بمناسبة مرور الذكرى العاشرة على وفاة محمود أمين العالم (ت: 10 يناير 2009)، تعيد (الكلمة) نشر النص الذي قدمه الكاتب السوداني المرموق في ليلة تكريمه بمناسبة نيله جائزة مؤسسة أبن رشد للفكر الحر ببرلين. 8 ديسمبر 2001، وتعيد أيضا نشر أحد نصوص محمود أمين العالم الدالة على فكره ومنهجه.

الشيخ علي عبد الرازق

الإسلام وأصول الحكم

محمود أمين العالم

 

منذ ما يقرب من أربعة أشهر، طرقت باب الشيخ علي عبد الرازق، أتعرف في شخصيته على ملامح من فكرنا الحديث، وأستأذنه في إعادة طبع كتابه الإسلام وأصول الحكم الذي صادره الملك فؤاد وسلطة الاحتلال البريطاني منذ واحد وأربعين عامًا.
وجدته شيخًا وقورًا تزيد سنه على الخامسة والسبعين، ولكنة متماسك البناء، يقظ الفكر حاسم الرأي، يمتلك ناصية الحديث في دمائة خلق، وخفة روح، وإن لم يخل من حدة في الطبع.
قال لي متهللاً:
أما زلتم تذكرون هذا الكتاب؟
فأجبت: إنه من التراث الباقي لفكرنا العربي الحديث.
وسألني في لهجة لا تخلو من التشكك: ولماذا تريدون إعادة طبعه؟
وأجبته: إننا نحرص على إحياء تراثنا القديم. ونحرص كذلك على إبراز تراثنا الحديث، حتى نحدد بهما معًا بعض ملامح فكرنا العربي. وأضفت: أن جيلنا يدين لكتابك بالكثير، لما يتضمنة من منهج علمي وفكر ناضج وموقف جسور.
وواصل الشيخ علي عبد الرازق تساؤله المتشكك:
ولماذا لا تطبعونه من تلقاء أنفسكم؟ ولماذا تستأذنونني؟
فأجبته: إننا نفعل هذا احترامًا لشخصك ولجهودك، ولعلنا نأمل كذلك أن تكتب مقدمة للكتاب، تسرد لنا فيها قصة المعركة التي صاحبت صدورة ومصادرتة ... بهذا يخرج الكتاب في إطار قديم جديد معًا.
وأحسست إحساسًا غامضًا أن الشيخ يتردد في قبول اقتراحي، دون أن يصرح بذلك.
وراح يقص علي ما لاقاة من عنت واضطهاد بسبب هذا الكتاب.
كان قاضيًا بمحكمة المنصورة اَنذاك، وكان يحمل شهادة العالمية من الأزهر فحورب في عمله، واجتمعت عليه هيئة كبار العلماء، وجردته من العالمية ولولا أنه من أسرة غنية لتضور جوعًا.
وسكت الشيخ علي عبد الرازق طويلاً ثم قال لي في مرارة وحزن:
أتعرف أنهم كادوا أن يطلقوني من زوجتي؟
وقلت: لهذا الحد! فقال:
على أني لحسن الحظ لم أكن متزوجًا حينذاك. فضاعت عليهم الفرصة!
وأبصرت في ملامح الشيخ علي عبد الرازق وفي حديثه سنوات طويلة من العزلة والاضطهاد، وأحسست أن هذه السنوات الطويله لا تزال تلاحقه بأشباحها السوداء.
ولهذا لم يفاجئني عندما انتهى من حديثه الطويل عن الماضي قائلاً في حسم: أطبعوا الكتاب كما تشاؤون، ولكن دون استئذاني.
ما أريد أحمل أي مسؤولية في ذلك. وقلت في مودة: ولكنه كتابك ياسيدي، كتابك الجدير بالفخر والاعتزاز .. هل تتخلى عنه؟ وأجابني:
لا .. لست أتخلى عنه، ما تخليت عنه أبدًا. على أني لست مستعدًا أن ألاقي بسببه أي أذى جديد. ما عدت أستطيع ذلك. كفاني ما لاقيت.
