يشير الكاتب إلى أن تأثير التيارات الفنية ما بعد الحداثية، وخاصة ما يسمى الفن المفاهيمي حاضر في أعمال الفنانين العالميين. ويعتمد على الفكرة-المفهوم والتلقّي الذهني، مرتكزاً على وسائط تنزاح عن الجمالية المكرسة. وبدأت هذه الحساسية بالدخول فعلياً إلى المحترف السوري مع بداية الألفية الثالثة في الممارسات الفنية.

التأثيرات ما بعد الحداثية ووسائطها الجديدة

في المحترف التشكيلي السوري المعاصر

محمد عمـران

 

لا يزال تأثير التيارات الفنية ما بعد الحداثية وخاصة ما يسمى الفن المفاهيمي (conceptual Art) حاضراً في أعمال الفنانين في كل أنحاء العالم. ويعتمد الفن المفاهيمي، الذي ظهر في ستينات القرن الماضي، في أوروبا والأمريكيتين في قسميها الشمالي واللاتيني في جوهره على الفكرة-المفهوم والتلقّي الذهني، مرتكزاً على وسائط متنوعة لا تعنى بالضرورة بالشكل الجمالي المتعارف عليه، كالأغراض الشخصية، البيانات، الوثائق، الخرائط، الأرشيف، التسجيلات السمعية والبصرية، النصوص، الشهادات، الصور الفوتوغرافية، الفنون الرقمية... الخ. "الفكرة هي المظهر الأساسي للعمل الفني المفاهيمي، أما المظهر الخارجي فليس له تلك الأهمية الفكرة بحد ذاتها، حتى وإن لم يتم تجسيّدها بشكلٍ مرئي، هي عمل فني" يقول الفنان الأمريكي سول ليويت أحد أبرز مبشري المفاهيمية.

لم تظهر الوسائط الجديدة والتأثيرات الفنية ما بعد حداثية في المحترفات العربية إلا في وقتٍ متأخرٍ نسبياً، بإيقاعات مختلفة تتبع خصوصية كل بلد وظرفه الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. وعلى الرغم من عدم الترحيب، بشكل عام، بالوافد الجديد إلّا أن بعض التجارب استطاعت أن تفرض حضورها في المشهد الثقافي المحلي والعالمي أيضاً مثل الفنانة الفلسطينية اللبنانية منى حاطوم، الإماراتي حسن شريف، اللبنانية منيرة الصلح، المغربي منير فاطمي والجزائري قادر عطية.

بدأت تلك الحساسيات الحداثوية بالدخول فعلياً إلى المحترف الفني السوري مع بداية الألفية الثالثة، إذ شهدت تلك الفترة "انفتاح" نسبي مقارنةً مع فترة الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي حيث لم تكن الظروف مهيأة لاستقبال هذا النوع من الفنون. فعلى الرغم من أن قسماً كبيراً، من الكادر التدريسي في كلية الفنون الجميلة، قد درس الفن في أوروبا الغربية خلال فترة الستينات والسبعينات التي شهدت انقلابا ثورياً في مفهوم الفن إلّا أن معظمهم قد بقي متعصباً لتقاليد لوحة الحامل، وتعامل بحذرٍ شديد بل وحارب أغلب الأحيان تلك الفنون الوافدة حديثاً على منطقتنا. وقد يكون العامل الاقتصادي سبباً إضافياً لعدم انتشار هذه الفنون ووسائطها الجديدة، فكيف نستطيع تسويق عمل تجهيز فني أو عرض أدائي؟ من الجهة التي ستدعم إنتاجه؟

