الأماكن التي يتوقع الرومان مجيئه إليها، قلت أن الدير صغير، ويمكن تفتيشه في دقائق، وليس له امتداد في الصحراء كي يتمكن الهروب فيه، فكيف يمكننا أن نخفيه عن الجنود إذا حضروا، قال أنه بالفعل  كذلك، لكن لا يمكن اقتحامه، فليس له سوى مدخل واحد عبر مخر السيل، وإذا صعد الجنود إلى الهضبة، وقلبوها رأساً على عقب، فلن يجدوا غير الذي نريدهم أن يجدوه، فللملاح معجزاته.

 حين تساءلت مندهشاً عما يعنيه، أخذ بيدي ودخل إلى الكنيسة التي أقيمت على مغارة الملاح، حيث دفن بها رفاته ورفات اللبؤة وأشبالها، دخلنا إلى المذبح ثم عبرنا الباب الفاصل بينه وبين المقبرة، كان المكان مظلماً،وبالكاد يظهر القبو الذي الذي فيه جسد الملاح وبجواره القبو الذي وضع فيه رفاة اللبؤة وأشبالها، كانت رائحة الرطوبة والظلام يكادان أن يصيبا صدري بالاختناق، لكن أبانوب أحضر شعلة أضاءت المكان:

ـ ما رأيك ؟

عدت بنظري إلى المغارة وقد امتلأ جوفها بقطع من الأحجار والصخور، فأبديت امتعاضي من أن نستضيف بطريرك الأسكندرية في مقبرة، وإن كانت الظروف قد أجبرته على اللجوء لمقبرة أبيه، إلا أنه لا ينبغي لنا أن نفعل ذلك، ترك أبانوب الشعلة في يدي ودخل في عمق الكهف، والكهف يضيق وينحني أمامهحتى جلس على قدميه، ثم نبش بعضا من الرمل والحصى الموضوع في نهايته، فظهر ممر أشبه بسرداب في باطن الجبل، نام على بطنه وزحف بخلفيته كقط يتراجع إلى الوراء، حتى أنه اختفى عن عيني، فتقدمت بالشعلة حتى رأيته في نهاية السرداب يرفص بقدمه حجراً، حين سقط الحجر من مكانه تهادى إلى نور ونسيم ووشيش بحر، بينما اختفى أبانوب من ولم أعد أراه، غير أنني سمعت صوته يناديني أن أترك الشعلة، فأسندتها على قبر الملاح وزحفت في السرداب حتى وصلت  مغارة أكبر وأوسع من جهة البحر.

ـ كيف توصلت إلى هذه؟

 هكذا سألت أبانوب، فأجابني:

ـ في إحدى المرات التي غاب فيها ديمتريوس بخلوته أعلى الجبل، تصورنا أنه تنيح دون أن نعرف بأمره، فأخذت بعضا من الحبال والرهبان وتسلقنا الجبل، لكننا ضللنا المكان الذي اعتاد ديميتريوس الاعتزال فيه، وظللنا نفتش عنه حتى وصلنا إلى قمة الجبل، فأخذنا نشاهدون البحر العظيم وهو يتدفق من أسفل القلزم الشامخ، ذاهلين عما يجري حولنا، حتى أن قدم أحد الرهبان زلت من على الصخر، وبدلاً من أن يسقط من فوق الجبل إلى الماء في الاسفل تعلق جسده بنتوء في الجبل، وكان علينا أن ننزل لننقذه، فتعلقنا في الحبال التي معنا ونزلنا حتى وصلنا إليه، وبينما نربطه في الحبال كي يجره الرهبان إلى أعلى، إذا بأعيننا تقع على تلك المغارة، فنزلنا إليها مرات ومرات، وفكرنا في موقعها والمسافة التي تبعدها عن مغارة الملاح، وفي نهاية الأمر فكرنا في حفر سرداب يربط بين المغارتين، ورحنا نجرب إمكانية الحفر في الصخر، حين اتضح لنا أن الأمر ممكن عدنا إلى قبر الملاح، وذهبنا عمق مغارته، وأخذنا في الطرق على الصخر وتفتيته، حتى استطعنا أن ننقب سردابايربط بين المغارتين.

جلست وأثناسيوس في المغارة التي على البحر أكثر من عشرة أشهر، أكمل خلالها كتابه عن القديس أنطونيوس الذي تنيح بعد شهور من زيارتنا له، وأكلمت قراءتي لرسائل أوريجنوس التي كان يرسلها للبابا ديونيسيوس، لكن الحظ لم يسعف الأخير في قراءتها حال وصولها، فقد كانت تصل إلى دانيال شقيق أوريجانوس، هذا الذي لم يستطع أن يصل إلى ديونيسيس في منفاه، فما كان منه إلا أن أخذ يحتفظ بها حتى كونت لديه ما يشبه الكتاب، فسلمها لناسخ وأخذ منه مقابلها مبلغاً من المال، فمان كان من الناسخ إلا أن عمل عليها ليل نهار، حتى أن نسخها وأصبحت منتشرة أكثر من الكتاب المقدس ذاته، فوصلت إحداها إلى ديونيسيوس في منفاه، فلما قرأها بكى، وحين فكر في أن يرسل في دعوة أوريجانوس للعودة إلى الأسكندرية، كان المرض قد اشتد به، وانتقل من قيصرية إلى صور، وهناك انتقلت روحه إلى الأمجاد السماوية، فبكي ديونيسيوس وبكت الأسكندرية وربما العالم المسيحي ككل.

لم نكد نصدق ما أرسله لي تلميذي جورجيوس، فقد كتب قائلاً: مات الأمبراطور يوليانوس وتولى الامبراطور جوفنيان، وورد من الأخير خطاب لنائبه في الأسكندرية يطلب منه الاعتذار رسميا إلى البابا أثناسيوس، ويعيده إلى كرسيه البابوي، ومن ثم فالأسكندرية كلها الآن تبحث عن البابا أثناسيوس ولا تعرف طريقه. حين قرأ أبانوب الخطاب علينا كدنا أن نطير من الفرح، وودت لو أخبر جورجيوس أن اثناسيوس لدينا في دير الملاح، لكن أثناسيوس رفض قائلاً أنه لا ينبغي أن يعرف أحد بهذا المكان، فلا أحد يعرف تقلبات الزمن. أمنا على كلامه، مستسلمين لرغبته في أن يعود سراً إلى الأسكندرية مثلما خرج منها، وهناك يحتفل به الشعب كما يريد.

كان جوفنيان يعرف قدر أثناسيوس، وكان أميل إلى قانون الإيمان النيقوي، فأرسل لنائبه مؤكدا على عودة المنفيين جميعاً ليس إلى بلادهم فقط ولكن إلى كراسيهم أيضاً، فشعرت الأسكندرية أن عصرها الذهبي قادم، وأخذ الناس يحتفلون بعودة أبيهم إليهم، وزاد في الفرح وصول دعوة جوفنيان إلى أثناسيوس لزيارته في روما، فأسرع أثناسيوس بعقد مجمع مقدس أعاد فيه التأكيد على قانون نيقية الأول، وأرسله خطابات لمختلف الكنائس والأديرة بلائحة الإيمان القويم، وأن من يخرج عنها فقد خرج عن صحيح الدين.

ركب أثناسيوس البحر واتجه إلى روما حيث كان الامبراطور جوفنيان في انتظاره، فاستقبله في احتفال مهيب كواحد من أعظم بابوات الأسكندرية والعالم، وطلب منه أن يقود القداس الإلهي الذي حضره الامبراطور ووجوه دولته ورجاله، ثم عاد إلى الأسكندرية على ظهر سفينة محملة بالهدايا لشعب الأسكندرية، لكن لم تمض أسابيع قليلة حتى مات جوفنيان، وتولي من بعده الامبراطور فالنتينيان، وسرعان ما ولى الأخير أخاه فالينس على القسم الشرقي من الامبراطورية، وكان فالينس أريوسياً متعصبا، فأرسل منشوراته لمختلف أنحاء الأمبراطورية بعودة جميع الأساقفة الذين نفاهم يوليانوس إلى أماكن نفيهم من جديد، فحمل أثناسيوس رحله ونزل إلى أعماق الدلتا ليقيم بين الفلاحين في بيت ريفي صغير.

كان أثناسيوس في هذه المرة منكسرا ومستسلماً إلى أبعد الحدود، فلم يشأ أن يقاوم أو يخالف الأمر، لم يكن راغبا في مزيد من التصعيد، ربما لأنه اقترب من السبعين، وربما لأنه روحيا كان قد ضعف، ولم يعد قادرا على ركوب الأمواج العصية، لكن شعب الأسكندرية كان على النقيض، فقد رفض أن يكون مجرد تابع لهوى الأباطرة الذين يتعاقبون على روما والقسطنطينية، رفض أن تحدد له دينه أهواء الجبابرة الذين لم ينظروا يوماً في وجه فلاح بسيط، فخرج المصريون رافضين القبول بأي بطرك تسوقه الأمبراطورية، وحين أمر فالينس بعود جورج الكابادوكي إلى كرسي الأسكندرية لم يمكنه أحد من دخولها، وظلوا يطاردونه في الشوارع حتى عاد برجاله من  حيث أتى، وفي الطريق قتله الوثنيون الذين طالهم ظلمه، وظلت الثورة مستمرة في الشوارع أشهر طويلة، فشلت خلالها قوات الرومان في قمع المتظاهرين، حتى أن الامبراطور فالنتينيان أرسل إلى أخيه في القسطنطينية آمرا بعودة أثناسيوس لكرسيه، فعاد ليتوج ثورة شعبه بالفرح، فعقد مجمعاً مقدساً ضم تسعين أسقفاً، أعلن فيه تجديد إيمان الجميع وفقاً لقانون الإيمان النيقوي.

******

15

كان لقاء دميانة مع الأسقف الكبير أشبه بنقطة الانطلاق نحو الأفق الأعلى، فقد شعرت أنها ليست الوحيدة التي تعاني، وأن معاناتها من الممكن أن تكون تجربة كبيرة أرادها لها القدير، كي تصنع من خلالها رسالتها في هذا الحياة، آمنت دميانة أن ما تعيشه من الآم يعني أنها جاءت لتصنع شيئاً، فأخذت تتعافى سريعاً من غضبها، وأخذذهنها يحسب  لكل خطوة حساباتها العديدة، وشعرت أن الخير يحتاج إلى بعض الأظافر كي يظل خيراً، فالنقاء ليس موجوداً في طبيعة البشر، والخير والشر لا يشبهان سوى فعل الولادة، حيث الألم والفرح لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر.

جلست دميانة في غرفة والدتها تتأمل ما جرى لها، لأول مرة تشعر أن عليها أن تأتي بفعل كبير، لكنها لا تعرف ما هذا الفعل، هي الآن موقنة أن يؤانس ورجاله وراء كل ما يجري لها، لكنها لا تدري إن كان ذلك محض صدفة أم عن قصد، لا تعرف أين كان من الممكن أن تصل بها رحلتها مع يؤانس لو لم تقودها خطاها إلى الهرب من رجاله، وأين من الممكن أن يكون أنطونيوس الآن، وهل أخذته الشرطة بالفعل أم أن ما جرى كان مجرد حيلة لتسليمه ليوساب؟

كان ذهنها في حالة عصف لا تهدأ، حتى أنها كانت تخشى على نفسها من الجنون، وتردد في سرها أنها مازالت عاقلة، وأنه لم يؤثر فيها أي من كل ذلك، فهي التي ادعت الجنون كمهرب، وهي التي تمسكت بالصمت كحائط صد، وهي التي تعرف أن القدير يرعاها، تسمع أصوات كلبه وضربات أقدامه، تعرف الاتجاه الذي يريدها أن تمشي فيه، وتدرك بالحدس أنها كانت على صواب، لكنها لا تعرف السبب، فقط تشعر أن عليها أن تسير حيث يرشدها قلبها، وقلبها يقول أن أنطونيوس يحلق الآن بعيداً، فهل تحرر من جسده أم أن الكلب السماوي يطارده ليذهب إلى مكان أبعد مما تتوقع.

كانت تريزا قد استندت في جلستها على سريرها وهي تنصت إلى ما حكته دميانة عما جرى لها، ولم تفعل سوى التنهد والصلاة، وفي النهاية احتنضتها باكية ومقبلة رأسها، وكأنها تعتذر عما فعلته شرور العالم بها، لكن دميانة التي بكت، كما لو أن بكاءها كان مؤجلاً إلى أن تلتقي بامها، جففت دموعها ونظرت في عين تريزا سائلة:

ـ ما رأيك في أنطونيوس؟

لم تستطع تريزا أن تمنع نفسها عن الابتسام، فابنتها تفكر كغيرها من البنات، لكنها عادت وتنهدت ثم صمتت، وحين أعادت دميانة سؤالها أجابتها:

ـ راهب!.

استوعبت دميانة الرسالة، وفهمت أن البحث في قلبها عن رجل نذر نفسه لملكوت الرب أمر قاس وفاسد، وأنها لا ينبغي لها أن تقع في هذا الأمر، لا ينبغي لها أن تفكر في منافسة الرب على قلب شخص ما، فاضجعت على الكنبة المواجهة لسرير تريزا وأغمضت عينها بحثا عن النوم.

تأملت تريزا نوم ابنتها على كنبة صغيرة بجوار النافذة، وتذكرت وجه يؤانس حين جاء ليقنعها بإجراء الفحوصات الطبية، كانت يومها مخطوبة لصلاح متري، وكان يؤانس رافض لهذه الخطوبة، كان يخشى أن تتكرر مشكلته مع زوجته، تلك التي اضطرت لتغيير ملتها كي تحصل على الطلاق من الكنيسة، لم يكن حديثه مقنعاً، لكن تجربته كانت حزينة، وصلاح كان متأثرا به، وللحظة شعرت أنها قد تفقد خطيبها، فهزت رأسها وأومأت أنها ستفعل ما يريده، وفي الصباح ذهبت مع صلاح إلى المستشفى، وأجرا التحليلات التي ظهرت نتيجتها بعد عدة أيام، كان خوفها خلال هذه الأيام واضح، لكنها تماسكت وصلت للقدير ألا يكسر قلبها، ذهبت إلى الكنيسة وأشعلت الشموع للرب وللأم العذراء، ولم تتمالك نفسها حين علمت أن النتيجة جيدة، فرقصت وغنت بصوت واضح أمام أهلها الذين لم يعرفوا بما حدث، لكنهم سعدوا لسعادتها ، بينما اعتذر لها صلاح مرات ومرات، وشعرت أنها ترغب في رؤية يؤانس كي تخبره أنه ليس أكثر من شيطان يذرع الشك في القلوب.

ورغم أنها حين رأته فيما بعد أخبرته بأنه حماها الفعلي إلا أنها لم تكن تحبه، ظلت طوال ما بقي من عمر صلاح تحترم ذكره أمامها، وتخفي وساوسها تجاهه، فقد كانت تحب صلاح بجنون، وتقدس شخصيته الوديعة، موقنة أنه المسيح الجديد الذي يهدر حياته من أجل خلاص الآخرين، ولم تسعها الدنيا من الفرح حين علمت أن زوجها أصبح على خلاف مع يؤانس وجماعته، فاخذت تخفف عنه وتوضح له الفوارق بينهما، قالت أنه يهرع لنجدة الناس في أي وقت وأي مكان، يرفع القضايا ويسهر على كتابة المذكرات ويضيع وقته في الجري بردهات المحاكم للدفاع عن أناس لا يعرفهم دون أجر، أما يؤانس فإنه لا يؤمن بغير القوة والقتل والتفريق بين الناس بتشدده، كانت الحياة في بيت تريزا تدور بالكاد، لكنها كانت مليئة بالحب، وكانت دميانة التي تأخر مجيئها كثيرا هي خلاصة المحبة التي جمعتها بصلاح مترى.

 تأخرت دميانة في مجيئها، وكأنها كانت تريد أن تقول لأبيها أن الحذر لا يمنع قدر، وأن الله محبة وليس طب وفحوصات، وكأنها أيضاً لم تكن راضية عن يؤانس وشروطه، وكانت تريزا كلما مرت السنوات دون أن تنجب لا تذكر زوجها بما حدث، ولا تخبره أن الله لا يقبل أن يشترط عليه، هو أيضاً لم يكن يسألها عن السبب، ولم يفكر للحظة أن يطلب منها الذهاب لطبيب، قال أنه راض بمشيئة القدير، وليس هناك شرط على الله.

حين توفي صلاح ظهر يؤانس، قال أن صلاح كان ابنه الذي لم ينجبه، وأن له في عنقه الكثير، ولابنته حقوق والدها عليه، لكن تريزا التي أمنت على كلامه لم تفكر للحظة أن تلجأ إليه، كانت توقن طيلة الوقت أنه ليس أهلاً للخير، وأن قلبه مات من القسوة بين ضلوعه.

حين حكت لها دميانة عن يؤانس الذي قال أنه صديق والدها وأستاذه، شعرت تريزا أن قلبها الضعيف غير قادر على احتمال مزيد من الأسى، كانت دميانة تحكي وتريزا تصلي للمسيح أن ينقذ قلبها من الخوف والألم، وما أن انتهت من الحكي حتى احتضنتها وبكيا معا، ظلا يبكيان حتى جفت من عيونهما الدموع، وفجأة وجدت تريززا ابنتها الوحيدة تسألها عن أنطونيوس، من كل قلبها كانت تود أن تنهض من سريرها وترقص فرحاً، فقد طال انتظارها لهذه اللحظة، وكل أمنياتها أن ترى دميانة في ثوب الزفاف، ترى البنات يرقصن حولها والقس يعقد إكليل زفافها، لكن عقلها تذكر أنها تحدثها عن راهب، كيف يمكن لها أن تتزوج برجل نذر نفسه للحياة البتولية، كيف يمكنها أن تجرؤ على ذلك؟

عادت تريزا بنظرها نحو ابنتها النائمة على الكنبة المخصصة للمرافقين وتمنت أن يرزقها الله بأفضل الرجال، ثم أغمضت عينيها لتسرح بخيالها في زوحها الراحل منذ سنوات، زوجها الذي طالما حدثها عن العمال والثورة ثم مات قبل أن يشهد أيا من أحلامه تتحق، كانت تتمنى أن يكون معها الآن، يمسح على رأسها ويقبل جبينها قائلاً أن أحدا لا يجرب القدير، فأين هو الآن ليأخذ ابنته في جولة عبر النيل ويحكي لها المزيد من قصص القديسين والشهداء، أين هو ليحميها من يؤانس ورجاله.

في الصباح نهضت دميانة منشرحة الصدر، ممتلئة بالتفاؤل، لم تكن تعرف سبباً لدبيب الأمل في روحها من جديد، لكن والدتها رأت ذلك في عينيها ووجهها، شعرت بإقبالها على الحياة، ورغبتها في تجاوز ما جرى لها، احتضنتها بود وأخذت تصلي للمسيح والعذراء، وعلى الفطور أخذت تذكرها بالصلاة التي كان والدها يقولها على الطعام كل صباح، بالكاد تذكرت دميانة بعض الكلمات منها، لكن تريزا كانت مازالت تذكر كل حرف فيها (ربنا اعطنا خبزنا كفافنا، وبارك لنا في أرواحنا من اليأس والهم والعطب، واعطنا قلوبا منفتحة على العالم، وعقولاً قادرة على الاتساع لمعاني كلماتك ومعرفة وجوهك، ربنا إنا أخطأنا واعترفنا بخطئنا، فاقبلنا في ملكوتك مع الطيبين، وباعد بيننا وبين الشرير، باعد بيننا وبين الخطيئة والزلل، واحفظ أجسادنا وألسنتنا من أفعال الشرير وأتباعه، ربنا أمين أمين أمين.).

كانت تريزا تتلو الصلاة التي تعلمتها من صلاح متري، قائلة أنه وجدها ذات يوم في كتاب عن العلامة الكبير أوريجانوس، حينها دهشت دميانة وسألتها عما تعرفه عن أوريجانوس، أوضحت تريزا أنها لم تكن تعرف شيئا عنه حتى تزوجت صلاح، بعدها رأت اهتمامه بكل شيء عنه، وجدت كتباً له في مكتبته، وأوراقاً عليها اسمه وصوره، حين سألته عنه قال أنه علامة كبير، لكن حظه كان سيئاً، فقد لعن وحرم وطرد من مدينته، لأن ديمتريوس الكرام غار منه، لكن حضوره كان قد تخطى حدود المدينة، وأصبح معروفاً في العالم المسيحي كله، كانت تريزا تحكي بأسى وكأنها تتذكر زوجها وحياته وفكره، لكنها في الحقيقة كانت تشعر من داخلها أن خطيئة ما أصابت زوجها بسبب حبه لرجل حرمته الكنيسة، حاولت طوال السنوات التي عاشتها معه أن تتغاضى عن هذا الأمر، لكنها في قرارة نفسها كانت تشعر بخطيئة ما، كانت تصلي للمسيح كي يتجاوز عن ذلك، ويقبله في ملكوته، ولا يجعله مع المحرومين.

كان عليها أن تجري اتصالا من موبايل تريزا بنائل كي تطمئن على، وحينها فكرت في أن تشتري موبايل لها وآخر لي، وتمنت لو كان لأنطونيوس موبايل كي تتمكن من الاتصال به، كان عليها أن تفكر في كيفية دفع حسابات المستشفى، فجميع أوراقها فقدت في الليلة التي تم ترحيلها فيها من الدير، لا تذكر كيف فقدت لكنها وجدت نفسها بلا وثيقة واحدة توضح هويتها، وهو ما جعل رضا وزوجته يمنحاها اسم أنجيل، لا تعرف لما اختارا هذا الاسم، لكنها انصاعت للتعامل به خلال وجودها معهم، وحتى بعد أن ذهبت إلى دير النساخ، لم تتخلص منه إلا بعد لقائها بيؤانس.

ما إن ظهرت صورة يؤانس في مخيلتها حتى تذكرت تعامله الرقيق معها، وكيف أصبحت تتمتع بمكانة في الدير بسببه، وكيف كان الرهبان طوال القامة يحرسونها طيلة الوقت، تذكرت أنهم لم يوقفوها في جبل الطير، ولم يسعوا لملاحقتها حين ألقت بنفسها هرولة نحو النيل، ولا حتى ملاحقة السفينة التي أقلتها مع ركابها إلى القاهرة، فهل كان كل ذلك صدفة؟

فجأة ظهر هذا السؤال في مخيلتها وهي تعيد ترتيب الأحداث، كانت تريد أن تعرف إن كان يؤانس معها أم ضدها، فحسم ذلك الأمر سيحدد الخطوات التي عليها أن تتخذها الآن، في هذه اللحظة اتصل بها نائل ليخبرها أنه وأحمد وملاك على باب المستشفى، فدعتهم لرؤية والدتها التي تنام في حجرة خاصة، ولم تمض دقائق حتى كانت الغرفة تمتلئ بمشاعر المحبة والخجل والدعاء والشكر، بعدها نزلنا للجلوس على كافيتريا المستشفى، قال نائل وأحمد أنه لابد من إبلاغ الشرطة عن أن أنطونيوس تم اختطافه من قبل رجال يوساب ويؤانس، لكن دميانة قالت أنه هرب من الشرطة نفسها، وفي حال غيابه العادي فإننا لا نملك الإبلاغ عن غيابه إلا بعد مرور ثمانية وأربعين ساعة، ثم أوضحت أن الحل يكمن في نقل المعركة إلى بيتهم، أي أن تقوم هي باتهام يوساب والمنحني بمحاولة قتلها.

كنت أنظر إليهم وهم يتبادلون الخطط والأفكار وكأنني لست موجوداً، فقط أتأمل حماسهم ورغبتهم في سد الثغرات، ولم يفكر أي منهم أن يسألني عن رأي، حتى أنني اضررت في النهاية لأن أرفع يدي في وجوههم طالبا الكلام، حينها أنتبهوا لي:

ـ  صحيح..  ما رأيك يا ملاك؟

سألتني دميانة بحماس واضح، فرسمت ابتسامة ساخرة على وجهي وأنا أقول:

ـ نتهمهم بقتل باخوميوس، ونشر أعمال منافية لتعاليم الكنيسة؟

بدا على وجوههم أنهم لم يستوعبوا، وأخذوا يسألونني عن أدلة ذلك، فرحت أحكي عن شنق باخوميوس، وعن القصاصات التي قرأتها حين نزلت للمهندس عماد في المطبعة، ما إن سمعوا ما أقوله حتى تلونت وجوههم وزاغت عيونهم، وبدا كما لو أنهم مقبلون على حالة حرب، تحدث أحمد عن أهمية أن يعرف الرأي العام ما توصلنا إليه، لأن ذلك يفسد عليهم ما يخططون له، لكن نائل هذه المرة هو الذي قال أن كل ما يجري في دير أو غيره مسألة قبطية، ولا ينبغي للمسلمين التدخل فيها، فأكدت دميانة على أن الشرطة هي الحل، لكن تشريح جثة باخوميوس يعد إهانة لمكانته، وفي حال ثبوت أن الدير تجري به أعمال مخالفة للكنيسة فإنه سيغلق.

بدا الأمر كما لو أننا أمام معضلة لا حلول لها، فوضع الجميع رأسه بين يديه وجلسوا كما لو أنهم في حالة حداد على عزيز لديهم، مرت دقائق على هذا الحال قبل أن يفتح نائل موبايله مستطلعا آخر الأخبار، وكانت المفاجأة التي ألقى بها علينا، أن يوساب أصبح رئيسا لدير الملاح، بينما المنحني أصبح أسقفا لأبرشية أسيوط.

********

16

رسائل اوريجانوس

ـ 17 ـ

عزيزي ديونسيوس، أعرف أن رسائلي قد كثرت، وأن الأصدقاء الذين يتكفلون بحملها إليك قد تضرروا من كثرتها، أعرف أنهم يرونني الآن عجوزا مصابا بالجنون، ويتمنون إبلاغي أن أحدا لا ينتظر رسائلي، لكنني كما أخبرتك، أشعر أنني أريد الاعتراف على يديك، وليس أمامي سوى هذه الرسائل لأقول كلماتي الآخيرة، كنت أتمنى لو كتبت لي الشهادة ككثير ممن عرفت في حياتي، توقعت أن ذلك سيحدث في ظلمات السجن، توقعته وأنا أئن أسفل الطوق الحديدي الملتف على عنقي، بينما قدماي مثبتتان بشكل زاوية منفرجة على لوح خشبي بالأرض، في هذه اللحظات كنت أشعر بما شعر به المسيح منذ أمد، كنت أدرك آلامه ووهنه، وأرى رسل السماء تلوح براياتها البيضاء على الجدران المظلمة، بينما ترتيلها لنشيد الإنشاد يتهادى إلى أذني:

في الليل على فراشي طلبت من تحبه نفسي، طلبته فما وجدته

إني أقوم وأطوف في المدينة في الاسواق وفي الشوارع أطلب من تحبه نفسي، طلبته فما وجدته

وجدني الحرس الطائف في المدينة فقلت أرأيتم من تحبه نفسي

فما جاوزتهم إلا قليلا حتى وجدت من تحبه نفسي فامسكته ولم أرخه، حتى أدخلته بيت أمي، وحجرة من حبلت بي

أحلفكن يا بنات أورشليم بالظباء و بأيائل الحقل ألا تيقظن و لا تنبهن الحبيب حتى يشاء.

كنت أغني مع الرسل على أنغام لا أعرفها، وأتوقع أنني عما قريب سأصعد، لأنهم واقفون في انتظاري، كنت كلما اشتد الوهن أشعر أن لحظة الشهادة قد اقتربت مني، تلك التي نالها أناس أقل محبة لها، نالها عبيد وإماء وعاملات في الحقول، نالها رجال أمضوا حياتهم في عبادة الأوثان وتقديم الأضاحي، حتى الجنود الحمقي الذين عذبوا الأرض ومن فيها نالها بعضهم، هؤلاء لم يروني أهلاً للشهادة، فما كانوا يصبوا الزيت المغلي على رأسي، واكتفوا فقط بجلدي وكي أضلعي برؤوس قضبان متلألأة في النار، كانوا يطفئون ضوأها في جلود المصلوبين على عرائس خشبية كما كان المسيح في يوم عرسه، كنا ننزف ونشتم حرائق أجسادنا ونضحك، نغني مع الرسل المتمايلين على الجدران السوداء المظلمة ونضحك، نمسح جلودنا المحترقة في الجدران المطلية بالقار الأسود ونضحك، نمسح ارواحنا المتساقطة ونغني ثم نضحك، منتظرين اللحظة التي سيرفع الرسل فيها راياتهم، ويحملوا أرواحنا عنا، لكنهم لم يفعلوا، الجنود الذين كانوا يبكون لأجلنا لم يفعلوا، الجنود الذين كانوا يزغردون كلما مات واحد منا لم يصبوا الزيت على الرؤوس، ولم يمنحونا حق الموت المكلل بالشوك على أيديهم.

كنت قد اتفقت مع أمبروسيوس على أن نذهب إلى بلاد العرب، فخرجنا متجهين نحو الجابية، تلك التي التقيت فيها منذ سنوات بصديقي الملك جفنة بن عمرو، حين نزلنا بمدينته لا نعرف كيف وصله الخبر، فوجدنا عربة بجوادين ناصعي البياض تقف بمحاذاتنا في أحد شوارعها، نزل منها رجل يشبه جفنة لكنه ليس هو، كان ابنه عمرو ابن جفنة، قال أن والده أرسله لاستقبالنا، حينها رأيت أثار الفرح على وجه أمبروسيوس، شكرته على جميل صنعه، وذهبنا برفقته إلى القصر، كان جفنة مازال قوياً يخيف من لا يعرفه، لكنه كريم، طيب القلب، وفي لمن يثق فيه، أبدى ترحابه الشديد بنا، وكان صادقا في فرحه، فمازال يتذكر لقاءنا القديم، يتذكر ما سمعه من عظات، حتى أنه كان يعيد على مسامعي بعض مقاطعها، لا أعرف كيف لرجل حرب مثله أن تحتفظ رأسه بكل هذه الكلمات، ضحكت وأنا أنصت إلى طريقته مقلدا حديثي، أمضينا في ضيافته عدة أيام، حضرنا فيها قداس الأحد بكنيسة الجابية، ووعظت فيها مرتين أو ثلاث، ثم تركت له نسخة من كتابي هكسابلا، واستأذنته في الذهاب لمملكة تدمر لمجاورة، لمحاورة المهرطقين بها، وعظة الناس من السماع لهم، فزودنا بجوادين، وأرسل معنا واحداً من قادة جنده، حتى جاوزنا حدود بلاده، فتوقف قائلاً:

ـ أذينة ملك كريم، لكن ميزاجه غادر ، فتوخيا الحذر.

شكرناه على نصحه وكرمه وتركنا بلاده المنحوتة في الجبال مكملين طريقنا نحو الشرق، حيث تدمر الجميلة وملكها العربي، فرحب بنا في كنيستها اسقفها مارجيلوس، وسمح لنا أن نعظ في وجوده مرتين، واصطحبنا لنلتقي ببعض المقيمين خارج المدينة، وكان بعض الكهان قد سمع بوجودي في بلادهم فأتي يسألني عن أمور تختلط عليه، فلما تعدد مجيئهم للسؤال عن طبيعة الرب، وإن كان أقنوما واحداً أم ثلاث، سألت أسقف المدينة عن سبب تكرار هذا السؤال، فقال أن أسقفاً يدعي كريسبوس جاء من أنطاكيا وأقام في بعض القرى البعيدة في الجبال، فأخذ يعلم الناس أن الرب أقنوم واحد وليس أقانيم ثلاث، وتمثل بالزهد والورع في كل شيء، حتى أن الناس كانوا يتركونني ويذهبون إلى الجبال ليسمعوا منه، فطلبت من مارجيلوس أن يعقد مجمعاً كنسياً لأساقفة بلاده وكهانها، ومن بينهم كريسبوس، كي نتحاور فيما يقوله وما نؤمن به.

 قد كانت أفكار الهراطقة منتشرة في كل مكان، وكان علينا أن نعيد الأذهان إلى مواضعها في الرؤوس، فتركنا مارجيلوس يعد لمجمعه المقدس وأخذنا ندور على القرى نسمع من الناس ونعظ من نجده في طريقنا، بعد نحو أسبوعين كان قد اجتمع نحو ثلاثة أساقفة وإثنا عشر كاهنا في كنيسة تدمر، ووقف مرجيليوس أمام الهيكل معلنا للجميع فرحه بوجودي بينهم كعلامة تدور الاجتماعات في مختلف الكنائس لمناقشة أرائه وتفسيراته للكتاب المقدس، وأنهي حديثه بأنه في الآونة الأخيرة سمعنا من قال أن الرب أقنوم واحد وليس ثلاثة أقانيم، هنالك وقف الأسقف كريسبوس مشيحاً بيده في وجه مارجليوس، معلنا أنه رجل دين وليس مهرج، ولا يحق لأي من كان أن يطلب منه عرض أفكاره على رجل لم يرسم حتى كاهنا، بل إن إستاذه ديمتريوس حرمه وقام بطرده من كنيسته، وأرسل لجميع الكنائس مطالباً بحرمانه.

بدا على وجه مارجليوس الغضب، وشعرت أنه يتمنى لو ينزل من مكانه فيصفع كريسبوس على وجهه، لكنني وقفت في مكاني مبتسماً، وأخذت أنظر في وجوه الحضور الذين تعالت أصواتهم غضبا في وجه كريسبوس، ظللت أبتسم مطالباً إياهم بالهدوء، وحين شعرت أن صحن الكنيسة أصبح صامتاً في انتظار ما سأقوله، عاودت الابتسام من جديد قائلاً أن الأب كريسبوس على حق، وأنني ما جئت إلى هنا لأعظ الأساقفة، فلا يجوز لعلماني أن يعظ رجل دين من الإكليروس، وأظن الأب المبجل أساء فهم كلمات الأب مارجليوس، وحدث بهذا السبب لغط يحتاج منا أن نتوقف اليوم للصلاة من أجله، ونبدأ اجتماعنا غداً، فما جئت إلا لأسمع وأتعلم وأقول، إن فتح الرب على بشيء من نور معرفته، بدا أن الجميع فوجيء بكلماتي، فلم أقف لأعظ أو أرد ما قاله كريسبوس، فقط طالبت بتأجيل الاجتماع إلى الغد، ثم أومأت مبتسماً لمرجليوس، فطلب منهم أن يوافقوا على طلبي فوافقوا.

كان أمبروسيوس يود لو يصل إلى عنق كريسبوس ليمزقها، لكنني أمسكت بيده قبل أن أنهض طالباً الحديث، وزاد غضب أمبروسيوس حين وجدني أبتسم مؤكداً على صدق حديث كريسبوس، لكنه كتم غيظه والتزم الصمت حتى يرى خطتي، ولم يكن لدي أكثر من أنني شعرت بما شعر به كريسبوس، فالنصيحة على الملأ تعني إدانة للأبد، وكان الأخير يخشى أن يقر أمام الجميع بأنه كان على خطأ، أو أن يصر على عناده، فيتخذ المجمع قراراً بحرمانه، لذا فضلت أن أبقيه منتصراً وأحفظ له ماء وجهه، وجلست في البيت الذي أعده مارجليوس لضيافتنا، أؤكد على أن سوء الفهم هو الذي أحدث هذا الخطأ، وأن الرجل لم يفتأت على، فما قاله هو ما حدث بالضبط، وإن كنت أرى أن ذلك محنة وأختباراً لي من الرب، فإن الرجل لم يحكم إلا بما علم.

بعد الظهيرة سألت عنه فقيل أنه ترك المجمع وعاد إلى قريته، فقلت لهم دلوني على مكان إقامته، فقالوا أنه في الجبال، ويصعب الوصول إليه، قلت أنني لن أنام في مكان قبل أن أذهب وأتناقش معه، فأحضروا لي ولأمبرسيوس  بغلين وخرجنا نتبع خطى أحد الشماسة، حتى وصلنا في الظلام إلى بيت كريسبوس بعد سفر مجهد وطويل، كان الليل قد أوشك على الانتصاف ونحن نقرع الباب، ولم تصدق امرأته أننا قطعنا كل هذه المسافة لنتناقش في شئون الدين، وأنه لا طعام ولا شراب قبل أن يقنعني أو أقنعه بحجته أو حجتي.

