تقرير من الجزائر

إشكالية الأرض والهوية في الصراع العربي ـ الإسرائيلي

عبد الحفيظ بن جلولي

 

محور الإشكالية التي تطرح على مستوى الصراع العربي الإسرائيلي جدليتي الأرض والوطن، ومن الناحية القانونية لا يمكن وصف إسرائيل بالدولة لان من مقومات الدولة الرقعة الجغرافية، وإسرائيل لا تملك الأرض باعتراف المواثيق الدولية التي تصنفها على أنها احتلال، ويمكن أن ندلل على ذلك بقراري الأمم المتحدة 242 و 338، المتعلقين بانسحاب إسرائيل من كافة الأراضي المحتلة سنة 1967، حتى وان كان اعترافا جزئيا بالحق في كل الأرض، والمحتل يستولي على شيء ليس ملكا له، كما أن قرار الجمعية العامة رقم 194 الداعم لحق العودة للاجئين، يضرب ادعاء إسرائيل بامتلاك الأرض في الصميم، لأنه لا يمكن أن نعترف لشخص بالعودة إلى غير وطنه، ومن هنا يتوجب على المبادرات والفعاليات التي تعمل على الحفاظ على هوية الشعب الفلسطيني، أن تكثف عملها في اتجاه تقوية العرى الرابطة للفلسطيني بأرضه، وأول عامل لتحقيق هذا الهدف النبيل هو التوصل إلى عقد المصالحة الوطنية عن طريق تفعيل آلية التنازل لصالح القضية والوطن.

الواقع يبين أن إسرائيل دولة استيطانية تقوم على شحن الوجدان اليهودي على التمسك بفكرة شعب بلا ارض لأرض بلا شعب، حسب ما يفرضه الاغتراب الوجودي من محاولات لإعادة تثبيت الهوية وفق منظورات لاعقلانية تتماشى تماما والسلوك الارتجالي، الذي يضرب خبط عشواء لتثبيت القدم على الأرض كمحاولة أساس لرسم معالم هوياتية بديلة، تُستتبع بالضرورة بكم تنظيري يكرس الظاهرة الاستيطانية، وذلك هو منهج الاستعمار ألاستئصالي، إن في أمريكا أو جنوب أفريقيا أو في الجزائر.

تذكر موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية أن فكرة "ارض بلا شعب لشعب بلا ارض" هو شعار صهيوني يصعب معرفة تاريخ ظهوره. ولكن يمكن القول بأنه صياغة معلمنة للرؤية الإنجيلية القائلة بأن فلسطين هي أرض الميعاد والأرض المقدَّسة، وأن اليهود هم الشعب المقدَّس، ومن ثم فالشعب المقدَّس لابد أن يعود للأرض المقدَّسة، فهو صاحبها. ولعل أول من قام بعلمنة الصياغة هو اللورد شافتسبري الذي تحدث في منتصف القرن التاسع عشر عن الأرض القديمة للشعب القديم. ثم اكتملت عملية العلمنة في الصياغة الحالية «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض». ويبدو أن إسرائيل زانجويل هو صاحب الصياغة الأخيرة.

بعد فحص النص السابق نرى أن الموسوعة تقدم قراءة لما يعمل العقل الصهيوني على تكريسه من خلال الاشتغال على عنصرين أساسيين:

يتمثل العنصر الأول في تسخير المعطى الديني لأغراض توسعية استيطانية، إذ يحاول الصهاينة التفتيش في المتن الديني عن أسانيد تصنع لهم موطئ قدم وهمي لما لا وجود له أصلا، و في مرحلة تالية إيجاد ترتيبات سياسية تتماشى والمنطق الغربي المغلق داخل مركزية عنصرية وابستمولوجية تجعل من الثنائية المفهمية، ابيض اسود أوروبي غير أوربي، يهودي عربي، ثنائية تنغلق على تفوق الأول وتأخر الثاني، فيصبح الإسرائيلي هو صاحب السيطرة وغيره تابع يوفر له أسباب الرفاه، تماما وفق منطق الغويم الذي يعتنقه ويصدّره الفكر الصهيوني.