ولعل تجربة الفنان أحمد معلا (١٩٥٨) كانت من أوائل المحاولات التي ثارت، وإن بخجل، على "تقاليد" طرق عرض العمل الفني و"أعراف" لوحة الحامل ، سواء في تجربته "ميرو بثلاثة أبعاد" التي عرضها في فضاء المركز الثقافي الفرنسي عام ١٩٩٥ والتي كانت في صيغة ورشة عمل مع طلابه في كلية الفنون الجميلة في دمشق حيث عمل كأستاذ في قسم الاتصالات البصرية، أو في معرضه "تحية إلى سعد الله ونوس" الذي أقامه في غاليري أتاسي عام ١٩٩٧ في دمشق حيث تضمن المعرض جداريات من القطع الكبير يغلب غليها اللونين الأبيض والأسود، والتي تصور تجمعات وحشود بشرية، وهي ثيمة الفنان معلّا الأساسية، والتي استوحاها بشكلٍ أو بآخر من نصوص ونّوس المسرحية. كان اللافت في هذه التجربة هي اعتماد الفنان على وسائط جديدة على المحترف السوري كالماء والزجاج والإضاءة والموسيقى والرمل بالإضافة الى النص حيث رافق المعرض كتابٌ يحتوي، إلى جانب رسومات معلا، على حوار أجرته الدكتورة ماري إلياس (أستاذة في المعهد العالي للفنون المسرحية، قسم النقد المسرحي، ورئيسة قسم الأدب الفرنسي في كلية الآداب في جامعة دمشق سابقاً، وتدّرس حاليا في الجامعة اليسوعية في بيروت) مع سعد الله ونوس، ونص آخر للشاعر نزيه أبو عفش، بالإضافة إلى نص للفنان نفسه. مما لا شك فيه أن رغبة الفنان، الذي عمّق دراسته في المدرسة الوطنية العليا للفنون الزخرفية في باريس، كانت تتمثّل في "مسرحة" طريقة العرض ليقرّب المشاهد من عوالم المسرحي ونوس ويورطه في عملية تلقي تفاعلية على غرار الأعمال التي تصنف تحت عنوان "installation" أو التجهيز الفني.

في المكان ذاته، غاليري أتاسي في دمشق، وبعد ستة أعوام من معرض تحية الى سعد الله ونوس عرضت الفنانة بثينة علي (١٩٧٤) متعددة الوسائط، معرضها الأول، "وعود" الذي حمل سمات التجهيز الفني بجدارة. المعرض، الذي تضمّن عناصر غير مألوفة في تأليف اللوحة كالأسلاك الشائكة، الصلبان الخشبية، الحذاء العسكري والدمى المحروقة بالإضافة إلى استخدام وسائط جديدة كالفيديو، كان المعرض رسالة احتجاج على وعود إسرائيل الزائفة في السلام، وعلى الحرب والعنف والعلاقة مع الميديا في المنطقة العربية.

بإمكاننا القول أنّ نتاج بثينة علي، التي تابعت دراستها في المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة في باريس، قد كان من الخبرات المؤسسة للفن المتعدد الوسائط والفن المفاهيمي في المحترف السوري. لعبت الفنانة دوراً أساسياً في تشكيل وعي منفتح نوعاً ما تجاه فنون ما بعد الحداثة، خصوصاً لدى طلاب كلية الفنون الجميلة في دمشق حيث عملت كمدرسة في قسم التصوير، كما أنها ساهمت في تغيير النظرة التشنجية تجاه الفن المفاهيمي والوسائط الجديدة الوافدة على المحترف المحلي، ساعدها في ذلك دعم المراكز الثقافية الأجنبية وبعض صالات العرض المحلية لهذا النوع من الفنون من خلال استقدام تجارب وخبرات معاصرة وتنظيم معارض وورشات عمل مع فنانين أوروبيين أو استضافة فنانين سوريين مقيمين في الخارج مثل الفنان فصيح كيسو(١٩٥٧) الذي عرض عام ٢٠٠٥ تجربته الفنية الممتدة منذ الثمانينات على صيغة معرض استعادي توزّع على ثلاثة فضاءات مختلفة وهي المركز الثقافي الفرنسي، غاليري أتاسي ومؤسسة مصطفى علي. يُحتسب للفنان، الذي انشأ لاحقاً مركزاً للفنون البصرية في مسقط رأسه في الحسكة، جرأة الطرح واستخدام وسائط جديدة على المحترف السوري وخاصة عرض فن الجسد أو (body art) حيث قام الفنان، على غرار أعمال الفنان الأميركي كريس بوردن والفرنسية أولان، بإجراء عمل جراحي حي أمام الجمهور الدمشقي.