في البدء قلت له أنني سأقبل اعتذاره عما قاله لي أمام الأساقفة والكهان هذا الصباح، وسأعتذر له لو أقنعني بحجته، وسأمشي في ركابه حاملاً حذاءه في يدي عشرة أيام كاملة، حتى يعلم جميع الناس أنه على حق وأنني على خطأ، أما إن اتضح له خطأ قوله وتعاليمه فعليه أن يعتذر لي أمام الناس غدا، ثم طالبته بالحديث أمام زوجته وأمبروسيوس والشماس الذي اصطحبنا، كي يكونوا جميعا شهوداً علينا، أخذنا ننصت إليه وهو يتحدث عن الآب بوصفه مصدر الحياة، وأنه أعطى الابن قدرته على الخلق حين خلقه، وأن الروح القدس لم يكن له دور في عملية الخلق، حين انتهى من حججه من الكتاب والمنطق والاستدلال بالعقل، صفقت له، وقلت أتعني أن هناك مسافة في الزمن بين وجود الله ووجود الابن، فقال نعم، فعدت أسأله أو تعني أيضاً أن الابن مخلوق خلقه الرب، قال نعم، وأنه لا وجود للروح القدس إلا كرسول بين الآب والإبن، قال نعم، قلت وأن الآب أنزل ابنه كي يفتدي به الخليقة، فأجاب نعم، قلت فكيف يغفر الآبن الخطايا، وكيف تعبد مخلوقا وتترك الخالق، وأين كان العالم قبل أن يخلق الرب الأبن، وأخذت أحاصره بأسئلتي عن العلاقة بين الأقانيم الثلاث ووحدتها، حتى شعر أن ما يطرحه من تعاليم لا يمكنها أن تسد الثغرات التي تفتحها، وضحكت زوجته وأمبروسيوس، واحمر وجه الشماس وظهرت عليه علامات عدم الفهم، فأخذت أرتب له أفكاره من جديد، واوضح له أن الآب والابن والروح القدس أقنوم واحد، لا يمكن الفصل بين أي منهم، جمعهم من أصل واحد، وقوة واحدة، وطبيعة واحدة، جميعهم الله، وليس أي منهم يمكنه وحده أن يكون الله، لأن الله ليس وجه واحد للحياة.

ظللت أشرح وأعظ، وهو يسأل عما خفي عنه حتى ارتفعت شمس اليوم التالي عن الأرض، وشعر بضحالة علمه، وعدم معرفته، فأخذ يعتذر عما بدر منه في اجتماع الأمس، وبينما أحضرت زوجته طعاماً لنا أخذ يتجهز هو كي يعود معنا إلى المدينة، فيعلن اعتذاره لي أمام الجميع، لكنني رفضت، قلت أنني لا أحتاج منه سوى أن يراجع نفسه في تعاليمه، فإن أدرك أنه على خطأ فعليه أن يكفر عن خطئه بتصحيحه لدى تلاميذه ومن أخذوا عنه، أما الاعتذار لي فسوف أبلغ مارجليوس وبقية الأساقفة والكهان أنك متوعك، وهذا سبب انسحابك دون رغبة في إقلاق أعضاء المجمع.

وقف كريسبوس وزوجته في وداعنا فرحين شاكرين، بينما أقسمت أمامه على أمبروسيوس والشماس المرافق ألا يتفوها بكلمة عما حدث أمامهما، وأن يذيعا أمام الجميع أنه مريض ويبلغهم تحياته، وما إن وصلنا على المساء حتى شاع خبر مرضه، فتصور الكل أن غضبي عليه كان سبباً في ذلك، بينما لم يتطرق أحد إلى أفكاره ولا تعاليمه، ونسيه الجميع خلال اليومين الذين انعقد فيهما المجمع، وكان دوري أن جلست أرد على أنواع البدع التي علموا بها أو لم يعلموا، مؤكداً على أن الكتاب المقدس لا يفسر بطريقة تفسير كلام البشر، ولا يتعرض له إلا رجل يتدبره في عقله ليل نهار، أما هؤلاء الذين يأخذون بعضه ويتركون بعضه، فهؤلاء يضلون أنفسهم قبل أن يضلوا غيرهم، ولا يزيدون الناس إلا فتنة على فتنهم.

******

17

كان على أنطونيوس في سيارة الترحيلات التي تم الزج به فيها أن يفكر في المصير الذي ينتظره والماضي الذي هربه منه أستاذه إيمانويل الطيب، فتذكر كونه قاطع طريق يجلس على صخرة في الصحراء على هوامش القرى، مثلما تذكر نشاطه في الجامعة، تذكر كيف انضم إلى فرقة الكشافة القبطية حين التقي به إثنان من زملائه مادحين جسده الفارع وسلوكه القويم، قالوا أنهم يمكنهم أن يدربوه ليصبح رياضيا مهماً، فلديه الإمكانيات لكنه يحتاج إلى عناية أكبر.

لم يكن أنطونيوس مهتماً في يوم أن يكون لاعبا رياضيا، لكنه أمام الكلمات والاهتمام المبالغ فيه شعر بنوع من الزهو، وكان عليه أن يستجيب لصحبة زميليه كي لا يفقد ما يراه في عيونهما من حفاوة، لم يمض أسبوع حتى وجد نفسه في أتوبيس يقطع الطريق إلى بني سويف، حيث التقي هناك بعدد أكبر من الشباب طوال القامة الذين توافدوا على الدير، أمضى أسبوعا كاملا هناك، كان الأمر في بدئه أشبه بنوع من تأدية الخدمة العامة، وسرعان ما تحول إلى نوع من الجندية والإلتزام الواضح بالتدريبات القاسية، كانت رغبة أنطونيوس واضحة في التفوق، حتى أنه حقق أرقاما قياسية في السرعة والقوة ودقة الملاحظة، في نهاية الأسبوع سمع أن الأب يؤانس سوف يجيء لزيارتهم، لكن هذا لم يحدث، فقد اعتذر لانشغاله بالسفر.

علم أنطونيوس أن هذا المعسكر بمثابة اجتماع يعقد كل شهرين، فيجيء الأعضاء لتمضية وقت معاً، وسماع عدد من العظات المهمة التي تحضهم على الدفاع عن دينهم القويم، وأن من يرغب في إكمال تدريباته الرياضية فإن قائد الكشافة يتكفل بذلك، شريطة أن يكون التدريب على لعبة يحتاجها الفريق، دهش أنطونيوس أنه أيضا سيحصل على مقابل عن كل يوم أمضاه في المعسكر.

كان حماس أنطونيوس كبيراً للانضمام إلى الجماعة، حدث ذلك في العام الثاني من الجامعة، واستمر مدة عامين يواظب على حضور تدريبات المعسكر التي تعلم فيها حمل السلاح، كانت المرة الأولى في حياته التي حمل فيها سلاحاً، ووقف في العام الجامعي الثالث خدمة لحراسة الدير، أما حمل العصا فقد تكفلت به تدريباته على الكونغوفو في الساحة التي اشترك بها، وبقدر ما سمع عن الأب يؤانس إلا أنه لم يلتق به، وبقدر ما بذل من جهد في التدريب بقدر ما جاءته رسائل برضا الأب يؤانس عنه، وفي نهاية العام الثالث أصبح قائدا لمجموعة، وعاد من معسكره سعيداً بما معه من ترقية ومال، لكنه فوجيء بأهله يندبون حظهم، إذ ظهرت جماعة سلفية في القرية وراحت تطالبهم بالجزية، كان من الممكن أن يدفع أنطونيوس ما معه ويفتدي نفسه وأهله، لكنه كقائد وطالب جامعي ما كان له أن يخضع لمنطق الإذلال، فقرر أن يلجأ إلى الشرطة لحمايته وأهله، فما كان من الضابط إلا أن طمأنه، موكدا أن عمله هو تحقيق دولة القانون، في ذلك اليوم خسر أنطونيوس كرامته وسمعته وحياته، فقد تحول من طالب جامعي إلى قاتل وقاطع طريق.

هز أنطونيوس رأسه مؤكدا لنفسه أن منطق البلطجة هو القانون الحاكم، وتذكر الكارثة التي يعيشها، وما ينتظره من اتهامات، شعر برائحة كلب السماء وهي تتصاعد من أحد أركان العربة الضخمة، كان صندوقها الكبير أشبه بزنزانة متنقلة، نظر في وجوه الذين معه فوجدهم من المتسولين وأطفال الشوارع، وضع يده في فمه وأخذ يحرك لسان اللهاة لديه حتى تقلصت أمعاؤه وأفرغت ما بها، وراح يطرق على باب السيارة مؤكدا أنه يموت، ومع قليل من التشنج تأكد الحارس الجالس في الخارج أن ثمة مصيبة نزلت على رأسه، فما كان منه إلا أن فتح البابا ودخل ينظر ما يجري، لكن الذي كان يموت جذبه من سترته وضرب رأسه في الأرض، ثم قبض على مسدسه وطلب منه أن يفك قيده، وما أن حدث ذلك حتى قفز من السيارة، وانحرف بسيره في الشوارع الجانبية.

كان أنطونيوس يدرك أنهم لا يعرفون اسمه ولا شيئاً عنه، ومن ثم فمجرد هروبه من بين أيديهم سيجعل الأمر كما لو أنهم لم يروه من قبل، وكان عليه أن يغوص قدر ما يستطيع بين الناس، فقفز في أتوبيس لا يعرف وجهته، وتكفل أحد الركاب بدفع تذكرته، وما أن سمع المحصل يعلن عن محطة رمسيس حتى وجد نفسه يتحرك مع النازلين، ليتوه في الميدان الكبير، ويقف لا يعرف أين يمكنه الذهاب، ولا يعرف لم لاحت في ذهنه صورة أستاذه باخوميوس، وشعر أنه موزع بين الهروب من الشرطة والعودة إلى بيت تريزا لارتداء جلبابه وحمل صليب باخوميوس.

شعر بالعجز حين بحث عن مال معه فلم يجد، وللحظة رأى الدنيا مظلمة من حوله، فلا مال ولا أوراق ولا قدرة على اختيار المصير، جلس بجانب جدار المحطة يتذكر ما يواجهه من صعاب، صعبت عليه نفسه وما آل إليه كمشرد في طرق لا يعرفها، فأخذ يبكي، لكن رائحة كلب السماء لاحت من جديد، كانت زمجرته ضعيفة وناعمة كما لو أنه أيضا يبكي لأجله، شعر أنطونيوس هذه المرة أنه ليس مطلوباً منه أن يجري، فأغمض عينيه واستسلم للخدر الذي بدأ يسري في جسده.

 شرد بذهنه في دميانة، وكيف هي الآن، كان آخر خبر سمعه عنها أنها في دير الراهبات بالجبل الغربي في أسيوط، هل يمكن أن تقرر البقاء في الدير، هل يمكن لفتاة مثلها أن تقتل جسدها على نحو ما فعل أوريجانوس، تصور أنه يرى أوريجانوس العظيم ومن حوله المشاعل المضيئة، من حوله جماعات تتوافد بأضوائها المشتعلة، كانت عينه تبحث عن دميانة بينهم، لكنها لم ترها، تقدم بخطوات بطيئة ليسأل العلامة الكبير عنها، لكن الأخير هز رأسه بالنفي، وأشار نحو الأفق، حيث السحب التي تمر من فوق الجبال،وحيث السهول الفسيحة، كان أنطونيوس يهرول كما لو أنه يريد أن يلحق بدميانة قبل أن تسقط السماء في بيتها الليلي، كان يجري كما لو أن كاميرا سينما تجري به، حين وصل إلى المغارة التي في باطن الجبل وجد دميانة تسجل بقلم كبير في دفتر عظيم، سألها عم تفعل وأجابت بأنها تكتب حكاية رجل وفتاة أحبا بعضهما دون كلمة حب واحدة، وكلما تفرقا عن بعضهما تعمقت المحبة في قلبهما, ردد الجملة في فمه كما لو أنه يتذوق ثمرة تين.

استفاق على أنه نائم على الأرض، وأن بين يديه أموال لا يعرف من أين أتته، دهش من وجود هذا الكم من الجنيهات، فأخذ في عده وترتيبه، زاد المبلغ عن مائة جنيه، وضعه في جيبه وشعر أنه بحاجة إلى طعام، نهض من مكانه بحثاً عن شيء يساعده على التماسك والتفكير بهدوء، أخذ يتناول سندوتشات الكبدة بلذة لم يشعر بها من قبل،  وذهب إلى المقهى الذي جلس عليه مع أحمد طالباً شايا، تطلع بكل الوجوه آملا أن يكون من بينها صديقاه أحمد ونائل، لكن ذلك كان من الخيال.

جلس يرتب أوارقه من جديد، كان عليه أن يبدأ من لقائه بإيمانويل الطيب، حين فوجيء به في المغارة التي تحصن بها أربع سنوات، دون أن يتمكن أحد من دخولها، فكيف صعد إليها؟، هذا السؤال الذي لم يجبه إيمانويل، وترك كلب السماء يطارده في كل مكان حتى أدخله الدير، جلس عامين قبل أن يصبح شماساً، كان الجميع يتصور أنه لن يطيق الحياة في الدير، لكنه استطاع أن ينتصر على نفسه، وأن يروضها لتعيش في حدود عالمها الجديد، بعدها حدثه إيمانويل عن أوريجانوس، وكيف جاهد ضد الصعاب التي واجهته حتى أصبح علامة كبير، لكنه لم يستطع أن يمحو لعنه الحرمان، كان إيمانويل يتحدث بفتنة عن ذلك الرجل الذي لم يستطع أن يكون راهباً ولا رجل دين ولا حتى علمانيا عابرا في سبيله، ورغم ذلك وضع الأسس التي عمل عليها الجميع، حتى أن الهراطقة خرجوا من عباءته، والقديسون أيضا خرجوا من عباءته، يوماً بعد يوم تسرب إلى أنطونيوس الاهتمام به، وشعر أنه يمكنه أن يبدأ دراساته في اللاهوت من خلاله، ولنحو سبع سنوات كاملة كان أنطونيوس عبداً في معبد أوريجانوس، ولم يسمع في يوم بكتاب له أو عنه إلا وأحضره له إيمانويل، كان ذلك سرا بينمها، لكن باخوميوس كان دائما يخبره أنها أعمال محرمة، ولا ينبغي التعرض لها بالتقديس ولا المدح، وفي الضرورة يمكن ذكرها بحياد تام.

كان أنطونيوس يمارس حياته كشماس بسيط، لكنه في الواقع كان الابن المقرب لإيمانويل وباخوميوس، كما لو أن سرا ما يجمعهم سوياً، يتناقشون في أوريجانوس كما لو أنهم يتحدثون عن رئيس الدير، يحللون كل كلمة قالها على وجوهها العديدة، واضعينها في سياقها وزمنها ومشكلاته، متلمسين أثرها فيما أتي من صراعات على الكنيسة، كان مهمة إيمانويل أن يشير وأنطونيوس يبحث، وباخوميوس يتابع، مع الوقت اكتشف أنه ليس الوحيد الذي يبحث في كتب المهرطقين، فثمة آخرون بنفس الدأب والسرية يعملون، وإيمانويل مشغول برعايتهم أيضاً، وكان يذهب في جولات طويلة لأجلهم، كان يزورهم في كنائس وأديرة بعيدة، فقد اتسعت سلطاته بعدما رفضت الكنيسة الاعتراف بقداسته، كما لو أن السلطة جاءت بديلاً عن القداسة.

حين أنهى أنطونيوس دراسته في كلية اللاهوت تم ترسيمه قساً، يومها فرح باخوميوس كما لو أن شيئاً كبيراً رفع عن عنقه ليوضع في عنق شخص آخر، وأخذ ينسحب يوما بعد يوم ليعيش حياة العزلة، بينما خطى أنطونيوس تتقدم حتى أصبح مسئولاً عن أخطر ما في الدير، حيث نشر الكتب التي تعضد إيمان الشعب، لكن في الوقت الذي كان إيمانويل يدفع به للأمام، كان ثمة آخرون يدفعون بأنفسهم من طريق آخر.

لم يكن مفاجئاً لأنطونيوس صعود يوساب وتمركز كل السلطات في يده، لكن المفاجأة كانت في السرعة التي حدث بها ذلك، كانت الثورة التي ضربت الشوارع قد خلطت الأوراق كلها، ولم يكن مطلوبا من الكنيسة أن تبدي موقفاً واضحاً، شعر أنطونيوس أن السياسة طالت كل البشر، بما فيهم آباء الكنيسة أنفسهم، وكان موقفه مختلفا عن ذلك، كان يرغب في أن يعلن موقفا من النظام الذي أوصل الأقباط إلى هذا الحال، وأن الكنيسة يجب أن تكون حيث يكون الشعب، فهي خلاصه ومرشده الروحي، لكن إيمانويل كان يعرف أن من في الكنيسة الأم يعرفون في شئون السياسة أكثر من الساسة أنفسهم، وأن الاتجاه الذي اختاروه قائم على توزانالقوى، وليس مستحباً أن تتم معاداته في ظل ما حصل عليه إيمانويل وتياره من مكاسب، يكفي أنهم يتحدثون عن أوريجانوس في قاعات الدرس، وأجبروا البابا على أن يعظ عنه أكثر من مرة، لكنه رفض قبوله في كنيسة الرب لأنه لا يستطيع أن يخالف الآباء السابقين فيما ذهبوا إليه، كانت جملته رغم بساطتها إلا أنها محبطة للتيار الذي قاده رجل علماني بسيط، رجل وهب حياته للدفاع عن حياة الأقباط، مطالباً بقانون أحوال شخصية لهم، مطالباً بإعادة النظر في أوريجانوس وحرمانه، رجل مات قبل أن تتحق أي من أحلام ثورته.

*****

18

مات أثناسيوس، هكذا بلغني الخبر وأنا في مكاني على هضبة الملاح أدرس مبادئ الدين، مات أثناسيوس وتركني وحيدا لا أعرف ماذا أفعل من بعده فيما تبقى لي من عمر، مات ولم أره، فما أن استطعت التوصل إلى عربة يجرها جواد كي أصل إلى الأسكندرية حتى وجدت المدينة بلا موطئ قدم لزائر جديد، فما بين حراس وجنود ورهبان وقساوسة وأساقفة وشعب ينام في الشوارع وعلى الأرصفة وشواطئ البحر، جميعهم كانوا في انتظار وداع رئيسهم وأبيهم، نزلت في صحبة أبانوب الذي كان يغالب الحمى، لكنه أصر على أن يأتي لوداع أثناسيوس، كان الرهبان يحتلون كل مكان بزيهم الأسود، بينما الشعب يحمل الزحف في يديه مرتلا خلف القراء والمنشدين أجزاء من نشيد الأنشاد، تلقانا تلميذي جورجيوس بحزن واضح، ودخل بنا على صحن الكنيسة لنلتقي بعشرات الوجوه من كبار الرهبان والأساقفة في الشرق، بالكاد سمح لنا الآباء المسئولون عن تجهيز أثناسيوس لرحلته الطويلة بالدخول لوداعه الأخير، فطفنا به وهو نائم في صندوقه الخشبي، قبلته على لحيته التي تفوح بماء الورد وأنا أبكي، بينما أبانوب يغالب مرضه ويمنعني من الانهيار، حتى وجدته هو الذي ينهار مني فجأة، فصرخت في الشماسة الواقفين على الأبواب لحمله من بين يدي، فاسرعوا وأخرجوه من بين الصفوف والزحام إلى خارج الكنيسة، لم أعرف هل أبقى مع صديقي الذي فارقني أم ألحق بصديقي الموشك على فراقي، ولم يكن أمامي سوى أن أترك أثناسيوس مسجى في صندوقه لألحق بأبانوب بين أيد الرهبان، حينها جاءنا جورجيوس وصديقان له، طلبت منه أن ينقله لمكان يرتاح فيه، أخذنا إلى دار كانت نزلاً لوالد أحد أصدقائه، وضعناه على سريره وجلسنا بجانبه إلى أن أتانا الطبيب، أعطاه شربة هدأت من تصاعد الحمى، وجعلته يستفيق من هذيانه وشروده عنا، وحين دقت أجراس الكنيسة معلنة بدء القداس الجنائزي توكأنا على عجزنا ونزلنا كي نلقي لصديقنا بتلويحة الوداع الأخير.

حين مات أثناسيوس تصور الأريوسيون أن حجر العثرة في طريقهم قد زال، فتجمعوا حول رجل يدعى لوسيوس، كان قد سيم أسقفاً خارج البلاد بطرق غير شرعية، فأحضروه لينصبوه بطريركاً للشعب، لكن الناس ما إن علموا بعودته حتى طاردوه إلى أن فر عائداً للقسطنطينية، وأسرع الأباء والأساقفة باختيار بطرس الثاني، هذا الذي سيم على يد أثناسيوس، وكان أميناً لأسرار الكنيسة في سنواته الأخيرة، وقيل أن أثناسيوس هو الذي أشار إليهم في مرضه الأخير باختياره من بعده، فالتف الأساقفة من حوله، ورسموه بطريرك للأسكندرية وشعبها، قاطعين الطريق على لوسيوس الأريوسيين والذين معه.

شعر الامبراطور فالينس أن اجتماع الأساقفة واختيارهم لبطرس الثاني تحدياً له، وما أن وصله الخبر حتى عين أوزوسيوس الأريوسي بطريركا على الأسكندرية من قبله، وأرسل معه كتيبة من الجند على رأسها أمين خزينته القائد ماجينوس، فهاجم  الأخير الكنيسة للقبض على بطرس، لكن الشعب والرهبان الذين نزلوا من أديرتهم لوداع أثناسيوس لم يكونوا قد غادروا بعد، فحالوا دون وصول الجند لأبيهم، وبمحبة من الله ظهر المؤمنون على الأريوسيين، فتراجع ماجينوس بجنده للخلف، وطور المؤمنون موقفهم من الدفاع إلى الهجوم، حتى أن أوزوسيوس اضطر للهروب، فظن الجميع أن الأمر انتهى، لكن رد الامبراطور كان قاسياً، إذ أمر نائبه بتنصيب لوسيوس من جديد في  كرسي الأسكندرية.

كانت حالة أبانوب قد تحسنت قليلا، فرأيت أن نغادر الأسكندرية وهو متماسك، ذهبت لأستأذن البابا الجديد في العودة إلى هضبة الملاح، فهو صديق قديم، أعرفه منذ سامه أثناسيوس كاهناً، لكن السفر والترحال لم يتركا لي فرصة لتوثيق العلاقة به، قلت فلأذهب لأستاذنه في العودة، لكنه رفض قائلا أنه ينوي الذهاب إلى روما ويريدني معه، نظرت إلى سنه وهو في الأربعينيات من العمر، وسني وقد أشرفت على السبعين، فعلمت أن الشراكة التي كانت بيني وبين أثناثيوس لا يمكنها أن تنبت من جديد، فاعتذرت لسوء حالتي الصحية، وأكدت أن أبني وتلميذي جورجيوس أكثر فائدة مني في الحل والترحال، فإن أذن فله أن يقبله في وفده، ويعتمد عليه في حركته.

تركت معه جورجيوس الذي سعد بتقديمه ليكون في صحبة البابا، وعدت أنا وأبانوب عجوزين متهالكين على عربة تشبه السفن الكبيرة، لكنها تسير على دوائر خشبية ، وتجرها خيول أوشكت على الموت، حتى أن عجلاتها كلما غاصت في الرمال كنا ننزل نجرها مع الخيل، هكذا ظللنا نعمل في خدمتها حتى أقسمنا بالمسيح ما نعود من جديد لركوبها، فأعطينا صاحبها أجره وعدنا نبحث عمن من يكرينا جوادين إلى دير الملاح.

رفعنا الرهبان ببكرة أبانوب إلى الهضبة النائمة في حضن الجبل الشامخ، التفت لأبانوب كي أعرف كم هو سعيد بمنجزه، لكنني وجدته شارد الذهن، منهك الجسد، سألته عن سبب شروده فقال أن ديمتريوس والملاح توحشاه، هدهدت على كتفه وواريت دمعة فرت من عيني، لم تكن الحمي ما هاجم أبانوب، لكنه الاتصال بأرواح السابقين، فقد كانت روحه ترفرف على عتبات الملكوت السماوي، ولم يأت الصباح حتى وجدناه فارق الحياة، شعرت بالهزيمة ومرارتها، فمنذ شهور أثناسيوس، والآن أبانوب.

 أمرت الاخوة في الدير بإرسال الخبر لرؤساء الأديرة والعشائر والبطون، وأرسلنا من يبلغ أسقف ليكوبوليس برحيل الأب أبانوب، وحددنا موعداً الدفن في رسائلنا بعد ثلاثة أيام، وأمرت الرهبان بدق الأجراس وبدء التراتيل الجنائزية، وأخذنا في قراءت دائمة من الأناجيل والأسفار ورسائل الرسل، ووقفنا نستقبل المعزين، تركت أمر تجهيز أبانوب إلى الآباء العالمين بهذا الأمر، وجلست أتابع ما يجري بنفس منكسرة، وعظام هدها الحزن، وفي النهاية حملناه ونزلنا أسفل الهضبة، حيث بني الرهبان مقبرة له إلى جانب مقبرة ديمتريوس.

انتهت المراسم وودعنا الضيوف، جاءني ساويرس وشنودة الذين رسمهما أثناسيوس شماسين لأبنوب، قالا أن الأخير أوصاهما بأن أكون رئيساً للدير من بعده، فنظرت إلى سنهما وعلمت أن فارق الزمن بيننا يزيد عن الضعف، ونظرت إلى نفسي فعلمت أن السنين جرت على بما يكفي، ولم تعد لدي طاقة لشيء، فقلت لهما أن ينتخبا من يرونه مناسباً، فردا بأن هذه وصية أستاذهم، ولا يمكن مخالفتها.

لم تكن لدي طاقة على الفعل أو الكلام، فقررت أن أعتزل في قلايتي، وأن أهرب نفسي من الحزن بالكتابة، ولم يكن هناك أمر أفضل من كتابة ما جرى من جبرائيل وديمتريوس وأبانوب في بناء هذا الدير، فلبثت في عزلتي شهوراً لا أخرج من قلايتي، حين خفت وطأة الحزن عني أدركت أنني صرت مسئولا عن الدير، وأن ثمة أمور تنتظر كلمتي في الخارج، ففتحت بابي ونظرت للجبل الشامخ أمامي، حين رآني الرهبان بدوا كما لو أنهم رأوا شبحا، في البدء أخذوا مني، لكن الفرح ما لبث أن دب في أوصالهم وهم يرونني أمشي بينهم، طالباً منهم أن يطلعوني على شئونهم.

كان جورجيوس قد انطلق في معية بطرس الثاني إلى روما، حيث قوبل بحفاوة بالغة، كنت قد قلت له أن يطلعني عبر الرسائل بكل ما يجري، ورتبت معه طريقة لوصولها إلى الدير، على نحو ما رتب معي ديمتريوس قديماً، وبالفعل جاءتني رسائله تشرح كيف استقبلهم داماسوس أسقف روما بكل تبجيل، وعقد مجمعاً مقدساً لأساقفته كي يطلعهم على ما جرى من الأريوسيين، فاتخذ المجلس قراره بحرمانهم، وأرسل قراره إلى مليتوس أسقف أنطاكية، فعقد بدوره مجمعاً أقروا فيه حرمان الأريوسيين.

 استغل لوسيوس غياب بطرس في روما واقتحم بمعية الجند الكنيسة، وجلس في الكرسي البابوي بالقوة، وسرعان ما  أمر بنفي الأساقفة الذين تصور أنهم يحرضون الشعب على مقاطعته، وأمر الجند بالقبض على الرهبان الرافضين له في الأديرة، وراح يرسم أساقفة من الأريوسيين ليحتلوا أماكن المنفيين، وظل يعيث فسادا في شئون الكنيسة خمس سنوات كاملة، حتى شاءت الأقدار أن دخل فالينس حربا جديدة مع الفرس، فانشغل بها عن الأسكندرية وأهلها، فعاد بطرس الثاني من روما إلى الأسكندرية، وفر لوسيوس إلى القسطنطينية، لكن السماء كانت قد صرفت نظرها عنه، إذ أنه فور وصوله القسطنطينية فارق فالينس الحياة.

جلست تحت شجرة السدر التي زرعها أبانوب، ورحت أشرح للرهبان ما جرى من الميلتوسيين والأريوسيين ضد البابوات السابقين، بطرس وأرشلاوس وألكسندروس وأثناسيوس، وأطلت في الحديث عن حرب أوريجانوس مع المتشددين من جانب والهرطقة من جانب آخر، وقلت أنني لو كنت أمتلك من القوة لعكفت على كتابة سيرة أوريجانوس مثلما كتب أثناسيوس سيرة القديس أنطونيوس، لكنني ساكتفي بشرح ما جاء في رسائله لصديقه وتلميذه البابا ديونيسيوس.

كنت أتحدث عن المهرطقين، وجدت شابا صغير السن يسألني عن أيهما أحب إلى قلبي ، أريوس أم أوريجانوس، فوقفت متحيراً لا أعرف بما أرد عليه، ثم طلبت منه أن يرافقني لمدة أسبوع، وبعدها يخبرني بمن أحبه منهما، كان الشاب يدعى بنيامين، وهو ابن ليهودي يعمل بالتجارة، لكنه لا يعرف في حياته غير السعي وراء المال، فعاقبته السماء بأن جذبت ابنه للمسيحية واعتزال الحياة، وألقت به على هضبة الملاح، دون أن يدري أي منا أنه هدية السماء لي كي أملي عليه كتابي، وفي غمرة إنشغالنا بالكتابة كانت رسائل جورجيوس تتوالي لتخبرنا بما يجري في العالم.

تولي الامبراطور ثيؤدوسيوس خلفاً لفالنس، فأرسل إلى بطرس الثاني كي ينقذه مما يجتاح القسطنطينية من هرطقات، فذهب واجتهد في إصلاح الكنيسة وأساقفتها وكهانها، وتوصل إلى أن غريغوريوس النزينزي هو أفضل من يتولى شئونها، وكان غريغوريوس زاهداً في الأمر، لكنه استجاب في النهاية لرغبة بطرس الثاني أن يكون في كرسي القسطنطينية من يطهرها من الأريوسيين ويعيدها إلى الإيمان القويم، وكانت هذه آخر الأعمال الجليلة لبطرس الثاني قبل تنيحه.

*****

19

لم تتوقف المفاجآت عند تولي جورج المنحني أبرشية أسيوط، وتولي يوساب رئاسة دير الملاح، فقد فاجأت تريزا ابنتها في المساء بأن صلاح متري سعى لتأسيس جمعية باسم أوريجانوس، وأنه أمضى سنوات من عمره في طرح فكرتهعلى العديد من الآباء في الأديرة البعيدة، ظل يقوم برحلات متوالية في أنحاء مصر من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، أقنع نحو عشرين راهباً وقساً فضلاً عن العلمانيين المقتنعين بفكرته لتأسيس الجمعية، وعقد لهم اجتماعاً ذات مساء في بيته، فتح المكتبة على الصالة وغرفة السفرة، وجمع كراسي من مختلف الجيران، قال أن هذا هو الاجتماع التأسيسي، وأخذ توكيلات باسمه من مختلف الحاضرين، بعدها حدثت لقاءات لم يحضرها أكثر من خمسة أوعشرة أعضاء، كانوا يتناقشون معه في أمر الجمعية التي رفضت الحكومة الموافقة عليها، فقد تقدمت الكنيسة بشكوى قالت فيها أن أوريجانوس تمت إدانته بالهرطقة، ولا يجوز السماح بنشر أفكاره وتعاليمه التي تخالف الإيمان القويم. لكن ذلك لم يثني صلاح عن فكرته، فقد ظل يجتمع على فترات بأعضاء جمعيته، موقنا أنهم يمكنهم أن إعادة الاعتبار لإوريجانوس، فهو المخرج الوحيد من حلقة التشدد التي سقطت فيها الأمة القبطية.

قالت تريزا أن يؤانس ثار وغضب حين علم بسعى صلاح لإقامة جمعية باسم أوريجانوس، لكن صلاح كان قد أصيب بخيبة أمل حين علم بخطف يوساب الثاني، ورأى أن الأمة القبطية ليست المشروع الذي يحلم بالمشاركة فيه، لأن حجر أساسها قام على العنف، وهو طريق لن يؤدي إلا لمزيد من العنف والتشدد، حتى وإن رفعت شعارات التحديث والتمدن، فأخذ يبحث عن فكرة يمكنها أن تحقق التحديث بعيدا عن العنف، ولم يهده فكره لغير أوريجانوس، فظل يتحدث عنه حتى مات تاركاً عشرات التوكيلات والمسودات والمذكرات، كل هذه الأوراق اعتبرتها تريزا الخطيئة التي أخذت منها زوجها وحياته، فجمعتها في صندوق وأغلقت عليه دولاب ملابسها.

كانت دميانة تسمع بانبهار شديد عن والدها وجرأة تفكيره، ولم تعرف ما الذي يمكنها أن تقوله عنه، لكنها فكرت قبل كل شيء في العودة إلى البيت وفتح هذا الصندوق للتعرف على الوجه الذي أخفته عنها تريزا، كي لا تتمثل به ولا تسير في طريقه، لكن ما دام الحذر لا يمنع القدر، وما دامت دميانة قد دخلت هذه المتاهة، فلابد من رواية كل شيء لها. هكذا قالت تريزا لنفسها وهي مقدمة على فضح ما خبأته في صدرها، ولم يكن أمام دميانة سوى أن تتركها ترتاح من ثقل السر الذي حبسته كل هذه السنين، كي تعود إلى البيت فترى كل شيء بنفسها.

نامت دميانة على سرير أمها ومن حولها الوثائق التي حبست في صندوق خشبي نحو خمسة وعشرين عاما، كانت الأوراق تحتوي على ظرف أبيض كتب عليه بخط كبير "جمعية أوريجانوس"، حين فتحته وجدت به توكيلات من نحو خمسين شخصا لصلاح متري، وتوقيعاتهم على وثيقة مبادئ الجمعية وأهدافها، أخذت تطالع الأوراق وتراجع أختام التوكيلات وأسماء أصحابها، لم يكن الأمر يحتاج إلى تفكير كبير، فغالبيتهم كانوا أسماء مشهورة، يحتلون مراكز مرموقة سواء داخل الكنيسة أوخارجها، كان أول ما نبهها إلى التدقيق فيهم توكيل باسم إيمانويل مراد يوسف، شماس بدير الملاح، حين طالعته شعرت كما لو أن أحداً ضربها على رأسها، أخذت عينها تتسع وهي تتخيل قدر اتساع الشبكة التي يمكنها أن تطلب منها المساعدة، فجميعهم أصدقاء والدها، وجميعهم مؤمنون بفكرته، ولوهلة أدركت أنها أمام جماعة مازالت قائمة حتى وإن لم تقبل أورقها في المحاكم.

من جديد توقفت أمام اسم إيمانويل الطيب، وتذكرت أنطونيوس وعلاقته باستاذه، وتساءلت في نفسها إن كان يعرف بأمر الجمعية أو له علاقة بها؟، أخذت تعيد النظر في الأسماء والتوكيلات ومحال إقامة أصحابها، لم تجد اسم أنطونيوس بالطبع، لكنها قرأت اسم باخوميوس سعد إبراهيم، شماس بدير سانت كاترين، تذكرت ما حكاه ملاك الكاتب عن الأب باخوميوس، وأنه في الأصل أحد رهبان دير سانت كاترين، وبعد مشكلة كبيرة مع رئيس الدير ترك المكان وتنقل لعدة أديرة أخرى، ليستقر أخيراً في دير الملاح، فعادت بذهنها من جديد إلى أنطونيوس للتذكر علاقته بإيمانويل، وكيف أقنعه الأخير بالنزول من على صخرته التي على هوامش القرى كي يتبعه إلى دير الملاح، ليحوله من قاتل وقاطع طريق إلى متخصص في مذاهب الهراطقة.

