يطرح الناقد العراقي هنا توصيفا لتيار في الرواية العراقية المعاصرة يعمد لاستخدام «السرديات المصطنعة» التي تتخلق بها ذاكرة متخيلة لحكايته، تزعزع زمن النّص، وتعمد إلى تصنيع الخرافة، واستنطاق درجة كتابية لما وراء اللغة، وتحتفي بما وراء ذاكرة الحكاية لترهف قدرتها على التعامل مع تعقيدات الواقع وتحولاته.

السّردياتُ المُصْطَنَعَة

نحو ذاكرة متحولة في الرّوايةِ العراقيّةِ المُعَاصِرة

خالد علي ياس

المُقدمة
لم يَعدْ خفيّا على النّاقد أو الباحث الجاد الذي يتتبع قضايا الرّواية العراقيّة وتحولاتها البنائية والرؤيوية، منذُ نشأتها الفنيّة حتى وصولها إلى مرحلة مميزة من النضوج المعرفي والجمالي؛ أقول: لم يعدْ خفيّا عليه إنّها مُنذُ مطلع التسعينيات من القرن العشرين بدأتْ تستقر على نمط من الاتجاه الإنتاجي المدعوم بدرجة كتابية واعية. تترصد أهم التحولات في الذّاكرة السّردية المواكبة لإرهاصات الحداثة وما بعدها، من منطلق أنَّ ما بعد الحداثة غدتْ روحا طاغية على العصر، وحالة ثقافية تطال المفاصل جميعا، المعرفيّة والجمالية على حدٍ سواء، بوصف الرّواية إحدى النتاجات المعرفيّة للجمال الأدبي، المعبرة عن سرديات العصر الحديث. مما تمظهر على شكل تجاوب سريع مع مقصديات إنتاجية مدركة لأهمية خرق السّائد واليقيني بابتكار أنماط مغايرة، تتناسب ومركزية الاندفاع بقوة نحو المفاهيم التجديدية التي رسختْها المعاصرةُ في ثقافة المجتمعات ما بعد الصناعية، المجتمعات التي كان لها دورٌ واسع في ترسيخ هذه المقصديات في ذاكرة نصوصنا الرّوائية المعاصرة للتحولات المعرفيّة الكبرى في الإبداع.

وإذا كان السّردُ الحديث ذاكرةً تتموضع مع الكتابة الرّوائية في إعادة صوغ الواقع، فإنّ السّردَ المعاصرَ لما بعد الحداثة يصطنع ذاكرته لصوغ (ما فوق الواقع)، من هنا يمكننا البوح بأنّ هذه المقاربة معنية بتقصي وتحليل نماذج لنصوص روائية عراقيّة معاصرة أخذتْ على عاتقها أهمية الإبداع والنّزوع نحو نمط سردي خاص بإنتاج المعرفة، فضلا عن التخييل ولذة القراءة، محاولة منها بالتعبيرعن المعاصرة ومواكبة الانتقالات العميقة في التفكير الحضاري. لذا فإنّ تدقيق النظر في مقولات السّرديات المصطنعة وذاكرة إنتاجها المفترضة، يعني العناية ببداية كتابية جديدة نظرتْ إلى متغيرات العصر بوعي مضاعف، محاولةً الخروج عن المألوف بتنصيص جديد يعيد إنتاج ذاكرة الذات والمجتمع والواقع، والتأريخ والخيال والخرافة. ويحطم التقانات ويعيد بناءها متأثرا بالبنى الوهمية واليوتوبية، الأمر الذي يمكن تحديده إجرائيا عن طريق مقاربة سمات هذه المتغيرات في ذاكرة الرّواية العراقيّة من خلال رصد (الزمن المستعاد واصطناع تأريخ المقموعين، وصناعة الخرافة المعاصرة للكولنيالية، والبحث في ذاكرة الأطراس في ما وراء الحكاية) في أعمال روائية معاصرة مثل: (آخر الملائكة-1992) لفاضل العزاوي، و(كراسة كانون-2001) لمحمد خضير، و(السواد الأخضر الصافي-200) لعباس عبد جاسم، و(موت الأب-2002) لأحمد خلف، و(متاهة أخيرهم-2013) لمحمد الأحمد، و(فرنكشتاين في بغداد-2014)لأحمد السعداوي، و(أجنحة البركوار-2014) لعباس عبد جاسم.

المدخل: نحوَ ذاكرة مُصْطَنَعة:
تحتل الذّاكرةُ مركزا مهما في ميكانزمات الوعي السّردي للكاتب كونها المنجم الذي تُصنَع منه الحكايات الجديدة، بحثا عن عوالم مغايرة تنمُّ عن خزين متصاعد من اللحظات المفترضة في استعادة الصلات بين ما كان وما يمكن أنْ يكون، حيث الرّاوي/ السّارد يتفانى في مخادعة الزمن؛ لغرض إعادة صوغه ماضيا وحاضرا ومستقبلا؛ أي صوغ ذاكرة الكتابة جماليا ليستحيل السّرد معها إلى زمن مستعاد تتجلى منه فرضيات الحكاية. لذا تستغل الذاكرة المصطنعة بطريقة منهجية موارد الكتابة كونها لا تعتد باستحضار الوقائع فقط، بل تشدد على الانتقال من وعي الواقع إلى وعي ما فوق الواقع، بعد أنْ أنتجتْ أشكال الرأسمالية لما بعد الحداثة بنًى مُغايرة من ثقافة فقدان الذّاكرة(1)، فأصبحتْ ـــ الذّاكرة ـــ (مُصْطَنعة) أكثر مما هي (مُمَثلة)؛ لأنّها تنتج مكوناتها السّردية اعتمادا على العلاقة الدينامية بين هذين المستويين، لتصور الحدث ــ واقعيا/ فوق واقعي ــ بعيدا عن جذوره القريبة من الذهنية الرتيبة، لتغدو ما بعد حداثية، كونها تشكك بالأنساق الفكرية الكبرى التي تغذتْ عليها الرّواية طويلا، وبهذا يتأكد أنّ النّزوع النّقدي للخطاب الرّوائي المعاصر يحتم استقصاء العلاقة بين مقولات مأسسة هذا الخطاب معرفيا، وهي تتبنين على شكل (إدراك جماعي/ وعي ذاتي) مكوّن لـ(ذاكرة مُنتجة) تعمل على إنشاء (حدث مُسْتَرجَع) مغاير للحدث الممثل، بوصفه نسخة جديدة مغايرة للواقع الحقيقي بواقع مفترض. يعتمد في بنائه على تركيبة معرفيّة من الكتابة الرّوائية التي تعتمد مستويات اصطناع الأحداث، ممثلة بالحدث بوصفه (وعيا) ثم بوصفه (متخيلا) ثم بوصفه (ذكرى)، وهي جميعا مرتبطة بثلاثة أنماط من الذاكرة، (ذاكرة ذاتية) ذات طابع سايكولوجي، و(ذاكرة جماعية) ذات طابع سوسيولوجي، و(ذاكرة أدبية) ذات طابع ثقافي، تعمل معا على تكوين كتابي مغاير للمألوف من يقينيات ومفاهيم ومعارف، يتمثل بنمط (ذاكرة مؤلفة) حيث الانتقال من ذكرى إلى أخرى عن طريق التداعي.

وإذا كان الجزءُ الأعظم من أعمالنا الرّوائية قد انساق معرفيا ومفاهيميا ضمن ما يمكن توصيفه بحسب طروحات فلسفة ما بعد الحداثة بــ(السّرديات الكبرى) حيث الانغلاق على رصد أيديولوجيات اجتماعية مثل التقدم والتنوير والثورة والتحرر والعدالة وغيرها، في الوقت الذي كان فيه الجزءُ الآخر مبهورا بيوتوبيا الذات والانهمام بها والسّعي الحثيث لإثبات زمن (السّرديات الصغرى) حيث التمتع بفردية السّلعة، وتأمين جودة عالية للحياة، والانعزال بمنأى عن الجماعات بحثا عن خصوصية نرجسية في الأداء الحياتي، فإنّنا يمكن أنْ نشخص جزءاً نزراً من هذه الأعمال يندرج تحت ما سبق أنّ أسميته بــ(السّرديات المُصَطنَعة)(2). وهي السّرديات التي خضعتْ لمدار تنسيق المكونات المصطنعة عن النّسخة الأصل، ونقلها إلى النّسخة المنتجة التي حاولتْ القفز مفارقة الكثير مما سبقها من نتاج، مع أنّها انطلقتْ منه؛ مؤسسة بذلك ذاكرتها الخاصة في بناء مقولاتها وتفوهاتها لتغادر الواقعية المباشرة والحدث التأريخي وأدلجة البطل المطلق بصوره الثقافية كلها، ولتبني على وفق ذلك تقاناتها الخاصة مع وعيها بمفاهيم راسخة في أرض الرّواية الغربية، والموروث العربي القديم، والواقع المعاصر والتحولات الفكرية الكبرى، والتغيرات السياسية، ورمزية الحدث ودلالته التي حولتْ الفرد (برجوازي الرّواية) إلى مجرد خرافة تتشكك أزاءها الميتاحكايات.

فصار ضروريا العودة إلى ما رسختْه الكولينيالية وما أثمرتْ عنه من نتائج لما بعد الكولينيالية، وغدا النّصُ مفتونا بسرد حكايته للوصول إلى ما وراء الذاكرة الإنسانية، ولم يكتفِ بذلك فقط، بل راح يبحث عن واقع جديد مغاير كسرا للقناعات ويقينيات التلقي، فسعى بذلك لصناعة واقعه الافتراضي محققا نمطا من التبادل المستحيل مع السّرديات الكلاسيكية جميعا، حيث العودة إلى الذّاكرة الثقافية للرواية محاولا تصنيعها من جديد مذيبا في ضمن ذلك أنماطا راسخة من الحكاية الشعبية والخرافة والسّيرة وهويّة الأفراد وعنف الحرب وتأريخ الفئات المقموعة، لإنتاج (مسوّدة) من أطراس مغايرة/ مضادة تقود الوعي المبدع نحو آليات جديدة، وتُأسس لدرجة كتابية مغايرة تتناسب مع الحساسية الجديدة لسرديات ما بعد الحداثة، الحساسية التي تسعى تحت هيمنة العالمية إلى ترسيخ مشروع ثقافة الــ (ما بعد) المُنتجة بتأثير ما بعد صناعية المجتمعات والثقافة المؤثرة التي تثير الشك أمام اليقينيات والثوابت جميعا.

بمعنى أنّ الرّواية المعاصرة استطاعت بسبب هذه التحولات الكبرى ـــ بنائيا ورؤيا ومعرفياـــ الوصول إلى مرحلة ما بعد الحداثة (postmodernity) بوصفها مرحلة تأريخية معبرة عن سمات فكرية خاصة، والتحول جماليا نحو مرحلة ما بعد الحداثية (postmodernism) بوصفها نمطا معرفيا جديدا يتقصد رفض السّائد والمقنن والرتيب، والعمل على اصطناع عالم خيالي مغاير في قوانينه التي انتقلت من الواقع إلى (ما- فوق) الواقع؛ بسبب أفول العلاقة بين الدال والمدلول. لأنّ نمط الحياة المعاصر والأجهزة التكنولوجية والإعلام وعوالم السينما وغيرها عملتْ جميعا على مشروعية (اختفاء الواقع) وتكسير قوانينه المباشرة، مما حفز الكثير من الفنون ومنها الرّواية على الانتقال إلى فعالية جديدة تغدو السّوسيولوجية إثرها مجرد صورة مقدمة وليستْ السّوسيولوجية كما هي بقوانينها المعهودة، صورة أخرى متولدة عن صور مغايرة مذابة في (ذاكرة المؤلف). تقترب تارة من الواقع المعيش وتبتعد تارات كثيرة، حتى يتداعى في ضوء ذلك الاعتيادي والسّائد حد الانمحاء النهائي لغرض إعادة صوغ الواقع غرضا بمحيه.

