"الوهم أشد رسوخًا من الحقيقة".. جاك دريدا
يتشكل عالم محمد حافظ رجب (التجريبي) من تلك الكائنات التي تمور في وعيه الحاد بما وراء الأشياء، وبكينونتها التي يشكلها ويستنطقها ويعيد إنتاجها، في منطقة نفسية قد تشذ عن المألوف ظاهريًا، ولكنها توغل في عمق الذات البشرية الإنسانية سواء من خلال الاقتراب الشديد منها، أو بالابتعاد عنها اتجاها نحو أنسنة الجمادات والحيوانات، أو التشكل بسماتها الظاهرية أو الباطنية والوقوع تحت سطوة وجودها؛ إمعانا في عبثية الوجود، ومن ثم الوقوع في دائرة الالتباس معها في ديناميكية جديدة تسم الفعل السردي بالغرابة والوقوع في العبث أو اللامعقول.
وهو يحيلها إلى عالم من المتوازيات مع ما يدور في الواقع، بتلك السيريالية المختلطة بسمات الذهنية التي تقتلع تلك الصور من سياقها المعتاد إلى سياقات أخرى، وبما يصنع هذه المعادلة الجديدة للكتابة القصصية الثائرة والمتمردة على الواقع بإحداثياته التي قد تجد لها مكانا جديدا على خارطة جديدة لجسد الحكاية وجسد المكان الذي يتحول إلى كائن هلامي هو الآخر، ربما جاء في صورة ساخرة معبرة عن نبض مغاير، وصناعة مضادة لوعي الذات بذاتها، إمعانًا في ذهنية قائمة على هندسة جديدة تجريدية للسرد القصصي، تلك التي تبدو من خلال عناصر عملية السرد/ التخييل المغاير القائم على خلخلة الأصول المعتادة للسرد، وقافزا عليها بتلك الخطوات الجسورة نحو رغبة في التجديد ربما أصابت في بعض مراميها!
ففي مجموعته القصصية "مخلوقات براد الشاي المغلي"[i]، والتي أتت بعد مجموعتي: "عيش وملح" (مشتركة) 1968، ثم "الكرة ورأس الرجل" 1968 التي أحدثت دويًّا وردود أفعال متباينة، ونقلة على المستوى التقني لتطور القصة القصيرة العربية، بخروجها عن النسق المعتاد لكتابة القصة في حينها وتكسيرها لكل القوالب والأنماط المكتوبة.. تبدو البداية السردية أو العتبة النصية الأولى في أول نصوص المجموعة "برهوته والحمار المهموم" سريالية خالصة من خلال ذلك المشهد الذي يلقي بظلاله فارضا سطوة تأثيره أو حمولته السيريالية الرمزية التي يتجه بها على نحو غير مباشر لإسقاط مهم على أحوال البشر ومن ثم التلبس بهم:
"العربات تهالكت .. استندت في استكانة حول بعضها .. وتثاءبت .. بجانبها وقفت الحمير غير عابئة بها .. انتهت علاقتها بها .. بعد لحظة انتقل إليها التثاؤب .. أصبح المصير واحدا .. في وسط الحمير .. حمار يبدو عليه الهم.. غارق في الذهول إلى حد الألم" ص5
حيث تبدو تلك المشهدية السردية لتعطي تلك الأبعاد الإنسانية لتلك الجمادات والحيوانات في ملمح سريالي معبر عن حالة من حالات التوحد المركب للمشاعر، وكإمعان في حالة الدونية التي تعيشها تلك الكائنات الإنسانية بنزولها إلى مستوى الجماد والحيوان؛ حيث تنتقل سمات الفعل الإنساني إلى الحيواني لهذه الدرجة من التوحد، بما يجد هذا المبرر الوجودي لتلك الشخوص التي يتلاعب بها النص/ الفكرة القصصية للتأكيد على وطأة تلك النزعة التي تميز هذا الوجود، وهذه العلاقات المتشابكة للنماذج البشرية التي يستخدمها النص المعانق للتجريب من خلال نموذج الشخصية التي تعاقر هذا الواقع الغريب والمسماة "برهوته" والتي لا تحمل أي معنى إمعانا في التجريد وخروج الشخصية من النمط المعتاد المؤطر لها، مع تلك الحركة الديناميكية التي ترتبط بها عملية السرد كحالة من حالات التوليد أو الاطراد.
