ليست هذه مراجعة لديوان شعر جديد، ولكنها قراءة في طبيعة الشعر نفسه وبنيته العميقة، ونوع فريد من الحفر الخلاق في ميتافيزيقا الشعر وجمالياته الإيقاعية، ومنطلقات قراءته.

الغائب .. أو كتابة الكثافة

عمر حفيظ

متى تكون الكتابة كثيفة أو متى يُفترض أن تكون كذلك؟ و ما معنى أن تكون كتابة كثيفة؟ الكتابة الكثيفة هي كتابة الغياب أي ما لا يقال ولا يُسمع ولا يُرى!! وكتابة الغياب هي نقيض كتابة الحضور؛ بما هو يقين وحقيقة ومعنى ثابت ودلالة واحدة مفردة لا يأتيها الشك. كتابة الغياب؛ إذن؛ هي كتابة الشكِّ والتشظي والرغبة والقلق والحيرة؛ هي كتابة تقاوم قهرالنموذج الذي اكتسب شرعية السلطة التي تطالب دائما doxa اللغة والرأي العام بالصمت عن مآزقها. كتابة الغياب هي كتابة المآزق وتحويل العلامات اللغوية إلى فضاءات مفتوحة لا إلى سجون لمعنى مسبق ـ وكثيرا ما يكون معنى نثريا كما هو الشأن في التصور التقليدي لبناء القصيدة (علينا أن نتذكر ما قاله ابن طباطبا في عياره) هل المعنى النثري مختلف عن المعنى الشعري؟ سؤال لا استطيع أن أجيب عنه. ولكن يمكنني؛ أن أقول إن المعنى الشعري في منزلة بين منزلتين. المنزلة بين المنزلتين مقولة اعتزالية. والممارسة الشعرية اعتزالية كذلك. والاعتزال لا يعني ترك العالم ـ الدنيا أو الإعراض عن الحياة والزهد فيها كما قد يُفهم من الملفوظ. الاعتزال يعني الدخول من غير الباب الذي دخل منه الناس؛ ذاك الباب هو باب خاطئ بالعبارة الأثيرة للوهايبي.

منزلة برزخية بعبارة المتصوفة. والبرزخ حضور /غياب أو غياب/ حضور؛ كالاسم تماما. الاسم حضور. الاسم عند الصوفية يحجب مثلما يكشف! هل نستطيع؛ إذن؛ نتنكر للغياب؟! الجواب ببساطة لا! الغياب صيغة من صيغ الوجود؛ كما العدم تماما. العدم لا يوجد خارج الوجود؛ العدم جزء من الوجود؛ بل لعلَّه جزؤه الخالد!! ( لماذا لا نقول جزؤه الجميل المشرق الذي تكتشف فيه الذات المطلق) فليُكتب الغياب إذن؟ أو فلنكتب غيابنا!

عبد الوهاب الملوَّح شرع في كتابة غيابه ـ الغياب! أي شرع في كتابة الشعر! بدأ تمارينه الشعرية في مجموعتيه الأوليين: (رقاع العزلة الأخيرة) تونس 1995 و(الواقف وحده) 1997. أما في هذا النص؛ وقد سماه الملوح (كتاب الغائب) ثم (الغائب) فقط وتحته تحديد أجناسي خلاسي (والخلاسي ما اجتمع فيه السواد والبياض).هو نص. فالنص هو ما لا يحتمل التأويل (ما كان له معنى واحد)(1) في الثقافة العربية الإسلامية والنص هو ما يحتمل التأويل والمعنى نسيج؛ تركيب؛ تداخل ضفر -textil-texte المتعدد في الثقافة اللاتينية. هذا وجه من وجوه المنزلة بين المنزلتين. وهذه هي المنزلة التي لا يرتضي الشعر غيرها عند الشعراء العرب، وغيرهم من شعراء الثقافات الأخرى. وقد لخَّص جون كوهين ذلك ووصف تلك المنزلة في إيجاز بليغ يقول: «الشاعر يستعمل اللغة لأنه يريد التواصل أي يريد أن يُفهم بطريقة ما. إنه يهدف إلى إثارة شكل خاص من الفهم عند المتلقي»(2) الشاعر؛ إذن؛ واستنادا إذا واستنادا إلى ما ذهب إليه كوهين مؤسس لعلاقات جديدة بينه وبين المتلقي وهذا يعني ـ استتباعا ـ إنه مؤسس لعلاقات جديدة بينه وبين اللغة ثم بين المتلقي واللغة... ولكن هل يجوز أن نتحدث عن اللغة ـ هكذا بهذا الاصطلاح ـ في سياق التأسيس لعلاقات جديدة؟! الجواب؛ ببساطة؛ لا! لأن مكان اللغة هو المعجم. اللغة كما يقول ميشونيك؛ لا ذات فيها ولا تاريخ ولا إيقاع!