بيد أنّ الإشارة السّابقة إلى (الذاكرة الأدبية) توجب تحديد تأريخ علاقة الرّواية بهذه الثيمة؛ لما لذلك من تأثير في تشكيل ذاكرة النّص الرّوائي في ثقافتنا، ولعل رائعة مارسيل بروست (البحث عن الزمن الضائع) هي المثال الأرسخ في تأريخ الذاكرة الثقافية الغربيّة لتصنيعها نمطا من السّرد، يعيد إنتاج الماضي بالانتقال من الذكرى الإرادية إلى الذكرى اللاإرادية القادرة على استعادة الذاكرتين، الذاتية والجمعية للمبدع، وصهرهما في منفى الخيال الجامح، وصولا لنمط من الأحداث المفترضة التي تبنى عليها الحكاية. وهي صوغ إبداعي تكرر عند آخرين مثل ماركيز في (ذاكرة عاهراتي الحزينات) التي اعتمدتْ الذاكرة الذّاتية للإيروس.

أما الرّواية العربيّة فقد شكلتْ ذاكرتها الثقافية نتيجةً للتحولات الكبرى التي أعقبت الاحتكاك بثقافة الآخر فضلا عن تفاعلها الحيوي مع الموروث العربي الحكائي بوصفه ذاكرة ثقافية للنص الرّوائي الحديث، وقد تبنتْ تشكيل الذاكرة انطلاقا من هاتين الثقافتين معا كما في نصوص مثل: (رحلة ابن فطومة) لنجيب محفوظ، وقد اعتمدت رؤية سحرية لذاكرة المجتمع العربي، و(موسم الهجرة الى الشمال) للطيب صالح في اعتمادها أسلوب طمس الذّاكرة عن طريق التذكر والنسيان، و(عائد الى حيفا) لغسان كنفاني التي شكلتْ بعدا أيديولوجيا للذاكرة، فضلا عن روايات أخرى اعتمدت المدينة والتراث وثقافة الجريمة في إنشاء ذاكرتها مثل: (شارع الأميرات) لجبرا إبراهيم جبرا، و(سيرة مدينة) لعبد الرحمن منيف، و(هشام أو الدوران في المكان) لخيري الذهبي، و(ضائعة في دهاليز الذاكرة) لآية ياسر، ومع أنّ الرّواية العراقيّة لم تتبنَ ذلك بطريقة مطلقة تتحدد بها رؤيتها للعالم، إلاّ أنّها لم تغادرْها مطلقا بوصفها أسلوبا يُتكأ عليه في تمويه الماضي بالحاضر، انطلاقا من عنصرين أساسيين هما (الزمن) و(الذات): كونهما عنصرين حاسمين في الذّاكرة(3).

ويبدو أنّ رواية الحداثة وما بعدها لدينا بدأتْ تتعامل مع الأمر بشكل مغاير يغادر منطقة استرجاع الذكرى المباشرة إلى منطقة تصنيعها من جديد على وفق تحولات الرؤية المعرفيّة للنص المعاصر، أي نقل الاستفهام الوجودي: (ماذا حدث؟) إلى استفهام معرفي يتعلق بصعوبات معرفة: (ما كان قد حدث؟) و(ما يمكن أن يحدث؟) بمعنى أنّنا تحت تأثير المعاصرة نتعامل مع نصوص مخادعة تغادرها رجاحة العقل التنويري، كونها تجد الواقع مشروطا بالزّيف والافتراء، فهي تنتج عالما مفترضا يصطنع الحقيقة ولا يعمل على نقلها، فكيف يمكن أنْ يصطنعَ الروائي ذاكرةً لحكايته؟

الزّمنُ المُستعادُ: تأريخانيّة النّص ومجاز المقموعين:
لقد وجد الفيلسوف الجمالي (هيغل) أنّ الأشكال المثالية للإبداع متعلقة بعصر الأسطورة، لذا فإنّ سواها متعلق بحاضره عن طريق الاصطناع، وهو أمر لا يتم ما لم تتحقق المتغيرات؛ بسبب العودة إلى الماضي من خلال الانتماء إلى الذكرى التي تغلف تلقائيا الطباع والأحداث والأفعال برؤية كلية، طامسة بذلك ظاهرة الجزئيات الخارجية والعرضية (ذكريات تأريخية)، فالتأريخ والنّص ليسا كيانين منفصلين بل كيان واحد ــ كما تؤكد التأريخانية الجديدة ــ لذلك يتوجب قراءة النّص من منظور ظرفيه التأريخي والثقافي، لتحديد الزمن النّصي وصولا إلى نصيّة التّأريخ في غياب الشّاهد المادي على العصر(4)، لذا فمادية الرّواية تتعلق بطبيعة صوغ واقعها، الواقع المأزوم الذي جعل منها نصا هجينا يتلمس حداثته شكليا؛ لأنّ منظومته الاجتماعية تعيش نكوصا معرفيا جعلته يقتات على المؤجل، ويلتمس حريته في فضاءٍ مكبلٍ بسلطة تأريخية، لا تقبل الذّاكرة كما هي بل تدعو ضمنيا لاصطناعها بعيدا عن الحقائق المجردة.

وبهذا يتحفز الوعي المبدع لكي يخترع حكايته المغايرة ليقينيات هذه السّلطة مولدا الفارق، من هنا تستعيد رواية (آخر الملائكة) زمنا من تأريخ العراق الحديث محاولة إعادة تصنيعه بما يتناسب مع سحر الأسطورة التي ينتجها المجتمع المقيد بشتى أنواع الرفض والعدمية، إذ ينطلق السّارد العليم بسرد موضوعي وتبئير خارجي من مكان محدد هو محلة جقور في مدينة كركوك، مُرصعا هذا السّرد بأحداث وشخصيات شديدة المحلية تمثل القوميات المختلفة هناك تأريخيا، إلاّ أنّ حياة هذه الشخصيات بما تنجزه من أفعال ليستْ نتاج ذاكرة حقيقية بتفاصيلها جميعا؛ لأنّه يشدد على كسر هذه الحقائق بما هو سحري شعبي مصطنع في ذاكرة تأليفية أُذيب فيها الذاتي مع الجمعي، حينما يجتمع الساخر مع المدهش والنقدي مع الدرامي من خلال استعادة مرحلة تأريخية ممثلة بالملكية.

ومع هذا الانتقال الذي لم يعدْ الواقعُ مجاله تلتقي مجموعة مغمورة من الناس الاعتياديين بالملك لغرض حل مشكلة مقبرة المحلة التي أرادت السّلطة شق طريق عبرها: «ما كاد الناس في محلة جقور يسمعون بنية البلدية في شق طريق عبر المقبرة القريبة، الواقعة في المصلى، حتى اتصلوا بخضر موسى طالبين إليه التدخل لوقف هذا الانتهاك الفظ، والتوسط لدى المتصرف أو حتى الملك» (ص121)، فمن هذا الحدث البسيط ينفتح النّص على تأريخانيته، باستعادة ذاكرة وتصنيع أخرى، بالعودة إلى الأحياء الشعبية بروح ملحمية ساخرة قريبة من منيبية باختين، حيث جنون الانقلابات السّياسية إلى جنب الخرافة المُصطنعة شرقيا من الدّيني والسّياسي والاجتماعي، فالملك بجنب الصّعلوك، والأجساد المقدسة بجنب المدنسة، والغائب المنتظَر بجنب الحاضر المحتضِر.

فالنّص يركز على الأوهام والخيال في رسم الاتصال بالأشياء لاختلاق بنية اجتماعية مغايرة في علاقتها مع الواقع، مما يولد ذاكرة سردية مصطنعة تقتات على النّظم المرجعية جميعها مولدة بذلك نظاما سيميائيا المقصود منه استبدال السّائد بعلامات إجرائية معبرة عنه، بمعنى أنّ الأحداث في الحاضر تتواصل معرفيا مع آلية استعادة بعضها من الماضي، كون الزمنان وسيطين بين الوعي والاستشعار، فالذّاكرة لا تنتج موضوعاتها وتنظمها على وفق نسق من العلاقات المعروفة بل على وفق دمج تجارب مختلفة للوصول إلى تجربة مجازية في الحاضر السّردي، وحقيقة الأمر أنّه جزء مركزي من ميكانزمات تشكل الذّاكرة الإبداعية؛ كونها لا تسترجع الماضي في الحاضر بنمط سايكولوجي، وإنّما تستعيده بالإضافة والحذف في سياق اللحظة الراهنة للزمن المستعاد.

فالعالم الجديد ــ النّص ــ ليس مصنوعا من حقائق بل من خيارات وسيناريوهات عالم اُختلِق بواسطة اللغة، ويجري إبقاؤه متماسكا من خلال مجازيات ومعانٍ؛ لأنّ ما بعد الحداثة لا تؤمن بصنع التأريخ واستعادة مجرياته إلاّ من خلال اختلاق حكايات مغايرة يمكن الذوبان فيها بعيدا عن ضجة الواقعي والحقيقي(5)، ولعل ذلك ما تحقق في النهاية السّحرية التي خُتمتْ بها تحولات التأريخ في هذه الرّواية، عندما عاد الغائب المنتظر خطأً ــ برهان عبد الله ــ تحت أنظار المغيبة أصواتهم وبحضور رمزي لجيش يأجوج ومأجوج، عندما تتحول يداه إلى جناحين هائلين ليرتفع ويغيب عاليا في السّماء، لتكون دلالة الذّاكرة المصطنعة محددة في ذلك الخواء المعرفي الذي يكوّن مآسي الإنسان العربي، ودرجة انفصامه العقلي والرّوحي في سردياتنا التأريخية الحديثة.

ولعل هذا الانفصام كان حاضرا أيضا في مجاز نصوص روائية أخرى مثل: (كراسة كانون) و(السواد الأخضر الصافي)، من خلال محاولة البحث في (ما حدث) ومحاولة تصنيع أحداثه نحو (ما يمكن أنْ يحدث)، فإذا كانتْ الذّاكرة التّقليدية تستعيد الماضي صورا ومعانيَ، فإنّ ذاكرة نصوص ما بعد الحداثة تفترض صورا تغاير بها هذا الماضي بحثا عن إمكانية الحدوث في خيالات فوق واقعية، لكي لا تجرد هذه الصور من محسوسها للمعنى الكامن في الحاضر والمتطلع إلى المستقبل، مع عدم إنكار أنّ نسخ الذكريات عن التأريخ الأصلي لا يقدم التفاصيل كما هي، وهنا تكمن المغايرة، فــ(كراسة كانون) لا تستدعي الماضي بوصفه حربا بل تعتمد على أنْ تروي نصا مفترضا مركزيته أحلام فنيّة لـ(غويا وبيكاسو) لتكون بذلك حرب الخليج غير واقعة فعلا ــ كما أكد بودريار ــ لأنها مفترضة خالية من المواجهة الحقيقية مجرد «مكعب بانورامي لمدينة عراقية» (ص9).