ذلك الذي يدخل النص السردي في حالة هندسة خاصة به مرتبطة بتلك الحالة من الالتباس بين الإنسان والجماد والحيوان التي أسست لها سيريالية المشهد والعلاقة، حيث تبدأ العلاقات الغريبة في النسج حول تلك الشخصية التي تخرج آثارها الانفعالية من داخلها/ النفسي إلى خارجها/ البيئي الذي يشكل وعيها الخاص، لتصنع هذه التشابكات النفسية والدلالية الموغلة في الرمز والإزاحة على مستو آخر من مستويات الواقع البيئي الذي يحتضنها بين جنباته:
"أخرج برهوته موساه.. قال لأمه وهو يترنح:
- أنا ذاهب لأقتل الحمار..
لم تعترض أمه طريقه .. لم تسأل أي حمار سيذبح؟" ص 7/8
هنا يطرح السؤال نفسه في دهاليز النفس الإنسانية لتلك الشخصية المنشطرة إلى قسمين أحدهما واع (ظاهريا) بذاته وكينونته، والآخر لا واعي (باطنيا) مختبئ داخل الذات بهذا الحس الغيبوبي بالالتباس مع الحمار الذي يصنع معه علاقة تماه على عدة مستويات أو محاور تتقاطع في ذات الشخصية فيأتي هذا التماهي مرة بين الحمار وبرهوته، وبينه بين الحمار الذي بداخله، ومن ثم تأتي لعبة تبادل الأدوار لتشعل هذا الصراع الدائر في النص فيما بين المادي المرتبط بالبيئة، والنفسي المرتبط بالذات المجبولة على غيبوبتها ودخولها في عملية ربما كانت ضد الأنسنة وربما أطلقنا عليها (الحيونة) بتحوله هو إلى حيوان بعدما أكسب النص الحيوان والجماد سمة الإنسانية، ومن هنا يطرح النص تداعيات تلك العلاقة الغرائبية على مستوى التداخل فيما بين الواقع والغرائبي المتخيل والمستمد من الواقع النفسي المأزوم في ذات الوقت:
"منذ زمن: الإثنان يسيران فوق المحمودية ولا يبتلان. يشقان الجيوب، يهربان من الشق. ويختبئان في المحفظة. الآن غاض وجه القمر عن (غربال) غاب الفحام. ارتدى سروالا طويلا. اشتغل فوق عربة حماصه. صارت له عربة .. جرها الحمار السمين المعجب بنفسه إلى حد الغرور .. الحل الواقف بين يديه الآن: يفصل العنق عن الجسد .. يأكل الرأس وأمه .. يلقي بالعظام إلى القطط الجائعة" ص 11
يعطي النص هنا تفاصيل جديدة لتلك العلاقة الغرائبية التي ينسجها من خلال الأفعال الخرقاء للشخصية التي تمارس لعبة التخفي والانشطار والالتباس والتوحد لتصنع هذا المزيج من العبث والدخول في متن الغيبوبة التي تجعلها تشتهي فعل العديد من الأعمال دون القدرة عليها، والغيبوبة تأتي هنا من خلال تأثير المخدر الذي يلعب دورًا في تحريك المخيلة، ويأتي من خلال التأثر الانفعالي بما يدور في البيئة، ليكون فعل الكلام ناتجًا عن الهلوسة التي تأتي معها الأفعال من منطلق الأزمة النفسية التي تطرح أبعادها على أثر العلاقة/ الوشم النفسي الذي يوشمه الواقع/ البيئة لتلك الشخصية وعلاقاتها مع من حولها من هذا المنطلق الخارق للمعتاد:
"استدار الفحَّام بالمدية. رفعها إلى بطن الهواء. أهوى بها فوق عنق برهوته. فتح فيه فجوة. خرج منها دخان أسود كثيف. رائحته عسل محترق وسبرتو غلى داخل قدر. سقط برهوته على الأر.. تحامل على نفسه .. قام بالموسى قطع عنق الحمار. سالت منه الدماء. حمل الرأس. سار بها إلى أمه. من خلفه سارت قطرات الدماء. رسمت فوق الطريق خطا أحمر من لهيب" ص 12
على خلفية الصراع الأزلي بين قوى الواقع والوجود.. تأتي التفاصيل لتعمق تلك العلاقة الغرائبية بين الواقع والمحتمل حدوثه في تلك الحالة من الغليان والخروج عن النسق المعتاد باستبدال الأشياء المعقولة باللامعقولة، لتسود على الواقع بهيمنتها وبفرضية وجودها كملمح مائز للبيئة التي تحتضن الحدث السردي/ الموازي للواقع بآلياته، وقد يلوح لنا أن نرتبها على الوضع الذي يأتي على مراحل:
- اغتيال الحمار في صورته المعنوية الذي يقبع بداخل برهوته، وهو ما أتى من خلال حالة الغيبوبة التي كان من مسبباتها تعاطي العسل المحروق والسبرتو المغلي، وإبراز ذلك في صورة المادي المتخيل، وإبراز دور عوامل التغييب أو طمس الوعي والإدراك الإنسانيين من خلال إحلال السمات الحيوانية محلهما
- اغتيال برهوته لذلك الحمار ماديًا (أو رغبته في ذلك، أو تصوير النص لتلك المحاولة) في صورته المعنوية التي تمكنه من حيازة الانتصار والتمكن من قطع رقبة الحمار الذي كان سببا في الأزمة النفسية المشار إليها على مدار النص، وعلى العكس من المرحلة السابقة يأتي إبراز ذلك من خلال المعنوي المتحقق
- الحصول على اللذة المادية/ الحسية من خلال التمكن من رأس الحمار: "وضعت أمه رأس الحمار في القدر. غلى الماء. صاح برهوته يتعجل أمه. وهو يلتقط بين كل لحظة وأخرى قطعة لحم نيئة" ص13
حيث تأتي النتائج لتضع نهايات مشتهاة لتلك الحالة من الغيبوبة التي تلجها الشخصية كي تحقق ذاتها/ تعوض هذا النقص الشديد الذي تثيره حالة الحرمان الاجتماعي/ البيئي التي تتخفى داخل النص وفي تكوين نسيجه، حيث البيئة المنسلخة من المتن والمعبرة عن شريحة تغتال ذاتها من خلال هواجسها، لتدخل في غمار الحل السحري لأزماتها مع الواقع الذي تنحصر مفاتيحه في الترعة (المحمودية) والحمار، وقنينة التعاطي المعلقة في رقبتها والتي تمكن من الدخول إلى هذا العالم المسحور والذي يعتبر الدخول منه كالخروج منه:
"أخرج الفحَّام علبة البلمونت بسرعة. ناول واحدة لبرهوته. أشعلها له. اغتبط برهوته. فرح. صفح عن الحمار" ص15
هكذا تأتي النهاية كي تضح الحدود والمتاريس لشطحات العقل الميت الذي تحول إلى عقل حمار في حين أكسب النص في بدايته الحيوان والجماد سمة الأنسنة التي اعتمدت حركة النص على عكسها وهي حالة الحيونة التي تحولت إليها تلك الشخوص المتورطة في عتمة وجودها النفسي وعالمها الغرائبي المتخيل والمشتهى، والذي لا يؤدي في النهاية سوى إلى الفراغ..
