تواصل الباحثة السورية من خلال الحفر في أركيولوجيا مستويات عمل لوركا الدرامي المختلفة وتجلياته الفنية المتعددة الكشف عن بصيرة نقدية ومعرفة عميقة بالثقافة الأسبانية.

عرس الدم ولعبة المرايا المتعاكسة

أثير محمد على

I

مزرعة الراهب

تمهلت وأنا أصل منجم ذهب رودالكيلار الواقع في ريف مدينة المريّة الأندلسية. هنا ينتهي الطريق المعبد ويبدأ الدرب الترابي ممهداً يناديني لأتبعه إلى الفلاة. كان الصباح يلقي رونق نداوته في دخيلتي، ويبلّ قلبي ووعي بمسرة مرتعشة كنسيم طارئ. الهيكل المتآكل والأعمدة الصدئة لمدخل المنجم المهجور بدت كعملاق خرافي يئن تحت ثقل سراديب الذاكرة، وينظر بين فخذيه حيث الريح البحرية تخفق بلا توقف عند أقبية الهاوية ومنعطفات السلالم المتصدعة. خلفي كانت قرية العمال الذين كتبوا مغامرة الذهب متهدمة عن بكرة أبيها، وإلى جانبي كان يجثم شبح المنجم الذي توقف عن إدرار المعدن البرّاق مع نهاية عقد الستينات في القرن العشرين، أما الدرب الترابي فكان أمامي تماماً.

إحساس غريزي دفعني لأحيد عن خريطة الظلال التي رسمتها تجاعيد البناء الهرم، وقادتني قدماي ضمن حدود النور الذي كان يتوهج فوق سطوح الحجارة الموشورية المتناثرة في مسيرتي المعفرة بالتراب. كثيراً ما تلح عليّ الرغبة بأن أمارس طقوس التيه وأختبر شعائر اللاجدوى في تفاصيل المدينة وفي رحابة المدى. أشد السير لأطوي الأرصفة والدروب بلا وجهة محددة مسبقاً أو محطة معينة أعلم أني سأحط رحالي فيها لاحقاً. بين الحين والحين أهبط إلى شبكة المترو وأغمّق في المستويات الأكثر عمقاً، تنحني خطواتي وتتعرج مع الشرايين الأشد وحشة وأندفع مع الكتلة البشرية الصماء المتسارعة لأهدافها اليومية صعوداً وهبوطاً دون أن أتعرف على أحد أو يتعرف علي كائن من كان. وأتحرر من جاذبية تلزمني بالمعنى والرضى.

رنوت للساعة في معصمي: لازال الوقت مبكراً حتى تغرب الشمس وفي الزمن كفاية كي أقوم بجولتي بين التلال الصحراوية اللون. أقفلت الحزام الأمامي حول خصري وثبتّ حقيبة الظهر وأنا أحثّ الخطى. كان وقع أقدامي كتيماً وخيل لي أنه رصين أكثر من اللازم ويناقض الأتربة المضطرمة مع كل خطوة أخطوها. طوال المسير لاحقتني زهيرات صفراء وبنفسجية غاية في الصغر نمت على جنبات الحصى في الوهدات المجاورة، ولساعات كان ميلان الأرض يتصاعد بنعومة. لم أصادف أي مخلوق حي متحرك إلا العظايا والحشرات الزاحفة المتحمسة لاتمام دورتها الحياتية كجزء من توازن الطبيعة.

حدّت عن الدرب لألج بضعة مساكن متداعية وأطلال متشققة أضحت مرتعاً للعناكب البرية. توقفت عدة مرات لأشرب من الماء الذي كنت أحمله، وافترشت صخرة لأرتاح وأتناول شيئاً من زوادتي. تأملت شتات الغيوم وأنا مستلقية على أديم الأرض. ميزت زوجاً من طائر اللقلق يتجه مع الشمس وفراشة زرقاء حامت حولي قبل أن تغط في سداة زهرة مالت سويقتها تحت وطأة الحدث. نثرت فتات الخبز قرب قافلة من النمل الأحمر فهاج الجمع وتهدمت متوالية الرتل بعشوائية هستيرية. فكرت أنني لابد أن أعود أدراجي فمساحة النهار بدأت تضيق شيئاً فشيئاً، إلا أن قدماي كانتا تلحان في المضي وكأن جاذباً سحرياً يهيمن عليهما ويجعل من العودة أمراً عصياً. لعل تكرار مشهد الهضاب الحجرية التي حفّت هو ما جعل شوقي للصوت يتمطى، رغم أني لزمت الصمت الجواني.

أردت أن أقوم بجولتي لوحدي فداهمتني مشاعر الحنين لخوسيه. احتميت بكوننا معاً رفيقين على الطريق وبأنني أحب نفسي بين ذراعيه. ران الصفاء في أعماقي بينما أخذت أستحضر من الذاكرة القريبة شيئاً من اليوميات التي خلفتها ورائي في ذلك الصباح: الأصيص على حافة النافذة، كتابي الذي تركته مفتوحاً، تحية موظف الاستقبال في الفندق، رشفات القهوة مع تيرسا في مقهى "الناصية"، نغم أداجيو البينوني تبثه إحدى القنوات الإذاعية، رصيف محطة قطار الأرياف المزدحم. شرعت الشمس بالتوغل في الجانب الأخر من مسيرتها اليومية. اعترضت طريقي نبتة شوكية غرزت نصلها الحاد في ساقي بقسوة، فتجاهلتها بألم لأني أخذت أسمع هسيس أنفاسي آن كان الدرب يتشعب إلى مفترقات جمة ثابرت على تضليل سبيلي.

امتعضت من رائحة كبريت منبعثة من أشلاء تربة صفراء مبعثرة هنا وهناك. كان الهدوء مشبوهاً ومثيراً للتوجس، وخطر لي أن هناك شيئاً مبهماً في هذه القفار التي اختلط فيها لون البنفسج بالرماد عند تخوم النهار الأخيرة. أمعنت الإحساس في وضعي فنهشتني وطأة داست صدري بالانقباض، وكأني وصلت إلى مطل سراب كنت فيه لوحدي تماماً في مواجهة شفق بائس داكن: هذا الصمت لايشبه حتى سكون الفجر وإنما هو أشبه بمرارة قنوط مطبق. بعد أن تجاوزت إحدى المنحنيات وقبيل اختفاء تخضبات الشمس الغاربة استوت الأرض وانبسطت مترامية الأطراف في كل الاتجاهات.

