تعيد هذه المقالة من منظلق دراسات ما بعد الاستعمار فتح باب الجدل على ميراث حقبة الاستعمار وامتدادها الى تناقضات إرث التنوير. وتسلط النقد على حركة حقوق الإنسان وتمركزها الأوروبي وتركيزها على بربرية بلاد الجنوب. وعلى إن الثقافات المحلية غير الأوروبية معادية للمرأة، مع التغاضي عن مسألة الظروف الاقتصادية.

إعادة التفكير في عالمية حقوق الإنسان

ماريا دومار كاسترو فاريلا. نيكيتا دهوان

تقديم وترجمة فادية فضة وحامد فضل الله

 

ملخص:

  • صدر مع العدد الأخير من الصحيفة الأسبوعية "البرلمان"، ملحقا خاصاً، بعنوان "حقوق الاِنسان"، نقدم هنا مقال الباحثتين، ماريا دو مار كاسترو فاريلا ونيكيتا دهوان، ونختتمه بتعليق مختصر من جانبنا. تعيد هذه المقالة ـــ وهي ضمن دراسات ما بعد الاستعمار ـــ فتح باب الجدل على ميراث حقبة الاستعمار وامتدادها الى مرحلة التنوير. وتسلط سهام النقد على حركة حقوق الإنسان المتمحورة على تمركزها الأوروبي ومحاولتها تثبيت أن بلدان الجنوب العالمي بربرية وغير قادرة على حكم نفسها. وتريا أن المشكلة الرئيسية في أن الخطابات المهيمنة حول حقوق الانسان في مثال حقوق المرأة، تبرر في الغالب على إن الثقافات المحلية غير الأوروبية معادية للمرأة، في حين يتم التركيز على الحقوق الثقافية والسياسية وتميل إلى التغاضي عن مسألة الظروف الاقتصادية. ومن هنا تنشأ وتتضح صعوبة عالمية حقوق الانسان، خاصة عندما تستخدم خطاباتها المهيمنة كمبررات لتدخل الشمال العالمي في الجنوب العالمي، كما لا يذهب نقدهما لحقوق الانسان المستوحاة من التنوير، الى رفض عدمي لها.
  • * * *

حكمت أوروبا في أوائل القرن العشرين على المدى الجغرافي والتاريخي أكثر من 85 في المائة من الأراضي العالمية، في شكل مستعمرات ومحميات وتابعيات. صاحبَ هذه الهيمنة الفريدة من نوعها في البلاد المحتلة، عمليات نهب وحشية للأراضي، والإبادة الجماعية، والتأسيس التدريجي لتجارة الرقيق العابرة للحدود الوطنية. هنا يستوجب أيضاَ، وصف الاستعمار بأنه ظاهرة "الالتباس الهائل"[1]، على الرغم من صيغ الاستعمار المتعددة والمختلفة، فهو دائمًا مسألة علاقات سيطرة دائمة يتم فرضها باستخدام العنف الجسدي والعسكري والمعرفي والإيديولوجي.[2] مع توسع القوى الأوروبية في آسيا وأفريقيا والأمريكيتين، وعملية الاستغلال المادي والجسدي والاضطهاد، والتي ترافقت مع خطابات تعطيها صفة الشرعية، إذ قُدم الاستعمار باعتباره "مهمة حضارية" ضرورية. ويقول اليوم، كثير من المثقفين الأوروبيين أيضاً، بأن الاستعمار نقل للعالم "غير المتحضر" التنوير الأوروبي والعقلانية والإنسانية وبالتالي حقوق الإنسان. [3] كان الاستعمار الأوروبي ولا يزال يُحتفل به باعتباره انتصاراً للعلم والعقل على الخرافات والجهل. ويستخدم الخطاب الاستعماري العنيف تمثيل "الآخرين"، بالرغم من اختلافهم، وبناء سيادة أوروبية ذاتية متفوقة في نفس الوقت.

ولأن نظرية ما بعد الاستعمار تركز على كشف العنف المعرفي والخطابي للمعايير الأوروبية المركزية، ولذلك يأتي سؤال فكفكة الاستعمار، بكشف علاقته الدائمة بقضايا، مثل العدالة العابرة للقوميات، الدمقرطة، حقوق الانسان، العولمة، سياسات التنمية ومعضلة تراث التنوير الأوروبي. ولذلك سوف تعالج الأنساب (Genealogy ــ الجينالوجيا) الاستعمارية الشاملة للخطابات الحالية، المؤسسات والممارسات الحالية، ومتضمنا تحليل آثار الاستعمار على صياغة السياسات العالمية الحالية. وخاصة الدور المتناقض الذي اتخذه القانون في فترة ما بعد الاستعمارية، وتوضيحه بشكل نقدي.[4] وهذا يشمل جدلاً دقيقاً مع حقوق الإنسان الدولية، والتي يتم وصفها في الغالب قبلياً (a Priori)، بأنها إيجابية.