في نفس العام قامت الأختان عبير بخاري، قيمة معارض، ونسرين بخاري، فنانة متعددة الوسائط، بتأسيس تجمّع (All Art Now)، أو «الفن الآن»، في إحدى بيوت دمشق القديمة، ليكون أول مساحة جماعية مستقلة تعنى بالفنون البصرية المعاصرة والوسائط الجديدة. سعى هذا المشروع منذ بدايته إلى إقامة ورشات عمل مع الفنانين الشباب لتعميق معرفتهم بالفن المعاصر وحثهم على استخدام الوسائط الجديدة، كما اهتم التجمّع بإقامة صلات مع المهرجانات العالمية التي تهتم بالفنون المعاصرة خاصة الفيديو أرت بالإضافة الى استقبال فنانين من الخارج وإقامة معارض مشتركة. كان المكان بمثابة منصة للتجريب وتبادل الخبرات ولقد استمر نشاطه في دمشق حتى عام ٢٠١٢ ليتوقف بسبب الحرب في سوريا. استضاف التجمع أسماء عديدة قدمت تجارب متنوعة، تراوحت بين عروض تجهيز وفن أداء وفن فيديو مثل محمد علي، عرفان خليفة، زياد الحلبي، محمود ديوب، فادي الحموي، ربى خويص، عدنان جتو، هبة عيزوق، رزان محسن وآخرون.

من الأسماء البارزة في تجمع «الفن الآن» الفنانة نسرين بخاري (١٩٨٠) التي ساهمت في تأسيس المحترف، كما ذكرنا سابقاً. قدمّت بخاري، المتخرجة من قسم النحت في كلية الفنون الجميلة في دمشق، مجموعة أعمال ذات طابع مفاهيمي اعتمدت فيها على وسائط جديدة كما في التجهيز الفني "عالم أصفر من ورق"، والذي أنجزته ضمن ورشة عمل حملت اسم "هنا أقف" عام ٢٠٠٨، حيث الأوراق المحملة بنصوص على شكل خواطر شخصية تحتل مساحة الغرفة المطلية بالأصفر.

أما الفنانة إيمان حاصباني (١٩٧٧) خريجة قسم التصوير في كلية الفنون الجميلة في دمشق والتي تعيش اليوم في برلين وتتابع نشاطها الفني هناك، وبالتوازي مع انشغالها على لوحة الحامل فلقد شاركت بمجموعة أعمال تجهيز فني وفيديو وعرض أدائي قدمتها على مدار سنوات نشاط تجمع «الفن الآن» مثل التجهيز الفني " ذاكرة شخصية" (٢٠١١)، الذي اعتمد على الشعر البشري كعنصر أساسي في تأليف العمل.

وهكذا، نستطيع القول أن الفترة التي سبقت الثورة والحرب قد مهّدت لانتشار الوسائط الجديدة وظهور فكرة الجماعة الفنية المتمثلة بمحترف «الفن الآن» غير أن هذا المسعى الحديث لم يتأصّل بالمعنى الفعلي وإنما بقي محصوراً ضمن إطار تجارب تحاول مواكبة ما يحدث في الفن الغربي المعاصر. لاحقاً، حرصت معظم التجارب الفنية، المنتجة خلال فترة الثورة والحرب، على تحقيق صدمة تماثل تلك التي يخلّفها العنف اليومي المعاش في سورية. كما أدّت المتغيرات الطارئة والمتسارعة على المشهد التراجيدي السوري خلال الأعوام الثمانية الماضية إلى تحولات في علاقة الفنان مع القضية السورية وانعكس هذا الأمر على مستوى علاقته بأدواته وإنتاجه الإبداعي. فالعديد من الفنانين، وأغلبهم ممن هاجروا فترة الحرب، اتجهوا إلى استخدام الوسائط الجديدة مستفيدين من تراكم خبراتهم في البلاد التي لجأوا إليها، ومستحضرين في أعمالهم موضوعة الحرب بوسائط جديدة.

