أصح من المعروف عن الإنسان العربى أنه قدرى، أى أنه يسلم نفسه للقدر، وكل شئ فى حياته يُرجعه للقدر. وقد أكدت الكاتبة فى قصتها تلك الرؤية، حيث جعلت الشخصية الرئيسية فيها باسم "حياة" وكأنها تؤمن بأن الحياة كلها أقدار. وعلى الرغم من أن الكاتبة تميل إلى الرواية بما تحتمل من التفاصيل، إلا أنها ركزت القصة القصيرة فى السطور الأولى، وخبأت فيها الكثير من التأويلات التى يمكن أن يلجأ إليها القارئ، إلا انها أشفقت عليه وراحت تكشف تلك التأويلات فى التفاصيل التى إحتوت أغلب القصة.

حياة

نـهى محـمود

 

حدث الأمر بالطريقة ذاتها التي رأتها ضاربة الودع ولم تصرح بها، كانت الصحراء ممتدة، وأحجار الأهرامات متراصة بمعجزتها، والشمس تتجه نحو الرحيل حيث تصعب قراءة الحظ كما قالت الغجرية، لكنها نظرت نحو الزوجين الشابين، قالت لها ستعيشين حياة طيبة لن تخلو من المنغصات، وقالت له كادت الشمس أن تغرب لكن لا تقرأ حظك أبدًا مرة أخرى.

ظل المشهدان عالقين في أذهان "شارع السوق" فترة ليست قصيرة، الصندوق الذي خرج من بيت الست صباح حاملاً جثمان ابنها- العريس- الذي لم يمض على زفافه لـ "حياة" أقل من شهرين.

كان يقضي ليلة هانئة مع عروسه البيضاء ذات الشعر الذي تشبه خصلاته سنابل القمح، "حياة" التي تصغره بعشر سنوات.

الشاب الذي تجاوز الخامسة والعشرين بأسابيع، نهض من الفراش بعدما أدى واجبه الزوجي على أكمل وجه، وترك الصغيرة تنتفض في الفراش، ربما بفعل قلة الخبرة وصغر السن وبعض الخشونة في معاملة زوجها العريس لها.

هكذا قالت لابنتها بعد ثلاثين عامًا من تلك اللحظة، كانتا تجلسان في شرفة البيت في ليلة رائقة، يلعب فيها أحفادها في الحجرة المجاورة، ويتسلى زوجها وزوج ابنتها وبقية أولادها الرجال بمشاهدة مباراة رياضية، قالت لها: "كنت صغيرة، وجدك وافق على زواجي من "الله يرحمه"- هكذا اعتادت أن تقول عنه في حكاياتها القليلة، لم تذكر اسمه أبدًا على لسانها بعدما خرجت من بيته- قالت: "جدك كان يخاف من حلاوتي وجمالي، كان خايف من الفضيحة"، تبتسم ابتسامة باهتة وتكمل: "الزمن كان وحش والناس كانت جاهلة يا بنتي، والخوف والجهل سبب مصايب الدنيا.. تصوري يطلعني من المدرسة بعد الإعدادية ويجوزني جوازة زي دي بس عشان خايف عليا، هو كان عريس كويس- الله يرحمه- جاب لي جهاز ملكة.. وشقته كانت واسعة وجميلة وريحتها نضيفة، واحنا كنا ثمانية في أوضتين، إنتي عارفة، كان واقف في تجارة والده، وكالة العلف الكبيرة، هو ووالدته بعد وفاة أبوه، وعندهم عمارتين غير اللي ساكنين فيها، جدك شافها فرصة، أمي اللي كانت زعلانة أوي وعيطت كتير، وقالت له يا أبو سعيد البت صغيرة، لكن هو شخط فيها وقالها البت حلوة وتجيب لنا الفضيحة نسترها في بيت العدل أحسن..

وكانوا إخواتي شداد عليا، إنتي عارفة خمس رجالة وبت صغيرة؟! كان عذاب.. كان الحال غير الحال وكله يقول لك إكسر للبت ضلع يطلع لها اربعة وعشرين، كانوا يحبوني، لكن بدافع الخوف عليا كان في شدة..

أنا كنت مبسوطة في الأول، عفش جديد وفساتين كتير وخمس غوايش دهب وحلق عيار 21، وأنا كنت عيلة وكل ده زغلل عنيا، وهو الله يرحمه كان حلو ولا نجوم السيما، طول بعرض وفي عز شبابه، هوه بس كان في حتة قسوة كده، رغم إننا مقعدناش مع بعض غير كام أسبوع، لكن حسيتها أوي، وطبعًا زعلت وقتها على شبابه بعد الحادثة، لكن كمان حمدت ربنا إن عشرتنا ماطولتش عن كده".