وقلت له: لقد انتهى ذلك العهد البغيض. ولن تلقى اليوم ولن يلقى كتابك غير التكريم والتقدير والإشادة، من المفكرين ومن الدولة على السواء.
فأجابني: من يدريني، من يدريني، أريد توكيدًا من الدولة، أريد ضمانًا.
وقلت له: إن واقعنا الفكري والاجتماعي الجديد هو خير ضمان ..
وهز رأسه قائلاً:
لم أعد أحتمل أي مغامرة جديدة .. من يدري .. اطبعوا الكتاب على مسؤوليتكم، ولا تطلبوا مني إذنًا بغير ضمان أكيد أطمئن إليه.
وخرجت من لقائي به، وقلبي مفعم بمشاعر شتى من التقدير والإشفاق والحزن.
لقد رأيت في هذا الشيخ الجليل بقايا جرح كبير من جراح العهد الماضي، ما زال يسيل خشية ومرارة وعزلة رغم تعاقب السنوات وتغير الأوضاع.
ورحت أبحث عن وسيلة أملاً بها نفسه بالطمأنينة والرضا.
ثم شغلني السفر إلى الخارج عن هذه القصة، وعندما عدت من سفري، وعاودت الاهتمام بها، فاجأتني الأنباء بوفاة الشيخ علي عبد الرازق، وأحسست في نفسي بغصة. تمنيت أن يخرج الكتاب في حياته، ليكون معنى من معاني الوفاء والعرفان بالجميل، يقدمه جيلنا المعاصر لهذا الجيل السابق الذي مهد لنا الطريق.
وكتاب الإسلام واصول الحكم هو يحق أحد معالم ثورتنا الفكرية الربع الأول من هذا القرن.
ويقف هذا الكتاب إلى جانب طائفة من الكتب كان لها أعمق الأثر في صناعة ملامح فكرنا الحديث، لعل من أبرزها وأنضجها كتاب في الشعر الجاهلي لأستاذنا الدكتور طه حسين الذي صدر عام 1926 بعد عام واحد من صدور كتاب الإسلام وأصول الحكم ومصادرته. ولقد لاقى كتاب الدكتور طه حسين نفس المصير الذي لاقاه كتاب الشيخ علي عبدالرازق.
وكتاب الشيخ علي عبدالرازق - كما يقول في عنوانة - بحث في الخلافة والحكومة في الإسلام. على أنه في الحقيقة لا يقف عند هذا الموضوع فحسب، إنه يبحث في الخلافة ويدحضها باعتبارها بدعة تنتسب إلى جوهر الدين الإسلامي في كثير أو قليل، ولكنه إلى جانب ذلك يعرض للحكم الملكي، فيدينة، ويفصح حقيقته الاستبدادية، ويحذر من مغبته على حياة الناس المعيشية والفكرية على السواء. على أن الكتاب فضلاً عن ذلك دعوة جهيرة واعية إلى الأخذ بالحياة المدنية المتحضرة، التي تقوم على استلهام روح الفكر العلمي، والخبرة الإنسانية العلمية.
أما الموضوع الأول فيعالجه الشيخ علي عبدالرازق بروح المؤمن المسلم المتمكن من مصادر الشريعة الإسلامية وأصولها، المتفهم لأوامرها ونواهيها في غير جمود أو تزمت.
إنه يؤكد منذ البداية أن الشريعة لم تعترف بوجود الخلافة أو الإمامة فليس هناك نص في القراَن أو الحديث يشير إلى الخلافة كنظام للحكم يلتزم به المسلمون في تصريف شؤونهم. ولم يكن لرسول الله عليه السلام شأن في الملك السياسي، بل خلى عهده من مظاهر الحكم وأغراض الدولة فلم يكن هناك ترتيب حكومي، ولم يكن ثمة ولاة ولا قضاة ولا ديوان لإدارة شؤون الدولة، أو ميزانية للصرف على وجوهها المختلفة. وما أكثر الآيات الدالة على أن النبي كان رسولاً لا يتجاوز عمله السماوي حدود البلاغ المجرد من كل معاني السلطان. وما أنت عليهم بوكيل فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر وما أرسلناك إلا مبشرًا ونذيرًا.