رأيت ضمن مرمى بصري عمارة نائية تتقدمها نخلة يتيمة، فحثثت الخطو وتركت الطريق الأوسع إلى آخر مستقيم وضيق لا يكاد يتسع إلا لكائن بشري واحد، وهرعت كأنني أتوجه إلى ملجأي الأخير. وصلت، كانت عزلة البناء المطلقة كحالي في تلك اللحظة. تركت صهاريج المياه الجوفية وعنابر حظيرة الخنازير المقببة عن يميني ودرت نصف دورة وولجت إلى الفناء الداخلي. أعاقني علو الأعشاب اليابسة الكثيفة عن الوصول إلى رواق البهو المسقوف، فعدت أدراجي نحو الجهة الخلفية واقتربت من باب مصلى مخلوع. وطئت قدمي عتبة قبو، فنزلت بضعة درجات، وجّهت ضوء مصباحي اليدوي كيفما اتفق. لم يكن هناك سوى الفراغ المختصر وشحنة فكرية باغتتني ودفعتني للخارج: لاشيء إلا مقبرة جدارية باردة ورطبة وربما خاوية هي الأخرى. تركت حقيبتي تسقط جانباً بعد أن نزعت منها سترتي الصوفية فالليل كان يعدني بلسعات برودة صيفية ليست بالأليفة بحال من الأحوال. صالبت يدي فوق ثديي المرتجفين، أسندت جذعي المنهك إلى جذع النخلة، ومكثت ملتصقة بها كأنها حبل سري يصلني مع الحياة. في الأعلى كانت النجوم تلتمع في سماء كحلية، أما العالم من حولي فقد محيت ملامحه تقريباً خلف حجاب السواد المخيم.

أنست لأريج الحشائش اليانعة ولرضاب ملمسها في محيط الشجرة. أطرقت ملياً وجاهدت في تنقية ذهني وبدأت أستعيد الأمل بمتابعة رحلتي في الغد فالدرب المتصاعد لابد أن ينحدر في الجهة المقابلة نحو الشاطئ. تنبهت لجرحي الملتهب. كان نسيج بنطلون الجينز المترب ملتصقاً بالدم المتخثر لساقي المجروحة. حاولت فصل القماش عن جلدي الحي، وتنظيف ثلم الجرح بعنابة كأنني أمارس فعلاً مفعماً بالرحمة. حدقتي المتسعة بمؤثر العتمة جعلتني أميز لوحة معدنية ثبتت في الركن المجاور للنخلة. تناولت المصباح واقتربت. قرأت كلمات معدودات علاها الصدأ:

ـ El Cortijo del Fraile "مزرعة الراهب".
بدا الاسم مألوفاً لي. استغرقت في التفكير فالتمعت في ذاكرتي شرارة معرفة:
ـ إنها المزرعة التي جرت فيها أحداث مسرحية "عرس الدم"...
تطلعت خلفي على غير هدى عبر الظلام البهيم. تسربت حفنة من رمال الوقت المريب في الخلاء:
ـ... إنها المزرعة التي شهدت جريمة قتل عام 1928 وكانت منبع إلهام لفدريكو غارثيا لوركا لكتابة "عرس الدم".

II 

فرانثيسكا كانيادا مورالس

في ليل 22 تموز 1928 وقعت جريمة قتل في نطاق "مزرعة الراهب" في ريف نيخار الأندلسي التابع لمدينة المريّة الساحلية. بعد كل هذه السنين لايزال الصمت يهيمن على أرجاء المزرعة وعلى ذاكرة من تبقى من أولئك الذين شهدوا أو "ورثوا لعنة تلك الليلة". تقع "مزرعة الراهب" في سهل منبسط محاط بسلسلة من الجبال المنخفضة القريبة من شاطئ بركاني. شيدت أقسامها الأقدم في القرن الثامن عشر بتوجيه من الرهبان الدومينيكان حين كانوا يجوبون أصقاع الأندلس، أما بقية الاضافات والتوسعات في البناء فتعود للقرنين التاسع عشر والعشرين. حالياً المزرعة مهجورة وبحالة مؤسفة للغاية، وهناك محاولات لترميمها وتحويلها لمتحف اثنوغرافي للمنطقة، خاصة بعد أن أعلنتها الحكومة المحلية كـ "ملكية ذات أهمية ثقافية" عقب البيان الذي قدمه مجموعة من المثقفين الإسبان عام 2002 لحماية المزرعة من الزوال.

مع بدايات القرن العشرين كان ريف نيخار الأندلسي أرضاً مجبولة بالمحل وبالخرافة، ودياناً في مهب قرصنة رياح عرّت عطاف النبات فيها وأتت على ما تبقى لها من مغفرة وقوة للبقاء. ثقافة التكيف مع الفقر والاكتفاء الذاتي خشّنت عادات وتقاليد مزارعها وضيعها المأهولة المتباعدة وجعلتها بخشونة الجفاف وملوحة التربة التي تحرق نضارة الخضرة. تعايش سكان المنطقة مع الزراعات المتواضعة والصناعات اليدوية المنزلية وتربية الماشية وبضعة نخلات باسقات وحلم يبشر بالذهب المدفون في دخيلة الأرض. كل ذلك كان قبل أن تبدأ مواسم الهجرة الجماعية التي فرّغت بوادي الضيع من أهلها، وقبل أن يصل مخرجو "الويسترن" الأميركي لتصوير أفلامهم مع عقد السبعينات وتشغيلهم لما تبقى من اليد العاملة المحلية الرخيصة، كذلك قبل أن تنتشر لاحقاً مع سنوات الثمانينات الزراعة في البيوت البلاستيكية لعشرات الكيلومترات محجبة وجه الأرض وما عليها.

غالباً ما تعجن الحقيقة بخميرة الأسطورة في تفاصيل الرومانس الشعبية والحكايا التي تستحضرها الذاكرة الجمعية للفلاحين والرعاة والفنانين... تتبع الباحث كارلوس ديه آرثه والشاعر لويس أنطونيو ديه بيينا ملامح ماضي "مزرعة الراهب" لعام 1928 فتمخض تعقبهما عن سكون وكلمات متناثرة تعتم أكثر مما تنير، وعلى ما قدمه الباحث والشاعر وما باح به البعض هنا وهناك يتوكأ هذا النص في قص حكاية "عرس الدم". عند قدوم رجال الأمن في تلك الليلة المشؤومة كان فرانثيسكو مونتس كانيادا (30 عاماً) ملقى على الأتربة وقد فارق الحياة لتلقيه ثلاث رصاصات في رأسه، وعلى مقربة منه كانت فرانثيسكا كانيادا مورالس (20 عاماً) غائبة عن الوعي بعد ان تركت تهوي أرضاً لعلائم موت محقق علت وجهها إثر تعرضها لمحاولة خنق. بعد يومين أصدرت جريدة El Defensor "المدافع" التي كانت تطبع في المريّة عبارة كتبت بالبنط العريض: "نزوات امرأة تحض على تطورات تراجيديا دموية وتكلف رجلاً حياته " لم تكن "المرأة ذات الأهواء" التي جابت سيرتها الجهات الأربع لصفحات الجرائد إلا فرانثيسكا كانيادا، أما القتيل فكان ابن عمتها فرنثيسكو المعروف بـ "باكو".

تحفظت ماريا خوسيفا ساليناس، إحدى الجارات العجائز (80 عاماً)، عن ذكر أي شيء يرتبط بالجريمة، واكتفت بوصف فرانثيسكا على أنها "كانت امرأة دميمة، طويلة، نحيلة وذات عظام ناتئة وفك بارز وأسنان مائلة نحو الخارج. أما فيما يتعلق بالأشغال فقد كانت ربة بيت وعاملة ريفية مجدة".