نقد ما بعد الاستعمار لحقوق الإنسان
وفقًا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان (AEMR)، لكل الاشخاص حق التمتع بنفس الحقوق، وهي حقوق غير قابلة للتصرف وغير قابلة للتجزئة وعالمية. تعتبر حقوق الإنسان معياراُ سياسياً قوياً للغاية في عصرنا. يؤدي انتهاكها من قبل دولة أو مؤسسة إلى نزع الشرعية عنها، في حين تُقرأ الممارسات السياسية بمعنى حقوق الإنسان كعلامات للانتماء إلى مجتمع الدول الليبرالية والديمقراطية.

تنص المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (AEMR) على: "يولد جميع الناس أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق" – إعلان، يُواجه بشكٍ مبرر، من تلك البلدان التي كانت لا تزال مُستعَمرَة في وقت اعلانه عام 1948. في حين أن الجرائم ضد الإنسانية تنبع في المقام الأول من أوروبا، فإن الأغلبية في شمال العالم اليوم لا تفكر في أوروبا عندما يتعلق الأمر بانتهاكات حقوق الإنسان، ولكن في تلك البلدان التي "حَضَرتها" أوروبا. يتذرع الشمال العالمي مرارًا وتكرارًا بحقوق الإنسان للتنديد بالدول في الجنوب العالمي والتدخل في قضاياها الداخلية. كما يأتي الضغط على بلدان الجنوب العالمي من الشبكات العابرة للحدود الوطنية ومنظمات المساعدة.

ليس من قبيل المصادفة أن ينتقد الخطاب السائد في مجال حقوق الإنسان من المفكرين والمفكرات في مرحلة ما بعد الاستعمار. على سبيل المثال، ينتقد العالم القانوني ماكاو موتوا* (Makau Mutua) حركة حقوق الإنسان التي يبدو أنها حاولت أن تثبت مرة أخرى أن بلدان الجنوب العالمي بربرية وغير قادرة على حكم نفسها. [5] يوضح موتوا ذلك، باستخدام الاستعارة "المتوحش - الضحية - المنقذ": "المتوحشون" هم أولئك الذين ينتهكون حقوق الإنسان ويتم عادة تمثيلهم، كدول غير غربية. غالبا ما تقف سياسات حقوق الإنسان مع الضحايا. أن نظرة الضحية لنفسه، يشل التفكير والقدرة على التصرف تقريباً، مع أولئك الذين يُعتقد أنهم "ضحايا". كما يجب على المنظمات غير الحكومية والمنظمات الخيرية وكذلك الحكومات الغربية، إنقاذ "الضحايا" من "المتوحشين".[6]

أن فهم تأثير قوة خطاب حقوق الإنسان يتم أولاً، إذا تم النظر إلى القانون والتشريعات على أنها أدوات ضرورية للاستعمار، والتي أحدثت تغييرات أساسية في فهم العدالة في كل من الدول المُستعَمرَة وفي أوروبا. وليس من النادر أن تقوم المؤسسات القانونية بإضفاء الشرعية بكل معنى الكلمة، على المشروعات الإمبريالية.[7] تقوم عالمية القانون الدولي، على سبيل المثال، كأداة وكشرط للسيطرة الاستعمارية وما بعد الاستعمارية.[8] على الرغم من أن حركات التحرر الوطني استدعت القانون الدولي للمطالبة بحق تقرير المصير، إلا أن التسلسل الهرمي المؤسس، ظل في القانون الدولي وساهم في إخضاع البلدان التي كانت مُستعمَرة سابقًا. وأخيراً، لولا صك القانون الدولي، مفهومه للملكية الخاصة والحيازة، وفضلا عن إضفاء الشرعية على المصادرة وفرض أشكال من الحكومات، لما كان بالإمكان مصادرة الشعوب غير الأوروبية بهذه الطريقة المنهجية.

