بعد دراستها التمهيدية في العدد الماضي تقدم محررة باب علامات هنا الحلقة الأولى من سلسلة اليوميات الفنية في الصحائف الشامية، وتنقلنا عبرها إلى زخم بدايات النهضة الفنية والمسرحية في بلاد الشام ومناخاتها.

يوميات فنية في الصحائف الشامية

(الحلقة الأولى)

أثير محمد على

1
حوادث دمشق اليومية
جمعها الشيخ أحمد البديري الحلاق
سنة 1154هـ الموافقة لـ 1741م
جرى على لسان العامة أنه سيحدث بدمشق الشام زلازل عظيمة تتهدم بسببها أماكن كثيرة وأن الرجال ستقلب نساء وأن أنهار الشام تجري طعاماً. وتحدثوا في حوادث كثيرة من مثل هذه الخرافات وصاروا يتداولونها فيما بينهم... وكانت هذه السنة سنة غلاء في الأقوات وغيرها...
(الشيخ البديري الحلاق، أحمد: حوادث دمشق...مصدر مذكور، ص 4).

سنة 1156هـ الموافقة لـ 1743م
في غرة ربيع الأول من هذه السنة شرع حضرة والي دمشق الشام سليمان باشا ابن العظم في فرح لأجل ختان ولده العزيز أحمد بك وكان في الجنينة التي في محلة العمارة، وجمع فيه سائر الملاعب وأرباب الغناء واليهود والنصارى واجتمع فيه من الأعيان والأكابر من الأفندية والأغوات ما لا يحصى.

وأطلق الحرية لأجل الملاعيب يلعبون بما شاؤا من رقص وخلاعة وغير ذلك ولا زالوا على هذه الحال سبعة أيام بلياليها. وبعد ذلك أمر بالزينة فتزينت أسواق الشام كلها سبعة أيام بإيقاد الشموع والقناديل زينة ما سمع بمثلها. وعمل موكب ركب فيه الأغوات والشربجية والأكابر والانكشارية وفيه الملاعب الغريبة من تمثيل شجعان العرب وغير ذلك. وثاني يوم طهّر ولده أحمد بك وأمر من صدقاته أنه يطهّر من أولاد الفقراء وغيرهم ممن أراد فصارت تقبل الناس بأولادهم وكلما طهّروا ولد يعطوه بدلة وذهبيتين.

وأنعم على الخاص والعام، والفقراء والمساكين بأطعمة وأكسية وغير ذلك... وبعد هذا الفرح العظيم، عمل فتحي أفندي الدفتري فرحاً عظيماً بهذا الشهر أعني به ربيع الأول. زوج ابنته لابن أخيه وكان فرحاً عظيماً ما عمل بدمشق نظيره ولا بلغ أحد أنه عمل مثله وكان سبعة أيام وكل يوم خصه بجماعة: فاليوم الأول خصّه بحضرة والي الشام سليمان باشا بن العظم، واليوم الثاني إلى الموالي والأمراء، واليوم الثالث إلى المشايخ والعلماء، واليوم الرابع التجار والمتسببين، واليوم الخامس إلى النصارى واليهود، واليوم السادس إلى الفلاحين، واليوم السابع إلى المغاني والمومسات وهم بنات الخطا والهوى. وقد تكرم عليهم كرماً زائداً ويعطيهم الذهب والفضة بلا حساب. وكان قبل الفرح عمل تهليلة، جمع بها مشايخ الطرق...
(الشيخ البديري الحلاق، أحمد: مصدر مذكور، ص 38 39).

سنة 1157هـ الموافقة لـ 1744م
وكان دخولها غرة شهر محرم الحرام... وفي تلك الأيام قتل نفسه شيخ التكية.

وفي تلك الأيام كثرت فيه بنات الخطا يتبهرجن بالليل والنهار فخرج ليلة قاضي الشام بعد العصر إلى الصالحية فصادف امرأة من بنات الخطا تسمى سلمون وهي تعربد في الطريق وهي سكرى ومكشوفة الوجه وبيدها سكين. فصاح جماعة القاضي عليها أن ميلي عن الطريق هذا القاضي مقبل فضحكت وصاحت وهجمت على القاضي بالسكين فأبعدوها عنه أعوانه.

ثم جمع القاضي الوالي والمتسلم وذكر لهم ما وقع له مع هذه العاهرة فقالوا له هي من بنات الخطا واسمها سلمون وافتتن بها غالب الناس حتى صار ينسب إليها كل حاجة أو متاع فيقولون هذا المتاع سلموني وهذا الثوب سلموني.

فأخرج المفتي فتوى بقتلها وإهدار دمها تسكيناً للفتنة ففتشوا عليها وقتلوها. وأرسلوا منادياً ينادي في البلد أن كل من رأى بنتاً من بنات الخطا والهوى فليقتلها ودمها مهدور فسافر عدد منهن وانزوى البقية. ومع ذلك فالطاعون مخيم في الشام وضواحيها مع الغلاء ووقوف الأسعار...
(الشيخ البديري الحلاق، أحمد: مصدر مذكور، ص 56 57).

سنة 1160هـ الموافقة لـ 1747م
في تلك الأيام كثر الجراد وأضر بالعباد... وهذا كله مع ازدياد الفجور والفسق والغرور والغلاء والشرور.

فخرج الشيخ ابراهيم الجباوي(1) ومعه التغالبة بالأعلام والطبول وقصدوا السيدة زينب، واستغاثوا عندها بكشف البلاء عن العباد ورجعوا آخر النهار، ثم داروا حول مدينة دمشق ومرّوا أمام باب السرايا وعملوا دوسة(2).

وصار حال عظيم وبكاء شديد. وشعلت قناديل الرجال وهم يدعون بهلاك الجراد ورفع البلاء. وبعد يومين جاءت أهل الميدان بطبول وأعلام وحال صريخ، وقصدوا جامع المصلى بالدعاء برفع الجراد وهلاكه.

ويقولون: يا من له المراد في كل ما أراد، بالمصطفى الحبيب فرّج عن البلاد، فلم يفد ذلك. وكيف يفيد ذلك وأكثر النساء قد باحت وبنات الهوى وهم الخاطئات دائرات ليلاً ونهاراً بالأزقة والأسواق ومعهم الدالاتية(3) والفسّاق ولا أحد يتكلم بقيل وقال ولا أمر بالمعروف ولا نهي عن المنكر، والصالح في همّ وكرب والفاجر الطالح متقلب في لذيذ النعم. اللهم فرّج، آمين...

وفي هذه الأيام ورد إلى دمشق الشام ثلاثة يهود من مدينة حلب ولهم مهارة في ضرب الآلات بأحسن النغمات فصاروا يشتغلون في قهاوي الشام ويسمعهم الخاص والعام...
(الشيخ البديري الحلاق، أحمد: مصدر مذكور، ص 91 - 95).

سنة 1162 هـ الموافقة ل 1748م.
استبشرت الناس بالخير بكثرة الأمطار التي هطلت بأول هذا العام...

... قال المؤرخ البديري: وبلغني أن حامد أفندي بن العمادي مفتي دمشق الشام كان قد خزَّن القمح مثل الأكابر والأعيان الذين لا يخافون الرحيم الرحمن، وأن الكيَّالة جاءوا إليه وقالوا: نبيع الحنطة كل غرارة بخمسين قرشاً، فقال لهم: مهلاً فلعل الثمن يزيد. فإذا كان مفتي المسلمين ما عنده شفقة على خلق الله فلا تعتب على غيره.

وفي هذه الأيام عملوا ديوان وأخبروا أسعد باشا بكثرة المنكرات واجتماع النساء بنات الهوى في الأزقة والأسواق، وأنهم ينامون على الدكاكين وفي الأفران والقهاوي. وقالوا: دعنا نعمل لهم طريقاً إما بترحيلهم أو بوضعهم بمكان لا يتجاوزنه(4). أو نتبصر في أمرهم. فقال إني لا أفعل شيئاً من هذه الأحوال، ولا أدعهم يدعون عليّ في الليل والنهار. ثم انفضّ المجلس، ولم يحصل من اجتماعهم فائدة.

وفي تلك الأيام زاد الغلاء في بلاد الشام، فبلغنا أن رطل الخبز في طرابلس بعشرة مصاري، وفي غزة والرملة بخمس وعشرين مصرية، وفي الشام ليس واقف السعر، وقد زاد الغلاء والبلاء والقهر...

وفي هذه الأيام اشترى أسعد باشا والي الشام أملاكاً كثيرة من الدور وبساتين وطواحين وغير ذلك...

وفي يوم الأربعاء، حادي عشر جمادى الثانية نزل القمح الجديد، وبيعت غرارة القمح بخمس وأربعين قرشاً...، فصاحت العامّة واستغاثت، ونهبوا بعض الأفران، ثم صاروا ينادوا في الأسواق رطل الخبز بثلاثة وبأربعة مصاري، فباعت أهل دمشق جميعاً بذلك الثمن، وفرحت أهل البلد كثيراً، فزيّنت البلد. وكان حضرة الوالي أسعد باشا في في جنينة أبيه في مسجد الأقصاب قد عمل سيراناً ومعه أكابر الشام، فلما بلغه هذا الخبر غضب غضباً شديداً، وأمر الحاج محمود تفكجي باشي أن يأخذ أعوانه الفسّاق ويدور في البلد والأسواق، وأن ينبه على الخبازين أن لا يبيعوا رطل الخبز إلا بستة مصاري والأسود(5) بأربعة، وكل من خالف يأكل علقة، والحذر ثم الحذر. فرجعوا إلى المنهج الأول، واسوّد الخبز وتغير، والله أكبر وأغيَر...

... وفي خامس عشر ذي القعدة جرّصوا ثلاثة أشخاص ودوّروهم في كل البلد مسخمين الوجوه راكبين على الحمير بالمقلوب. فسألنا عن السبب، فقيل إنهم يسكّون الفلوس الرملية، وهي غش(6)... وفي ذلك اليوم أمر الحاكم بأن يخرجوا بنات الهوى، وهم الشلكات، من البلد إلى خارج البلد، وأظهر أنه يريد أن ينفيهن إلى بلاد أخرى. ونبّه على مشايخ الحارات أن من وجد في حارته ذو شبهة لا يلومنَّ إلا نفسه، ثم نادى منادي إن النساء لا يسبلن على وجوهنَّ مناديل، إلا حرم الباشا ونساء موسى كيخية، ثم شرع أعوان الحاكم بالتفتيش وشددوا، فانفرجت بعض الكربة. ثم ما بقى على التشديد غير جملة أيام، إلا ورأينا البنات المذكورات يمشين كعادتهن في الأزقة والأسواق وأزيد. ورجعنَ إلى البلد، ورتب الحاكم عليهنَّ في كل شهر على كل واحدة عشرة غروش وجعل عليهن شوباصياً، بل قطع من الناس وسلب. والله المستعان...
(الشيخ البديري الحلاق، أحمد: مصدر مذكور، ص 100 110).

سنة 1161هـ الموافقة لـ 1748م
ازداد الفساد وظلمت العباد وكثرت بنات الهوى في الأسواق في الليل والنهار.