عمَّ نتحدث إذن؟ نتحدث عن الإيقاع ـ بمفهوم ميشونيك ـ مرة أخرى. هو الخطاب؛ أي هو اللغة وقد حوَّلتها الذات وأعادت بناءها وأدرجتها ضمن سياق التاريخ والتاريخ والثقافة والمجتمع أي ضمن سياق التحول المستمر والقراءة الهيراقليطية (نسبة إلى هيراقليطس الفيلسوف). المسألة في الكتابة؛ مسألة إيقاع كما قال ميشونيك ولوكليزيو الذي جعله الملوَّح عتبة ثانية بعد العنوان ص4. والايقاع هو الذات وهي تتشكل في النص وبالنص متغايرة مختلفة. الذات

ليست هي الفرد وليست هي الذات ـ الجماعة وليست هي الذات اللسانية (le sujet) كما هو الشأن عند بنفينست... الذات عند ميشونيك أو الذات الإيقاعية هي ذات التغاير والتداخل والتعدد دون إقصاء للتاريخ والمعنى والايديولوجيا.

الإيقاع؛ إذن؛ هو معيار الماء بين كتابة وأخرى. بين كتابتين: كتابة عارية ecrivance؛ ويمكن أن نصنّفها بما وصفها بارت وهي الكتابة التي تكون فيها اللغة مجرد أداة تواصل. وكتابة كثيفة؛ هي التي سماها بارط ecriture وجعل اللغة فيها حيّزا للتفاعل بين الذوات والأزمنة والثقافات؛ إذ كلما كان التفاعل قويا كانت الكتابة أكثر كثافة، وكان الخطاب في منزلة بين الفهم وعدمه. وهذا بالضبط هو المستوى الذي يرضى الشعر أن يضع فيه نفسه(3) .

هل تحدثت عن نص عبد الوهاب الملوَّح؟ نعم ولا! نعم؛ لأن ما تمت الإشارة إليه متعلقا بالكثافة والكتابة والإيقاع ـ وهي مداخل قرائية ممكنة ـ ما كان له أن يُذكر لو لم أجد في نص الملوح سندا إجرائيا له. فهذا النص كثيف والكتابة فيه هي كتابة ذات تبحث عن إيقاعها الخاص. أما لا؛ فتفصيلها أنِّي لم أتحدث بعد عن الخطاب الشعري فضاء تأويليا وبناء مخصوصا وحيِّزا إيقاعيا. 

(أ) البناء الشكلي أو إيقاع الشكل:
هو نص واحد يمد على أربع وخمسين صفحة (من الصفح الخامسة إلى الصفحة التاسعة والخمسين)؛ لا عناوين داخلية ولا علامات ترقيم تفصل بين العلامات. البياض فقط هو الفاصل؛ بياض في أعلى الصفحة وفي أسفلها وفي وسطها. البياض جزء من الإيقاع لأن الإيقاع بصري كذلك. فاالكتابة؛ في هذا النص لا تخضع لمعيار مسبق أو نموذج عروضي محدد. هي كتابة استرسال وانقطاع في آن معا! كيف نقرأ هذا المقطع الذي لم يشكله الشاعر؟

«يثرثر الضوء في صوتك الناعس أنخاب فجر نصفه حلم غير مكتمل وطقسه دغل سافر الانتشاء.»