ينطلق العالم القانوني أنتوني أنغي* (Antony Anghie) من تاريخ بديل للقانون الدولي.[9] على عكس التصورات الكلاسيكية التي ترجع إلى تاريخ ترسيخ مبدأ السيادة في سلام ويستفاليا عام 1648، يُظهر أنغي الدور التأسيسي للاستعمار في الخطابات حول السيادة والقانون الدولي. إنه يدرس استمرارية هذه العلاقة التاريخية في القانون الدولي المعاصر، التي وعلى الرغم من ادعاء العالمية، لم تتغلب على هذا التباين الأساس. إن استراتيجية إضفاء الشرعية على الاستعمار كمهمة إنقاذ يتم استنساخها في الخطابات الدولية الحالية من خلال مقولات (Kategorien) مثل "متقدم" و"متخلف" ويمكن العثور عليها أيضًا في التمييز بين الأنظمة القانونية "المتقدمة" و"المتخلفة". تُمنح هذه الأخيرة الفرصة دائمًا للتطوير، ولكن بالطبع هناك حاجة إلى التوجيه من خلال أوروبا. إنه بطريقة ما، مشروع تربوي سياسي يقوم على عجز الشعوب المُستَعمَرة سابقًا من ناحية، وتأكيد أوروبا كقوة متفوقة من ناحية أخرى. يتوقع الخطاب حول الحضارة، امكانية التغلب على عدم الكفاءة السياسية المزعومة للمُستعَمَرين من خلال جهودهم، وبرر في الوقت نفسه، بأن أولئك الذين لم يظهروا أي عقلانية يجب أن يُحكموا ايضاً دون موافقتهم.[10] يجب على الذوات والمجتمعات والدول ما بعد الاستعمارية، التي تريد أن تعتبر حضارية وحديثة، أن تتكيف، وإلا فإنها تخاطر بأن تُرغم على ان تكون "حضارية" و"حديثة".

مثال حقوق المرأة
تتضح الصعوبة في عالمية حقوق الإنسان وإدارتها بشكل خاص في مجال حقوق المرأة.[11] تحدد اتفاقية عام 1979 بشأن القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، التي صادقت عليها الآن معظم الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وتُحدد الحقوق الغربية نفسها، على أنها حديثة وتحريرية، في حين أن مصدر اضطهاد النساء في البلدان التي كانت مُستعَمَرَة سابقًا يتم البحث عنه في المقام الأول في الممارسات الثقافية "التقليدية" المفترضة. هكذا تظهر الحداثة مرة أخرى كمحررة - هذه المرة للنساء المضطهدات في الجنوب العالمي. يتخذ العنف ضد المرأة في هذا الخطاب طابعا سحرياً، حيث يعزز المفاهيم النمطية عن "البربرية" والتقاليد الأبوية الأفريقية أو الهندوسية أو الإسلامية ويحدد النساء كضحايا لنقص الوعي أو وعي خاطئ.[12] لذا فإن المشكلة الرئيسية هي أن خطابات حقوق المرأة تبرر في الغالب على إن الثقافات المحلية غير الأوروبية معادية للمرأة، في حين أن التركيز على الحقوق الثقافية والسياسية يميل إلى التغاضي عن مسألة الظروف الاقتصادية. من منظور الحركة النسوية ما بعد الاستعمارية، فإن الاعتراض على الخطاب المهيمن حول حقوق الإنسان منطقي، حيث يركز النقاش على " الضرورة العالمية " ويُنظر بارتياح الى النسبية الثقافية المتصاعدة.

كيف يتم تمكين مجموعة من الناس أو الأمم للعمل لصالح "الآخرين" البعيدين ومنحهم نفس الحياة الجيدة التي لديهم؟ من أجل فهم هذه القضايا، من المهم توضيح الأسئلة التالية: ما هي المعايير المهيمنة التي تساعد في الحكم على من يعتبر إنسانًا وتأهيل حقه كذات قانونية شرعية؟ أي ما هي الحقوق التي لها ما يبررها ومن يقررها؟ من يتحدث باسم من، ومن يأذن بأية خطابات؟ وهل يتعلق الأمر في نهاية المطاف بالمطالبات المعيارية التي لا يمكن تحقيقها أو حول مسائل العنف المعياري، بشكل أساسي؟

خطاب – الانتهاك المُعضد
العديد من انتهاكات حقوق الإنسان هي أيضا نتيجة لبرامج التكيف الهيكلي، والتي تأتي مترافقة من المانحين انفسهم، الذين يعملون من أجل حقوق الإنسان. أن تجاهل الدول حقوقًا معينة، مثل حظر أو تعقيد التنظيم النقابي، والسماح بعمل الأطفال، والتسامح مع الأجور التي تقل عن الحد الأدنى للأجور وخفض إعانات التغذية والتعليم، غالبًا ما تكون ببساطة نتيجة لسياسة التكيف الهيكلي النيوليبرالي (لليبرالية الجديدة). حتى المنظمات التنموية، لسوء الحظ والتي تنتقد مثل هذه التعديلات الهيكلية، يمكن أن تعمل من خلال الدفاع عن حقوق الاِنسان الليبرالية العالمية، على استقرار الهياكل الاستعمارية الجديدة. تساهم أجندة حقوق الإنسان في زيادة القوة المؤسسية للمنظمات الدولية وتعمل مرارًا وتكرارًا كذريعة للتدخلات الاستراتيجية و/أو العسكرية، وغالبًا تحت ذريعة الحماية.