في الحلم كان أنطونيوس سعيدا بما توصلت إليه دميانة، وبدا عليه أنه غير مبال بثورتها في وجهه، بدا كما لو أنه يضحك وهو  يعتذر لها، في الحلم أيضاً رأت والدها بصحبة إيمانويل الطيب، لم تكن رأته في الحقيقة من قبل، لكنها عرفته من تلقاء نفسها، وخاطبته باحترام وتقدير لم تكن تتوقع أنها ستظهرهما له، هو أيضاً كان بهيا وجميلاً، تفوح منه رائحة جعلتها تنجذب إليه، ما أدهشها أنه كان يمشي وراء صلاح متري، مثلما يمشي خلفه كثيرون، بعضهم كانت تعرف صورهم في الاعلام، وبعضهم كانت ترى وجوههم على صفحات الجرائد، وما أيقظها من نومها أنها رأت كلب السماء وهو يزمجر خلف الجميع، لكنه بدا وديعاً وهو يسير بجوار شاب في مطلع الثلاثينيات من عمره، لا يرتدي سوى جلباب من كتان أبيض، لحيته ليست طويلة ولا قصيرة، لكنها سوداء ولامعة من أثر الزيت الذي دهنها به، وفي يده عصا راع يتكئ عليها تارة، ويلوح بها لكلبه السماوي تارة أخرى، حين رفعها وأشار بها نحو دميانة رأت كلب السماء يقفز نحوها كسهم خرج من قوسه، فانتفضت من نومها تلملم الأوراق لتضعها في صندوقها الخشبي.

******

20

رسائل أوريجانوس

ـ 18 ـ

كان علينا أن نتخذ نفس الطريق الذي اتخذه أستاذي بنتينوس، هذا الذي ذهب إلى الهند فكرز ووعظ هناك، كان وفد من تلك البلاد البعيدة قد حضر إلى الأسكندرية، بعدما علم بشأن المسيحية ودعواها للسلام والمحبة، فجلسوا كمبتدئين ينصتون إلى دروس بنتينوس في مدرسة اللاهوت، وكان أول من درّس بها، وحين جاء وقت رحيلهم رفضوا أن يعودوا إلا بصحبته، كي يعظ ويكرز أهليهم هناك، فما كان من ديمتريوس الكرام إلا أن وافق، ولا نعلم حتى الآن إن كان قد رسم بنتينوس كاهناً أم لا، فقد أباح له أن يعظ ويكرز مؤمنين جدد، وهو الأمر الذي لم يرض لي بأقل منه، لكنه في العموم كان يحب بنتينوس، كان يجله ويعرف قدره، فبنتينوس الذي درس مع الرواقيين في الميوزيوم هو الذي تصدى لتفسير الكتاب المقدس بدءا من سفر التكوين حتى سفر الرؤيا، لكن تفسيراته لم يبق منها الكثير، لأنه لم يكن يملي على أحد، ولم يفطن إلى أهمية النساخ.

استخدم بنتينوس لغة لم تكن معروفة، وضع فيها الحروف اليونانية إلى جانب حروف لا يعرفها إلا أبناء الأسكندرية وما يتبعها من قرى ومدن، هذه اللغة ارتبطت بالكنيسة وأبنائها، وأصبحت لغتهم السرية في التعامل بعيداً عن الرومان وعيونهم، فانتشرت بانتشار الاضطهاد، وكل الفضل في وضعها يعود لبنتينوس المحب للخير والجمال كما علمه أساتذه، فالرواقيون يحسبون الخير الأعظم في الفضيلة، ويؤمنون بناموس الطبيعة وناموس الضمير والواجب. ويرون في الله الطاقة المتغلغلة في كل شيء، بها خلق العالم الطبيعي وبقيّ محفوظًا فيه، هكذا كان يعلمنا بنتينوس ونحن نتردد على دروسه في الصغر، منه تعلمت حب الفلسفة، وأدركت كم تفتح لقارئها ملكات الخيال ورؤاه، وكم توسع مداركه وقدرته على الاستنتاج، لكن أحدا لم يأخذ على بنتينوس محبته للفلسفة بقدر ما توجسوها مني.

ذهب معهم في رحلة طويلة إلى الهند، فاتخذوا طريقهم إلى الجنوب في البحر، حتى نهاية بلاد العرب، ثم غابوا في بحر لا حدود له حتى وصلوا إلى بلادهم، مكث معهم نحو عام يعظ ويكرز، وبنى لهم كنيسة كبيرة يقيمون فيها الطقوس والأسرار، ثم عاد بنفس الطريقة إلى بلاد سبأ وحضرموت، فجلس عدة شهور يبشر ويعمد من يتبعه، ثم بنى لهم كنيسة يقيمون الأسرار والطقوس فيها، وتنقل مع الساحل يبشر ويكرز، حتى وصل إلى الأرض الواقعة على المحيط والخليج، فوجد أناس ينصتون لدعوته، فعمدهم وأقام لهم كنيسة، ثم تركهم وصعد مع خليج الفرس، حتى وصل بلدة يقال لها بصرى عند ملتقي الماء والياسبة، فجلس مدة يدعو أهلها، وكانت له طريقة تفتن الحجر، فتبعه كثيرون، فبنى لهم كنيستين، ورسم لكل كنيسة كاهنا، وبصرى كما تعرف تتبع اللخميين بالحيرة جنوب فارس، ثم أكمل طريقه في اتجاه الشمال، حتى دخل أنطاكيا، وتحصل على نسخة من أنجيل متى الرسول بخط يده، أعطاها له واحد من أثرياء المدينة، طالباً منه أن يسلمها لديمتريوس الكرام، تعبيرا عن تبجيل أنطاكيا وأهلها لبطرك الأسكندرية وشعبها.

بعدما انتهيت من مشكلة كريسبوس في تدمر، أردت أن أمر بالطريق الذي اتخذه بنتينوس في عودته، لكن أمبروسيوس رفض، قال أنه لا يمكنه أن يترك تجارته مدة أطول من ذلك، لذا يجب أن نعود إلى قيصرية كي يتابع شئون حياته، هززت رأسي موضحاً أنني أيضاً أصيبت بالإجهاد، ولم تعد لي قدرة على متابعة السير والانتقال من مدينة لأخرى، فقد تسربت الشيخوخة إلى جسدي، ضحكنا وقفلنا عائدين إلى قيصرية من جديد، رغم أنني كنت أتمنى أن أطوف بلاد العرب مثلما فعل بنتينوس، لكني لم أرد أن أشعر أمبروسيوس أنه بدلاً من أن يكون عوناً لي أصبح ثقلاً علي، فأقنعته بعجزي ورغبتي في الأمر،وعدت معه إلى تيوكتستوس وأسقفيته في قيصرية، وألكسندروس في أورشاليم، وجلست أملي على نساخي كتاباً جديداً في الرد على الهراطقة، فقد أحصيت أكثر من عشر هرطقات جديدة يتناولها الناس، بعضها نتاج هرطقات قديمة، وبعضها استحداث من قبل الشيطان الذي يبيض ليل نهار في أذهان ضعاف النفوس،  وإن كنت ظللت أقلب أقوالهم في ذهني طيلة الوقت، فلكل قول منطق وفكر، ولا يجب أن نغلق أذهاننا وقلوبنا على ما منحنا الله من فكر فقط، فقد منح الآخرين عقولاً، وهي تعمل مثلما تعمل عقولنا واكثر، لذا كنت أمنح نفسي فرصة التفكير فيما يقولون، وأسعى للتوفيق بين ما نؤمن وما يؤمنون به، ما دام سعينا للخير، ورغبتنا في معرفة الله حق معرفته، الحق أقول أيضاً أنني لم أرغب في أن أكرر معهم ما فعله ديمتريوس الكرام معي من قبل.

 لم يمض عام على رحلتي إلى بلاد جفنة بن عمرو ومملكة جذيمة الأبرش في تدمر، حتى جاءني رسول من أقصى شرق بلاد العرب، حيث مدينة بوسترا التي قرر أسقفها عقد مجمع مقدس موسع لقساوسة وأساقفة بلاد العرب، ليناقشوا أسقفا يدعي بريليوس يعلم بأقوال وأمور لا تتفق مع تعاليم الكنيسة الأم، كان ذلك عام أربعة وأربعين بعد المائتين من ميلاد السيد المسيح، فوجدت أن الرحلة التي قصرت في قطعها قد جاءتني من جديد، وأنه يمكنني الآن أن أذهب إلى أقصى الجنوب، فاستأذنت تيوكتستوس وأمبروسيوس في السفر، لكن الأخير قال أنه لن يتركني أتحرك وحدي، فقد قطعنا في رحلة العمر معاً ما يكفينا لأن نكمل ما بقي منه معا، فوافقته على طلبه وبدأنا في سفرنا، وما مررنا بقرية أو مدينة إلا واجتمع لنا أهلها طالبين أن نعظهم في بعض أمورهم، كنا نمكث معهم وقتاً قبل أن نكمل رحلتنا من جديد، حتى أننا أضعنا وقتا طويلاً في سيرنا، فوصلنا إلى بوسترا والمجمع موشك على الانتهاء، شرحنا أسباب تأخرنا وعدم القدرة على مجافاة الناس، فعلق بنيامين أسقف بوسترا أنه نفسه ما كان سيتركني لو مررت بأرضه، فضحكت وشكرته على كرمه، وجلست أنصت لما جرى في المجمع قبل مجيئنا، ففهمت أن الأسقف بريليوس انحرف عن تعاليم الكنيسة، وقال أن الرب أقنوم واحد، ورفض أن ينصاع لما أجمع عليه الآباء المبجلين في المجمع، وأنهم أجمعوا على حرمانه ونفيه.

كانت جملته الأخيرة قد نزلت كالزيت المغلي على رأسي، لكنني أغمضت عيني وابتلعت لعابي في جوفي محتويا رغبتي في الغضب، حتى أن بنيامين شعر أنه أخطأ، ولم يعرف كيف يتجاوز خطأه، فطلبت منه أن يدلني على مكان بريليوس، حين اقتربنا من المكان طلبت منه أن يتركني وحدي معه، فلما جلسنا بمفردنا سألته عما يعتقده في الرب، فتجاسر على القول بأن مخلصنا وربنا لم يكن موجوداً من تلقاء ذاته قبل حلوله بين البشر، وأنه ليس فيه أى شئ من اللاهوت بذاته, فما لديه هو لاهوت حلول الآب فيه.

جلست أنصت إلى بريليوس مثلما فعلت مع كريسبوس في قرى جبال تدمر، حتى لم يبق في جوفه كلام، ثم أخذت أستوثق منه ما يعنيه بقوله، حتى وصلت به إلى أنه الآن يعبد مخلوقا وليس خالقاً، فهل يستقيم هذا في منطقه، حينها بدأ يتراجع في حديثه، وبدأت أزيد من شرح سوء فهمه، حتى أيقن بالكلية أنه قد انحرف بفكره عن فكر الكنيسة، ثم تركته وعدت إلى المجمع، باحثاً عن الأساقفة الذين ظلوا في انتظار عودتي إليهم، فطلبت من بنيامين أن يقيم قداسه، ويوزع علينا خبز الرب وخمره، وجلسناً ننصت إلى عظته، فإذا به يتوقف عن الكلام، وإذا بنا نلتفت إلى الوراء لنجد بريليوس واقفا بباب الكنيسة باكياً، فنهضت من مكاني وأخذت بيده وذهبت إلى حيث يقف بنيامين أمام الهيكل، واستدرت إلى الناس قائلاً أنني أعرف شخصاً سعى إلى أن يطبق ما قاله الرب بالكلمة في كتابه، فما كان منه إلا أن دفعه إيمانه الشديد إلى أن تخلص من منحة الرب في جسده، فخصى نفسه كي يكون عبداً مخلصاً لا تساوره الرغبة ولا التفكير في غير الله، فهل كان على حق؟ لا لم يكن على حق، لكن الخطأ كل الخطأ أن نحاسبه على رغبته في الاخلاص للرب، الخطأ أن نحكم بحرمانه لأنه كان يسعى لأن يكون مؤمناً أكثر من كل المؤمنين، هذا الرجل لولم يجد أبا حكيما يتفهم خطأه لما أصبح الآن بينكم أستاذ ومعلماً.

لم أفسر أكثر من ذلك في عظتي الصغيرة، وتركت بنايمين يمارس دور الأب الحكيم القوي الرحيم، تركت كل الآباء والأساقفة يحتضنون بريليوس ويقبلونه، بينما هو يقبلهم ويعتذر عن خطأه، هنالك أشرت لأمبروسيوس بضرورة أن ننسحب، فجهزنا في الغد رحلنا وودعنا بنيامين والآباء الآخرين وتركنا بريليوس دون أن نخبره، وما أن خرجنا من المدينة حتى فوجئنا برجل يركب جواداً مسرعاً في إثرنا، حتى أننا خشينا أن نكون قد سرقنا شيئاً من متاع القوم، لكن ما إن أماط الفارس لثامه عن وجهه حتى رأيناه، كان ذلك بريليوس الذي عز عليه أن نتركه ونمشي دون أن يقول لنا شكراً، فهدهدت على كتفه بأنه لا شيء، فكلنا في طريقنا نخطئ، وطوبى لمن أخطأ في طريقه إلى الرب وعاد إليه.

حين عدنا إلى قيصرية أخذ أمبروسيوس يحدث الناس بما جري، والناس تأتي لتسالني عما قلته للمهرطق حتى عاد إلى رشده بهذه السرعة، فشعرت أن أمبروسيوس يفتن الناس بي دون سبب، فما وفقني إليه الرب لا يجب أن يتسرب إلى نفسي بالفرح، فهذه منحة منه وليس اجتهاد مني، وغضبت من أمبروسيوس قائلاً أنني لن أصطحبه في رحلة لي فيما بعد، وبدا أنه تأثر بما قلته، فتركني وعاد إلي بيته، وسعيت طيلة الليل أنحي غضبي عني فلم استطع، لكنني في الصباح تمكنت من هزيمة نفسي، وذهب إلى بابه باكياً طالباً مغفرته، إلا أنه رفض أن يفتح لي، ظللت أعود إلى بيته في اليوم الواحد ثلاث مرات على الأقل، وأطلب من كل من أعرفه أن يرقق قلبه على، حتى أن نساخي توقفوا عن عملهم، وتلامذتي صاروا يجالسونني ولا أحادثهم، ولم يخرج من بيته حتى جلست أمام بابه ساعات طوال، وكلما مر أحد جلس، حتى أن قيصرية كلها جلست معي أمام بيت أمبروسيوس، فما كان من جارية له إلا أن تشاجرت معه، وفتحت لي الباب قائلة أدركه قبل أن يموت من البكاء.

لم يكن أمبروسيوس وحده الذي يبكي، فقد بكيت وبكى أهل بيته وبكت قصرية كلها معنا، وجلست أحدثهم عن أمبروسيوس الذي التقيته بعد موت والدي بشهور، كنت وقتها مسئولاً عن أم وستة أخوة لا أعرف ما الذي أفعله من أجل إطعامهم، فقد صادر الرومان أملاك أبي ليونيدس، ذلك الذي مات شهيد اضطهاد وسجون سبتيموس ساويرس، فلم يتركوا لنا سوى مكتبته التي لم يقدروا أهميتها، فما كان مني إلا أن أخذت في عرض كتبها على الأثرياء العاشقين لامتلاك الكتب، في هذه الآونة تعرفت على السيدة  أوثاكا نيكيدا التي اهتمت برعايتي، كنت أشرح لها مقولات اليونان وقصائد شعرائهم مقابل مبالغ ضمنت لي الانفاق على أسرتي وأكمال تعليمي في الميوزيوم، لكن الخطوة الأهم كانت تعرفي على أمبروسيوس بعد ذلك بعام واحد، كان كما اعتدته دائماً ثريا، لا يمكن القول أنه في يوم ما عاش فقيراً، لكن لا يمكن القول أيضاً أنه في يوم ما عاش لنفسه، كان دائما ما يعيش لأجل الجميع، حتى ظننت من فرط كرمه أن الرب أرسله لي وحدي، وأنه رسول المسيح كي ينقذني من فقري الدائم، ويمكنني من مواصلة حياتي بعزة، و حين اضررت لترك الأسكندرية وضعت أخوتي أمانة في عنقه، وحين اضطر للحاق بي ترك لهم ما يعينهم على العيش حياة كريمة، وهو الأمر الذي لم يقله حتى لي حين أتي إلى هنا، لكنني علمته، لذا فهو لا يعلم قدره عندي، وشعوري أنه ملاكي الحارس، وشقيقي الذي لم ينجبه أبي، إنه روحي التي تلهمني الحياة.

حينها توقف أمبروسيوس عن البكاء، ونهض في مكانه قائلا أنني لست وحدي الذي يعرف كيف يعظ، فهو واعظ أجمل مني، فهتف فيه الناس أن يعظهم، قال أنه حين التقاني في صغرنا كنت بالفعل فقيرا وأسعى لبيع بعض الكتب له، يومها اشتريت منه بعضها شفقة عليه، ولم أره لمدة عام كامل، هو نفسه نسيني خلاله، حتى أنني حين التقيته وكلمته لم يعرفني، في ذلك اليوم طلبت منه أن أشتري ما معه من كتب، فرفض قائلاً أنها ليست للبيع، لأنه يدرسها، وكان ذلك مصدر اهتمامي به، فهذا الصبي يدرس ويقرأ هذا الكتب الكبيرة، بعد عام آخر وجدته يتردد على الكنيسة ومدرسة اللاهوت، ولم أصدق نفسي حين وجدته أصبح مدرسا بها خلفا لاكلمندس، يومها ذهبت لأتناقش معه، كنت ممن اختلط عليهم طريق الإيمان، وضللت سبيله القويم بسبب بعض الغنوصيين، فوجدته يحاورني كعالم كبير، يسألني وهو يعرف الإجابة، يسأل وأنا أجيب حتى أصل بنفسي إلى ما يريد قوله من البدء، لم يهزمني، لكنه تركني أفكر وأفكر حتى وصلت إلى الحقيقة بنفسي، لم يقل أنه قال، لكنه تركني أشعر أنني الذي فعلت، يومها أدركت أنه ساحر، وأنني كنت على خطأ، فارتبطت خطانا معنا.

سعدت بمغفرة أمبروسيوس لي، وانشغلت في عملي وكتبي وتلامذتي دون أن أدرك أن أمبروسيوس يتسرب كالماء من بين يدي، فلم يعد يتردد كثيراً على المدرسة، ولم يعد يسير كظلي في كل مكان، لم يعد يطلب مني أن أبارك عمله في المال كي لا تأخذه الشياطين، وكان يتعلل بأمور كثيرة وأنا لا أرغب في مطاردته، قلت كفى أنني أخطأت في حقه مرة، وهكذا فعلت حين أتى رسول من بلاد اليمن في جنوب شبه جزيرة العرب، داعياً لحضور مجمع لأساقفتها وأساقفة البلاد المجاورة في أثيوبيا وعمان، لمراجعة من يتحدثون بهرطقة عن النفس وموتها مع الجسد, وعدم قيامتها إلا يوم الدينونة، وهو ما يشكك في قيامة السيد المسيح، فوافقت على الحضور، وذهبت فرحاً لأمبروسيوس كي أبلغه أننا لدينا دعوة للبلاد التي كنت أتمنى الذهاب إليها منذ أمد بعيد، وعلينا أن نتجهز من الآن، لكنه بدا غير راغب في الذهاب، حاولت أن أعتذر له وأستسمحه أن يوافق، لكنه قال أنه متعب ولا يملك القدرة على الخروج من قيصرية، شعرت أنه لم يغفر لي، وأن التاريخ الذي بيننا لم يشفع لي عنده، وربما يشعر بفخره علي لأنه الذي يمتلك المال لتجهيز الرحلة، فحملتها في نفسي، وتركته وأخذت في تجهيز رحلتي، لكنني لم أتخيل أن هذه ستكون آخر مرة أراه فيها، فما إن عدت من رحلتي التي طالت شهورا في الصحاري المقفرة حتى صفعني امبروسيوس بخبر استشهاده، فشعرت بمرارة اليتم وهو يجتاحني من جديد.

*******

21

جن الليل على أنطونيوس وهو فيمقهى محطة رمسيس، كان يفكر فيما جرى معه منذ التقائه بجماعة الكشافة في الجامعة حتى وفاة أستاذه إيمانويل، وحين أصابته رعشة من البرد فكر في العودة إلى بيت تريزا ودميانة للحصول على ملابس الرهبنة وصليب باخوميوس الكبير، لكن كلب السماء ظهر له فجأة، وأخذ يزمجر غاضباً كما لو أنه يوأنبه على تأخره عن شيء ما، فانتفض يهرول أمامه، حتى وجد نفسه أمام قطار آخذ في الانطلاق فقفز بين ركابه.

كان القطار متجه إلى الإسماعيلية، ولم يكن لأنطونيوس حاجة في الذهاب إليها، لكنه ما إن شعر أن لهاث الكلب السماوي هدأ في أذنيه حتى ايقن أنها الوجهة التي عليه الذهاب إليها، بحث عن أحد الكراسي الشاغرة وألقى بجسده فيه، وعلى إيقاع صوت العجلات الرتيب شرد بذهنه في بدميانة التي ارتبط مصيره بها منذ أول يوم رآها فيه، مر بذاكرته على عدد اللقاءات التي جمعتهما سوياً، كان أغلبها في مكتب التحقيقات بالدير، وفي وجود ملاك الكاتب، حيث كانت تسأل عن آلية نشر الكتب في مطبعة الدير، ومن الذي يختار الكتب، ومن آخر من يوقع عليها للطباعة، كانت اللقاءات كلها أسئلة، وكانت دائما هي الجانب القوي، ودائما كان هو الجانب الضعيف، لكنه تعلق بها، ولم تعد صورتها تفارقه، مرات قليلة التي رآها فيها خارج مكتبها، أكثرها تعلقا في ذهنه حين ضربه رجال يؤانس على رأسه فأغشى عليه، وحين فتح عينه ووجدها تطببه في قلايته، فهل يمكن أن يكون ذلك هو الحب، الحب الذي لم يدركه في سنوات الجامعة؟ وهل يمكن أن يتأخر حب الرجل للمرأة في ركن بعيد بقلبه كل هذه السنوات، وهو لا يدري؟، وهل يكبر الحب بين رجل وامرأة يركب كل منهما قطارا في اتجاه معاكس؟

ظل أنطونيوس يعدد في ذهنه المواقف والتفاصيل التي جمعت أو حالت بينهما، حتى تذكر ذهابه إلى بيتها، ونومه في مكتبة والدها، ولمع في ذهنه اسم المخطوط  الذي قرأه على المكتب، "دفاعاً عن أوريجانوس"، تذكر أن ملاك أخبره ذات مرة أنها ابنة محام أمضى حياته للدفاع عن الفقراء، وأن إيمانويل كان أول من نبهه إلى قيمة أوريجانوس وأهميته،تذكر أيضا أن إيمانويل حكي له ذات مساء عن محامي عليه مذكرة بعنوان "دفاعا عن أوريجانوس"، كانت في الصل مذكرة للدفاع في ردهات المحاكم عنه، لكنه طورها إلى كتاب لم يتمكن من نشره، كان محامياً فقيرا ويعيش في شقة ورثها عن أبيه في القاهرة، لكنه املتك شجاعة عالم أوفليسوف، لم يقل عن نفسه سوى أنه محام محب للفقراء، ومهنته هي الدفاع عن المظلومين، ومنذ قرأ في صباه عن أوريجانوس وهو يدرك أنه ظلم، وكلما توسع في قراءته أيقن أننا بحاجة لاستعادته من أجل الثورة والتجديد.

لوهلة شعر أنطونيوس أن الرجل الذي جذب إيمانويل إلى طريق أوريجانوس من الممكن أن يكون والد دميانة، وأدرك كم المسافات قريبة، فإيمانويل هو الذي استدعى دميانة لتكون محققة مساعدة له في الدير، كان يرغب في أن يبقيها قريبة منه، وربما يرد لها بعض فضل أبيها عليه، لكن هل هل كانت تعلم بذلك، وهل مخططا لهما أن يلتقيا على نحو غير الذي تعارفا من خلاله، أم أنها الصدفة التي حكمت كل ما جرى؟ شعر أن خيوط الحكاية عادت لتتعقد في ذهنه، وأنه لم يعد قادراً على التفكير، فأغلق عينه شاعرا بخدر يجتاح أعضاءه، وسرعان ما تمطى على بساط النوم وذاهبا مع سحابة الأحلام.

 رأى دميانة ممسكة بشمعة وفي طريقها لأن تضعها أمام أيقونة العذراء، كانت العذراء تحمل طفلها كما لو أنها تقدمه لدميانة، بينما الأخيرة تتقدم تجاه الضوء المنبعث من الأيقونة كأنها تريد أن تدخل فيه، كان أنطونيوس يدرك أنه يحلم، وأن دميانة جزء منه، لكنه شعر أن الأيقونة أصبحت بوابة تنفتح لها، وأنه سيفقدها للأبد إذا تقدمت أكثر من ذلك، فراح يصرخ عليها أن تتوقف، يصرخ وهي تسير نحو البوابة التي تتسع كلما اقتربت منها، رأى نفسه يهرول حتى اقترب منها بما يكفي، ومد يده ليمنعها من الدخول، لكن ما رفع يده حتى انتبه على من يهزه من كتفه، حين فتح عينه وجده المحصل ينبهه إلى أن القطار وصل محطته الأخيرة.

جلس على مقاعد الانتظار لا يعرف أين يمكنه الذهاب، كان يتوقع أن كلب السماء سيظهر من جديد ليطارده نحو الطريق التي يريدها، لكن ذلك لم يحدث، وطال انتظاره دون جدوى، فقرر أن يترك أقدامه تتسكع على الأرصفة، وسرعان ما خرجت به من المحطة ليتمشي في طرقات الجانبية، ظلت التقاطعات تقوده إلى أخرى حتى وجد نفسه أمام كنيسة صغيرة، نظر إلى الصليب الواقف أمامه وتذكر باخوميوس بصليبه الكبير، تمنى لو أنه كان يرتدي زيه الكهنوتي ويحمل صليبه في عنقه، كان سيدخل معززاً على رئيسها طالبا منه مكاناً يرتاح فيه، لكنه الآن لا يملك سوى الدخول من الباب كأي مسيحي علماني، هز رأسه بأسى وقال أنها التجربة التي كتبها عليه الرب، ولابد أن يتقبلها بنفس راضية.

طأطأ رأسه ودخل من الباب دون أن يسأله أحد عما يريد، جال بنظره في المكان باحثاً عن صحن الكنيسة، ارتقى عدة درجات رخامية ووقف أمام الباب، كان القس بجوار الهيكل يلقي عظة أمام عدد من الشخوص الذين لم ينتبهوا لدخوله، وحده القس نظر نحوه وهو يجلس في الصف الخلفي، أومأ للقس كما لو أنه يستأذنه فأومأ له الآخر مكملا عظته، عاد بظهره إلى المسند الخشبي الممتد خلفه وأخذ ينصت كمن يؤدي واجباً علميا، لكن أذنه بعد دقائق أخذت تضيق وتتسع كما لو أنها تتشمم شيئا بين الكلام، كان القس يتحدث عن الفتنة التي ظهرت في زمن الأنبا ثاؤفيلوس، فقال أن الأخير كان رافضاً لتجسيد الرب كأوريجانوس، وتشدد في تنفيذ ما آمن به، فالله ليس ماديا، وليس مكونا فزيقياً، ومن فهم نقيض ذلك من أيات الكتاب المقدس هم من قرأوه قراءة حرفية، وهم متأثرون بالوثنية وتجسيدها للآلهة.

كان ثاؤفيلوس متحمساً لمحاربة الوثنية وما يمكن أن يتسرب منها إلى الدين الصحيح، مقتنعاً أن ما قاله أوريجانوس صحيحاً، ومن ثم أرسل إلى الرهبان في نتريا والأسقيط مشدداً على محاربة تجسيد الله في أديرتهم، لكن رسائله لم تخلق سوى مزيدا من الفتنة، فقد رفضها الكثيرون، حتى أن أحد الرهبان انهار باكيا، لأنه باختفاء التماثيل شعر أن الله ذهب من قلبه، فالقي بنفسه على الأرض صارخا:

ـ إنهم يحرموننا من الله.

كانت كلمات الراهب حارة ومثيرة للشفقة، حتى أن صرخته وصلت لمختلف الرهبان في البراري، وكان رهبان آخرون في نتريا والإسقيط غير قادرين على انتزاع صور الرب من مخيلتهم، فقرروا النزول من الجبال والصحاري لملاقاة ثاؤفيلوس، كان عددهم كبيراً، وحماسهم عظيما، مما أدى لاضطراب أحوال المدينة، وراح بعضهم يفكر في اغتيال البابا، فانتبه الأخير إلى الوجه الغاضب للرهبان، موقنا أنه بتمسكه بما يعتقده سيفقد القوة التي ورثها عن أثناسيوس وبطرس الثاني، فقرر أن يلتقي وفدا منهم، وما ان دخلوا عليه حتى قال " إنني أرى نور الله في وجوهكم"، وسرعان ما انقلب على أوريجانوس وأفكاره، وحارب كل من رفض التجسيد.

كان انطونيوس يجلس في نهاية الصفوف مبتسما، وكأن إيمانويل الطيب بعث أمامه من جديد ليتلمس خطى أوريجانوس وآثاره، موضحا كيف لجأوا إلى أفكاره ثم عادوا لينكروها، فظهرت الفتن التي قالوا أنه مصدرها، فمع تراجع ثاؤفيلوس عن رفض التجسيد كان الرهبان الذين آمنوا بالرفض قد أصيبوا بخيبة أمل، ومن بينهم لإخوة الطوال الذين خاضوا حروبا لرفض التجسيد، فلما تراجع ثاؤفيلوس عن موقفه لم يستطيعوا التراجع، فأرسل قوة من الجيش لانتزاعهم من أديرتهم، وحين قرروا النزول للعتابه رفض لقاءهم،  قائلا أنه اجتثهم بمنجل النبي.

*******

22

قمت برسم ساويرس وشنودة قسين، وعينت ساويرس للقيام بالطقوس ورعاية الدير ومن به، وكلفت شنودة بعظة بقية الشعب في القرى والبراري، ورسمت أربعة شماسة جدد هم لاون ويوحنا وبنامين وتواضروس، وزعت عليهم مهامهم أيضا، وأبديت رغبتي في تجديد سقف الكنيستين كي لا يسقطا تحت وطأة المطر، ثم جلست أسفل شجرة السدر أقرأ الكتب وأفسرها للرهبان، وحين أرسل تلامذة أبانوب الذين كانوا في صحبة أثناسيوس يسألونني عما ينسخوه للناس، أرسلت لهم في مغارة الجبل الغربي بعدد من الرسائل والعظات التي كنت سأعكف على شرحها، وطلبت منهم نسخها وإعطائها للناس، وأن يخبروهم بما قاله أثناسيوس قديماً، أن من غمض عليه شيء في رسائله وكتبه فليذهب إلى دير الملاح، هناك سيجد من يفسرها.

أرسل جورجيوس يخربنا أن الأب بطرس الثاني تنيح، وأن أخيه تيموثاوس قد تولي كرسي الكرازة، كانت تربطني بتيموثاوس علاقة أقوى من علاقتي ببطرس، ومازلت أذكر موقفه في مجمع صور حين ادعت امرأة على أثناسيوس أنه زنى بها، وكادت المكيدة أن تنجح وتأتي بنتائجها الوخيمة، لولا أن تيموثاوس نهض من مكانه وكلمها أمام الناس على أنه أثناسيوس: فردت عليه بتبجح أنه أثناسيوس الذي أفقدها عذريتها بالأمس، تذكرت ذلك وأنا أملي على الشماس بنيامين رسالة تهنئة لتيموثاوس، متمنياً له فيها النصر على الهراطقة، ويبدو أنه كان أكثر حظاً من أخيه بطرس، فقد قضى في كرسيه ست سنوات دون نفي أو مطاردة، و دعاه الامبراطور ثيؤدوسيوس لرئاسة مجمع مقدس لمناقشة هرطقة بطريرك القسطنطينية مقدونيوس، ورفضه ألوهية الروح القدس، قائلا أنه أقل من المسيح، ولا يمكن تأليهه. لكن تيموثاوس رد عليه، بين له فساد رأيه، فاتخذ المجمع قرارا بحرمان تعاليمه لتنافيها مع الإيمان النيقوي، كما حرم هرطقة سابيليوس القائل بأن الله أقنوم واحد وليس ثلاث، فهو الآب حينما خلق، والابن حينما خلص، والروح القدس حين يقدسنا. وحرم هرطقة أبوليناريوس الذي نفى عن المسيح جانبه الإنساني، كي لا يكون شخصان، أحدهما إنساني والآخر إلهي، مخالفا بذلك قانون الإيمان.

لكن تيموثاوس عاد حزينا من هذا المجمع، فقد أعطى الامبراطور امتياز الشرف بعد كنيسة روما لكنيسة القسطنطينية، وهي المكانة التي كانت تتمتع بها الاسكندرية، فشعر تيموثاوس ومن عادوا معه أنهم يحملون على أكتافهم عار العالم، فقد التزم الصمت مقابل رضا الامبراطورية وعدم الدخول في صراع جديد، لكنه استغل ذلك في مد نفوذه على الرهبان في الصحراء، ساعيا لتوحيدهم تحت رئاسته، والخلاص من الأريوسيين في المشرق والمغرب، إلا أنه سرعان ما فارق الحياة.

أرسل لنا جورجيوس سعيدا بترسيمه قساً على يد البابا الجديد ثاؤفيلوس، هذا الذي قال عن نفسه أنه ولد لأب وأم كانا وثنيين، وأنهما ذات يوم تركاه وشقيقته في عهدة خادمة حبشية، فخرجت بهما للصلاة بمعبد أرتميس، وما أن دخل المعبد حتى اهتزت التماثيل وسقطت على الأرض، وفي اليوم التالي كانا في طريقهما لحديقة عامة، فوجد رجلا يقول له أنه رأى ما حدث بالأمس، وأنه سيكون له شأن عظيم في تطهير البلاد من عبادة الأوثان. حين سأله عن اسمه قال أنه أثناسيوس كروز الديار المصرية، فانجذب للنور المنبعث من وجهه، وتبعه هو وشقيقته، حيث رسمه أثناسيوس شماساً، وأرسل شقيقته لتقيم في دير للراهبات، حتى بلغت سن الزواج فخرجت منه، وتزوجت وأنجبت طفلا.

تركت جورجيوس سعيداً بقوة ثاؤفيلوس الذي لم ألتقي به من قبل، وأدركت أنني صرت عجوزاً بما يكفي ألا أتابع كل ما يجري من حولي، لم أعد قادراً على السماع أو الكلام بما يكفي، وساويرس وشنودة يبذلان كل ما بوسعهما لأجل الدير، أما بنيامين فإنه يلازمني طيلة الوقت، وهو المسئول عن صناديق الكتب التي خصصنا لها مخزنا أسفل جدار الجبل، حيث يطل جزء منه ليحميها من المطر، كما أنه الواسطة بيني وبين النساخ فيديرهم بالجبل الغربي، أما تواضروس ولاون فإنهما يجلسان أسفل شجرة السدر، يجيبان على أسئلة المبتدئين، كنت أمضي معهما المساء في شرح ما أغلق عليهما فهمه، حتى أصبحا قادران على البحث في بطون الكتب وحدهما.