ومما اتفق في حكم أسعد باشا في هذه الأيام أن واحدة من بنات الهوى عشقت غلاماً من الأتراك. فمرض، فنذرت على نفسها إن عوفي من مرضه لتقرأن له مولد عند الشيخ أرسلان. وبعد أيام عوفي من مرضه فجمعت له... المومسات ومشين في أسواق الشام وهن حاملات الشموع والقناديل والمباخر وهن يغنين ويصفقن بالكفوف ويدققن بالدفوف. والناس وقوف صفوف تتفرج عليهن، وهن مكشوفات الوجوه سادلات الشعور، وما ثم ناكر لهذا المنكر، والصالحون يرفعون أصواتهم ويقولون الله أكبر...

(الشيخ البديري الحلاق، أحمد: مصدر مذكور، ص 112).

سنة 1163هـ الموافقة لـ 1749م
وفي يوم الخميس ثامن عشر ربيع الأول خرجنا إلى سيران بناحية الشرف المطل على المرجة مع بعض أحبابنا. وكان الوقت في مبادئ خروج الزهر وجلسنا مطلين على المرجة والتكية السليمية، وإذا بالنساء أكثر من الرجال جالسين على شفير النهر وهم على أكل وشرب قهوة وتتن كما تفعل الرجال، وهذا شيء ما سمعنا بأنه وقع نظيره حتى شاهدناه ولا حول ولا قوة إلا بالله...
(الشيخ البديري الحلاق، أحمد: مصدر مذكور، ص 140).

2
حوادث المسرح اليومية

جمعية الإحسان
مساء السبت مثلت في دار الخواجات حسون رواية مضمونها الحث على العلم والاجتهاد في تحصيله، وقد جمعت عصابة من أرباب الوجاهة من مسلمين واسرائليين (7)، وكان التمثيل غاية في الإبداع تخلله الدعاء في المبدأ والختام بطول بقاء مولانا الخليفة الأعظم. أما ريع هذه الرواية فقد خصص لفقراء تلامذة مدرسة الاسرائليين، فنثني على همة أعضاء تلك الحفلة أجمل الثناء.
(الشام(8)، س. 2، ع. 84، دمشق، 24 شباط 1897).

زفاف
مساء الأربعاء احتفل بزفاف الأريب خليل أفندي نجل حضرة الأديب النحرير السيد أحمد أفندي أبو خليل القباني. وقد كانت حفلة الزفاف في دار الأجل الماجد السيد علي أفندي العُتقي بحضور زمرة من أرباب الفضل والأعيان والتجار، وبعد إجراء المراسيم المعتادة باحتفال شائق ساروا بالعروس إلى دار والده الكريم ثم انصرفوا داعين له بالرفاه والبنين، ونحن نهنئ آل العروسين ولاسيما صديقنا أبو خليل ونرجو الله أن يقر عينه بأنجاله المهذبين(9).
(الشام، س 2، ع 96، دمشق، 26 آذار 1898).

(الوطن) أو سلسترة، هي رواية تمثيلية تمثل العواطف القومية والوطنية والوقائع الحربية أجلّ تمثيل. تأليف المرحوم نامق كمال بك، شيخ الأدب التركي، وتعريب الكاتب البارع الشيخ محي الدين الخياط أحد أدباء بيروت عربها بقلم لطيف نظماً ونثراً يدل على حسن اختياره، وهي تطلب من من المكتبة العلمية بدمشق ومن المكتبة الأهلية ببيروت، وثمنها ربع ريال من الورق الجيد، وخمسة قروش من الورق المتوسط فنحث المتأدبين على اقتنائها(10).
(المقتبس، س 1، ع 40، دمشق، 4 شباط 1909).

رواية فتاة الدستور أو تاريخ الانقلاب. ذات خمسة فصول
ستمثل الرواية المذكورة مساء هذا اليوم في قهوة (الاصلاحخانة) بجانب البوستة، وهي الرواية الوحيدة التي تمثل تاريخ الانقلاب ومقتل أبي الأحرار، وقد خصص ريعها إلى غرف القراءة العمومية تأسيس جمعية النهضة السورية. وليس من بين محبي الأدب والحرية من يحجم عن إعانة أمثال هذه المشاريع الخيرية مادياً وأدبياً!، وسيكون ما بين التمثيل مناظر سينوماتوغرافية (11).
(المقتبس، س 1، ع 59، دمشق، 27 شباط 1909).

حضر إلى هذه البلدة جوق التمثيل المصري
بإدارة الخواجة بشارة ليفاره استاتي. وقد قام مساء أول أمس بتمثيل رواية (تسبا) التي أعجب بها كل من حضر تمثيلها، وسيمثل مساء هذا اليوم رواية (صلاح الدين الأيوبي)، ويقوم بتمثيل أهم أدوارها الممثل البارع ابراهيم أفندي سامي. وليحضر الشعب تمثيل روايات هذا الجوق خفض أجرة الدخول فجعلها بشلكاً ونصفاً وأجرة اللوج ريالاً مجيدياً.
(المقتبس، س 1، ع 71، دمشق، 13 آذار 1909).

تقوم مساء اليوم جمعية النهضة السورية
بتمثيل رواية (فتاة الدستور) أو (تاريخ الانقلاب العثماني) في مسرح(12) (زهرة دمشق) الجديد إعانة لغرف القراءة وتأسيسها، وتباع تذاكر الدخول عند مدخل المسرح تذكرة اللوج بليرة فرنساوية والقاعة بنصف ريال مجيدي.
(المقتبس، س 1، ع 79، دمشق، 22 آذار 1909).

جاءنا من حماه ما يلي:
وصل اليوم على القطار متصرفنا الجديد يصحبه كثير من الأهالي الذين تسابقوا إلى استقباله في بيروت وبعلبك جرياً على عاداتهم القديمة الراسخة.

وحضر إلى بلدتنا جوق التمثيل ابتغاء تشخيص الروايات الأدبية، فعارضه وأنذره بعض المنسوبين للجمعية القاعدين على كراسي البلدية ولعل الحكمة خفية لم يفهمها بيكباشي الدرك الذي أذن بالتمثيل آخذاً عهدة الضبط على عاتقه(13).
(المقتبس، س 1، ع 163، دمشق، 28 حزيران 1909).

يمثل مساء اليوم جوق المطرب المبدع الشيخ سلامة حجازي(14) رواية روميو وجولييت.
وهي الرواية المشهورة بحسنها وكثرة ألحانها، فلا لزوم للافاضة. ويتخلل الفصول العزف على الموسيقى الوترية العربية(15). وإجرة اللوج ستة ريالات. وفي القاعة ريال في الدرجة الأولى، وخمسة بشالك في الدرجة الثانية.
(المقتبس، س 1، ع 175، دمشق، 12 تموز 1909).

الارتجاعييون في حماه:
ما إن انتهت مسألة الذين قاموا بمنع رواية صلاح الدين الأيوبي ومعارضتها، حتى قامت مسألة أخرى ارتجاعية وهي مسألة سرقة الأعشار(16)...
(المقتبس، س1، ع 198، دمشق، 7 آب 1909).

يقوم نادي المدرسة الطبية في دمشق بتمثيل رواية (حرص سلطنت) أو (خلع عبد الحميد المشروع)، يخصص ريعها لمساعدة الأسطول.

في (مسرح زهرة دمشق)، في ساحة الاتحاد مساء الأربعاء أي ليلة الخميس الواقع في 26 أغستوس سنة 1325. وإننا نرجو من أهل الغيرة الوطنية الحقيقية أن يحضروا هذه الليلة تنشيطاً لهذا المشروع الخطير.
(المقتبس، س 1، ع 224، دمشق، 7 أيلول 1909).

ملاهينا
كلما قطعنا شوطاً بعيداً في مضمار المدنية، لا بد وأن تكثر الملاهي، وذلك لما يرافقها من كثرة الأشغال، لأن المرء بعد أن يكون قد عمل كل نهاره لا بد له من بضع ساعات يصرفها باللهو ترويحاً للنفس من عناء الأشغال. إلا أن الملاهي يجب أن لا تخلو من:

فائدة مادية، وأعني بالفائدة المادية ما يعود بالنفع على الجسم كلعب الكرات (البيلياردو)... إلا أنه في هذه الديار خرج عن هذا الحد وأصبحنا لا نرى أحداً يلهو بمثل ذلك في القهوات إلا بقصد المقامرة التي ينهى عنها الدين والأخلاق ويحظرها القانون.

أو معنوية. كالتخلف إلى مسارح التمثيل الأدبي وقاعات الموسيقى...

مما يؤلم أن مدينة كدمشق يوجد فيها أربع مسارح ولكن من حيث الستور والهيئة لا بمعناها الحقيقي. لأن جلّ مسارحنا هي أشبه بماخور عام تسرح فيه الراقصات المجردات عن كل فضيلة. ومن جال نحو الساعة السابعة من الليل في جهتي المرجة والسنجقدار يرى أن كثيراً من الشبان زرافات سكارى خارجين من المسارح ومعظمهم يميلون ذات اليمين وذات الشمال وهم يغنون الأغاني البذيئة التي تشمئز منها الطباع السليمة وتنبو عنها الأخلاق الكريمة... نحن في حاجة اليوم إلى مسارح تمثل فيها الروايات الأدبية، تلك التي تغرس في القلوب حب الوطن والفضيلة وتنهض بالأفكار من كبوتها. نحن بحاجة إلى قاعات للموسيقى... يمتزج فيها الطرب بالحماسة لتقوى هذه الروح في نشئنا، والطرب بالحكمة حتى لا يخرج المرء من محل كهذا إلا وامتلأ وطابه بالفوائد وسري عنه مما ألم به من جراء كده في النهار... فعسى تصح عزيمة من يهمهم أمر ترقي هذه الأمة على تأليف جمعية غرضها السعي في توفير الأسباب للقيام بتمثيل الروايات الوطنية التي نوهنا عنها.
(الأمة(17)، س1،ع11، دمشق، 15 كانون الأول 1909).

مسرح زهرة دمشق
يقوم الخواجة لمبو بألعاب جميلة من وراء الغاية، وقد شهدناه فرأيناه لا يلعب فقط كما قيل، بل إن شخصاً واحداً يمثل رواية بمفرده ويقوم بجميع أدوارها. حيناً تراه خادماً لا يلبث أن يدخل هنيهة فيخرج سيدة، يتكلم أشبه بالسيدات، ولا يلبث أن يدخل فيخرج سرياً. إلى غير ذلك من الأدوار، وكل ذلك ببراعة زائدة دون أن يدرك الحاضرون أنه هو ذاته يتقلب هذا التقلب.
(الأمة، س 1، ع 44، دمشق، 26 كانون الثاني 1910).

خطراتي
يقتلون النفوس البريئة وهم شرفاء، ويظلمون عباد الله وهم شرفاء، ويأتون الموبقات والمنكرات وهم شرفاء، ويسرقون أموال السماء والأرض وهم شرفاء.

هذه هي حالة بعض الذين يدعون الشرف في بلادنا، ولا أعرف تحديد هذا الشرف الوهمي الذي يرافق أراذلنا إلى كل مكان حتى إلى بيوت النجاسة والفسق. والغريب في ذلك أن عامة الناس أصبحوا، وياللأسف، لا يميزون بين الشرف الحقيقي والشرف الوهمي، وهذه واحدة من مصائبنا. وأنا أعرف أن الشرف الحقيقي لا يرافق أحداً إلى مقام هو غير شريف. وذلك بدليل الحكاية الآتية، نقلها أحد الأدباء عن جريدة (المناظر) وهي:

"إن الشرف، والدين، والفقر والعلم والغنى التقوا في يوم مهرجان، ولما أتى وقت افتراقهم قال أحدهم: عينوا لنا يوماً خاصاً نجتمع فيه متى شئنا.