للدفاع عن سياسات حقوق الإنسان (الغربية) يمكن تأكيد القول بأن همهم هو السعي لتحسين الظروف المعيشية لجميع الناس. ويبدو هذا مشكوك فيه ايضاً. تُمكن هنا قراءة نسوية ــ ما بعد الاستعمارية لسياسات حقوق الإنسان الحالية، من إشكالية ممارسات التضامن غير النقدية بالإضافة إلى الخطابات المركزية الأوروبية والذكورية المتمركزة حول العدالة العالمية: تخفي "سياسة تعاضد" المصالح الاقتصادية والجيوسياسية، في حين أن الخطابات المهيمنة حول حقوق الإنسان تستخدم بمثابة مبررات لتدخل الشمال العالمي في الجنوب العالمي. كجزء من نظرية المعرفة الأوروبية، فإن أصول ثروة بلدان الشمال العالمي منفصلة عن ظروف الاستعمار وبدلا من ذلك، يتم تمثيلها بخطابات التقدم والعقلانية كنجاحات للتنوير الأوروبي. إن سياسة المساعدة الخيرية، التي يريد فيها الشمال العالمي مساعدة "الآخرين" على التعلم منه، تهمل العلاقة التاريخية بين الامتيازات الطبيعية والاستغلال الاستعماري المستمر.

يتم الحفاظ على الاستعمار الجديد، قبل كل شيء من خلال تقديم نفسه على أنه يمارس عمل الخير للناس.[13]. وفي هذا تجاهل لفكرة مناهضة الدولة المتأصلة فيها لفكرة فكرة حقوق الإنسان بشكل صريح، فواقع أن المجموعات المحرومة التي لا تزال تهتم بالصراعات الاجتماعية الداخلية لكسب معركتها ضمن أراضي دولتهم. كما يجب، على سبيل المثال، تمكين المجموعات التابعة من تقديم مطالب للدولة التي تعيش فيها هذه المجموعات، بهدف تمكين الديمقراطية من الأسفل ضمن القواعد الرسمية للحقوق والمواطنة. وهنا تظهر الحاجة الى التفكير في العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني وأولئك الذين يعملون بالنيابة عنهم وإعادة تشكيلها.

(عدم -) إمكانية تحقيق اللاعدالة
لا يتم نقد سياسات حقوق الإنسان، ليس فقط من أجل المركزية الأوروبية والذكورية المتمركزة. تنظر المثقفة ما بعد الاستعمار غاياتري تشاكرافورتي سبيفاك* (Gayatri Chakravorty Spivak) إلى الفصل بين أولئك الذين من فوق "يقومون بالظلم" وبين أولئك من هم تحت الذين يتعرضون للظلم.[14] تؤدي سياسة حقوق الإنسان، من هذا المنظور، حتمًا إلى تقسيم العالم إلى مجالين: المجال الذي يبدو ان الحقوق تأتي منه والمجال الآخر الذي يبدو أنه لا يتم اضفاء الطابع المؤسسي على حقوق قابلة للمقارنة. بدلاً من رفض حقوق الإنسان باعتبارها مركزية أوروبية، تهتم سبيفاك بالتدقيق في الفكرة الأساسية لتقسيم الحقوق - ومعها وجهة نظر العدالة التي يتم التعبير عنها في خطابات حقوق الإنسان. وفي نهاية المطاف، فهي شكل من أشكال الداروينية الاجتماعية، والتي بموجبها يُنظر إلى أولئك الذين تم تمييزهم كضحايا على أنهم غير قادرين على مساعدة أنفسهم أو الحكم بشكل مستقل.[15] تبقى المسافة بين أولئك الذين يوزعون الحقوق وأولئك الذين هم مجرد ضحايا للظلم والمستفيدين من الحقوق، تظل تحت علامة العنف التاريخي.

تجمع سبيفاك بين عبارة "عبء الرجل الأبيض" التي تم التعبير عنها في قصيدة كتبها روديارد كبلنغ* (Rudyard Kipling) في عام 1899 مع الفكرة الداروينية "البقاء للأقوى" وصاغت منها عبارة "عبء الأقوى ". والذي يعبر عن استعراض التفوق الخاص، وهو ما يدفع دول في الشمال العالمي إلى الاعتقاد بأنها ملزمة بالتصدي لانتهاكات حقوق الإنسان في الجنوب العالمي.