فاختفاء الواقع يُولّد في الرّواية نتيجةً لحتمية غياب العلاقة بين الدال (النّص/ الذّاكرة) والمدلول (الصورة/ الحرب) جراء مضاعفة فعالية الأحداث بما فيها من واقع تأريخي وسوسيولوجي، وتصييرها إلى لوحة تكعيبية تختلط فيها أدوات الحرب وأشياؤها بين التأريخين النازي والرأسمالي، فليس الواقع كما هو ما قدمتْه الرّواية ولا هو صورة عنه، بل هو صورة صنعها السّرد عن صور أخرى هي بدورها مُصَنعة من ذكريات مؤلفة من الجماعي والذاتي والثقافي معا، «تنهض رسوم الكراسة عندما تدلهم الليالي ... كنتُ على الأرجح أتحرك على سطح مدينة أُنتسختْ صورتها من ذاكرة المدن السومرية، مركبة من خيال بيكاسو المكعب أو حلم غويا العقلي المتعدد السطوح». (ص9)

فاصطناع الذّاكرة، هنا، صوغ مموه عن ذات ذائبة معرفيا وثقافيا في وعي جمعي أنتجه الوهم وفنتازيا الواقع المرير، صوغ مقدم على هيأة (سرد نرجسي) يحاكي أسلوب القص التّأريخي الشّارح (historiographic metafiction)، سرد جربه إمبرتو إيكو في (اسم الوردة)، ثم عمد محمد خضير في هذه الرّواية على إدراجه بصورة ومعنى مغايرين ومنفتحين على تداخلات نصيّة ما بعد حداثية، لا تتبرأ من الماضي لكنّها تعمد إلى إعادة صوغه وافتراضه من جديد، من منطلق أنَّ هذا النمطَ من القص يبدي عناية فائقة بالأسس الفوتوغرافية المدمجة مع الحقائق لإنتاج نوع كتابي مفارق للواقع المباشر.(6)

فالرّاوي يحتل مركز العملية السّردية بوصفه ذاتا يتحقق تبئيرُ النّص من خلالها، ليغدو صوتا يسرد نصا متداخلا أكثر مما يسرد أحداثا متلازمة بحثا عن حبكة ما، وقد توضح ذلك من البناء الفني للرواية، فقد تخلتْ عن إطارها السّردي بشكل منفتح متعدد المراكز المعرفيّة، يسردها من الداخل راوٍ/ علوان يصعب مفارقته عن ذات المؤلف؛ لذلك تأخرتْ معرفته إلى نهاية رواية النّص (فصل ذات الأثافي)، إذ نتعرف عليه وعلى شخصية (ز) الشّابة، وهما في طقس كرنفالي لإعداد وليمة يتوهم متلقيها بين واقعها وكونها مشهدا مستلهما من إحدى الجداريات، وهذا ما يحيل واقع/ تأريخ/ ماضي النّص الرّوائي إلى ذاكرة مصورة متخيلة وهميا من حياة مقموعة بفعل الحروب والحاجة الاقتصادية، وهي تجرب تأويل الوجود عزلا عن الواقع المباشر، مما يجعلها نمطا معرفيا معاصرا اعتمده الأدب. لأنَّ «قصدية الخيال تتجه نحو الوهمي، القصصي، غير الحقيقي وغير الواقعي، والممكن واليوتوبي [بينما] قصدية الذاكرة تتجه نحو الحقيقة السابقة، الواقع السابق».(7)

وبهذا يتحقق اصطناع الذّاكرة كون النّص الرّوائي لا يلتفتُ إلى الزّمن المستعاد بهذا الواقع، بل يعمل على إنتاج مسودته الخاصة، لكي يُماهيَ بين المُنتج والمُستعاد، والوهمي والحقيقي، والمتخيل والتأريخي، حيث التداخلُ النّصيُ والانشغالُ بذاتيته وانعكاساته الفنية؛ لهذا يتحقق التأريخ/ الواقع ــ الحرب العالمية، حرب الخليج ــ بوصفه أمرا مفترضا رغم دلالته الحقيقة لأنّنا لا يمكننا إدراكه إلاّ من خلال اصطناع الحركة التي بها يتحول النّصين/ اللوحتين ــ لوحة الغورنيكا لبيكاسو ومجزرة في كوريا لغويا، كراسة كانون ــ إلى صورة حاضرة تُصاغ بها الأفعال والمخيال السّردي من جديد، فتذكر حدث تأريخي بهذا الأسلوب لا يعني استرجاعه المباشر أو حتى انفصاله التام عن الواقع، بل يعني إعادة إنتاجه وتصنيعه بنمط فوق واقعي لا يقدم على أنّه معطيات غائبة، إنّما يقدم بوصفه معطيات حاضرة أو مصطنعة عن الماضي(*). الأمر الذي تعمد الرّواية إلى تكراره على مدى صوغ التداخل لبؤر النّص المختلفة، «غويا هو الذي ودع عالم (المايات) الجميلات في الساعة نفسها التي قصفتْ بها الطائرات مدينة بغداد بالقنابل عام 1991، هو الذي سأتكلم بأحلامه، أحلام العقل والجنون.» (ص17)

«الرسم يتجاوز الحياة، والواقع يطيع إرادة الرسم، ليت هذا يحدث في الكتابة، فينقذف الكاتب إلى خارج نصه. متى يحدث أنْ يكون النص مكعبا، مركبا، مرسوما بأكثر من وجه؟ متى ينعكس الكاتب في كتاباته كما ينعكس الرسام في رسومه؟ إني أدع هذا يحدث لي كي انعكس في شخصياتي ... كي أنقذف معها إلى سطح من سطوح المكعب الواقعي.» (ص24) «اخترعتُ شخصيات تصعد من السطح السادس لمكعب المدينة إلى سطحه الأفقي الأول ... لم أستعمل في كراستي مواد تلصيقية (طائرة، قطارا، برجا، فرنا، تمثالا، ملجأ) لاعتراض السرد بوثائق تأريخية أو الإيهام بحقيقتها الواقعية، فقيمة الحقائق السردية تنمو من خامة الحلم المرئي في مساحة تخطيطية وهمية.» (ص118) فهنا يتحول الواقع الحقيقي إلى مجرد إنتاج فني مُصَنَّع بعيدا عن جذوره ليغدو سطحا تكعيبيا مُتجذرا في الذاكرة الذاتية للراوي، الذي يذكر دائما بحلمه الوهمي لواقع مغاير، بحيث تتحول الأشياء جميعا من شخصيات وأماكن وأحداث إلى جزء من إعادة إنتاج هذه الذكرى المفتونة بتأسيس عالمها المتجاوز لانعكاسات الواقع، مرورا بانعكاسات اللغة/ النّص، وصولا إلى انعكاسات الذات السّاردة (الراوي/المؤلف).

هكذا تبدو الصّيغة السّردية لعالم الكراسة مجرد نسخ متكررة لانطباعات وصور انزاحتْ عن الواقع الأصلي الذي تمظهر بدوره على هيأة تخطيط رشيق، وكأنّ المنظومة السّردية برمتها تفوهات حُلمية تُذكّر بموضوعات الواقع لكنّها ليستْ هو، فهي كما يُشخص الوعي علميا إعادة إنتاج للذكريات المدمجة بإدراك شخصي للخيال والواقع معا، وهو ما تقصد نص كراسة كانون إيهام القارئ به(8)، وهو وهم سردي يتمركز أيضا في رواية نص (السّواد الأخضر الصافي) ولاسيما في تبنيه أسلوب القص التّأريخي الشّارح لمدونة سلطة تأريخة تقبع وراء اللغة السّردية بتطريساتها التي تُجزئ النّص إلى مركز وهامش/ حاشية.

إذ يتمظهر الخطاب الرّوائي فيها على وفق المقولات المعاصرة كونه ظاهرة مركزية تتجلى منه السوسيولوجية، فليس لتطور التأريخ معنى عام أو عالمي، فالأفراد/ الشّخصيات غير مؤهلين لتصميم ذواتهم أو تصنيعها في الزمان، كون التأريخ ليس له معنى في إنتاج مستقبل معروف لديهم. أي ثمة تشكيك واضح أزاء الميتاــ حكايات أو سرديات المجتمع الكبرى؛ بسبب الخرق الواعي للتأريخ الذي قصده النّص من خلال أمور عديدة أهمها، إنتاج سردية نرجسية تبيح لـ(أنا) المؤلف/ الاختباء خلف كواليس الذات السّاردة (الرّاوي) بأسلوب(لا شخصي)، والعمل على توليد تداخل مربك بين الواقعي والمتخيل عن طريق اصطناع بنية افتراضية تتحدد بما هو فوق واقعي، ثم إعادة إنتاج ذاكرة المكان المعاصر والتأريخي بما فيه من نزق ديني وكرنفالي، واللجوء إلى ما يناسب هذه البنية الافتراضية من أطراس دالة على المحذوف والمصطنع البديل، من خلال المنقوص والفراغ والتنقيط والحذف والتشطيب والهامش المرتبط بمتن النّص، لإنتاج بنية قابلة للتأويل المستمر للحاضر بتأثير الزّمن المستعاد من التأريخ والأسطورة والتراث والدين واللغة.

إنّ الرّواية/ النّص تستهل سردها بمشهد دال على خروقات الكتابة الهجينة لما بعد الحداثية، إذ يتحدد المتلقي بمرتكزين معرفيين، أولهما في المتن: «مؤكد أنّ الذي روى وقائع الجلسة لا يعلم مَنْ كان يتكلم نيابة عني، مما بدتْ الوقائع أكثر غرابة لمنْ استمع إليها، فقد روى أنّ فقيه الجلسة ذكر: أنّ رقوق السواد آخر مقطع من مقاطع (تغريبة السواد الأخضر الصافي) لإبراهيم الإبراهيمي، وأن هذه الرقوق هي (أعراف مطموسة).» (ص9) وثانيهما في الهامش: «ربما لا يعلم الرّاوي كيف مُحيتْ منها النصوص وكُتبتْ فوقها أمجاد وبطولات وهمية، وأشياء أخر لا صلة لها بأخضر السواد الصافي.» (ص9)

فالمشهد/ الصورة في النّظام السّردي لهذه الرّواية يمثل الملاذ الخيالي في وجه الحقيقة التأريخية المصطنعة بسلطة لغوية معارضة لسلطة الواقع، إنّه شكل من أشكال الفرار الفانتازي من السّلطة التأريخية عن طريق لغة غامضة يتناوب على سردها أكثر من راوٍ؛ لذا يتعالق الحدث مع الصورة لتغدو افتراضية أكثر مما هي مستعادة من واقع تأريخي كونها لا تستدعي الحدث كما هو بل تعمل على إنتاجه، أي محاولة إخفاء المتن الأصلي المطموس، بنسخة جديدة تمثل بيئة افتراضية أشبه بالبؤرة المنتجة لتأريخها الخاص، بحيث يولّد السّرد مقولاته جميعا بأسلوب مغاير للحقيقة، وإنْ ارتبط بها بين الحين والآخر. ويتمظهر المكان بوصفه ذاكرة متعلقة بالصور المُنتجة كونه علامات استذكارية خاصة بالعالم المُصنّع من الخيال المفارق لواقعه أو كما يسمى فلسفيا (مكان الذاكرة)، الذاكرة التي تحيل المتلقي إلى الميزوبوتوميا/ أرض السواد؛ ولكن برؤية هجينة تجمع ماضي المكان مع حاضره، عندما ينقسم الزمنان بين المتن والهامش فيغدو اجتياح الإسكندر المقدوني مثلا حدثا عابرا بجنب مرور السيارات في شارع الرشيد، ويبدو ما ينقله الرّاوي المعاصر من أحداث متداخلا مع ما ينقله رواة الحكاية المتخيلة:

فما ليس له معنى أو ما يبدو كذلك هو كما يرى (فلوبير) له معنى متفوق على الذي يبدي معناه بسهولة، فحداثة النّص هنا تتمظهر بصناعة أدب مستحيل تتقدمه درجة كتابية خاصة، درجة تجمع بين المتناقضات جميعا، حيث الحياة والموت والحاضر والماضي والخيالي والحقيقي والسلطوي والتابع. ولعل مثل هذا النمط من الكتابة الروائية الحديثة حفز (رولان بارت) على وصف الرّواية بالموت كونها تصنع مصيرا من الحياة، ومن الذكرى فعلا، ومن الديمومة زمنا موجها ودالا؛ لأنّ سلطة المجتمع هي التي تفرضها بوصفها نمطا كتابيا متخيلا.(9) فالتصادم المعرفي بين أشكال الخطاب الرّوائي ما بعد الحداثي، أساسٌ في إمكانية التمثيل السّردي على تجريد المعنى بين العالم والنّص. مما يذكرنا دائما بضرورة وعي السّياقات الأيديولوجية التي لا تختزل كل تمثيل للماضي أو الحاضر.