فقال الدين: متى أردتم أن تجتمعوا فاطلبوني من ذلك الكتاب الصغير.
وقال العلم: وأنا اطلبوني من ذلك المكتب الكبير.
وقال الغنى: وأنا اطلبوني من ذلك القصر الشهير.
وقال الفقر: وأنا تجدوني في ذلك الكوخ الحقير.

أما الشرف فوقف شامخاً وقال: أما أنا فالذي يفارقني خطوة واحدة لا يعود يراني فيما بعد".

في السنة الماضية زرت مدينة حماه فرأيت فيها ضجة، وعويلاً، وصياحاً، وصراخاً.

تفصيل الخبر أن المتصرف سمح لأحد أصحاب القهوات بأن يستجلب جوق تياترو لقهوته. وعلى أثر ذلك قام بعضهم يسفهون هذا الرأي ويطلبون إلغاءه، بحجة أنه مناف للدين، والشرف، والإنسانية. وكان كما شاء هؤلاء. أي سحب المتصرف كلامه وحوّل القهواتي عن عزمه. فقلت حينئذ: (آفرين)(18)، إن الغيرة الدينية الموجودة في هذه البلاد لهي نادرة المثال.

في هذه السنة زرت حماه أيضاً، فوجدت في (القهوة البرهانية) تياترو غلمان، ولكي أتأكد الخبر دخلت، فرأيت غلاماً يرقص على هيئة تقشعر لها الأبدان، والأبصار شاخصة إليه(19). فقلت: لماذا يمنعون تياترو النساء ويسمحون بتياترو الغلمان. ألعل هذا الأخير يلائم الإنسانية والشرف والدين!!؟. أما الدين فلا يتغير لأنه يمنع الأول كما يمنع الثاني، ويلعن الثاني كما يلعن الأول. وأما الإنسانية والشرف فأترك البحث بهما لغيري، لأن تفسيرهما قد اضطرب في هذه الأيام كما اضطرب تفسير الدستور والحرية... تارة نرى الدستور ولا يرانا، وطوراً يرانا ولا نراه، فأينا الأعمى.
(المقتبس، س 2، ع 317، دمشق، 13 آذار 1910).

جوق التمثيل التركي على مسرح زهرة دمشق
يمثل هذا الجوق الكبير رواية في كل ليلة تغني عن وصف حسن تمثيله وانتخابه للمواضيع الأدبية بين مبكيات ومضحكات مما ترتاح إليه النفوس وتغتذي منه الأخلاق، ويتخلل كل فصل مناظر سينماتوغرافية جديدة وجميلة جداً.
(المقتبس، س 2، ع 320، 17 آذار 1910).

حلب الشهباء(20)
هبطت مدينة حلب فإذا هي من المدن العثمانية الكبرى القديمة العريقة في العمران... في حلب كثير من الجوامع العظيمة البناء... وفيها سبع مكتبات أكبرها الأحمدية فيها زهاء أربعة آلاف مجلد جلّها من المخطوطات النفيسة... عدد أحياء المدينة 107 يطول أمر تعدادها، فداخل الأسواق القديمة... أحياء المسلمين والاسرائليين، وفي ظاهره كثير من أحياء المسلمين والمسيحيين... من تأمل في عمران حلب يرى المتناقضات إذ أنه يرى البنايات القديمة التي فيها أثر من القدم... ويرى البنايات الحديثة المنحونة من الحجارة على الطراز الأخير... وفي الجملة فإن الشرقي شرقي والغربي غربي، وحبذا الجمع بين الطرفين في الأمور النافعة فقط...

ومعلوم أن لغة الحلبيين هي العربية إلا أن الكثيرين منهم يتكلمون بالتركية، لأن علاقاتهم التجارية مع الأتراك في ملحقات الولاية حملتهم على تعلمها، وهذا أعظم رد على من يحاولون إكراه الناس على تعلم اللغات الأعجمية، لأن المرء لا يتعلم لغة دون أن تدفعه إلى ذلك حاجة مادية أو سياسية(21).

كثرت في هذه الآونة الأخيرة الملاهي في مدينة حلب فبلغ عددها أحد وعشريناً ولو قسناها بمدينة القاهرة التي اشتهرت بوفرة ملاهيها لكانت في حلب أكثر منها في القاهرة بالنسبة لعدد السكان(22).

زرت هذه المسارح كلها فوجدتها مسرحاً للراقصات الفاجرات إلا اثنين، أحدهما تعرض فيه الصور المتحركة والآخر يمثل فيه جوق سلامة حجازي الروايات العربية المعروفة(23). حضرت التمثيل ليلة في هذا المسرح فوجدته غاصاً بالمتفرجين من كل طبقات الناس، فقلت في نفسي لاشك أن هذا المسرح قلل من تخلف الناس إلى المحال الآنفة الذكر، فقمت فرأيتها كما رأيتها من قبل ملأى بالزبن وإنه ليعجب المرء من تهافت الناس على هذه المحال بهذا المقدار مع أنها خالية من كل جمال ولا يوجد فيها أصوات جميلة ولا موسيقى تطرب بل يوجد فيها رقص وزفن وخلاعة على غاية من السماجة والسفاهة.

حركة المعارف في هذا البلد ضعيفة تكاد لا ترى ورجال الإصلاح فيه يائسون من نهوض الحلبيين لما يرون فيهم من قلة الاكتراث بالعلوم والمعارف، إلا أنه من الواجب على أهل العلم فيهم أن لا يبلغ فيهم اليأس مبلغه بل من المحتم عليهم أن يثابروا على خطة النصح والإرشاد. (أحمد كرد علي)
(المقتبس، س 2، ع 454، دمشق، 22 آب 1910)
.

ذكرنا في أحد أعدادنا الماضية أن مجلس البلدية قرر أن تمنع الراقصات والمغنيات من الرقص والغناء في القهاوي إكراماً وتعظيماً لشهر رمضان المبارك، وأحيل قراره إلى مجلس إدارة الولاية، وقد قدّم في هذه الآونة مدير بوليس الولاية تقريراً إلى الولاية يطلب فيه منع الراقصات من قهوة الجنينة، نظراً لما يحصل فيها من الحركات المغايرة للآداب العامة، ولما يحدث بين الشبان من التنافر بسببهن مما لا يخلو من محذور، وقد أحيل تقريره أيضاً إلى مجلس الولاية، ومما لا يسعنا إلا ذكره في هذا المقام أن ما يحصل في قهوة الجنينة يجري أيضاً في غيرها من القهاوي التي فيها أمثال هاته الراقصات المجردات عن كل فضيلة، حتى أصبحت القهاوي بهن بؤرة الفساد، فأفسدت أخلاق الناشئة التي قلت بضاعة العلم عندها، فتزاحمت على هذه المحال تزاحم الجياع على القصاع تبذل مالها وصحتها في سبيل ما يسمونه (إلتفاتاً) منهن، وبئس هذا الالتفات. ومما يؤسف أنه أضحى لا يأتي هذه الحاضرة جوق من أجواق التمثيل الراقي من المطربين العارفين بالموسيقى إلا ويكون نصيبة من إقبال الناس أقل بكثير من أمثال تلك المحال التي أضحى من العار بقائها في أمة تطال إلى الرقي. ونحمد الله أن قيّض لهذه الأمة رجالاً أدركوا ما تفعله المستنقعات النتنة في إفساد الأخلاق، وعليه نظر مجلس الإدارة في التقريرين الآنفي الذكر، فقرر منعهن من الاشتغال في القهاوي ليس في رمضان فقط بل بصورة دائمة واضعاً حداً لعدو الأخلاق المداهم. وأملنا أن تبقى الحكومة دائماً منفذة لهذا القرار حتى لا تصبح دمشق بملاهيها كجارتها حلب إذ لو تركت دمشق على حالها الحاضرة لأصبحت مثل جارتها. ونجيب هنا من يقولون إن الملاهي أصبحت في هذا العصر من ضروريات الحياة، إن منع الملاهي المفسدة للأخلاق يفسح مجالاً لرواج تلك التي مزجت بالفائدة كالتمثيل وغيره... والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
(المقتبس، س 2، ع 465، دمشق، 4 أيلول 1910).

يقوم نادي المدرسة الطبية في دمشق بتمثيل رواية (حرص سلطنت) أو (خلع عبد الحميد المشروع)، يخصص ريعها لمساعدة الأسطول. في مسرح (زهرة دمشق)، في ساحة الاتحاد مساء الأربعاء أي ليلة الخميس الواقع في 26 أغستوس سنة 1325. وإننا نرجو من أهل الغيرة الوطنية الحقيقية أن يحضروا هذه الليلة تنشيطاً لهذا المشروع الخطير.

محل بيع التذاكر: في نادي طلبة المدرسة الطبية، وفي صيدلية الغرباء في ساحة الاتحاد، وفي نادي حب الوطن في الميدان وفي صيدلية الصداقة في العمارة، وفي صيدلية الشرق في السنجقدار.
(المقتبس، س 1، ع 224، دمشق، 7 أيلول 1909).

مسرح زهرة دمشق/ جوق التمثيل المصري للشيخ سلامة حجازي
إن هذا الجوق الكبير يمثل روايات من أجمل المشاهد وغرابة الوقائع ما يسر ويدهش، وكل ما يمثله هذه المرة جديد مدبج بأقلام أشهر كتاب وشعراء العصر. فالأمل من عشاق الحقائق والعبر أن يشرفوا ليشاهدوا من سلامة الذوق وإتقان التمثيل وبديع الألحان ما يقر الناظر ويسر القلب والخاطر. (حبيب شماس)(24)
(المقتبس، س 2، ع 395، 13 حزيران 1910).

غص مسرح زهرة دمشق أول أمس بجمهور الناظرين من الأهلين ليشهدوا رواية السموأل أو وفاء العرب.
ورأوا من إجادة الممثلين، وهم بعض تلامذة المدارس العالية في الأستانة، ما طلق الألسن بالثناء والشكر، فافتتح الحفلة سيف الدين أفندي الخطيب بكلمات بين فيها الغرض من إنشاء المنتدى الأدبي الذي يختلف إليه في الأستانة طلاب المدارس من أبناء العرب.

وبعد ختام الرواية تكلم رشدي بك الشمعة مبعوث دمشق في فضل التمثيل، وما له من الشأن في نهوض الأمم، وكيف أن الانكليز وهم أرقى الشعوب جعلوا له المقام الأسمى حتى دفنوا الممثلين في مدافن الملوك والعظماء.

ثم وقف الشيخ عبد الرحمن القصار وتلا قصيدة من شعره، فصفق له الحضور مراراً، وكذلك فعل جرجي أفندي حداد وتلا من نظمه قصيدة رنانة طرب لها القوم لأنه عدد ما يجب على الأمة العمل له حتى تحرز نصيباً من الارتقاء، وحث على العناية باللغة العربية الوطنية لأنها أهم الروابط العزيزة.

ثم ختم الحفلة اسكندر أفندي المر بأبيات لطيفة في مدح الدمشقيين والقائمين بالتمثيل.