ولدت فرانثيسكا كانيادا مورالس عام 1907، صورتها الشخصية العتيقة بالأبيض والأسود لا تظهر القبح الذي وصفتها به الجارة. على العكس من ذلك تنضح من محياها عذوبة خفية، وتوحي الأزهار التي وضعتها لتزخرف بها صدرها برهافة أنثى حية. لعل ما صرّحت به ماريا خوسيفا يعود إلى أن مقاييس الجمال الريفي في ذلك العصر والأوان كانت مختلفة، أو لأن الجارة نقلت وعبّرت عما أبصره الجميع أو أرادوا أن يبصروه في هذه الريفية الشابة حينئذٍ. لقبت فرانثيسكا بـ "باكا العرجاء". باكا هو تصغير اسم فرانثيسكا داخل العائلة، والعرجاء لأنها فعلاً كانت تعرج على قدمها اليمنى.

من المتعارف عليه في ريف نيخار الأندلسي كما هو الحال في كثير من البقاع الريفية في العالم أن يلقب الفرد بالعلامة التي يراها أهل القرية "مميزة"، فيحل اللقب محل الاسم أو يترافقان بمعنى مترادف، فـ "باكا" هي "العرجاء" والعرجاء" هي "باكا". سرد أهالي الضيعة أن فرانثيسكا عندما كانت طفلة بعمر ثلاث سنوات أظهرت غيرة حادة من أختها الرضيعة، فكانت تقضي الوقت بالبكاء، مما دفع الأب الذي كان قد نفذ صبره لعقابها بضربات مبرحة تركتها عرجاء لما تبقى من عمرها المديد نسبياً. آخرون يرون أن السبب في عرجها يعود لأمراض الطفولة التي غالباً ما كانت تتعرض لها المناطق الفقيرة بشكل وباء أو جائحة تميت من تميت ولا ينجو منها إلا القلائل من الأطفال بعد أن تكون قد تركت بصماتها وندبها التي لا تمحى على الوجوه والأجساد. ومهما يكن من أمر عرجها، فإن فرانثيسكا لم تعرف متى أغرمت بابن عمتها فرانثيسكو ولكنها وعت الدنيا على حبه كما وعت الخطو بقدم عرجاء.

وعلى النقيض منها اعتبر فرانثيسكو مونتس من قِبل الجميع "شاباً وسيماً وفلاحاً بساعدين مفتولتين قويتين".

خلف العتبات كان أفراد عائلة آل مونتس يهمسون بأن "باكا مجنونة بحب فرانثيسكو" وتقضي الأوقات بانتظار الرياح التي تأتيها بأخباره أو تعلمها بمقدمه، ولم ينسوا التعقيب مؤكدين إلى أنه "كان يتجاهل حبها ولا يعيرها أي اهتمام".

لعقود مضت جرى العرف في ما يعرف بـ "الأندلس العميقة" على تزويج الفتاة من الرجل الذي تراه العائلة مناسباً. يشير تعبير "الأندلس العميقة" إلى قاع المناطق الريفية البعيدة التي توارثت فلكلور زمن يزحف ببطء معنّد بعيداً عن مؤثرات وتحولات العالم الخارجي المحيط. فلكلور تنصهر فيه المعتقدات الدينية والأخلاقية مع المصالح والأعراف النقلية وأحوال الزرع والقطعان. هذا ما دفع أخت فرانثيسكا الكبرى كارمن كانيادا لتخطط مع زوجها خوسيه بيرث بينو لتزويج فرانثيسكا من كاسيميرو، أخ هذا الأخير، "شاب فقير إلا أنه شريف". بهذه الطريقة يبقى الميراث داخل العائلة ولاتضيع "مزرعة الراهب" وتتفتت في معارج غريبة. اقتنع الأب الأرمل الذي لم ينجب سوى البنات بفكرة هذا الزواج وأخبرت فرانثيسكا برغبة الأسرة، وبدأت الاستعدادات لحفلة العرس.

يحكى أن فرانثيسكا كانت تذوي وتضمر مع كل يوم يقربها من الليلة الموعودة، رغم أنها لم تبدِ أي ممانعة تذكر على مشروع تزويجها. بعد إتمام المراسم الكنسيّة وكما هي العادة في ريف نيخار يبدأ احتفال الزفاف عند منتصف الليل ويمتد حتى السحر، عندها تتنتظر العروس قدوم عريسها ليغلق عليهما باب واحد. شرعت نسوة "مزرعة الراهب" بتهئية موائد العشاء وأطباق الحلويات، ومع توافد المدعويين وجلبة الاحتفال حدّست الأخت كارمن كانيادا بأن هناك شيئاً ملبداً في جو الفرح، وتعزز توجسها حينما أخبرتها إحدى الجارات أنها رأت والدة فرانثيسكو منهمكة هي الأخرى منذ الصباح الباكر بتحضير الحلوى في بيتها وأضافت إلى أنها أفضت لها قائلة: "لعل عرس هذا اليوم سيحتفل به هنا" (أي في البيت الذي يقطن فيه باكو مع أمه).

في لحظة ما تسللت فرانثيسكا من باب مخدعها وحثت الخطو خارج بناء "مزرعة الراهب" إلى حقول العتمة حيث كان فرانثيسكو بانتظارها مع بغلته مبللاً بالوله ومخفوراً بالصدفة. امتطت العروس البغلة وسارا معاً بعيداً عن صخب المحتفلين. لم يتمدد الوقت طويلاً حتى افتقد أفراد الأسرة العروس وتنبهوا لاختفاء بغلة فرانثيسكو الذي كان مدعواً لحفلة الزفاف، ولم يكن الأمر يحتاج لجهد كبير للربط بين الاختفائين. كيف سيخبرون العريس كاسيميرو بالحقيقة المأفونة؟. لم يترددوا في التفكير ولا الانتظار لانطلاق مواكب الملاحقة مع خطوط الليل الأخيرة وقبل بزوغ أول الفجر. أثناء رحلة الفرار بجعبة الشغف وعند إحدى المفارق القريبة من سور مواز لبضعة نخلات تعثر العشاق بأخ العريس الذي لم يتوان عن إفراغ رصاصات الانتقام وغسل العار في رأس فرانثيسكو، وترك أمر باكا العرجاء لأختها كارمن التي اندفعت نحوها ممسكة بخنّاقها ولم تتركها إلا بعد أن ظنت أنها أجهزت عليها خنقاً مطهّرة شرف العائلة المدنس.

كشفت التحقيقات الجارية حينئذ عن القاتل المذنب ووجهت إصبع الاتهام إلى خوسيه بيرث بينو وزوجته كارمن كانيادا. لم توفر الصحف المحلية والوطنية الإسبانية، خاصة المحافظة منها، جهداً في نقدها اللاذع لفعل هذه الريفية "المشين" الذي ضجّت له بيوت الضياع في المنطقة لما اقترفته من كبيرة الهرب مع العشيق.