***
في قصة "ذراع النشوة المقطوع" ربما تطورت آليات السرد، وتغيرت إلى حد ما الدوال التي يشتغل عليها وعي السارد الملتبس بالمسرود عنه، حيث يبلغ مدى انشغال الوعي وتوحده مع حالة التشظي والدخول في هيمنتها تلك التي تفرض صورا للتعبير عن تلك الأزمة الجديدة التي يعالجها النص ويطرح لها من خلال هذه المعالجة إطارا جديدا ربما تماس في غرائبيته مع نموذج النص السابق، وفي كونه مستقى من نسيج اجتماعي مشوه، ومن خلال قضية الشك والخيانة بين الزوجين، والتي ينظر إليها النص من منظور مغاير ومن ثم معالجة مغايرة تأتي من أعماق الحالة النفسية المشوشة والمهجوسة دائما بهاجس الخيانة الذي ربما لم يكن له وجود في الأساس:
"تسلل من داخل ذراعها جبانًا. ووقف يتلصص على الذراع. ساريته العالية. يراه في ليالي الاضطهاد ويسيل إغراءً فيتعلق به ويغمره بالقبلات ويهمس له بكلمات العذاب ويغسله بالدموع. الآن أغمد فيه كل النصل المتمدد، ويخشى أن يحملق فيه لأنها أشارت إلى "ظل" يصعد مترنحا فوق درجات السلم" ص34
حيث يلعب الظل هنا دور التجسيد للهاجس الذي تحاول أن تخرق به الشخصية حاجز الخوف أو ربما التقوقع فيه أكثر، من خلال ترميز النص للذراع بتحوله إلى كائن منفصل مرموز به إلى القدرة على الفعل والتأثير والغواية، ومن ثم الخيانة التي تقوم على خلفيتها فعاليات الانتقام بمحاولة القتل التي ناب فيها الذراع عن الجسد كله بما أنه مكمن الغواية والإغراء الذي يحرك مكامن الاشتهاء، أو حالة الاغتصاب (غير الطبيعية والشاذة فكريا) التي تحل محل العلاقة الجنسية الطبيعية بين الزوجين، وهي التي تشعل جذوة الصراع النفسي الذي ربما كان متخيلًا، والذي ربما أتت تفاصيله من خلال ذاكرة الاسترجاع (الفلاش باك) التي يعوِّل عليها النص ملء الفراغات التي تؤدي إلى بلورة الحدث:
"منذ ساعتين.. قبل أن يتناول المدية ويمزق الصمت ويلعق الصدأ الملتصق بها هم أن يغتصبها كالعادة كما تعود. وفجأة أدرك أنها تغيرت: أعارته جسدها وأرهفت السمع إلى وقع خطوات درجات السلم: حاجز السلم عدوه الآن" ص38
تأتي عملية التشخيص/ التجسيد التي يقوم بها الكاتب لهذه الجمادات (حاجز السلم هنا) التي تمثل ضغطا نفسيا على وعي/ لاوعي الشخصية المأزومة؛ ليخلق معها نوعًا من الصراع النفسي المرير المشتعل بالهاجس الملاحق للشخصية - التي لم يفصح عنها النص ولم تفصح عن نفسها إيغالا في التجريد وإسقاط الحالة على واقع أكبر ومساحة أكثر اتساعا من مساحات التأويل واحتماليات الحدوث في الواقع العام – والمرتبط بعملية القتل أو سفك الدماء على أقل تقدير تحقيقًا لغاية نفسية مشتهاة متغلغلة بالانتقام والتشفي للخروج من حالة الانهزام والنكوص إلى حالة ما من الرضا والسكون والدعة، وبما تمثله إراقة الدماء من عنصر مادي مؤثر ودال وكوسيلة نفسية لإفساد الهاجس/ الكابوس المطارد، للخروج من تلك الصراعات النفسية المتراكبة من الداخل الذي يعج بها ويحركها شبح/ ظل الخيانة.