والوحدة التي قامت زمن النبي لم تكن وحدة سياسية بأي وجه من الوجوه كما يقول الشيخ علي عبدالرازق، ولا كان فيها معنى من معاني الدولة والحكومة، وإنما كانت وحدة دينية خالصة من شوائب السياسة .. كان الخضوع للنبي خضوع عقيدة وإيمان، لا خضوع حكومة وسلطان. ولهذا لا توجد بعده زعامة دينية. ومات النبي دون أن يعين من بعده خليفة، أو يحدد نظامًا للحكم. وما كان حكم الخلفاء من بعده إلا حكمًا يقوم على الملك والسلطان، وهو حكم مدني وليس خلافة للنبي في رسالته الدينية، ولا أدل على ذلك من أن الذين رفضوا مبايعة أبي بكر لم يصبحوا كافرين مرتدين عن العقيدة.
إن الخلافة إذن ليست زعامة دينية، بل هي شكل من أشكال الحكم المدني، يحاول البعض أن يكسبه الثوب الديني، تمكينًا وتدعيمًا له.
وما أكثر من حاولوا بهذا الثوب الديني إخفاء ما وراءه من بطش واغتصاب واستبداد. والتاريخ الإسلامي منذ الفتنة الكبرى في عهد عثمان حتى الخلافة العثمانية في الاستانة حافل بالأمثلة.
كانت الخلافة طوال هذه العصور حكمًا استبداديًّا غاشمًا يقوم على القهر والتعسف.
على أن الدين براء من هذا كله.
ولم تكن إثارة الشيخ علي عبدالرازق لهذه القضية خالية من المضمون السياسي المباشر. ففي هذه السنوات كان مصطفى كامل أتاتورك قد أسقط نظام الخلافة في تركيا، فتسلمها الإنجليز، وراحوا يبحثون لها عن عرش يظلونه بظلها حتى يتمكنوا من بسط نفوذهم وسيطرتهم على العالم الإسلامي كله من ورائها. فاختارو الملك فؤاد الجالس حينذاك على عرش مصر، وراحوا يتحايلون على تنصيبة خليفة للمسلمين. ولعل هذه المحاولة القديمة لا تختلف كثيرًا عن المحاولة الأمريكية الجديدة لإقامة حلف إسلامي بزعامة ملك جديد هو فيصل لتحقيق الهدف نفسه وإن اختلفت الأشكال والملابسات.
ولهذا كان تصدي الشيخ علي عبد الرازق لتلك القضية الفقهية تصديًا سياسيًّا في المحل الأول، ولهذا كذلك ثار الإنجليز وثار الملك فؤاد، وقامت قيامتهما على كتاب الشيخ علي عبد الرازق.
على أن الكتاب كما أشرنا من قبل لم يقف عند تلك الحدود التي ذكرناها إنما تعرض كذلك بصورة مباشرة للنظام الملكي نفسه فهو يقول في مستهل كتابه إن ذلك الذي يسمى عرشًا لا يرتفع إلا على رؤوس البشر، ولا يستقر إلا فوق أعناقهم، وإن ذلك الذي يسمى تاجًا لا حياة له إلا بما يأخذ من حياه البشر ولا قوة إلا بما يغتال من قوتهم ولا عظمة ولا كرامة إلا بما سلب من عظمتهم وكرامتهم. ويقول وإنه لطبيعي كذلك في الملك أن يكون عدوًا لدود لكل بحث ولو كان علميًّا يتخيل أنه يمس قواعد ملكه..
ثم يقول في موضع أخر تلك جناية الملوك واستبدادهم بالمسلمين، أضلوهم عن الهدى، وعموا عليهم وجوه الحق، وحجبوا عنهم مسالك النور باسم الدين، وباسم الدين أيضًا استبدوا بهم وأذلوهم وحرموا عليهم النظر في علوم السياسة، وباسم الدين خدعوهم وضيقوا عقولهم.