تدعو سبيفاك، في اتجاه سياسة مختلفة لحقوق الإنسان، إلى التغيير في فهم المسؤولية، كواجب "الأقوى" تجاه "الآخرين" إلى المسؤولية تجاه "الآخرين".[16] وهي بذلك تميز بين الأنظمة الثقافية القائمة على المسؤولية والأنظمة القائمة على الحقوق، وللتوضيح[17]، تقدم المفهوم الإسلامي "للحق"، الذي تصفه بأنه "مسؤولية هيكلية شبه فردية"[18]. إن المعنى المزدوج للحق كحق من جهة، والمسؤولية (الواجب) من ناحية أخرى هو أمر(إلزام) مشترك بين ثقافات ما قبل الرأسمالية، والتي لا ينبغي فهمه بطريقة تتمحور حول مركزية أوروبية فحسب، بل وانما لخلق مجال لتجمع بين مقدمي الحقوق ومتلقيها. "حقنا، حقيقتنا، أن نكون مسؤولين بطريقة هيكلية خاصة." [19]

تناقض إرث التنوير
كان في السنوات الأخيرة، نقاش مثير للجدل حول سؤال، ما إذا كانت دراسات ما بعد الاستعمار، التي تقف مع تقاليد التنوير، تقوم بإعادة إنتاج المركزية الأوروبية السيئة. يرفض ممثلو وممثلات دراسات أمريكا اللاتينية الأمريكية مثل والتر ميغنولو* (Walter Mignolo) أو رامون جروسفوجل* (Ramón Grosfoguel) بشكل قاطع كتابات التنوير الأوروبي باعتبارها نذير الاستغلال والتدمير على شاكلة الاستعمار والرأسمالية وينتقدون الحذف الإيديولوجي لأشكال أخرى من المعرفة.[20] ويتحدثون عن ادعاءات جوفاء للطابع التحرري لكتابات التنوير وينادون بدلاً من ذلك (لمراجعة) التفكير في علم الكونيات الأصلي (الكوزمولوجيا الأصلية) ومخزون العلوم غير الملوثة بالاستعمار والحداثة.

يشكو ممثلو وممثلات مدرسة فرانكفورت من أن نقد ما بعد الاستعمار يتخلى عن المثل التحررية.[21] يعترض في المقابل، مفكرو ومفكرات ما بعد الاستعمار، ويشيرون إلى عنف الفهم الأصولي للمعيارية: تحتاج النظرية النقدية إلى مبادئ التقدم والتطوير كأفكار مستقبلية للكمال والتحسين، من أجل مواصلة عملها بشكل نقدي. وبناء على ذلك، ستكون المعايير في النظرية النقدية هي واجبات أخلاقية سياسية تلهم الأنظمة السياسية "بعدالة أكثر". من هذا المنظور، لا يمكن تفسير التخلي عن هذا الالتزام المعياري إلا على أنه تشاؤم تاريخي. نظرًا للتشكيك في الوظيفة التحررية للمعايير (Normen) مثل حقوق الإنسان والعلمانية والديمقراطية، يتم تقييم دراسات ما بعد الاستعمار على أنها غير نقدية في تحليلاتها. في المقابل، يتهم منظرو ومنظرات ما بعد الاستعمار، ممثلي النظرية النقدية بعدم التشكيك في أفكار التقدم والتنمية والعقلانية في إطار الأصولية المعرفية المعيارية، وبالتالي يصفونها هنا بأنها سرديات التبرير الاستعماري. هذا يكشف عن الفجوة الواسعة، بين النظرية النقدية ودراسات ما بعد الاستعمار.

ومن رأينا أيضاً، أن الالتزام غير النقدي بالأصولية المعرفية المعيارية ينفي في النهاية الإرث العنيف للاستعمار الأوروبي ويجعل عواقبه غير مرئية. وبالرغم من ذلك، لا يمكن أن يكون المضاد للمركزية الأوروبية والإمبريالية تصوراً ساذجًا، كما لا يصح الاعتقاد بأن جميع المعارف غير الأوروبية وما قبل الاستعمارية جيدة ونقية ومتفوقة ناهيك عن نفي قطعي آخر لأي نظرية تنوير معيارية. بدلاً من ذلك، نقترح تعددية وتنويع للشرعية المعيارية السردية.

الالتزامات المعيارية ممكنة أيضًا دون اللجوء إلى الفرضيات الأصولية. خلافا للافتراض الصارم لمنظري ومنظرات المعايير، فإننا نجادل بأن نظريات ما بعد الاستعمار حول النهج غير الأصولي لملامح الشرعية المعيارية يمكن أن تؤكد الخطوط العريضة لإعادة النقد. لذلك، بدلاً من التأكيد على أن المعايير المعيارية يجب أن تكون بالضرورة مدعومة بالمبادئ العالمية، يتم قبول أوجه عدم اليقين ومعضلات المبادئ المعيارية وتحديدها. بما أن سرديات المركزية الأوروبية حول إضفاء الشرعية على المعايير المعيارية تسير جنبًا إلى جنب مع معارضة واستبعاد المبادئ المعيارية غير الأوروبية، بذلك تظهر المبادئ المعيارية "العالمية" على أنها اقتصاريه\ حصرية. من المهم لتحرير طبيعتها المعيارية من الميول المدمرة والتراجعية، ان يتم ذلك من خلال الكشف عن المركزية الأوروبية للتنوير.[22]