كما يبدو من دلالة صدأ المدية، والتي ربما توازت مع الموسى في النص السابق في كونهما أداتي سفك دماء/ قتل، أو معول من معاول الانتقام، بما يمثله لدى الشخصية من اشتهاء وتعطش للدم، وهو ما حاولنا تفسيره استنادا إلى الحالة النفسية الواقعة فيها الشخصية، تلك التي تدخل في حيز أكثر إيغالًا من تفتيتها من خلال هاجسها الذي يشغلها بهرب الزوجة وغيابها وهذا الأثر الانفعالي الذي ينقل عملية السرد إلى الحالة الآنية أو المعاصرة في تاريخ حكاية الشخصية المسرود عنها المطلقة على عواهنها وبفوضاها المرتبة - إن جاز لنا التعبير - وذلك مما نراه من باب صناعة الوهم التي تفرضها حالة الدخول في اللاوعي المنبثق من فعل الأزمة النفسية/ المادية التي تؤكدها تلك الحالة من التهويم الذي ربما أدى إلى تجسيد معنوي للأزمة واستفحال الهاجس، مع حالة التردد الذهني بين ما يحدث الآن، وقطعه بما كان يحدث منذ وقت قليل، وما يحتمل حدوثه من خلال الرغبات والهواجس المختبئة داخل الذات، ما ينشأ عنه هذه المطاردة النفسية:
"رائحتها في السقف. تسلق الحائط وصعد إليها ومد يده. قبضت على أسلاك النور، وسرى فيها التيار فصرخ. وهبط فوق الحائط ووقف أمام المائدة. المدية فوقها تتحداه أن يتناولها من جديد ويغرسها في اللحم. التقطها بسرعة ووضعها بين أسنانه وقرضها، تساقطت دماء باقية اختفت فيها منذ أمس" ص45
تمثل عملية المطاردة النفسية ملمحًا مهمًا من ملامح القصة القصيرة عند محمد حافظ رجب، وكنموذج لهذا النص نجد أنها تتخذ أنماطا متعددة ومتغايرة ومتلونة مع الموقف النفسي الذي يزداد صعوبة فالرائحة هنا، وفي تأسيس وتقرير لهذا الموقف/ الحالة النفسية تمثل عنصر ضغط ومطاردة موغل في النفس البشرية ودالا على التوحد بالأزمة والالتصاق بها. لتأتي عملية المطاردة العكسية المنطلقة من الذات المهجوسة بردود الأفعال أو الأثر الانفعالي لها من خلال حركات: التسلق والصعود والقبض على الأسلاك، لتأتي النتائج دائما مخيبة للآمال، ودافعة إلى النكوص إلى الواقع/ الأرض الصلبة، والرمز الملتصق بالانتقام وشهوته وهو المدية التي ترتدي وشاح الفعل الإنساني ويصبح لها حق فعل التحدي والظهور والتحريض على القتل، حتى وإن كان وهميا مشتهى، وإن كان دافعه منطلقا من اللاوعي المصنوع من خلال كل تلك المواد التي تراكبت وخلخلت التركيبة الطبيعية للذهن والتفكير.
ما يدخل النص في تقنية (الأنيميشن) أو تجسيد "الصور المتحركة" اللا معقول واللا منطقي في الإحالة التي تقوم بها الصورة الذهنية التي تُعتصر فيها المدية بالأسنان فتنز بقايا الدم!! لتأتي النتائج على نحو النكوص على العقبين والدوران في فلك الوهم أو الذي لم ولن يحدث، حيث تأتي المواجهة التي لا تمتلك الشخصية من مقوماتها شيئا لتضع نقاط العجز البدني المتوازي مع العجز النفسي والمحرض عليه، في ظل حالة من اللاجدوى تجعل من أمر ما حدث وكأنه لم يحدث، إمعانا في وضع هيكل عام يشي بالهشاشة والخواء وعدم القدرة من الكل على الفعل، والوقوع في دائرة العجز والتواطؤ معه: "في الليل عاد. وجد ضوءا وامرأة تترقب: انحسرت عنه وحشته. وبدأت في تلك اللحظة عزلتها المميتة" ص50
يطرح النص في نهايته إطارا لتلك الأزمة التي تجعل من العزلة مكمنا للهواجس المشتعلة والتي تفقد معها القدرة على الفعل ومن ثم التفكير الصحيح/ السليم والفهم لما يدور؛ ما يجعل الولوج إلى عالم الهاجس واستبطان الذات واستنطاق الحواس الميتة والجمادات والحيوانات سبيلًا إلى محاولة معرفة الذات أو العمل على طمس هويتها في ذات الآن بالتكريس لمفهوم اللاوعي والانخراط في سبيل تبعاتها ومن ثم الانحباس في دائرة الهاجس، ومن ثم أيضا عودة الزوجة إلى كنف هذه الشخصية المريضة لتدور الأحداث في نفس الفلك، ويبقى لتلك الجمادات والنصال دور جديد في إعادة صناعة المشهد الخارج عن نطاق الوعي
