يرى الناقد المصري أن نصوص هذه المجموعة تحتفي بالتشكيل الجمالي للخبرات الحسية، وتجسداتها المتنوعة، أو الشيئية التعبيرية في الأثر الذي يقع بين الوعي المبدع للسارد، والسياق الواقعي المحتمل؛ فالسارد يعيد اكتشاف علامات الروائح، والألوان، والأشياء الصغيرة، وتجليها الجمالي في العالم الداخلي، وحياتها التداخلية مع الذاتي، والكوني، والواقعي.

المنظور السينمائي والحضور التمثيلي للشخصية الفنية

قراءة لمجموعة عيون بيضاء لمحمد عطية محمود

محمد سمير عبدالسلام

 

عيون بيضاء مجموعة قصصية حديثة للروائي، والقاص المصري المبدع محمد عطية محمود، صدرت عن الهيئة العامة للكتاب بالقاهرة، وتعزز نصوص المجموعة من الحوارية الخطابية الفنية بين الأنا، والآخر في النص السردي، وتؤكد التداخل بينهما عبر ضمير المخاطب، والاتصال الروحي والجمالي بين السارد / البطل، والمروي عليه الذي قد يكون الأم، أو محبوبة، أو طفلا، أو شخصية فنية محتملة، أو مجموعة من الآخرين ذوي حضور واقعي، أو طيفي.

وتحتفي نصوص المجموعة بالتشكيل الجمالي للخبرات الحسية، وتجسداتها المتنوعة، أو الشيئية التعبيرية في الأثر الذي يقع بين الوعي المبدع للسارد، والسياق الواقعي المحتمل؛ فالسارد يعيد – باستمرار – اكتشاف علامات الروائح، والألوان، والأشياء الصغيرة، وتجليها الجمالي التفسيري في العالم الداخلي، وحياتها التداخلية الخاصة مع الذاتي، والكوني، والواقعي في المشهد القصصي.

وقد تنبعث بعض شخوص المجموعة من عوالم ما وراء الواقع؛ فيصير حضورها تصويريا ظاهراتيا في وعي السارد؛ مثل صاحبة الصورة، وروح الأم، وآثارها الجمالية المتجددة في العالم الداخلي للبطل، وقد يتخذ السارد موقع الصورة، وتمثيل خطابها إزاء المروي عليه؛ فيكون التبئير داخليا طبقا لتعبير جينيت، وإن جاء من موقع شخصي طيفي استعاري في النص؛ ومن ثم ينفك الحاجز بين الواقع، وما وراء الواقع، وحياة الصورة الحلمية، والواقع اليومي.

تنحو المجموعة – إذا – إلى التجريب في بنى الشخصيات، وبلاغة اليومي، والتفاصيل، والروائح، والألوان، وعلامات الأشياء الصغيرة، فضلا عن التشكيل الشعري للفضاء، واستنزاف الخطاب السردي لبنيته الأولى باتجاه التشبيه، والحلم، والأسطورة المحتملة؛ فالممر يبدو تشكيلا جماليا خارج الإطار في السياق اليومي نفسه، والعربة قد تشبه اللقطة الفوتوغرافية للحظة من التعاطف الإنساني، ويبدو المكتب مفتتحا للغياب، والحضور الصاخب المضاعف المحتمل، ويذكرنا بأبواب حكايات ألف ليلة السحرية ضمن حضوره الواقعي الملتبس.

نحاز قصص المجموعة – إذا – للأصوات الافتراضية، واللقطات، والإيماءات، والشخصيات الهامشية، وتراوح بين استبطان العالم الداخلي، ومدى اتصاله بالآخر، أو تمثيلاته الجمالية من داخل حضوره كمروي عليه معين في النسق الإشاري للنص كما هو في تصور جيرالد برنس، وإن جاء المروي عليه هنا في أشكال استعارية، أو تصويرية كثيفة، أو ينبع من مسافة شعرية بين الوعي، والواقع؛ مثل شخصية الطفل عمر الذي يبدو كتمثيل استعاري للبهجة في وعي السارد، كما يبدو حضوره واقعيا، وطيفيا في آن.