إن الإرث المعياري للتنوير متضارب للغاية ومتناقض: يتميز في نفس الوقت، بين الهمجية والتمدن وبين الهيمنة والتحرر. إن انتقاد حقوق الإنسان المستوحاة من التنوير لا يعني أن فكرة حقوق الإنسان في حد ذاتها مرفوضة. لا يزال نقد ما بعد الاستعمار للتنوير عالقًا في تناقض في الأداء لأنه قد ورث مفرداته النقدية من التنوير المُستهَدف بالنقد من جانبهم. مما لا شك فيه أن هذا له تأثير على العلاقة بين منظري ما بعد الاستعمار وأدوات النقد التي قدمها عصر التنوير. تصف سبيفاك المدخل إلى التنوير الأوروبي من خلال الاستعمار، بأنه "تمكين الانتهاك" وتقترح استخدامه استراتيجيًا، حتى إذا كان يجب إعادة التفاوض على الانتهاك. نظرًا لأن المجموعات الاجتماعية المهمشة تتحرك داخل خطاب التنوير عندما تطالب بحقوق مدنية وسياسية، فإنها ترفض الرفض القاطع للتنوير وبدلاً من ذلك تدافع عن طريقة مختلفة للتعامل مع الكتابات التنويرية، والتي تتمثل في "استخدامها من الأسفل".[23] تماشيا مع هذا، يبدو لنا واعداً أكثر من تهمة نسبية ثقافية ضد إرث التنوير أو البحث العرقي المتمركز حول أنظمة المعرفة غير الغربية البحتة،[24] للتحقيق في المقارنات بين الإنتاج النظري الغربي وغير الغربي.

في هذا السياق، يأتي السؤال الأساسي التالي: كيف يمكننا التعامل مع المفارقة، أنه على الرغم من تركيز التنوير على موضوع الرجل الأبيض البرجوازي، يبقى التنوير لا غنى عنه للتحليلات النقدية؟ على سبيل المثال، في العديد من سياقات ما بعد الاستعمار، أظهرت التجربة أن نقد الحداثة قد عزز النظام المحافظ والقومي. يجب أن نفحص كيف يمكن الترويج لأطروحات ومفاهيم وافتراضات التنوير الأوروبي خارج حدود أوروبا من أجل خدمة المستَعَمرَين سابقًا لتطوير فهمهم للديمقراطية والقانون والحرية.

المثل العليا للتنوير لا غنى عنها. "لا يمكننا أن لا نتمناها"[25]، على الرغم من أننا يجب أن ننتقد الجهد التعبوي المستمر من أجل تبرير الإمبريالية. تفهم سبيفاك إرث عصر التنوير، بما في تلك المعايير التي تقدمها حقوق الإنسان، كعقار صيدلاني، باعتباره سماً ودواءً في نفس الوقت. وفيما يتعلق بحقوق الاِنسان، فإن التحدي الآن، هو جعله دواءً فقط. لكي ينجح هذا، لا غنى من أن ينعكس ذلك في التحدي للتاريخ العنيف لأوروبا، الذي يجد صداه في إرث عصر التنوير. وفي نهاية المطاف، فلا إنكار للعنف ولا محاولة عقيمة للهروب من التاريخ.

* * *

  • نختتم المقال المُترجم بالكامل، بملاحظات مختصرة وعلى أمل ان يشارك القارئ بإثراء النقاش. فالنص يثير الكثير من الاسئلة والتساؤلات، بدءاً من العنوان .

لا شك بان إعادة التفكير في عالمية حقوق الاِنسان سؤال مشروع، ولكنه يحمل في طياته أيضاَ، التشكيك في عالميتها وبل وحتى في جدواها. ويفتح الباب من جديد لنقاش يتفرع الى الخصوصية الثقافية والدينية وخاصة في عالمنا العربي والأفريقي. فتوطين حقوق الانسان يرتبط بالديمقراطية، والأخيرة متعثرة منذ حصول البلاد على استقلالها. أن استخدام الخصوصية الثقافية ولا سيما الاسلام وربطه بالهُوية العربية، كان له تأثير كبير على اعاقة توطين عالمية حقوق الانسان. كما ان وصف الاستشراق القديم (الكلاسيكي)، بان الثقافة العربية الاسلامية "جوهر ثابت لا يتغير"، مما عضد وجهة نظر السلفية والأصولية التقليدية الاسلامية، بخصوصية حقوق الانسان وليس عالميتها. لقد تم بعد نقاشات مستفيضة من جميع القوى السياسية والفكرية، بمن فيها الاسلامية، حول قضية حقوق الانسان وخاصة مع دخول الحداثة الغربية للعالم العربي، وما حملته من أفكار بشأن الفرد وحقوقه، قبول مبدأ عالمية حقوق الاِنسان والديمقراطية. ثم جاءت التجربة المصرية (محمد مرسي) والتجربة السودانية (الاِنقاذ الوطني) والتجربة التونسية المضطربة (حزب النهضة المتأرجح)، لنعود الى المربع الأول.