ولعل التشبع بالحس السريالي قد ساعد هنا إلى حد كبير في تطوير فكرة الاستعانة بالمخلوقات والجمادات الأخرى لتكون ضميرًا موازيًا وفاعلا للعنصر البشري التي ربما تحول هو بدوره إلى جماد أو حيوان، من مبدأ لعبة تبادل الأدوار التي ربما قامت عليها الكثير من العلاقات الإنسانية الشائهة في النص، وهي: العلاقات المبتورة بين الأب والابن، التي تحول فيها الأب إلى مجرد حيوان بهيمي ينجب أمثال الشخصية المأزومة. "تعلق في يد شريك أبيه: طفل. سيترك لهم حرية الكلمات، ليعيدوا إليه المخطوفة"، وبين الزوجة والمتكفل بها الذي تحول إلى كرسي خشبي بأرجل مثل الذي يصنعه وضاعت نخوته وحساسيته للأشياء "تحسس شاربه.. لم يجده. سقط منه أثناء الحديث: لو كان شاربه معه الآن لتغيَّر شكل حال السؤال"، كتحولات اجتماعية يرتكز عليها النص/ النصوص في المجموعة.
تحولات الكائنات والحركة داخل النص:
في "مخلوقات براد الشاي المغلي".. النص الذي يحمل عنوان المجموعة، ربما تضافرت عدة سمات لكتابة التجريب لدى محمد حافظ رجب، من حيث تكامل تقنيات الكتابة التي ربما اخترقت روح الجماد لتصنع منها بوتقة تدور فيها الأحداث، ما يستتبع ذلك من استغراق في تقنية الأنيميشن/ الصور المتحركة التي تميكن حركة الكائنات البشرية في حيز رمزي/ سريالي موغل في دلالته من الاستعاضة به ليكون بديلًا للحياة أو خروج من مآزقها وكوابيسها، أو نموذج البيئة التي تحتويه أو يمثلها وهي بيئة المقهى الشعبي المتخفية في دهاليز النص وأعماقه، إمعانًا في الدخول في حالة واقعية سحرية بتلك السمات/ الأفعال الخارقة التي يفرض وجودها هذا الجو النفسي/ الهلاوس المتحكمة في النص السردي دخولًا به في منطقة العبث/ اللامعقول الذي تأتي به كل فعاليات النص، ومن خلال ضمير السارد الوحيد الشاهد والمتورط في ذات الآن في تشكيل الحدث السردي وصياغته، ومصائر شخوصه، وذاته نهايةً:
"بعده بساعة أحضر وأنا قزم أفتح باب علبة سجائره. أزيح ستائر نوافذها. أتفقد مأواي، وأخرج. أتجول بين العلب الأخرى. أغير الهواء الراكد. أستعيد شكل العلامات: جولد فلاك، وينجز، ماتنيه بحاري، وأتعلق في لحية البحَّار الكثيفة كي لا أتردد ويبتلعني الصمم عندما يأتي زبون ويمد يده بالثمن" ص51/52
تأتي هنا تركيبة العبارة السردية على نحو من التكثيف والتقطير والانتقال النفسي بين كل مفردة وأخرى، بصيغة الفعل المضارع الذي يعمل على الاستمرارية وتكرار مشهدية الحدوث ربما بصيغة آلية ممنهجة وبمعدل ثابت يدل على الاستقرار/ التلذذ بحالة التضاؤل والدونية التي تغلف سلوك الشخصية وكونها جزءًا من مشهد كارتوني متحرك/ مفعول به، ولتأتي هنا تقنية الأنيميشن لتصنع سيًاقا عبثيًا لتلك البنية السردية التي يقوم عليها النص بحيث تشكل المشهدية علاقة السارد بالمكان/ تلك البيئة من خلال تلك الصور المتحولة بحركتها غير المتوقعة في سمة من سمات اللامعقول؛ فالتحول من الشخص العادي إلى الشخص القزم أو المعادل النفسي والموضوعي لحجم الشخصية الحقيقي وإحساسها بتضاؤلها بل وتلاشي وجودها، هو الولوج إلى عالم موازٍ لا يختلف عن الواقع سوى بطريقة التعامل والتشابك معه، فعلب السجائر هي هي، والرف هو هو، والرجل الرمز المرسوم على علبة السجائر بلحيته هو مادة مرسومة/ جماد.