وهو تصادم يمكن تشخيصه في أشكال عديدة من السّرد الميتا- تأريخي، السّرد الذي يتشكل في النّص على شكل متاهة تضيع فيها الشخصيات، كما في رحلة الرّاوي الأول مع شخصيتي (سلمان) و(مشتت)، وهي تذكر بقوّة بعوالم بورخيس السّحرية وخرائطه التي يدل تحللها الخيالي على تحلل المكان المفترض، ففي متن الرّواية تصنع المتاهة هكذا: «أحسب أنّ ساعة مرت أو تزيد، فتنبهت إلى أنّ ما يجري في السواد المستور قد يشغلنا لساعات أخر، ونحن لم نعثر بعد على وجودنا في تضاريس الخريطة، ولم نعرف حتى الآن: أنى نتجه؟» (ص18) فثمة انعكاس واضح لمرايا النّص ورسم لخريطة جغرافية افتراضية تصطنع الواقع بدلا من أنْ تقترب منه. والرواية لا تتعمد نسخ الواقع التأريخي الحقيقي ــ النسخة الأصلية ــ لذلك تكوّن أحداثها وتفترضها لتكون سبيلا جديدا لماض مستعاد من ذاكرة مصطنعة من الأحداث نفسها، من منطلق أنّ المرايا والخرائط المفترضة فنتازيا واحدة من أهم الوسائل الفنية التي لجأتْ إليها رواية ما بعد الحداثة.(**)

فالخريطة ومتاهاتها وما ينعكس منها في ترميم الخيال سيكون أكثر تأثيرا ورسوخا من الأحداث ذاتها (فصل دليل المرويات-ص78) عندها تختفي الذّاكرة المسترجعة لتحل بدلا عنها ذاكرة مغايرة تصنع أحداثها بحسب الحالة من دون عودة إلى الماضي، لتحقيق نمط من الغرابة المقصودة غير المفتعلة، من هنا تكون المتاهة وذاكرتها المفترضة ضربا معرفيا للتعبير عن أيديولوجية السّلطة الموروثة عبر التأريخ، لكنّها في رواية السواد الأخضر الصافي تقدم بوجهات نظر متعددة تعدد الرواة واللغات والمفاهيم: «الدكة التي تقوم عليها البناية، لا يمكن الوصول إليها إلاّ عن طريق بوابة تحرسها مخلوقات متوّعدة بالخطر، تحيط بها كتلة من ظلام يتنافذ من داخل المبنى القائم فوقها.» (هامش ص18).

غير أنّ الحديث عن السّرد الميتا-تأريخي يتمظهر في رواية (متاهة أخيرهم) ليس بوصفه متاهة نصيّة لخريطة مفترضة، بل بوصفه علامة لموضوع مصطنع عن الحقيقة التأريخية يمثل حالة من الحكي المعبر عن مجاز سلطوي قامع أنتجته ذاكرة المجتمع، فغدا مظهرا ثقافيا مسكوتا عنه. وللأمر دلالة متداخلة مع ما سبق لإمبرتو إيكو أنْ حدده بصدد حديثه عن أنماط العلامة بوجود نمطين: أحدهما علامات طبيعية والآخر علامات اصطناعية، وما يعنينا هنا علامات الموضوعات الاصطناعية، إذ يؤكد أنّ الغاية من هذه العلامات غاية دلالية على معنى معين ومنها حالة الكلام.(10) فكيف يمكن أنْ يتحقق ذلك في متاهة أخيرهم؟ وحقيقة الأمر أنّها باتخاذها (حكاية اليهود) في العراق ثيمة مركزية تبني عليها السّرد، تتحقق هذه الغاية؛ لأنّ الرّواية بما فيها من مكونات فنية تغدو حالة سردية/ كلامية لهيأة اجتماعية قد تمَّ اقصاؤها ثقافيا وسياسيا، ومن هذا المنطلق تحديدا يبدأ النّص باصطناع ذاكرة خاصة لحكايته، فهو لا يكتفي بحقائق تأريخية لفئة اجتماعية معروفة، بل يعمد إلى إنتاج تأريخانية جديدة من خلال قراءته وتأويله، كونه يسعى إلى أرخنة ذاته ــ النّص ــ وتنصيص التّأريخ.

ومع أنّ هذه النّمطية السّردية لازمتْ الرّوايات السّابقات أيضا، إلاّ أنّها هنا تحديدا تأخذ بعدا أكثر خصوصية لسببين، (أولهما) أنّها ابتعدتْ عن العمومية التي يمكن أنْ تشمل فئات المجتمع جميعا متخذة من اليهود فئة خاصة تنطلق منها، و(ثانيهما) أنّها عُنيتْ بالمجاورة بين النّصي والتّأريخي، لصوغ حكاية جديدة متخيلة عن المتون التّأريخية الواقعية، للوصول إلى ركيزة مهمة في اصطناع الحكاية؛ هي توجيه ذهنية المتلقي نحو علاقة الخطاب الروائي بالخطابات الأخرى التي أسهمت في تشكيله، بمعنى، قراءة الرّواية من منظور الظرف التّأريخي، والسّياق الثّقافي للمتلقي نفسه، وهنا تكمن سرية بناء هذه الأعمال الرّوائية جميعا، كون قارئُها يرتكز في تأويله على ثلاثة متون مركزية، سردية وتأريخية وسوسيوثقافية.

تبنى الرّواية سرديا على وفق تقسيم تناوبي للحدث ومنحني في بناء الزّمن، وهي محددة بثلاثة أقسام، الأول معنون بـ(باب الدخول)، والثاني معنون بـ(مكابيوس)، والثالث معنون بـ(باب الخروج). وهي تعتمد سردا ذاتيا يتناوب عليه راويان يعملان على تقديم الحكاية على وفق تحولات سياسية تبدأ من (1966) وتنتهي في (1979). ولعل للمرحلة التأريخية التي بُني عليها متن الحكاية وأُنتج النّص فيها يبرران كون الرّواية علامة اصطناعية مرتبطة بحالة تعبيرية كلامية عن مسكوت عنه، في مجتمع ما زال لا يتحلى بعقلية الحرية الدينية، وهو أمر يُكشف من خلال سرد شخصية محمد إبراهيم/ الرّاوي الأول لحكاية عائلته اليهودية وكيفية ترحيلها من العراق، ولاسيما أنّه اكتسب اسما لا يمس بصلة لديانته، بعد أنْ فُقدَ وتربى في كنف عائلة مسلمة فتحول اسمه وكذلك ثقافته وديانته بعد أنْ كان (مكابيوس يهودة)، فهذا التّحول الثقافي في الهويّة متبنين في النّص بسمة علامة دالة على قمع معرفي لثقافة راسخة.

لهذا لا يجد متلقي الرّواية المتن التأريخي للحكاية الواقعية كما هو، بل هناك اصطناع لواقع فوق الحقائق التاريخية مما يتناسب مع خيال السّرد ورغبة التمويه بعيدا عن المباشرة، وبهذا يكون النّص في نواح واسعة من سردياته مجازا تأريخيا؛ لأنّه يحكي ما وراء التأريخ لا التأريخ نفسه، فالسّرد يصطاد الجدل المتراكم حول وضعية التمثيل القصصي للحكاية وعلاقتها بذاكرة ذاتية مؤلّفة للكاتب في ضمن علاقتها بالذّاكرة الجماعية المنتجة بتأثير فعل سوسيوتأريخي بهيأة تحديات ميتا شعبية متشابكة مع الذاكرة تشابكا لا فكاك منه.

«تزامنتْ حادثة نهب بيت "يهودة" وتفريغه من محتواه خلال فترة دعوة "أبي" لإداء الخدمة العسكرية الإلزامية»، «اُكتشفتْ جريمة قتل "العم موشيه" عقب انتهاء عرض فيلم الكابوي الأمريكي "من أجل حفنة من الدولارات".» (ص2641، )، وهو ما حدد النّص الرّوائي بمسألة (القلب التأريخي)(***)، بمعنى، أنّ الرّواية مأخوذة بعلاقات سردية حكائية خارج علاقتها بالماضي؛ لكي تنتج مستقبلا مفككا إلى ظواهر ثقافية مرتبطة بالمجتمع والهويّة والسّياسة، وعليه فقد رفضتْ مقولات تبنتها السّرديات الكبرى للرواية الكلاسيكية، مثل الغاية والمثل الأعلى والعدالة والكمال والانسجام الاجتماعي، والتركيز على ما هو غاية في التحقق المستقبلي وكأنّه تمَّ في الماضي، أي اصطناع صورة مستقبلية لغاية السّرد الباحث في قمع الهويّات الثقافية لا البحث في ماض لواقع تأريخي معروف.

وهو أمر تحقق فعلا في الجزء الثالث من الرّواية عندما انتقل سرد الحكاية مع الرّاوي الثاني (خليل إبراهيم) الذي سرد تصوره لحكاية العائلة اليهودية من خلال حكاية الأخ المتبنى محمد إبراهيم، برؤية تدل على مستقبل ما سوف يحدث، وليس بما حدث فعلا: «يوم بدأت تنظيم ملزمة الأوراق المكتوبة بلا حبر، كنت قد بلغت الثانية والثلاثين من عمري، أي بعد سبع وعشرين سنة على خروج "مكابيوس" من متاهته ملتحقا بوالده». (ص319) وهذا ما يؤكد التناوب في سرد الحكاية الواحدة عن طريق تعدد الرواة وتوجيه ذلك بأسلوب الرّوايات الرسائلية نحو الميتا-سرد بإنتاج رواية داخل رواية لم تكتملْ، أخذها الراوي الثاني (خليل) من الأول (محمد/ مكابيوس) ليتم إعادة صوغها وتتبع سرية وغموض فقدان الرّاوي الأول فيها (مُصْطَنع الحكاية)، مما فرض تعددا في الذوات والأصوات، بلجوء الرّاوي الثاني لرواة آخرين شهدوا الحدث وحكوه بهيئة (تبئير داخلي متعدد)، يقدم تأريخ الشّخصية برؤى متضادة مع رصد لطقوس الكتابة وطرائق تدوينها ذاتيا، للجمع بين عالم الحكاية وعالم ما وراء سرد التأريخ.

فتفكير ما بعد الحداثة يتأسس على مقولات مركزية هي جل ما يعتمده النّقد للنزوع نحو النّص الرّوائي المعاصر، مقولات مثل البعد السوسيوثقافي الذي رسخه رايموند وليمز، وعنف السّياسة وحفريات المعرفة الذي رسخه ميشيل فوكو، والوضع الاجتماعي القلق والواقع المفترض الذي رسخه ليوتار وبودريار، وهي جميعا أثرتْ في تشكيل هذا النّص والنصوص الأخرى بشكل أو بآخر، لذا تصبو الرّواية إلى تجريد التأريخ من طبيعته بخلق وعي معاصر يميز بين أحداث الماضي والوقائع الناشئة عن الحقيقة بإضفاء معنى جديدا عليها، من خلال اصطناع ذاكرة سردية مغايرة في رصد المسكوت عنه، وافتراض أحداث مختلفة تتناسب مع الرؤية المعاصرة.

ليكون التأريخ ليس كما كان بعد أنْ أُلبس إهابا جديدا من معرفة المبدع وخيالاته، وهذه صفات مشتركة بين الرّوايات التي توقفنا عندها في هذه الفقرة، من منطلق أنّ استعادة زمن الذاكرة فيها متناغم مع تأريخ مُصاغ أكثر مما هو مُسترجَع، فهي تستعيد ما يظن المتلقي أنّه مطلع على ماضيه (سجلات رسمية، متون تأريخية، حقائق واقعية) لكنّها حريصة على تقديمه متخيلا بما يتناسب مع الشك المعرفي الحداثي المتعلق بطبيعة المعرفة التأريخية، فأية حادثة تحولتْ إلى تأريخ؟ وأية حقيقة؟ ومَنْ فاعلها؟ تساؤلات معرفيّة تؤكد ذوبان الحاضر بالماضي بحثا عن المستقبل، كون الكتابةُ السّردية الواعية بتأريخ معين، موجود لكنّه خفيٌ، جزءاً فاعلا من مهمة الكتابة الرّوائية المعاصرة التي بدأ كتابنا يطمحون إليها برؤية تأريخانية جديدة.