لم تمض شهور على تربع ثاؤفيلوس على كرسي مرقس الرسول حتى أرسل خطاباً يثني على سيرتي في صحبة أثناسيوس، وكوني رئيساً لواحد من أقدم أديرة القلزم، طالبا مني الحضور للتشاور بشأن ما يحتاجه الدير، علمنا أن أديرة أخرى جاءتها خطابات مشابهة، ولم يكن أمامنا غير جورجيوس لمعرفة ما يجري في الأسكندرية، لكن الأخير كان قد أصبح مشغولاً، فثاؤفيلوس كان راغباً في توسعة نفوذه، وبدا أن لديه رغبة في جعل المسيحية الدين الوحيد في البلاد، فراح يبدى استياءه من المعابد الرومانية واليونانية، وسرعان ما أرسل للأديرة رافضا تجسيد المسيح، لأن ذلك من أفعال الوثنية.

أنصتُ لبنيامين وهو يخبرني بأمر الشجار الذي دار أسفل الهضبة، فقد تجمع عشرات الراغبين في السؤال عن تجسيد الرب، مختلفين مع بعضهم إلى حد التشاجر، سألته عن رأيه هو فقال أنه مع عدم التجسيد، وإن كان شنودة وساويرس مع التجسيد، وقد وعظا الناس بأن التجسيد تذكير بقيامة الرب من بين الأموات، كنت أدرك أن شنودة وساويرس أبناء خلص لثقافة هذه البلاد، حيث التاسوع الإلهي الذي يربط السماء بالأرض، ويمجد إيزيس في جمعها لأعضاء زوجها، الذي ينهض من بين الأموات ويهبها ابنهما حوريس، فقلت لنفسي أن زمن الفتن قد بدأ.

لم يمض كثير من الوقت حتى أرسل جورجيوس قائلاً أن الأسكندرية شبه محتلة، وأن البابا محاصر لا يعرف كيف يخرج من الكنيسة، فقد نزل الرهبان من أديرة نتريا والإسقيط والقلمون والقلزم يجوبون شوارع الأسكندرية، منتظرين اللحظة المناسبة لينقضون فيها على البابا. بعدها جاءتنا رسالة تقول أن البابا تراجع عن رفض التجسيد، وأنه سيحصد بمنجل النبي من يردد مقولات أوريجانوس.

بدا أن بنيامين كان مستاء من رسالة البابا، فبعدما أظهر فرحا بالتجسيد في مواجهة ساويرس وشنودة وجد البابا يغير موقفه ويرحب بالمجسدين، أدركت أن الدير في حالة انقسام حقيقي، وأن من يجلون أوريجانوس سيعيشون أياماً عصيبة، هززت رأسي وأنا أطلب من بنيامين أن يبلغ ساويرس رغبتي في رؤيته، حين جاءني سألته عن موقفه فقال أن البابا مع التجسيد، سألته عن رأيه في أوريجانوس، قال أنه يجله، لكنه لا يتفق معه في كل ما ذهب إليه، نظرت في عينه قائلاً أن هذا الدير أمانة تحملناها من أبانوبوديمترويوسوالملاح، هنا أقام أثناسيوس وأقر كل ما فيه، لدينا كنوز تخص كل أصحاب الرؤى والفكر، ومنهج منفتح على الجميع، ولسنا تابعين إلا لربنا القدير، فعلينا أن نحفظ أنفسنا بعيدا عن الانحياز لأحد، وأن نبحث لكنوزنا عن مكان يحفظها من عبث اللصوص والمتنطعين. فهز رأسه مؤمنا على ما قلته، وموقنا أن عليه تنحية انحيازه لجمع الكل تحت عباءته، حينها طلبت من بنيامين أن يجمع الكتب التي يصعب على العامة فهمها، وأن يوضعها في صناديق وحدها.

********

23

لم تعرف دميانة ما الذي يمكنها أن تفعله بوثائق والدها، شعرت أنها أمام كنز يجب أن يعلم بأمره الجميع ، لكنها لا تعرف ردة فعلهم، فهل مازلوا على إيمانهم بفكرته أم أن الزمن مال بهم إلى طريق مخالف.

 نهضت من مكانها وقررت الذهاب إلى المستشفى كي تتابع إجراءات خروج أمها، كان نائل وأحمد قد اتفقا على أقراضها المبلغ الذي تحتاجه، حين التقت بهما أخبرتهما بشأن جمعية أوريجانوس وأعضائها، وقالت بفرح واضح أن إيمانويل وباخوميوس كانا من المؤسسين، وأن ثمة أعضاء يحتلون الآن مراكز مهمة في الكنيسة وخارجها، نزلت الكلمات على وجوهنا بمزيج من الفرح والدهشة، وضاع وقت في التفكير فيما يمكن عمله، وفي النهاية قرروا تأجيل الأمر لحين خروج تريزا.

ذهبت مع دميانة إلى المستشفى، وعاد نائل وأحمد إلى عملهما، في الطريق سألتني إن كان أنطونيوس كان يعلم بأمر الجمعية أم لا، ظننت أنني أستطيع الجزم بأنه لم يكن يعرف، لكنني ترددت، لم تنتظر مني ردا، فقد أخذت تتحدث عن اجتماع عقده يؤانس في جبل الطير، حضره عدد من الجماعات المناهضة للبابا الجديد، جميعها ترى أن أوريجانوس مهرطق، جميعها يحركها رجال ينتمون إلى الماضي، ولا يرغبون في التنازل عن مكاسبهم. وما أن وصلنا معهد ناصر حتى تركتني قائلة أن عليها الذهاب للكنيسة، فثمة ما يجب أن تستوضحه من الأسقف الكبير.

عشت ما يقرب من ساعتين في دوامة إنهاء الأوراق المطلوبة للخروج ، بعدها أحضرت كرسيا متحركا وأنزلت به تريزا من الأسانسير الكبير، ثم اتخذنا تاكسي إلى البيت، في الطريق سألتني عن دميانة، أخبرتها بأنها ذهبت للقاء الأسقف الكبير، عسى أن يساعدها على مواجهة يوساب ورجاله، فهزت رأسها قائلة ويؤانس أيضاً، علمت أنها تعرف عن يؤانس ما لا نعرفه، فسألتها إن كانت تراه خيرا أم شريرا.

ـ وما هو الخير والشر؟

هكذا أجابتني سؤالاً بسؤال، ولم أعرف بما أرد عليها، فالتزمت الصمت باحثا عن إجابة مناسبة، حين طال صمتي قررت هي التدخل لانقاذي، قالت أن أحدا لا يعرف ما هو الشر ولا ما هو الخير، فالجميع يتصور أنه يسعى لمنع السماء من السقوط على الأرض، دون أن يدري أنه من أجل ذلك يقتل في طريقه كل الذين رفعت من أجلهم السماء وخلقت لهم الأرض، الكل لا يرى إلا ما يعتقده فقط، بينما الخير والشر متلازمان في جسد واحد، هكذا كان صلاح متري يتحدث وهو يقرأ من كتاب لأوريجانوس، كان يشرح لي لماذا يتمسك بموقفه بينما يؤانس متمسك بموقفه، لكن الفارق بينه وبين يؤانس أنه رافض القتل، لا لشيء سوى أنه لا يعلم تمام اليقين إن كان على صواب أم خطأ، وحتى لو كان على صواب فإنه لا يعلم إلى أي مدى سيستمر هذا الصواب، فالحياة تتغير والبشر ليسوا قطع شطرنج ولا قطارات تسير على قضبان ثابتة.

حين امتدحت لتيريزا ثقافتها نظرت لي مبتسمة، ثم شردت بذهنها قائلة أنها حاصلة على دبلوم تجارة في زمن كان المتعلمون فيه يعدون على أصابع اليد، كما أنها كانت بمثابة سكرتيرة لصلاح متري، تعد له القضايا، وتكتب المذكرات على الآلة، وتتابع معه ما يجري في البلاد من أحداث، وحين توفي أخذت تعطي دروساً لأبناء الجيران، "هكذا كانوا يتعاونون معي في تربية دميانة، وهكذا نجونا من الموت، فما زرعه والدها ما كان ليضيع هباء".

شعرت أن تريزا تتمتع بحكمة كبيرة، وحسدت دميانة لأنها لديها أم مثلها، وتساءلت بحزن في نفسي عن أبي وأمي الذين تركاني على باب دير في صباح بارد، أخفيت ألمي في نفسي ووقفت أساعد تريزا على النزول من التاكسي، حين رآها الجيران تدافعوا للسلام عليها، أخبرتهم أنه من المجهد لها أن تصعد السلم على قدميها، فتطوع بعض الشباب بإحضار كرسي وصعدوا بها، هي بدورها أخبرتهم أنني ابن اختها، وأنني منذ اختفاء دميانة أقوم برعايتها والتردد على بيتها، أكدت على كلامها جارتها سيمون أم مايكل، وكانت شهادتها حاسمة في أمر الترحيب بي، واعتباري واحدا من بينهم.

ما إن استراحت في بيتها حتى طلبت مني أن أذهب لغرفة المكتب كي ابدأ فيما اتفقت عليه مع دميانة، حين ترددت نهضت من مكانها وأخذتني إلى الكرسي الجلد العتيق قائلة هنا كان يجلس صلاح، وأشارت إلى منضدة بالقرب من باب البلكونة قائلة وهناك كنت أجلس أنا، حيث آلة الكتابة التي باعتها دميانة واشترت طابعة كمبيوتر، ومدت يدها إلى زر تشغيل الجهاز النائم أسفل المنضدة، حين أخبرتها أنني لا أعرف كيفية التعامل معه، جلست وفتحت صفحة بيضاء قائلة:

ـ اضغط على هذه الحروف وسوف تظهر أمامك على الشاشة.

كان نائل قد أحضر لي هاتفا، حين سمعت صوت صفيره وقرأت اسم دميانة عليه فتحته على الفور، قالت أن ثمة تفجير مريع وقع في الكنيسة الكبيرة، وعلينا أن نفتح التلفاز لنتابع ما يجري، ثم طمأنت أمها إلى أنها في مكان آمن، وأن هناك من يبلغها سلامه، فارستمت على ملامح تريزا ابتسامة شاحبة وهي تغلق الخط.

 كان مشهد التدمير كبيراً ومرعبا، وكان الجيران الذين يأتون للاطمئنان على تريزا يتحدثون برعب واضح، قالت إحدى الزائرات أن اختها كانت في الكنيسة ولا تعرف مصيرها حتى الآن، ثم سرعان ما طلبت مني أن أذهب لأم مايكل طالباً منها أن تأتي لتعد لنا طعاما، فاخبرتها أنني كنت أمارس الطبخ في الدير سراً، ولدى أكلات رائعة، هزت رأسها مستسلمة، فنهضت أبحث عن شيء يصلح للطبخ، لكن كل ما استطعت التعرف عليه كان البطاطس.

في الليل عادت دميانة وتحول مكتب صلاح مترى إلى غرفة اجتماع لنا، فقد أنهى نائل وأحمد عملهما وأتيا للاطمئنان على تريزا، جلسنا في نفس المكان الذي كان يجلس فيه أعضاء جمعية أوريجانوس القدامى، وأخذنا نتداول الأخبار، قالت دميانة أنها كانت في غرفة الأسقف الكبير، وأن حديثها معه هو الذي أخره عن موعد عظته الأسبوعية، ولا تعرف إن كان هو المقصود بالتفجير حقاً، أم أن التفجير كان مجرد رسالة، قالت أيضاً أن الأمن وجه التهمة إلى داعش التي لم تتبنى الحادث بعد.

السؤال الذي طرأ على أذهاننا فجأة كان عن أنطونيوس، فقد ظهرت صورته على إحدى صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، وسرعان ما تداولها الناس بصيغة التساؤل عن ماهيته، وفهمنا أن ثمة من يسعى للزج باسمه بوصفه الفاعل، أو طرف خيط يمكن من خلاله الوصول إلى الفاعل، تسائل نائل بدهشة إن كان من الممكن أن يكون لأنطونيوس علاقة بالأمر، وأخذ أحمد يتجاوب مع فرضياته، لاحظت أن وجه دميانة كان يتلون بشتى ألوان الطيف، بينما عيناها تغوصان في محجريهما وهي على وشك الصراخ، لم يكن أمامي سوى أن أنهض إلى حيث وضعت عباءة أنطونيوس الكهنوتية السوداء، وصليب باخوميوس الكبير الذي ورثه عنه أنطونيوس، فرفعتهما على يدي قائلاً:

ـ كيف يفجر الكنيسة بهذه الملابس وهي هنا؟

كان سؤالي بمثابة وضع النقاط على الحروف، ففتحا عيناهما بدهشة، وراحا يعيدان التساؤل نفسه، بينما نهضت دميانة من كرسيها لتحدثهما عن أنطونيوس، هذا الذي لا يعرفونه، ولا يمكنه أن يفكر في عمل كهذا، أنطونيوس الذي ظهرت له العذراء، وحاربه الجميع في دير الملاح كي لا يعترفوا له بالقداسة، كيف يمكنه أن يسهم في قتل نفس واحدة.

كانت كلماتها سريعة وأسئلتها كطلقات الرصاص المتوالي على الرؤوس، حتى أنني نفسي وقفت صامتاً لا أستطيع النطق بكلمة، وتأكد لي أن دميانة تعشق أنطونيوس، وأنني مهما فعلت فليس لي نصيب منها سوى الأخوة على أفضل تقدير، هززت رأسي وابتلعت أفكاري في جوفي وأنا أشاهد أحمد ونائل منبهرين بذلك القديس، وفي النهاية تساءلت دميانة عن الوقت الذي التقطوا فيه صورة له بهذه الملابس، فقلت أنه كان قد ذهب مع تريزا إلى الكنيسة، فتركتنا وذهبت لأمها، قالت تريزا أنهما ذهبا لأسقف التحقيقات ليسألاه عن سبب غياب دميانة، لكن أنطونيوس طلب منها أن تتركه وتخرج، بعدها رأيت عددا من طوال القامة في طريقهم للدخول عليه، ورأت أنطونيوس بملابسه السوداء وصليبه الكبير يترنم بصوت واضح وجميل نشيد الأنشاد، حتى أن الكثيرين كانوا يرددون معه، ويمشون في معيته وكأنهم يحرسونه، فلم يستطع طوال القامة الاقتراب منه، حتى وصل إلى باب الكنيسة، وبعدها لا أعرف أين ذهب، حتى رأته من جديد في غرفة العناية المركزة.

*****

24

رسائل أوريجانوس

ـ 19 ـ

استشهد أمبروسيوس وفقدت المحبة التي كانت في حياتي، لم يكن استشهاده من أجل مال ولا نساء، لكنه كان من أجلي، فقد سمع شرطيا يصفني بالمهرطق فاشتعل الغضب في جسده، وأمسك بالشرطي وصفعه على وجهه، قائلاً أن النعل الذي ارتديه أصدق منه ومن رئيسه ومن ملكه وامبراطوره، حملها الجندي وذهب إلى قائده، فخرج الأخير بكتيبة من الجند في كامل عتادها، كما لو أنهم اكتشفوا فجأة الوجهة التي يكمن فيها الأعداء، فدهسوا كل شيء في طريقهم من أجل الوصول إلى بيت أمبروسيوس، لم يطرقوه ولم يستأذنوا في دخوله، لكنهم أعملوا فيه أدوات نقب الحصون والقلاع حتى هدموه على رؤوس العبيد والنساء، بعدها وجدوا أمبروسيوس جالساً في مكتبته العملاقة كما لو أنه في انتظارهم، وهو يقرأ في كتاب المبادئ، نزعوه منه، وصفعوه على وجهه حتى أغشى عليه، ثم جروه خلفهم إلى أن أخرجوه مما بقي من البيت، وأشعلوا النيران في الشجر والحجر، فظلت ألسنتها تطلق دخانها على رؤوس أهل قيصرية أسبوعا كاملا، دون أن يجرؤ أي منهم على الاقتراب منها.

لم يكن السجن في انتظار أمبروسيوس، لكنه العذاب الأليم، فقد احتفلوا به بينهم مدة أيام، تناوبوا عليه بشتى صنوف العذاب، قصوا له لسانه بمقراض أظافر الخيل، وخلعوا أظافره من أنامله، وصلبوه على صليب كبير من الخشب، ثم نسلوا عروقه من جسده، وفي النهاية أخذوا جثته وألقوا بها على قارعة الطريق، فحمله عبيده إلى الكنيسة، حيث انتشر الخبر وعم الحزن في المدينة، فجاء تيوكتستوس لينظر إلى الرجل الكريم الذي بذل حياته من أجل أن يرد كلمة عني، بكي تيوكتستوس، وبكت قيصارية كلها، ووقف الجميع في القداس يتضرعون إلى الرب أن  يقبل أمبروسيوس مع الشهداء والقديسين.

لم أكن أعرف بما سيجري، لم أكن أعلم أنني فور دخولي قيصرية ستنظر العيون في وجهي وتبكي، دون أن يخبرني أحد بشيء، حتى أنني فكرت في مختلف النوائب التي يمكنها أن تقع على رأسي، ومن بين كل الأماكن والشخوص خفق قلبي لصورة أمبروسيوس، وشعرت أنه أغلى ما يمكن أن تصيبني الدنيا فيه، فلم أذهب إلى بيتي، وقررت المرور عليه أولا، هنالك رأيت بيته الذي كان قبلة للجميع وأصبح ساحة للخراب، لم أستطع الوقوف من هول ما رأيت، شعرت أن روحي تنسل من ضلوعي كفرع شوك عفي، وسقطت على الأرض كخرقة بالية، كل شيء كان محترقاً، حتى ما بقي من الجدران والحوائط والرمال، كل شيء اشتعلت فيه النار حتى تهدم على نفسه، شعرت بالنار والأسى ينزلان على قلبي كوكومة من الصخر، سألت عن أمبرسيوس ولم يجبني أحد، كنت كلما سألت كانوا يبكون ولا يخبرونني بشيء، في النهاية جاء تيوكتستوس فاحتضنني وبكى، صددته مرات وأنا أصرخ في وجهه عما حدث، ولطول بكائه وصمته وضعت وجهه بين يدي، وأنا أنظر في عينه بقوة سائلاً بخوف واستنكار عن أخر ما يمكن أن يحدث:

ـ هل مات أمبروسيوس؟.

فبكى، وصرخت وأنا أفترش الأرض غائباً عن الوعي، وحتى الآن مازلت أشعر بوخز في قلبي كلما تذكرت تيوكتستوس وهو يطأطئ رأسه بالإيجاب، لم يهزني حزن مثلما هزني رحيل أمبروسيوس، وظللت أسابيع ما بين الحياة والموت، كانت رحلتي لبلاد العرب طويلة ومجهدة، وجزائي فيها كان رحيل أخلص أصدقائي وأقواهم وأحبهم، شعرت أن الأسكندرية قد رحلت مني إلى الأبد، وأن آخر الأهل قد ولي، وحين علمت كيف مات ولأي سبب مات زادت حسرتي عليه، تركت نفسي للحزن حتى هدني ولم أستطيع القيام من فراشي، كنت أبحث عن طريقة لا تغضب الرب لكنها تعجل بي كي ألحق بصديقي، تذكرت ما جرى مني، وما جرى منه، وكيف كان الشجرة التي كنت أستظل بها طيلة حياتي، فأي حياة بعده إذن؟

 أهدر تيوكتستوس كثيراً من الوقت في إنقاذي من الموت، وما بين أطباء ورهبان وقساوسة وأمراء توافدوا للعزاء، كان تيوكتستوس المسئول عن كل شيء، وأنا لا أدري أي عزاء يمكنني أن أتلقاه في رجل استشهد من أجل أن يرد كلمة عني، ولا أي جزاء يمكنني أوفيه إياه، فتركتهم يمارسون عزاءهم لبعضهم بعضا ورحت أترنم من أجل روحه بنشيد الأنشاد:

في الليل على فراشي طلبت من تحبه نفسي، طلبته فما وجدته.

إني أقوم وأطوف في المدينة، في الاسواق، وفي الشوارع، أطلب من تحبه نفسي، طلبته فما وجدته.

وجدني الحرس الطائف في المدينة، فقلت أرايتم من تحبه نفسي.

مضت شهور وأنا لا أخرج من بيتي، حتى أن النساخ تفرقوا عني، لكن تلامذتي جاءوا من كل مكان، وجلسوا أمام البيت، كل منهم معه قائمة بأسئلة يريد إجابتي عليها، بدا لي أن تيوكتستوس هو الذي أرسل إليهم، في البدء تصورت أن أحدهم لديه مشكلة في معني آية التبس عليه، فأخذت أتجاوب معه وأشرحها له، لكنني لاحظت أنه ما إن يغادر حتى يحضر غيره، وجميعهم يطرحون أسئلة تحتاج لمزيد من الشرح، فقلت أريح نفسي وأخرج للجلوس في مدرسة اللاهوت، وما إن فتحت الباب حتى وجدت عشرات التلاميذ يجلسون أمام البيت، جميعهم جاءوا من بلدان بعيدة، أيقنت أن الأمر ليس عفو الخاطر، وان هناك من دبر ذلك وربما سيدبر غيره.

 فتحت أبواب المدرسة وجلست أنصت إلى الأسئلة بوهن وربما بعدم رغبة في الكلام، فثمة ضعف يكبر في داخلي، وحزن جعلني كبيت مهدم، لكن إصرار التلاميذ الذين لم يعودوا تلاميذا دفعني لأن أتحدث، محاوراتهم وجدلهم جذبني من الجب المظلم كي أعود معهم إلى الحياة، فأنخرط في شرح وتفسير ونقاش وقراءة، وما أن علم النساخ بعودتي لعالمهم حتى جاءوا فجلسوا بجانبي، وتنافسوا على الكتابة خلفي، ثم أخذوا ينبهونني إلى الكتب والرسائل التي شرعت فيها ولم أكملها، فأخذت أعود إليها وأملي عليهم، ومن بينها كتاب كنت قد قطعت شوطاً كبيراً فيه، حيث أحصيت كل ما سمعته من هرطقات، وأقمت تصنيفاً بها وبأصحابها وبلدانهم وأساتذتهم، ثم أخذت في الرد على كل هرطقة منها، وتبيان فسادها، ومغالطتها للنفس والروح والعقل وما وررد في الكتاب المقدس.

في الحقيقة يا صديقي ديونيسيوس فإنه لا يمكن للناس فهم الكتابات الفكرية في الدين بعيداً عن الصلاة، فلابد من خِبرة الاتصال بالله من أجل فهم الكتابات المقدسّة، فالدرب الأمثل لِلتعرّف إلى الله هو المحبّة، ولا يمكن الوصول إلى معرفة المسيح حقيقةً دون الولع به، لذا فقد أوصيت تلميذي غريغوريوس في رسائلي إليه قائلا:

ـ كرّس نفسك لِقراءة الكتابات الإلهيّة؛ وانكبّ على هذا بِثبات. والتَزِم بِالقراءة بِقصد الإيمان بالله وإرضائه، وإذا وجدت نفسك أثناء القراءة أمام باب مُغلق، فاقرع الباب وسيفتح لك ذاك الحارس الذي قال فيه يسوع "الحارس سوف يفتحه له"، وفي انكبابك هكذا على القراءة الإلهيّة، ابحث بِصدق وثقة بالله لا تتزعزع عن معنى الكتابات الإلهيّة التي يتوارى فيها بشكلٍ كبير، لكن لا ينبغي لك أن تكتفي بقرع الباب والبحث، فكي تفهم أمور الله لا بدّ لك من الصلاة، فلم يقل لنا المُخلّص فقط "اطلبوا تجدوا"، و"اقرعوا يُفتَح لكم"، بل زاد على ذلك: "اسألوا تُعطوا".

أكدت كثيراً  لتلامذتي في مدرسة اللاهوت بقيصرية على قيمة المحبة وضرورتها بين البشر، فلا يعرف أحدنا فعليًا الآخر بِعُمق إلا إذا توفّرت المحبّة وانفتحت القلوب. لذا حين يتحدث الكتاب المقدس عن الفعل الحميم في الحب فإنه يقول "وعرَفَ آدمُ حَوَّاءَ امرَأَتَه فحَمَلَت"، فالمحبة معرفة وتزاوج، والمحبة توحد وتوالد للمعرفة الأكثر أصالة. فمثلما أنَّ الرجل والمرأة "اثنان في جسدٍ واحِد"، هكذا يُصبح الله والمؤمن "اثنان في روحٍ واحِد". بهذه الطريقة تَبلُغ الصلاة أعلى مستوى لها.

فالمعرفة يا صديقي صلة، والصلاة يمكنها أن تتطور لتصبح حوار حب حقيقي، إلى أن يتملّك الحبيب الإلهيّ الإنسان بكليّته، فيرتعش بِلمسة الروح، ويستسلم بثقة بنوته لقلب الآب..لكن مثلما جاء في سفر اللاويين، حيث حظر الله على هارون دخول قدس الأقداس بعد موت ابنيه، فإنه إذا دخل أحد إلى الهيكل دون الاستعداد اللازم، ودون ارتداء الثياب الحبريّة، ودون تحضير التقدمة المُتوجّبة، وجَعلِ الله راضيًا عنه، فَسوف يموت... هذا الأمر يَعنينا جميعًا، فالله يأمرنا أن نعلم كيف نحضر أمام مذبح الله.

و"نار الذبيحة" يا صديقي هي الإيمان ومعرفة الكتابات المُقدّسة، تلك النار التي لا يجب أن تُطفأ أبدًا على مذبح مَن يمارس الكهنوت، وفي داخل كلّ واحدٍ منّا أيضاً، ليس النار فقط؛ بَل الذبيحة أيضاً، ومن ذبيحته يُشعل كل منا المذبَح، لكي يَتَّقِدَ دومًا. إذا ما تَخَلَّيت أنا عن كلّ ما أملك وحملت صليبي وتَبِعت المسيح، فإنّي أُقَدِّم ذبيحتي على مذبح الله؛ وإذا أسلمتُ جسدي لِيُحرَق، وكانت فيّ المحبّة، ونلت مجد الاستشهاد، فإنّي أقدّم ذبيحتي على مذبح الله.

******

25

كانت سماء المدينة ملبدة بالغيوم، بيمنا أنطونيوس والقس يسيران في خطين متوازيين أمام البحر، يتحدثان عن أوريجانوس وكتاباته وأفكاره، مندهشان من قدراته على تحمل المشاق التي واجهته، ومختلفان حول علاقة ديمتريوس الكرام به، قال أنطونيوس أنه كان يغار منه، وقال القس أن الكرام كان يريد أن يفرض مزيدا من النفوذ على الكنائس الأخرى، فاستغل ما حدث من أوريجانوس وأخذ يراسل الجميع، موسعا من نفوذ كنيسته، وزيادة سطوته على الآخرين.

كان أنطونيوس قد انتظر في نهاية الصفوف منتبهاً لكل كلمة تخرج من فم القس عن ثاؤفيلوس، وما أن انتهي من عظته وتفرق الموعوظون من حوله حتى لحق به سائلا:

ـ هل كان أوريجانوس على حق؟

بدت كلماته كما لو أنها مجرد سؤال عابر، لكن القس توقف ناظرا في عينيه متفحصا إياه، فابتسم أنطونيوس وهو يخبره أنه من محبي أوريجانوس، ويبحث عمن يدله على الحقيقة، هنالك بدأ القس يتحدث، وكلما تحدث زادت الفتنة والحماس في كلماته، حتى أنه لم يشعر أن خطاه ابتعدت عن الكنيسة، وأنهما يسيران أمام البحر كما لو أنهما من خفر السواحل، نبهه أنطونيوس إلى هذا الأمر فتوقف وضحك، ثم سأل أنطونيوس عن بلده ولهجته وملابسه، فضحك الأخير وروي له ما جرى معه في دير الملاح، وكيف انتهى به الأمر لمشرد لا يعرف أين تأخذه قدماه.

كان القس يدعى صاموئيل، وكان يرأس هذه الكنيسة الصغيرة منذ خمس سنوات، قبلها كانت خدمته في دير سانت كاترين، حيث يوجد في الجبال كثير ممن يحبون أوريجانوس، حين علم أنطونيوس أنه ليس وحده شعر أن الهواء بدأ يدخل رئتيه، وأن صدره يتسع وقامته ترتفع، وعيناه تنظران للبعيد، حكي أنطونيوس عن أستاذه باخوميوس، وكيف مات معلقاً من عنقه في سقف قلايته، وأنه لم يملك سوى أن يتسلم من عنقه صليبه الكبير ويهرب من الدير، دون أن يتمكن من تأدية واجب العزاء لأحد، أو حتى قبوله من أحد.

تأثر صاموئيل بما رواه أنطونيوس، وحكي له أنه تعلم على يد راهب يدعى دانيال، وسمع منه أنه كان له صديقا يدعى باخوميوس، يمكنهما الذهاب للقائه في دير سانت كاترين، فهو مايزال يعيش هناك منذ أربعين عاماً، رافضا السيامة في الكهنوت، قائلاً أن أوريجانوس كان معلماً، ولو أراد أن يصبح قساً ما اختار أن يخصي نفسه، فلا يمكن لرجل في قامته وعلمه ألا يدرك أن الخصي أمر رمزي وليس فعلاً واقعياً، وأنه حين سمح لأصدقائه أن يسيموه قساً في قيصرية لم يكن إلا من باب رفع الحرج عنهم، فقد طالبتهم العامة بأن يعظهم، وكان ديمتريوس قد نهاه عن ذلك لأنه ليس قساً، ورغبة في إلا يعرف الناس سره سمح لنفسه بالسيامة، وتحمل عن طيب خاطر عقابه طيلة أربعين عاماً، معلنا في رسائله لتلميذه وصديقه البابا ديونسيوس أنه صفح عن الجميع، وأنه يحب الجميع، ولا يرى أن الله خلق الناس كي يتفنن في تعذيبهم، حتى أنه يوقن أن الشياطين نفسها ستخلص.

بدت رغبة أنطونيوس واضحة لصعود جبال سانت كاترين، والتعرف على الأب دانيال، عسى أن يكون على معرفة بباخوميوس الحبيب، فقد كان شماساً هناك قبل أن يذهب في رحلة طويلة انتهت بالاقامة في دير الملاح، تفهم صاموئيل أحزان أنطونيوس، ورغبته في الوصول لمن يمكن تقديم واجب العزاء له، فربت على كتفه قائلاً أنه سيذهب إلى سانت كاترين الأسبوع القادم، ويمكنه المجيء معه، أما الآن فعليه أن يعود لكنيسته قبل أن تقرع أجراسها لقداس المساء.

لزم أنطونيوس جدران الكنيسة طيلة الأيام المتبقية على موعد الذهاب لسانت كاترين، كان يجلس طيلة اليوم في المكتبة يقرأ ويتأمل، حتى أن سعدا المسئول عن المكتبة تصور أنه سيكون بديلاً عنه، وأبدى بعض الارتياب في أمره أمام صاموئيل، فطمأنه الأخير بأنه قريبه، وسوف يذهب معه في قضاء بعض الأمور التي تخصه، هنالك أخذ سعد يساعد أنطونيوس فيما يريده، لكن ليس كل ما يحتاجه، فثمة أمور كان لابد أن يرتبها صاموئيل بمعرفته، كالصليب والملابس الكهنوتية، فالعبور إلى سيناء يحتاج إلى خطة، والشرطة تحترم ملابس الكهنوت، لكن الإسلاميين الذين يظهرون من تحت الأرض مطالبين السائقين بالتوقف بحثاً عن الجنود، لا يمكن التكهن بأفعالهم، وعلاقتهم بالمسيحيين أكثر قسوة من علاقتهم بالشرطة، ففي الشهور الأخيرة مروا على القرى التي بها مسيحيين، وطالبوهم بدفع الجزية أو الرحيل، وكان ذلك سبباً كافياً لأن يخرج الكثيرون من بيوتهم عابرين إلى مدن القناة في الجانب الآخر.

شرح صاموئيل خطته، موضحاً أنهما سيرتديان ملابس القسوس ويعبران من نفق الشهيد، طالبا من أنطونيوس ألا يتحدث مع أحد في شيء، تاركا التعامل مع الشرطة له، فهو يمر عليهم مرتين في الشهر، هم يعرفونه وهو يعرفهم، وفي الجانب الآخر من النفق سيغيران ملابس القسوس إلى زي مدني بسيط  يتشابه فيه المسيحي مع المسلم.

ما إن بدأت الرحلة إلى الدير حتى سأل أنطونيوس إن كان يؤانس له سلطة هنا أم لا، ضحك صاموئيل موضحاً أن سانت كاترين لا يتبع كنيسة أو مجمع مقدس، فمنذ وضعت الأمبراطورة هيلانة أساسه وهو يتمتع بحالة خاصة، في البدء كان كنيسة تجمع حولها عدد من الرهبان حتى عرف باسم دير طور سيناء، لكن حين توفيت الأمبراطورة ثؤدورو زوجة الامبراطور جستنيان، وأراد الأخير أن يكرمها فبنى لها كنيسة أكبر في المكان الذي تجلى فيه الرب لموسى، فعرفت بكنيسة التجلي، وبعد سنوات رأى أحد رهبان الدير في منامه أن القديسة كاترين تأمره بأن يصعد هو ورفاقه الجبل ويحضروا رفاتها ليدفنوه بديرهم، فلما فعلوا عرف الدير باسم دير سانت كاترين.

كان أنطونيوس يعرف الكثير عن المكان وتطوره، لكن صاموئيل كان يتمتع ببراعة في الحكي، حتى أنه ظل ينصت طيلة الطريق بدهشة واضحة، وما أن اقترب الباص من مشارف الطور حتى ارتديا ملابسهما الكهنوتية من جديد، وترجلا مع الداخلين للمكان، وراحت عينا انطونيوس تطالع السور العالي، وكأنه بني ليكون قلعة في قلب ملتقي الجبال، كان جبل الطور واقفاً بشموخه المدهش مطلا على الرهبان من قبيل السماء، فاردا عليهم ظلاله المقدسة، تطلع أنطونيوس إلى الكنائس المنتشرة في الدير، وراح يحصي ثمانية منها في المركز وثمانية على الجوانب، وفي الخلف القلالي، بينما كنيستا القيامة والتجلي فكانتا إلى جانب مقبرة القديسة كاترين، كان بوده أن يتفقد كل شبر في المكان، لكن صاموئيل قبض على ذراعه وانتحى به جانبا كما لو أنهما سيخرجان من الدير، لكنهما التفا من خلف الكنائس والقلالي حتى وصلا إلى ما يشبه دشمة قديمة من زمن الحرب، فنزلا ثلاث درجات حجرية قبل أن يصلا إلى بابها الخشبي.

 طرق صاموئيل الباب برفق من يتحسس قلب رجل مريض، ولم يدخل إلا بعدما سمع حركة خفيفة عليه من الداخل، كان أنطونيوس مندهشا كما لو أنه لم يكن راهباً ولم يعش في قلال من قبل، وكان الأب دانيال جالساً في صمت تام على كرسي من جريد، بدا لهما أنه مستغرق في صلاة خاصة، فجلسا على حافة السرير المصنوع من الحجر في انتظار انتهائه منها، شرد أنطونيوس بعينه مع الخيط الواصل بين السرير والكرسي والسقاطة الخشبية في الباب، أدرك أن دانيال حين يشد الخيط تتحرك السقاطة فينفتح الباب، بعدها شعر بنسمة هواء تسري على وجنتيه، دار بعينيه بحثا عن مصدر ذلك الهواء المنعش، لم يجد سوى نافذة وحيدة يتأرجح فيها شعاع صغير من الشمس الموشكة على الغروب، تذكر قلاية أستاذه باخوميوس، وكيف كانت دائما عامرة بهواء مشبع براوئح النعناع، تذكر أيضا المشهد الأخير له وهو يتأرجح في فضاء قلايته، وتمنى لو يلتقي بأي من أهله كي يقدم لهم واجب العزاء فيه.