ومثلت بعد ذلك الصور المتحركة، وانصرف القوم مسرورين محبورين، وتمنوا لو كررت مثل هذه الحفلات الراقية في هذه المدينة ولو مرة في الشهر.
(المقتبس، س2، ع 365، دمشق، 4 أيلول 1910).

طلب كثير من رجال الفضل والأدب من حضرة الشيخ كامل القصاب أن يعيد تمثيل رواية دمنة الهندي التي قام بتمثيلها صبية من نبهاء الطلبة في مدرسته العثمانية، ونالت من الناس استحساناً لم يسبق نيله لروايات مثلت في مدرسة من مدارس دمشق، وقد أصر عليه فريق من أهل الغيرة في قبول وإعادة تمثيل الرواية عدة ليال أخرى. وهي فرصة نحض كل وطني على اغتنامها ليشاهد في مشاهد هذه الرواية الوفاء مجسماً في شخص العربي، والشهامة مطبوعة على ناصيته، والبلاغة منقادة للسان الطفل من أبنائه. وكفى بذلك تعريفاً(25).
(المقتبس، س2، ع 469، دمشق، 8 أيلول 1910).

من الجمعيات التي تسعى في نشر العلم في هذه الحاضرة هي جمعية نهضة الشبان الاسرائيلين التي تألفت في السنة الماضية، وكانت باكورة أعمالها تأسيس مكتبة عامة يختلف إليها المطالعون بما تجمعه من أعضائها من الأقساط الشهرية وبما تأخذه من الإعانات. وقد عزمت في هذه السنة أن تؤسس مدرسة ليلة يتعلم فيها الفقير الذي تضطره الفاقة إلى العمل في النهار لينال قوته. ولجمع المال لهذا المشروع النافع قامت بعض الآنسات الأديبات من سريات الاسرائليات وأعضاء هذه الجمعية الأفاضل بتمثيل رواية (عواطف البنين)(26) وهي من الروايات التي حوت الأفكار الصحيحة في الأخلاق ما يجدر بكل من يتوق إلى الكمال إلى استماعها، والأخذ بها.

وقد أجادت الممثلات والممثلون كل الاجادة كيف وهن وهم من الفتيات والفتيان الذين تعلموا في المدارس فيفهمون ما يلقونه لذلك كنا نرى لما يلقى من الكلام أو بالحري من المواعيظ تأثيراً عظيماً في النفوس فأسال العبرات. وزاد في رونق هذا الاحتفال ما كان ينشده الشيخ عبد الرحيم البابلي بين الفصول من رقيق الشعر العربي في حث الشرقيين عامة والعثمانيين خاصة على الأخذ بأسباب النهوض وترك الخمول والجري وراء العلم ونبذ التعصب والتمسك بأهداب الوئام والاتحاد والاتفاق، مما كان له أعظم وقع وجعل الحاضرين يشكرونه على هذا النوع في الإنشاد الذي يعد مجدداً له في هذه الحاضرة وتمنوا لو أن جميع من خصهم الله بحسن الصوت أن ينسجوا على منواله إذ أن الناس ملت تلك الأناشيد الغرامية التي لا تخلو من بذاءة في بعض الأحايين، وكانت أيضاً خلال الفصول يطرب جوق الموسيقى المصري.

والمسرح الذي أعد للتمثيل كان متقن الصنع حوى أجمل الأثاث مما دل على حسن ذوق صانعيه. وكذلك كان الشبان الاسرائليون يستقبلون الحاضرين بما عرفوا به من أدب ولطف. وقد قام الخطباء على العادة في مثل هذه الاحتفالات في هذه الحاضرة يخطبون في موضوعات شتى بين مقرظ وشاكر وحاث على العلم، وفي جملة من قاموا الشيخ عبد الرحمن القصار فتلا قصيدة تناسب المقام قوبل كل بيت منها بالتصفيق. وفي الجملة فإن هذا الاحتفال كان من أجمل الاحتفالات خرج الناس منه وقد حفل وطابهم بالفوائد شاكرين للآنسات اللواتي ظهرن على مسرح التمثيل حباً بعمل البر كيف لا وخير الإحسان ما كان من الحسان وأعضاء الجمعية الأفاضل. وفقهم الله في عملهم النافع.
(المقتبس، س 2، ع 472، دمشق، 12 أيلول 1910).

حالة النساء الاجتماعية في البلاد الشامية(27)
إن التعليم الذي هو الدواء الشافي لداء هذا الجنس اللطيف في هذه البلاد لا أثر له... وأن دمشق وهي قاعدة البلاد لا تجد فيها مدرسة تهذب المسلمات التهذيب النافع وتعلم المسيحيات العلم الحقيقي وتربي الاسرائيليات التربية الصحيحة. أليس هذا من العار... والرزية التي لا تطاق؟... ورب قائل يقول إننا لو سلمنا بأن لا مدارس للمسلمات واليهوديات فلا نسلم بعدم وجود مدارس للمسيحيات وقد تعددت مدارسهن وكثرت وسائط تعلمهن حتى عرفها الخاص والعام. فجوابنا على ذلك أن هذه المدارس كلها والانكليزية أحسن مبدأ ولكنها لا تفي بالغرض المطلوب لا تسمن ولاتغني من جوع لأننا لم نسمع بفتاة خرجت من تلك المدارس عالمة بتاريخ وطنها وأمتها واقفة على جغرافية بلادها أم عندها أقل إلمام بآداب لغتها وبما يترتب عليها من العمل في بيتها وما يجب عليها اجراؤه نحو أسرتها، بل تحققنا أن اللواتي يتخرجن من تلك المدارس يتنافسن بتأنق اللباس وتنوع الأزياء أكثر من غيرهن ويتعلمن بعض اللغات الأجنبية لا حباً بالعلم، بل ليقال أنهن يتكلمن الافرنسية والانكليزية ويشوهن لسان قومهن بما يضفن إليه من العبارات الباردة من تلك اللغات، ولا يدرين أن طبخ صفحة حساء (شوربا) وخياطة قميص وتنظيف وعاء أشهى للرجل من ألف كلمة (بونجور) وألفي كلمة (بونسوار) ومليون كلمة (مرسي) ومئة مليون (أورفوار).

وغاية المقال أن حالة النساء في هذه الديار لا تحمد عقباها إذا لم تتدارك بإحداث المدارس وإنشاء الكتاتيب لتعليمهم العلم الصحيح، وتنوير أفكارهن وإعدادهن لزمنٍ يكن فيه زوجات صالحات ووالدات حكيمات، يدركن واجباتهن نحو بيتهن وأولادهن وأزواجهن. ومن الوسائط المفيدة لرد جماح الجهل المستولي على نسائنا المسلمات إلقاء الدروس عليهنَّ في الجوامع من قبل المدرسين، ووعظهنَّ بما فيه صلاحهنَّ وبيان فساد التنجيم لهنَّ وأكاذيب الطلاسم وأضرار الرقي وغير ذلك من الخرافات التي ما أنزل الله بها من سلطان. ويكون المدرسون ممن عرفوا بسعة الاطلاع عالمين بالكتاب والسنة بعيدين عن الحشو والخشونة، إلى أن تهيء المدارس نساء غير هؤلاء النساء إذا كان ثمة إحداث مدارس... وفي هذا عبرة لقوم يعقلون...(فارس فياض).
(المقتبس، س 2، ع 474، دمشق، 14 أيلول 1910).

ورد في جريدة التيمس بتاريخ 23 أيلول الماضي ما يلي:
"لقد زرت دمشق سنة 1907 لما كان عبد الحميد ملكاً وأحمد عزت قوة في البلاد(28) وزرتها بعد الدستور بعامين فلم أرها تغيرت شيئاَ عن ذي قبل، إلا في لون ملابس العسكر الترابي، فالأهالي هم في الذهاب والإياب والبوليس هو هو في التختر في أحياء المدينة والكلاب هي هي تنام نهاراً في منتصف الشوارع وتنبح ليلاً لا يزعجها قط ما حل بإخواتها... في الأستانة.

ولا يزال الماشي حول المدينة يغوص في بحر من الغبار. وما برح بلاط الأزقة كما كان حفراً ومهاوي، وطقطقة الحوافر وقرقعة العربات عليه تصمان الآذان مما يدل على ما تبذله الحكومة في سبيل الإصلاح.

وما استجد سوى مسرح تطرب فيه أصوات مغنيات اسرئليات ومصريات وهو بجوار مركز الحكومة، واستجدت أيضاً قهوة وجنينة عمومية ذات أعشاب عالية وحجارة وافرة. على أن النور الكهربائي زان بعض الشوارع ولم يستجد شيء غير هذا مما يدل على تغير حقيقي.

أما الكلام مع منوري دمشق فقليل الجدوى. لأن دمشق لاتزال بعد الدستور كما كانت قبله في عالم من الجمود. نعم إن مجال الحرية اليوم أوسع من السابق، وقد ازدادت المطابع والجرائد تشدد النكير على الحكومة وتنتقدها أمرّ الانتقاد، ولكن الإنسان لايشعر في دمشق كما يشعر في الأستانة وإزمير وحتى بيروت بأنه حصل فيها تغير يذكر. ففي الشمال قلبت اللجج بطناً على ظهر، ولم يك في دمشق إلا حركة سطحية. ولعل قدوم سامي باشا بجيوشه على الدروز يعلم الدمشقيين درساً حياً فيعلمون علم اليقين أن الزمان قد تغير".

المقتبس: هذا ما عربناه عن رسالة لمكاتب التيمس المتجول ليطلع الدمشقيون وحكومتهم وبلديتهم على ما يقوله عنهم الزائرون من الأجانب.

على أن المرء يرى بعد تأمل قليل أن كلام هذا الكاتب لا يخلو من غلو شأن كلام غيره من كتاب الغرب الذين يزورون المدن الشرقية ولا يتكلمون سوى في المسائل السطحية الظاهرة وإذا توغلوا في البحث عن حالة الأهلين الروحية خبطوا خبط عشواء بسبب عدم إلمامهم بلغة البلاد التي ينزلونها واختلاطهم بفئة معلومة من أهالي هذه البلاد أو المقيمين فيها مؤقتاً وهي أيضاً لا تعرف عن أحوال هذه البلاد إلا ما تسمعه في السهرات من أحاديث العامة، ولا تتخذ أصول التجربة والاختبار والتحكك بالأهلين لتعرف مبلغ رقيهم، وهذا هو الخطأ الذي تسرب إلى مكاتب التيمس فقال: (إن دمشق لاتزال بعد الدستور كما كانت قبله في عالم الجمود)، وهذا ما يرده الواقع إذ بحمد الله قد نشطت بعد الدستور الأفكار من عقال جمودها وتاقت للرقي، وهذا ما لا يمكن لمكاتب التيمس أن يدركه للأسباب التي بيناها بل يحتاج إدراكه إلى مستشرق من بني قومه عرف لغة البلد، فتمكن من الاختلاط بأهليها.

على أننا من جهة ثانية نوافقه على ما رآه من ضروب النقص في أحوالنا الظاهرية، إلا أن الأمل وطيد بأن تزول لأن الأهلين أدركوها مثله وأصبح كبيرهم وصغيرهم يشكو منها والقول أول مراتب العمل والارتقاء المعنوي يعقبه الرقي المادي.
(المقتبس، س 2، ع 513، دمشق، 1 تشرين الثاني 1910).

