"الحداثة وفكر الاختلاف للباحث الجزائري عبدالقادر بودومة: بين الكتابة النسقية والكتابة النسقية المضادة

الخير شوار

كاتب من الجزائر

كانت الغاية الأساسية من هذا الكتاب هي مواجهة الكتابة النسقية، تلك الكتابة التي يقول صاحب الكتابة بشأنها أن هدفها الرئيس هو الحزب أو العقيدة أو الدولة، حتى ولو استعملت وسائل أكثر عنفا، ومن هنا أعلن بداية تحيزه ضدها، بل معاداتها ومحاربتها، بكتابة مختلفة، ومن هذا الهدف يمكن لنا قراءة هذا الكتاب الموسوم الحداثة وفكر الاختلاف.

هذا الكتاب هو للباحث عبد القادر بودومة الذي عرف بكتابة مقالات نشرت في الجزائر وبعض المنابر الحداثية خارج البلاد، ويحاول من خلالها استعمال لغة جديدة مستفيدا من الحركة الفكرية الجديدة إن في العالم العربي أو الفكر الجديد في العالم ككل، وهو المعروف بترجمته لبعض الفلاسفة والمفكرين المعاصرين، والظاهر من الكتاب أن تلك الفصول هي عبارة عن مقالات كتبت لأغراض مختلفة، فالمواضيع تبدو متباينة من الوهلة الأولى فمن الفكر النقدي ونقد مشروع الحداثة عند محمد أركون، دولوز وحيوية الشيزو ـ رغبة إلى هندسة أهل الذكر والفكر، مرورا بمواضيع أخرى تبدو متشعبة، لكن ما يربطها هو ما يسميه المؤلف اليد الثالثة، واليد الثالثة بفهوم المؤلف هي التي من شأنها ملامسة أفق المغايرة والاختلاف، ومواجهة الكتابة النسقية، الوعضية اليقينية المؤدلجة، لصالح كتابة أخرى إشكالية ومساءلة وتبدأ من الشك لا من اليقين.

ويبدو من خلال قراءة البلاد أن اليد الثالثة، رآها في محمد أركون ومشروعه النقدي الكبير الذي يبدو في أسئلة الدين الإسلامي المؤسسة، وفي فريديريك نيتشه فيلسوف ما بعد الموت الذي بشر بميلاد السيبار مان، وفي دولوز وميلاد الرغبة، وفي علي حرب ومغامراته التي تجاوزت النقد إلى نقد النقد نفسه، وفي الكتابة المتدفقة، وفي آليات القراءة بين نصر حامد أبو زيد ومحمد أركون، وفي نقد الحداثة نفسها، وفي ثنائية المدينة والعولمة.

لقد رأى الكاتب مثلا في سؤال التراث الذي ظل يطرحه محمد أركون غير ذي جدوى إذا ما لم يرتبط بسؤال القراءة بأدوات جديدة من أجل اختراق وتجاوز وإزاحة المنسي والمتنكر واللامفكر فيه، ورأى مثلا أن الفكر النيتشوي سيأتي مع طائر الرعد، و سيبقى رهن اللاراهن، رهن المستقبل الآني.

لقد جاءت تلك الكتابات ـ القراءات من وحي المأساة التي طالت كل شيء، ولأن اليدين الكلاسيكيتين لم تعد تجديان نفعا جاءت تلك اليد الثالثة، لتعيد طرح الأسئلة من جديد، من أجل تجاوز تلك المأساة، ولم يجد المؤلف من وسيلة إلا استعارة تجارب من خلال قراءات محددة رأى فيها نماذج للاختلاف والمغايرة، فقدقرأ تلك المأساة وذلك المأزق بعيون الفلاسفة والمفكرين الذين تناول كل منه في فصل، ومن هنا يمكن لنا أن نقول بأنه قرأ المسائل بعيونهم وبأدواتهم المعروفة في أفكارهم التي امتلأت بها كتبهم.

لقد كان المؤلف واضحا منذ البداية في هدفه من الكتاب وهو مواجهة الكتابة التي تجعل من الحزب أو العقيدة أو القبيلة هدفها الوحيد، ومعنى هذا أنه أعلن عداؤه للثقافة النمطية التلقينية التي تنقل أكثر مما تعقل، وكنا نبحث بين ثنايا الكتاب عن الأدوات التي سيستخدمها من أجل نسف تلك الثقافة النسقية، بأدوات مختلفة، ومتجاوزة، لكن الكتاب ينتهي، والمؤلف غارق في التبشير بطريقة أخرى وكأني به عمل من حيث لا يحتسب على تكريس كتابة نسقية أخرى تختلف عن الاولى في الشكل لكن المضمون يبقى نسقيا في النهاية، فهو يقول في ثنايا الكتاب: ومن يلامس هذا النور الرباني المشرق يتحقق له الوجود ذلك هو مسعى ابن عربي والحلاج والشيرازي ونيتشه وهايدغر وفوكوو دوسوسير، وما نخشاه في النهاية أن الأدوات التي تستعمل في محاربة القوالب الجاهزة مع مرور الزمن تتحول إلى قالب جاهز في حد ذاته، لنكتشف في الأخير أننا نعيش المأساة السيزيفية، وهذا ليس سياق الحديث عن تلك المأساة.


khierchouar@gmail.com