يكتب القاص المصري في هذه القصة حالة يقظة على الوقائع، أكثر مما هي حالة انتظار مراوغة وتهرب من مواجهة الواقع، فهي ليست فقط انتظارا للمرأة التي تراوغ ما عليها من مسئوليات وضغوط فحسب، ولكنها انتظار للذي يأتي ولايأتي، ومواجهة لعبء انصرام الزمن دونما تحقق.

انتظار

قصة قصيرة

خالد حسين عاشور

تأتيني كلما أرادت.

تتصل بي كعادتها قبل أن تأتي. وأكون قد استعددت لمجيئها كعادتي منذ عرفتها. تخلع نقابها الأسود والذي لا يُظهر سوى عينيها بمجرد أن تتخطى باب الشقة. تقول دون أن أسألها:

ـ علشان محدش يعرفني.. أنت عارف كلام الناس.

يصلني صوتها وهى تأخذ حمامها الدافئ، وهي تحكي عن زوجها الذي هرب بعد أن ترك لها أولاده الثلاثة، وغادر البلاد. وعن مشاكلها في العمل. وأن كل من قابلتهم من رجال في العمل يريد أن ينام معها، وكأنها مباحة للجميع. وتؤكد لي بأنها ستترك العمل الجديد، إن أصر صاحبه على أن ينام معها أو يطردها.

أصمت وأكتفي بسماعها. وكنت قد حفظت حكايتها من كثرة ترديدها.

تحكي وتحكي دون أن أنصت.

وحين تكف وتخرج مُخلفهً ورائها بخاراً كثيفاً، يكاد أن يخفي معالم الأشياء حولها. تكون رأسي قد أخذت في الدوار من مفعول الخمر التي عادة ما تأتيني بها حين تزورني. فأضمها نحو صدري وقد خلعت عنها ملابسها تماماً. ورائحة عطرها الساحر تأخذني نحوها بشدة.

دائماً ما تطلب مني قبل أن تتركني أحتويها أن أسمعها أغنية من أغنيتن كانت تحب أن تستمع إليهما وهى معي. الأغنية الأولى "أروح لمين" لأم كلثوم، والأخرى "آه لو عرفتك من زمان" لوردة.

الأعوام التي عرفتها اكتفيت بمعاشرتها وحدها دون الأخريات. عزفت بإرادتي عن معرفة غيرها. بالنسبة لي كانت كل نساء الأرض. أنا الرجل الأعزب ذو السنوات الثماني والثلاثون، والذي بمطلق إرادته قرر ترك قطار الزواج يفوته، دون ندم متعللاً بالخوف منه.

تغيب وتتصل.

لم تقطع عادتها تلك عني. يوم أو ثلاثة وتعاود الاتصال.

وتقول أنها أتيه.

وأقول أنني أنتظر.

وتأتي.

لم تخلف ميعادها خلال السنوات التي عرفتها ذات مرة. حتى تلك المرات التي كنت أكتشف كذبها وانشغالها بآخر. ألاحظها على غير عادتها حين تكون قد تعرفت على آخر وأسكت. تغلق هاتفها حين تأتي. وحين تفتحه ألحظ من يكرر الاتصال بها في إلحاح غريب. تنظر نحوي للحظة، وكأنها لا تراني، ثم تدير وجهها عني وتقول مبتعدة:

ـ صاحبتي.

وأصدق.

أنا الذي أوهم نفسي بالصدق. كنت أخشى أن تنفر منى فلا تعود وقد تعودت عليها.

وحين قرأت ذات مرة أكثر من رسالة غرام على هاتفها، تأتيها من نمرة واحدة لم أسألها. كنت أعرف وأكتفي بالصمت. وأقول أنها ستتغير وتخلص.

شهور وعرفتني بأولادها من الرجل الهارب. بنتان وولد. الولد نبت له زغب أصفر خفيف من الشعر تحت أنفه. ناداني حين رآني بـ "عمو".!

الكلمة حين قالها أفزعتني. كأنها جرس مزعج نبهني فجأة لسنوات العمر التي تتسرب مني.

أصرت ذات مرة أن تتركهم معي. قالت أنها ستتأخر في العمل، وتريدني أن أرعاهم في غيبتها، وستأتي لتبات معهم ليلاً.

الفكرة حين قالتها أنعشتني.

أنا الرجل الذي أخشى الزواج سأجرب ولو لمرة واحدة رعاية الأطفال.

