تكتب قصيدة الشاعر التونسي تخثر الثورة وتبخر أحلامها بأسلوب يمزج التحليل بالتهكم، والإفضاء بالرغبة في الترميز، والصورة بالرؤية المستقبلية فيستحيل الحلم إلى كابوس، وتتخلق آليات رؤية قاتمة تدعو للتأمل والتفكير.

مَنامَةُ كَاسْترُو

نزار شقرون

(1)
الثَّوريُّونَ القُدامَى
علَّقُوا شَاربَهُم البُلشُفِي
عَلَى فَوْهَةِ النَّرْجِيلَة
تَطايَرَ شَعْرَةً شعرَة
مَعَ دُخَانِهَا
نَزَلتْ الأَحْلامُ
فِي مصبِّ الزُّبالَهْ
قُربَ المَصْنَعِ الكِيميَائِيِّ
ظلَّتْ رَائحَةُ العُفونَةِ
أَعْلَى مِنْ رَائِحةِ
السِّيجارْ الكُوبِي

(2)
الثَّورِيُونَ القُدامَى
فِي السُّكرْ
يَشْتُمُونَ القَصرْ
وَفِي الصَّحو
زَواجُ مُتعةٍ بِلاَ أَجَلٍ وَ لاَ أَجْر
فِي مَنامِهِ
رَآهُمْ
كَاسْترُو
يَزْحَفُونَ ضِدَّ أَصَابِعِهِ
لِتِسْعِ سَاعَاتٍ
أضْنَاهُ التَّفْسِيرْ
أَيْقَظَ ابْن سِيرينْ مِنْ خَلْوَتِهِ مَعَ المَلَكَيْنْ
مَا سِرُّ الثَّورِيّينَ
نَفَثَ دَوَائرَ وَدَوَائِرْ
رَسَمُوا الثَّوْرَةَ غُرَفًا لِلإِيجَارْ
كَتَبُوا بِلِسَانِهِمْ
عُقُودًا غَيْرَ مُسَجَّلَهْ
خَرَائِطُهُمْ عَلَى الرَّمْلِ المُتَحَرِّكْ
وَالعَنَاوِينْ
تَتَنَاوَبُ عَلَى البَرِيدِ الإِلكْترُونِي
تُغَازِلُهُ بِطُهْريَّةِ آبَاءِ الكَنِيسَهْ

(3)
المَدِينَةُ
كَالبَلْدَةِ
كَالأُمَّهْ
يُقَشِّرُونَ زَهْرهْ
بِإِصْبِعٍ وَاحِدٍ مِنْ شَارَةِ النَّصْر
يَسْتَحمِقُونَ النَّاسَ فِي الشَّوَارِعْ
سَمِعَ هُتَافَاتِهِمْ
مَازَالَتْ تَنْخُرُ مَخْدَعَهُ
مَنْ يَأْتِي بِهِمْ
وَسَطَ دُخَانِ الغُرفَهْ
التِي يَمْلكُهَا كَاسْترُو مِنْ جَيْبِهِ الخَاصّْ
لَمْ يُجِبْ ابْنُ سِيرِينْ
يَحْتَاجُ إِلَى مَزِيدٍ مِنَ الكَلاَمْ
لَكِنَّهُمْ عَرْبَدُوا فِي الكَلِمَاتْ
لَكَمْ مَاتَ ثَوْرِيٌّ
قَبْلَ أَنْ يَخِيطَ كَلِمَةً وَاحِدَهْ
وَالثَّوْرِيُّونَ القُدَامَى
يَتَأَبَّطُونَ الحُروفْ
وَيَنْحُرُونَهَا خَارِجَ الأَعْيَادِ الدِّينِيَّهْ

(4)
يَغِيبُ الثَّوْرِيُّونَ
يَوْمَ العِيدِ الكَبِيرْ
مِثْلَمَا تَسْتقِيلُ القِطَطْ
مِنَ السَّاحَةِ العَامَّهْ
الكِلاَبُ
تُنَاصِرُ أَعْدَاءَهَا الطَّبِيعِيّينْ
الحَيَوَانَاتُ تُعْطِي دَرْسًا فِي المُنَاوَرَهْ
الثَّوْرِيُّون
يَنْهَبونَ جِلدَ الحُروفْ
ويُشيعُونَ بِأنَّهمْ ذَبَحُوا
مَا يَجبُ أنْ يُذْبحْ
اسْتعْصَى الأَمرُ عَلَى ابْنِ سِيرينْ
هذَا هَولٌ
يَأتِي
قبْلَ النَّفخِ
مَنْ يُطمْئِنُ كَاسْترُو
بِأنَّهُ قَريبًا يُقبِّلُ وجْنةَ غِيفارا
الثَّوريُّونَ القُدامَى
نَفَخُوا فِي بَطنِ القَارُورَة
أصْواتَهمْ
تَرتَعدُ الأَجنَّة
فِي أرْحَامِ الثَّوْرِيَّات
والدُّخَان
قتَل الغُرفَة
تَبخَّر ابْن سِيرينْ
مِنْ ثُقبِ البَابْ
أغْمضَ كَاسْتُرو يَقْظتَه
خَشِي مِنْ تَأجِيرِ الغُرفَه.

شاعر وباحث من تونس