كيفَ أصبحَ الواقعُ خرافةً؟:
إنّ الحديث السّابق عن فكر ما بعد الحداثة بما فيه من مقولات ترفض قوانين الواقع، محاولة لكسرها والانتقال إلى مستوى مغاير من الخيال فوق الواقعي أو واقع مفترض مختلف عن يقينيات المعرفة المُؤسسة في ضمن مرحلتي ما قبل الحداثة والحداثة، أقول: إنّ هذا الحديث يعيد إلى ذهني مقترحات معرفيّة تضيء ما نود مناقشته هنا، ومنها المقاربة الفلسفية التي أجراها الفيلسوف الاجتماعي (جون ر.سيريل) عام (1995) وهو بصدد مناقشة فكرة وجود واقع موضوعي خاص بمكونات العالم المادي من غير الإنسان مثل: المال والممتلكات والزيجات والحكومات والحفلات ... وكيف لهذا العالم أنْ يتألف من جسيمات مادية داخل مجالات مترابطة واعية على غرار عالم البشر، وهي فكرة جدلية سبق للفيلسوف السيميائي (بورس) الخوض فيها عندما أراد إثبات الواقع الحقيقي للخيال، على أساس أنّ ما تنتجه المخيلة أشياء حقيقية، وبهذا فأنّ الظواهر الذّهنية مثل التّفكير والخيال والأحلام تحمل حقيقتها في ذاتها؛ لهذا يؤكد النّاقد (روبرت شولز) بتأثير الأخير أنّ صناعة الخرافة الحديثة تعتمد ما يمكن تسميته بـ(القابلية على الخطأ)، حيث اختفاء اليقين والدقة والتأكد من نسبة أي شيء وهو بصدد الحديث عن علاقة الخرافة بالرّواية(11).

وحقيقة الأمر أنّ هذه المقترحات جادة ودقيقة لو انطلقنا منها في إدراك العلاقة المتحولة بين الواقع والخرافة في روايتنا ما بعد الحداثية والكيفية التي تصطنع بها ذاكرتها السّردية من خلال هذا التحول، ولو عدنا إلى رواية (آخر الملائكة) وجدنا أنّها تؤسس حكايتها من منطلق ما وراء الحكاية الشعبية المتأثرة بعوالم الليالي وشخصية الحكواتي ورحلة صاحب المقامات، وهي عوالم تكسر الثقة المعهودة بين قوانين الواقع والخيال، فسرد الحكايات الشعبية عن أفراد اعتياديين جزءٌ من الذّاكرة الجماعية للمجتمع، لكنّ الابتعاد بهذا النمط من الشخصيات نحو الماوراء يجعل منها خرافة تنتجها ثقافة متداولة.

من هنا كانتْ شخصية (دلي إحسان) مرتبطة بيولوجيا مع الجن، وأصبح الصندوق الخشبي ذو العلامات التراثية سحريا، وتحولتْ شخصية الغنام/ الراعي خضر موسى إلى زاهد يلتقي في مغارات خيالية أشبه بمغارة علي بابا في رحلة السندباد البري، وتحولتْ مقبرة القرية إلى مزار مقدس (الرّواية ص30، 40، 121، 140 )، لذا يتأكد أنّ اصطناع الخرافة من الذّاكرة الشعبية الواقعية للمجتمع العراقي في المرحلة الملكية، هي ما قصدته الرّواية من منطلق أنّها لا تجافي الواقع بقدر تمسكها به، فيغدو الواقع خيالا والخيال واقعا، وبهذا تتحدد قابليتها على الخطأ كونها لا تستطيع الوصول إلى الحقيقة. لكنّها مع ذلك تستمر بالالتصاق مع الواقع؛ لأنّ سرديات الفنتازيا عموما تبتعد ظاهريا عن واقعها الثقافي المألوف.

إلاّ أنّها لا تحقق تحولا ما لم توثق صلتها بهذا المألوف، ثم تجتهد في إبراز الغرائبي واللايقيني والمتناقض والسّحري فيه، وقد فرض ذلك أنْ تكونَ الذّاكرة السّردية لرواية آخر الملائكة مؤلفة ذاتيا أكثر مما هي مُسترجعة جماعيا من الحقائق التّأريخية، كما في التعانق بين المتخيل في الثورة التي خططتْ لها شخصية (حميد نايلون) ضد الملك وأدتْ إلى مقتله، والحقيقي في ثورة عبد الكريم قاسم، وما نتج عنها من سحرية مسختْ المجتمع، وهي تذكر كثيرا بالمعجزات القرآنية وسحرية القرية في رواية (مائة عام من العزلة) لماركيز: «ولد أطفال كثيرون من أمهات عذراوات، نطقوا ... نبتت أسنان إضافية عند أبناء بعض الطوائف». (ص326) «ما كادت الرصاصات الثلاث تخترق جسد دلي إحسان حتى تحول إلى نافورة نار هائلة، تصاعدت نحو السماء، مبرقة ومرعدة، فاهتزت الأرض وتزلزلت فتساقط الناس فوق بعضهم الآخر» (ص333) «ظل برهان عبد الله واقفا في مكانه منتظرا الجنود ... كان الجنود الخضر الصغار قد أصبحوا على بعد خطوات منه ... رفع يديه عاليا. رأى يديه تتحولان إلى جناحين هائلين، ضرب بهما الهواء فارتفع عاليا محلقا في السماء وغاب.» (ص372).

فالنّص الرّوائي المعاصر يتبنى نزعة مضادة للواقعية المباشرة، تتبنين من خلال اعتناق الخرافة ومحاولة تجسيدها بقوانين قريبة من قوانين الواقع، ثم صوغها في ذاكرة مصطنعة من الخيال أكثر مما هي مسترجعة من الحقيقة الثابتة، وهذا يعيدنا إلى تصورات سيريل الفلسفية ونباهة ت. ي. أبتر النّقدية، عندما وجد الأول أنّنا «نبتكر أوصافا قد يتفق معها العالم الفعلي أو لا يتفق، غير أنّ كل هذا ينطوي على وجود واقع مستقل بمعزل عن منظومة مفاهيمنا، فلا بد من وجود شيء نتصوره ونبتكر له المعنى، سواء أكان ما نتصوره ملائما له أم غير ملائم...؛ [لأنّ] الوجود المفترض لعالم خارجي مستقل يماثل أو يناظر الهيئة أو الكيفية التي يكون عليها الوجود في العالم الخارجي.»

واستنتج الثاني أنّ «في أعماق الفنتازيا في القص الحديث ثمة شك في العالم الذي تنتمي إليه الحكاية، أهو هذا العالم أم عالم مغاير تماما؟ ... [فــ]ليستْ الحقيقة في العمل القصصي دراسة للاحتمالات، بل هي توظيف وكشف في آن لكافة [كذا] الاحتمالات والآفاق بغية إعطاء معادل لما يمكن أنْ يكونَ عليه عالمنا.»(12) ولعل واحدة من أهم الروايات العراقية المعاصرة التي تنحى هذا المنحى المضاد في تصنيع الخرافة ومجاورتها لقوانين الواقع، روايةُ (فرانكشتاين في بغداد) التي اعتمدتْ الذّاكرة الأدبية في تناصها الصّريح مع رواية (فرانكشتاين) لماري شيللي، مؤكدة ذلك الانجذاب الكبير في تصنيع الخرافة الحداثية وما بعد الحداثية للنماذج السينمائية، ولاسيما أنّ النّص الانكليزي سبق أنْ قدمته هوليود بنسخ مختلفة.

ففي الوقت الذي كانتْ فيه النسخة الانكليزية متمحورة حول معنى أدبي علمي يعمل العلم من خلالها على تصنيع شخصية ــ فرانكشتاين ـــ تدل على مقدار تطور المجتمع الرأسمالي في عصر الصناعة، فإنّ النسخة العراقية تمحورت حول نقد الواقع برفضه من خلال اللجوء إلى الخرافة المصطنعة من نتائج الواقع المباشر، حيث تُنْتَج الأجساد وتتناسل من أديم أجساد سابقة ممزقة بفعل العنف، ويكون الصانع لهاــ هادي العتاك ــ شخصية بوهيمية جاهلة، تُصنّع الافتراء، وتختلق كذب الحكايات وتعمل على تجميع الأجزاء، لا لسبب علمي بل وجودي متعلق بطبيعة الحياة نفسها؛ لتظهر مصادفة نتيجة لهذا الفعل نسخة (الشسمة) أو فرانكشتاين بنسختها المغايرة:

«قرفص هادي. كانت المساحة المتبقية مشغولة بشكل كامل بجثة عظيمة. جثة رجل عارٍ تنزُّ من بعض أجزاء جسده المجرّح سوائل لزجة فاتحة اللون ... سحب يده ومسح أصابعه بملابسه، وهو ينظر إلى اكتمال الوجه بشيء من عدم الرضا، ولكن المهمة انتهت الآن. آه.. لم تنته تماما عليه أن يخيط الأنف حتى يثبت في مكانه ولا يقع.» (ص33، 34).

إذن ثمة سياسة واضحة في التمثيل السّردي لهذه الرّواية، وتحديدا في فضائها الزمني ووعي الحكاية فيها، فهي تحقق تزامنا بين زمن السّرد والزمن الكولينيالي المُمَثَل بدخول القوات الأجنبية لبغدادَ، وشيوع الفُوْضى والقتل المجاني نتيجة لذلك، فوعي الرّاوي وذاكرته الذاتية في تأليف سرد الأحداث يجمعان بين (وجود تأريخي) و(تمثيل خرافي متخيل)، إذ أنّ التأريخ/ الحرب/ الاجتياح حاضرٌ مُشاهدٌ خالٍ من إحالات الماضي؛ لأنّ الماضي قد اختفى بعد أنْ رَسّختْ الذّاكرةُ الأدبيةُ بدلا منه الخرافةَ في النّص، فبدا تمثيل الخرافة المفترضة إلى جنب الحقيقة الواقعة نسقا نصيّا في اصطناع سردية مغايرة ليقينيات الحرب المعهودة في الأدب الرّوائي.

أما وعي الحكاية فيتمثل بما يمكن تسميته بـتقنية (المزج pastiche) التي يؤكد فردريك جيمسون أنّها من أهم سمات إبداع ما بعد الحداثة، من حيث كونها معارضة أدبية تعمل على تكوين محاكاة ساخرة لنماذج مستقرة في ذاكرة التأريخ الأدبي(13)، أي المعارضة الخرافية التي وسمتْ النّص الرّوائي بكوميديا سوداء تمثلتْ بعلاقة الشسمة ــ النّص اللاحق ــ بفرانكشتاين ــ النّص السابق ــ وأضافتْ قطعة جديدة لهذه الأحجية المصطنعة خياليا لما فوق الواقع، بموت شخصية الفرد البرجوازي الذي أنتجتْه المدينة وأبدلته بخرافة المسخ المنتقم أو المنقذ.

والحقيقة أنّ هذه الرّواية تمثل المعرفة الأدبية المنتجة بفعل كولينيالي، كونها تبلور الثقافة الغربية المترسخة بتأثير الآلة الحربية على شكل خطاب تلتحم فيه القوتان السّياسية والتأريخية مع الخيال الذي يفترض واقعة خرافية كونتها ذاكرة الحرب والعنف الطائفي؛ لذلك يتأكد أنّ زمن أحداثها الواقعية ينتمي إلى مرحلة الكولينيالية بينما وعيها الفني وسماتها المعرفية تنتمي إلى مرحلة ما بعد الكولينيالية، إذ كيّفتْ لغتها ونمطية الكتابة فيها لحساسية جديدة معنية باصطناع الخيال، بدلا من تخيل الواقع، بانزياح ساخر نحو الخرافة والمكان وقضية الهويّة والتعددية الدينية بحثا عن تعرية صريحة للخطاب الاستعماري وثقافته المموهة.