على سبيل المثال، نرى في عمل "طفل سوري أو كرم الزيتون ٢٠١٢" لصاحبه أكرم الحلبي (١٩٨٠)، مواليد الجولان المحتل، أربعة أجساد مبهمة لأطفال تنتشر فوقهم كلمات مكتوبة بالإنكليزية مثل يد، عين، وجه، ذراع، قدم وطفل. وكأن الفنان يريد أن يعيد تعرف تلك الأجساد الميتة من خلال تسمية أعضائها. تنتمي هذه الصورة، المشغول عليها على برنامج "الفوتوشوب"، والمأخوذة من فيديو المنشور عبر الانترنت بعد ارتكاب مجزرة كرم الزيتون، لمجموعة أعمال الحلبي البصرية المخصصة للثورة حيث يقترح الفنان، المقيم حالياً في النمسا، علاقة جديدة بين الصورة والكتابة وبين الموت والفن.

تظهر المجزرة أيضا في عمل تجهيز حمل عنوان "وعود" للفنانة الجولانية شذى الصفدي (١٩٨٢)، المتخرجة من قسم التصوير في كلية الفنون الجميلة في دمشق، حيث قامت الفنانة بحفر آثار أجساد على "البلكسي" أو الزجاج الصناعي، بينما كانت الإضاءة المسلطة على هذه الآثار ترسم ظلالها الشبحية على جدران المعرض الذي أقيم في رام الله ضمن مسابقة "الفنان الشاب"، التي ترعاها مؤسسة عبد المحسن قطان (٢٠١٢).

في تجهيزها التفاعلي «tracing traces»، الذي عرض في كندا مكان إقامتها، تقترح الفنانة خديجة بكر (١٩٧٣) على المتلقي أن يختار من مجموعة الأوراق التي أمامه والتي تحمل أسماء بعض شهداء المقتلة السورية لتقوم بدورها بحفر الأسماء مجدداً على ألواح من الثلج ثم تضيف بعدها الحبر إلى الأخاديد المحفورة، ونرى في الخلف شاشة تعرض فيديو موزاييك مؤلف من 25 مقطع مصور لألواح الثلج، حيث تذوب الأسماء المحفورة مع الوقت ونرى أثرها على قطع القماش البيضاء.

أما لدى تمام عزام (١٩٨٠) فإن الخراب يحتل أعماله سواء في اللوحة أو في الأعمال الرقمية التي اشتهر فيها الفنان بداية الثورة مثل مجموعة "رحلة سعيدة، ٢٠١٣" حيث يستحضر الفنان، خريج قسم التصوير في كلية الفنون الجميلة في دمشق، هذه الموضوعة بشكلٍ مختلف. يؤلّف عزام، المقيم حالياً في ألمانيا، لوحته البصرية معتمداً على صورة حقيقية لبناء مهدم من إحدى المدن المنكوبة في وطنه الأم، تحمله بالونات ملوّنة باحثاً عن وطن مؤقت في مكان آخر من هذا العالم.

تظهر رندا مدّاح (١٩٨٣) في فيلمها «أفق خفيف» (٢٠١٢) وهي ترتب بيتاً مدمراً من مخلفات العدوان الإسرائيلي عام 1967 على قرية عين فيت في الجولان المحتل مسقط رأس الفنانة. بعد أن تنتهي مدّاح من تنظيف المكان تقوم بتجهيزه لتضع فوق الطاولة قذيفة بيضاء اللون. تتابع مداح، التي درست النحت في كلية الفنون الجميلة في دمشق، مشروعها الفني في فرنسا حيث تدرس في المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة في باريس ونلاحظ من خلال أعمالها التي أنتجتها لاحقاً تأكيدها على موضوعة الخراب والعلاقة مع الوطن والهوية كما في فلمها الأحدث "ترميم" (٢٠١٨)، حيث تحاول بالفعل ترميم فجوة في حائط من مبنى متضرر مستخدمة الورق اللاصق والطلاء. "كيف لي أن أستوعب التدمير؟ الحدود شوّهتْ وجهَ المكان الذي أتيتُ منه، وغيّرتْ خارطته، ورفعتِ الجدران من حول حياة الناس وداخل لغتهم حتى ألفوها وكادوا ينسون وجودها" تقول رندا في النص المرافق للفيديو.