وما كان اشجع هذه الكلمات وأروعها في وجه النظام الملكي في بلادنا في ذلك الوقت.
على أن الكتاب - كما أشرنا كذلك من قبل يتضمن جانبًا ثالثًا لا يقل خصوبة وجدية عن هذين الجانبين، إنه الدعوة الواضحة الجهيرة إلى التأمل العقلي، والخبرة العملية والرؤية الموضوعية في معالجة الشؤون المدنية.
إنه يقرر في مستهل كتابه أن المغامرة في بحث هذا الموضوع قد تكون مثارًا لغارة يشنها أولئك الذين لا يعرفون الدين إلا صورة جامدة، ليس للعقل أن يحوم حولها، ولا للرأي أن يتناولها. ثم هو يحدد منهج بحثه العلمي تحديدًا دقيقا في قوله: إن احتمال جهلنا ببعض الحقائق لا ينبغي أن يمنعنا من الوثوق بما علمنا بها، واعتبارها حقائق علمية، نبني عليها الأحكام، ونقيم المذاهب، ونبين بها الأسباب، ونستخلص منها النتائج، حتى يظهر لنا ما يخالفها ويثبت ثبوتًا علميًّا. ثم يشير بعد ذلك إلى العلاقه بين الدين والتنظيم المدني للحياة قائلاً: إن تدبير الجيوش الإسلامية، وعمارة المدن والثغور ونظام الدواوين، لا شأن للدين بها، وإنما يرجع الأمر فيها إلى العقل والتجريب أو إلى قواعد الحرب أو هندسه المباني وآراء العارفين. ثم يختتم كتابه بهذه الدعوة الواعية: لاشيء في الدين يمنع المسلمين أن يسابقوا الأمم الأخرى في علوم الاجتماع والسياسة كلها، وأن يهدمو ذلك النظام العتيق الذي ذلو له واستكانوا إليه وأن يبنوا قواعد ملكهم ونظام حكومتهم على أحدث ما أنتجت العقول البشرية وأمتن ما دلت تجارب الأمم على أنه خير أصول الحكم.
هذه هي الأركان الثلاثة الأساسية لهذا الكتاب الجليل. إنه يفصل بين الدين وبين دعوة الخلافة والحكم المدني الذي يستغل الدين للبطش والاستبداد. وهو يفضح الحكم الملكي الاستبدادي ويبين مفاسده وشروره، وهو يدعو إلى إقامة الحكومة المدنية على أساس من العقل والخبرة لصالح البشر أجمعين.
والكتاب في إطاره التاريخي في نهايه الربع الأول من القرن العشرين يعد تعبيرًا بالغ الجدية والجسارة على الوعي العلمي والموضوعية الفكرية.
وما أكثر ما ثار حول هذا الكتاب من معارك فكرية، لقد انقسم المفكرون المصريون في ذلك الوقت بين مؤيد للكتاب، مدافع عنه، وبين ساخط عليه رافض لحججه، وكان على رأس الساخطين الرافضين الشيخ محمد الخضر حسين الذي كتب كتابًا في الرد عليه بعنوان نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم. على أن كتاب الشيخ محمد الخضر حسين، كان يغلب عليه التملق للملك فؤاد والتأييد لملكه. ولم تكن حجته في معارضة كتاب الشيخ على عبد الرازق، على مستوى لائق من التماسك والعمق. وكان الحزب الوطني وحزب الوفد من الساخطين الرافضين كذلك للكتاب. ولكن سخطهما وغضبهما كان جزءًا من صراعهما السياسي مع حزب الأحرار الدستوريين الذي كان ينتسب إليه الشيخ علي عبد الرازق. والغريب أن يصدر هذا الكتاب من رجل من رجال حزب الأحرار الدستوريين الذي كان يشارك في الحكم في ذلك الوقت متحالفًا مع حزب الاتحاد في ظل حكومة يرأسها زيور، توقف الدستور وتفرض على الشعب حكم الاستبداد والطغيان والبطش. والغريب كذلك أن يتصدى للدفاع عن هذا الكتاب كوكبة من كتاب جريدة السياسة الأسبوعية، جريدة حزب الأحرار الدستوريين كذلك. ولعل من أبرز هؤلاء الكتاب الدكتور طه حسين، والدكتور محمد حسين هيكل والدكتور منصور فهمي والأستاذ ابراهيم عبد القادر المازني.