ليس هناك من تفسير قاطع لانتظار فرانثيسكا وشروعها في الفرار إلى ما بعد ارتباطها الديني بكاسيميرو. البعض ممن تجرأ على تأمل تلك الليلة يدعي أن "باكا العرجاء" همست لفرانثيسكو في اللحظة الأخيرة: "اجعلني سعيدة"، فقال لها: "تعالي معي"، فردت: "انتظرني على الطريق"، ومن ثم تسللت وامتطت بغلته. حتى الآن تترقرق الدموع في عيني رفائيلا مونتس ابنة أخ المغدور فرانثيسكو عندما تذكر تلك الليلة والعار الذي جثم فوق كاهل العائلة ولايزال. خرجت عن صمتها لتعلق بأنها كانت بعمر ست سنوات عندما وقعت الجريمة، وبأن "فرانثيسكا هي من أغوى العم باكو بالهرب". أما خواكين ابن الجناة، والذي كان بعمر ثماني سنوات في عام الجريمة، فقد حسم أمر ما جرى بالصمت وبأن أباه "كان رجلاً مستقيماً من رجال أيام زمان".

حكم على القاتل وزوجته بالسجن لسنوات، إلا أنهما خرجا منه بعفو عام صدر عام 1931. سكنا في مزرعة مجاورة ولم تلتق الأختان بعدها أبداً ولم تحاول أي منهما الاقتراب من الأخرى. العريس المفترض كاسيميرو تزوج وأنجب العديد من الأولاد وعاش في قرية أخرى مكرراً حياة أي ريفي آخر في نيخار، ولم ير فرانثيسكا بعد تلك الليلة وتوفي عام 1990 عن عمر يناهز 92 عاماً. أما "باكا العرجاء" فلم تتزوج مطلقاً وانعزلت معظم حياتها في "مزرعة الراهب" التي شهدت أحداث تلك الليلة الرهيبة، وعرفت طوال حياتها "بوصمة مخزية" التصقت بها كعلقة ذلّ امتصت وجودها لخروجها عن المألوف، ولـ "خطيئة" اقترفتها بالفرار من سرير الزوجية مع رجل آخر.

في أيامها الأخيرة عاشت فرانثيسكا مع أبناء أختها الثانية في ضيعة قريبة من "مزرعة الراهب" حيث توفيت ودفنت هناك عام 1987. يقال أنه ما من أحد يستطيع زيارة قبرها حالياً لأن رفاتها تجثو تحت شاهدة لاتحمل اسمها بل اسماً آخر. وكأن أحدهم أراد محو رميم حضورها ميتة كما محي وجودها حية. قريباً من المزرعة ما برح السور الذي تداعى فرانثيسكو عنده صريعاً منتصباًَ وقد طلي فوقه رسم صليب بالكلس الأبيض. 

لم تعلم هذه الشخصيات جميعها، ولم يهمها أن تعلم، أن الشاعر فدريكو غارثيا لوركا كتب مسرحية من وحي جريمة "مزرعة الراهب" حملت عنوان "عرس الدم".

مؤخراً وجهت مجموعة من نساء مقاطعة الأندلس عنايتها للتنقيب عما تبقى من سير نساء أندلسيات عرفن بالإرادة الفاعلة أو المتخيلة، وفي قائمة الأسماء التي وضعت تبعاً لتسلسل الأحرف الأبجدية يظهر اسم فرانثيسكا كانيادا مورالس "باكا العرجاء". 

III

مزرعة الراهب
فدريكو غارثيا لوركا

في 8 آذار عام 1933 عرضت لأول مرة مسرحية "عرس الدم" لفدريكو غارثيا لوركا (1898 1936) على خشبة "مسرح بياتريث" في مدريد. تستند المسرحية على واقعة جريمة قتل مروعة حدثت سنة 1928 في "مزرعة الراهب" في جنوب شرق الأندلس في ريف مدينة المريّة. كما هو معروف، ولأعوام عديدة قبل العرض المذكور، أخذت تتوضح الاتجاهات الفنية والجمالية الطليعية لما عرف في تاريخ النقد والأدب الإسباني بـ "العصر الفضي" و"جيل 27"، نسبة لعام 1927 المصادف لاحتفالية المئوية الثالثة لوفاة الشاعر غونغورا من العصر الذهبي.

هناك في أروقة وردهات وغرف "سكن الطلبة" في مدريد مارس الشبان والشابات القادمين من مختلف الجهات الإسبانية تأثيراً جذرياً على روح ثقافة بلدهم في القرن العشرين، بينهم كان رفائيل البرتي، وماريا تيرسا ليون، وبدرو ساليناس، وبيثنته الكساندره، ولويس ثيرنودا، وخورخيه غيين، وداماسوا ألونسو، وماريا ثامبرانو، إلخ.

هناك وقبل ثمانين سنة أخذ الفكر والأدب والفن الإسباني يتبلور في بوتقة الحداثة على يد شباب استثنائي في قوة حضوره المعرفي وقيمه الجمالية تجاه الحاضر وما مضى من زمن إسبانيا. من بين أولئك الطلبة نشير للصداقة التي جمعت لمن سيكون فيما بعد السينمائي لويس بونويل، والرسام سلفادور دالي، والشاعر فدريكو غارثيا لوركا، وصديق الفنانين والأدباء الشاب ببين بييو (1904 2008) الرئيس الفخري لـ سكن الطلبة حتى تاريخ وفاته في شهر كانون الثاني الفائت. تمردت هذه المجموعة السوريالية المصغرة بفعلها الجماعي والسلوك الفردي لكل واحد من "أعضائها" على تكلف الفن وبلاغة الأدب ومسار التاريخ الاجتماعي الإسباني لتلك المرحلة، وأقامت لغة حوار حداثية تجديدية مع إرثها الثقافي.

من الصعوبة بمكان الخوض في التفاصيل الشخصية الخاصة لأي فنان إلا أن ما يهمنا هنا الإحاطة بالظروف البعيدة لكتابة مسرحية "عرس الدم" والتي يعتبرها دارس ومؤرخ حياة لوركا إيان جيبسون العمل الفني الأكثر تعبيراً عن ذاتية كاتبها. لذلك لابد من التنويه إلى التلميحات التي تشير لانجذاب لوركا المثلي نحو دالي في المجموعة السالفة الذكر. في عام 1928 كان لوركا قد أصدر ديوانه "أغان غجرية" تطاول فيه بالتجديد على الشكل الشعري وما يضم، معلياً من جمالية تراجيديا الكائنات البشرية المهمشة. فلاقى ديوانه هذا حفاوة باهرة من قبل القراء والنقاد على حد سواء، فيما عدا صديق السكن الحميم سلفادور دالي الذي وجه نقده اللاذع واسترسل بالتهكم على الديوان اللوركي مما أدى لتحطم التواصل بين الشاعر والرسام.