يظهر الخراب مجدداً على شكل تجهيز فني لفادي الحموي (١٩٨٦) خريج قسم التصوير في كلية الفنون الجميلة في دمشق، تحت عنوان "إلى من يهمهم الأمر". يجهز الفنان، الذي يتابع تجربته الفنية في منفاه الجديد في ألمانيا، مكان العرض ليحوله إلى ركام يحاكي صورة البيوت المدمرة في سوريا. وضمن هذا المشهد الجحيمي، الذي عرض في "آرت فير بيروت"، عام ٢٠١٣ تتموضع شاشة تلفاز تتيح للمتفرج أن يرى صورته وسط الركام.

أما هبة الأنصاري (١٩٨٤) فقد اختارت في تجهيزها الفني "كتاب رياضيات" (٢٠١٧) أن تعيد تعريف العلاقة مع المكان المدمر. استوحت الفنانة، خريجة قسم التصوير في كلية الفنون الجميلة في دمشق، مشروعها من كتاب رياضيات، وجدته الفنانة أثناء تواجدها في مدينة كفر نبل، لطفلة سورية قتلت جراء قصف الطيران الحربي على مدينتها. استخدمت الانصاري، التي تابعت دراسة النحت في جامعة ميونخ في ألمانيا حيث تقيم اليوم، الإسمنت والإسفنج لتجسيد حالة الانفجار كما استخدمت أغراض المطبخ لبناء معادلات رياضية غير منطقية.

من التجارب التي برزت بعد الحرب أعمال الفنانة الفلسطينية السورية بيسان الشريف (١٩٧٧) التي، وإلى جانب عملها كسينوغراف، أنتجت مجموعة من التجهيزات الفنية اعتمدت فيها على مفهوم الشهادة الشخصية كما في مشروع "ذاكرة نساء" وهو تجهيز فني وثائقي يعتمد، بشكل أساسي، على تسجيلات مصورة لنساء سوريات وفلسطينيات كوسيط أساسي يوثق لرحلات نزوحهن التراجيدية أثناء الحرب في سوريا. في مشروعها الأحدث "شام" (٢٠١٦-٢٠١٧) تزاوج الفنانة، التي درست الهندسة المعمارية بدايةً في دمشق ولاحقاً السينوغرافيا في مدينة نانت في فرنسا، بين عدة وسائط جديدة مثل الفيديو، الشهادة الصوتية، وتقنية (Pop-Up) أو الكتب ثلاثية الأبعاد، لتروي للمشاهد علاقتها مع المكان الأصل والمتغيرات الطارئة عليه من خلال شهادات الأطفال هذه المرة، هذا ما يجعل أعمال الشريف تندرج تحت مفهوم التجهيز الوثائقي.