"قصيدة في الروايات"
مثلت جمعية إحياء التمثيل العربي التي يديرها باترو أفندي باولي، محرر ومدير جريدة الوطن رواية (البلد) على المرسح، تأليف المحامي داود بك نقاش.

الرواية من مبتكرات النقاش، لم يسلم فيها أحد من انتقاداته اللطيفة، وكان ميعاد تمثيلها للمرة الأخيرة في بيروت وقد ألقى فيها الشاعر الرقيق الياس أفندي حنيكاتي القصيدة الآتية، ننشرها لرقتها وسلاستها بعد أن نشكره عليها وهي:

إن الروايات مرآة قد انعكست عن سطحها صور الأخلاق والفكر
تبيض منها وجوه العادلين كما تسود أوجه أهل الظلم والضرر
تعيد تاريخ ماضينا لحاضرنا حتى نكون لآتينا على حذر 
قد قام فيها ذوو الإصلاح فاتخذوا تمثيلها عبرة من أنفع العبر
ما عابها غير من بانت معايبه فيها ممثلة في أقبح الصور
لله من منشئيها القائمين بما يعلي الشؤون ويهدي البشر للبشر
فاشكر مساعيهم يا صاح معترفاً بفضلهم سيما النقاش ذي الغرر
داود ذي القلم النقاد من شهدت له ذوو الرأي من بدو ومن حضر
وحسبه شهرة ما في روايته (بيروت) من نقد مأمور ومؤتمر
جلا لنا قبل الدستور حررنا من الحوادث فيها كل مستتر
قامت بتمثيلها جمعية جمعت إلى التفنن حسن الذوق والنظر
يديرها باترو الشهم الذي ذكرت بالشكر دأبه من كل معتبر
هذا يبيع وهذا يشتري صحفاً وصوت بائعها يغني عن الخبر
وذاك يخطر نشواناً بخمرته وذاك يرقص بين الطبل والزمر
ترى المحامين في شغل أكفهم للقبض مفتوحة في السر والجهر
كما هم في سوق المزاد فلا يهمهم غير جمع المال في الصرر
وفي محافظهم ما ليس يدركه إلا شعور ذوي الأحكام والنظر
قد حللوا بالرشى في كل محكمة ما حرم الشرع في الآيات والسور
باهو فتاهوا عن القانون إذ لهم في غيره وترٌ يفضي إلى الوطر
أما الأطبا فقل عن بعضهم علناً بأنهم شركا عزريل واختصر
وحولهم عصبة تدعى صيادلة لهم من الماء رزق غير منحصر
حاكوا ذوي شركات الماء في طمع والغاز في جشع والعمر في بطر
لكن أطماع شركات الحريق غدت بلا شبيه فلم تبقي ولم تذر
ولا تسل صاح عن نادي القمار فما جهنم غير قسم منه منشطر
ترى موائد لعب حولها زمر مسلوبة اللب بل مخطوفة البصر
تحيي الليالي وقد ماتت عواطفها كأنها قطع قدت من الحجر
وبينهم تتباهى كل غانية بلا حياء ولا خوف ولا حذر
تطوي النهار وبعض الليل راغبة عن شغل منزلها في اللعب والهذر
تلقي إلى خدم فيه إدارته تخلصاً من عنا الترتيب والضجر
فيصبح البيت ملهى يمرحون به مع شيخهم روكز السميار للسحر 
وقد تحداهم الأولاد حين خلا جو القمار لهم مع تلكم الزمر
لا بل رأوا أن ذاك المال يخدمهم فيما يشاؤون من فحش ومن دعر
فاستهدفوا لسهام العار من صغر والمرء ينشأ على مبداه من صغر
واللوم يلحق بالآباء قاطبة إذ علة الغصن مأتاها من الشجر
فاستيقظوا أيها الآباء وانتبهوا من غفلة الجهل أو من وهدة الخطر
واستأصلوا من بينكم كل مفسدة وأرشدوهم ليجنوا طيب الثمر
فالعصر عصر (رشاد) فيه قد نشرت بيارق العلم والإسعاد في البشر البشر"(29).


(حمص، س2، ع6، حمص، 11 و24 كانون الأول 1910)(30).

ليلة الجمعة الماضية قام تلاميذ مدرسة النجاح الابتدائية في باب الجابية لمديرها محمد سري أفندي الطباع بتمثيل رواية (ناكر الجميل)(31)، فأجادوا في التمثيل، وكان يتخلل بين الفصل والفصل بعض خطب من بعض أولئك التلامذة وأجاد (يسين أفندي الصفدي) المتخرج من تلك المدرسة ومن تلامذة مكتب (نمونة ترقي) بإلقائه خطبة بالتركية والعربية والافرنسية، فنثني على همة مديرها، ونرجو لها الترقي والنجاح.
(المقتبس، س 2، ع 573، دمشق، 14 كانون الثاني 1911).

التماثيل والصور في الإسلام
إن الزمن الجاهلي قد أبقى على عادات سيئة. لم يزل بعض المسلمين مصراً على العمل بها. إما جهلاً بأن الدين الإسلامي قد أنكرها، أو تجاهلاً مع العلم بخروجها عن دائرة الشرع المنيف. من تلك العادات ما كثر في هذه الأزمنة من اقتناء التماثيل والصور واستعمالها في الأواني والملبوسات والمفروشات ميلاً لاستحسان عوائد الافرنجية بسبب شيوع التفرنج بين بعض مدعي التنور واتخاذ البعض لها صنعة يتعيش بها ويعدون كل ذلك من الترقي...

التماثيل والصور بمعنى واحد جمع صورة وتمثال يطلقان لغة على الشيء المصنوع مشبهاً بخلق من خلق الله، أعم من أن يكون مجسماً أو منقوشاً حيواناً أو غيره ويطلقان على الأوثان والأصنام التي كانت الجاهلية الملحدة تتخذها آلهة من دون الله. وقد أحلت بعض الشرائع جواز عمل التماثيل والصور، قال الله تعالى (يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل)... جاء الدين الإسلامي بالتوحيد الخالص فأبطل الأوثان وكسر الأصنام وأنكر التماثيل ومزقها ومنع اتخاذها على وجه يأُتى تفصيله سداً لداعية الفساد وحسماً لعروق الشرك والعصيان. عمل التماثيل إما أن يكون فيه مضاهاة لخلق الله أو تشبه بالوثنيين أو اقتناء لما عبد من دون الله... ربما قال المتفرنجون إننا لا نقصد كل ذلك لأن هذا الوقت منير لا يصح فيه شيء من تلك الخزعبلات، والتماثيل إنما نستعملها تذكاراً لمن مضى وتقديراً لأعمالهم وتخليداً لذكراهم وللتصوير سر في المدنية غامض لا يصل لإدراكه إلا المتنورون.

قلنا في الجواب لهم أما قصدكم فالله أعلم به، وأما إنكاركم أن يكون في مثل هذا الوقت المنير شيء من ذلك فهو مردود، لأنّا لم نزل نسمع أن في الهند وثنيين يعبدون الهياكل القديمة ويتقربون إليها بقصد النفع ودفع الضرر ويوجد أيضاً من يعبد الشمس أو القمر ومن يعبد العجل أو الفرج... أفهل يقال بعد هذا كله إن هذا الزمن زمن نور لا يمكن أن تعبد فيه التماثيل؟. وأما زعم أن استعمالها تذكاراً لمن مضى وتقديراً لعمله وتخليداً لذكره فهو زعم باطل أيضاً، لأن التاريخ هو الذي يقدر أعمال الرجال ويحفظ لها ذكرها ويشيد لها مجدها ويجعلها محترمة في القلوب معظمة في الصدور... هذا القرآن العظيم وسائر الكتب السماوية المنزلة لهداية البشر وفيها ذكر من مضى وبيان عاداتهم وسيرهم وأخبارهم لنعتبربها، لم نعهد إنها رسمت تمثالاً أو صورة. فيا متخذي الصور والتماثيل بتقليد الافرنجية تترقون؟، أم بما حرم الله تعتبرون؟. بخ بخ لهذا الارتقاء...

أليس من الحكمة أن لا نتغالى في تقليد أعدائنا مغالاة تضر في ديننا وأخلاقنا؟. في الزواجر لابن حجر في تفسير قوله تعالى (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذاباً مهيناً). قال عكرمة هم الذين يصنعون الصور...

ويدخل تحت حرمة النظر للصور حرمة ذهاب المكلف إلى المصور أو طلبه منه أن يصوره أو يصور ولده أو صديقه وبيع الصورة وشراؤها ودفع الأجرة عليها حرام أيضاً يجب اجتنابه والتباعد منه لأنه إعانة على المعصية وقد كثر فعل ذلك لشيوع التفرنج في هذه الأزمنة؛ نعم استثنى العلماء من الصور المحرمة لعب البنات الصغار (وقيدها السادة الحنابلة بأن تكون مقطوعة الرأس أو غير مصورة أو مصورة بلا رأس)، والحكمة في ذلك تدريبهن على تربية الأولاد.
(الحقائق(32)، مج 1، ح 9، دمشق، 19 آذار و1 نيسان 1911).  

حفلات تمثيلية
احتفلت المدرسة العلمية الإعدادية عندنا (في حمص) في ليالي هذا الأسبوع بتمثيل رواية (وفود العرب على كسرى) ورواية (السموأل)، وقد قام بتمثيل الروايتين تلامذة المدرسة المذكورة ببراعة دلت على عناية القائمين بمشروع تهذيبهم وتعليمهم. أما الريع فقد أرصد للبناء المنوي انشاءوه للمدرسة المذكورة. واحتفل بعض شبان الحميدية المسيحيين بتمثيل رواية (شهداء الوطن) ورواية (جزاء الشهامة). وقد كان التمثيل جيداً دل على براعة الأدباء المذكورين، وقد أرصد ريع التمثيل لبعض المشروعات الخيرية العمومية. جزاهم الله خيراً.
(حمص(33)، س 2، ع 22، حمص، 16 و29 نيسان 1911).

خيال الظل أو كركوز
اقترح علينا بعض الأفاضل الثقاة أن نلتمس من الحكومة السنية البحث عن أحوال القهاوي التي تمثل فيها الخيالات المسماة بكركوز لأن ما يمثلونه هو في غاية البذاءة وما يتفوهون به من الألفاظ السخيفة من شأنها أن تخدش وجه الأدب وتفسد أخلاق الحضور والسواد الأعظم صبيان لم يبلغوا الحلم، فإذا انطبعت في مخيلتهم تلك الكلمات الرذيلة وهم في الطور الأول من الحداثة، فما بالك إذا شبوا لاجرم أنهم يصبحون إذ ذاك آية في التهتك يرتاحون للخلاعة ارتياحهم إلى أعز شيء عليهم.

في حين أنهم إذا سمعوا من أولئك الممثلين ألفاظاً أدبية انطبعوا عليها فتهذبت نفوسهم وتقوم منادهم وأودهم.

ولسنا نلتمس أقفال هاته المحال بل نروم فقط أن يحظر على أولئك الممثلين ترداد مثل هذه الترهات والسفاسف التي يعود ضررها على الأخلاق العمومية ويحمر من سماعها وجه الإنسانية.
(الشام، س 2، ع 83، دمشق، 17 شباط 1913).