أما العنصر الثاني يتمركز حول موضوعة الأرض، أو ما يعرف "بأرض الميعاد"، وتقنية الأسطورة في العقل اليهودي، وتفعيل سلبياتها من حيث البحث عن عوامل تثبت مصداقيتها، له خطورته، حيث يتحقق الانتقال من الواقعي إلى الخيالي وما يستتبع ذلك من عواقب الحركة على هذا المستوى كانفصال حتمي عن ما تمليه الضرورة التفاعلية مع المرتب الإنساني في أبعاده التعايشية، وهو ما أهمل في مرحلة ما فبل الحربين العالميتين، وتداركه المنتظم الدولي في ما بعدهما، وعرف بالتعايش السلمي، كحقيقة يفرضها الوجود العضوي للكينونة الإنسانية، فالخيال المنتج من التوظيف اللاواعي للأسطورة يغطّي على هذا الجانب، نتيجة الانفصال النفسي عن الإحساس بالمحيط لاختلاف منابع التلقي، وهو ما يحققه علم النفس عن طريق التنويم المغناطيسي، بحيث يصبح المحلل النفسي متحكما في سلوك المُنوَّم(المريض)، وفي الحالة الإسرائيلية تصبح الأسطورة هي المتحكم في السلوك ـ مثال الهولوكوست أيضا ـ، لهذا كل المنتج الصهيوني على مستوى الحركة الحياتية يعتاش من هذا البعد الأسطوري، البروتوكولات يكتنفها السر الأسطوري من حيث المنشأ والتطبيق، والماسونية من حيث مراسيم الانخراط وطرق الترقي في هياكلها.

إن هذا الجانب الأسطوري بخطورته هو الذي يتحكم في التوجه الإسرائيلي وفي سياساته التوسعية التي لا تعير اهتماما للإنساني، لأنه من مخلفات الواقع، بينما الفعل الصهيوني منسجن في المتخيل السلبي.

انطلاقا من هذه الرؤية يتبين أن الأرض تتحكم فيها الأسطورة التي تلغي حسابات الواقع القائمة على التعايش لصالح الخيال السلبي المبني على حسابات الإلغاء.

رغم الصراع الدائر في المحيط الدولي والإقليمي والفلسطيني حول قضايا جوهرية تتعلق أساسا بهوية الفلسطيني ومحاولات إبعاده عن الأرض والوطن إلا أن معطيات الواقع وفلسفة الوجود تأبى إلا أن تكون عاملا مدعِّما يحسب للفلسطيني صاحب الحق وليس ضده، ومع ذلك يبقى المفتاح الوحيد لتفعيل هذا الدعم هو رأب صدع الانقسام الفلسطيني والعربي.

إن اشد ما يخيف العدو فاقد السيطرة الوجدانية على الأرض هو قبر الفلسطيني الذي يعتبر ختما تاريخيا يلحق الحق في الأرض بصاحبه عن طريق الذاكرة التي تنبثق بمجرد موت الجسد، وإلا كيف نفسر رفض إسرائيل دفن جثامين الزعماء الفلسطينيين ومنهم عرفات في القدس، إلا إذا كان ذلك يشكل خطرا يهدد وجود إسرائيل.

إن اشد ما يواجه إسرائيل فيما يتعلق بموضوعة الأرض، هو الاستمرار الوجودي لها في الوعي والذاكرة الجماعية العربية والإسلامية والعالمية كحقيقة عربية فلسطينية، وإلا ما طالب المجتمع الدولي بالاعتراف ولو بالحق المنقوص للشعب الفلسطيني بإقامة دولته على جزء مما يمتلكه أصلا.

هناك عامل ثقافي/ واقعي يدعم حق الفلسطيني في أرضه هو المبدأ القائل بان الجغرافيا هي العامل الوحيد الثابت في التاريخ، والوعي الإنساني ليس بليدا إلى الدرجة التي يتنكر فيها كلية للحق التاريخي للفلسطينيين في أرضهم، ولعل مذبحة غزة أثبتت شيئا من فعالية الوعي العالمي بأبعاد القضية الفلسطينية المبنية أساسا على الأرض والهوية والوطن. 


كاتب من الجزائر