خلال عطلة صيف شهر تموز 1928 كان لوركا قد غادر "سكن الطلبة" في العاصمة وتوجه إلى الأندلس في زيارة لبيت أسرته في La Huerta de San Vicente "بستان سان بيثِنته" الواقع في سهل مجاور لغرناطة. هناك قرأ نبأ جريمة "مزرعة الراهب" في الصحافة المحلية. لعله كان جالساً في الحديقة الأمامية يتفيأ ظلال شجرة الليمون أو في غرفته ذات النافذة المشرعة على القمر. احتمال وارد أنه ترك الجريدة جانباً، إلا أن ما هو مؤكد أن حساسيته كانت تخفي حينئذ تلك الكآبة التي غالباً ما يسببها ذلك التعلق من طرف واحد أو الحب المحبط الذي لا يتجاوب معه الحبيب.

في السنة التالية أبحر إلى ما وراء الأطلسي وحط رحاله في نيويورك، وبعد رجوعه من رحلته الأميركية إلى إسبانيا في صيف عام 1930 قفلت حكاية الجريمة وانفعالاتها الأولية من تلافيف النسيان لتلهم الشاعر الشاب أثناء كتابة نص مسرحية "عرس الدم" بين 1931 1932. منذ الصغر اهتم لوركا بالموسيقا والشعر والرسم وعلى هذه الأقانيم الفنية الثلاث يتأسس كل ما كتبه وأبدعه في عمره القصير.  كما تتكرر وتحضر باستمرار في مجمل أشعاره ونصوصه الدرامية رَفات الطفل الذي كانه الشاعر، والمستحيل الذي لا احتمال لتحقيقه، والحب الذي لا يمكن أن يكون، والولع التراجيدي، والاضمحلال الضاري لذروة السعادة، والاحساس العميق بالموت العنيف...

تتكون تراجيديا "عرس الدم" من ثلاث فصول وسبع لوحات. يحاك الحوار فيها بالنثر والشعر. تدور أحداثها في إحدى ضيع الأندلس أثناء التحضيرات المتلاحقة لعقد قران إحدى الفتيات والتي لازالت واقعة في غرام رجل آخر. في نفس ليلة الزفاف تنقاد العروس وراء مشاعر التوق، فتهجر عريسها وتفر مع العشيق. يفارق النص اللوركي "الوقائع الحقيقية" فهو ليس محاكاة توثيقية ولا تسجيلاً لها بأي شكل من الأشكال. فالاستعارات والصور والرموز الشعرية تباعد المسرحية عن الحدث التاريخي وتعقد أواصر صلته مع الوهم الفني. تسود النص نزعة لتحقيق التوازن بين قطبين متعارضين: بين ما هو ذهني وما هو حسي. بين ما هو درامي وما هو غنائي... وعليه استخدم لوركا لمسرحيته تراكيباً شعرية مشغولة بعناية ووعي أسلوبي رفيع، إلى جانب بنى لغوية لاعقلانية تتميز بقوة رمزية يتحقق مؤثرها ذهنياً عند تفكيك وإعادة وصل شفراتها المكونة من جديد.

كما وظف جملاً نثرية تعبيرية موقعة وموجزة تميز الحوارات اليومية العفوية وأدرجها في المقاطع النثرية، أما الإنشاد في المسرحية فيضرب جذوره في روح وتراث ضيع الأندلس الشعبية. في المجمل يمكن القول أن لوركا تلاعب على المفارقة بين رحابة وكونية اللغة الشعرية وبين محلية قائلها اليومية. ففي نصه يعاد إكتشاف "الشعري" باستمرار في التعابير الشعبية المألوفة وفي لغة الأدب الرفيعة على حدٍ سواء.

يغيب اسم "مزرعة الراهب" عن المسرحية كما تختفي أسماء الشخصيات الحقيقية وتحلّ محلها ألقاب تشير إلى الوضع العائلي أو الاجتماعي مثل: أب العروس، أم العريس، الحماة، العروس، العريس، الخادمة، المتسولة... والدة العريس كانت قد فقدت زوجها وابنها الأكبر في صراعات الشرف والانتقام الدائر بين العائلات الريفية، ولم يتبق لها إلا ابنها الأصغر: العريس الذي يتحضر للاقتران بعروسه التي يحب.

أجرى لوركا تعديلاً يتعلق بالحالة المادية للعريس الفقير في حقيقة الأمر، حيث جعله في الوهم المسرحي صاحب ميراث خصب من كروم عنبٍ وبساتين كرزٍ وأشجار جوزٍ. فيما يبدو أن لوركا في تغييبه لأسماء الشخصيات الواقعية أراد أن يحترم خصوصيتها، إلا أنه استعار لشخصية العاشق الواقعية اسماً متخيلاً "ليوناردو"، فهو الوحيد الذي يكرس له الشاعر اسماً في مسرحية "عرس الدم".

لعل في هذا محاولة من لوركا لتقنيع ذلك الحب اليائس الذي كان يعانيه أثناء اطلاعه على خبر جريمة "مزرعة الراهب" في صيف 1928 خلف غرام ليوناردو في نص المسرحية المكتوبة في فترة لاحقة. وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على أن الشاعر تمثّل خبرة الآخر الذي يسمّيه كخبرة ذاتية يحسّ ويعرف تفاصيلها الدقيقة من الداخل.

تشير المسرحية إلى أن العروس كانت واقعة في غرام ليوناردو، ولكن إرادة الأب وقفت عقبة في طريق تطور هذا الحب الذي انتهى بالهجر والقطيعة بين المحبين. تتحول "مزرعة الراهب" في المسرحية إلى مسكن في مغارة على الطراز المألوف في مغاور غرناطة الجبلية، والتي لازال يقطنها الغجر حتى الآن في El Sacromonte "الجبل المقدس". في كل الأحوال، تشابه مواصفات المنطقة التي يقع فيها كهف العروس في المسرحية مع جغرافية "مزرعة الراهب" الحقيقية. لقد تعامل لوركا مع الواقع الملموس الذي يعرفه جلّ المعرفة بانتقائية انتخب فيها ما يلزمه لإعادة خلق واقع تخييلي محمّل بـ "رؤيا شعرية درامية" في مسرحيته. يوصف ويشار إلى موضع سكن الحبيبة (اعتماداً على ترجمة د. علي سعد، دار الفارابي، بيروت، 1979) بـ "عند حدود السهوب"، "أصقاع جرداء"، "كما لو أنه آخر الدنيا". وتقول أم العريس: "ما أبعد بيت هؤلاء الناس عنا"، "منعزلة كثيراً. مدة أربع ساعات لابيت ولا شجرة".