ولقد انفجرت بسبب مصادرة هذا الكتاب أزمة في التآلف الوزاري نفسه.
طلب الملك فؤاد من عبد العزيز فهمي وزير الحقانية في تلك الوزارة أن يفصل الأستاذ علي عبد الرازق من القضاء بعد أن صدر قرار هيئة كبار العلماء بإدانته، فتلكأ الأستاذ عبد العزيز فهمي في تنفيذ ذلك، بل أحال الموضوع إلى قلم قضايا الحكومة لإبداء الرأي. فأقيل عبد العزيز فهمي من الوزارة، وتأزم الموقف في حزبه وسرعان ما استقال زميلاة الآخران من الوزارة.
ولقد كشفت هذة الأزمة عن صراع جاد داخل حزب الأحرار الدستوريين نفسه، بين مؤيد للكتاب، وساخط عليه.
على أن معركة الكتاب الحقيقية كانت المعركة الفكرية على صفحات مجله السياسة الأسبوعية.
ولعل هذه المعركة تثير موضوعًا من أخصب الموضوعات وأعقدها في تاريخنا الحديث. فكيف نفسر صدور هذا الكتاب الذي يدعو إلى حرية الفكر عن واحد من رجال حزب الأحرار الدستوريين، بل كيف نفسر كذلك موقف هذه الكوكبة من الكتاب الأحرار الذين تصدوا للدفاع عن الكتاب في مجلة هذا الحزب.
ولقد تناول هذا الموضوع منذ سنوات بعيدة الصديق الأستاذ أحمد بهاء الدين في مقال ممتع عن هذا الكتاب، وانتهى فيه إلى تفسير موضوعي سديد لهذه الظاهرة الغريبة. لقد فرق بين الحرية كعقيدة اجتماعية والحرية كمنهج فكري. أما الحرية كعقيدة اجتماعية فهي أساس لتحديد النظم والحقوق والواجبات، ويختلف باختلافها أشكال الحكم ونظم الحياة الاجتماعية والسياسية عامة. أما الحرية كمنهج فكري فهي موقف فلسفي عام يؤمن به أفراد قليلون ممن حصلوا قسطًا عاليًا من الثقافة الرفيعة. والحرية بهذا المعنى عندهم حق إنساني يتمتع به السادة والممتازون.
وبهذة التفرقة يفسر التناقض الخطير بين موقف حزب الأحرار الدستوريين من الحريات الاجتماعية والسياسية للشعب، إنهم يرفضونها، بل يشاركون في النظم الاستبدادية غير الدستورية. ولكنهم في الوقت نفسه متحمسون للحرية كمنهج فكري عام للخاصة منهم، دون ارتباط بين هذه الحرية الفكرية، وبين الحرية الاجتماعية والسياسية.
ولعل هذا التفسير أن يغطي جانبًا كبيرًا من الظاهرة، ولكنه قد يحتاج إلى إضافة، لو تعمقنا في الطبيعة الاجتماعية لحزب الأحرار الدستوريين، التي لامسها التفسير السابق لمسًا سريعًا. إن حزب الأحرار الدستورين هو الامتداد الاجتماعي والسياسي لحزب الأمة الذي تشكل عام 1906 والذي حدد الأستاذ لطفي السيد أهدافه العامة على النحو التالي: هناك سلطتان أساسيتان في المجتمع المصري، هما سلطة فعلية هي الاحتلال البريطاني وسلطة شرعية هي السراي. وينبغي أن تقوم بين هاتين السلطتين سلطة ثالثة هي سلطة الأمة، متعاونة معهما، باحثة لنفسها عن مكانة بينهما. وتتمثل سلطة الأمة عند لطفي السيد فيمن يسميهم سراة البلاد وأعيانها. لم يكن حزب الأحرار الدستوريين إلا إمتدادًا فكريًّا وسياسيًّا لهذا الخط القديم الذي حدده لطفي السيد ... وكان يمثل من الناحية الاجتماعية كبار ملاك الأراضي أساسًا. مع عدد من الرأسماليين، المندمجي المصالح مع كبار الملاك. وكان حزب الأحرار الدستوريين يسعى إلى سلطة ثالثة بين سلطة الاحتلال وسلطة السراي، وفي إطار الوضع الاجتماعي والاقتصادي القائم حينذاك.