أن التمسك بالخصوصية بدون تبصر وعدم مواكبة التحولات التاريخية، في عالم يتغير، وابعاد تتقارب وثقافات تتلاقح، سوف نبقى في حالة نكوص وعجز دائمين.

كما نود هنا أن نشير بإيجاز شديد، لمدرسة دراسات ما بعد الاستعمار، وميدان دراسات التابع، وتضم مجموعة من كبار الباحثين المرموقين. نذكر منهم تمثلا، إدوارد سعيد، هومي بابا وسبيفاك، ومن الجيل الجديد المؤرخ والمفكر الكاميروني أخيل مبيمبي، الذي يتعرض الآن في المانيا الى هجوم شرس من قبل الصحافة اليمينية، بسبب مناصرته للقضية الفلسطينية وقضايا اللاجئين.

ربما يكون إدوارد سعيد، أول ممثل لهذه المدرسة، بل يحتل مكانة مركزية فيها، حيث ظهرت إرهاصاتها الأولى في كتابه المبكر "الاستشراق، 1978". ثم توالت الدراسات والتنظير لها من قبل هومي بابا وسبيفاك. بجانب دراسات سعيد الأكاديمية العميقة، لم يتخل عن الدخول الى الساحة العامة بصورة واسعة من خلال التزامه بالقضية الفلسطينية، من أجل حقوق الانسان وحقوق الشعب الفلسطيني. بجانب نقده العميق للروايات الغربية، تعرض سعيد الى أدب وكُتاب العالم الثالث بالنقد، مثل فرانز فانون، تشنوا أتسثيبي، الطيب صالح ومن الروائيين العرب، إميل حبيبي، غسان كنفاني، الياس خوري، نجيب محفوظ، أهداف سويف، ومن الشعراء محمود درويش، كما كتب عن الفن وعن الفنانة المصرية الشهيرة تحية كاريوكا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Maria do Mar Castro Varela . Nikita Dhawan: Die Universalität der Menschenrechte Überdenken, ApuZ. Zeitschrift der Bundeszentrale für politische Bildung, 70. Jahrgang 20 /2020, 11. Mai 2020

* ــ نُشر المقال في مجلة المركز الاتحادي للتثقيف السياسي ــ ملف خاص بعنوان " حقوق الاِنسان" ــ والتي تصدر مع الصحيفة الاسبوعية "البرلمان".

ماريا دو مار كاسترو فاريلا (Maria do Mar Castro Varela) مواليد عام 1964 اسبانيا، أستاذ التربية العامة والعمل الاجتماعي بجامعة أليس سالومون في برلين.

نيكيتا داوان (Nikita Dhawan) مواليد عام 1972 في الهند. منذ أكتوبر 2014، أستاذة النظرية السياسية مع التركيز على دراسات المرأة والجنس في جامعة إنسبروك ومديرة مركز فرانكفورت للبحوث لدراسات ما بعد الاستعمار، تدرس حاليًا في جامعة جيسن (Justus Liebig)

ماكاو موتوا (Makau Mutua) (مواليد 1958) أستاذًا متميزًا في جامعة ولاية نيويورك، في أكتوبر 2015، انضم إلى البنك الدولي في واشنطن العاصمة. للعمل على الحكم وحقوق الإنسان..

غاياتري شاكرافورتي سبيفاك (Gayatri Chakravorty Spivak)‏ (1942 ــ): ناقدة ومفكرة هندية، تعد من أهم منظري النظرية ما بعد الاستعمارية، كما إنها منشغلة بشكل خاص بالدراسات النسوية والتفكيكية. من أهم مؤلفاتها: هل يمكن للتابع أن يتكلم؟

والتر ميغنولو (Walter Mignolo) (ولد في 1 أيار/مايو 1941) هو عالم أدبي أرجنتيني. أستاذ الأدب ومدير مركز الدراسات العالمية بجامعة ديوك منذ عام 1993. معروف بانتقاده للتاريخ الأوروبي المركزي.

رامون جروسفوجل (Ramón Grosfoguel) (مواليد 1956، بورتوريكو) عالم اجتماع، ينتمي إلى مجموعة الحداثة/ الاستعمار. أستاذ دراسات تشيكانو/لاتيني في قسم الدراسات العرقية في جامعة كاليفورنيا، بيركلي.