ويعبر والد العروس عن رأيه: "هذه الأرض بحاجة إلى سواعد غير مأجورة. يجب شن الحرب على الأعشاب الضارة والأشواك والحصى التي تنبت من حيث لا ندري. وعلى أصحاب الأرض أن يعاقبوها وأن ينتصروا عليها ليستنبتوا البذرة الخيّرة". يفصل مغارة العروس عن العالم المحيط النهر الهادر بأدغاله المتشابكة والذي لا وجود له في واقع الأمر. كأن النهر في واقع التخييل الدرامي هو تجسيد غامض وصوت خفي لنفحات الغريزة وبرزخ عبور من حال لحال. ليوناردو كان قد تزوج وأنجب ولداً إلا أن "حبه الضائع" ماانفك يحرقه ويناديه، وما إن يترك العنان لجواده حتى يثور عليه، ويقوده إلى مسكن عشقه الأول في "آخر الدنيا".

هنا نلاحظ أن لوركا تنازل عن البغلة الواقعية التي فرّت عليها العروس الحقيقية واستبدلها بجواد مخلوق من شعر ومجبول بالرمز. مجاز الجواد الهائج سيكرره لوركا في "بيت برناردا ألبا" كتعبير عن ذلك الوله والشبق الذي يبحث عن خلاص وانعتاق حتى ولو في عنف المأساة. ربما كان لوركا يبصر في الكائن البشري كتلة معقدة من المشاعر الحسية. من قلمه تفيض وشائج توطد الوصال بين عالم الإنسان والطبيعة المتجسدة في "الكلمة" من مثل: الغابة، القمر المكتمل، النهر العارم، الجدول الضحل، المستنقع، الليل، النسيم، البادية، حقول الكرمة، بيارات الليمون، بساتين الزيتون، الحشائش، الأعشاب الضارة، الأشواك، الحبق، الكهف، الفراشة، الظل، الجواد،.. الطبيعة "الكلمة" تملك قوة باطنية وروح حيوية تتواصل مع الكائن البشري بالحدس، تحاوره وتقرأ له طالعه إن لم نقل أنها تشارك في تطريز قدره. ومأساة الكائن البشري تكمن في العراك الذي يضطرم في داخله بين النوازع الحسية الشهوانية وبين المنطق الذي يقيم به الإنسان حالته الاجتماعية "العقلانية".

أما القبح الذي نُعتت به العروس "باكا العرجاء" في الواقع العياني وأكدته الذاكرة الشعبية، فيتحول بريشة لوركا إلى فتنة وجمال يلفان العروس في واقع الوهم الفني. الصورة المتبقية للعروس الحقيقية تدفع للتساؤل فيما إذا كانت صحافة عام 1928 قد نشرت صورتها وهي تزين ياقة ثوبها بالأزهاير، فالتقطها لوركا وزرعها في نصه كباقة من زهيرات الليمون مهداة من العريس لعروسه ليلة الزفاف الموعودة.

تلتصق العروس الدارمية بالحالة الطبيعية الغريزية حيث تمكث في كهف تعتمره صراعات الرغبة والعقل. الزواج العقلاني يعدها بسكينة العائلة وطمأنينة المستقبل، وتحاول أن تقاوم العشق المتأجج ولهيب الشغف بالضغينة السوداء ورفض ليوناردو، إلا أن دفقات الجوى تلسعها بترياقها السحري وتدفعها للتوقان الأعمى لأن تكون بجوار الحبيب في كل لحظة. حالة تسوقها للهرب مع المحبوب في نفس ليلة زفافها. العريس بكل نمطية الرجل الريفي التقليدي الغيور يجب أن يحافظ على شرفه وينتقم من الخيانة. هنا تتقدم التراجيديا إلى الذروة وتلاحق الجميع لينقلب العرس دماً مسفوحاً.

تضاء السيرورة المأساوية عند عتبة النهاية بنور القمر الذي يظهر كشخصية مجازية لقدرٍ متواطئ مع شخصية المتسولة التي تبحث عن ضحايا وترمز للموت. على خلاف الأحداث الواقعية تنتهي رحلة فرار العشاق بالمواجهة بين العريس وليوناردو في مبارزة يقتل كل منهما خصمه الآخر بخنجره المسنون. الخنجر في المسرحية سلاح ذو حدين: يفيد قطف عناقيد العنب من الكروم كما هو الأمر في المشهد الأول من المسرحية، لكنه مع النهاية ينقلب إلى أداة تغور عميقاً في الجسد لتقطف الحياة من الغريم.

لا يقدم لوركا في المسرحية مشهد القتال بين الذكرين ويجعل الموت غير مرئي. لعل في ذلك احترام ومراعاة لعرف المسرح الإغريقي الذي يقصي مشاهد العنف عن أعين المتفرجين. وربما يعود إلى حساسية لوركا الذاتية تجاه المنظر العياني للدم المراق (في مرثية مصارع الثيران إغناثيو سانشس مخيياس يرفض الشاعر المتألم رؤية الدماء المراقة).

بعد مقتل الرجلين تتواجه الأم والعروس بالحوار حيث تبوح لها المرأة الشابة: "كان ابنك الماء العذب الذي كنت انتظر منه الأولاد والعافية. أما الآخر، فقد كان النهر القاتم الجاري تحت الغصون... أنا المرأة الذابلة أنا العذراء التي تداعبها النار... لقد كان ابنك خلاصي، فلم أخنه، ولكن ساعد الآخر جرفني... وحتى لو أصبحت عجوزاً... لكان جرفني" (ترجمة د. علي سعد...) ليس هو الحب الاعتيادي بحال من الأحول لأنه أكثر من ذلك بكثير. هو الحب الذي يهرب منه إليه. هو الحب/ القدر الذي لا محيد عنه ولا مناص منه. 

IV 

مزرعة الراهب
مشهد المبارزة في فيلم "عرس الدم" لكارلوس ساورا

في عام 1981 حوّل المخرج الإسباني كارلوس ساورا (1932 ) بالتعاون مع راقص الفلامنكو أنطونيو غادس (1936 2004) مسرحية "عرس الدم" للشاعر فدريكو غارثيا لوركا إلى فيلم سينمائي يحمل العنوان نفسه. يبدو المخرج ساورا كما لو كان متابعاً للخطوات التي كان قد بدأها لوركا من حيث الاهتمام بتراث الغجر وفنونهم، فقد تناول الفلامنكو في عدد لابأس به من أفلامه والتي نذكر منها إلى جانب "عرس الدم" أعمال من مثل "كارمن" عام (1983)، "الحب الساحر" (1986)، "اشبيليات" (1992)، "فلامنكو" (1995)، "سالوميه" (2002)، "ايبريا" (2005).

أثناء تناوله لـ "عرس الدم" لم يمنح المخرج عنايته لتقديم نسخة تطابق المسرحية وتوثق حبكتها وأحداثها المتتابعة في المكان والزمان حرفياً على الشاشة الكبيرة. ما قام به كان إعادة خلق للعمل المسرحي على ضوء عدسة آلة التصوير، وتعبيرية الجسد الراقص ولغته في فضاء الزمن السينمائي. ففي الفيلم يتعشق فن السينما مع فن الفلامنكو لتقديم رؤية جمالية مغايرة لهذه التراجيديا الأندلسية. وعليه يغيب الحوار الدرامي المنطوق الذي تقوم عليه مسرحية لوركا الغنائية عن مجمل الفيلم السينمائي، ويستعاض عنه بلغة الفلامنكو الشاعرية لسرد قصة المسرحية.