حين انتهى دانيال من صلاته ركع صاموئيل أمامه كرسيه مقبلاً يده وصليبه، تأمل أنطونيوس ذلك الصليب الكبير المصنوع من خشب الصندل، والموشى بالصدف على الجانبين، شعر أنه نفس الصليب الكبير لباخوميوس، وشرد بذهنه لذكرى قديمة، حيث الأب شنودةالذي ظهره له بينأعمدة وأطلال دير الأشمونن ليرويه بالماء الزلال، ويمنحه صليبه الكبير كأمارة منه لباخوميوس في دير المحرق، بدا لأنطونيوس أن الصليب الكبير هو كلمة السر في حياته، وانتابه يقين أن رحلته الطويلة قد أوشكت على الانتهاء، فنزل من مكانه مقبلاً يد دانيال قائلاً:

ـ تعبت.

هز دانيال رأسه، وألقي بنظره نحو الجالس أمامه باكياً، ثم رفع يده في هدوء شديد وونزل بها على الحبل الواصل بين الكرسي والسقاطة فتحركت من مكانها، وانفتح الباب على طاقة كبيرة من النور القابل لابتلاع كل شيء، ففهم صموئيل أنه آن له أن يترك ضيفه وحده، فنهض من مكانه مسلما نفسه للنور.

*******

26

رغب ثاؤفيلوس في تقوية نفوذ الكنيسة على الأديرة والرهبان، وكانت الأديرة القائمة في الصحاري البعيدة قد تأثرت بديانات الوثنيين الذين دخلوا المسيحية، فاستبدلوا آلهتهم بالمسيح، وأخذوا يجسدونه على أشكال شتى، ما بين تماثيل من صخور وأحجار وما بين رسومات على الأبواب والجدران، وكان ثاؤفيلوس دارساً لكتابات العلامة أوريجانوس ومحاوراته مع الهراطقة، فرفض تجسيد المسيح، موقناً أن ذلك تشبه بالوثنية، وأرسل إلى صديقه إيسيذورس ورفاقه المعروفين بالأخوة الطوال بعزمه على محاربة التجسيد، طالبا أن يعضدوه في موقفه، فأرسل إليه إيسيذورس بأنه سيبدأ من الآن في تطهير ديره والأديرة المجاورة من التجسيد والمجسدين.

خاض إيسذوروس ورفاقه طوال القامة حرباً للدفاع عما أمن به صديقهم، لكن الحرب كانت لها نيرانها التي طالت الجميع، فقد رفض الرهبان التنازل عن مجسدات الإله وصوره، ووقف بعضهم غير قادر على تصور نفسه وحيدا دون شيء يعضد إيمانه بالله الغائب، حتى أن أحدهم صرخ بحرقة:

ـ إنهم يحرموننا من الله.

 هذه الصرخة التي تناقلها الرهبان من بعده في مختلف الأديرة، وخرجوا من قلاياتهم رافضين رسائل ثاؤفيلوس بالتزام الإيمان القويم، وزادوا في الأمر أن أصبحوا جماعات، وقرروا أن ينزلوا إلى المدينة كي يعلنوا للبابا عن رفضهم ما آمن به، كانت حشودهم تزيد وتكثر، وصرخاتهم تتواصل مع بعضها بعضاً رغم المسافات والصحاري والوديان والجبال، ووصل الأمر إلى دير الملاح، حيث كان  شنودة وساويرس مع التجسيد، فقررا النزول للمشاركة فيما دعا إليه رهبان نتريا والقلمون والإسقيط، كانت الصحراء ممتلئة برهبان يتحركون على الرمال كما لو أنهم قرروا أن يغطوا وجه الصحراء بلون ثيابهم، ما إن وصلوا إلى المدينة حتى توقفوا في الشوارع المحيطة بالكنيسة، منتظرين أن يخرج إليهم ثاؤفيلوس، كانت الحشود تزيد وتتكثر حتى امتلأت الميادين والشوارع والأزقة، وفقد حاكم المدينة قدرته على ضبط الأمن وحماية الناس.

في البدء كان ثاؤفيلوس رافضاً ملاقاتهم، فارسل نائب الامبراطور إليه قائلاً:

ـ كثر الرهبان في المدينة .. وقل الأمن.. وتعطلت مصالح الناس، لابد من وضع حد لهذا.

 لكن ثاؤفيلوس ظل على عناده، غير راغب في قبول نصائح المخلصين له، بما فيهم جورجيوس الذي أصبح مسئولا عن حماية الكنيسة، فأرسل إلى الأديرة  الرافضة للتجسيد كي تمده برهبان يواجهون من يفكر في دخول الكنيسة، لكنه في إحدى الليالي غير المقمرة هبطت الأرض بأحد رجاله، وعلم أن الرهبان المحاصرين للكنيسة يحفرون أنفاقا لدخولها، وسرعان ما وقع واحد منهم ليكشف عن خطتهم في قتل البابا.

نقل جورجيوس الأمر إلى ثاؤفيلس، وأخبره أنه لم يعد قادراً على حمايته، فالأسكندرية محتلة برهبان غاضبين، يهيمون على وجوههم في الشوارع صارخين باستعادة الله، ولا يمكن التكهن بأفعال أناس خرجوا لنصرة ربهم، ومن ثم فلابد من سماعهم ويتفاوض معهم، فأدرك ثاؤفيلوس أن ثورته فشلت، وليس أمامه سوى أن يميل مع جهة الريح، فأرسل لجورجيوس كي يخبرهم أنه على استعداد للقاء وفد منهم، فلما دخلوا عليه استقبلهم قائلاً:

ـ إنني أرى نور الله في وجوهكم.

كان ذلك إعلانه الأول عن تغيير موقفه، فهدأت الأنفاس واستبشرت الوجوه، وما لبث أصحابها أن خرجوا من الكنيسة راضين فرحين، ليعلنوا أن البابا يبارك كل من وطأت أقدامه أرض المدينة حفاظا على الإيمان القويم.

غضب رافائيل من رسالة ثاؤفيلوس إليه، وأبدى رغم سنوات عمره التي تجاوزت التسعين ثورة عارمة، حتى أننا فوقفنا عاجزين عن تهدئته، والتزمنا الصمت غير قادرين على فتح أفواهنا بشيء، وبعدها دخل قلايته وأغلق بابها على نفسه، لتكون هذه بداية انسحابه عن شئون الدير، تاركاً كل الأمر كله في يد ساويرس وشنودة.

وجد ثاؤفيلوس ضالته في المجسدين الذين التقي بهم، فحول إيمانه من أوريجانوس إلى جعله الشيطان اللعين، فعضد صداقته بالمجسدين،وأرسل لرؤساء الأديرة الأخرى مهددا بحرمان من يتحدث بتعاليم أوريجانوس، وكان رافائيل أحد الذين اختصهم برسالة شديدة القسوة، مؤكدا أنه لن يسكت على نشر الهرطقات مجددا، وأنه سيحصد بمنجل النبي كل من يخالف الإيمان القويم.

عزت على رفائيل نفسه، وغضب من محادثة ثاؤفيلوس، الذي لم يسمع به في زمن أثانسيوس، بهذه الطريقة، متجاهلا قدره ومكانته وكونه أحد الذين خطوا لائحة الإيمان بأيديهم، فراح غضبه يتصاعد في داخله، وكلما تحدث تصاعد حتى كاد أن يغشى عليه، غير قادر على أن يتصور أن هناك من يمكنه أن يهدده، أويعلمه صحيح الإيمان، وكأنه لم يسمع بأثناسيوس وهو يقول للناس ما غمض عليكم في عظاتي فاذهبوا به إلى رفائيل. كانت الكلمات تخرج منجوفه حارة كحمم بركان لا يهدأ.

ظللنا ثلاثة أيام غير قادرين على الدخول إليه، كل يوم نجلس تحت شجرة السدر منتظرين خروجه إلينا، مناقشين أمر الرسالة وما فيها وكيفية الرد عليها، كان غضبي كغضب أستاذي رفائيل يتصاعد ويزيد كلما أعدنا قراءتها، لكنني كنت أقلل من حنقي على ثاؤفيلوس أمام ساوريرس وشنودة، فكلاهما مع التجسيد، ولا أريد أن أخلق فتنة في الدير، وكان ساويرس وشنوده يعيشان موقفا صعبا، فهما مع التجسيد وضد أوريجانوس، وهما مع رافائيل وضد ثاؤفيلوس، في نهاية اليوم الثالث نهضت من مكاني وتسحبت بخطاي نحو باب القلاية، ما إن طرقت عليه حتى وجده يتحرك، دفعت به فوجدته مفتوحا، واربته ونظرت إلى الداخل فوجدت رافائيل نائماً على الأرض ووجه في الرمل والحصى، ناديت لساويرس وشنودة فرفعوه معي على فراشه.

قلت لرفائيل وأنا ابكي حزنا وغضبا لأجله أننا لن نسمح لمتشدد كثاؤفيلوس أن يحتكر الله، ولابد أن نرسل للمؤمنين بتنزيه الله عن التجسيد كي يتوحدوا للرد عليه، لكن ساويرس قال أن كل ذلك ممكن، لكن الأفضل ألا نتحمل أعباء حرب لا تخصنا، فثمة آخرون خاضوا حروبا من أجل الدفاع عن عدم التجسيد، ولا يمكنهم أن يرفعوا راياتهم البيضاء فجأة لأن البابا غير موقفه.

اثبتت الأيام فطنة ساويرس ودهاءه، فقد رفض الأخوة طوال القامة رسائل صديقهم ثاؤفيلوس إليهم، واعتبروه ينقلب على تعاليم أوريجانوس التي آمن بها معهم، وأرسل إليه زعيمهم غيسذورس قائلاً كيف يمكننا بعد كل ما فعلناه لمحاربة التجسيد أن نتراجع معتذرين فجأة عن خطأ اعتقادنا؟. كان إيسيذورس حين تحول إلى المسيحية ثريا للغاية، فققر أن ينفق أموالهالطائلة على الأديرة لمساعدة الرهبان، وكان ثاؤفيلوس صديقه الأكبر، حتى أنهرشحه ليكون أسقفاً على القسطنطينية، لكن أساقفة المدينة فضلوا عليه يوحنا ذهبي الفم، فعاد إلى ديره بصحراء الإسقيط مناصراً لثاؤفيلوس في حربه على التجسيد، إلا أن الأخير غير قناعته متحالفا مع المجسدين، وتاركا صديقه إيسيذورس ورفاقه طوال القامة في موقف لا يحسدون عليه.

كان غضب طوال القامة أكبر من غضب رفائيل، وثورتهم على صديقهم ثاؤفيلوس أكبر من ثورته عليه، حتى أنهم رفضوا استلام رسائله، فطلب الأخير من نائب الامبراطور أن يرسل جنوده ليقتلعهم من أديرتهم، حدث ذلك في الوقت الذي قرروا فيه النزول من الصحراء إلى المدينة ليراجعوا صديقهم، لكن ثاؤفيلوس رفض استقبالهم، وهددهم بالحرمان والنفي.

كان إيسيذوروس حتى تلك اللحظة يتصور أن ثمة خطأ ما،وأنه من الممكن تداركه بقليل من التحاور، لكنه فوجئ باستدعاء ثاؤفيلوس للشرطة كي تلقي القبض عليه، فما كان منه هو ورفاقه سوى أن يخرج من المدينة مسرعين، ودون تفكير طويل وجدوا أنفسهم متجهين نحو الشرق، حيث ينتشر المؤمنون بأوريجانوس وتعاليمه في الجبال، مروا بالفرما ومنها إلى دير الوادي المقدس، فمكثوا مع رهبانه حتى وصلهم الخبر بأن ثاؤفيلوس عقد مجمعا مقدسا حرمهم فيه، وأن جند في طريقهم إليهم الآن، لم يكن أمامهم غير الخروج إلى فلسطين، لكن أسقف أورشليم نصحهم بالذهاب إلى القسطنطينية، فهي المكان الوحيد الذي لا يمتد إليه نفوذ ثاؤفيلوس، حيث يوحنا ذهبي الفم الذي لا يخشى لومة في قول الحق.

عضد ثاؤفيلوس تحالفه مع الرهبان المجسدين من أجل القضاء على الوثنية، وكان السيرابيوم هو رمز الوثنية المتجذرة بما يشتمل عليه من آلهة رومانية ويونانية في مقدمتها الإله سيرابيس، وكان لابد من هدمه كي يؤكد ثاؤفيلوس للجميع أسطورة أنه محطم الأوثان، فأمر ببناء كنيسة على مقربة منه، وأثناء الحفر اكتشف الرهبان أن المكان كان مذبحاً لأحد المعابد الوثنية القديمة، فأمرهم أن يعرضوا كل ما وجدوه للناس، ووقف يعظ المارة بأن المسيح نصره على الضلال، ولا سبيل للخلاص إلا بدخول المسيحية وتناول خبز الرب، كانت كلماته بمثابة النار على الزيت بالنسبة للوثنيين،فتجمعوا وقرروا أن يخلصوا أدواتهم من أيد ثاؤفيلوس ورجاله، بدأت المناوشات بين الفريقين، وتلقي رهبانه هزيمة واضحة، حتى أنهم أغلقوا على أنفسهم كنيستهم ثلاثة، وحين خرجوا منها وجدوا الموضع الذي حفروا ردم كما كان.

نصح جورجيوس استاذه ثاؤفيلوسبأن يفعل شيئاً كي لا تكون هذه نهاية المسيحية في المدينة، فذهبت رسائله لمختلف الأديرة كي ترسل له بكل من يمكنه نصرة الرب، فنزل شنودة ومعه عشرة رهبان من دير الملاح، وفي المدينة التقوا بجورجيوس الذي أوكل إليه ثاؤفيلوس مهمة توزيعهم القادمين على الأماكن والمهام، وكانت خطته هي افتعال شجار يعيد الحرب لما كانت عليه، فأخذ بنائيه ومساعديهم للحفر من جديد، وانتفض الوثنيون ليمنعوه، فهجم عليهم جورجيوس فمطاردهم برهبانه حتى دخلوا السيرابيوم وأغلقوا على أنفسهم، فاشعلوا النيران فيه، ثم أخذت المعاول في هدمه.

وقف نائب الامبراطور في الأسكندرية عاجزاً عن ردع رهبان ثاؤفيلوس، وشعر أنه ليس أمامه سوى مهادنة تلك الكائنات التي نزلت المدينة لتهدد حياة المقيمين بها، بينما أعلن ثاؤفيلوس أنه سيبني مكان السيرابيوم كنيسة باسم النبي دانيال، وأطلق دعوته لرؤساء الأديرة بالتبرع لبناء كنيستين باسم يوحنا المعمدان والنبي دانيال، وبدلاً من أن يعود الرهبان لأديرتهم نزلت عدة آلاف أخرى منهم لينالوا بركة البناء، فأصبحت الأسكندرية حظيرة من أمضوا حياتهم في بطون الصحراء، وكان على جورجيوس أن يوفر للقادمين من أديرتهم البعيدة أعمالاً ينشغلون بها، ومن ثم فما إن أن انتهوا من بناء الكنيستين حتى أوضح لهم ثاؤفيلوس خريطة المعابد التي يجبتطهير المدينة منها، وكانت خطته هي إقامة دير على مقربة من كل معبد، ثم افتعال شجار ينتهي بهدم المعبد وإقامة كنيسة في مكانه.

اعتزل رفائيل الحياة في دير الملاح، وترك الأمر لساويرس كراع وأب للجميع، وترك لي أن أستكمل ما كان يمليه على في كتابه، فرحت أكتب ما يرد إلينا من أخبار عما يجري في المدينة البعيدة، وما يتوارد على أذهان الرهبان العائدين من حكايات عما صنعوه في معابد الوثنيين، فقد شارك شنودة بإيمان حقيقي في كل ما حدث، وكنت ولاون من أكثر الذين نظروا إلى ثاؤفيلوس بوصفه من أطلق ريح الجنون، بينما كان اتباعه يرونه روح الله التي خفقت بجناحيها لتحطم الأصنام وتطهر البلاد.

 أظهر ساويرس حكمة بالغة في إدارته للدير، إذ أرسل مع شنودة عشرة رهبان ليشاركوا في نصرة الرب، ورسم شماسة يبشرون في القرى والقبائل المجاورة، طالبين من الناس التبرع لبناء كنائس الرب، كانت سطوة الكنيسة قد أصبحت قوية وواضحة، وكانت هزائم الوثنيين في الشمال تصل أخبارها لمختلف البلاد، فتظاهر الأغنياء أنهم لا يعلمون شيئاً، وبحنكة السنين اندفعوا للدخول في مظلة الرب قبل أن يستدير ثاؤفيلوس نحوهم، ضمنا المزيد من المؤمنين الجدد، ورحنا نرسل كغيرنا رهبانالم يجلسوا في الدير أكثر من شهور، كنا نوصيهم باتباع ما يراه جورجيوس، ونحملهم السلام لشنودة ومن سبقوهم.

ما أزعج ثاؤفيلوس هو لجوء الأخوة الطوال إلى يوحنا ذهبي الفم، فقد أرسل له الأخير مطالباً بعودتهم إلى أديرتهم كي لا يرفع شكواهم إلى الامبراطور، كانت هذه الرسالة بمثابة صب الزيت على النار، فقد استشاط ثاؤفيلوس غضبا، وأرسل لأصدقائه في القسطنطينية أن يمنعوا إيسيذورس من الوصول للامبراطور أركاديوس، وكانت زوجة أركاديوس على خلاف مع ذهبي الفم، فقد حرمها من الاستيلاء على حديقة لأرملة أحد النبلاء، فلما علم ثاؤفيلوس بهذا الخلاف نزل من الأسكندرية إلى قصر الامبراطور شاكياً تدخل ذهبي الفم في شئون كنيسته، وتشجيعه طوال القامة للخروج على سلطته، فأمر الامبراطور بعقد مجمع مقدس لمناقشة شكواه، في ذلك الوقت تنيح إيسيذورس، وانكسرت شوكة الأخوة الطوال من بعده، وعمل ثاؤفيلوس وأودوكسيا على أن تكون غالبية المجمع من أنصارهما، فجاء قراره بحرمان ذهبي الفم ونفيه.

*****

27

وصلت دميانة إلى الأسقف الكبير في غرفته بأعلى الكنيسة، وجدته كما تركته في المرة الأولى مكتئباً وحزيناً ولا يرغب في الحديث مع أحد، انحنت على يده وصليبه فقبلتهما، ثم أخبرته أنها جاءت إليه من الماضي، منذ نحو ثلاثين عاماً على الأقل، حيث شقة قديمة في منطقة سانت تريزا، وضعت عليها لافتة كبيرة تحمل اسم صلاح متري المحامي، وحيث غرفة مكتبه التي تطل على الشارع، وقد تحولت إلى مقر كبير لاجتماع أناس يؤمنون برسالة أوريجانوس في المحبة والخلاص للجميع، حتى وإن كانوا من المردة والشياطين، تلك الأمنية التي أطلقها في رسالته لصديقه ديونيسيوس قائلاً: وما ذنب الشياطين كي تعذب.

كان الأسقف يسمع وكأنه يرى صلاح متري واقفا أمامه بقامته القصيرة وعينيه المتسعتين وابتسامته التي تحتضن كل ما حوله، وما إن انتهت دميانة من حديثها حتى فتح ذراعيه مومئا لها بالدخول تحت جناحه، فارتمت بين أحضانه آخذة في النشيج، هدهد على كتفها ومسح على شعرها قائلا:                                                  

ـ ابنة صلاح متري لا تبكي..

 شعرت دميانة كما لو أنها استعادت أبيها للتو، موقنة أن رحلة آلامها أوشكت على الانتهاء، مسحت دموعها والتقطت أنفاسها وأخذت تروي له ما جرى معها، كان الأسقف ينصت وكأنه يعلم ما تتحدث عنه، ينصت ويهز رأسه بحزن واضح، في النهاية هدهد عليها موضحاً أنها ليست وحدها، فثمة كثيرون مثلها، يؤمنون بما تؤمن به، وما غرسه أبوها لم يذهب جفاء، ولابد أن يؤتي حصاده.

أعادت كلمات الأسقف الكبير اليقين إليها بأنها ستنتصر على الظلام، لكن المبنى الذي كانت تقف أمام أعلى جزء منه اهتز فجأة إثر انفجار عظيم بالكنيسة المجاورة، وتعالي الصراخ والغبار والفزع في كل مكان، بينما ارتجف الأسقف في كرسيه، وتمايلت دميانة في مكانها كمبنى قديم قابل للسقوط، وفي النهاية تساند كل منهما على الآخر حتى وصلا إلى الغرفة الوحيدة، حيث التلفاز الصغير المفتوح على الأحداث، رأيا المشهد من خارج الكنيسة ومن داخلها والفزع يعلو وجوه الجميع.

 تركت دميانة ملامح الأسقف تتغير من الخوف إلى الغضب إلى الصلاة من أجل الشهداء والمصابين، وخرجت من الغرفة لتطمئن على خروج تريزا من المستشفى، اخبرتها أننا الآن في البيت، وأن تريزا بصحة جيدة، وأخبرتني بالحادث الذي هز أركان الكنيسة، وفي النهاية طمأنت تريزا على نفسها، وأنها مع الأسقف الكبير في مكتبه.

ما أن أنهت حديثها معنا حتى وجدت العديد من الأساقفة والقساوسة يهرعون إلى السطح، جميعهم كانوا راغبين في الاطمئنان على الأسقف الكبير، مؤكدين أن تأخره عن عظته معجزة أنقذته من الموت، كانوا جميعا منشغلين به أكثر من أي شيء أخر، حتى أنها شعرت أن أحدا لا يرها، وكأنهم أصيبوا بالعماء تجاهها، فتسحبت في هدوء من بينهم إلى الخارج، حيث غيرت وجهتها عدة مرات قبل أن تصل إلى الشارع الكبير، فتذوب بين مئات البشر الذين توافدوا للاطمئنان على ذويهم، ولتصل بيتها بعد معاناة طويلة، وتقضي نصف ليلها الأول في عزاء من استشهدوا، والنصف الآخر في اجتماع عاصف مع أحمد ونائل، ثم مساءلةتريزاعن زيارتها مع أنطونيوس للكنيسة، ومع تباشير الصباح باغتت الجميع بأنها ستذهب للإبلاغ عن أنطونيوس، ليس بوصفه مفقوداً ولا بريئاً من التهم الموجهة إليه، ولكن لتأكيدها، موقنة أن هذه هي الطريقة الوحيدة التي ستجعلهم يقدمون على اقتحام الدير وتفتيشه.

لم نكن راضين عن فكرتها، وبدا لنا أنها أصيبت بنوبة جنون، لكن أمام إصرارها وافقنا على خطتها، فذهبت مع أحمد ونائل إلى قسم الشرطة، وجلستُ مع تريزا نحكي عن صلاح متري وشغفه بالحياة، لكن بعضا من جاراتها جئن لها، فتركتهن يعددن الحوادث التي راح ضحيتها أقباط، مقتنعات أن ثمة مؤامرة تجري لتهجيرهم من البلاد، مؤكدات أن من يترك بيته لمحتل فهو خائن.

 جلس الضابط الكبير ينصت ويدون في ورقة أمامه الأسماء والأماكن التي تذكرها دميانة، ثم نهض من مكانه وسلم عليها مؤكدا أنهم سيتصلون بها ساعة القبض عليه، فتحت عينيها متسائلة إن كانوا لن يذهبوا إلى الدير الآن؟، فابتسم بقسوة وهو يخبرها أن سيبحثون في الأمر، لم يستطع أحمد ولا نائل التفوه بكلمة، والتزما الصمت كما لو أنهما لا يعرفانها..

في الطريق أصرت على أن تعود وحدها، كان غضبها منهما لا يقل عن غضبها من نفسها ومن الضابط الكبير، رخضا لرغبتها في السير وحدها، لم تكن تعرف إلى أين سذهب، لكنها كانت تريد أن تكون وحيدة، فأخذت تمشي من شبرا إلى سانت تريزا عبر طرق جانبية، بدت لها المدينة وقد تغيرت تماماً، بدت خطواتها ثقيلة وتائهة، لكنها كانت تعبر من بين السيارات في الطريق الواسع المتقاطع، وتنظر إلى قطارات المترو المعلقة في الهواء، وتتطلع إلى أجواء السماء الخالية من السحب، زافرة بضيق واضح، بدت الدنيا في عينيها ضيقة وسوداء، ولا أمل في الخلاص لأحد، تساءلت في نفسها:

ـ كيف يمكن لإله أن يعذب من خلقهم؟!

ما إن انتهت من جملتها حتى وجدت أحد الرهبان طوال القامة واقفا أمامها، تطلعت إليه برعب واضح وتمنت لو بإمكانها أن تصرخ طالبة الشرطة للقبض عليه، لكن شيئاً ما أوقف قدراتها على التفكير، الراهب نفسه كان مهذباً للغاية معها، وقف أمامها كما لو أنه خرج من تحت الأرض هامساً بحزم شديد:

ـ أبونا يؤانس يريد رؤيتك.

وقبل أن تفتح فمها بالرفض أو القبول كان قد أفسح لها الطريق مشيرا نحو سيارة سوداء تقف على بعد أمتار منها، هزت رأسها باستسلام واتجهت نحوها، فاسرع فاتحا لها الباب الخلفي كي تركب، وأسرع للجلوس بجانب السائق، لم تكن دميانة تتوقع أن تجد يؤانس في السيارة بانتظارها، لكنها كانت تشعر أنها بحاجة للقائه، فثمة أمور لم تستطع فهمها، وثمة تفاوض لابد أن يجري.

حين انطلقت السيارة بها جلست صامتة تطالع أوجه المحال والعمارات والباعة المتجولين والمارة الغارقين في هموم الحياة، كانت تفكر فيما يمكن أن تقوله ليؤانس، كانت أيضاً تفكر فيما يمكن أن يحدث لها، لكنها أزاحت كل هذا جانباً وهي تغالب رائحة عطر رشه الراهب نحوها، فأخذت تحاول التمسك بالصور التي تمر في ذهنها دون جدوى، وسرعان ما غابت عن الوعي، فلم تستيقظ إلا على يد يؤانس في غرفتها بدير الملاح:

ـ حمد الله على السلامة؟

هكذا قال يؤانس مشيراً لرهبانه بالخروج، فاعتدلت في جلستها ونظرت من النافذة نحو سحابة داكنة في السماء، كانت تدرك أن فصل الربيع أوشك على الانتهاء، لكن المناخ لم يعد واضح المعالم، فلا الصيف صيف ولا الشتاء شتاء، لم تستبعد أن تجد هذه السحابة قد تحولت إلى مطر غزير:

ـ الله يسلمك.

لم ترد أن تتخذ الخطوة الأولى في الاشتباك معه، ولم تعرف سبباً لأن يعيدها إلى دير الملاح، ولا ما الذي يخبئه رجاله لها، لذا كان عليها ألا تثير غضبه، وتذكرت الحيلة التي مارستها مع رضا وزوجته في الصعيد، وكيف ظلت تمارس دورها كفاقدة الذاكرة:

ـ أين نحن ؟

مسح يؤانس على وجهه بلكتا يديه وأظهر ابتسامة باردة:

ـ  لماذا ذهبتِ للأسقف الكبير.وأين أنطونيوس الآن؟

هكذا تحدث يؤانس متجاوزا عن حيلتها وما فكرت فيه، مثبتا كانت عينيه على وجهها كجمرتين من نار، كادت أن تقول أنها لا تعرف، لكنها شعرت أن هذه الإجابة ستجعله يتركها لرهبانه، شعرت لأول مرة بالخوف منه، ورأت أن أنطونيوس هو الذي أنقذها من الرهبان ومن السلفيين، فأين هو الآن ليحميها من يؤانس.

 هكذا حدثت نفسها وهي تنظر في جنبات الغرفة بحثاً عن إشارة من أنطونيوس، نظرت في النافذة من جديد نحو السحابة الداكنة، لم يكن لونها ينبئ بخير، تذكرت أن الشتاء انتهى، وأن هذه السحابة في غير أوانها، تذكرت أنها منذ صغرها لا تحب الفاكهة التي في غير أوانها، كانت تراها نبتا شيطانيا، ولا أحد يحب الشيطان، وحده أوريجانوس الذي حاول أن يوجد له مخرجاً من العذاب، ذاهباً إلى أنه وفعل ما فعله دون إرادة الرب فإن ذلك يعني أن له قوة وإرادة غير إرادت الرب، وهذا لا يكون.

ـ هل أوريجانوس أفضل أم الشيطان؟

نطقت دميانة سؤالها دون أن تفكر فيه، حتى أن يؤانس فتح عينه وارتد برأسه للخلف، ليس لأنها فقدت عقلها، ولكن لأنه لا يمكنه أن يجاريها في حديثها، فقديما لم يستطع أن يجاري صلاح متري، وها هو الآن يجد نفسه أمام نفس الأسئلة بنفس الطريقة، فما الذي يمكن أن يقوله؟.

ـ الرب أعلم.

نطقها وكأنه يطهر نفسه من دنس سيلحق به، طيلة حياته كان ينظر لنفسه بوصفه جنديا للرب، ورسالته التي امضى سني حياته من أجلها تكمن في حماية المؤمنين من الضلال، لكنه في السنوات الأخير لم يعد يعرف من الذي يجب عليه أن يحميه وممن سيحميه، فقد تقاربت الخيوط وامتزجت الألوان ببعضها، ولم يعد بمقدوره معرفة المؤمنين من المهرطقين، الكل أصبح مؤمنا ومهرطقا في نفس الوقت، الجميعأصبحوا ديميتريوسوأوريجانوس في نفس واحدة، يتحدثون عن رؤية المسيح والعذراء، كما يتحدث إيمانويل وأنطونيوس، ويدافعون عن الشيطان وأنصاره، كما يدافعان بالضبط، جميعهم يدافعون باسم الشيطان، ويهرطقون باسم الرب، فارحمنا يا قدير، ودلنا كيف نحميكمن أنفسنا الشريرة؟

*********

28

رسائل اوريجانوس

20

عزيزي ديونيسيوس، لم يعد الكثير لأعترف به إليك، فقد قضيت أيامي بعد أمبروسيوس كأنني شخص ميت، فقدت كل رغبة في الحياة، كنت أمارس أيامي باعتيادية شديدة، استيقظ لأجلس في المكتبة أو مدرسة اللاهوت، أرد على أسئلة تلامذتي بفتور شديد، لا أرى جدوى من أي شيء، صرت أتأمل دائما أيامي الماضية، لم أعد أراني الأستاذ الذي اختلف مع رئيس كنيسته، وقرر أن يتحمل ضريبة هذا الاختلاف، رأيتني شخصاً مثيراً للمشكلات، أينما ذهبت أثير المشكلات، وكل الذين ارتبطت بهم نالوا نصيبهم من حظي العاثر، جميعهم نالوا نهايات عصيبة، أولهم أبي، ليونيدس، وليس آخرهم صديقي أمبروسيوس، وما بين الرجلين عشرات المآسي التي مرت بي دون أن أنتبه لحضورها، طالما أقنعت نفسي أنني شخص قوي، مَن حولي كانو يرونني ذلك الشخص الفولاذي، ويلقبونني بأوريجانوس أدمانتيوس، لقوة حجتي، ومضاء عزيمتي، وإصراري على النهوضمن رغم العقبات والكبوات التي واجهتني، لكنهم لم يروني من الداخل، كنت دائما مهزوماً خائفاً متوحداً بنفسي، أمارس شططي كيفما أريد، ليس رغبة في الشطح والشطط، ولكن تحسباً لأسواء الفروض، فماذا لو أننا نعيش حلماً طويلاً، أو أننا في دورة من دورات الحياة، ماذا لو أن الله لم يخلقنا بعد، وأننا مازلنا محض فكرة في ذهن الخالق.

جميعها أفكار لم أحدث بها سوى نفسي، لأن العامة لن تتقبل القول بأن الله سيخلص الجميع، تجسد في هيئة بشرية، ووقف على الصليب ليبارك العالم، ويطلب الغفران للجميع، العامة لن تتقبل القول بأن الآب يحتضن الخليقة كلها، أما الابن فيهتم بخلاص الخليقة العاقلة وحدها، والروح القدسيعمل في القديسين فقط. العامة تريد أن يكون الخلاص مكافأة لها وحدها فقط، على معاناتها في الحياة، دون أن تدري أن الكل مهما كان يعاني، فقد ولد الجميع في المعاناة، ليس مهما النظر إلى جسد الملك، ذلك الملفوف في الحرير والموشى بالذهب، فالأجدى النظر إلى الروح، تلك التي تتشعر بالضيق، ولا تنام من كثرة الأرق والتفكير في المهام، العامة يا صديقي لن يتخيلوا أن العذاب في الآخرة سيكون للروح فقط، وليس للجسد، فالجسد فان، أما الروح فإنها خالدة.

الروح يا صديقي هي الأمر العصي على الفهم، خلقها الله أولاً، ثم سجنها في الجسد بسبب خطاياها في حياة سابقة، هي الجوهر الذي يجعل منا اشرارا وأخيارا، وهي التي أشعرتني بالغيرة من تلميذي  ياروكلاوس  حين رسمه الكرام قساً، بينما اعترض علي رسامتي في فلسطين، هي التي جعلتني أظهر للعامة بعض تأملاتي وأنا أشرح سفر التكوين بالأسكندرية، فانزعج الكرام وطلب عدم العودة إلى تفسيره، هي التي جعلتني أصف خروجي من مصر على نحو خروج موسى منها، وكأنني النبي والكرام الطاغية، و جعلتني أقول أن الشيطان إذا كان قد سقط بإرادته الحرة فإنه سيخلص بإرادته الحرة أيضاً.

ما إن بلغني خبر وصول الامبراطور ديسيوس للحكم حتى شعرت أنني سأخلص عما قريب، وأن ما انتظرته طيلة حياتي سيحدث، فعما قريب سأنال الشهادة التي نالها أمبروسيوس، وأصعد لألتقي به في ملكوت السماء، بدأت حركتي تنتظم رغما عني، كما لو أنني عدت إلى شبابي من جديد، وأخذ ذهني يصفو وينتبه إلى كل ما حوالي، ونشطت في جمع نساخي ورحت أملي عليهم المتفرقات، كنت أتحدث في كل الأمور، وكأنني أريد تسجيل موقفي من كل شيء، تحدثت عن الروح والنفس والخلود والآب والإبن والروح القدس، ووظيفة كل منهما، وكنت أميل لأن أضع لهم ترتيباً، لكنني خشيت أن يحدث ذلك فتنة بين الناس، فألمحت لما أريده بين السطور، وتركت الأمر للعلماء كي يستنبطوه، قائلاً أن الابن لم يأخذ جسدًا، ولكنه روح نزل من السماء، وأن المسيح احتمل الآلام حتى لأجل الشيطان! وأننا لا نستطيع الصلاة للابن إنما للآب، فجسد القيامة قابل للفساد،والملائكة لها غذاء روحي، ودرجاتهم هي حسب السقوط والعودة، والروح القدس محدود في إمكانياته، والسيرافيم هم الابن والروح القدس المحيطين بالآب.

حين أعلن ديسيوس أنه سيعيد البلاد إلى عبادة الأوثان من جديد، نكس الناس روؤسهم، وشعروا أن مصيبة حطت عليهم، وأن عهد ساويرس سابتيموس قد عاد، لكنني شعرت بالفرح وقرب الخلاص، وكثفت من جولاتي لأعظ الناس في الشوارع، حتى أنني كنت أعظ الجند أمام رؤسائهم، حين ألقوا القبض علي وجدت معي في نفس القبو صديقي تتكتسيوس، كان القبو مظلماً ومليئا بالروائح النتنة، وكان الجنود لديهم أوامر بالقسوة الشديدة على كل من لا يسرع في تقديم الذبائح في المعابد، حين سألني أحدهم إن كنت سأقدم أضحيتي للإله أم لا ضحكت، وأخذت أرفع صوتي بالضحكات ساخراً من طلبه، حتى أن من في القبو عرفوني من صوتي، فنادي على تتكتسيوس من آخر المكان، علمته من صوته، وطلبت منه أن يخبرهم من أكون، كي يعرفوا الأضحية التي سأقدمها، فانهالوا علي ضرباً بجلود بها مسامير، لكن الذين يعذبون في القبو أخذوا يصيحون فيهم حتى تركوني وأخذوا يضربونهم، كنت أعرف أن هذه حيلة، فلا الجنود يريدون قتلي، ولا الذين كنت أعظهم بالأمس يريدونهم أن يستمروا في ضربي، وفي النهاية جاء قائد الجند وأغلق طوقاً حديديا ثقيلاً على عنقي، فوجتني مشدوداً منه إلى جانب الحائط، فعلمت أن ما تمنيته مازال بعيداً عني.