 

[1] Jürgen Osterhammel, Kolonialismus. Geschichte – Formen – Folgen, München 2006, S. 8.

[2] Vgl. María do Mar Castro Varela/Nikita Dhawan, Postkoloniale Theorie. Eine kritische Einführung, Bielefeld 2020.

[3] Vgl. dazu María do Mar Castro Varela/Malika Mansouri, Das Erbe kritisch betrachten. Verflechtungen von Kolonialismus, Rassismus und Migrationsrechtsetzung, in: Jekaterina Markow/ Frederick Harbou (Hrsg.), Philosophie des Migrationsrechts. Tübingen 2020, S. 291–316.

[4] Vgl. Vidya Kumar, A Proleptic Approach to Postcolonial Le- gal Studies?, in: Law, Social Justice & Global Development Jour- nal 2/2003, www2.warwick.ac.uk/fac/soc/law/elj/lgd/2003_2/ kumar.

[5] Vgl. Makau Mutua, Human Rights. A Political and Cultural Critique, Philadelphia 2002.

[6] Vgl. Gayatri Chakravorty Spivak, Can the Subaltern Speak?, in: Patrick Williams/Laura Chrisman (Hrsg.), Colonial Discourse and Post-Colonial Theory, New York 1994, S. 66–111, hier S. 92.

[7] Vgl. Upendra Baxi, Postcolonial Legality, in: Sangeeta Ray/ Henry Swartz (Hrsg.), A Companion to Postcolonial Studies, Malden–Oxford 2000, S. 540–555; Diane Elizabeth Kirkby/ Catharine Coleborne, Law, History, Colonialism: The Reach of Empire, Manchester 2001.

[8] Vgl. Makau Mutua, What Is TWAIL?, in: American Society of International Law Proceedings 94/2000, S. 31–40; Antony Anghie/B. S. Chimni, Third World Approaches to International Law and Individual Responsibility in Internal Conflicts, in: Chine- se Journal of International Law 1/2003, S. 77–103; B. S. Chimni, Third World Approaches to international Law: Manifesto, in: International Community Law Review 8/2006, S. 3–27.

[9] Vgl. Antony Anghie, Imperialism, Sovereignty, and the Making of International Law, Cambridge 2007.

[10] Vgl. auch Martti Koskenniemi, The Gentle Civilizer of Na- tions: The Rise and Fall of International Law 1870–1960, Cam- bridge 2004; Sundhya Pahuja, Decolonizing International Law. Development, Economic Growth and the Politics of Universality, Cambridge 2013.

[11] Vgl. Ilan Kapoor, The Postcolonial Politics of Development, London–New York 2008, S. 35.

[12] Rosalind Morris, Introduction, in: dies. (Hrsg.), Can the Sub- altern Speak? Reflections on the History of an Idea, New York 2010, S. 1–20, hier S. 5.

[13] Vgl. Gayatri Chakravorty Spivak, Feminism and Human Rights, in: Nermeen Shaikh (Hrsg.), The Present as History: Critical Perspectives on Global Power, New York 2007, S. 172–201, hier S. 177.

[14] Vgl. Gayatri Chakravorty Spivak, Other Asias, Malden– Oxford 2008, S. 16.

[15] Vgl. hier und im Folgenden dies. (Anm. 14).

[16] Vgl. Kapoor (Anm. 12), S. 28.

[17] Vgl. Spivak (Anm. 7), S. 180.

[18] Dies., Imperative zur Neuerfindung des Planeten, Wien 1999, S. 55.

[19] Dies. (Anm. 14), S. 5.

[20] Vgl. Walter Mignolo, The Darker Side of the Renaissance. Literacy, Territoriality and Colonization, Michigan 1995; Ramón Grosfoguel, The Epistemic Turn. Beyond Political-economy Paradigms, in: Cultural Studies 21/2007, S. 211–223.

[21] Vgl. Amy Allen, The End of Progress. Decolonizing the Normative Foundations of Critical Theory, New York 2016, S. 11.

[22] Vgl. Nikita Dhawan, Die Aufklärung retten: Postkoloniale Interventionen, in: Zeitschrift für Politische Theorie 2/2016,S. 249–255.

[23] Spivak (Anm. 14), Zitate S. 18, S. 263.

[24] Vgl. Boaventura de Sousa Santos (Hrsg.), Another Know- ledge Is Possible: Beyond Northern Epistemologies, London– New York 2008.

[25] Gayatri Chakravorty Spivak, Neocolonialism and the Secret Agent of Knowledge. Interview mit Robert Young, in: Oxford Literary Review 1–2/1991, S. 220–251, hier S. 234.