إنّها ميتاخرافة تأريخية وتأريخ في سرد خرافي مع انعطافة ساخرة في توجيه المكونات السردية، فالسّرد الموضوعي الممثل بسيطرة السّارد العليم ينحسر كلما بدأ هادي العتاك ـ مصطنع الخرافة ـ بسرد أكاذيبه الحقيقية، بينما تتحول هذه الأكاذيب إلى أفعال مُنتجة بفعل واقعي عندما ينتقل السرد إلى ما وراء حكاية الخرافة عن طريق اللجوء إلى تسجيل حكاية المخلوق المصطنع بمثابة سرد ثانٍ يوازي سرد العتاك وافتراءاته. (الفصل التاسع ص140- 155) وبه ـ السّرد ـ يكمن افتراض ما فوق الواقع بتجميع جسد قاتل من أجزاء ضحايا العنف، وتغدو الأحداث المتعلقة به بديلا عن الحدث الأصلي (الحرب، الصراع الطائفي، الاحتلال).

وبهذا يفقد المتلقي حس التمييز وإدراك الاختلاف بين الحقيقة والافتراض بسبب الوهم الذي كوّن نسخة مغايرة لأحداث مصطنعة؛ لهذا وفي ضمن تأثير سوسيولوجية تلقي هذا النمط من سرديات ما بعد الحداثة، بإمكان المتلقي أنْ يتخلى عن وعيه الذاتي، الوعي المحفز على البحث عن الفرق بين الحدث (الخرافي) والحدث (الحقيقي) ليجد نفسه مجبرا على الاعتراف بأنّ الواقع لم يَعُد كما كان عليه سابقا. وبهذا يطغى على النّص نمطٌ من لا مبالاة انتقالية خارقة لموثوقية السّرد يتمُّ بها العبور من اليقيني إلى المفترض بهيئة من اللاحدث/ الحدث الصامت (non-event)، بما أنّ المتلقي فقد وسائل التّمييز بين الحقيقي ونظائره المتخيلة، بمعنى، أنّ الرّواية تبدو تواصلا لذاكرة تكنولوجية سينمائية مستبطِنة للافتراض، ولكن بوسائل كتابية بديلة تعلو على الواقع لكنّها تقع تحت قبضة رغبة تغريبية للخطاب المعبر عن الاصطناع.

حيث (الحربُ) مجرد كلمة ذات دلالة عائمة كونها مخففة من حمولات الأيديولوجية والزّخم الإجرائي المتواشج مع العالم الحقيقي: «ليس لديّ وقت كثير. ربما انتهي ويذوب جسدي وأنا أسير ليلا في الأزقة والشوارع حتى من دون أنْ أنهي مهمتي التي كلفت بها .. هل هذا العتاك المسكين والدي حقا؟ إنه مجرد ممر ومعبر لإرادة والدي الذي في السماء .. وأنا الرد والجواب على نداء المساكين. أنا مخلص ومنتَظَر ومرغوب به ومأمول بصورة ما .. سأقتص من كل المجرمين سأنجز العدالة على الأرض أخيرا.» (ص156، 157) فصناعة الخرافة على وفق قوانين الواقع المعهود تتحدى الصلة المنطقية للنص بظروف إنتاجه الثقافية؛ لأنّ قارئ هذه الرّواية غير قادر على معرفة إنْ كانتْ شخصية (الشسمة) حية فعلا وقد ماتت؟ أو هي رميم فعلا وقد أحيت بفعل تمثيل زائف لكرنفال وثني سحري، يعيد القدرة على استنساخ الأجزاء المستعادة قسرا من ماضي التفجيرات وذكرياتها الأليمة؟ من منطلق واعٍ يتناسب مع نمطية الميتا خرافة في سرديات ما بعد الحداثة. وهذا يسمح بقابلية التجدد المستمر بين الموت والحياة معا، وهو ما تمظهر على هيئة اصطناع ذّاكرة الواقع المفترض في رواية (فرنكشتاين في بغداد) بالمقارنة مع الواقع العلمي في رواية(فرنكشتاين).

ما وراء الذّاكرة ـ ما وراء الحكاية:
لعل حديثنا السّابق عن المعارضة الأدبية ومحاكاة النّماذج المستقرة فنيا، يمثل مدخلا لنمطية الذّاكرة في روايتنا ما بعد الحداثية، إذ يتمظهر لدى الروائيين ثمة انجذاب واضح لبناء فني يجمع مابين تراث الذّاكرة الأدبية العربيّة القديمة والنماذج الغربية المؤسسة لنمط سردي واع يعرف نقديا بـ(ما وراء السّرد)، حيث العمل على استعادة بناء فني مستقر عرفنا ملامحه في تضمين الحكاية القرآنية وتبدل الحكاية في المقامات ودرجة الكتابة الدينية في (حدث أبو هريرة قال) لمحمود مسعدي، وهي استعادة تتوازى في الانجذاب مع مؤثرات أعمال روائية شهيرة في ذاكرة الأدب الغربي مثل: تريسترام شاندي للورنس ستيرن، وعشيقة الضابط الفرنسي لجون فاولز.

وحقيقة الأمر أنّ الرّواية العراقية بدأتْ في المرحلة الأخيرة من مراحلها التجديدية باصطناع ذاكرة مغايرة لبناء أحداثها من خلال تبني أساليب متباينة لخرق واقع الحكاية ومحاولة الالتفاف حولها للوصول إلى منطقة (ما فوق الواقع) عن طريق رواية النّص ونرجسيته، ورواية الرّواية وإدخال المؤلف فيها، واستلهام ما وراء الحكاية السّردية، كما في (كراسة كانون) وسعيها لإنتاج درجة كتابية تنطلق من نرجسية السّرد ما وراء التأريخ، وفي (متاهة أخيرهم)، (فرانكشتاين في بغداد) واصطناعهما ذاكرة جديدة للحكي عن طريق رواية الرّواية، من منطلق أنّ النّص الأدبي المعاصر يجب أنْ يُقدَم بوصفه مثالا نمطيا للغة تتخلى عن شروط الحقيقة موهمة بالواقع، لكي يشق طريقه نحو رؤية تتماشى مع المعرفة المُنتجَة لافتراضات فوق الواقع تستدرج مزيجا من المتضادات المنطلقة من تزييف الحقيقة واللاموثوقية والخيال والاحتمال اللامحدود المناقض للواقع.

لأنّ السّرد ما بعد الحداثي يستثمر التقنيات المبهمة للنص بوعي عالٍ، مما يشوش إحساس المتلقي بوحدة العالم الفني المتخيل، فيبدأ بالتواصل مع طبائعه المعيارية في الاستجابة، ولأجل إدراكها فعلا يجب وعي ما فيها من تناقضات ووجهات نظر متباينة وانتهاكات لبنية الزمن(14)، إذن كيف تصطنع رواية ما وراء السّرد واقعها؟ وكيف تُنْتِج بتأثير ذلك ذاكرة حكايتها؟ ولكي أجيب عن هذين الاستفهامين المركزيين في معرفة نمطية هذا البناء الفني للرواية، سأبدأ من إشارة سريعة للفلم السينمائي (RUBY SPARKS) الذي أنتجته هوليود من تأليف زوي كازان وإخراج جوناثان دايتون وفالري فارس، ليكون مدخلا دالا على نمطية السّرد الرّوائي، وهو يقدم اصطناع السرد بوصفه مولدا للذاكرة المركزية للأحداث، إذ تتمحور حكايته حول روائي يجتهد بكتابة رواية رومانسية من واقعه وإذا ببطلة روايته تتحول إلى واقع حقيقي معاش على غرار ما يحدث في حكايات الأطفال مثل القلم السّحري الذي يتحول أي شيء يكتبه إلى حقيقة مصطنعة.

وهنا تتداخل الحكايتان معا في ذاكرة واحدة هي ذاكرة المؤلف/ البطل للوصول إلى نهاية تتناسب مع ما وراء سرد الحكايتين، ولعل ما حفزني لذكر ذلك عمليا التجاوب الكبير الذي أبدته الرّواية العراقية المعاصرة مع هذا النمط البنائي فضلا عن الرؤية السينمائية الواضحة فيها كون السّينما العالمية تطرقت لمثل هذا النسق الفني قديما وحديثا، فضلا عن المدونة الأدبية التي سبق أنْ أشرتُ إليها، وللأمر علاقة بكيفية اصطناع الواقع كون هذا الواقع لم يعدْ مرتبطا بحكاية واحدة من الماضي، بل هناك وعي لإنتاج ذاكرة تغاير الماضي عن طريق بناء حكاية ثانية مجاورة تكمل الرؤية الجمالية والمعرفيّة للنص، وسأكتفي بإثبات ذلك من خلال تجربتي أحمد خلف وعباس عبد جاسم في كتابة الرّواية العراقية المعاصرة.

ففي رواية (موت الأب) يمكننا أنْ نلاحظ تذويتا واعيا للنص باللجوء إلى كتابة مدركة لحكايتها المبتكرة داخل الحكاية الأصلية، لتكون الحكاية الثانية بؤرة الذّاكرة للأولى عن طريق زرع روائي داخل الرّواية، يعمل على كتابة روايته الجديدة على أديم الحكاية الأولى ومغامرتها السّردية (رواية داخل رواية) أو (رواية الرواية)؛ لذلك يتناوب راويان على سرد حكاية الأب، الأول هو الابن (إسماعيل) والثاني صديقه (مؤلف الرّواية): «أنا أقص عليك بعضا من جنونه، ولعلك تجد له العذر في ما أقوله الآن.» (ص14) فذاكرة الرّاوي الأول ليستْ ناسخة لما حدث فعلا، كونه كان متلصصا على كثير من الأحداث، أو نقلها عن طريق آخرين من عائلته، أو نتيجة لتوقع ما حدث، أي كانتْ مجرد مدخل لكي يبني الرّاوي الثاني حكايته عليها- حكاية الأب - مما يعمل على مضاعفة السّرد، ولا سيما بعد الركون إلى رمزية الكتاب المفقود الذي يرمز فعليا إلى ذاكرة مفقودة تُنتِج الرّواية المصطنعة من محكيات الرّاويين معا: «هل الكتاب المفقود إشارة لضياع شيء معين؟ الكتاب أم مؤلفه؟ ... ألا يبدو الكتاب المفقود لعبة كبيرة أضع عليها ثقل الرّواية؟» (ص172- 173)

وهذا أمر كفيل بإرباك المتلقي الذي سوف تتداخل لديه أحداث الرواية بين الأصلية والمصطنعة، ويفقد القدرة على تمييز بؤرة الحكي موقعا وشكلا، كون الذّاكرة السردية تشكلتْ من إيحاءات مؤلِف حقيقي وشخصية تؤلف داخل العمل وشخصية تسرد الحكاية، وبهذا تخرج الذاكرة السردية عن عالمها الورقي المتخيل، لتكون صناعة يشترك فيها الوعي لما فيها من قدرة هائلة على الإيهام وخلق الأدوار الجديدة للشخصيات، مما يتجاذب مع بنية الرّواية ما بعد الحديثة كونها تؤكد نوعا من التخيلات المعقولة التي توهم المتلقي بذلك؛ لأنّ مهمتها ليستْ نقل ما حدث فعلا بقدر غايتها بترتيب الأحداث في ضمن مسار سردي مستعاد في الذّاكرة بوصفه نسخة مغايرة، عن أحداث مجسدة بمكوناتها السّردية جميعا.