والبيت (لم أقل السطر الشعري) قد يمتد من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. وقد يكون حرفا واحدا (البيت حرف)

«س..........» وهذه السين؛ سين الاستقبال هي أم سين المسكوت عنه؟ أم سين الأسى؟ ولا شيء يمنع من ذلك. فالسين صوت إذا تكرر وتواتر ارتقى الى مرتبة الدال كما هو الشأن في قصيدة البحتري (راجع الهادي الطرابلسي).

غياب علامات الإعراب (علامات ضبط ـ عقالات) وعلامات الترقيم وتنظيم الصفحة الشعرية وظهور الفراغات الدالة... أجزاء من استراتيجية الكتابة الباحثة عن إيقاعها التي ترى الذات في تحولها؛ لا في ثباتها؛ وفي سؤالها؛ لا في يقينها. يقول الشاعر:

«البارحة أيقظت كلمة من مضجعها في
اللسان وأخذتها في جولة معي عبر
المجاز
المجاز احتمال وحيد للبقاء على قيد الريح»

في الشعر تستيقظ الكلمات من سباتها النثري كما يقول كوهين، وتنخرط في سيرورة تأويلية هي المجاز. فالمجاز هو العبور. وليس التأويل إلا عبورا من معنى إلى معنى! لذلك فإن المجاز هو ا لمعادل الرمزي للحياة حتى أنه يمكننا أن نبني استئناسا بما انتهى إليه جورج لايكوف ومارك جونسون في كتابهما: «الاستعارات التي نحيا بها» استعارة جديدة هي التالية: المجاز= حياة. ولأن العبور من معنى إلى معنى لا يكون إلا بواسطة الخيال؛ فإن الخيال هو المجاز. والخيال ـ كما يقول المتصوفة ـ لا يخطئ ولا يصيب لأنه لا يحكم. فمن يحكم هو من يخطئ ويصيب. أما من يتصور ويتخيل فإنه يوقظ اللغة من نومها فقط!

يقول الشاعر:

«يعرض المعنى بضائعه في سوق كساد الأحوال حيث
تزدحم الممرات باليقين
يقين السأم الممزوج برائحة زهو العاطلين عن الحلم
وأصوات المتدافعين لشراء الغلال البلاستيكية
والأفراح البلاستيكية
والأوطان البلاستيكية
والعطف البلاستيكي
طبعا ليس من وظائف الواو العطف فقط» ص25

يعرض المعنى بضائعه في سوق الكساد، ويُعرض الشاعر عن تلك المعاني الكاسدة فتتحول الكتابة Rimbaud إلى مواجهة عاتية ويتحول الشاعر إلى نبي لقيط. والنبوءة في الشعر الحديث مكينة، من الفرنسي إلى أدونيس إلى درويش إلى سعدي يوسف وقبلهم السياب وغيرهم... النبوءة إرث رومانسي لم يستطع شعراء الحداثة التخلص منه لأنه إرث جميل؛ بل لعلهم لا يريدون التفريط فيه لأنه ـ شعريا ـ هو المدخل الأنسب إلى كتابة الذات في أحوالها المختلفة والمؤتلفة في آن معا. والشاعر نبي بمعنى ما؛ بمعنى أنه يرى ما لا يراه غيره. وعلى هذا مدار الاختلاف في تحديد صفات الشاعر بين التقليدية والرومانسية. وهذا من المعتاود المعروف في الخطاب النقدي، ولعله من الطريف أن نضيف ـ ولعل هذا من باب المصادفة اللغوية وحدها ـ أن من معاني (نبأ) خرج من أرض إلى أرض. وليست الكتابة إلا أرضا وليست العلامة اللغوية إلا بذرة (حبة قمح) وليست سطر الحبر على بياض الورقة إلا خط محراث. وكان ديريدا قد تحدث عن (ecriture par sillon) والكتابة الحرث أو الكتابة الفلح. والشعراء هم وحدهم الذين يخرجون من أرض إلى أرض؛ من كتابة إلى كتابة. وهذا معنى من المعاني يدور عليها مفهوم الكتابة الحديثة.

وإذا كان اللقيط هو الذي يوجد مرميا على الطرق لا يعرف أباه ولا أمه. فإن الكاتب ـ أي كاتب ـ لقيط لأنه لا نسب في الكتابة لأحد. الكتابة لا أصل لها؛ هي إعادة كتابة من أصول متعددة أو هي كتابة محو. ذاك ما نبَّه إليه بورخيس وبارط وجينات وأدونيس ومحمد بنيس وآخرون...