ثلاثة أطفال تجربة كفيلة بالمعرفة.

البنتان لم تمثلا أدنى مشكلة في البدء. غير أنه وبعد أن بدأ الجوع يقرصهما بدأت أشعر بأنه وجب علي الآن ـ والآن فقط ـ أن أجرب إحساس الأبوة للمرة الأولى أيضاً. وأن أجهز لهما طواعية ما يؤكل.

البنتان نامتا طوال النهار بعد تناول طعامها. أما الولد فظل مستيقظاً. وكنت أشعر أن حاجزاً ما يفصله عني. فأخذت في إزالته بهدوء.

في البدء تحدث عن نفسه. أصحابه. لعبته المفضلة. كراهيته للدراسة ـ ن وهروبه من المدرسة. قال كلمه الهروب وهو ينظر نحوى وكأنما يستحلفني بأنه سر. هززت رأسي وتركته يكمل. أخذ يحكي عن والده. أكد لي في عناد طفولي أنه عائد لا محالة. قال أنه يكرهه. ثم أردف:

ـ آه.. بس يرجع.

قال أن أمه لا تأت إلى البيت إلا في ساعة متأخرة من الليل. وتكون حين تأتي صامته مجهدة. فتأمرهم بالنوم، وهى تصرخ فيهم. يبتعد وأختيه ليغلق الحجرة عليهم ويناموا.

يسكت للحظة ويقول في حدة:

ـ ليست أمي. أمي ماتت. هي ربتني. فقط ربتني.

ويعود إلى السكوت.

أنظر نحوه فأراه مبتعداً عني، ليقذف في غيظ غريب كرة كان يمسكها في اتجاه الحائط، ليحدث صوت ارتطامها دوياً يزعجني للحظة. ويجري خلفها مبتعداً أكثر.

بالليل حين جاءت كان الأطفال قد استغرقوا في النوم. أصرت على إيقاظهم. قالت أنها أتت بما يحبون من فاكهه وحلوى. تناولوها وعيونهم لا زالت مثقلة بالنوم. فتركتهم ينامون، وسحبت نفسها إلى الشرفة لتشعل سيجارة بعيداً عنهم. تبعتها وجلسنا في صمت. خرقته بعد لحظة وقالت:

ـ الأولاد نايمين.. ماينفعش تنام معايا النهاردة.؟

لم أرد. واكتفيت بإشعال سيجارة رحت أنفث دخانها في غيظ.

أطفأت سيجارتها وسكتت.

لحظة وقالت دون أن تنظر لي:

ـ أبوهم أتصل. قال هايغيب كام سنة تاني قبل ما يرجع. كذاب. كلكم زي بعض.

وعادت للسكوت.

هززت رأسي وأنا لازلت أنفث دخان السيجارة في غيظ دون أن أنتبه.

هي وبعد أن شعرت بغيظي قالت:

ـ تعبت من الدنيا. ساقية أدور فيها زي الأعمى. ولا حد حاسس. المصاريف بتزيد. والحياة نار. امتى يرجع ويشيل عني؟. أروح فين بس؟. ماليش حد تاني. كفاية كدة. حرام.

وحين لسعتني السيجارة قبل أن تنطفئ شعرت بها وهي تسحب نفسها لتنام بين الأطفال.

بعد الفجر بقليل شعرت بها تتسحب في هدوء لتنام إلى جواري. وكنت قد افترشت مكاناً بالصالة ونمت.

جسدها الدافئ أشعل الرغبة بداخلي فلم أشعر إلا وقد احتواني بطراوته ورائحته المبهرة. وصوت تأوهاتها المكتومة خشية أن توقظ الأطفال يثيرني أكثر.

الصرخة المكتومة التي أخرجتها حين شعرت بالولد يتحرك فوقنا هي التي أيقظتني.

الولد فجأة وجدناه فوقنا. تمايل قليلاً مصطنعاً النوم، وسأل عن باب الحمام بعد أن أدار وجهه عنا، وطأطأ رأسه نحو الأرض. هي التي أشارت له إلى مكانه. وكنت أنا قد رحت في صمت مرعب.

حين خرج وعاد إلى الغرفة لم يلتفت نحونا. ورأيتها تنتفض واقفة وهي ترتدي قميصها الشفاف في سرعة دون أن تكمل ارتداء ملابسها التحتية وهي تتعثر في خطواتها عائدة للنوم بينهم.