لكنها تحولت - من خلال هذا الوعي المغاير – في صورة عبثية خالصة إلى كائن متحرك تتدلى لحيته ليتعلق بها القزم، ومن ثم يمارس دوره في هذه المنظومة وهذا الحيز الضيق جدا الذي يحوله إلى عالم آخر يتشكل في الفراغ الذهني الممتد لتلك الشخصية المهجوسة، المتمردة على الواقع العادي والمتاح، وإن كان من خلال رموز وآليات. فالنص/ السارد/ التقنية (أو المعالجة المغايرة) تمضي في طريق عبثيتها/ عبثية النص التي ينتهجها على مداره ليجعل كل الشخوص التي تهجس وجوده تغرق في هذا البراد الذي يغلي بالجميع، ولعله المعادل الموضوعي للواقع/ الحالة الرمزية التي انتقلت إليها الحياة في هذا الحيز الضيق والمغلق والمحموم بالنار والغليان والاشتعال الذي يريد السارد إسقاطه على الواقع والشعور العام، وفي ذلك بالطبع ملمح بارز من ملامح السريالية العميقة التي تختزل الرموز لتضعها في مسار تعبير كوني عن حال يوشك على الانفجار.
"هممت بالخروج. أبدأ بالمبادرة، (فانجلي) كان أسبق مني. غادر البراد وسخطه يتقدم خطواته وجمع بقايا الدمامة والزجاج المكسور وعاد إلى مثواه هادرًا. راقبت الغضب مليًا داخل الدمية اليونانية. من حركه بداخلها؟". ص57
هنا يتحول الرجل اليوناني/ نموذج المقهى/ فانجلي إلى دمية - برغم ما يمور بداخله من هيجان يشبهه بالبحر العاتي الذي يمثل بيئته البحرية الخاصة التي أتى منها - في اتجاه سريالي عكسي أو مضاد لحالة الأنسنة التي تحدثنا عنها في البداية، مرورًا بما أسميناه مجازا "الحيونة"، لنصل هنا إلى حالة/ نموذج للتحول إلى الجماد في صورة الدمية التي خرجت من البراد/ الجماد لتثير جمادا من نوع آخر له مدلوله النفسي والاجتماعي. ليتشكل الوعي الحاد بهذا المعادل الصعب للواقع الذي آلت إليه تلك الكائنات أو المخلوقات التي ربطها النص بعبقريته بمعادل من معادلات اللا وجود على ساحة الواقع، وهي الحالة التي انحبست فيها تلك المخلوقات/ الشخصيات البشرية التي صارت مجرد مخلوقات أو كائنات مطموسة الهوية والوجود:
"في أقصى متاهات نظراتي النارية في البحث عن وسيلة للفرار لمحت رجلًا مقطوع الساق يتلصص على حيرتي ولما هممت بالإمساك به. اختفى داخل ورقة يانصيب، ومع ذلك أمسكت به" ص60
هنا ترتقي درجات العبث واللامعقول إلى الدخول في الهلاوس البصرية التي تصاحب الحالة النفسية المأزومة، لتضعها على محك بالغ الحرج، يتوازى مع تلك الحيرة الذهنية/ الوجودية التي تنتاب السارد وتجعله نهبا لتلك الصراعات الداخلية التي تدخله في حيرة المصائر، فحالة تجسيد/ توالد الصور المتحركة مستمرة مع رمزية الشخوص التي تواجه الشخصية كنماذج للمحيطين به والذين تلقى عليه آثارهم وعجزهم عن الفعل والوعي، مع حالة الذهول القائم على عدم الوعي أو حالة اللاوعي التي صنعتها الشخصية لتفرض وجودها على مكامن الصراع في النص/ النفس البشرية، وأيضا مستمرة مع حالة الغليان التي ربما تستمرئها النفس كي تعيش في حالة تعذيبها لذاتها/ مازوخيتها البغيضة:
"الأصلع يغريني بالبقاء. بتحمل الانتظار، لكن الثالثة والأربعين تخترق سور احتمالي، ورنين الأجراس في داخلها يمزق قدرتي على البقاء، لذلك فررت إلى الجالسين أبحث فيهم عمن رأى عقارب الساعة المنذرة وهي ترقص حولنا، لكنهم غارقون في التطلع إلى أحجار الدومينو يستخرجون منها صورا للصبر تعينهم على إفناء الوقت" ص64
يمثل هذا المقطع/ النموذج تعبيرًا صارخًا وصادقًا وواعيًا عن التحولات الجذرية لأزمة السارد مع الواقع/ الزمن الذي يضغط عليه وهو يمر من خلال دقات الساعة الداخلية الرمزية التي تمثلها الساعة المعلقة – ربما - على حائط المقهى/ الواقع اللصيق بالسارد، والتي ربما برع السارد في اللعب على مدلولها العميق الفلسفي بأنها ساعة العمر أو ساعة الوجود التي تنذر بسنين العمر الهاربة/ المارقة في حين لا يستطيع هو الفرار من هذه الحالة من الغليان في هذا الحيز الرمزي بالغ القسوة على النفس. ولعل التعبير بـ "عقارب الساعة المنذرة" يقتحم بقوة هذه العلاقة النفسية المفلسفة للواقع الذي يرمي إليه السارد/ حالة الكتابة المتمردة على هذا الواقع وهذه الآليات التي تقوم على معالجته من خلال السرد كغاية من الغايات، فسمة الاستغراق أو التلهي أو الوقوع تحت وطأة التلذذ بتعذيب الذات أو إغراقها في حالة الكمون والاستسلام التي يعاني منها اللاعبون بأحجار الدومينو الذين ربما مثلوا ملجئا/ ملاذا لهذا السارد المعذب في محطة من محطات محاولات الخروج. تمثل ضغطًا جديدًا على السارد نفسيًا وذهنيًا، وتجعل من الأمور أكثر قابلية للإثارة وأكثر تكريسًا وضغطًا على التورط والتوغل في ذلك اللاوعي السادر في تكوين الشخصية الجمعية انطلاقا من تلك الذات التي قد تستطيع التعبير عنها من خلال السرد. فها هو السارد يبحث عن خلاصه في نهاية/ بداية اللعبة.
"ها هي العجلة دائرة أمامي. سأتعلق بها. الفتارين والعلب لهم. اللفافات لكم. أشعلوها كلها. فانجلي في براده. ابنه فوق حصانه. احتويني يا دقات الساعة. انتهى الأمر. احتويني. وداعًا يا رأس الكرة الصلعاء وداعًا أيها الانتظار العقيم" ص 78
لتفتح تلك النهاية/ البداية كل مسارات التأويل على مصراعيها، في صورة من صور التحول المتسارعة في الشخصية، وبصيغة الاستباق في الفعل "سأتعلق بها" الممعن في التخيل والتمني، وبذلك الغموض الشفيف الذي ربما يكشف بقدر ما يخفي هذا التورط في صناعة اللاوعي والإبحار في اتجاهاته التي ربما لا تؤدي إلى شيء سوى العودة من جديد للهدوء في مسارب الذات، ربما استعدادًا للنهوض والعودة من جديد للخوض في غمار النفس ودهاليزها المظلمة التي ربما لا تؤدي إلى شيئ!!
كاتب وناقد مصري
Mohammadattia68@gmail.com
[i] مخلوقات براد الشاي المغلي ـ قصص ـ محمد حافظ رجب ـ كتاب آتون (غير دوري) طبعة أولى ـ 1979