ولكن الطريف في لسان العرب هو أن اللقيط في قول الفقهاء حرٌّ لا ولاء عليه لأحد لا يرث ولا يورث. الكاتب اللقيط حرٌّ؛ إذن؛ لا ولاء عليه لأحد والكتابة لا تورث ولا تورَّث. يقول الشاعر:

«أيها النبي اللقيط
لا خال لك وأعمامك تعرفهم الريح
أجدادك ساد الإغواء الأخير
خذ من ضوئك حفنة وبارك
شهوة الشبقيين
طيش الشعراء
وجع المحبين
عربدة السكارى
أحوال المجانين
شطح الحشاشين.. إثم الشهداء» ص35

نبوءة شعرية تبحث عن إيقاعها في الجسد باعتباره أرضا مشتركة، وقوقعة كقوقعة الحلزون. الحلزون يسكن قوقعته وعليه أن يحملها باستمرار. ذاك قدره. وقدر الإنسان جسده؛ به وفيه ومنه وعنه يتأسس فعل الكتابة وحدث الوجود. هل نغالي إذا قلنا إن كتابة الشعر وحدها هي التي تجعل الجسد يتشظَّى. وهذا معنى من معاني الغياب. غياب الاسم الآخر لاندساس الذات في نصِّها على أنحاء مختلفة. وذاك ما يجعل مسألة الكتابة مسألة إيقاع باستمرار. 

(ب) إيقاع الادلالة ودلالة الإيقاع:
الغائب عنوان يذكر بعنوان آخر هو الغائب أيضا (دراسة في مقامة الحريري )(4) لعبد الفتاح كيليطو؛ ولكن لم التذكير أو الإشارة إلى هذا التقاطع بين العنوانين؟! قد يكون ذلك من باب القراءة المغرضة! وهل ثمة قراءة غير مغرضة كما يقول كيليطو نفسه! هل ثمة قراءة بريئة؟ وما معنى أن تكون قراءة ما قراءة بريئة؟! القراءة البريئة قراءة ميِّتة أو هي قراءة قاتلة! تقتل النص؛ تقتل المعنى فيه وتحوِّله من حال الإرجاء والاختلاف والتعدد والإمكان والاحتمال إلى حال الحسم والواحدية والثبات والإطلاق. تحوِّله من الغياب إلى الحضور من العلامة الوحمى في سياق ما يطرأ عليها من وحم دلالي (الوحمى تشتهي على نحو ليس له مثيل وكذلك شأن العلامة اللغوية وهي تعبر من دلالة إلى أخرى) إلى العلامة الميتة التي تقول معناها دفعة واحدة! ما الغائب إذن؟ (وليس ما الغائب!). الغائب هو المعنى أو هي الدلالة! الدلالة لاتي تنتجها القراءة لأن مفهوم الكتابة والنص والشعر الحديث تتعارض ـ أو يُفترض أنها تتعارض على الأقل ـ مع المعنى الجاهز مسبقا والدلالة الواحدة المفردة.

هل نحدث إذن؛ عن الدلالة في هذا النص أم عن دلالة ما!؟ الكتابة في هذا النص؛ كتابة استرسال وانقطاع في آن معا. استرسال في بناء الجملة على نحو وانقطاع في الدلالة لأن الإسناد يبلغ metaphores fileés يحوِّل الكلام إلى استعارات موسَّعة. أحيانا أعلى درجات التنافر وأقصى عتبات التضاد يقول الشاعر:

«الوقت ضريح هباء كفيف يكنسه لون أخرس تدفَّق من جهة هذيان يتقطَّر في متقطعا في إيجاز ملهم من بين هتافات موسيقى ارتجافات الجسد يلهو به تلعثم الهواء السكران» ص5