المغنى العربي وخيال الظل
يعلم القراء أنه إكراماً لشهر رمضان المبارك منعت الحكومة الرقص في المسارح، إلا أن أصحاب المسارح طلبوا إليها السماح لهم بالمغنى العربي فقط، فلم تسمح؛ فبات الناس إزاء هذا الأمر فريقين، فريق استحسن عمل الحكومة وفريق أنكره. وقد لفت نظرنا بعض الفريق الثاني إلى خيال الظل (كره كوز)، بقوله أن الحكومة التي منعت المغنى كان أحرى بها أن تمنع خيال الظل لما تلقى فيه من الكلمات البذيئة، ولا سيما أن الأطفال يحضرونه فتنطبع فيهم، فعسى أن تتدبر الحكومة المحلية هذا القول.

على أن أحد محرري هذه الجريدة حضر خيال الظل في إحدى القهاوي فسمع ما سمع من بذيء الكلام الممزوج ببعض الأشعار للتمويه بأن رب خيمة خيال الظل يحافظ على الآداب.
(المقتبس، س 5، ع 1265، دمشق، 10 آب 1913).

المسارح والملاهي
سمح حضرة والي حلب للمسارح والملاهي في هذه المدينة بمزاولة أعمالها بعد أن بقيت معطلة أكثر من شهرين.
(المقتبس، س 5، ع 1282، دمشق، 30 آب 1913).

ليلة تمثيلية
في مثل هذا اليوم من السنة الماضية (1912) تأسست في حماة جمعية خيرية نسائية برآسة إحدى الأوانس المسيحيات مبدأها جمع الدراهم وغايتها انفاق ما تجمعه على الأيتام من الفقراء. وقد جمع في مدة سنة ما يربو على الثمانين ليرة عثمانية. وبمناسبة عيدها السنوي طلبت من الجمعية الأدبية التمثيلية في حماة تمثيل رواية ففعلت ومثلت رواية (جزاء الشهامة)، وأغدقت ريعها على جمعية (نور الهدى النسائية) المذكورة. وقد قام عند انقضاء الرواية خطيباً عبد الحسيب أفندي الحموي وارتجل جملة انتقد بها على الممثلين لحنهم في اللفظ والإشارة، بيد أنه شكرهم على مساعيهم ثم تكلم تفصيلاً عن موضوع أخلاقي في الرواية. فنحن نتمنى لهذه الجمعية النسائية (نور الهدى) الثبات والنجاح، كما أننا نرجو مساعدتها لتقوم بعملها الجليل... (السائح المكتوم)
(المقتبس، س 5، ع 1287، دمشق، 9 أيلول 1913).

التمثيل في حماه:
للتمثيل الأدبي فوائد جمة للعامة وللخاصة من الناس لا ينكرها، إلا من لا يعرف من أمور الحياة والاجتماع قليلاً أو كثيراً.

عرف الغربيون ذلك، وثبت لديهم بالتجربة ما للتمثيل من تأثير في العقول والأفكار، فجعلوا له مكانة عظيمة، ولرجاله شأناً فخماً بينهم، وانبرى أدباؤهم وشعراؤهم لتأليف الروايات الأخلاقية، والاجتماعية، والتاريخية، وصدروا أقلامهم على هذا السبيل، فصارت... تلد أفكارهم من البدائع والغرائب في هذا الفن الجميل...، فيعرضونها على جوقات التمثيل، فينتقون منها ما يروقهم، ويمثلونه أمام الشعب بأزهى حالة، وأبهى طراز. ولم يزل الكتاب يتبارون في هذا المضمار والممثلون يتسابقون في الإجادة والبراعة حتى بلغ فن التمثيل شأناً عظيماً، وأصبح في بلادهم من حاجيات الاجتماع وكماليات الحضارة. وغدت الأجواق التمثيلية تشتغل برعاية ملوك أوروبا، وحماية عظمائهم حتى أمسى رجالها يعدون من طبقات الشعب العالية، وأصحاب الرأي والمكانة بين ذوي الآراء السديدة والعقول الراجحة. وكما أن المدارس تهذب الناشئة وتنمي أفكارها على الأخلاق المحمودة والصفات المرضية، وكذلك صاروا يعدون مسارح التمثيل من هذا القبيل مدارس الكبار، تمثل لهم الفضيلة بأحسن صفاتها، وتحبب إليهم عملها وتشخص أمامهم الرذيلة بأشنع أدوارها وتدعوهم إلى تجنبها والابتعاد عنها، حتى صارت منافع ذلك وما ينجم عنه من المحسنات تلمس باليد، عدا عن أنها تشاهد بالأعين.

وقد انعكس شعاع قليل من هذا النور العظيم نحو الشرق فوجده أسود قاتماً أنار بعضه ثم نقل فصيلة من شجرته اليانعة إلى أرض الكنانة فزرعت في مصر، ولم تزل تنمو وتعظم حتى أنبتت نباتاً حسناً، وكان لها فيها من المكانة والشأن ما كان لها في الغرب. وظهرت فيها أجواق متعددة بلغت من الرقي ومضاهاة الأجواق الغربية شاواً عظيماً. وأشهرها الجوقة التي هي برئاسة كل من جورج بك أبيض ملك التمثيل الذي تلقى هذا الفن عن أشهر أساتذة الغرب، والشيخ سلامة حجازي صاحب الصوت الرخيم، وزكي أفندي عكاشة(34) سلطان الموسيقى في هذا العصر. وقد مثل الجوق الفخيم في مصر برعاية أميرها أعظم الروايات العربية الممدوحة بأقلام بعض أدباء العرب، فكان موضع إعجاب جماع المصريين والأوروبيين لأنه يجمع حسن التمثيل، ورقة الأصوات وعذوبتها، ولطافة الموسيقى، وبراعة القائمين بأمرها، وتحكيم ضربها، على حسن رواياته، ورسوخ كعب مؤلفيها في عالم الأدبيات العربية، وعلو مقامهم في سماء الفصاحة والبلاغة.

وقد رأى رؤساء هذه الجوقة أن لا يحرموا إخوانهم السوريين من مشاهدة المدنية الغربية، والوقائع التاريخية، والفضيلة، والرذيلة تمثل على المسارح العربية، فأموا سورية يحملون فسائل التمدن والحضارة المزهرة ينشقون روائحها الطيبة لأبناء سورية. وصاروا في كل بلد يدخلونه من بلدانها يلاقون من سكانه كل حفاوة وتكريم، وصدرواً رحبة تقابل كل ما تراه منهم بكل إعجاب وبشاشة حتى انتشرت شهرتهم في جميع البلدان والدساكر والقرى، وطبقت الخافقين.

ورأى فريق من الحمويين أن يتحفوا حماه بهذا الطريف، فاستأذنوا الحكومة المحلية في استجلاب هذه الفرقة إلى حماه، تشتغل فيها ثلاث ليال فقط، وبعد أن رخص لهم المتصرف، ورئيس البلدية في ذلك ذهب واحد منهم إلى حلب، مركز الجوقة في هذه الأيام، وقاول مديره على مبلغ، واتفق وإياهم على المجيء إلى حماه.

وما كاد يبلغ الخبر مسمع البعض حتى قام فريق منهم متأففين من ذلك، وذهبوا إلى المتصرف والقاضي(35) ورئيس البلدية منكرين شغل جوقة التمثيل في حماه، زاعمين أن هذا ينافي الشرع، وطلبوا باسم الدين، والشرع، وسائر الحمويين استرجاع ورقة الرخصة ومنع الجوقة من التمثيل. ولو دققوا لوجدوا أن جماع الحمويين تائقون إلى ذلك، ويقابلون هذه الجوقة بكل ارتياح، وأن لا أحد في حماه راض عن عملهم هذا الذي يعد تطفلاً منهم، وما كان أحرى أولئك أن ينكروا الكبائر التي تجري في حماه كل يوم والتي سيسألهم الله عن سكوتهم عنها.

وإنني باسم الحمويين أطلب من المتصرف أن يظل مثابراً على عمله، وما الذين يتصدرون أمامه ويتكلمون بلسان الحمويين إلا فضوليون متطفلون لا يتكلم أحدهم إلا عن نفسه فقط، والمكانة التي يدعيها ويزعمها هي خيال ووهم. وما يمنع مشروعاً يعضده سبعون ألفاً، ويعارضه بضعة أنفار لا يتجاوزون عدد أنامل الكف. وليعلم القاضي انه بعد أن أسست الحكومة مدرسة لتعليم هذا الفن في عاصمة الخلافة الإسلامية(36)، لم يبق مجال لمتقول في هذا البحث، وبعد أن أنشأ للتمثيل مسارح عظيمة في مصر بمشاهدة قاضيها وعلماء الأزهر ومشايخه انقطع كل نزاع.
(المقتبس، س 5، ع 1313، دمشق، 20 تشرين الأول 1913).

التمثيل في دمشق:
يسرنا، وأيم الحق، أن نرى في دمشق جوقاً يمثل لنا الروايات الأدبية التي تعطشنا إليها منذ زمن بعيد، وقلة الأجواق العربية في البلاد العثمانية يدفعنا إلى الإقبال على هذا الجوق الذي حضر من مصر ليمثل لنا الروايات المربية التي نحن بأشد الحاجة إليها، ولكن مع كل أسف أقول أن مدير هذا الجوق لم ينظر بعين الحكمة ولم يراع الزمن والمكان. إن بقاء أجر الدخول على ما هي عليه هو غلط كبير. حيث أن المتفرجين ليسوا من طبقة واحدة في الثروة، وعادة الأجواق أن تجعل الأجر مختلف باختلاف الموقع، ولكننا نرى جوق الشيخ سلامة جعل أجرة الدخول خمسة بشالك إلى جميع المتفرجين، وهذا يعود على الجوق بالخسارة كما أنه يحرم كثيراً من الأهالي حضور الروايات التي يمثلها. فلو قسمنا المقاعد إلى ثلاثة أقسام، موقع أول وثان وثالث، وجعلوا أجرة الأول خمسة بشالك والثاني ثلاثة والثالث بشلكين لاستفادوا وأفادوا، بحيث لا يحرم الخباز واللحام وغيرهم من الأصناف من الفرج على رواياتهم الواعظة، وأملي عظيم أن مدير الجوق يعمل بكلمتي هذه، ولا يحرم أحداً من الفرج على جوقته. كما أني أرجو أن لا ينسى طلبة المدارس ولا يحرمهم من هذه الفرصة التي سنحت لهم بقدوم هذا الجوق حاضرتنا، وليبق لهم حقهم بالدخول إلى مرسحه بنصف الأجرة كما هي العادة في جميع البلدان والسلام.
(القبس، س1، ع 36-1336، دمشق، 9 تشرين الثاني 1913).

التمثيل في دمشق:
ذهبت البارحة إلى مسرح زهرة دمشق للتفرج على رواية (تلماك) الشهيرة وإلى القارئ بعض ما شاهدته في هذه الليلة.