الفلامنكو، وكما هو معروف تاريخياً، هو المنتج الفني لفئات "الحضيض" الاجتماعي في الأندلس، وبشكل خاص قوافل الغجر المتنقلة في ضواحي مدن اشبيلية وقادس ومالقا في القرن الثامن عشر. يتأسس فن الفلامنكو على وحدة تجمع ثالوث الغناء والرقص وموسيقا الغيتار. وتسرد معظم أغاني الفلامنكو حكاية عشق غير مشبع تناقلتها الأجيال المتلاحقة بالتواتر الشفهي. ومن أهم المواضيع التي يتناولها فن الفلامنكو إلى جانب تأوهات الغرام المتأجج: الحزن والكبرياء، الغيرة والصراع الذكوري، الصداقة ووفاء الرجال، الإعلاء من شأن العائلة وعرف الجماعة، الشرف والتحدي والانتقام والموت...

مدة الفيلم ساعة وتسع دقائق ويتألف من جزئين أساسيين: الجزء الأول يضم المراحل التحضيرية للمؤدين المحترفين من راقصين وموسيقيين ومنشدين خلال تمرينهم على العرض الراقص. ويمتد هذا الجزء حوالي ثلاثين دقيقة. أما الجزء الثاني، فيتمحور حول تقديم بروفة عامة لـ "العرس الدم" أمام عدسة الكاميرا دون أي تقطيع في مسارها. ويترك المخرج ساورا لهذا الجزء أكثر من نصف ساعة بقليل.

يبدأ الفيلم بالمساعد الفني خوسيه وهو يعد مقصورة الفنانين، يضيء المصابيح الكهربائية التي تحيط بالمرايا المتموضعة فوق مناضد الماكياج المخصصة للفنانين. يصل أعضاء الفرقة دفعة واحدة إلى الموعد المضروب، وتبث حركتهم وهرجهم الحيوية والمعنى في انضباطية المكان اللاشخصي. يتخذون أماكنهم وتبدأ استعداداتهم للتدريبات: الموسيقيون بدوزنة آلاتهم الموسيقية، والمغنون بتشذيب أصواتهم، والراقصون بتحضيراتهم لمكياج الوجه وتسريح الشعر. يتحول المكان المخصص لكل فنان إلى مكان أليف ذاتي، بما يضفيه كل واحد منهم على مكانه من خصوصية وحميمة. أحدهم يضع لعبه الطفولية الصغيرة على منضدته وآخر يثبت على حافة المرآة صورة تعود لبداياته الفنية أوصورة لابنه خلف صورة للمسيح وأحد القديسين. بالمحصلة تنفخ في حيادية المكان بعد أن تلامسها أيديهم روح سحرية وقوة خفية تعين الفنان/ الفنانة فيهم على مواجهة ذلك التوتر والقلق الذي يسبق العرض الفني عادة. 

تلاحق الكاميرا، وتسجل في المشاهد المختلفة في الجزء الأول، التفاصيل الصغيرة والحركات العفوية للشخصيات التي تلعب أمام الكاميرا دورها ذاته في الحياة الواقعية. فعلى سبيل المثال، مصمم الرقص في الواقع السينمائي هو نفسه الفنان أنطونيو غادس في الواقع الحياتي، كذلك الأمر بالنسبة للآخرين حيث يتخاطبون بأسمائهم الحقيقية ويحتفظون بأدوارهم الحياتية نفسها بعد أن ينقلونها إلى داخل الكادر. لعل ساورا أراد أن يعلو بذلك الفردي والهامشي والعرضي في مطلق الحياة ليوثق عراه مع ديمومة المنتج الإبداعي. ترصد الكاميرا العلاقة بين أعضاء الفرقة قبل أن يلجوا في أدوار شخصياتهم الفنية، فتلتقط الأحاسيس المتولدة بين الجماعة التي هي على وشك أن تنخرط في عمل مشترك لتشييد فعل فني واحد.

كما تحاول العدسة الاقتراب من تعامل الفنان مع الشخصية وأغراضها، فالراقصة كريستينا أويوس تبيض حذاء شخصية العروس وتحضره قبل أن يصبح حذائها عند دخولها في دور العروس في الجزء الثاني من الفيلم. بمعنى أن ساورا اهتم بتناغم علاقة الفرد/ الفنان مع الجماعة/ الفرقة من جهة، وعلاقة الفرد/ الفنان مع دور الشخصية من جهة أخرى. لأجل ذلك لابد لعدسة ساورا أن تتلصص على الكيفية والسيرورة التي يتحول فيها الشخص المفترض أنه واقعي إلى شخصية في الوهم الفني. يكثف ساورا مسار هذا التحول أمام المرآة آن يطلي أفراد الفرقة وجوههم بالماكياج فتنقلب الوجوه إلى أقنعة تحجب الوجه الحقيقي، وتُقدِّم عليه وجه الشخصية الفنية الآتية من العمق إلى البعد الأول المرئي.

لعل مشاهد تبديل الثياب، ولبس الراقصات لأزيائهن، تذكر البعض بلوحات الفنان الفرنسي ديغا والتي كرسها لعالم راقصات الباليه. بالنسبة لساورا مسار العملية الإبداعية هو شيء سحري يكمن في جمالية اللامكتمل وهو يحاول جاهداً الوصول إلى الكمال. تحضر المرآة على مدار الفيلم منذ البداية إلى النهاية حيث يختتم الشريط السينمائي في مشهد مسقط داخل  المرآة. يموضع المخرج عدسة الكاميرا، وهي مرآة بشكل من الأشكال، أمام الشخصية الحقيقية أو الفنية ويسقط الصورة الملتقطة على الشاشة. وفي حين آخر يموضعها أمام مرآة تنعكس فيها صورة تلك الشخصية. ويسقط الصورة المنعكسة في المرآة على الشاشة.

لعبة المرايا المتعاكسة هذه تلتقط الشكل وتضاعفه وتكرره ذهنياً، وتؤكد على حقيقيته في الوهم والسراب، أو لاحقيقيته في الواقع الإسمي. تتداخل في الفيلم خصائص الحقيقة مع الوهم وتنقلب رأساً على عقب مواصفات الواقع العياني وتتداخل حدودها وتضيع في خيال المرايا. الحقيقي وقع في الماضي، وهو أكثر وهماً لأنه يتحول إلى ذكرى في المخيلة؛ بينما الوهم يحضر على مدار الفيلم ويمكن أن يستعاد باستمرار مع الشريط السينمائي، لذلك فهو أكثر حقيقية. تعود ماهية المرآة/ الخيال/ الحلم في تاريخ الفكر والفن الإسباني إلى المتصوفة كابن عربي وسان خوان ديه لاكروث، وإلى المسرحي كالدرون ديه لاباركا والرسام دييغو بيلاثكس وتحديداً للوحتة Las Meninas التي مارست فيما يبدو تأثيراً جلياً على رؤية ساورا لطبيعة الفن الجمالية بشكل عام.