ولعلنا بهذة الإشارة السريعة أن نتبين معنى الحرية التي كان يرفع لواءها هذا الحزب وطبيعة الصراع حول هذا المعنى داخل صفوفه.
كانت الحرية التي يدعو إليها هي حرية الحركة له بين السلطتين القائمتين. إنها حرية للفئات التي يمثلها في حدود التحالف والتعاون بين هاتين السلطتين. حرية المشاركة في السلطة، حرية التعبير عن مصالح تلك الفئات، لا حرية الشعب من الاحتلال ولا ديمقراطيتة في مواجهة مستغليه. وإذا كان الصراع داخل صفوف الحزب حول معنى هذه الحرية وحدودها يعبر عن الطبيعة الاجتماعية المزدوجة إلى حد ما لهذا الحزب، فإن التعبير عن هذه الحرية الفكرية والمعركة التي احتدمت بشأنها كان تعبيرًا عن الجانب الأرقى والأنضج والأكثر تطورًا في هذه الطبيعة. على أنها على أية حال - كما ذكرنا - حرية فكرية خالية من المضمون الاجتماعي التقدمي. منفصلة عن المصالح الأساسية لجماهير الشعب.
وبرغم هذا كله فإنها كانت تتضمن معنى تقدميًّا وإيجابيًّا عامًا في إطار الملابسات العامة للمجتمع المصري في ذلك الوقت.
على أن معركة الحرية هذه لم تدم طويلاً في صفوف حزب الأحرار الدستوريين. فسرعان ما تم الاستقطاب الفكري داخله. وغلب عليه التمثيل الكامل لكبار الملاك. وصمت الشيخ علي عبدالرازق ولا أدري فلعل منح الباشوية بعد ذلك كان ثمنًا لهذا الصمت. وخرج الدكتور طه حسين من صفوف حزب الأحرار الدستوريين ليواصل معركة الحرية الفكرية ومعركة الديمقراطية في إطار حزب الوفد على مستوى جديد.
وليس يعنينا هنا أن نتعمق بدراسة هذه المرحلة الخصبة من تاريخنا. وما أجدرها بذلك، وإنما نكتفي بهذه الإشارة السريعة التي تصور الخلفية الاجتماعية لهذا الكتاب الجليل الذي يمثل برغم كل شيء أحد الملامح البارزة في حياتنا الفكرية الحديثة. إنه فصل عزيز من تراثنا النضالي من أجل الحرية، مهما كانت حدوده وغاياته.
وما أجدر هذا الكتاب أن يعاد طبعه، مصحوبًا بدراسة لمختلف المعارك الفكرية التي ثارت حوله، وللإطار التاريخي والاجتماعي الذي نبت فيه.
إن هذا العمل سيكون جانبًا من مهمة أكبر على عاتق جيلنا المعاصر لتحديد الملامح الأساسية لفكرنا العربي الحديث. وسيكون هذا العمل الذي يقوم به جيلنا - كما ذكرت في البداية - عرفانًا بالجميل لواحد من المفكرين الشجعان الذين مهدوا لنا الطريق.

 

(*) مقال "الشيخ علي عبد الرازق وأصول الحكم" نُشِر في مجلة المصور في 7 أكتوبر 1966، ثم في كتاب (الإنسان موقف). والمقال من اختيار ابنته لدلالته على ما يدور الآن ومعاصرته رغم مرور أكثر من نصف قرن على كتابته.