أولاً: عدم انتظام المقاعد، وذلك ناشئ عن سببين، أحدهما تهاون صاحب المسرح بعدم وضع حواجز بين المقاعد لإراحة المتفرجين في خروجهم ودخولهم بين كل فصل وفصل، والسبب الآخر هو عدم مراعاة المتفرجين هذه القاعدة، فتراهم يزاحم بعضهم بعضاً عند الجلوس ويقدمون المقاعد حتى يسدون بها الممرات. ولا تسل عما يقاسيه المتفرج الذي سبق وأخذ مكاناً قريباً من الملعب، وإذا كان المتفرج مريضاً بأحد الأمراض البولية، فإنه لا شك ستكون تلك الليلة هي القاضية عليه لعدم تمكنه من الخروج والدخول إلى مكانه لما يلاقيه من العناء بتحمل هذا الأذى، لأنه لو أراد أن يقوم من مكانه لا يقدر أن يعود إليه حتى يقاسي أمر العذاب من الزحام والنكش واللكش، هذا فضلاً عن الكلام الذي يسمعه من المتفرجين الذين سدوا عليه طريقه، فإن سكت على الإهانة التي لا يسكت عنها أحد مهما كان منحطاً ووصمه كل من سمع إهانته بالجبانة، وإن رد عن نفسه وتكلم كلمة واحدة إلتفتت إليه جميع الأنظار من كل جهة، وهناك يا أرض انشقي وابتلعيه.

ثانياً: تأخر الجوق عن التمثيل ثلاثة أرباع الساعة، وهذا غير جائز بوجه من الوجوه، والعذر الذي اعتذر به الجوق لا يخلصه من تبعة هذا الخطأ الذي طالما وقع به من قبل. إن تمنع بعض المتفرجين عن دفع ثمن أوراق الدخول لا يؤخر الجوق عن التمثيل، حيث يوجد بواب من قبل الجوق أمام باب المسرح لا يسمح لأحد أن يدخل دون تذكرة، وهذه عادة جميع مسارح الدنيا، فكيف ترك البواب هؤلاء الأشخاص أن يدخلوا إلى المسرح قبل قطع التذاكر، فإن قلتم دخلوا غصباً عنه، قلنا لم يحدث ضجة أمام الباب، ولم تجر ممانعة من البواب الذي هو أحد أفراد الجوق، ولماذا لم يستدع البوليس لمنعهم من الدخول، وأما الضجة التي قامت بين هؤلاء ورجال الجوق والشرطة داخل المسرح فإنا نلقي تبعتها على نفس الجوق، لأن بوابه مكن هؤلاء من الدخول دون أن يكون بيدهم تذاكر، فعلى الجوق أن يعتذر عن خطأًه هذا. وأن لا يترك فيما بعد سبباً لمثل هذه الحادثة الطفيفة التي كدرت أكثر المتفرجين من تطاول خطيب الجوق في خطابه الشديد، وعلى ما فهمنا أن الذين كانوا سبباً لهذه الحادثة هم تلامذة المدارس وأنهم لم يتمنعوا عن تأدية التذاكر بتاتاً لكنهم أرادوا دفع نصف الأجرة كما هي العادة في غير هذه البلدة، وهذا حق صراح لهم لا يقدر أن يمنعهم إياه أحد. أما الرواية فإنها غاية في الإتقان، وكلمتي لحضرة مدير التمثيل أن يلاحظ ملابس الرواية وأدواتها، فقد سمحنا للممثلات أن يبقين حليهن عليهن وقت التمثيل لعدم وجود من يحفظ لهن إياها، كما أنا نسمح لتلماك أن يلبس حذائه العصري (بوط ولستيك) لأنه مضرور، ولكن ما عذر خادم العراف بحمله الحقيبة الجلدية التي يحملها السائحون في هذه الأيام، وكتابته بقلم الرصاص على ورق ثقيل لم يكن معلوماً في تلك الأيام التي تمثلونها لنا. ثم مقاعد الملوك ومفروشات الغرف كلها على آخر طراز، فما معنى هذا التمثيل إذا كنتم لا تستحضرون جميع معداته، ولماذا تأخذون هذه الأجور ثمن تذاكر الدخول.

هذا ما أحببت أن أذكره الآن ولعل به الكفاية، فلا يقوم خطيب الجوق مرة أخرى ويجرح قلوب التلامذة الذين يجدر بنا أن نعلمهم دروساً لم يدرسوها في المدارس والسلام.

(القبس، س1، ع44 1344، دمشق، 25 تشرين الثاني 1913).

في زهرة دمشق ليلة حافلة إعانة الأسطول العثماني
أي عثماني يغلي في عروقه دم عثماني يعاضد هذا المشروع الجليل المقدس، ويذهب مساء الأربعاء إلى زهرة دمشق لا لأجل الفرجة فقط بل لأجل الاشتراك بهذا الواجب اللازب. فعليه يجب على أهل الفضل والزكا والحمية من الدمشقيين أن يحثوا بعضهم على حضور هذه الليلة، ومع ذلك سيعرض أجمل وأظرف الروايات العصرية والاختراعات الفنية التي لم يسبق عرضها، ويكفي هذه الحفلة بأنها ستكون تحت اسم الأسطول العثماني المظفر فلا حاجة لزيادة القول لأن العثماني الحر تكفيه حميته العثمانية لمعاونة وطنه العزيز الذي هو بغاية الافتقار لمثل هذه المشاريع الوطنية. ختام... (القائمون بالمشروع)(37)
(القبس، س 1، ع (80 1380)، دمشق، 7 كانون الثاني 1914).

ليلة إعانة
تبرع جميع أصحاب المسارح في دمشق بأن يقوم كل واحد من أصحابها بليلة في الشهر يحبس ريعها للأسطول العثماني. وقد قام مسرح (زهرة دمشق) منذ بضعة أيام، وكانت ليلة أمس نوبة مسرح (دار الإصلاح) فحبس ريع هذه الليلة إعانة للأسطول العثماني، كما أن جوقة الطرب التي تعمل به اشتغلت بلا مقابل. وقد صادف من اسئثار حمية القوم فبسطت الأكف بالإعانات حتى بلغ مجموع ريع هذه الليلة زهاء خمسين ليرا عثمانية، منها 12 دفعها حضرة الشريف شحادة، فشكر هو وغيره من أهل الحمية على غيرتهم في سبيل هذا المشروع الحيوي... أثابهم الله.
(القبس، س 1، ع (92 1392)، دمشق، 20 كانون الثاني 1914).

فرصة كبرى في مسرح زهرة دمشق
إذا كنت مصاب بضيق الصدر ومتراكمة عليك الهموم أو يوجد عندك ملل وضجر أو مهما كان طارئ عليك من الحوادث فإنه لدى مشاهدتك تمثيل ذلك الجوق الوحيد الذي أتى مؤخراً إلى دمشق يذهب عنك الضجر والملل وينشرح صدرك لما تشاهد من الروايات التمثيلية والفكاهية والألعاب المضحكة، هذا وخصوصاً عندما ترى رجلاً يبلغ من عمره أربعين سنة وطوله (ذراع) فقط ذلك الرجل الوحيد المسمى المسيو (شيشو)، مع رفيقته المغنية (لابل فيوليت)، الحائز على عدة نياشين من أوروبا. وغناء فرنساوي وتلياني والماني ثم رقص ياباني من جميع الجهات وصيني واستانبولي من طرف المداموزيل (ليس) والمداموزيل (ريكي) (المغنية التليانية) والخواجة مورانغو المتنكر الفرنساوي الشهير المقلد جميع الهيئات النسائية. ويتخلل الفصول مناظر سينماتوغرافية جديدة وبديعة للغاية. فعليه نرجو حضرات مشرفينا الأكارم حضور هذه الليالي العديمة المثال، وخصوصاً أن هذا الجوق الوحيد لا يقيم أكثر من شهر في هذه الحاضرة. ومن يشرف يرى صدق المقال والسلام ختام.
(المقتبس، س 5، ع 1453، دمشق، 2 نيسان 1914)

رواية صلاح الدين الأيوبي
في وقت رأينا فيه ملوك العالم يطأون الشرائع الإنسانية ويرتكبون أفظع المنكرات ويخرقون حرمة العهود والمواثيق قام نخبة من إخواننا الحمصيين ليمثلوا لنا عدالة ونزاهة ملوك العرب الأقدمين ومن بينهم السلطان العادل صلاح الدين الأيوبي الذي بكل فخر نعده أعدل سلطان قام في الشرق بعد الخليفة عمر بن الخطاب.

إن الممثل على المرسح يلقي على سامعيه في وقت قصير مواعظاً وحكماً لا يستطيع أمهر الأساتذة على تلقينها في سنين طوال. لذلك ندعو المواطنين الأفاضل إلى حضور تمثيل رواية صلاح الدين الأيوبي المشهورة ليعتبروا أن باقبالهم على التمثيل، فضلاً عما يقتبسونه من المواعظ والحكم، فإنهم ينالون أجراً مبروراً لأن ريع الرواية سيخصص لمحتاجي سوريا ومنكوبيها. فاظهروا أيها السوريون شواعركم نحو أبناء وطنكم المتخلفين، وجودوا من فضلات مصاريفكم في سبيل تخفيف ويلات اخوانكم.
(الحاوي(38)، السبت 6 تشرين الثاني 1915).

رواية (عائدة)
مساء اليوم يمثل جوق التمدن الشرقي تحت رئاسة عبد العزيز أفندي الجاهلي في مسرح الهبرا في باب توما رواية (عائدة) الشهيرة. وهي من الروايات المهمة التي نالت رضا الجمهور(39).
(المقتبس، س 6، ع 1764، دمشق، 7 كانون الأول 1915).

يتبع...