وحين تستفسر منها ابنتها، تصمت قليلا ثم تقول لها: "كان لما يقوم من السرير بعد الحكاية دي، يعني يقوم كده فجأة، ولا يطبطب عليا ولا يضحك في وشي ولا ياخدني في حضنه، وكان يحط جنبه إزازة شربات ورد ساقعة وجميلة يشربها كلها لوحده، وأنا كان ريقي يجري".

 وعندما تلمح أمارات الاستغراب على وجه ابنتها، تقول: "ماتفتكريش دي حاجة بسيطة، كنت صغيرة وفقيرة، وحاجات زي دي كانت تفرق معايا.. وأنا كنت اتكسف أطلب منه شوية.. كان يشيل الحلو كله ويقفل عليه ضلفة خشب بقفل، أمه كانت ساكنه في الشقة اللي تحت، كان يسيب عندها المفتاح وهو رايح الشغل..

وهي كانت تنده عليا من تاني يوم جوازي علشان أنزل أمسح وأنفض معاها شقتها الكبيرة، وبعدين ننزل الدور الأرضي ننضف شقة بنتها، كانوا مجهزين لها شقة إنما إيه، فخمة وفيها كل حاجة، مش ناقصة غير العريس، ولعلمك فضلتْ لحد ما ماتتْ من غير جواز ومادخلتش الشقة، كله نصيب وربنا يسترها على الناس يا بنتي.. المهم كنت أنزل ألحس الشقتين، تنفيض وكنس ومسح، وكان لما يجي الله يرحمه اشتكي له إني تعبت وحيلي اتهد، يقول لي أمي وواجب عليكي تخدميها.. كانوا يقدروا يجيبوا ألف يخدموا في البيت، لكن كانوا ناشفين أوي على القرش، والست أمه كانت شديدة أوي وقاسية.. كنا نتغدَّا عندها في الشقة تحت، وأنا كنت أتكسف آكل ومايبقاش عندي حاجة فوق وأقعد جعانة وأتكسف أطلب..

وأخته كانت وحشة وبتغير مني، كانت تشدني من شعري وتقولي ده شعرك بجد؟ وعامله لونه ده ازاي؟ أقول لها ده طبيعي لونه كده تبص لأمها ويمصمصوا شفايفهم".

الشاب الذي تجاوز الخامسة والعشرين بأسابيع، نهض من الفراش بعدما أدى واجبه الزوجي على أكمل وجه، وترك الصغيرة تنتفض في الفراش، ربما بفعل قلة الخبرة وصغر السن وبعض الخشونة في معاملته لها.

مد يده لزجاجة شربات الورد الباردة جواره، حملها وفتح ضلفة بلكونة الصالة ووقف يشرب في تلذذ، ويستمتع بنسمات مساء خريفي له رائحة البلح والجوافة.

أنهى الزجاجة واستند بظهره على السور المعدني الذي صنعه الحداد حديثًا لشقة الزوجية، الحداد الجشع الذي فاصله كثيرًا حتى دفع هو مبلغًا يرضيه ويرى أن الحداد يستحقه، لأنه ليس تلميذ مدارس، ولا يمكن لكلام الحداد عن المتانة والجودة أن يلف دماغه.

 استراح في وقفته، ظهره للشارع الهادئ بنسماته، ووجهه لداخل شقته، تتفرس ملامحه- بزهوٍ- طلاء الزيت الأخضر الذي اختاره للحوائط، بينما لم يعرف معظم سكان الحي أكثر من الجير للطلاء، كان ينظر لفرش الصالة، الصالون المدهب والسجاد، ويمتنُّ في قرارة نفسه لأمه التي راعت التجارة وحافظت على كل شيء بعد ترملها مبكرًا، حتى شد عوده وأخذ مكانها، سحب نسمة هواء لرئتيه، أحس بالخفة والرضا، وفكر في الجميلة الصغيرة التي تنام على فراشه، وكيف رآها أول مرة وهي تمر أمام الوكالة، بضفائر ومريلة المدرسة، وفكر كيف لهذا الجسد مكتمل الأنوثة أن يظل ملفوفا بتلك المريلة؟! ترك كرسيه وهبَّ واقفَا ليراها تتمايل وهي تحتضن شنطتها القماش وتغيب، انتظرها كل يوم لمدة أسبوع، ثم ذهب خلفها حاول يكلمها، صدته بخشونة، تعلق بها أكثر، سأل عنها وعن أهلها، فاتَح الست صباح في الموضوع.. لكنها عاندت بشدة وقالت إنها ليست في مقامه، أبوها موظف بسيط وحالهم ضيق، لكنه قال لها إن جمالها يشفع لها، وإنه في النهاية يريد راحتها، أن يجد من يساعدها في أعمال البيت الكثيرة، وقال إن البت صغيرة وتستطيع أن تنجب لها الأولاد العشرة التي تريدهم، بعد كثير من الأخد والرد استسلمت الست صباح على مضض، وتمت الزيجة.. يبتسم لنفسه ويتذكر الجسد الطري الحلو الصغير الذي يدفئ فراشه، كان مستغرقًا في الخاطرة لدرجة أنه لم يسمع صوت لحام الحديد وهو يخرج من تعشيقته في حائط الشرفة، وفي لحظة خاطفة أخده السور وهوى من الطابق الرابع ليسقط مهشم الرأس، جثة هامدة.