فهي ببساطة ترفض الموقف الواقعي البسيط متبنيّة بدلا منه تخيلا جذريا من المغالطة النّصية النّقيضة، حيث النّزعةُ السّيرية المستكشِفة للذات السّاردة، النزعة التي يكون النّص الأدبي بتأثيرها أسلوبا للبحث عن ذاكرة بديلة(15)، فما وراء الذّاكرة في موت الأب هو ذاته ما وراء الحكاية التي يصطنعها السّرد المتخيل، كون النّص لا ينقل أو يخلق بل يصنع عالما مختلفا بتبنيه قوانين مختلفة تسعى لتكوين حكايته بما فيها من ذاكرة متعلقة بالذات الحكائية الخلاقة، ذات فردية لكنّها تذوب في الذّاكرة الجماعية التي تنتج حكايات متباينة مصدرها الافتراء والتخيل: «أتراه حقا يقص عليّ حكاية أبيه؟ أم تراه يروي لي حكايات يبتدعها عقله ووجدانه الساخن؟ قلت لنفسي، إذا شاء أنْ أكتب كل ما رواه نيابة عنه، وإذا ما أصر على صياغته فإنني سأشترط عليه أن أكون حرا في اختيار ما أراه مناسبا، إنني في الحقيقة سأكون مضطرا لكتابة روايتين في نص واحد.» (ص278-279)

وإذا كان السّرد في رواية (موت الأب) يعتمد التذويت وسرد الذكريات الذاتية المصطنعة، فإن السّرد في رواية (أجنحة البركوار) يصطنع ذاكرته عن طريق الافتراض الواعي للواقع، بالانتقال المستمر للحكاية عبر رواة متعددين يولد تناوبهم على سردها نسقا ميتاحكائيا يمثل مركزا لهذه الذاكرة، وحقيقة الأمر أنّ المؤلف -عباس عبد جاسم - سبق أنْ جرب هذا المعطى السّردي في روايته السّابقة (السواد الأخضر الصافي- رواية نص) التي قدمتْ رؤية جديدة لبناء الحبكة وسرد أحداثها عن طريق سرد مركزي يروي فيه رواة مختلفون أكثر من حكاية اعتمادا على تقنية الميتاسرد بلغة ما ورائية تقترب كثيرا من لغة التأريخ أو اللغة الدينية القديمة، وكأنها رواية لنص قديم أكثر منه رواية معنية بتقديم حبكة متواصلة ذات غاية واضحة، وهي تقترب بذلك من لغة روايات عربيّة شهيرة مثل: (حدث أبو هريرة قال) و(سابع أيام الخلق)، ولكشف الوجه الآخر للحكاية يقدم النّص حاشية/ هامش مرتبطا سرديا بما يحدث في السّرد المركزي داخل مجريات الأحداث وتقديمها على هيئة ذاكرة متخيلة، يقدم المركز جزءا منها ثم يعمد الهامش إلى تقديم ما أغفله المركز، بحيث تمحى الذاكرة وتظهر مع أطراس النّصوص المحكية (فصل حمامة اليعسوب ص70)، (فصل دليل المرويات ص78).

أما في (أجنحة البركوار) فقد عمد على تقديم حكاية مفترضة حاول فيها الابتعاد عن الواقع المباشر إلى منطقة ما فوق الواقع، مع استثمار للغة الما وراء عن طريق تعدد الرواة المتناوبين على سرد حكاية سرية هي حكاية دكتاتور اسمه (أدهم الشهواني)، ومع أنّ البناء العام للرواية قريب من بناء الروايات الرسائلية في تصديها لحكاية أو مجموعة حكايات برؤى متباينة ووجهات نظر مختلفة بين الرواة المتعددين الذين يتصدون لمركز الحكاية المنقولة بصيغة الحكي/ الرّواية داخل الحكي/ الرّواية(16)، إلاّ أنّ الرّاوي الأكثر مصداقية من الرّاويين الآخريين في سرد هذه الحكاية هو(أيوب) الشخصية المركزية المقربة من الشهواني.

ويمثل في الرّواية ذاكرة المكان التي يستقي منها الرّاويان الآخران مصداقية حكيهما، وهما (أحمد الطيب) النّاقل عن أيوب و(دليل بن يعقوب البغدادي) الذي يمثل الأطراس التأريخية وذاكرتها القديمة الشّاهدة على حادثة مفترضة في الحاضر، وما يعنينا هنا طبيعة الذّاكرة المصطنعة سرديا عن طريق سرد حكاية الشهواني بالتناوب عند الرواة الثلاثة؛ لأنّ النّص لا يحيل إلى ماضٍ معروف أو مستعاد بل هو ماض كوّنتْه الحكاية نفسها من أسرار بناية (البركوار) ومركز التخطيط فيها (الريمشن)، هكذا يبدأ أيوب سرد الحكاية: «بعد أنْ مضى السيد أدهم الشهواني إلى حتفه، وانهارت أجنحة البركوار، مرت سنوات طويلة، أرخ فيها كتبة ورواة وشهود عيان لتفاصيل ما حدث، ولكن لا تزال أسرار البركوار مقفلة، ورغم مرارة تأريخ الأسى، لا أحد يعلم بالمسكوت عنه سواي.» (ص7)

فالذّاكرة تبنى على وفق نظام لا مركزي لسرد مجهول الزمن لا يقيني كونه لا يقدم الحقائق بل يفترضها من أديم تأريخ مسكوت عنه، فماضي السّرد يفتري حاضره-زمن السرد- كون لذة التلقي تكمن في جزء وجودي من هذا الحاضر، لهذا تكون تجربة الكتابة أسلوبا مغايرا للتغلب على الثغرة بين ماضي الأحداث وحاضرها عن طريق اصطناع الخيال؛ ليتحقق بذلك وعي شامل لا زمني، وبذلك يتم ليس نقل الحقيقة فقط، بل افتراض حقائق مغايرة تمد الكتابة الرّوائية بشيء من روح المعاصرة، بمعنى، أنّ الرّواية تصنع بنية اجتماعية أكثر مما هي تنقلها بواقعية جامدة، واقعية خارجية مفترضة تعتمد على افتراض ذاكرة عالمها المستقل بذاته عن الحقائق التأريخية.

«كنت على يقين بأنني نسيت أن أذكر لأحمد الطيب اهتمامات أدهم الشهواني ... روى البغدادي قال: هذه البلاد تزهو بالحروب، وعسكرة الاحتفالات، ولم يذكر عويل الأمهات وأحزان الأرامل الموطوءات، حتى لم يقل بأنّ هناك هزيمة في الأمام وانتصار في الماوراء.» (ص80 ، 98) وكما يبدو جليا أنّ اصطناع ذاكرة الرّاوي الأول والثاني معنية بافتراض الأحداث الحاضرة، بينما ذاكرة الثالث متجهة نحو احتمالات الماضي وعلاقة المفترض بالكائن فعلا، وهذا نمط واقعية تصنع أحداثها على غرار الرؤية العلمية المعاصرة التي تؤمن بذوبان عالمي الخيال والحقيقة ببعضهما لإنتاج عالم مستقل بذاته(17).

إذن هناك وعيٌ ورغبةٌ متجسدان في الرّواية العراقيّة المعاصرة يعملان على تكوين بنية مغايرة يمكن وصفها بانفراط المقدس واليقيني الذي أسستْه روايتا ما قبل الحداثة والحداثة ومحاولة الخروج عنه، بتشكيل رؤية مغايرة لتلك القناعات ، تعمل على صوغ الكتابة من جديد وتكتشف الزّمن بروح مختلفة؛ لكي تستعيد جوانبه المرئية والمكوَنة من افتراضات الذاكرة واصطناع الخيال الأدبي. وقد تجسد ذلك بمستويات معرفية استطعنا من خلالها معرفة الكيفية التي يستطيع بها الرّوائي اصطناع ذاكرة متخيلة لحكايته، وذلك باللجوء الجمالي إلى تأريخانية زمن النّص، وتصنيع الخرافة من نقطة لقائها مع الواقع، ثم باستنطاق درجة كتابية لما وراء اللغة تحتفي بما وراء ذاكرة الحكاية، وهذه المستويات جميعا تتضافر معا لتكوين ما يمثل وصفنا للرواية العراقية المعاصرة بــ(السّرديات المُصْطنعة).

الخاتمة
مما لاشك فيه أنّ هيمنة الوسائل التكنولوجية المصاحبة للتحولات المعرفية الكبرى ولاسيما في المجتمعات المواكبة للحداثة وما بعدها، أحدثتْ نوعا من فتور التلقي الذي أثر سلبيا على الإبداع المكتوب مثل الرّواية، بسبب الشيوع الكبير لقنوات الميديا والنت وأنظمة البث المكبرة والعناية الفائقة التي شهدتها السينما وصناعة الأفلام فيها وإنتاج الدراما التلفازية. وهذا ما حاول الكتاب الواعون من الروائيين تبنيه؛ لذلك عدلوا إدراكهم الفني نحو متطلبات ومقولات جديدة مغايرة لما اعتادتْ عليه الذّاكرة الكتابية والأدبية بالنزوع نحو تحولات تقانات العصر ورؤية المجتمع للعالم المتحضر.

لذا وبتأثير مباشر من إبداع مجتمعات ما بعد الصناعة وما بعد الحداثة، بدأ المبدع والمتلقي كلاهما يمارسان لعبة واعية في إدراك النتاج الإبداعي المغاير ليقينيات الذائقة، فبعد الاحتفاء بظاهرة الصوت والصورة في ظل الثقافة البصرية، ثمة نزوع جديد نحو ظاهرة العوالم الافتراضية، ليس على طريقة الافتراض الرقمي، بل افتراض كتابي استقته الرّواية من كل ما تقدم من تقانات وتأثيرات فنية للانتقال إلى إنتاج نص ما بعد الحداثة الذي تكون فيه اللغة والرؤية المعرفية الواعية بضرورة التحول إلى واقع جديد مغاير، أقول: تكون فيه اللغة والرؤية موازيتين للصوت والصورة والافتراض الرقمي والتكنولوجي، باستثمار مجدٍ للمحتمل واللايقيني وما فوق الواقع للوصول إلى نسخة مغايرة من الرواية التي تعرف بـ(رواية ما بعد الحداثة).

من هذا المنطلق الواعي بضرورات العصر بدأ الرّوائي العراقي المعاصر لكل هذه التحولات الكبرى بتبني نمط مغاير ليقينياته وذاكرته وذائقته، بإنشاء نص روائي قادر على اصطناع سردياته متخذا لذلك إجراءات متباينة، مثل الاعتناء بالتأريخ خيالا لا حقيقة، للوصول إلى تأريخانية ثقافية له لا تستعيد الماضي بل تعمد إلى تصنيعه من جديد، ثم العودة إلى إنتاج الخرافة من جديد، ولكن لغاية معرفية جمالية تصنع الخيال لا تتبناه من الحكايات والأساطير، فيكون بذلك النّص الروائي ما بعد الحداثي مهيّأً لاجتذاب ما وراء الحكايات والذاكرة المستعادة، بتجريب السّرد النرجسي والميتاقص وما وراء اللغة والخيال.

ولكنْ تبقى الإعاقة الكبرى التي تواجه هذه السّرديات المعاصرة في أدبنا الحديث والمأزق المحيط بالروائيين فعلا، هو (سمة القطيعة) بين الظروف المعرفيّة والسّوسيولوجية التي أنتجتْ مثل هذه السّرديات وبين النّصوص المُنْتَجة، ففي المجتمعات ما بعد الصناعية في العالم الغربي نضجتْ المعرفة فتحولتْ بعدها إلى هذه العوالم الافتراضية المصطنعة بوصفها نتيجة طبيعية لما بعد الحداثة، أما لدينا فلم يتحقق ذلك؛ لأنّه تمَّ على مستوى الوعي الفردي فقط ــ ذهنية ورؤى المبدع ـــ ولم يرسخْ عن طريق المنظومة السّوسيولوجية المتحولة نحو الازدهار الصناعي والتكنولوجي كونها تعيش نكوصا معرفيا واضحا، وهذا مكمن المأزق الذي لا يمكن التكهن بتحولاته المعرفيّة في الوقت الحاضر.

 

ناقد وأكاديمي من العراق

 

الإحالات:
(1) ينظر: مفاتيح اصطلاحية جديدة (معجم مصطلحات الثقافة والمجتمع): طوني بينيت وآخرون: ترجمة سعيد الغانمي: مركز دراسات الوحدة العربية: بيروت- ط1: 2010: 347.