اعتمد بعض الفنانين الذين انتجوا أعمالهم فترة الحرب في سوريا على الفنون الرقمية وبرامج الكمبيوتر الحديثة بشكل رئيسي كتجربة سلافة حجازي (١٩٧٧) التي أنتجت مجموعة أعمال ما بين صور متحركة منفذّة بطريقة "Lenticular print" أو الطباعة العدسية، والفيديوهات التي تدمج فيها الرسوم ثلاثية الأبعاد مع الموشن غرافيك وأيضاً الأعمال المنفذة بطريقة الواقع المعزز كما في عملها الحديث "تموضع" (٢٠١٨) حيث تقترح حجازي، على المتلقي تحميل تطبيق معين على هاتفه الذكي كي يتاح له مشاهدة العمل بشكلٍ كامل. نحن أمام لوحة مؤلفة من عدة صور فوتوغرافية من شارع كارل ماركس الاشتراكي في برلين، حيث تعيش الفنانة، ما علينا سوى توجيه هواتفنا الذكية نحو اللوحة حتى تظهر لنا شخصيات ثلاثية الأبعاد "متفاعلة مع الأماكن في اللوحة تحاول أن تجد موقعا لنفسها، ما بين التأرجح في المكان، محاولةً التخلص منه، أو محاولة الاستناد عليه" كما تشرح الفنانة في تقديمها لهذا العمل.

يؤلف دينو علي (١٩٨٥) الحائز على درجة الدكتوراه في قسم الرقميات في جامعة "باريس الثامنة" مؤخراً، أعماله التجهيزية مرتكزاً على مفهوم الأنامورفوزي "Anamorphosis"، أي إعادة تركيب الصورة "المشوهة" أو المفككة من خلال النظر إليها من نقطة محددة لتبدو حقيقية تحت تأثير الإيهام البصري. بالإضافة إلى اهتمامه بفن الفيديو يشتغل الفنان بطريقة"الأوب أرت "Op Art"، أي الأعمال البصرية التي ترتكز في بنائها على أشكال غالباً هندسية تحمل تأثيرات متموجة تحفّز العين وتحيرها لتوحي بحركة قائمة في الأساس على مبدأ خداع البصر كما في تجارب المؤسسين لهذا الاتجاه كالفنان الهنغاري فيكتور فازاريلي، والفنانة البريطانية بريجيت لويز رايلي.

لن نتمكن في هذا المقال من التطرق إلى كل التجارب التي اعتمدت على الوسائط الجديدة وخاصة بما يتعلق بـ(video Art) فهذا الفن يتسحق أن نخصص له نصّاً مستقلّاً يعرض تاريخ نشأته وتطوره وأبرز التجارب في منطقتنا، لكن بعد هذا الاستعراض لأبرز التجارب الفنية المهاجرة، نستطيع القول بأن هناك بداية لتأصّل تأثيرات ما بعد الحداثة في أعمال الفنانين السوريين المعاصرين بشكل عام. حتى أن الهوية الفنية لبعض هذه الأعمال أصبحت واضحة ولا تتحمل اللبس وبالتالي لم يعد تعريف فنان بمتعدد الوسائط من الأمر المستهجن كما في حالة الفنانة خديجة بكر وهبة الأنصاري على سبيل المثال. كما أن تميّز وغنى بعض التجارب الفنية ليس مرتبطاً بالضرورة بالتخصص الأكاديمي مثل تجربة بيسان الشريف التي درست العمارة والسينوغرافيا وسلافة حجازي التي درست النقد في المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق.

لقد غيّرت تيارات ما بعد الحداثة، مفهوم العمل الفني، لم يعد بالإمكان اليوم حصر الفن ضمن تعريفات نمطية جامدة ومنغلقة، ولم تعد صفة فنان حكراً على أصحاب المهارة وحدهم. كما تم إشراك المتلقي في عملية بناء العمل وأصبحت الوسائط غير التقليدية والتقنيات الجديدة ركيزة أساسية في عملية الإبداع الفني. صحيح أن العلاقة ما زالت إشكالية مع هذه التيارات خاصة في عالمنا العربي حيث يعتبرها البعض "مؤامرة" هدفها تدمير الذائقة الجمالية ولكن علينا أن نعترف أن هذه التيارات أعادت طرح سؤال العلاقة مع ما هو كوني ومشترك بشكل جديد وجعلت من الفنان العربي أكثر انفتاحاً على محيطه الاجتماعي كما دفعته لمواكبة العصر بتوظيفه للوسائط الجديدة والتكنولوجيا المعاصرة في إنشاء عمله الفني.