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ـ شيخ الطريقة الصوفية المعروفة بالسعدية أوبالجباوية.
(2) ـ طقس في الاحتفالات الدينية للطريقة السعدية، ينبطح فيه عدد من رجال الطريقة أرضاً على وجوههم بينما يمر فوق أجسادهم الممددة شيخ الطريقة ممتطياً جواده دون أن يصيبهم بأذى، وهوما يعتبر كرامة من كرامات شيخ الطريقة.
(3) ـ طائفة من الجند.
(4) ـ سيمر لاحقاً في هذه اليوميات تطبيق مشابه لهذا الاقتراح في ثلاثينات القرن العشرين، حين صرحت الدولة بحرفة الدعارة، ونظمتها وحصرت  ممارستها فيما يعرف بـ "المحل العام"، وهو دار أو مركز لتجمع محترفات الدعارة بعد اخضاعهن للفحص الطبي.
(5) ـ خبز الشعير.
(6) ـ كانت الدولة تصب المعدن المعد لسك النقود في في قوالب من الفولاذ.
(7) ـ "الاسرائيلي" في لغة المجتمع العربي في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين هي مرادف لكلمة "اليهودي" وهي صفة دينية وليست  قومية بحال من الأحوال في هذا السياق التاريخي.
(8) ـ جريدة أصدرها مصطفى واصف في دمشق عام 1896.
(9) ـ كما هو معروف هاجر القباني إلى مصر عام 1884 إثر رفع مضبطة من قبل الشيخ سعيد الغبرة إلى السلطان العثماني ضد تجربته المسرحية، فاحتضنته مصر حيث تابع هناك تقديم عروضه في الدساكر والأرياف.
(10) ـ طبعت المسرحية في بيروت عام 1908.
(11) ـ يشير العنوان إلى "الجمعية التركية الفتاة" التي أعاددت الدستور عام 1908، ويقصد بالانقلاب الحركة التي قام بها أعضاء "جمعية الاتحاد والترقي" لخلع عبد الحميد الثاني بعد أن حاول التراجع عن الحياة الدستورية. تناول جرجي زيدان الموضوع نفسه في مسرحيته التي تحمل عنوان "الانقلاب العثماني". أما  أبي الأحرار فيخص مدحت باشا (1822 - 1884)، والذي عرف أيضاً  بـ "أبي الدستور" وفي ذلك إشارة لجهوده في صياغة دستور 1876 الذي أسقطه السلطان عبد الحميد الثاني معيداً لشخصه الحكم المطلق. أما بالنسبة لمقتل مدحت باشا فقد انتشرت الأقاويل بأن للسلطان يد فيه.
(12) ـ لاحظ استخدام مصطلح "المسرح" في صحف "المقتبس" و "القبس" لمحمد كرد علي.
(13) ـ على الأرجح المقصود بالخبر "شركة التمثيل العربي" التي أسسها سلامة حجازي (1852 1917) ومنعت من التمثيل في حماه تلك السنة.
(14) ـ سلامة حجازي (1852 1917).
(15) ـ حتى فترة متأخرة من العقود الأولى من القرن العشرين كان لعنصري الغناء والموسيقى حضور أساسي في العروض المسرحية بين الفصول المختلفة. 
(16) ـ يشير مصطلح "الارتجاع" إلى محاولات العودة إلى الحكم العثماني المطلق الذي عرف به السلطان "عبد الحميد الثاني". والارتجاعيون هم المحافظون من أنصار القديم المعارضين للحكم الدستوري. بتعبير معاصر يشير المصطلح إلى ما يعرف حالياً بـ "الرجعية" و"الرجعيين".
(17) ـ جريدة أصدرها في دمشق أحمد كرد علي عام 1909. (تم اختصار المقالة لم يناسب سياق اليوميات)
(18) ـ كلمة تركية بمعنى فعل المدح "نِعم الشيء" بالعربية.
(19) ـ في هذا المجال يحكى أنه في عام 1911 قدم طلبة "المدرسة العثمانية" الدمشقية مسرحية "زهير الأندلسي"، وافتتح العرض أستاذ التاريخ عارف الشهابي يخطاب امتدح فيه الغاية التربوية للفن المسرحي. أحد الحضور قصّ لمجلة "الحقائق" المحافظة انطباعاته حول خطاب أستاذ التاريخ، وأكد أن عارف الشهابي تهجم على "المقدس" عندما فسّر "الاعتبار" في قوله تعالى (فاعتبروا يا أولي الأبصار) بالتمثيل، وعقد الصلة الوثيقة ما بين مكارم الأخلاق النبوية ومكارم الأخلاق المسرحية. وتابع المتفرج سرده لـ "الحقائق" متناولاً الممثلين من "الطلبة الغلمان"، ووصف تقصع حركاتهم، ولبسهم لقبعة الفرنجة إلى "غير ذلك من الأفعال التي يأباها الدين والمروءة". فجر العرض في دمشق والعالم الإسلامي المجاور سجالات ليس لها أول ولا آخر، ومعارك استمدت أسلحتها من التفسير البراغماتي للنص المقدس، وأدلت بدلوها حول "بدعة المسرح"، ووجوب تحريمها.
(20) ـ يكتفى من المقالة بما يهم موضوع المسرح والملاهي.
(21) ـ يلمح هنا كاتب المقال أحمد كرد علي إلى سياسة حكومة الاتحاد والترقي في فرض اللغة التركية كلغة رسمية وحيدة في السلطنة العثماينة.
(22) ـ بينما عرفت بيروت بمدينة المدارس.
(23) ـ ليست هذه هي المرة الأولى التي تزور فيها فرقة الشيخ سلامة حجازي "الديار السورية" فقد زارتها في صيفي 1908 و1909، وفي هذه الزيارة الأخيرة أصيب الشيخ بشلل نصفي.
(24) ـ لعله متعهد عروض فرقة حجازي في دمشق.
(25) ـ افتتح الشيخ كامل القصاب (1873 1954) "المدرسة العثمانية" في دمشق وأدارها لمدة ربع قرن. دمشقي المولد، تلقى علومه الفقهية في جامع الأزهر بمصر، مربي ومصلح وناشط سياسي. اتصل بالحركة العربية الداعية للاصلاح واللامركزية وساهم في تأسيس "الجمعية العربية الفتاة". عرفت صلاته بالسياسي عارف الشهابي (1889 1916) أحد أساتذة مدرسته، وعبد الغني العريسي محرر "المفيد" في بيروت، ورشدي الشمعة ممثل دمشق في "مجلس المبعوثان"، ومواطنه رفيق العظم رئيس "حزب اللامركزية" المؤسس في مصر. توجه إلى الحجاز وانضم للثورة العربية الكبرى فحكم عليه غيابياً بالإعدام.
(26) ـ تأليف دانري وترجمة الياس فياض.
(27) ـ تم اختصار المقالة إلى ما يناسب سياق "يوميات فنية في الصحائف الشامية".
(28) ـ الدمشقي عزة باشا العابد، ثاني أمناء سر المابين الهمايوني قبل الحكومة الدستورية لعام 1908.
(29) ـ حمص، س 2، ع 6، حمص، 11 و24 كانون الأول 1910.
(30) ـ أسس جريدة حمص المطران أثناسيوس عطا الله عام 1909 وقام بإدارتها وتحريرها قسطنطين يني الذي اتصل بالأحرار العرب في "الديار السورية"، وعمل في المشروع النهضوي من خلال الصحافة. آمن بحركة القوميين العرب في الإصلاح والمطالبة بالحكم السياسي اللامركزي، صدر بحقه حكم الإعدام غيابياً، دعاه علي ناصر الدين بـ "الشهيد".
(31) ـ من مسرحيات القباني.
(32) ـ أصدرها في دمشق عبد القادر الاسكندراني، ورأى عددها الأول النور في 17 آب 1910.
(33) ـ إن مسرحية "وفود العرب على كسرى" الوارد ذكرها في الخبر هي من تأليف محمد الخالد الجلبي. ومسرحية "السموأل" كتبها أنطون الجميل (1887 1948)، وتعرف أيضاً بـ "وفاء العرب". من الملفت للانتباه شعبية هذه المسرحية الأخيرة بين الفرق التمثيلية وصفوف الجمهور، لعل السبب يكمن في أنها واحدة من المسرحيات العربية المبكرة التي مثلت تميز الشخصية العربية ولبّت فيما يبدو حاجات المشاعر العربية القومية والاعتزاز بتاريخ العرب في تلك المرحلة. أما المسرحية التي عرفت بـ "وفاء العرب" فقط فهي لصاحب الكرمل الفلسطينية نجيب نصار. من جهة أخرى، لابد من الإشارة إلى أن أحمد فارس الشدياق (1805 - 1887) كان قد تخيل مخططاً مسرحياً لقصة السموأل التاريخية في سياق شرحه لمعنى المسرح الذي ارتاده في لندن، عند انتصاف القرن التاسع عشر، لمعاصريه من العرب في كتابه "كشف المخبا عن فنون أوروبا". أما مسرحية "جزاء الشهامة" فهي من تأليف سليم جديّ (1869 1895) وهومؤلف مسرحي وقصصي من مواليد بيروت، درس في الكلية اليسوعية وله مسرحيتين غير "جزاء الشهامة"، وهما "ألم الفراق" و"مثال الفضيلة".   
(34) ـ من المحتمل أن يكون زكي عكاشة من بين أعضاء الجوق، إلا أن المقصود في سياق المقالة هو شقيقه الأكبر عبد الله عكاشة. وقد التبس الأمر على كاتب المقالة.
(35) ـ أي القاضي الشرعي.
(36) ـ قررت الحكومة افتتاح مدرسة لتعليم التمثيل في الأستانة عام 1913، بغية تخريج الكوادر الفنية اللازمة لإنشاء مسرح وطني.
(37) ـ دعت الحاجة مع دخول الدولة العثمانية إلى جانب ألمانيا في الحرب العالمية الأولى إلى بناء أسطول بحري وجوي، وقد شاركت الكثير من الجمعيات الأدبية والهيئات الاجتماعية العربية في تمويل الأسطول من خلال نشاطاتها الثقافية المتنوعة التي رصد عائدها للأسطول المذكور.
(38) ـ جريدة مهجرية صدرت في البرازيل. اختير النص لأنه يتناول نشاط "الشوام" الحماصنة في المهجر.
(39) ـ وضع سليم النقاش اوبريت "عائدة" عام 1875 اقتباساً عن أوبرا فيردي التي تحمل نفس الاسم كي تقدم في دار الأوبرا في القاهرة وذلك بتكليف من الخديوي بعد استجابته لطلب سليم النقاس بتقديم مسرحيات عربية على خشبة المسرح المذكور، إلا أن انتشار مرض الكوليرا سبب في إغلاق الطرق البحرية مما وقف حجرة عثرة أمام سفر الفرقة التي كان قد ألفها النقاش ودربها لهذه الغاية في بيروت. ورد أول خبر يخص التدريبات التي قام بها سليم النقاش على المسرحية في مجلة "الجنان" عام 1875 وذلك في مقالة لسليم البستاني حملت عنوان "الروايات العربية المصرية" جاء فيها: "صدرت الارادة السنية بان يقوم جناب سليم أفندي نقاش بترتيب روايات عربية و تنظيمها على نسق موافق للنسق الأوربي وسليم أفندي الموما اليه هو ابن شقيق المرحوم مارون نقاش الذي أدخل فن الروايات إلى الشرق وألف روايات شهرتها تغني عن وصفها، وقد اعتنى منذ صغره بهذا الفن وبالآداب فأتى ببراهين كافية اقنعت جناب درانت بك مدير الروايات المصرية بأهليته وحذقه فصدرت الارادة السنية بأن يقوم بعمل الروايات العربية...والحاصل أننا ننتظر أن نرى في مصر روايات عربية أدبية خالية مما يضر ومحتوية على ماهو موافق لمشرب الأهالي من العادات والأغاني والموسيقى. ولا ريب في أن المصريين يحبون ان يعرفوا شيئاً عن أحوال الروايات التي جعلها حر قطرهم في الصيف في مدينتنا فنقول أننا قد حضرنا قاعة التعليم منذ أيام قليلة لنرى الحال لنكتب لهم عنها، وبعد استماع أسماء الروايات الكثيرة الجاري تعليمها وتنظيمها رجونا سليم أفندي الموما إليه بأن يشخص رواية البخيل و ثلثة فصول من رواية عائدة التي ترجمها عن الايطاليانية ونظمها. فأخذ المشخصون بتشخيص رواية البخيل بدون ملابس لأن الملابس هي في قاعة التشخيص في مصر القاهرة و هي كلها من الروايات التي تشخص بالغناء وهذا من النوع المعروف عند الافرنج بالاوبرا، وكانت الآلات الموسيقية العربية ترافق أصوات المشخصين بضبط واتقان يستحقان كل المدح أما التشخيص فمتقن من جهة الحركات والأغاني وحسن الترتيب والتنظيم، وجرى تشخيص الأدوار الذكرية والانثوية والصبيانية بانتظام ودقة كذلك رواية عائدة غير أنها ليست جميعها بالغنا فان بعضها نثر وبعضها غنا. أما الموسيقى فسليم أفندي قاصد أن يجعلها مركبة من 12 آلة وهي الآن أقل من ذلك ولكنه يزيدها". (الجنان، ج 13، بيروت، 1 تموز 1875).