جلست في السجن خمسة أشهر، لا أعرف الليل من النهار إلا من تغير وجوه الجنود المكلفين بالحراسة، كان التعذيب يجيء كالوجبات في أوقات ثابتة، والجنود يتغيرون في مواعيد ثابتة، وعملهم يبدأ بدفقة تعذيب وينتهي بأخرى، طلبت منهم أن يضعوني بجوار صديقي تتكتسيوس لكنهم رفضوا، وزادوا في الأمر أن عذبوه ليلة كاملة لأجلي، فعلمت أن ثمة من نصحهم بعدم القسوة علي، كي لا أموت بين أيديهم، فما كان مني إلا أن رفعت صوتي، وكأنني أحدث تتكتسيوس، واعظاً كل من في القبو عن فضل الاستشهاد، وعن المسيح الذي ضحى بنفسه، والآلم التي تطهرنا من الخطايا، وتقربنا من ملكوت السماء، وتمنحنا القداسة التي ينالها كل شهيد، كنت أتحدث كما لو أنني في مدرسة اللاهوت، حتى أن كل المعلقين بالسلاسل على الحوائط أوقفوا تأوهاتهم وأخذوا يرهفون السمع لما أقول، وما إن ظهر الجنود حتى شعروا أن ثمة تغيرا قد حدث، فقد كان المسجونيين يطالبونهم بمزيد من الضرب والكي، كانوا يتعذبون ويضحكون، وأنا أحثهم على اتخاذ الرب قدوة، فلو كان العذاب شراً ما ارتضاه لنفسه، فطريق الفردوس هو طريق الآلام، ولابد من قطعه حتى النهاية.

في ذلك اليوم اغتاظ الجنود، ووضعوني على صليب خشبي كبير، وثبتوا يدي عليه، كنت أشعر أن روحي تنسل مني، وفقدت الوعي مرتين أو ثلاث منهم، واستيقظت في كل مرة على كي في منطقة جديدة من جسدي، أمضيت ليال معصوب العينين موشكا على الشهادة، كنت أرى الملائكة وهي تحفني بثيباها البيضاء، منتظرة أن تخرج الروح مني كي تعطرها وتحملها إلى قدس الأقداس، لكن الرب لم يقدر لي الفوز بالشهادة، وتركني أياماً شبه فاقدا للوعي، غير قادر على الحركة أو الكلام، أحلم أن تنطفئ النيران المشتعلة في جسدي، وأن تتوقف جروحي عن النزف وأضلعي عن الأنين.

 في هذه الأيام راودتني أحلام غريبة، من بينها أن البشرية عاشت في زمن ما حياة تشبه حياة القبو الذي نعيش فيه، وأن المخلوقات العاقلة كانت في ذلك الزمن مخلوقات غير مادية، لكن أرواحها عوقبت وسجنت في هذه الأجساد، رأيت أيضاً أن الملائكة من الممكن أن تصير بشراً، وأن البشر من الممكن أن يصيروا شياطين، فهكذا تتغير الطبائع، فقمت من نومي أعظ في القبو بأن العذاب ليس عذاب الجسد، لكنه عذاب الروح، فالجسد فان، أما الروح فإنها خالدة، وعذابها خالد.

*****

29

توقفت الحافلات على مسافة من دير سانت كاترين، وأخذ الرهبان يصعدون إليها كما لو أنهم ذاهبون إلى القدس، مؤتمرين بإشارات أنطونيوس وتوجيهاته، مصرين على إقامة عزاء للشهيد باخوميوس في الدير الذي أمضى به أغلب رهبنته، وأمام القلاية التي أسلم الروح فيها، مقيمين قداسا جنائزيا خاصا به، غير عابئين بما يمكن أن يواجههم من عقبات.

كانت تلك أول مرة يخرج فيها كل هذا القدر من الرهبان من بين جبال سانت كاترين، دون أن يعلم أحد بوجهتهم الحقيقية، كان الأمر مثيرا للانتباه ودهشة السلطات التي تراقب كل شيء بين الجبال، لكنها لا تستطيع أن تمنع تحرك الحجيج إلى أديرتهم، حين سألوا أنطونيوس عن الوجهة والسبب، قال أنهم ذاهبون لأداء واجب العزاء في أخ لهم.

كانت عيون الأمن قد رصدت منذ أسبوع حركة غير عادية لعدد الزوار القادمين إلى سانت كاترين، أغلبهم جاء بسيارات عادية وأتوبيسات سياحية، جاءوا لزيارة الدير لكنهم لم يخرجوا منه، وأكدت العيون أن الدير وما حوله أصبح بمثابة ميدان كبير يعتصم به المتظاهرون، كان الأمر مقلقا للأمن، لكن هذا ما أراده أنطونيوس ودانيال.

حكي لدانيال ما جرى معه منذ جاءه ايمانويل الطيب على الصخرة التي على هامش القري، حتى التقائه بالقس صاموئيل، وكان دانيال يهز رأسه راسماً شبح ابتسامة خفيفة، وكل فترة يمد يده ليضبط السماعة المعلقة على أذنه، وفي النهاية هدهد على كتفيه أنطونيوس قائلاً أن يؤانس لا يؤمن بغير القوة، ولا بد من مواجهته بالقوة، ظن أنطونيوس أن الراهب العجوز يواسيه ببعض الكلمات، فنظر إلى وجهه المليء بالتجاعيد، وجلده الذي أصبح رقيقا ككيس من النايلون، وخطر على ذهنه أن يسأله إن كان يعرف دير النساخ، لكن دانيال هز رأسه مبتسما:

ـ كنت أحد الذين خرجوا من دير النساخ.

علم أنطونيوس أيضا أن دانيال كان أستاذا لباخوميوس، وأن صلاح مترى التقى به وشرح له فكرته عن أوريجانوس، فعرفه دانيال على باخوميوس وإيمانويل، كان الأخير في زيارة للدير، فجلسا مع صلاح، واقتنعا برؤيته في التغيير، لكن الكنيسة رفضت فكرتهم، وثار جدل بسبب ذلك، حتى أن البابا قدم عدة عظات امتدح فيها أوريجانوس ومكانته،لكنه رفض قبوله في شركة الكنيسة، لا لشيء سوى أن البابوات الذين سبقوه رفضوا، ولا يمكنه مخالفتهم.

لم يفهم أنطونيوس الكثير من إيماءات الأب دانيال، لكنه شعر أن ثمة من يقف معهم في خندقهم، هدهد عليه الأخير ووضع يده على الخيط الرابط بين الكرسي والسقاطة الخشبية فانفتح الباب، خرج أنطونيوس من القلاية ونظر إلى النجوم المرتسمة على صفحتها كوشم على جسد لا تشوبه سوى الغيوم ، وقف لا يعرف إلى أين يذهب في ذلك الوقت، لكن غربته لم تدم طويلاً، فقد كان القس صاموئيل جالساً بجانب من القلاية، فصحبه إلى غرفة بمبنى الضيافة.

في الطريق تذكر مبنى الضيافة الذي كانت تنزل به دميانة يومين أو ثلاثة في الأسبوع، تذكر كيف كان يتطلع بنظره لغرفتها مترقبا ظهورها من الشرفة أو النافذة، كان يقر في نفسه أن ما يفعله أثما سيعاقب عليه، لكنه حين اعترف لباخوميوس بسره ضحك قائلا أن بعض الأخطاء يحبها الرب، ومن بينها الحب غير المدنس، فالحب الذي تبحث فيه الأرواح عن بعضها، وتتعذب في طريقها للقائه، هذا الحب هو بعض من آلام الرب في طريقه للصعود إلى الفردوس، فقد كان بإمكانه أن يصعد دون آلام، لكنه أراد أن يخبرنا أن طريق الفردوس هو طريق الآلم، وليس أمامنا سوى أن نحب ألمنا، لأنه طريقنا إلى الصعود.

أخذ أنطونيوس يصلي ما بقي من الليل في الغرفة التي نزلها بصحبة صاموئيل، وحين نام كان النهار قد أوشك على أن يملأ الدنيا بضوئه الحليبي، شعر أنه لم يعد قادرا على الاحتمال، فجسده مهدود ورأسه مشتت، مال بجذعه على السرير نحو الوسادة الوحيدة وترك نفسه للأحلام، كانت دميانة تناديه وهي جالسة على صخرة عالية، شعر أنه يعرف المكان، فأخذ يدقق فيه حتى تذكر أنه الصخرة التي على هوامش القرى، سألها عن سبب انتظارها في البرد أمام المغارة، أجابته أن ثمة ذئب يأكل الناس بها، حين نظر في عينها أطمأنت، وانحنت برأسها على صدره، فمسح بيده على شعرها المجعد، ورأى شعرات بيضاء في رأسها، فحزن ورأى ذلك غير حسن.

مضى وقت قبل أن يترك أنطونيوس دميانة وحدها على حافة الصخرة، كي يواجه الذئب الذي كان ينهش أجساد الناس، حين سد عليه باب المغارة وجده أصبح ذئاباً كثيرة، وكلما ألقي بواحد منها من على الجبل ظهر له آخر، حتى أنه لم يعد قادراً على الوقوف، فرفع عينه للسماء قائلاً بضعف واضح:

ـ تعبت .

هنالك تلاشت الغيوم، وبرقت السماء، وشعر أن طاقة جديدة سرت في روحه، فنهض من مكانه ليكمل حربه مع الذئاب، لكنه لم يجد غير الذئب الذي ارتعدت دميانهمنه ، وصرخت فيه من جديد أن ينقذها، كان ضخماً وقويا وله عينان تقذفان بضوء كالنار، فبحث أنطونيوس بنظره عن شيء يساعده على مواجهته، لكن الأخير كشر عن أنيابه وانطلق فجأة كالسهم اتجاه دميانة، ودون أن تفعل شيئاً عبرها وألقى بنفسه نحو الهاوية، كما لو أن شياطين الأرض كانت تقوده نحوها.

استيقظ على صوت ناعم ينادي عليه من الخارج، كان خادما أسود البشرة له صوت كأصوات الحريم، أبلغه الخادم أن دانيال ينتظره في قلايته، ولابد من سرعة النزول إليه، أمضي أكثر من ساعة وهو ينتظر خروج دانيال من صلاته، حين انتهى منها ابتسم في وجه انطونيوس موضحا أن معاناته أوشكت على الانتهاء، فقد شعر الآباء بالحزن لأجل باخوميوس، وقرروا أن يتلقوا فيه العزاء أمام قلايته.

حاول أنطونيوس أن يشرح خطورة ذلك، فرهبان يؤانس مدربين على القتال، ولن يسمحوا لأحد أن يحي ذكرى باخوميوس وإيمانويل، فهز دانيال رأسه مبتسماً:

ـ  ماذا لو كان المعزون أربعة ألاف.

دهش أنطونيوس من الرقم، ولم يستطع تخيل مشهدهم على هضبة الملاح، رأهم جالسين أسفل هضبة الملاح، مغلقين الطريق على أي من يفكر في الدخول أو الخروج، تذكر صديقيه أحمد ونائل، وما يمكن أن يكتباه عن ثورة كهذه، تصور لو جاءت الشرطة وأحاطت الهضبة وطالبت بفتح الأبواب ودخول المعزين، وكاد أن يقبل يد دانيال على فكرته المدهشة، لولا أنه تذكر موقع الدير على الهضبة الحصينة، وأن الثغرة الوحيدة التي به من جهة البحر، حيث المغارة المليئة بصناديق الكتب، تذكر الممر الرابط بينها وبين كنيسة الملاح، ورفع عينه وجه للأب دانيال:

ـ وأين دور قاطع الطريق؟

لم يفهم الراهب العجوز ما يرمي إليه تلميذه الجديد، فمال بحاجبه مستفسراً، رسم أنطونيوس جبال القلزم وعليها هضبة الملاح، وأمامها الصحراء الشرقية يقطعها طريق الرهبان حتى دير النساخ، قائلاً أن الحافلات ستتخذ الطريق الموازي للجبال لتصل بالمعزين إلى الهضبة، لكن من الذي سيسمح لهم بالصعود، هز دانيال رأسه منتظرا أن يكمل، فذكره بدور قاطع الطريق الذي يفاجئ الناس في بيوتهم من حيث لا يتوقعون.

ـ وماذا يريد قاطع الطريق؟

قالها دانيال بحماس واضح، فابتسم أنطونيوس قائلاً:

ـ زورق وخمسة رجال يجيدون تسلق الجبال.

حين اكتمل ركوب الرهبان في الحافلات أعطى أنطونيوس إشارته لهم بالتحرك، فخرجوا على الطريق في مشهد نادر الحدوث، فليس معتاداً أن تشهد الصحراء نحو خمسين حافلة محملة بالرهبان وتسير في قطار واحد، وهو الأمر الذي جعل رجال الأمن يتساءلون عن وجهتها وسبب خروجها، وكانت إجابات أنطونيوس غامضة ومقتضبة، فهو لا يريد أن يثير حنقهم، وكل ما يحتاجه منهم هو بعض الخيال غير الضار، فسوف يبلغون رؤساء رؤسائهم، ويتصلون بالكنيسة الأم التي سيزعجها الخبر، وسوف يراهن الجميع على الحذر واتخاذ الازم، بما يضمن حماية للموكب، حتى يصل في أمان إلى هضبة الملاح، حيث اللوحة الكبيرة المكتوب عليها "هضبة الملاح ترحب بالزائرين"

*****

30

تنيح الأب رفائيل في عامه الخامس بعد المائة، تاركاً فراغاً كبيراً في الدير، رغم أنه كان قد اعتزل الحياة منذ سنوات طويلة، وترك ساويرس يدير شئون الدير باقتدار، بينما التحق شنودة وأكثر من خمسة عشر راهباً بالأسكندرية، تلبية لدعوة جورجيوس الذي طالبهم بأن يظهروا إخلاصهم للمسيح، كانوا قد تركوني في صحبة رفائيل كي أقوم على خدمته.

أرسلنا لرؤساء الأديرة القريبة والبعيدة بالنبأ، محددين موعد تشييع الجنازة، لكن أصداء حرب ثاؤفيلوس على أوريجانوس وأنصاره ألقت بظلالها، فقد خشى الكثيرون من حضور جنازة راهب يخالف البابا، الجميع كان موقنا أن ثمة عيونا للكنيسة، ولا يريدون أن يكونوا منفيين عن أديرتهم كطوال القامة، فاكتفوا بالصلاة لأجله من قلاليهم، ولم يكن أمامي أنا وساويرس وثلاثة من الرهبان العجائز وبعض الخدم سوى أن نجهزه لسفره الطويل، ونقيم له قداسا جنائزياً فقيراً، ثم نحمله وننزل إلى مقابر الرهبان، لندفنه بجانب أستاذه ديميتريوس.

شعرت بعدها أن رسالتي انتهت، ولم يعد لي ضرورة في الحياة، فقد مات الرجل الذي كان المنارة التي توضح أفكار السابقين، وصار الدير مكانا للأشباح،ولمتعد هناك أهمية لشيء، فرفائيل العظيم تنيح ولم يحضر جنازته سوى خمسة أو ستة رهبان، رفائيل المفسر الشارح يموت عاجزاً عن قول كلمة حق في وجه بطريرك يهدد الجميع بالحرمان، فما جدوى وجودنا على الأرض؟ كان ذلك سؤالي لساويرس الذي لم يتمالك نفسه من البكاء، وأرسل لشنودة ولاون قائلاً أنه يخشى أن أفعل شيئاً ضد مشيئة الله، فأرسلوا له أن يبعثني لهم، حينها كلفني بحمل رسالة إلى جورجيوس في الأسكندرية، مطالباً إياه بإعادة شنودة ورهبانه إلى الدير، فقد فقد المكان رائحة الحياة. صدقت الرسالة التي أملاها على، وختمها بالشمع ووضعها في خرطوش يحميها من التلف، فتركته ونزلت متخذاً طريقي إلى الشمال.

كانت الأسكندرية قد أصبحت بمثابة دير كبير، ثمة رهبان يمشون في الشوارع كما لو أنهم يسيرون بين القلالي والكهوف، بدت المدينة العريقة كأنها تصحرت وماتت بها مظاهر المُلك التي طالما سمعت بها، المدينة الزاهية التي لا ينقضي عيد فيها حتى يبدأ عيد آخر لم تعد سوى دير كبير، شوارعها تحولت لساحات يعسكر بها الرهبان، البعض يقوم بحراسة الآخرين كما لو أنهم في حالة حرب، لا أثر لاحتفالولا زينة أو موسيقى، لا تجمهر إلا للرهبان بملابسهم السوداء، الأمر الوحيد المبهج هو ذلك الموكب الذي انطلق من الميوزيوم إلى بيت الحاكم، تتوسطه عربة حربية زاهية الجمال، تتقدمها جماعات من الحرس وتتلوها جماعات من العبيد، تجلس فيها سيدة وعلى مقعد كأنه العرش، تلوح بيدها للعابرين الذين ما يلبثون أن ينحنوا تبجيلاً لها.

 تصورت أنها زوجة الامبراطور أو نائبه، لكنني حين سألت عنها قيل أنها من كبار المعلمين في الميوزيوم، تلك المدرسة التي تعلم بها رفائيل في صغيره، وتعلم فيها أوريجانوس على يد أمونيوس السكاس وغيره من الرواقيين والأفلاطونيين الجدد، أيقنت كم كان رفائيل عظيماً، فلو استمر به الحال في هذه المدرسة ربما لأصبح في شهرة هذه السيدة التي يقال لها هيباتيا، والتي يحق لها وحدها الدخول في أي وقت على نائب الامبراطور.

كان البابا ثاؤفيلوس قد عاد منتصرا على غريمه ذهبي الفم، هذا الذي مات في منفاه في صحراء الاسقيط، وكأن من قسوة الزمان عليه أن جعله يموت في أرض الرجل الذي أصر على حرمانه ونفيه، وحتى الآن مايزال رافضاً إعادة إثبات اسمه في قائمة الآباء المطوبين، رغم أن الرومان والأنطاكيين فعلوا ذلك.

 كانت البلاد في حالة من الهدوء الذي لا يسيطر عليه سوى ظهور كيرلس ابن شقيقة الأنبا ثاؤفيلوس، تلك التي قيل أنها كانت مع ثاؤفيلوس يوم سقطت الأوثان تحت قدميه، وأنها دخلت الدير حتى أصبحت في سن الزواج، فتزوجت وأنجبت كيرلس الذي تربى في رعاية خاله، فصار قساً ينوب في كل شيء، بينما اعتكف ثاؤفيلوس تاركاً كل شيء في يده هو وجورجيوس.

وصلت إلى شنودة ولاون بمجرد أن قلت أنني من دير الملاح، فقد وزع جورجيوس الرهبان حسب الأديرة التي جاءوا منها، وأمر كل جماعة أن تقيم بجانب معبد للوثنيين، وما أن ينهدم المعبد حتى يبدأوا في تشييد كنيسة مكانه باسم أحد الشهداء أو أنبياء العهد القديم، كان رهبان الملاح يتواجدون مع رهبان دير الأب باخوميوس أمام كنيسة النبي دانيال المقامة على أطلال السيرابيوم، تمنيت لو أنني جئت في زمن رفائيل كي أرى هذا المكان وهو قبلة لمختلف الأديان، هززت رأسي ولم أعلق لمرافقي على شيء، لكنني ما إن التقيت شنودة ولاون حتى سقطت في نوبة بكاء طالما أجلتها، فجلسا يعزياني في رحيل أستاذي، موضحين أن أثناسيوس لو كان حيا ما وسعه إلا البكاء.

حين التقينا بجورجيوس رأيته قوي البنية متقد العينين حازم الرأي، فقد اعتاد أن يأمر والكل يجيب، بدا كملك لقبيلة من البدو الرعاة، سلمت عليه بحياد وأنا أسلمه رسالة ساويرس، فأعطاها لراهب يمشي خلفه، وسألني عما بها، قلت أن ساويريس يريده أن يعيد لدير الملاح رهبانه، فقد أصبح مكانا للريح والأشباح، أعجبته جملتي فابتسم ساخرا، ثم طلب مني أن أفكر في أمري وحدي، واستدار لشنودة قائلاً أنني من مظهري وملمس يدي لا أصلح لا للحراسة ولا للبناء، فأكدت على كلامه بأنني أمضيت حياتي في صحبة أستاذنا رفائيل، أغمض عينيه وهز رأسه طالبا له المغفرة من الرب، وحين انتهى من صلاته السريعة مازحني متمنيا ألا تكون هرطقاته قد مست رأسي بشيء، بدا على وجهي الغضب، لكنه ضمني سريعا إلى صدره وهو يقول:

ـ كنت تلميذه أكثر منك.

لم يتركني جورجيوس أدخل في المعارك ولا أعمل في الحفر، فقد طلب من كيرلس أن يضمني شماساً قارئا بالكنيسة، فهز الأخير رأسه ورسمني بعد أسبوعين شماساً للخدمة بصحبته، لتبدأ حياتي التي لم أتوقعها ولم أخطط لها، ولأصبح شاهدا على أحداث لم يشهد مثلها سوى رفائيل في صحبة اثناسيوس، فلم يمض عامان حتى تنيح ثاؤفيلوس، واختار الأساقفة كيرلس ليكون في كرسي الكرازة من بعده، لكن حاكم الاسكندرية أوريستوس لم يكن راغباً في أن يكون كيرلس خليفة لخاله.

كان التوتر يسود المدينة بين اليهود والمسيحيين، فقد حملهم الأخيرون خطيئة صلب المسيح، ورد أحبارهم بأن يسوع ابن يوسف النجار، وليس ابن الله، وأن المسيح لم ينزل بعد. فاشتعل الرهبان غضباً، شاعرين أن إيمانهم قد أهين، فأعطى جورجيوس أوامره لهم بالإغارة على حي اليهود، اشتعلت النيران فيه، وتلألأت سماء المدينة ومياهها بألسنة أضواء بيضاء وحمراء ودخان كثيف، ونهض أوريستوس على صرخات استنجاد اليهود به، فقد تهدمت معابدهم وبيوتهم، وصاروا مطاردين في الشوارع، وعبثاً حاول الجنود حمايتهم، فقد كان الغضب جامحاً، وجورجيوس يريد أن يحدد مساراً ما هو قادم، فكيرلس ليس ضعيفا، وإن كان ضعيفا فإن من حوله ليسوا ضعفاء.

وصلت الرسالة جلية إلى الحاكم أوريستوس، فألقى القبض على راهب يدعى أمونيوس، كان رئيسا لفريق من أبناء ديره، وقد نشطوا في مطاردة اليهود والوثنيين كما لو أن السماء ستنطبق على الأرض بسببهم، فلما تمكن الجنود منه رغب أوريستوس أن يرسل من خلاله لكيرلس رسالة مفادها أنه لن يرحم أحدا، ومن ثم أمر جنوده بتعذيب أمونيوس أمام الجميع، فراحوا يجلدونه بقسوة حتى مات بين أيديهم، حين علم كيرلس بوفاته أعلن على الفور أنه شهيد، وأمر بكتابة اسمه في سجل الشهداء، مما جعل الرهبان يوقنون أنهم يقاتلون في سبيل الرب، وأن من يموت منهم سيكون مع القديسين في ملكوت السماء.

ـ لم أعد قادرا على حفظ الأمن، ولن أكون قادرا طالما ظل كيرلس في كرسيه.

هكذا أرسل أوريستوس للامبراطور، لكن الأخير لم يهتم برسالته، نظرا لجهود أصدقاء ثاؤفيلوس وكيرلس في التقليل من شأنها، وما إن علم جورجيوس بالأمر حتى أرسل خمسمائة من رجاله لمهاجمة موكب أوريستوس، فحاصروه وهو عائد إلى قصره، وقاموا بتعنيفه وسبه أمام الناس، حتى أن أحدهم قذفه بحجر فشج رأسه، بعدها أرسل أوريستيوس لكيرلس قائلاً أنه لن يتحدث عن تجرأ الرهبان على موكبه، لكن ما يجري لليهود لابد أن يتوقف، فرد كيرلس:

ـ إكراماً لكم فإنهم يعودن إلى بيوتهم هذا المساء.

كان كيرلس راغباً في أن يحتل المكانة التي تحتلها هيباتيا لدى أوريستوس، فدائماً ما كنت تقطع شوارع الأسكندرية بموكبها وعربتها المزينة بالفضة والذهب، وكان أبناء الأسكندرية يعاملونها كملكة غير متوجة، وأوريستوس لا يؤخر لها طلباً، ويتباهى بصداقتها أمام الجميع، رغب كيرلس في هذه المكانة، فترك اليهود يعودون لبيوتهم، وأوقف زحف الرهبان على معابد الوثنيين، آملاً أن يشفع له ذلك في صداقة قوية مع أوريستوس، لكن الأخير رغم كونه مسيحياً فضل صداقة هيباتيا عليه، وكلما أمعن كيرلس في تقربه إليه أمعن أوريستوس في تبجيلها هي. حتى أن الرهبان شعروا بالإهانة لأجل سيدهم، وغذى جورجيوس فيهم الشعور بأن هيباتيا تحول بينهم وبين أن تكون الأسكندرية مدينة الرب الأولى.

تعامل الرهبان مع كراهية جورجيوس لهيباتيا بوصفها رغبة المسيح، ولم يعترض كيرلس، فراح البعض يفكر في طريقة يخدم بها الرب على الوجه الأمثل، وكان من بينهم قارئ في الكنيسة يدعى بطرس، طالب أصدقاءه بتطهير مدينة الرب من دنس هيباتيا المتباهية بكفرها، ونصحهم بأن أفضل طريقة لذلك هي كسر كبريائها، فاتفقوا على أن يكمونوا لها في طريق عودتها من الميوزيوم إلى بيت الحاكم، وجلسوا بانتظارها حتى ظهر لهم موكبها، ألقوا بالأخشاب في طريقه، وأخذوا يقذفونه بالأحجار من كل جانب، حتى هرب الخدم وفر الحرس وسقطت العربة على الأرض، وجرتها الخيول بفزع على الطريق المرصع بالأحجار، فراحون يطاردون الخيل حتى انكسرت العربة وانفصلت عنها، فأخرجوا هيباتيا المرتعدة منهم، وتنادوا في المدينة أن الله نصرهم على شيطانة الكفر، فتجمع المزيد منهم، ومن فرط حماسهم جروها في الشوارع ليدخلوها الكنيسة، معتقدين أنهم سيجعلونها تؤمن بالمسيح رغماً عنها، لكنها كانت قد فقدت وعيها، فجن جنون بطرس، وقرر أن يجردها من ملابسها ويلحق بها العار، وفهم البعض أن تلك إشارة الانتقام، فأمسك أحدهم بحجر وراح يقتل الشياطين التي في رأسها، وانتابت الجميع رغبة جارفة في التقرب إلى الله، فأخذوا يحضرون قطع الرخام ويضربونها بها، حتى أصبحت فطيرة من اللحم الممتزج بالتراب والدم والعظام المهشمة.

*****

31

اتصلت بدميانة أكثر من مرة، لكن هاتفها كان مغلقاً، اتصلت بأحمد ونائل لأعرف سبب تأخرهم، وعلمت أنها أصرت على العودة للمنزل وحدها، مررنا على المستشفيات وأقسام الشرطة، وظللنا طيلة الليل نطمئن أنفسنا أنها بخير، لكن كلما لم نجد اسمها في مكان يزداد الشك في قلوبنا، كنا خائفين من العودة إلى تريزا، فما الذي يمكن أن نقوله عن غياب ابنتها، واتفقنا في النهاية على القول بأنها ذهبت إلى دير الملاح مع الشرطة.

كانت تريزا في انتظارنا، جلسنا كالمهزومين في حرب طويلة، لم نعرف من أين نبدأ الكلام، لكنها وفرت علينا كل شيء، وقالت ووجهها مخضب بالدموع أنها تعرف ما حدث، اتصلوا بها وأخبروها أن دميانة معهم، حاولنا التخفيف عنها ببعض الكلام، حاولنا التهوين منقدرتهمعلى فعل أي شيء لها، لكنها رفعت يدها في وجوهنا بأن نلزم الصمت، ثم تحدثت وكأنها تجزئ الهواء بيدها، موضحة أنها في السابق لم تكن تعرف مكان ابنتها ولا سبب غيابها، وتجاوزت المحنة، فهل الآن وهي تعرف كل شيء لكن تتجاوزها؟!.

ظلت دميانة حبيسة مبنى الضيافة في دير الملاح، لا أحد يدخل غرفتها ولا يخرج منها، حتى النافذة التي تطل على سماء الدير وأرضه أغلقت، وصارت تتلقى طعامها مرتين في اليوم عن طريق خادم عجوز.

كان يؤانس قد وقع في نوبة من الضحك المختلط بالبكاء حين علم أنها كانت مع الأسقف الكبير يوم أن انفجرت القنبلة، وأن وجودها هناك هو الذي أخره عن النزول للعظة، حينها وضع يده على وجهه وأخذ يضحك ويبكي ضاغطا على عينيه ومقدمة رأسه، حتى أنها ظنت أنه أصيب بنوبة من الجنون، وتمنى لو أن يهشم السرير والغرفة كلها عليها، لكنه انتفض من مكانه صارخا في رهبانه الا تغيب عن عيونهم، بعدها جاء الرهبان وأغلقوا النافذة والباب وتركوها تعاني هلاوس خوفها.

لم تعرف سبباً لغضب يؤانس بهذا الشكل، حتى أنها لم تستطع أن تواجهها بالأسئلة التي كانت تدور في رأسها، وظلت ليلتها الأولى تتوقع أن يدخل عليها رجاله فيمزقوا ملابسها ويعتدوا عليها، أو يقذفوا بها من فوق الهضبة وينتهي أمرها، لكن حين غلبها النوم رأت أنطونيوس يمشي أمام شياه كثيرة، واضعا عصاه الكبيرة على كتفيه ويغني، ظلت تنادى عليه حتى انتبه لها، حين سألها عن سبب وجودها في هذا المكان لم تجبه بشيء، ووقف متحيرا لفترة قبل أن يضع الصليب الذي على صدره في الباب ويفتحه، أمسك بيدها ويهرولا في الصحراء، رأت أغنامه أناسا، ورأت أمها تحتضنها وتبكي، وأحمد ونائل يهرولان خلفهما على الطريق، وملاك واقفا بين قساوسة كثيرين ينظر في صحف قديمة، جميعهم رفعوا عيونهم عن صحفهم ونظروا نحوها وهي تهرول بين الرمال والكثبان.

 جلسنا نحن الأربعة على منضدة الطعام في بيت تريزا كما لو أننا في مجمع مقدس، كان الحزن والضيق والعجز يملأ صدورنا، فكرنا في المكان الذي يمكن أن يأخذها إليها يؤانس، كل الأماكن كانت متاحة، فكرنا في جعله مضطرا للحفاظ على حياتها، ولم يكن أمامنا سوى أن نعيد للأذهان قصة أنجيل التي حدثت بسببها فتنة في الصعيد، وتساءلت تريزا عمن قال أن ما يجري لابنتها مسألة قبطية، موضحة أن الدولة ملزمة بتوفير حماية لها ولو في أعماق القلالي والكهوف، ولا علاقة للدين بذلك، حينها تشجع نائل واستأذنها في الكتابة عما يجري، بينما طلب منها أحمد أن تصحبه لمقر عمله، حيث يمكنها أن تلتقي برئيس التحرير، وتقنعه بالكتابة عن الموضوع ولو في صيغة إعلان مدفوع الأجر.

توجهنا في الصباح إلى مبنى الجريدة التي يعمل بها أحمد، حين دخلت تريزا على رئيس التحرير انحنت على يده قائلة:

ـ انقذوا ابنتي.

فوجيء الرجل ببكائها ورغبتها في تقبيل يده، فانتفض من مكانه ليجلسها في الكرسي المواجه له، حكت له ما جرى مع دميانة منذ تخرجت في كلية الحقوق، ورغبتها في أن تعمل محققة بالنيابة الإدارية، واستعانتها بأصدقاء قدامى لوالدها، ساعدوها على أن تعمل محققة من الباطن في بعض الأديرة والكنائس، حتى عملت في دير الملاح الذي حاولوا قتلها فيها.

أوضح رئيس التحرير أن الكنيسة من بين المناطق المحرمة، فلا الكنيسة تتحدث عن مشكلاتها، ولا أحد يملك أن يتحمل مسئولية إحداث فتنة بين المسلمين والأقباط، ومن ثم فالجميع يعتبره شأن داخلي، لذا فأقصى ما يمكن عمله هو نشر صورة لدميانة مع مناشدة لإنقاذها، عسى أن يحدث ذلك ارتباك لمن قاموا بخطفها.

كانت جريدة نائل أخف حركة وأكثر جرأة، فقد سمحت بأن يكتب مقالا كبيرا يذكر فيه الناس بالفتاة التي أثارت فتنة في الصعيد، متسائلاً عن مصيرها وسر اختفائها، وتوافق مقاله مع الصورة التي نشرتها جريدة أحمد تحت عنوان "انقذوا ابنتي"، وتوقع أحمد ونائل أن القيامة ستقوم، لكن لم يحدث شيء سوى أن امتلأ بيت تريزا بمزيد من الجيران والأقارب الذين جاءوا يواسونها في محنتها.

 كان الاحباط قد بدأ يتسرب لنا، فقد مرت ثلاثة أيام بلا حس أو خبر، لكن نائل في اليوم الرابع فوجئ برئيس تحريره يطلب منه إجراء تحقيق موسع عن الفتاة وما جري لها، هنالك جلس يكتب عدة حلقات نشر أولها في اليوم التالي على نصف صفحة، ورأيت صورتي إلى جانب صور دميانة وتريزا والبورتريه القديم الذي نشر لفتاة الصعيد، وأخذ يربط ببين"أنقذوا ابنتي" وفتاة الصعيد، وذكرت أحداث وتواريخ وأسماء كثيرة، من بينها يؤانس وأنطونيوس ويوساب وإيمانويل وصلاح متري والأمة القبطية وجمعية أوريجانوس. حتى أن الأمر بدا كما لو أنه صراع في الكنيسة.

كنا نتابع أصداء ما يكتبه نائل على صفحات التواصل الاجتماعي، موقنين أن يؤانس وصله الخبر، وأنه لن يستطيع أن يؤذيها، فقد أصبحت شخصية يبحث عنها الجميع، وتوقعنا أننا في لحظة أو أخرى سنفاجأ باتصال منها، لكن الأمر سار في اتجاه مغاير، فقد استدعت الشرطة نائل لسؤاله عن مصادره، وكان عليه أن يستشهد بي كاحد شهود العيان في دير الملاح ودير المحرق، لكن الشرطة رأت أنني شخصية وهمية، فلا أوراق تثبت هويتي، ولا شاهد واحد على أنني من أبناء الدير، وكاد الضابط المسئول أن يأمر بسجني أنا ونائل لولا أن الأخير اتصل برئيس تحريره، فأظهر الرجل نوعاً من التعاطف وأفرج عنا.

لم نكن نعرف إلى أي مدى أصبنا الهدف، فقد كنا مرتبكين وخائفين، ولقاؤنا مع الضابط المسئول لم يكن يبشر بالخير، جلسنا نعيد حساباتنا من جديد، قلنا أننا أشعلنا النار في الفتيل، وليس أمامنا سوى الانتظار عسى أن يحرك الطرف الآخر قطعة خاطئة هنا أوهناك، ويبدو أن ذلك ما حدث بالفعل، فقد شعر يؤانس ورجاله أنهم أصبحوا تحت الإضاءة، حتى أنهم لم يستطيعوا تحريك دميانة من مكانها، وبدلاً من أن يفكروا في إطلاق سراحها فكروا في القضاء عليها، لكن أنطونيوس ظهر في المشهد بحيل لم يتوقعها أحد، حتى الكنيسة التي كان يؤانس يتخيل أنها عدوه الأول فوجئت بالزحف المقدس من سانت كاترين إلى هضبة الملاح، كما فوجئت السلطات أن ثمة ما يحدث على الأرض أكبر من توقعات رجالها، فلم يكن أمامها سوى أن تلاحق الحدث وتتحرك برجالها إلى المكان.