وأخشى أن يتحوَّل هذا إلى أسلوب عند الملوح لأن الأسلوب قاتل والشاعر الحديث مطالب نقديا بأن يغير من عاداته الكتابية؛ فمفهوم الكتابة يناقض مفهوم الأسلوب على نحو صريح؟ هل ثمة شيء في هذا المقطع قابل للتحيُّز والتعيين؟! باستثناء كلمة جسد؛ فإننا لا نعثر على ما يمكن أن يتحدَّد. ولكن هل يطالب الشاعر بالتحديد؟! لا يمكن في هذا المقطع أن نفصل الصور أو أجزاء الصور عن بعضها. فالمشهد؛ إذن؛ فسيفسائي يحتاج؛ في فهمه وتمثله؛ إلى التمييز بين الألوان لا إلى تحديد الكتل الصمَّاء. ويزداد الأمر تعقيدا لأن الألوان متقاربة؛ ألوان المعاني: الوقت ضريح/ هباء كفيف/ يكنسه/ لون أخرس/ تدفق/ من جهة هذيان... الوقت! ما الوقت؟! وما معنى أن يكون الوقت ضريحا؟ أو ليست الصورة جامعة بين الزمان والمكان؟! ثم ومادام الشاعرلم يضبط كلامه بعلامات إعراب في لغة إعراب واشتقاق لا لغة اسناد بالضمِّ فقط، فهل يُقراُ الشاهد على نحو واحد أو مكان واحد؟!

الوَقْتُ ضَرِيحٌ/ هَبَاءٌ كَفِيفٌ يكنسه...
أم؛
الوَقْت ضَرِيحُ هَبَاءٍ كَفِيفٍ

وما الفرق بين القراءتين! أو ما الغائب؟ الغائب؛ مرة أخرى هو المعنى الذي لم يعد محددا مسبقا وإنما أصبح إمكانا يُنشئه القارئ وفق استراتيجية قرائية تفترض مجموعة من الكفايات؛ لعل أهمها كفاية الإنصات إلى النص في تحولاته المستمرة، والانتباه إلى أن الصور لم تعد قائمة على التشبيه أو المبالغة أو تقريب المعنى من فهم المتلقي.. إلى غير ذلك من آليات البلاغة القديمة وإنما هي ـ الصور ـ توَّاقَةٌ أكثر إلى الإغراب والإدهاش وميَّالة إلى الصمت أكثر من الكلام؛ يقول الشاعر:

«وإذا بي
كفيف الخطى إليك...
أحتاج رائحة صوتك دليلا إليك..
وأحتاج لغةالريح سبيلا إلى ما ضاع من فيك..»ص8

يكتب الشاعر تيهه (كفيف الخطى)، ويستعيد رومانسية الأصوات والألوان والروائح (رائحة صوتك)، ويشتق من الوجود لغة أخرى؛ هي لغة الريح يُنصت من خلالها إلى إيقاع جسد ضائع فيه؛ هو إيقاع أنثى على الترجيح ليس على التأكيد!! هل يمكن أن نؤكد معنى، ونصادر بقية المعاني في هذا النص؟ الجواب ببساطة: لا! لأن الشاعر قد كتب هذا النص بنصوص أخرى كثيرة ومحا ما بينها من فروق، وجوَّد البناء على نحو أخفى الآثار، وجعل الخطابات تندسُّ في بعضها بلطف آسر. إن هذا النص مختلف ويُعدُّ كتابة حداثية لها آفاقها المنفتحة على المجهول، في ما سيكتب الملوَّح، إذا لم يستسهل الكتابة كما هو حال شعراء آخرين. خاصة بعد أن أصبح النشر على الحساب الخاص يسيرا.

وما نريد ان ننبه له في الختام هو أن أخطاء الطباعة تفسد التلقي وتربك نشوة القراءة لذلك فإن الشاعر مدعو إلى مراجعة نصه مراجعة دقيقة؛ لا لتجنب الأخطاء فقط وإنما لإعادة الكتابة والحد أحيانا كثيرة من ترهل الجملة. وعلينا أن نتذكر جميعا إننا من سلالة المحككين الذين كانت تقيم عندهم القصيدة حولا كاملا قبل أن تظهر للناس. 

رييع قفصة/ تونس

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) محمدمفتاح: التعريفات
(2) جون كوهين: بنية اللغة الشعرية ص95
(3) جون كوهين: نفس المصدر ص95
(4) عبد الفتاح كليطو: الغائب دراسة في مقامة الحريري دار توبقال المغرب ط2 سنة 1997