وتتصل عتبة العنوان / عيون بيضاء بالتصوير الكثيف التمثيلي، والتحوير الخيالي لبعض الذكريات المتمركزة حول روح الأم، وآثارها الجمالية، والتقاطب بين تعاليها الروحي، ونورها الداخلي، وظلمة العيون البيضاء التي كانت تعاديها؛ وكأن السارد يؤكد تجدد أخيلة الماضي، وتحولاتها في أخيلة الرعب، والتناغم الكوني في فضاء المنزل الذي يبدو واقعيا، ويستشرف أطياف ما وراء الواقع، وحياة أخيلة اليقظة، والذكريات، وآثار الماضي، وعلاماته، وتفاصيله.

*الحضور الاستعاري للشخصية الفنية:

يبدو الفضاء مفتتحا لحياة طيف الأم، وشخصيات الذاكرة، وتجددها في أحلام اليقظة في العالم الداخلي للسارد في قصة عيون بيضاء؛ فالبيت علامة تستنزف بنية الموت، وتفككها في الحياة الاستعارية للأثر الذي يستعصي على المحو؛ فآثار الأم، وصورتها مع البطل / السارد في الدولاب الزجاجي، تؤكد تجدد اتصالها الروحي بالبطل، فضلا عن تجدد شخصيات الذاكرة، وأثرها في لحظة الحضور التي تشير إلى غياب الأم، وتجدد ظلها في حياة الأثر، وفي تحول الفضاء؛ تحيا صورة الأم الاستعارية – إذا – من داخل الغياب؛ لتؤجل اكتمال بنيته، وتتجلى كمروي عليه يعاين حياة الأثر الجمالي؛ مثل علامات الصورة، والمسبحة، والنجفة، والتحوير الآني الخيالي لتجليات الذاكرة في أخيلة اليقظة؛ وكأن الماضي يولد في صيرورة طيفية جديدة تجمع بين الأصالة، وصخب الماضي، وتحولاته التصويرية الكثيفة في علامة العيون البيضاء، وحركة الأطياف في فضاء المنزل، وفي وعي السارد.

ويستعيد السارد أخيلة التجدد، والنشوء الآخر للكينونة من خلال التكرار التمثيلي الاستعاري لمشهد لقائه بالمحبوبة في المطر، وعند البحر في قصة بهجة المطر؛ إذ تبدو النسبية الإبداعية للمشهد مثل أغنية متكررة للتناغم الكوني، والداخلي في خطاب المتكلم؛ إنه يبحث عن نشوء أدبي دائري للكينونة في المشهد الكوني، وربما يبحث عن أخيلة الأنوثة التي ارتبطت – في التراث الثقافي – بالماء، فضلا عن تمثيلات الخصوبة المحتملة التي تستبق أخيلة التجدد في الربيع.

ويبحث السارد عن الحياة التصويرية الأخرى للمشهد الكوني، واتصاله الداخلي بالأنثى من داخل الخطاب السردي الذي تتجلى فيه كمروي عليه، يتشكل في مسافة بين الوعي، والواقع؛ ويذكرنا بحث السارد عن دائرية المشهد، وتكراره، واستنزافه المحتمل لبنى التحول، والانقطاع، والغياب ببحث جلجامش عن عشبة الخلود، وإن جاءت أخيلة التجدد هنا في الوعي من خلال حلم اليقظة المتمركز حول المياه، والصورة الدائرية الطيفية المستعادة للأنثى.