*****

32

رسائل أوريجانوس

ـ 21 ـ

عزيزي ديونيسيوس

لست نادماً علي شيء، وأشهدك أنني غفرت للجميع، بما فيهم ديمتريوس الكرام الذي فعل كل ما يمكنه لنفي من مدينتي وكنيستي المحببة، وتلميذي ياروكلاوس الذي علمته وقدمته عليكم جميعاً، فجعلته خليفتي حال غيابي على مدرسة اللاهوت بالأسكندرية، ولا تعلم كم فرحت حين علمت أنه سيكون خليفة الكرام على كرسي الكرازة، تصورت أنه سيعقد مجمعا مقدساً يعلن فيه للجميع براءتي مما لطخني به الكرام، وأنني لا أستحق هذا النفي الروحي والمكاني، كنت كل يوم أتوقع أن يجيئني رسول منه ليعيدني إلى الأسكندرية، أو رسالة تشهد بقبوله لي في كنيستي الأم، لكنه أمضى ثلاثة عشر عاماً على كرسيه دون أن يذكرني بشيء، لقد تجنب حتى ذكري بالسوء، وكأنني لست موجوداً، أو أنه لم يجلس أمامي يوماً ما، ولم يتلق علمه على يدي، ولم أشرح له مبادئ اللاهوت لدى الرواقيين والأفلاطونيين، ولا مبادئ الحساب لدى اليونانيين.

اشهدك أنني منذ تنيح الكرام وأنا لا أذكر الأسكندرية إلا بالخير، ولا أغضب من أحد فيها، وأنني بتنيح أمبروسيوس فقدت لذة العيش، وحتى القدرة على الغضب، فغفرت للجميع، حتى الحراس الذين وضعوا المسامير في يدي، وثبتوني على الصليب هازئين بي أن أقتدي بالمسيح في صلبه، وحتى حين رفعوني عنه ووضعوا المسامير المحماة بالنيران على جسدي كي أعود إلى الوعي، ووضعوا لي طوقاً مسنناً في عنقي، وثبتوني في الحائط بالسلاسل، طالبين مني أن أعظ ما استطعت، أشهدك أنني حاولت، لكن صوتي لم يكن يخرج مني، وشعرت أنني مهدود ولا طاقة لي بشيء، شعرت أن الطوق يحز في عنقي، وأنني غير قادر على حمله، وكلما حركت رأسي كانت سنونه تمزق جلدي، والدم ينزف مني، وأنا لا أقدر على شيء سوى رؤية الملائكة وهي تنشيدني:

اسندوني باقراص الزبيب

 انعشوني بالتفاح فإني مريضة حبا

شماله تحت رأسي ويمينه تعانقني

أحلفكن يا بنات أورشليم بالظباء و بأيائل الحقول

ألا توقظن و لا تنبهن الحبيب حتى يشاء

حين خرجت من السجن لم أكن أعرف أين أنا، ولا ما الذي جرى لي، فقط كنت أراى وجوها تحيط بي، وتضع لي الماء في فمي، تضع الزبيب والعسل الجبلي، وأنا أنشد مع الملائكة نشيد المحبة والخلاص، وأرى أن المسافة ضاقت والخطى اقتربت، ولم يبق بيني وبين أبواب الملكوت الواسع في السماء سوى قبلة، ربما كانت القبلة التي لم أنلها في يوم ما من ميريت، الفتاة الوحيدة التي ضعفت أمامها، فقررت أن أوقف ضعفي وأخصي نفسي كي أكون عبداً أبديا للمسيح، أنا الخصي الأبدي من أجل ملكوت السماء.

اشهدك يا صديقي أنني لم تعد بي حاجة للمغفرة من أحد، فلا أحد بيده المغفرة لسواه، كل المحبة هاهنا في القلب، كل الرحمة هاهنا، ولا أحد يملك أن يمنح مغفرته لأحد، لأن أحداً لن يعذب، فما ذنبه كي يعذب، ما ذنب الشياطين كي تعذب، هل كان بوسعها ألا تخطئ، هل كان يمكنها أن تكمل مسيرتها في غواية آدم وأبنائه لو لم يكن الرب راغبا في ذلك، هل يمكن للحياة أن تستمر دون شيطان يغوي ورب يغفر، فما ذنب الشياطين أن تعذب.

أعرف أن الكثيرين سيرونني مهرطقاً، لأن عملهم جميعاً سينتهي بمجرد أن يدرك الناس أن الله سيمنح عفوه للجميع، وأن المهرطقين والوثنيين ومن نجهد أذهاننا في تخيل شكل الجحيم من أجلهم لن يعذبوا، فما حاجة الله بأن يعذب أحدا، ربما لو أن له حاجة في شيء فهي أن يغفر لهم، فلا رب دون غفران ورحمة.

صديقي ديونيسيوس

لا عليك مني، لا تشغل نفسك بعودتي إلى الكنيسة، فكنيسة السماء الآن تفتح ذراعيها لي، أرها محفوفة بالملائكة وربات الشعر والموسيقى وهم ينشدون لأجلي نشيد الأنشاد، أنا الآن لا أنتمي إلى هنا، لكنني هناك، أنا أصعد يا صاحبي، أرتقي درجات في الهواء وأصعد، لا شيء يحول بيني وبين رحمات الرب، قدس أقداسه يتسع للجميع، البر والفاجر، القديس والمهرطق ، الملاك والشيطان، قدس أقداسه واسع، ورحماته تتنزل، ولا أرى جحيماً لأحد، إلا من حبس نفسه بيديه في ترهات الجحيم.

*****

33

ألقى موت هيباتيا بظلال كئيبة على المدينة ككل، حيث استفاق الرهبان من جنونهم وشعروا بالخزي، فقد اعتدوا على أمرأة لا تحمل سكيناً ولا حجرا في يدها، فسحلوها في الطرقات وجردوها من ملابسها ومزقوا أعضاءها، كانت الجريمة بشعة، ولم يملك كيرلس الدفاع عنهم، فتبرأ منهم جميعاً، وأمر جورجيوس أن يخرج الرهبان من المدينة، ساعياًلتهدئة الأجواء بين المسيحيين والوثنيين، مرسلاً إلى الامبراطور بأن هذه الفئة الضالة لا تنتمي للكنيسة ولا رجالها، لكنهم بعض الذين أضلهم الشيطان عن الإيمان القويم.

لم يكن الوثنيون في حالة تمكنهم من إعلان الحرب، ولم يكن الحاكم قادرا على مواجهة الرهبان الذين يحتلون المدينة، فآثر الحزن على صديقته في صمت، متقبلا العزاء من الجميع ما عدا الكنيسة ورهبانها، معلناً الحداد في البلاد على روح هيباتيا، فتوقف الميوزيوم عن العمل مدة أسبوع كامل، وتوقفت المكتبة عن استقبال ضيوف، وجلس الكل في الشوارع أمام ما بقي من المعابد مشعلا الشموع ومصليا للآله كي تتقبل هيباتيا في نعيمها الخالد.

تحمل كيرلس شعوره بالخزي تجاه ما حدث، وجلس ينصت لنصائح جورجيوس ورجاله بضرورة إكمال تطهير المدينة، لكنه رفض أن يثبت التاريخ عليه رغبته في قتل الفليسوفة الشهيرة، فأعلن أن مدرسة اللاهوت ستدرس كتب هيباتيا، لكن أحدا لم يأخذ الأمر على محمل الجد، وظلت العزلة تلف المكان أكثر من عام، عاد فيه نصف الرهبان إلى أديرتهم، ورأيت شنودة ولاوون يطالبونني بالعودة معهما، لكن جورجيوس رفض، فقد أثنى على أمام كيرلس، فوجدتني أحد الذين يملي عليهم الأخير رسائله وعظاته، ووجدتني على مقربة من الأبواب جميعاً، علمت أن جورجيوس يريد أن يهدم معبد إيزيس، لكنه ليس كغيره من المعابد، فمريدوه كثر، والذين يتبركون به يأتونه من روما واليونان وطليطلة، والمصريون يرونها أم الإله الذي يمنحهم القوة في مواجهة الأعداء، ومن الصعوبة استعدائهم.

رأيت جورجيوس يقنع كيرلس قائلاً:

ـ إذا كانت إيزيس عذراء وأم إله، فإن مريم عذراء وأم إله.

أنتفض كيرلس في مجلسه سائلاً جورجيوس عن مصدر هذه التعاليم، ومن الذي قالها له، فرد بخوف أنها تعاليم أوريجانوس، وأنه سمعها من أستاذه رفائيل، حينها سألني كيرلس إن كان رفائيل تحدث بذلك أمامي، فهززت رأسي بالإيجاب، لكنني خفت أن يعتبر ذلك هرطقة، فيأمر بقتلي أو نفي، أسرعت بالقول أن رفائيل أخبرني أن أثناسيوس قالها أيضا، هنالك هدأ كيرلس في كرسيه، وأخذ يتأمل الكلمة من جديد، ثم عاد ينظر في وجهي سائلاً إن كان أثناسيوس قالها، فأسرعت بالتأكيد على أن ذلك ثابت في عظاته أمام مغارة الجبل الغربي في الجنوب.

وضع كيرلس مع جورجيوس خطته للتضيق على معبد إيزيس ورواده، فأمر بنقل رفات القديس أباكير على مقربة من المعبد في مينوتيس، وأعلن أنهما من شهداء عصر دقلديانوس، وأن لهما بركة في الشفاء وتوسعة الرزق، فراح فقراء المسيحيين يتهافتون على التبرك بهما، حتى أنهما أصبحا ينافسان إيزيس في عدد من يتبركون بها، لكن إيزيس هي العذراء الأعظم، وهي أم الإله عند الجميع، ولا يمكن سلبها هذه المكانة.

أخذ جورجيوس يبني كنيسة باسم العذراء تشتمل على رفات أبي كير، وحين انتهى من بنائها دعا كيرلس نائب الامبراطور ووجهاء المدينة وشعب المؤمنين لحضور القداس الإلهي فيها، وفي عظته قال أن مريم هي العذراء الأبدية، وأنها أم الإله، وأن من يحج إلى كنيستها كأنما التقى بها، ونال البركة من يدها. فتردد الناس على الكنيسة في انتظار بركتها، ورغم أن شيئاً لم يحدث إلا أن كيرلس حرص على أن يشيع لقبها الجديد بين الناس، في منافسة واضحة بينها وبين إيزيس، حتى أن الناس سعوا لتلمس المنافسة بين أمهات الآلهة.

توسع كيرلس في وضع كلمة "أم الإله" بدلاً من "مريم" في رسائل لرؤساء الأديرة والكنائس، مما جعل المجسدين يتأكدون أنه في صفهم، ولن ينقلب على نهج ثاؤفيلوس، فأغلبهم جاء من ديانات وثنية، وبحث عن أدواته القديمة في دينه الجديد، وكان التجسيد من بين الأدوات التي يحنون إليها، وجاء تلقيب مريم بأم الإله تعويضاً عن حضور إيزيس في ثقافةم الأصلية، مما جعل كيرلس الأب الروحي لرهبان الصحراء، فانطوت أغلب الأديرة والكنائس تحت رايته، فأعلن بدوره حرباً جديدة على أوريجانوس، قال فيها أن من يعظ بأن القيامة ستكون بالروح لا بالجسد، لأن الجسد يبلى ويفنى، فإن تعاليمه فاسدة، وصاحبها مهرطق منبوذ، فالرب قام من بين الأموات بالروح والجسد معاً.

كانت رسائل كيرلس وعظاته يتداولها الرهبان في الصحاري كالماء الزلال، فجميعها تخاطب انتماءاتهم القديمة، حتى أنهم كانوا يشعرون أنهم مؤمنون بالفطرة، وأن الكهنة هم الذين يضلونهم ليعبدوا آلهة غير الله، كان الكل يتحدث بفخر عن أصوله السابقة، مقارنا بين ما في ديانة آبائه وما يقوله كيرلس، حتى أن الوثنيين بدأوا يشكون في دينهم وصحة تعاليمهم، متسائلين عن الفارق بين إيزيس ومريم، موقنين أن ما قاله أجدادهم لا يختلف عما يقوله كيرلس، وأخذ الجميع يحج إلى مريم متبركاً بإشعال الشموع وتقديم الذبائح لها، مثلما يفعلون مع إيزيس في معبدها القديم.

لكن الرياح لا تأتي دائماً بما تشتهى السفن، فقد وصل لكرسي القسطنطينية أسقفا من أنطاكيا شديد الحجة على الهراطقة يدعى نسطورس، أخذ يعلم الناس أن العذراء مريم ليست أم الإله، ومن يقول بذلك فتعاليمه فاسدة، إذ كيف لامرأة من البشر أن تلد الله؟! ومن ثم فالصحيح أنها والدة يسوع الإنسان، لأنها المرأة التي اختارها الله كي يمر عبرها للناس في صورة بشرية.

حين وصلت هذه التعاليم إلى الرهبان في صحاري الإسقيط ونتيريا والقلمون والقلزم تمتعت ببعض القبول، فليس من المنطق أن تلد امرأة من البشر الإله المتعالي اللامحدود، فأعلى أدوارها أن تكون معبرا لظهوره فقط بصيغة بشرية. وراح البعض يرسل إلى كيرلس طالباً التوضيح، وشعر الأخير أن البساط ينسحب من تحت قدميه، وأن المعركة من جديد تأتيه من القسطنطينية، ولابد أن يغلق باب الشك بكل قوة قبل أن تتبلبل العقول وتتقلب القلوب، فرد على رسائل الرهبان برسائل أطول وأكبر، معتمداً على مقولات لأثناسيوس وألكسندروس وديديموس الضرير وأوريجانوس نفسه، فجميعهم استخدموا لقب "أم الإله" في كتاباتهم.

كان انزعاج كيرلس واضحا، ودفعته كثرة الرسائل إلى أن يكتب رسالة مطولة إلى عموم رهبان مصر، قائلا أنه لم يزعجه سوى سعي البعض لتحطيم إيمان البسطاء بإثارة أسئلة حول أمور دينية دقيقة، مطالبينهم بالرد على إذا ما كانت القديسة مريم هي أم الله أم لا؟، وأنا أقول لكم ما قاله أباؤنا وقديسونا، العذراء مريم هي أم الله، والقول بأنها أم يسوع الانسان فقط، يعني أن الله له طبيعتان، أحدهما بشرية والآخرى الهية، وهذا مخالف لما آمن به المجتمعون في مجمع نيقية، وما أقره قانون الإيمان القائل أننا نؤمن بإله واحد، ولأنه اله حقيقي وملك بالطبيعة، ولأنه المصلوب قد دُعي رب المجد، فكيف يمكن لاحد أن يتردد في تسمية القديسة العذراء مريم "أم الله" الذي نعبده كواحد، ولا نقسمه الى اثنين، ولا نقول بأن الكلمة تغيرت طبيعته عندما أصبح جسدا، ولا أنه تحول الى انسان كامل من نفس وجسد، ولكن نقول أنه باتحاده بجسده اقنوميا، وبنفس عاقلة، صار بطريقة لا يمكن وصفها أو فهمها إنسانا.

لم تتوقف رسائل كيرلس إلى الرهبان المصريين الذين رغب في حسم الأمر معهم بشكل واضح، كما نشط في مراسلة أساقفة الشرق والغرب، مركزأ على لاوون أسقف روما، فخصه برسائل مطولة ربط فيها بين ما يقوله نسطورس وما قاله أريوس، مؤكدا على أن العذراء هي أم الإله، ولا بد من عدم السماح للهراطقة بالعودة إلى القلوب والصدور، وسرعان ما طالب بعقد مجمع مسكوني مقدس للرد على نسطورس، وعقد الأساقفة المصريون مجمعا أحصوا فيه إثنا عشر مقولة تستحق الحرمان في تعاليم نسطورس، وأرسل كيرلس بنتائج مجمعه إلى لاون في روما، وإلى نسطوس نفسه في القسطنطينية، وكلما شعر أن دفة الأمور مالت لصالحه ركز ضرباته على ضرورة حرمان نسطورس، ساعياً لتحقيق انتصار حاسم يشبه انتصار ثاؤفيلوس على ذهبي الفم، وهو ما تحقق له حين شعر الامبراطور ثيؤدوسيوس الثاني بأن الامبراطورية ستنقسم على نفسها مثلما حدث بين آريوس وأثناسيوس في زمن قسطنطين الكبير، فأمر ثيؤدوسيوس بعقد مجمع مسكوني في مدينة أفسس.

كنت بطبيعة الحال في الوفد الذاهب إلى أفسس، فأنا أحد الذين يملي عليهم البابا رسائله وعظاته، والوفد كان كبيرا للغاية، يضم العديد من الأساقفة ورؤساء الأديرة المعروفين في الشرق، فضلاً عن الرهبان الذين زحفوا من الأسكندرية إلى القسطنطينية ثم أفسس، وهناك التقينا بكثيرين ممن يناصرون كيرلس، ويؤمنون بتعاليم الأسكندرية وآبائها، فضلاً عن أصدقائه الذين يجعلونه على علم بكل كبيرة وصغيرة في البلاط الامبراطوري، ويردون عنه كيد حاكم الأسكندرية ووجهاء الوثنيين، كل هذه الجماهير جعلت البابا والأساقفة المصاحبين له يشعرون أن القضية حسمت لصالحهم من البدء، خاصة وأن الامبراطور أعطى كيرلس حقه التاريخي في رئاسة المجلس، فضلاً عن أن نسطورس وأنصاره رفضوا الحضور، مخالفين قرار الامبراطور.

 وكان كيرلس حريصاً على أن ينهي هذه القضية سريعا ليعود إلى الأسكندرية منتصراً، لكن يوحنا أسقف أنطاكيا والوفد المرافق له لم يصل، فضلاً عن أن لاوون أسقف روما لم يستطع الحضور، وسمعنا أنه أرسل وفداً في الطريق،  فاتفق الحضور على تأجيل انعقاد المجمع مدة أسبوعين، وانتهى الوقت المحدد ولم يحضر يوحنا ولا وفده، وشاعت أخبار أن أمامهم أسبوع على الأقل للوصول، أما وفد روما فأمامه أسبوعين، وبدأ الأساقفة يلحون على كيرلس أن يعقد المجمع في موعده، وأمام إلحاحهم ورغبته في حسم القضية أمر بانعقاده، فأدانوا نسطورس وعزلوه بإجماع أراء مائتي أسقف.

شعر كيرلس أنه أنهى على غريمه بضربة واحدة، كما فعل ثاؤفيلوس مع يوحنا ذهبي الفم، لكننا لا ننزل البحر مرتين، فقد حدث ما لم يكن يتوقعه كيرلس من صديقيه لاوون ويوحنا، فما أن وصل الأخير وعلم أن المجمع انتهى من أعماله حتى استشاط غضباً، فقد قطع كل هذه المسافات كي يدلي برأيه في قضية لاهوتية مهمة، لكن أحد لم ينتظره، ولم يشعر أنه بحاجة لمعرفة رأي كنيسته، كان شعوره بالإهانة شديد، وهو نفس الشعور الذي اصاب لاون في روما، فقد ابلغه وفده الذي وصل متأخرا عن المجمع أن صديقه كيرلس لم يحترم خرجهم من روما، وقطعهم كل هذه المسافات لحضور المجمع، كان غضب كلا الوفدين كبيراً، وشعورهم بالإهانة لا حدود له، ومن ثم قرروا التبرؤ من نتائج المجمع الذي ترأسه كيرلس، عاقدين مجمعا خاصا من قبلهم، مدينين فيه كيرلس ورفضين حروماته الإثنا عشر.

بدا الأمر من وجهة نظر الامبراطور ثيؤدوسيوس نوعا من العبث، فأمر بإلغاء نتائج المجمعين، وعقد مجمع آخر في مدينة خلقدونية القريبة من عاصمة امبراطوريته، فاستضافت المدينة نحو مائتن وخمسين أسقفا للتحاور على مدار ثلاثة أشهر حول تعاليم نسطورس وحرومات مجمع الأسكندرية لها، كانت كل الوفود غاضبة وتشعر بالإهانة، وسعى الامبراطور لحل الخلافات بينها، خاصة أن نسطورستخلى طواعية عن كرسي القسطنطينية وعاد إلى حياة الرهبنة، لكن العلاقة بين الأسكندرية والقسطنطينية كانت قد دخلت في حالة من الفتور، فلا هي عداء واضح ولا محبة واضحة، واستلزم الأمر نحو عامين من تقريب المفاهيم وتوضيح الرؤى كي تعود العلاقة بين أنطاكيا والأسكندرية لما كنت عليه، ولتوقع الكنيستان على وثيقة "إعادة الوحدة"، وليتنيح كيرليس في العام التالي لتوقيع هذه الوثيقة، بينما لقي نسطورس مصيراً لم يتوقعه أشد أعدائه كراهية له، فقد غضب عليه الامبراطور وأمر بنفيه إلى البتراء على تخوم العالم الروماني، ثم إلى الواحات في الصحراء المصرية، ليموت غريبا عن بلاده وحيداً في منفاه بين أناس يمجدون العذراء،رغما عنه، بوصفها أم الإله.

****

34

عبر واحد من المؤمنين المترددين على كنيستهتوصل صاموئيل لمن ينقل أنطونيوس وخمسة ممن يجيدون تسلق الجبال إلى دير الملاح، وما أن عبر موكب الرهبان النفق الرابط بين سيناء والسويس حتى توقفت الحافلات في أول استراحة هناك، حينها صعد صاموئيل في زي بائع مياه ونزل أنطونيوس من الحافلة بنفس الزي، وتحرك بصحبة صاحب الزورق والرجال الخمسة إلى السويس، وانطلقوا بالزورق في اتجاه الجنوب، متتبعين الخريطة على القمر الصناعي حتى وصلوا إلى موقع الدير بعد عدة ساعات، فانتظروا إلى أن تأتيهم إشارة الصعود التأكيد من صاموئيل.

كانت الاشارة المتفق مجموعة هي صواريخ الألعاب النارية التي ستضيء المكان وتحدث أصواتا يسمعها القلزم كله، فكان عليهم أن ينتظروا لحين وصول الباصات مع أول المساء إلى أرض الهضبة، لينزل الرهبان منها طالبين الإذن بدخول الدير لتأدية واجب العزاء في أخيهم باخوميوس، لكن المشهد بدا غير مألوف لهؤلاء الذين أمضوا حياتهم في عزلة عن الجميع، حتى أن بعضهم لم يخرج من الدير طيلة حياته فيه، وبعضهم لم ير وجهاً غير وجوه هؤلاء الذين أقاموا على الهضبة أو تحتها، كان نزول الرهبان مدهشاً وغريباً، فلم تكن هناك معلومة عن مجيء زوار بهذا القدر، ولم يكن يؤانس في المكان ليخبرهم بما يجب عليهم عمله، حاول يوساب أن يتصل به ليخبره أن الصحراء بمن فيها انقلبت عليهم، وأنه لا يعرف من الذي أحضر كل هؤلاء وما السبب، وظل هاتفه خارج الخدمة، فاضطر يوساب للاتصال بالمنحني في الابرشية سائلا عما يحدث، ولم يكن لدى الأخير علم بشيء، فأمر بالتمسك باللوائح والقوانين، وأنه لا يحق لاسقف أن يتدخل في الكنائس والأديرة التابعة لأسقف أخر.

كانت أولى الخطوات التي قرر يوساب اتخاذها هي إغلاق البوابة وعدم السماح لأحد بالدخول دون إذن من الأبرشية التي يتبعها، ثم أمر رجاله بحمل السلاح والانتشار على السور والقلالي، وكانت أخر الخطوات وأهمها هي التخلص من دميانة، لكنه لم يكن يعرف أين يمكنه الذهاب بها في ذلك الوقت، هداه تفكيره في النهاية إلى أن يضعها في كنيسة جبرائيل الملاح المغلقة للترميم، وبالتحديد في المغارة التي تشتمل على قبر الملاح ولبؤته وأشبالها، واضعا يده على قلبه من أن يتكرر ما حدث يوم دخلها أنطونيوس، فقد خيل للرهبان أن اللبؤة قامت من قبرها لتهاجمهم، ووجد يوساب نفسه تحت أقدامهم وهو يصرخ فيهم بالتوقف دون جدوى، يومها لم يكن يعلم أن المغارة بها ممر يؤدي إلى لمغارة أخرى على الجانب الآخر من الجبل، فوقف كتمليذ بليد ينصت للمنحني وهو يوبخه على فزعه أمام رجاله، فأكد أسطورة لا وجود لها، لكن يوساب كان مصدقا، ويحلم أن يجد الشجاعة التي تكفيه لمحو هذا التصديق.

لم تكن دميانة تعلم ما يجري حولها، فقد استسلمت للأحلام والكوابيس، والقيام من النوم للدخول في نوم جديد، لكنها فوجيئت أن ثمة مجموعة من طوال القامة يفتحون الباب ويدخلون غرفتها، أدركت أن ما كانت تخشاه قد أتى، وانطلقت تصرخ في فزع يشبه فزعها يوم أن حاصرها السلفيون في بيت رضا وزوجته، وما لبثت أن فقدت الوعي وسقطت أمامهم مغشيا عليها، فما كان منهم إلا أن لفوها في مفارش السرير ونزلوا بها من مبنى الضيافة.

كان الليل قد حل على الأرض والسماء، وفشل الرسل الذين صعدوا للتفاوض على الدخول في مهتمهم، فقد رد عليهم يوساب أن المقابر أسفل الهضبة، والصحراء تتسع لعزاء الجميع، ولا يمكنه فتح البوابة إلا بإذن من الأبرشية، هنالك أطلق صاموئيل صواريخه لتحيل سماء القلزم إلى نجوم متفجرة وأضواء متلألئة، علم أنطونيوس أن ساعة العمل قد بدأت، فأخذ ومن معه يعملون أدواتهم في جدار الصخر، ساحبين أنطونيوس معهم إلى أعلى، ولم يستغرق الأمر كثيراً من الوقت، إذا وجدوا أنفسهم أمام المغارة المليئة بالصناديق القديمة، تلك التي بدا أن بعضها قد فتح مؤخراً ونهب ما فيه، لكن أنطونيوس نحى غضبه جانباوبحث عن الممر المؤدي لمقبرة الملاح.

حمل طوال القامة دميانة في مفارش السرير وعبروا بها بعيداً عن البوابة والقلالي إلى كنيسة الملاح، وأشعلوا المصابيح التي معهم ليدخلوا بها إلى المذبح، كانت أوامر يوساب أن يضعوها في المغارة من الداخل، لكنهم سمعوا حركة وأصداء أصوات غير مفهومة في الظلام، فارتجفت أوصالهم وأيقنوا أن المكان مسكون، وحين أعملوا مصابيحهم خلف باب المغارة لم يجدوا شيئاً، فعادوا يتداولون والرعب يملأهم حول من سيدخل المغارة ومن سيبقى في الخارج، وفي النهاية قرروا أن يبقوا جميعاً خارج الباب ويدفعوا بها إلى الداخل، وما إن هموا بفعل ذلك حتى فاجأهم ضوء قوي يتحرك نحوهم، فصرخ بعضهم أن اللبؤة قامت من قبرها.

ترك الرهبان الخائفون لأقدامهم العنان حتى صلت بهم إلى باب الكنيسة، صائحين أن اللبؤة قامت من قبرها، وأنهم رأوا ضوء عينيها يتحرك نحوهم، بحث البعض عن يوساب ليبلغه بالأمر، وطلب آخرون النجدة من الحراس الواقفين على القلالي، ولم تمض دقائق حتى عم الظلام الهضبة ككل، وارتعد الجميع موقنا أن ما حدثهو غضب من الملاح ولبؤته، وعبثا حاول يوساب أن يسكتهم ليفهم ما يحدث، لكنهم لم يفعلوا، حتى أنه قرر أن يتقدمهم إلى الكنيسة ليؤكد أن ما يقولونه محض أوهام في رؤسهم، لكن ما إن وصل إلى الكنيسة على أضواء الكشافات الصغيرة حتى سمع حراس البوابة يصرخون بأن اللبؤة  هاجمتهم.

كان أنطونيوس قد شرح لمن معه خطته، وأوصاهم قبل الزحف داخل الممر بالحفاظ على رؤسهم منخفضة، ثم تقدمهم كقط كبير حتى وصل إلى مغارة الملاح ومقبرته، هنالك فتح ضوء الكشاف الذي معه ليطمئنهم ويرى ما أمامه، فتسائل رجال يوساب بفزع عن مصدر الضوء، وحين سمعهم أنطونيوس تأكد من وجودهم في الكنيسة، وأنه لابد أن يباغتهم قبل أن يتجرأوا على الدخول، فأسرع بتقليد زئير الأسد ناثرا الحصى بيديه نحوهم، هنالك أصابهم الهلع، موقنين أن اللبؤة نهضت من قبرها لتحرقهم.

لم ينتبه أنطونيوس إلى أن دميانة تنام فاقدة الوعي في ركن المذبح، فقد فتح الباب وخرج يطارد المرتعدين أمامه، وبخفة قاطع طريق التف بمن معه خلف الكنيسة،سائرا في ظلال الجبل نحو العيادة وورش الحدادة والنجارة ليعطل محول الكهرباء، ثم ينطلق من أمام المكتبة إلى بوابة الدير ليهاجم الحراس المكلفين بالحفاظ عليها.

حين شعر يوساب أنه فقد السيطرة على الدير، أخرج مسدسه وأطلق عدة رصاصات في الهواء كي يعيد الانضباط  على الهضبة، وبدا لهؤلاء المنتظرين أسفل الهضبة أن هذه هي الإشارة المتفق عليها، فتسارعوا يتقافزون على الدرجات الرخامية المؤدية إلى البوابة العالية، وفي الوقت الذي صرخ فيه يوساب لرجاله أن يطلقوا النيران على من يدخل الدير، كان بعضهم قد سلم سلاحه بالفعل لمن اقتحموا البوابة في حماس شديد، ومع تدفق الأعداد الصاعدة إلى الهضبة ضاق الخناق على يوساب ورجاله، فأخذوا يلقون بأسلحتهم ويدخلون القلالي مع الرهبان المتنسكين، وفي النهاية وجد يوساب نفسه وجهاً لوجه مع أنطونيوس في الظلام، وقبل أن يفكر في رفع مسدسه كان أنطونيوس قد ضربه بقبضة يده على رأسه، وقبل أن يضربه من جديد كان صاموئيل ومن معه قد قبضوا عليه معلنين أنه سيخضع لحكم مجمع مقدس.

*****

35

رسمني البابا كيرلس قساً قبل رحيله بعام واحد، وذلك بعدما أعجب بما بذلته من جهد في إعادة الوحدة بين كنيستي الأسكندرية وأنطاكيا، فقد فشل مجمع خلقدونية الأول في إنهاء الخلاف بين كنيستي أنطاكيا وروما مع الأسكندرية، وإن كان لاون أسقف روما قد سعى للتقارب ونسيان ما اعتبره إهانة له ولوفده، لكن يوحنا الأنطاكي رأى أن ثمة خطأ فيما يطرحه كيرلس، إذ أن القول بأن المسيح ليس له سوى طبيعة واحدة ستلغي إنسانية المسيح، حاول كيرلس في خلقدونية على مدار ثلاثة أشهر أن يشرح وجهته نظره بأطروحات متعددة، مؤكدا في كل مرة أنه نشأ وتربى في بيت خاله البابا ثاؤفيلوس، وأنه تشرب تعاليم الإيمان القويم المتوارثة عن الآباء الكبار للكنيسة المجيدة بالأسكندرية العظيمة، هؤلاء الذين دفعوا أرواحهم ثمناً للحفاظ عن التعاليم الحقة، وأنه حين يرفض تعاليم نسطورس عن أن مريم هي أم ياسوع المسيح فقط، وليس أم الإله كما نقول، فذلك وفقا لما توارثناه من تعاليم عن آبائنا المبجلين أمثال أثناسيوس وألكسندروس وحتى أوريجانوس، فجميعهم أطلقوا على العذراء مريم لقب أم الإله.

كان كيرلس حاداً وقوياً في عظاته أمام أعضاء المجمع، وفشل الجميع في إثنائه عن رأيه أو تغيير موقفه، وفشل الامبراطور نفسه في تقريب وجهات النظر بينه وبين يوحنا الأنطاكي، خاصة أن لاون أسقف روما كان يعضد أراء يوحنا مناوءة لكيرلس، في النهاية انتهى المجمع إلى لا شيء، وعادت الكنائس الثلاث أقرب إلى الانفصال عن بعضها البعض، وكان لابد أن نعيد النظر فيما حدث، فعقد كيرلس مجمعاً مصغرا من أساقفة الأسكندرية ورؤساء الأديرة الذين حضروا مجمعي أفسس وخلقدونية، كان الهدف هو تقييم ما جرى، ومعرفة الأسباب التي أدت إلى هذه الخسائر الكبرى، فرغم أن نسطورس تنازل عن رئاسته لكرسي القسطنطينية، مفضلا العودة إلى حياة الرهبنة، ورغم ما سمعناه عن غضب الامبراطور عليه ونفيه إلى حدود الامبراطورية الرومانية، إلا أن مجمع خلقدونية رفض اعتماد حرومات كيرلس الإثنا عشر لتعاليم نسطورس، كما أن الانشاق بين الأسكندرية وأنطاكيا لا يقدم سوى عزلة للأسكندرية، وتوسعة نفوذ روما والقسطنطينية، وهو ما يعد خسارة تألم أغلب من حضروا مجمع كيرلس لحدوثها، ومن ثم اتخذ الأخير قراره بتشكيل وفد للذهاب إلى أنطاكيا، والسماع من يوحنا الأنطاكي وأساقفته وقساوسته، ونقل وجهة نظر كيرلس إليهم، ثم إعادة ضبط الكلمات بما يعبر عن الإيمان القويم الذي يؤمن به أباء أنطاكيا والأسكندرية معا.

كنت من بين الذين اختارهم كيرلس في وفده، قال لي ستكون عيني وأذني، أريدك أن تفكر في الجدل وفحواه، وتصل إلى ما يمكننا قوله دون أن نخسرهم، كانت المهمة ثقيلة، لأنني كان علي أن أنصت إلى جميع الأطراف، وحين أعود إلى الأسكندرية أشرح لكيرلس ما جري، كنت أعلم أنه كلف أخرين بنفس المهمة، وأنه ينصت إليهم بنفس القدر، لكنني حاولت أن أعمل عقلي قدر ما أستطيع، مباعدا بيني وبين اللغة وتحديداتها، فهي أمر يخص الأباء الكبار، أما أنا فدوري أن أوضح الثغرات، وأبحث عن نقاط الإلتقاء، ويبدو أن كيرلس أعجب بشرحي لوجهة نظرهم وما يتخوفون منه، فرسمني قسا، وحملني رسالة إلى يوحنا الانطاكي، طالبا مني أقلل من مخاوفه، وأن أستخدم تعبير "طبيعة واحدة متجسدة للكلمة"، مؤكدا على أن الكلمة المتجسد هو الشخص المميز المفرد مصدر الحياة لعمله التكفيري عن الإنسانية، وأن الأسكندرية ترحب بإيجاد صيغة مشتركة مع أنطاكيا حول خصوصية كل من ناسوت المسيح ولاهوته، وهو ما عملنا عليه، وانجزناه في وثيقة إعادة الوحدة بين الكنيستين، لتعود أنطاكيا إلى أحضان الاسكندرية وأبائها من جديد.