بعدها بأيام حين اتصلت بي قالت أن الولد كبر، لأنه سألها عن من أكون بالنسبة لها حتى يراها في الوضع الذي كان.

قالت أنها أخبرته أنني مثل "بابا".

نظر إليها ورد قبل أن يتركها في ذهول أنني لست أبوه. وأن أبوه الغائب سيعود.

يومها أخبرتني أنها ستنقطع عني لفترة حتى يكون الولد قد نسي الحكاية ونسيني.

وانتظرت اتصالها.

كنت متأكداً من عودتها.

هي أيام لن تتحمل غيبتي وتعود.

وأمني نفسي باتصالها في صبر.

وقد كان..

أخيراً اتصلت..

هذه المرة كانت أحزن ما تكون. قالت وهى تكتم بكائها أنها سئمت الحياة. وأن الولد بدأ يكبر ويحاسبها على أفعالها. تلعن أباه أكثر من مرة وهي تتكلم. فهو الذي تركها دون أدنى أحساس لتتحمل وحدها ما تراه في الدنيا.

وتغلق الهاتف بينما أكون أنا في صمتي المعتاد.

هذه المرة غابت عن الاتصال أكثر من المعتاد. وللمرة الأولي أشعر بلهفة نحوها.

وأتصل..

حين ردت كانت تبكي بحُرقة. قالت أنها تفتقدني بشدة. وأنها لا تستطيع رؤيتي في ذات الوقت. الولد فضحها وأخبر الجيران في غيبتها عن قصتها معي. سرد أشياء أخرى عن علاقاتها القديمة، والتي لا يعرفها غيره. وكنت أنأى بنفسي دائما عن معرفتها حتى لا أفقدها.

صوت بكائها جعلني أصدقها. صوتها المتهدج وهي تخبرني بأنها ستغادر البيت الذي تسكن فيه جعلني أعجز عن الرد. قالت أنها في حاجة إلى نقود. هي لم تطلب مني صراحة لعلمها بظروفي المادية المتعثرة دوماً.

وقبل أن تسكت أخبرتني أنها حين تدبر المبلغ وتجد مسكناً جديداً ستتصل.

وكنت أسمع ولا أجيب. وأقول بعد أن أغلقت الهاتف أنها ستتصرف، وتعود بعد أن تجد مسكناً جديداً إلى الاتصال.

ويمر الشهر.

يعقبه شهور.

وأفتقد صوتها المحبب.

فأتصل..

يصلني صوت ليخبرني وكأنه يسخر مني:

ـ الرقم الذي طلبته غير موجود بالخدمة. تأكد من الرقم الصحيح ثم عاود المحاولة.

وأقول أنها غيرته وأنها لا محالة ستتصل.

ويبدأ الملل في طرق رأسي. فأبحث في دفاتري القديمة عن أرقام هواتف عاهراتي القديمات. أجد بعض أرقامهن. وأقول أنني سأتصل بإحداهن لأنساها ولتؤنس وحدتي. قبل أن أضغط على الهاتف تكون الفكرة قد تبخرت تماماً. وصوتها قد استقر بعقلي يدندن في حلاوة. فأغلق الهاتف وأقول أنها ستتصل. ولن أخونها.

عامان مرا دون أن أسمع صوتها.

نصحني خلالهما بعض الأصدقاء ممن تزوجوا بأن ألحق بأخر قطارات الزواج، وهم يدعون الله لي بالهدية. فأنصرف عنهم بينما يكون عقلي الملعون يسبهم بشدة وأنا أبتعد. وأكون قد أعددت نفسي لأحتفل بعامي الأربعين، وأنا أفكر في الطريقة التي سأحتفل بها في وحدتي المريرة التي تركتني فيها.

الشمعة الوحيدة التي وضعتها وسط "التورتة" كانت تتراقص مع نسمات الشتاء القارص، فتخيل لي وكأنها شبح يهم بالانقضاض علي. بينما كنت أنظر بين اللحظة والأخرى قبل أن أطفئُها إلى الهاتف، وصوت يعلو في أذني أسمعه يشتد كلما أصغيت ليخبرني أنها ستتصل. فأبتسم للصوت دون أن ألتفت وأقول ساخراً:

ـ ستتصل.. نعم ستتصل.

وأطفئ الشمعة فيحتويني الظلام.

بينما الصوت لا زال يتردد حولي قائلاً:

ـ ستتصل.. وأين تذهب؟. 

قاص من مصر

K_metwaly@hotmail.com