يعتبر الفنان كارلوس ساورا نفسه هاوٍ للتصوير الضوئي، ولكنه ينفذ هوايته هذه بروح وعناية المحترف المتبصر. وفي الفيلم يقدم رؤيته لهذا الفن ففي حفلة العرس وأثناء إلتقاط الصورة التقليدية للعرسان يجمد ساورا الزمن السينمائي، بإيقاف تدفق الحركة واستمراريتها وقطع إيقاع الصوت الموسيقي، فتتحول معه تلك اللحظة الحاسمة إلى ماضٍ يعاد إحياؤه على الشاشة الكبيرة.

البطل في الجزء الأول من الفيلم هو الفنان الفرد، أما في الجزء الثاني أثناء البروفة العامة البطل هو الشخصية الدرامية المعبر عنها بالرقص. ففي الجزء الثاني تترك الحلبة في صالة التدريبات للشخصيات الدرامية المتصارعة. يحاط نطاق حلبة الرقص بهامش حدوده غير مرئية يستقر فيه أعضاء الفرقة عند الفراغ من لعب أدوارهم، ويتحولون في هذا الهامش إلى جانب كونهم أفراداً في الفرقة إلى متفرجين يتابعون عمل رفاقهم الآخرين. إلى جانب الإيحاء بصيرورة الخلق في هذا التوظيف السينمائي هناك إشارة لأهمية المتفرج وحضور متلقي العمل الفني أثناء العملية الإبداعية لدى الفنان. وبذلك يضيف ساورا إلى فيلمه تلك العلاقة الخفية والتأثير المتبادل بين الفنان والمتفرج. 

من جانب آخر لابد من التذكير بأن عين الكاميرا تغير باستمرار اتجاهاتها وزواياها. فتتفرج على حلبة الرقص من الخارج حيناً، وتندمج فيها من الداخل حيناً آخر، أو تلعب دور عين الشخصية مقدمة وجهة نظرها حيناً ثالثاً. لا يتقيد مصمم الرقص غادس في الجزء الثاني من الفيلم بمواصفات المكان المسرحي المادية، ويتنازل عنها لصالح فضاء متخيل يرسم الراقصون بأجسادهم تفاصيله العيانية والاجتماعية ومعالمه النفسية غير المرئية ضمن الزمن السينمائي. بشكل عام، يغيب المعنى المادي الثابت للمكان بتحوله إلى فراغ يعمل جسد الراقص والموسيقا المرافقة على تعبئته بدقائق الحياة وحركتها الداخلية الكامنة. يمكن القول أن مفهوم المشاهد السينمائية المصورة داخل ديكور واحد لاوجود له إلا في الجزء الأول. وما يحدد تغير المشهد في الجزء الثاني أثناء تصوير البروفة العامة هو الإيقاع الموسيقي الذي يرافق تغير الحالة الدرامية للشخصيات، كما أن اللقطات المقربة تساعد في تحقيق ذلك أيضاً. 

مزرعة الراهب
مشهد يجمع ليوناردو مع زوجته

يمكن تقسيم البروفة العامة لـ "عرس الدم" إلى اللوحات التالية:

ـ لوحة تجمع والدة العريس والابن، وفيه تركيز على مشاعر الأم الأرملة أمام ابنها الوحيد المقدم على الزواج والتوجس من خنجر الرجل الذي يقطف زهرة متخيلة يقدمها لأمه لتسكين مخاوفها.
ـ لوحة زوجة ليوناردو مع مهد طفلها وليوناردو الذي يصل. الرقص يعكس  توتر العلاقة بين الزوجين وابتعاد ليوناردو الجسدي والروحي عن زوجته.
ـ لوحة عامة تكثف هيام العشيقين ليوناردو والعروس في مشهدين متوازيين يتحدان في مشهد واحد مع التحام الجسدين المتيمين.
ـ لوحة موكب العرسان واحتفال العرس.
ـ لوحة هرب العشاق الذي ينتهي بالمبارزة بين الذكرين.

بالطبع الزمن في الجزء الثاني في الفيلم فهو زمن البروفة العامة المكون من زمن الفنان/ المتفرج الواقف جانباً من جهة، وزمن عرض "عرس الدم" أي زمن الشخصية ضمن حلبة الرقص من جهة أخرى. تراقب عدسة الكاميرا تدفق الزمنين معاً وكافة أشكال تداخلهما وتضادهما وصراعهما وتوافقهما كما لو كانا طباقاً نغمياً لعملية الخلق الفني.

استخدم كارلوس ساورا لفيلمه ألواناً حيادية بمختلف تدرجات الأبيض والرمادي والأسود ولولا شيء من لون ترابي وبعض من لون آخر هنا وهناك لانتاب المتفرج الإحساس أنه أمام فيلم صور بالأبيض والأسود.

قصدية اللون، مع التفريغ المشهدي من الأغراض والديكور، ساعدت على تركيز التلقي في حركة الجسد وانفعالات تقاسيم الوجوه ولمعان عيون الشخصيات السينمائية.

القمر لاوجود له في الفيلم ويستغى عنه لصالح ثلاث نوافذ في العمق ترفد مكان البروفة بنور نهاري بارد. وفي بعض المشاهد تتضاعف هذه النوافذ بفعل المرآة التي تحتل الجدار الجانبي بكامله. حاول ساورا أن ينقل إلى الشاشة السينمائية في بعض المشاهد مناخاً ضوئياً منتشراً في فضاء حلبة الرقص كي يحدد الفراغ الدرامي ويوضح حجمه بالنور المضاد المواجه للمتفرج. أما المتسولة/ الموت في النص اللوركي فتختفي أو بالأحرى تندمج في شخصية العروس في مشهد المبارزة لتوحي بحضور مفهوم المرأة/ القدر. يتفق مخرج الفيلم ومصمم الرقص على عرض مشهد المبارزة على مرأى من المتفرج حيث يتواجه ليوناردو والعريس وبيد كل منهما جنجره. يخفض تدفق الزمن إلى الحد الأدنى وتبطء سرعة حركة الغريمين. تتوازى وتتزامن حركة الراقصين وتتطابق في هذا المشهد التعبيري كما لو كان كل منهما مرآة للآخر. كما يشير ذلك إلى تكافؤ الذكرين وبأن النهاية الطبيعية لهذا التساوي في القوة أن يقتل كل منهما الآخر. بعد موت المتبارزين تتقدم العروس إلى المرآة تتطلع لنفسها، في الحين الذي يسقط فيه خيالها المنعكس في المرآة على الشاشة. تمسح على صدرها بيدها فيرتسم على فستانها الناصع عذرية الروح المفقودة للتو.

أخيراً، وقبل أن تنتهي هذه الجولة، لابدّ من القول أن في كافة تمظهرات "عرس الدم" في مرايا الفن المتنوعة: الشعر، والمسرح، والسينما، والرقص، والموسيقا، والغناء... إعادة خلق مستمرة لجمالية فرار العروس التراجيدي مع الحبيب.