تنيح كيرلس تاركا الأسكندرية شبه خالية من الوثنية بعدما هدم جورجيوس معبد إيزيس وأقام في مكانه كنيسة للعذراء، فاجتمع الأساقفة والرؤساء واختاروا ديسقورس، رئيس مدرسة اللاهوت، بطريركا للأسكندرية من بعده، كنت على خلاف دائم مع ديسقورس، ففي الوقت الذي سعيت فيه لتقريب وجهات النظر بين الأسكندرية والأنطاكيين كان ديسقورس مصراً على مفردة الطبيعة الوحدة، دون تغيير أو مهادنة، وزادت الفجوة بيننا حين رسمني كيرلس قساً، وأرسلني برسائله إلى يوحنا الأنطاكي، وتوقعت أنني بعد جهدي في توقيع اتفاق إعادة الوحدة سأكون أقرب من في الأسكندرية إلى كيرلس، إلا أنني لمست إهمالاً منه لشأني، وأخذ يسمع لديسقورس وجورجيوس الذي تجاوز السبعين، لكنه ظل محاربا يبحث كل يوم عن ميادين جديدة للصراع، فقاد مع ديسقورس فيالق الرهبان لهدم معبد إيزيس، مصطنعا مشاجرة مع مريديه، ثم آمرا رجاله بإشعال النيران فيه، ومطاردة المؤمنين به الشوارع،بعدها عادوا فنقضوا أحجاره وبنوا بها كنيسة قريبة منه، وما لبثوا أن أعلنوا رغبة الرب في إقامة كنيسة جديدة،لتطهير المكان من أدران الأوثان.

علمت أنني لن يكون لي مكان في معية ديسقورس، فطلبت منه أن أعود إلى دير الملاح حيث أتوق إلى حياة الرهبنة، لكنه طلب مني أن أتولى مسئولية مدرسة اللاهوت بدلا منه، دهشت من طلبه، وتوقعت أن المسئولية غيرته، وأخذت أعمل في إعادة إحياة المدرسة كي تتقبل جميع الأراء، وتنفتح على الفلسفة والفكر ودراسة الآداب والعلوم، لكنني وجدته يعارض كل ذلك، فرضيت بأن أعيش على ضفاف الأحداث آملا أن تتغير الأيام، لكنها كانت تسير نحو الأسوأ، فقد تنيح ساويرس، وأقر ديسقورس شنودة رئيساً للدير من بعده، وسرعان ما أصيب جورجيوس بشلل جعل أطرافه لا تتوقف عن الارتعاش، فلم يتحمل مرضه وحزنه على نفسه فلحق بساويرس، وأرسل لي شنودة أربعة من الرهبان صغار السن طالباً أن يتعلموا في مدرسة اللاهوت، كي يكملوا المسيرة التي بدأها ديمتريوس في الدير.

 رأيت في ذلك عطية السماء لي، وأخذت بيتا واسعا يضمنا جميعاً، وما لم أستطع شرحه في المدرسة كنت أقدمه لهم، كانوا يحملون أسماء أنطونيوس وهادريان ومرقس ولامسون، وكان أنطونيوس أحبهم إلى قلبي، كانت تساؤلاته لا تنقطع، ورغبته في المعرفة لا حدود لها، فعلمته اللاتينية واليونانية والديموطيقية، وبعضا من الرياضيات ومسائل الفلك وفلسفات الرواقيين والأفلاطونيين وما وصلنا عن أوريجانوس وأريوس وما اختلف فيه نسطورس مع كيرلس، وأطلعته على سري الأعظم، وهو الكتاب الذي أدون فيه ما أشهده من حوادث وتغييرات، جريا على عادة أستاذي رفائيل فيما كتب عن الدير وما جرى في الأسكندرية والمجامع المقدسة، فأخذ يقرأه بنهم ويناقشني في كل ما جاء به، فأوصيته أن يخفيه عن الناس، وأن يكمل ما بدأه رافائيل كما أكلمه أنا، فسوف يجيء زمان يصبح فيه ما نكتبه الآن الشاهد الوحيد على الحقيقة.

تولى كرسي القسطنطينية من بعد نسطورس رجلاً يدعى ماكسيميانوس، ولم يكن يحب الجدل في مسائل اللاهوت، فسعى إلى تهدئة الأجواء مع الأسكندرية التي أطاحت بنسطورس ومن قبله بيوحنا ذهبي الفم، لكن خليفته فلافيانوس كان على نقيضه، فقد انشغل بتعاليم راهب يدعى أوطاخي، كان رئيساً لأحد الأديرة القريبة من القسطنطينية، وكان قد آمن بتعاليم كيرلس عن طبيعة المسيح الواحدة، ووعظ بأن من يقول بوجود طبيعتين للمسيح بعد الإتحاد فإنه مهرطق وضد قانون الايمان، لأنه لا يوجد في الكتاب المقدس ما يدل على طبيعتين للرب، ولم يقل المجتمعون في مجمع نيقية بما يدل على ذلك، فهب فلافيانوس للدفاع عن نفسه من تهمة الهرطقة، وقال بما قاله من قبل يوحنا الأنطاكي، مؤكداً على أن القول بطبيعة واحدة للرب يقضي على إنسانية المسيح، مما أحيا الخلاف القديم بين كيرلس ونسطورس، وسرعان ما انضم لاون أسقف روما إلى فلافيانوس معضدا موقفه، وعقد الأخير مجمعاً في القسطنطينية قام بإدانة أوطاخي وحرمانه لسوء فهمه وتشويهه تعاليم كيرلس اللاهوتية.

كانت الأسكندرية بعيدة كل البعد عن هذا الجدل القديم الذي رحل جميع أطرافه، والذي تجدد على يد أوطاخي، لكن ديسقورس أرسل يسالني عن رأي، فاجبته بأن  فلافيانوس ومجمعه بالقسطنطينية يجلون تعاليم البابا كيرلس، وقد أتهموا أوطاخي بسوء الفهم، ووصفه لاون بأنه أحمق كل الحمق وجاهل كل الجهل، فهل ندخل في صراع مع روما والقسطنطينية من أجل راهب جاهل؟، تلون وجه ديسقورس كما لو أن تهمة الجهل أصابته هو، فنهض من قائلاً:

ـ لكنني أرى أنه على حق.

كان لأوطاخي نصير متنفذ في بلاط الإمبراطور ثيؤدوسيوس ، وهو أمين البلاط كيرسافيوس، هذا الذي بدعم من رجال ديسقورس في البلاط حصل على موافقة الامبراطور على عقد مجمع مقدس للفصل بين أوطاخي وفلافيانوس، ومنح ديسقورس شرف رئاسة المجمع مثلما كان كيرلس رئيسا لمجمع أفسس الأول، ورغبة منه في عدم الوقوع في الخطأ الذي وقع فيه كيرلس سعى إلى حسم الأمور من الجولة الأولى، فأرسل عشرات الرهبان من الأسكندرية إلى القسطنطينية كي يعضدوه، واصطحب معه وفدا كبيرا ضم عشرات القساوسة والأساقفة ورؤساء الأديرة، وانعقد المجمع في ظل وجود حرس امبراطوري، وفضلا عن التأييد الواضح لديسقورس وآرائه قام الرهبان المتجمهرين خارج الكنيسة بمحاولة الدخول، فاشتبك معهم الحرس، وحدث شغب كبير في شوارع أفسس، ورغبة في تهدئة الأجواء المتعصبة من قبل الرهبان في الخارج اتخذ المجمع قراره بتبرئة أوطاخي وإدانة فلافيانوس.

كنت من بين من صحبهم ديسقورس في موكبه، وكان ينظر لي وكأنه يقول أن هكذا يجب أن تحسم الأمور، لكنني كنت أعلم أنه ارتكب نفس الخطايا التي ارتكبها كيرلس في أفسس الأول، فقد تعنت في حكمه على أسقف القسطنطينية، ولم ينتظر بعض من وجه لهم الامبراطور دعوته للحضور، وتأكدت ظنوني حين عدنا إلى الأسكندرية، فقد سمعنا عن إقرار أرسله لاون أسقف روما كي يقرأه رئيس المجمع  على الحاضرين، لكن إقرار لاون تم إخفاؤه ولم يظهر، خاصة أنه يعارض تعاليم أوطاخي ويناصر فلافيانوس في موقفه، هذا الإقرار سلمه وفد روما لكيرلس بوصفه رئيسا للمجع،لكن الأخير لم يعرضه على الأساقفة والآباء المجتمعين، فغضب لاون غضبا شديداً، ووصف المجمع بأنه مجمع اللصوص، وسعى لدى الامبراطور لإلغاء ما اتخذ فيه من قرارات، لكن الامبراطور كان يجل ديسقورس ولا يرغب في معادته، فآثر الصمت وعدم فتح بوابات الجدل.

لم يمض كثير من الوقت حتى انقلب السحر على ديسقورس، فقد مات ثيؤديسيوس في العام التالي، وكانت ابنته الامبراطورة بوليخاريا تجل لاون، وما أن وصلت إلى العرش حتى أمرت بإبطال قرارات أفسس الثاني، والدعوة لمجمع مقدس جديد في خقلدونية القريبة من القسطنطينية، وفيه تمت إدانة أوطاخي وعزله، وكذلك عزل ديسقورس ونفيه، لأنه حاول أن يقطع لاون ويعزله عن بقية المؤمنين المجتمعين في أفسس الثاني، ورأى المجمع حسم الجدل حول طبيعة المسيح يعتمد على ثلاثة وثائق هي:  إقرار لاون "طومس لاون"، ورسالة كيرلس الثانية إلى نسطورس، واتفاق إعادة الوحدة بين كنيستي أنطاكيا والأسكندرية. ليؤكد المجتمعون على أن العذراء هي "أم الإله"، وأن المسيح له طبيعتان بلا تشويش ولا تغيير ولا انقسام ولا انفصال.

*******

36

لا نعرف كيف تجمعنا سوياً في عربة واحدة، كنت قد نزلت لشراء بعض احتياجات البيت لتريزا، فوجدت من يسألني عن بيت صلاح متري المحامي، أشرت له على اللافتة التي اهترأت بفعل الزمن، وسألته إن كان يريد شيئاً، فأومأ لي برأسه ثم طلب مني الركوب معه، كانت ثمة سيارة ميكروباص تقف على مبعدة بسيطة من مدخل البيت، وجدت نفسي أمام أحمد ونائل، وسرعان ما رأينا تريزا بصحبة أمين شرطة، لم نعرف سببا لتجميعنا بهذه الطريقة في ذلك المساء.

علمت أنهم أحضروا نائل من الجريدة، وأحمد من أمام بيته، وأدركنا أن الشرطة بدأت في الانتباه لما يجري، فقد ربطت بين إعلان تريزا وصورة دميانة، وبين ما كتبه نائل عن دير الملاح وفتاة الصعيد، وبين المحضر الذي تقدمت به دميانة لاتهام أنطونيوس بتفجير الكنيسة، هكذا انتفض واحد من كبار الضباط وهو يلقي بالأوراق التي أمامه في وجه ضابط أصغر منه، ثم طلب منهم أن يحضروا له كل الأسماء التي في الملف.

 لكن الضابط الكبير بعد ساعتين على الأقل اضطر إلى ترك القاهرة كي يتابع ما يجري من الرهبان في الصحراء، فقد تناقلت الهواتف مشهد الحافلات التي تقل رهبانا من سيناء وكأنهم في مظاهرة من نوع جديد، وسرعان ما اتصلت الشرطة بالكنيسة تستعلم عما يجري، وكان رد الأسقف الكبير بأن ثمة ثورة بين الرهبان، وهو ما جعل مسئولو الأمن يعيدوا قراءة كل روقة بها اسم شخص قبطي، وكانت النتيجة تجميعنا في سيارة واحدة، وبدلا من الذهاب بنا إلى قسم الشرطة خرجت بنا السيارة مباشرة إلى طريق السويس، ومنه إلى طريق رأس غارب، وسرعان ما قرأت بعض اللوحات الإشارية عن المسافة المتبقية على الجونة والغردقة، لكننا لم نصل إلى أي منهما، فبعد سباق طويل مع الجبال القائمة على اليسار وكثبان الرمال النائمة على اليمين وصلنا إلى طريق الرهبان، حيث كانت الحافلات قد أخذت مواقعها على جانب الطريق، بينما آلاف الرهبان يتجمهرون أسفل الهضبة.

 رأيت المطبعة ومقابر الرهبان على يمين المتجه إلى السلالم الرخامية العالية، وعلى يسارها قطعة الأرض التي يزرعها الرهبان منذ آلاف السنين، رأيت المزرعة التي طالما نزلت إليها وأحضرت بعضا من خضارها، ورأيت ما تبقى من بكرة أبانوب التي يرفع بها الرهبان كبار السن والعجائز، رأيت مخر السيل الذي تحول إلى سلم رخامي طويل له سور حديدي على الجانبين، ومزدان بعدد من أعمدة الإضاءة التي وضعها من رمموا الدير في سبعينات القرن الماضي، رأيت بعضا من رجال يؤانس ويوساب وهم يقفون على الأسوار ملوحين للرهبان بأسلحتهم، محذرين أحداً من مجرد التفكير في تسلق الهضبة أو الاقتراب منها.

كنت أشرح لنائل وأحمد كل ما أراه، وأطمئن تريزا على ابنتها قائلا أنهم لن يفكروا في إيذائها وسط كل هذه الجموع،لم تكن لدى بالطبع معلومة مؤكدة عن شيء، حتى الذين أحضرونا إلى هذا لم تكن لديهم معلومة عما يجري بالداخل، لكننا سمعنا اسم أنطونيوس يتردد، لا نعرف ممن بالتحديد، لكن أذني التقطته من راهب عجوز وهو يتحدث إلى رهبان أصغر، كانوا يتحدثون عن الإشارة والهجوم.

في غرفة عمليات أقامها بعض الضباط المكلفين بتأمين موكب الرهبان جلسنا ننتظر الضابط الذي أمر بإحضارنا إليه من القاهرة، حين سألني عما أعرفه أخبرته أنني من أبناء الدير، وليس هناك مداخل ولا مخارج غير هذه السلالم، نظر إلى بخيبة أمل واستمع إلى تريزا، حين طالبته بإنقاذ ابنتها سألها إن كانت متأكدة انها في الدير، فأجابته أنها لا تعرف، في النهاية سأل نائل عن مصادره فيما كتب، فأشار نحوي وكأنه يسلمني لهم، أخذت أشرح له كل ما أعرفه، وتحدث أحمد عن معرفته بأنطونيوس وكيف التقي به، فأخذ الضابط يرسم نقاطا على ورق أبيض، ويوصل خطوطا بينها، متسائلاً إذا كان أنطونيوس هو قائد هذه الثورة، فأين هو الآن؟ لكن تساؤلاته لم تطل كثيرا، فقد أظلمت الهضبة فجأة، ولم يمض كثير من الوقت حتى سمعنا صوت إطلاق رصاص، بعدها انفتح باب الدير وخرج شخص ينادي على الجميع بالصعود، وقبل أن يفكر أحد فيما ينبغي عليه عمله، كان بعض الرهبان الشباب قد تقافزوا على الدرجات الرخامية وكأنهم يتسابقون للوصول إلى بوابة السماء، ثم تلاهم آخرون وآخرون، وأصبح السلم الرخامي الطويل بمثابة وريد يربط بين السماء والأرض، بينما الرهبان ليسوا أكثر من نمل يصعد عليه، أو كريات دم تتدفق فيه.

في خروجنا من السيارة التي حولها الضابط الكبير إلى غرفة العمليات لمحنا عدداً من السيارات السوداء على الطريق، وثمة أساقفة ومطارنة كبار ينزلون منها، وقفنا على جانب الطريق مفسحين لهم ولمن يهرولون حولهم، كانت تريزا تتساند على وهي تنظر نحو العابرين في صمت، وإذا بالأسقف الكبير يتوقف فجأة في طريقه، وينحي الحراس والشماسة الذين حوله جانباً، ليتقدم نحونا قائلاً بصوت هادئ وقور:

ـ كيف حالك؟

انحت تريزا على يده وصليبه فقبلتهما، فمسح على رأسها مبتسماً، بعدها رفعت وجهها ونظرت إليه بحزن وغضب:

ـ دميانة يا أبونا... دميانة.

هدهد على كتفها واستدار ليكمل طريقه، ووقفت في مكاني أنظر بدهشة لما يجري.

كان كل الذين أسفل الهضبة قد صعدوا إليها، حتى الرهبان العجائز أُحضرت لهم محفات لنقلهم، وأرسلت الشرطة مزيدا من السيارات التي تقل الجنود، فاحتلوا المكان الذي كان الرهبان يقفون فيه، لكنهم لم يفكروا في الصعود، فقط كانوا يعاونون من يحتاج إلى المعاونة، بينما أجهزة اللاسلكي تملأ المكان ضجيجاً وأسئلة، كان أحمد ونائل قد انفصلا عنا، وصعدا مع أوائل الصاعدين، فلم يريا سلام الاسقف على تريزا، ولم يكونا معي لمعاونتها على الصعود، لكن الضابط الكبير أمر رجاله بإحضار محفة وحملها إلى أعلى، حين دخلنا الدير شعرت أنني أسترد روحي التي سرقت مني، شعرت بالحنين إلى كلما فيه، وودت لو أقبل الحوائط والأبواب، لكنني لم أر المكان عظيما كما كنت أراه من قبل، ربما لأن المدينة واسعة ومبانيها أكبر، وربما لأن عالمها غني وسريع، لكنني انسقت مع الجموع نحو قلاية يوساب، حيث علمت أنه تم القبض عليه هناك، وأن أنطونيوس هو الذي اقتحم المكان برجال معه، لم أعرف أين هو، ولم أعرف إن كانت دميانة موجودة أم لا.

 درت بنظري بحثا عن أي من أصدقائي الرهبان في الدير، رأيت أحدهم جالسا يبكي، سألته عما يبكيه فقال أن الدير تدنس، وجرت فيه الجرائم، وعلمت منه أن المحققة دميانة محتجزة في مبنى الضيافة، ويبدو أنها قتلت، هنالك لم أتمالك نفسي من الصراخ عليها، كنت أصرخ كما لو أنني أرفع السماء عن الأرض بصوتي، وكان صراخي يتعالى وأنا أبعد الناس عن طريقي، رغم أنني لم أكن أعرف إلى أين أتجه، وفي النهاية هداني ضعفي وقلة حيلتي لأن أنادي على أنطونيوس، فظللت أصرخ باسمه حتى رأيته أمامي، قلت له أن دميانة هنا، ولم أخبره بما جرى لها، فقبض علي ذراع وجرني للبحث معه عنها.

 كان الرهبان يفتحون له الطريق حيث أراد، فصعدنا إلى مبني الضيافة، وهناك التقينا بشماس عجوز قال أنهم أخذوها في مفارش السرير إلى كنيسة الملاح، نزلنا نهرول بجنون، وبدا على أنطونيوس أنه تذكر شيئاً ما، فأخذ يقفز الدرجات كأنه شبح، ويزيح الرهبان من أمامه مهرولا باتجاه الكنيسة، والرهبان يهرولون خلفه كأنه دليلهم في شيء ما، حين وصلت إلى الكنيسة لم أعرف كيف أدخل، لكنني سمعت بهمسات أنهم وجدوها، هنالك جاءتني طاقة لا أعرف مصدرها، وأخذت أدفع نفسي بين الرهبان حتى وصلت إلى المذبح، كان بعض الأقوياء يقفون على بابه يمنعون الناس من الدخول، فصحت بأعلى صوتي على أنطونيوس، ودفعت نفسي فجأة بينهم فوجدت نصفي عبرهم إلى الداخل.

رأيت أنطونيوس وقد أخرج وجه دميانة من ملاءات السرير ومفارشه، رأيته يسندها على ذراعه ويطلب من الناس أن يفسحوا المجال لبعض الهواء، ناديت عليه فأشار نحوي بالدخول، قال أنها مازالت حية لكن الهواء قليل، درت برأسي بحثاً عن مصدر للهواء، كيف يمكننا أن نزيح كل هؤلاء الرهبان من أجل الهواء، فجأة تذكرت ما حكاه لي عن مقبرة الملاح والممر الرابط بينها وبين مغارة البحر، فقلت له البحر، وأجابني متسائلاً كيف، ثم سرعان ما انتبه إلى أنه صاحب هذا الطريق، فانحنى وحملها لمغارة الملاح ولبؤته، عبرنا المقبرتين المتجاورتين واقتربنا من نهاية المكان، وجدنا الهواء يتدفق تحت أقدامنا من الممر، فوضعناها ورحنا نهزها بهدوء، كنا نضرب وجهها ضربات بسيطة متسارعة ونحن ننادي باسمها، في النهاية قلت لها أن تريزا في الكنيسة وأنطونيوس إلى جوارك، وبدا لي أنها سمعت هذه الكلمة، فكررتها وأنا أهزها كمن يستعيدها من الموت، ففتحت عينها إلى وجهي، ولم أعرف من فرحي كيف أخبرها بوجود أنطونيوس، فأخذت أشير إلى وجهه.

حين خرجنا من المقبرة كان المذبح ممتلئاً بكثير من الأجساد، طلبنا منهم أن يفسحوا لنا طريقا كي نخرج، وحملها أنطونيوس على يديه، رافضا أن يعاونه أحد، كان الرهبان يتدافعون للخروج من الكنيسة مفسحين الطريق له، على الباب كانت تريزا تجلس بين أحمد ونائل باكية، فنبهت أنطونيوس لوجودهم، فوقف لطمأنتها على ابنتها قبل أن يكمل طريقه إلى مبنى الضيافة، حيث كان الأساقفة وكبار رجال الأمن قد احتلوا المكان، فوضعناها في غرفة وحدها وجلسنا نبحث عن راهب طبيب، فتذكرت أن أنطونيوس هو صاحب العيادة، وأنه الذي يمكنه مساعدتها.

****

37

كلفني أستاذي بنيامين، المتنيح في العام التاسع والخمسين بعد الأربعمائة من ميلاد السيد المسيح، بأن أكمل من بعده كتابة تاريخ ديرنا وما يجري من حوادث جسام في حاضر أمتنا القبطية، قائلا أنه لو كان للكتاب والشراح من أمثالنا صلاة خاصة بهم فإنها تدوينهم للحقيقة كما يرونها، وسوف يأتي زمان على الناس يحتاجون فيه إلى كل كلمة نتركها كى يقفوا على ما جرى لأسلافهم، وكيف واجهوا طغاة الهراطقة، وها أنا بعدما طالعت ما دونه أستاذي بنيامين في كتابه، وما دونه أستاذه رفائيل من قبل في كتابه، أحضر ريشاتي وأحباري وما لدي من ورق البردي كي أكتب معاناة القبط في مواجهة اضطهاد الروم وكنيستهم الملكانية.

توقف كتاب أستاذي بنيامين عند ما حدث في مجمع خلقدونية، ويبدو أنه عز عليه أن يكتب عما جرى بعد ذلك، فقد أمر الامبراطور مارقيان وزوجته الامبراطورة بوليخاريا بنفي ديسقورس إلى جزيرة غنفرا بأسيا الصغرى، وأرسل لاون أسقف روما إلى أستاذي بنيامين طالبا منه أن يتولى كرسي الأسكندرية، موضحا أنه يعرف مكانته بين أساقفتها، وأنه هو الذي أعاد الوحدة بين الأسكندرية وأنطاكيا، ويحق له أن يكون أسقف الأسكندرية بدلا  من ديسقورس، لكن بنيامين الذي عاني الكثير من تهميش ديسقورس له، رفض أن يتولي كرازة الأسكندرية في قلب ثورة الأرثوذكس على الخلقدونيين، فأرسل إلى لاوون قائلاً "أيرضيك أن يكون ديسقورس في قائمة الآباء المباركين الذين عانوا من نير الاضطهاد والنفي مثله مثل ديونيسيوس وبطرس وأثناسيوس، ويدخل بنيامين لكرسي الأسكندرية مجلالا بالعار على عجلة حربية من قبل الملك؟ إنني أفضل أن أمضي ما بقي من حياتي صامتاً بين أهلي في دير الملاح ولا أكون بطريركا على عجلة الملك".

كان الرهبان والأساقفة الذين ذهبوا إلى خلقدونية الثاني غير مصدقين ما يجري، فقد حرم رئيسهم ديسقورس وأدينت تعاليمه، وتم إرساله إلى نهاية حدود الامبراطورية الشاسعة الأطراف ليمضي ما بقي من حياته هناك، كانت الصدمة كبيرة وهم غير قادرين على استيعابها، ولم يكن في مخيلتهم سوى أن الامبراطور وزوجته قدموا ديسقورس على مذبحهم من أجل إضعاف الأسكندرية، كي لا تفكر في الانفاصل عن بيزنطة، ولا تحظى بشرف السبق على عاصمة الامبراطورية، لأجل هذا نصروا لاوون على ديسقورس، وانتفضوا يتهمون الأساقفة الخلقدونيين بالعار، وبذل دينهم من أجل تملق الملك، وسرعان ما تدخل الحرس الامبراطوري ليحول بينهم، فتشاجروا معه، واتسع الشغب ليملأ المدينة كلها، حتى أن الامبراطور أمر بإحضار قوات من القسطنطينية لقمع المشاغبين.

عدنا من طرق متفرقة إلى الأسكندرية، فقد تعامل الجند بقسوة مع كل الرهبان والقساوسة والأساقفة الرافضين للمجمع، كانوا يضربون بإفراط وقسوة، وكأنهم يبلغوننا أن ما حدث صفحة وطويت، وعلينا أن ننتقل لغيرها، وكان غيرها بالنسبة لهم جاهز، فقد تفاوضوا مع أسقف يدعى بروتيريوس، كان مساعداً لديسقورس في أفسس الثاني، ثم انقلب عليه في خلقدونية، فرضى أن يأتي إلى كرسي الأسكندرية في حماية عسكرية من قبل الامبراطور ونائبه، لكن الشعب لم يرض، وساد الشغب في المدينة العريقة، وظل الكل رافضاً أبوة بروتيريوس، متهمينه بالبطريرك الملكاني، ومتهمين كنيسته وأعوانه بالملكانيين، حتى أنه اضطر في النهاية للهروب من المدينة.

كان علينا حسبما رأى بنيامين أن نعتزل الفتنة ونعود بكتبنا وأوراقنا إلى دير الملاح، حيث يمكننا أن نغلق على أنفسنا من مطاردة الجنود لكل رافض لقرارات خلقدونية، فحملنا ما استطعنا حمله وعدنا إلى هضبة الملاح، لكن لامسون لم يعد معنا، وانضم إلى رهبان من دير الملاح في أبو كير، كان شنودة قد تركهم في معية الرهبان الباخوميين المرابطين هناك، قال لامسون أنه يفضل أن يبقى في المدينة كجزء من الأحداث ولو مجرد شاهد عليها، عن أن يكون شارحاً لكتابات آباء في دير على هضبة في جبال القلزم النائية، تفهمنا رغبته في الانضمام للباخوميين، حيث انتشرت أفكار رافائيل عبر تلامذته الذين كانوا في صحبة شنودة، وحيث يمكنه أن يجد المجد الذي يبحث عنه في ظل سلطة مؤمنة بالطبيعتين، وبكل ما جاء في قرارات خلقدونية الثاني.

لم يمض كثير من الوقت حتى تنيح البابا ديسقورس في غنفرا، ورأى الرومان أن الفرصة جاءتهم من السماء كي يثبتوا بروتيريوس التابع لهم، فأعادوه إلى الأسكندرية في حراسة مشددة من جديد، وظن الأمبراطور مارقيان واسقف روما لاوون أنهما كسرا أنف القبط، لكن ذلك لم يحدث، فقد اتفقت إرادة الجميع على اختيار تيموثاوس القط، وكان تلميذا ومساعدا لديسقورس، كي يكون خليفة له، وتكتم الجميع الأمر وهم يتدفقون إلى الأسكندرية ليرسموه في كنيسة مريم العذراء أسقفا لكنيسة الأسكندرية، وليحتفل الجميع بأبيهم الروحي على كرسي أسلافه المباركين من حفظة الايمان القويم، فاستشاط الرومان غضباً، مؤكدين أن بروتيريوس هو أسقف الأسكندرية المعترف به، ونزل الجنود متوقعين أن بإمكانهم أن يقمعوا الشعب، ويجلسوا بروتيريوس على كرسي ديسقورس بالقوة.

 اشتعلت الشوارع بالغضب، ونزل الرهبان من الأديرة ليدافعوا عن تيموثاوس القط، وكثر الكر والفر، ولم يستطع الجند ضبط الأمور، وأصيب منهم الكثير، فاضطروا أن يتركوا موقعهم متخاذلين عن حماية بروتيريوس، هذا الذي وجد فيما بعد قتيلا في أحد الشوارع الجانبية.

لم يصدق لاوون أن بروتيريوس قد قتل، وأن الأسكندرية أصبحت في يد تيموثاوس القط، ومن ثم راح يصرخ بأن القط هو من أمر بقتله، وأخذ يصفه في عظاته بالبربري الطاغة قاتل والديه، وأرسل للأمبراطور الجديد، وكان يدعى لاوون، مطالباً بالتدخل لإنقاذ كنيسة الأسكندرية من العبودية المزرية، وموحدا كل الكنائس التي وافقت على قرارات خلقدونية في مواجهة من رفضوها، ناعتاً الرافضين بأنهم أصحاب الطبيعة الواحدة.ظل يردد نداءاته للامبراطور حتى رضخ الأخير لصياحه وبكائه، وأمر بتعيين أسقف جديد للأسكندرية من أبناء دير أبو كير، هذا الدير الذي برز نجمه كدير خلقدوني، وكان الأسقف يحمل اسم تيموثاوس أيضا، فلقبه الناس بذي القلنسوة البيضاء، تفريقا بينه وبين تيموثاوس القط.

في هذا العام تنيح أستاذنا بنيامين، فأقام له الأب شنودة رئيس الدير قداسا جنائزيا كبيرا، حضره أساقفة من الشمال والجنوب والشرق والغرب، ولقبوه بالعلامة الكبير، رئيس مدرسة اللاهوت، وصديق البابا ديسقورس وثاؤفيلوس ورفيق درب البابا تيموثاوس القط، وحين انتهت مراسم العزاء أجلسني شنودة في مكانه أسفل شجرة السدر التي غرسها أبانوب لصديقه ديمتريوس، فجلست لا أعرف ما الذي ينبغي على فعله، لكنني وجدت شنودة يأتيني بكتاب باللاتينية قائلاً انقله إلى الديموطيقية كي نرسل به إلى الدير الغربي، فثمة نساخ يحتاجون إليه، كان الكتاب ملفوفا في قطعة من الحرير، وموضوعاً في صندوق خشبي مناسب لحجمه، فتحت الصندوق وأزحت الحرير فوجدت غلافاً من جلد الماعز نقش عليه عنوان "الرسائل"، وأسفلها اسم "أوريجانوس"، فشعرت أن شيئاً ما مسني، حتى أنني ارتجفت، وشهقت حابسا روحي عن مفارقة جسدي، حين سألني شنودة عما أصابني، رفعت عيني إلى وجهه قائلا:

ـ ألستَ مجسدا؟

فابتسم، وهز راسه قائلاً:

ـ يا أنطونيوس .. هذا الدير له تقاليد تسلمناها عن آبائنا المباركين، ولا يمكننا أن نخونهم.

*****

38

ابتسمت دميانة حين سمعتني أقول لأنطونيوس أنه صاحب العيادة، ولمحت ابتسامتها الواهنة، لكنها كانت إشارة على انتباهها لما نقول، فأخذت أصيح كالأطفال وأنا أشير لأنطونيوس نحو ابتسامتها، قائلا أن عليه معالجتها الآن، حينها علا وجهيهما نوعا من الخجل والارتباك، لكنهنظر لها قائلا:

ـ حمد الله على السلامة.

قالت له:

ـ أتعبتك

وبدأ الحديث يسري بينهما، ربما كانت العيون تقول أكثر مما تقوله الكلمات، لذا أنسحبت إلى نهاية الغرفة، تاركاً لهما الفرصة ليقولا ما لم يقولاه في لقائهما الأول، جلست صامتاً حتى سمعت صوت هرولة وخطوات في الطريق نحو الغرفة، خرجت أنظر ما يحدث فإذا بي أجد الأسقف الكبير أمامي، انحنيت على صليبه فقبلته، وكان صليبا كبيرا مزخرفا بالصدف من على جانبيه، وللحظة تخيلته صليب أنطونيوس الذي ورثه عن باخوميوس الحباك، لكنني تذكرت أننا تركنا صليب أنطونيوس في بيت تريزا معلقا على صورة صلاح متري.

أفسحت الطريق للأسقف الذي دخل برفقة راهب عجوز، سلم عليه أنطونيوس وناداه بالأب دانيال، بينما اتجه الأسقف نحو دميانة التي حاولت النهوض من سريرها، فمنعها وانحنى مقبلا على رأسها، سائلاً عن السيدة تريزا، حينها انتبهنا أننا تركناها على باب كنيسة الملاح، فهرول رهبان وشماسة لا أعرفهم لإحضارها، وغمز دنيال العجوز لأنطونيوس قائلاً:

ـ هل هذه دميانة؟

فهز الأخير رأسه، وبدا عليه الخجل، بينما اتجه دانيال هامسا في أذن الأسقف الكبير، فعاد الأخير بوجهه نحو أنطونيوس مبتسماً:

ـ هل كنت قاطع طريق حقا؟

 لم يعرف بما يرد، أنا نفسي أسقط في يدي، لكن الأسقف أضاف:

ـ إيمانويل حكى لي عنك.

اطمأن قلب أنطونيوس إلى أنه ليس متهماً، وارتسمت ابتسامة خجلة على وجهه، بعدها انسحب الأسقف ودانيال قائلين أن لديهما ما ينبغي إنجازه.

علمنا فيما بعد أن الاسقف الكبير عقد مجمعا مقدسا من الأساقفة والرؤساء للتحقيق في نشر رسائل أوريجانوس ومقتل باخوميوس وخطف دميانة. وكان علينا أن ننتظر إعلان المجمع قراراته كي يقام القداس الجنائزي لباخوميوس بحضور الجميع، لكن النقاشات طالت واحتدمت وامتدت إلى مئات السنين إلى الوراء، وكان أوريجانوس محور الجدل الذي لم ينته، وكان من الصعوبة أن يأخذ التيار المؤيد له قرارا بإعادته إلى الكنيسة، أو حتى السماح بنشر أعماله في مطابعها، ونظراً لما فعلته قديما قرارات الإدانة والحرامان من آلام مازال جسد الكنيسة يعاني منها، فقد رأى الآباء المجتمعون في دير الملاح أن يتقدم جورج المنحني ويوساب وأنطونيوس باستقالة من مناصبهم والخروج من حياة الرهبنة.

كانت هذه القرارات بمثابة صيغة تحافظ على وحدة الكنيسة وأطرافها، لكن ذلك لم ينف حق المجتمع، فقد ألقت الشرطة القبض على يوساب والمنحني وعددا من طوال القامة بتمهمة قتل باخوميوس، ونشطت في البحث عن يؤانس الذي اختفى من جديد في دروب الصحاري والجبال، ووقف الأسقف الكبير مشرفا على القداس الجنائزي الذي حضره أساقفة ورهبان ضاقت بهم هضبة الملاح، فنزلوا إلى الصحراء الفسيحة يترنمون بالمزامير ونشيد الأنشاد.

جلست أصور الكتب التي أريدها من المكتبة، تلك التي كانت مخزنا هائلاً للكتب، لكن الأب إيمانويل استجاب لطلبي فصنعنا لها الأرفف، وأعدت تصنيف الأعمال ووضعها عليها، جلست على المكتب الذي أعده لي خفية المعلم نقولا النجار، متأسياً على خبيئة الكتب التي صادرتها الكنيسة، ورحت أكمل صلاتي الخاصة، فقد آمنت بما قاله بنيامين لتلميذه أنطونيوس أن كل كتابة هي صلاة خاصة لكاتبها، وفي النهاية أرسلت نسخة من عملي الذي انتهيت منه مؤخرا إلى أنطونيوس ودميانة في بيت تريزا وصلاح متري.