(2) ينظر:السّرديات المُصطنعة: خالد علي ياس: جريدة القدس العربي: السنة السابعة والعشرون: العدد(8261):20تشرين الأول ــ 2015: 13.

(3)ينظر: الذاكرة في الفلسفة والأدب: ميري ورنوك: ترجمة فلاح رحيم: دار الكتاب الجديد المتحدة: ط1-2007: 152.

(4)ينظر: دروس في الاستطيقا(مج1):غ.ف.ف.هيغل: ترجمة وتقديم ناجي العونلي: منشورات الجمل:ط1-2014: 227. مدخل في نظرية النّقد الثقافي المقارن: د.حفناوي بعلي: منشورات الاختلاف (الجزائر):ط1-2007: 54 وما بعدها.

آخر الملائكة: فاضل العزاوي: رياض الريس للكتب والنشر(لندن/ قبرص):ط1-1992.

(5) ينظر: الخيال (مفهوماته ووظائفه): د.عاطف جودة نصر: الهيئة المصرية العامة للكتاب:1984، 45.عصر الوصول (الثقافة الجديدة للرأسمالية المفرطة): جيرمي ريفكين: ترجمة صباح صدّيق الدملوجي ومراجعة د.حيدر حاج إسماعيل: مركز دراسات الوحدة العربية:بيروت-ط1: 2009: 258-260.

كراسة كانون: محمد خضير: دارالشؤون الثقافية(بغداد):ط1-2001: 9.

(6)ينظر: المصطنَع والاصطناع: جان بودريار: ترجمة د.جوزيف عبد الله ومراجعة د.سعود المولى: مركز دراسات الوحدة العربية:ط1-بيروت:2008: 17.ومما تجدر الإشارة إليه أنّ مصطلح (القص التأريخي الشّارح) إحدى أهم القضايا التي توصلتْ إليها الناقدة الانكليزية ليندا هتشيون في ضمن بحثها عن الرّواية ما بعد الحداثية التي تعتمد في سردها على إشكالية صُنْع القصص والتأريخ. ينظر: الحداثة وما بعد الحداثة: إعداد وتقديم بيتر بروكر: ترجمة د.عبد الوهاب علوب، مراجعة د. جابر عصفور: منشورات المجمع الثقافي العربي (أبو ظبي):ط1-1995: 360. سياسة ما بعد الحداثية: ليندا هتشيون: ترجمة د. حيدر حاج إسماعيل، مراجعة ميشال زكريا: مركز دراسات الوحدة العربية:ط1 – بيروت:2009: 111 وما بعدها.

(7) الذاكرة، التأريخ، النسيان: بول ريكور: ترجمة وتقديم وتعليق د. جورج زيناتي: دار الكتاب الجديد المتحدة (بيروت):ط1- 2009: 34.

(*) يجد النّاقد عباس عبد جاسم أنّ واقعية السّرد قد انعدمتْ تماما في (كراسة كانون) حتى تلاشتْ الحدود بين الواقع والوهم، وهذه نتيجة صحيحة مع اعتراضي الكبير على كلمة (تماما)؛ لأننا لا يمكن أن نخفي الواقع تماما، بل نتتبع أثره في إنتاج فوق واقعي يتناسب مع نصوص المعرفة ما بعد الحداثية المنتجة بفعل العوالم الرقمية والتكنولوجية، وهو بهذا لم ينعدم تماما بل تحولتْ صورته مع تحولات المجتمع ما بعد الصناعي، كما أقر بذلك مفكرو ما بعد الحداثة مثل ليوتار وبودريار. ينظر: ما وراء السرد- ما وراء الرواية: عباس عبد جاسم: دار الشؤون الثقافية العامة (بغداد):ط1-2005: 79.

(8) ينظر: الخيال (مفهوماته ووظائفه) :52 . الذاكرة، التأريخ، النسيان:74.

(9) ينظر: درجة الصفر للكتابة:رولان بارت: ترجمة محمد برادة: دار الطليعة للطباعة والنشر (بيروت): ط1-1980: 56.ولمعرفة مكان الذاكرة ينظر: الذاكرة، التأريخ، النسيان:82.

(**) ينظر في ذلك: المرآة والخارطةــ دراسات في نظرية الأدب والنقد الأدبي: تأليف مشترك: ترجمة سهيل نجم: دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع (سوريا):ط1-2001: 67 وما بعدها. المصطنَع والاصطناع:45 وما بعدها.

(10) ينظر:العلامة (تحليل المفهوم وتأريخه): أمبرتوإيكو: ترجمة سعيد بنكراد: مراجعة سعيد الغانمي: المركز الثقافي العربي (بيروت):ط1-2007: 69-70.

(***) لتفاصيل أكثر حول هذه المسألة ينظر: أشكال الزمان والمكان في الرواية: ميخائيل بختين: ترجمة يوسف حلاق: منشورات وزارة الثقافة (سوريا):1990: 88 وما بعدها.

(11) ينظر: بناء الواقع الاجتماعي (من الطبيعة إلى الثقافة): جون ر.سيريل: ترجمة وتقديم حسنة عبد السميع: مراجعة إسحاق عبيد: الهيئة المصرية العامة للكتاب: ط1-2012: 29. المرآة والخارطة:59.

(12) بناء الواقع الاجتماعي:207، 222. أدب الفنتازيا مدخل إلى الواقع: ت. ي. أبتر: ترجمة صبار السّعدون: دار المأمون للترجمة والنشر (بغداد):1989: 9، 11.

(13) ينظر مقالته(ما بعد الحداثة ومجتمع الاستهلاك) وهي منشورة في: ما بعد الحداثة (تجلياتها وانتقاداتها-ج3):تأليف مشترك: إعداد وترجمة محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي: دار توبقال للنشر(الدار البيضاء):ط1-2007: 29-30 .

(14) ينظر: نظرية لا نقدية (ما بعد الحداثة، المثقفون، حرب الخليج): كريستوفر نوريس:ت رجمة د.عابد إسماعيل: دار الكنوز الأدبية (بيروت):ط1-1999: 74-75.

(15) ينظر: الذاكرة في الفلسفة والأدب:162.

(16) ينظر: الأدب والدلالة: تزيفتيان تودوروف: ترجمة د.محمد نديم خشفة: مركز الإنماء العربي (حلب):1996: 41. بنية النص السردي (من منظور النقد الأدبي): حميد لحمداني: المركز الثقافي العربي: ط3-2000: 49.

(17) ينظر: الواقعية الافتراضية (أجنحة البركوار وصنعة الكتابة الرّواية المعاصرة): د.خالد علي ياس: مجلة الأقلام: العدد الثاني-السنة الخمسون:2015: 54 وما بعدها.بناء الواقع الاجتماعي:231.المصطنع والاصطناع:86.

 

المصادر والمراجع
أجنحة البركوار: عباس عبد جاسم: دار الحوارللنشر والتوزيع(سوريا):ط1-2014.

آخر الملائكة: فاضل العزاوي: رياض الريس للكتب والنشر (لندن/قبرص): ط1-1992.

أدب الفنتازيا مدخل إلى الواقع: ت. ي. أبتر: ترجمة صبار السّعدون: دار المأمون للترجمة والنشر (بغداد):1989.

الأدب والدلالة: تزيفتيان تودوروف: ترجمة د.محمد نديم خشفة: مركز الإنماء العربي(حلب):1996.

أشكال الزمان والمكان في الرواية: ميخائيل بختين: ترجمة يوسف حلاق: منشورات وزارة الثقافة (سوريا):1990.

بناء الواقع الاجتماعي (من الطبيعة إلى الثقافة): جون ر.سيريل: ترجمة وتقديم حسنة عبد السميع: مراجعة إسحاق عبيد: الهيئة المصرية العامة للكتاب:ط1-2012.

بنية النص السردي(من منظور النقد الأدبي): د.حميد لحمداني: المركز الثقافي العربي:ط3-2000.

الحداثة وما بعد الحداثة: إعداد وتقديم بيتر بروكر: ترجمة د.عبد الوهاب علوب، مراجعة د.جابر عصفور: منشورات المجمع الثقافي العربي (أبو ظبي):ط1-1995.

الخيال(مفهوماته ووظائفه): د.عطف جودة نصر: الهيئة المصرية العامة للكتاب:1984.

درجة الصفر للكتابة: رولان بارت:ترجمة محمد برادة: دار الطليعة للطباعة والنشر(بيروت):ط1-1980.

دروس في الاستطيقا (مج1):غ. ف. ف. هيغل: ترجمة وتقديم ناجي العونلي: منشورات الجمل:ط1-2014.

الذاكرة في الفلسفة والأدب: ميري ورنوك: ترجمة فلاح رحيم: دار الكتاب الجديد المتحدة:ط1-2007.

الذاكرة، التأريخ، النسيان: بول ريكور: ترجمة وتقديم وتعليق د. جورج زيناتي: دار الكتاب الجديد المتحدة (بيروت):ط1- 2009.

السّرديات المُصطنعة: خالد علي ياس: جريدة القدس العربي:السنة السابعة والعشرون:العدد(8261):20تشرين الأول ــ 2015.

السواد الأخضر الصافي- رواية نص: عباس عبد جاسم: منشورات الغسق- بابل: ط2-2002.

سياسة ما بعد الحداثية: ليندا هتشيون: ترجمة د.حيدر حاج إسماعيل، مراجعة ميشال زكريا: مركز دراسات الوحدة العربية:ط1 – بيروت:2009.

عصر الوصول (الثقافة الجديدة للرأسمالية المفرطة):جيرمي ريفكين:ترجمة صباح صدّيق الدملوجي ومراجعة د.حيدر حاج إسماعيل:مركز دراسات الوحدة العربية:بيروت-ط1: 2009.

العلامة (تحليل المفهوم وتأريخه): أمبرتوإيكو: ترجمة سعيد بنكراد: مراجعة سعيد الغانمي: المركز الثقافي العربي(بيروت):ط1-2007.

فرانكشتاين في بغداد: أحمد السعداوي: منشورات الجمل (بيروت):ط1-2013.

كراسة كانون: محمد خضير: دارالشؤون الثقافية (بغداد):ط1-2001.

ما بعد الحداثة (تجلياتها وانتقاداتها-ج3): تأليف مشترك: إعداد وترجمة محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي: دار توبقال للنشر(الدار البيضاء):ط1-2007 .

ما وراء السرد- ما وراء الرواية: عباس عبد جاسم: دار الشؤون الثقافية العامة(بغداد): ط1-2005.

متاهة أخيرهم: محمد الأحمد: المطبعة المركزية/ جامعة ديالى: ط1-2013.

مدخل في نظرية النّقد الثقافي المقارن: د.حفناوي بعلي: منشورات الاختلاف (الجزائر): ط1-2007.

المرآة والخارطةــ دراسات في نظرية الأدب والنقد الأدبي: تأليف مشترك: ترجمة سهيل نجم: دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع(سوريا):ط1-2001.

المصطنَع والاصطناع: جان بودريار: ترجمة د.جوزيف عبد الله ومراجعة د.سعود المولى: مركز دراسات الوحدة العربية:ط1-بيروت:2008.

مفاتيح اصطلاحية جديدة (معجم مصطلحات الثقافة والمجتمع): طوني بينيت وآخرون: ترجمة سعيد الغانمي: مركز دراسات الوحدة العربية: بيروت- ط1: 2010.

موت الأب: أحمد خلف: دار الشؤون الثقافية (بغداد):ط1-2002.

نظرية لا نقدية (ما بعد الحداثة، المثقفون، حرب الخليج): كريستوفر نوريس: ترجمة د.عابد إسماعيل: دار الكنوز الأدبية (بيروت):ط1-1999.

الواقعية الافتراضية (أجنحة البركوار وصنعة الكتابة الرّواية المعاصرة): د.خالد علي ياس: مجلة الأقلام:العدد الثاني-السنة الخمسون:2015.