ويتخذ السارد الموقع النسبي غير المرئي لطيف صاحبة الصورة في حياتها الاستعارية الأخرى في قصة لذة التخفي؛ فالسيدة / الصورة تستشرف كينونة أخرى خارج الإطار؛ لتستنزف عبرها بنى الغياب، والإطار، ومركزية التجسد؛ فخطابها السردي / الداخلي يجمع بين إيماءات تجسدها الفيزيقي الأول، وتحولها الاستعاري المحتمل في علامات الوردة، والبحر، والعطر، والعصفور؛ إنها تؤسس لطاقة الغياب الطيفية الصاخبة، وتعيد اكتشاف المروي عليهم كشخصيات شبحية وتشبيهية محتملة من داخل تجسدهم الفيزيقي المؤجل.

ويبدو الفضاء معتما وكونيا منفتحا في آن في النسق السيميائي للنص؛ وكأن الإطار يجمع بين التجسد، واللعب الجمالي الطيفي خارجه في الفضاءات الكونية، والفنية، والحلمية، والداخلية.

وبصدد العلاقة بين تجسد الصورة، وحياتها الأخرى المتجاوزة لبنية الغياب؛ يرى ريجيس دوبري – في كتابه حياة الصورة، وموتها – أن الصورة تأتي مما وراء القبور؛ إذ نواجه التفسخ الناتج عن الموت بالصورة؛ وقد اتصلت بعمل الحداد – في التراث الثقافي – حين تصنع صورة للآخر يكون فيها الخلاص؛ وهي مثل شكل التمثال الذي كان يوضع على صندوق الميت؛ ليظل السلف مستقرا، ويمنع من إزعاجنا.

(راجع، ريجيس دوبري، حياة الصورة، وموتها، ترجمة: فريد الزاهي، دار أفريقيا الشرق بالمغرب، ص 22، 23).

تستعيد الصورة – إذا – التكوين، والكينونة بصورة طيفية تنبع من بنية الغياب، وتقاوم مركزيتها في تصور دوبري؛ فضلا عن تجليها كآخر محتمل، ومؤجل في التجسد التشكيلي على التابوت في بعض الثقافات.

وتبدو صورة المرأة في قصة لذة التخفي لمحمد عطية محمود في حالة من التجسد غير المستقر الذي يستشرف التحول في العوالم الداخلية للمشاهدين، والتحول الكوني الصاخب في تجسدات طيفية جمالية أخرى تتجاوز الإطار، والفضاء، والحضور النسبي للذات.

وتذكرنا صورة المرأة بالسيدة براون في تصور فرجينيا وولف؛ فهي تنسج قصتها الاحتمالية في وعي الآخر، وإن ارتكز التبئير الداخلي على موقعها التصويري في قصة محمد عطية محمود؛ فالمرأة تعاين تحولاتها الاستعارية في الفراغ، وفي الغياب المؤجل في تجاوز حدود الكينونة الأولى التي تحمل أصداء من الواقع، وتاريخ الفن.

ويجسد الطفل / عمر – في قصة عمر – أخيلة البراءة، وبهجتها الأولى في وعي، ولا وهي السارد / البطل؛ فالظهور الفريد لعلامة الطفل / عمر يوحي بالتجدد الدائري التمثيلي للنشوء، واتساع ملكية العالم في اللاوعي؛ ومن ثم فهو يتجلى كظاهرة بين الداخل، والخارج؛ ويتصل به البطل عن طريق التلامس، والاتصال الروحي الأدائي، ويصف ذلك الشكل الفريد من الاتصال بأنه فرح أسطوري يترك أثر الآخر / في العالم الداخلي للذات.

إن تجسد علامة الطفل / عمر، يحمل بداخله أصوات التجدد، والانبعاث من ماضي الحكايات القديمة؛ وكأنه يؤكد تكرار تمثيلات النشوء، والتجدد، وتجسدها التصويري الفني في الآخر عبر كل من البهجة، واللعب.