ظل المشهدان عالقين في أذهان "شارع السوق" فترة ليست قصيرة، الصندوق الذي خرج من بيت الست صباح حاملًا جثمان ابنها- العريس- الذي لم يمض على زفافه لـ"حياة" أقل من شهرين.

كان المشهد الأول مهيبًا حقًا، الست صباح التي ترملت شابة على الجدع والبنت، بعدما شقيت وكبَّرت وكالة العلافة وأصبحت العمارتين التي تركهما زوجها، ثلاثًا بكدها وتعبها وتعب ابنها، والذي كتبت له وحده كل شيء حتى لا يجيء زوج ابنته ويطمع في ما حققته الست صباح وزوجها من شقاء وكد، باعت كل شيء لابنها "الله يرحمه" قبل زواجه بأيام، حتى يهنأ وينجب لها عشرة بنين، يباشرون التجارة مثل الأب والجد والجدة الست صباح.

لكنه قضاء الله، و"نحس البت حياة بنت الكلاب، التي دخلت البيت بقدمها فحولت الفرح لجنازة، والعريس لميت".

هكذا قالت الست صباح في عديدها على الجدع الذي راح غدرًا، غدر العين الحاسدة وقدم بنت الكلاب النحس، غير أنها القت اللوم على ابنها التي خدعته تلك الفتاة اللعوب، ثم اعترفت أنها أخطأت بقبول طلبه للزواج منها، تقول إنها كان من الممكن أن تزوجه ست ستها لكنها ساعة القضا حيث يعمى البصر.

ارتمت الست صباح على نعش ابنها، تمنعه من المضي قدمًا، تلطم خديها وتندب حظه وحظها حتى سقطت مغشيًا عليها، وفي النهاية حملها رجال الوكالة، وعادوا بها للبيت.

بينما ذهب والد "حياة" وأخوتها الرجال الخمسة للمقابر لتوديع الأمانة.

بعد مراسم الدفن، وفي المساء بعدما انفض العزاء، صعدت الست صباح لشقة ابنها، وكانت العروسة هناك هي وأخوتها وأبوها، وطلبت منها بخشونة وفظاظة أن تغادر بيتها، وأنها لا تريد أن تلمح خيالها هي أو أي أحد من عائلتنا النحس على باب العمارة أو الوكالة.

وهنا تدخل والدها بأدب أولا، قائلا إن الوقت ليس مناسبًا لمثل هذا الكلام، وأن الحزن ربما أعمى ذهنها عن بعض الحقائق منها أن الشقة مسكن ابنته ولا يستطيع أحد أن يطردها منها، لكن صوت الست صباح ارتفع بالصراخ والسباب ما دفع إخوة حياة للتدخل، وطردها من الشقة، الأمر الذي لم يمر بالساهل حيث استدعت الست صباح صبيان وكالتها وحدثت مشاجرة استمرت حتى الساعات الأولى من الليلة الأولى التي بات فيها العريس في قبره.

لم ينس أهل الشارع طويلا المشهد الثاني، في الصباح تغادر جنازة مهيبة، وفي المساء تلك العركة الكبيرة، التي انتهت بمجيء الشرطة وبات الجميع ما بين قسم الشرطة والمستشفى.

في النهاية أخد والد "حياة" في قسم الشرطة ضمانًا بعدم التعرض لابنته من حماتها، وسرعان ما أنهى هو وأخوتها إجراءات الميراث، حيث تم تقسيمه وفقًا للشرع، ووسط الكثير من العديد والصراخ من الحماة وابنتها.

باع والد "حياة" لها الشقة ونصيبها في تركة زوجها ووضع لها مبلغًا كبيرًا في البنك.

تلك الأموال التي كانت نقطة تحول في حياة تلك الفتاة الفقيرة الصغيرة، التي عادت لبيت أسرتها معززة مكرمة، عادت لدراستها بعدما لم تعد مصاريف الدراسة عبئًا على الأسرة، وتغيرت معاملة إخوتها الذكور لها بصفتها الآن صاحبة مال وجاه.