*المنظور السينمائي، وتشيؤ العلامات، وإيماءاتها التعبيرية:

يتخذ السارد – في بعض قصص محمد عطية محمود – موقع العاكس؛ ومن ثم يكون التبئير خارجيا طبقا لتعبير جيرار جينيت، وإن اتصل منظوره بالإيماءات التعبيرية الذاتية لعلامات الأشياء، وتداخلها في مسافة تقع بين الوعي، والواقع؛ وهو ما يذكرنا بعوالم جرييه، وسيمون، وساروت، كما يبدو المكان مثل فضاء سيميائي شيئي تعبيري في آن، أو مثل عمل ما بعد حداثي متجاوز للإطار، وفي حالة من الحدوث المستمر الذي قابل إيهاب حسن بينه، وبين العمل الفني المكتمل في تاريخ الحداثية.

يرصد السارد – بعين الكاميرا – شعرية التشكل السيميائي لممر لبيع الملابس في بواكير الصباح، تتداخل فيه الألوان التي توحي بشعرية اليومي المتمثل في تكوين الملابس؛ وإيماءات اللون، وتشكيله العلاماتي الجمالي في الوعي كطاهرة فنية ما بعد حداثية تستعصي على الأطر في قصة ألوان، ويبدو فضاء الممر واقعيا، وكونيا، واستعاريا في آن,

قد حرص السارد أن يصف الصباح بالمباغت؛ ليوحي بالولادة الرمادية الأولى للنور؛ والتي تؤكد النسبية البالغة لخصوصية اللقطة، وجمالياتها إذ تبرز علامة رجل مدخن من الخلف إزاء السارد الذي تموقع في موقع الراصد الذي يصف المشهد من الخارج وصفا شيئيا تعبيريا؛ فمشهد الرجل يوحي بالتجلي الشعري للقطة، وموقعه يشبه المانيكان فيها، ويتجلى كصورة سينمائية شعرية في وعي السارد، دون ذكر إشارات عن تاريخه، أو كينونته الآنية.

ويرصد السارد – بعين الكاميرا العاكسة – صوت شاب ينادي الركاب لدخول السيارة، ويتتبع خفوت صوته، وارتفاعه، وتدرجه، كما يرصد تحركات الجسد المتنوعة، وتطلعه إلى البحر الذي يبدو كعالم افتراضي متخبل في وعيه.

ثمة بلاغة شعرية وكونية – إذا – للجسد، تحمل دلالة ثراء الهامشي، ومزجه بين البساطة، والتعقيد في شعرية المشهد اليومي المتكرر.

ويومئ السارد إلى الصخب الكامن فيما وراء باب مغلق تعقد فيه صفقات الشركة، وتترقبه عيون الموظفين، والعملاء في قصة الباب المغلق، ثم تتحول إشارات السارد إلى دائرية الحجب، ويصير الباب مفتتحا لعلاقات وجود ظاهراتي، أو أدبي، أو أن يصير الباب فاصلا بين الواقع، والحلم، أو الواقع، وعوالم الحكايات، والأساطير التي تشبه ألف ليلة، أو ينفتح الباب على مشهد كوني، أو على عتمة، وصمت عبثي محتمل، يعيد إنتاج الصوت الكامن خلفه في وجود طيفي شبحي.

*شعرية الخبرات الحسية في الخطاب السردي:

تنتظم الوظائف السردية في الخطاب في بعض قصص محمد عطية محمود من خلال تطور الخبرات الحسية المتعلقة بالروائح، والأصوات، وصور الأشياء الصغيرة في العالم الداخلي للسارد، وتشكل بحد ذاتها عالما شعريا ذا أثر في المتلقي، ويناظر تطور الحدث في المتواليات القصصية التقليدية، وإن جاء هنا بصورة أقرب إلى التجريب، والكشف عن علاقات التوافق، والتجانس الكوني بين الروائح، وتعارضها المحتمل؛ ومن ثم صراعها، وانتصار رائحة الياسمين التي تصاعدت من فواحة على مكتب السارد في قصة صباح معطر.

تمثل علامات الروائح هنا نسقا سيميائيا شعريا متطورا داخليا في السارد؛ وكأنه يلفت نظر المروي عليه، والمتلقي إلى بلاغة الخبرات الحسية، ومتوالياتها الكونية، والداخلية / الذاتية.

msameerster@gmail.com