بين حرب العصابات والعدوان اليومي يسرد هنا الكاتب الفلسطيني، جزء من يوميات العدوان الصهيوني على فلسطين المحتلة، في ظل صمت الأنظمة العربية وخروج الشعوب للاحتجاج والتظاهر، هذا الاحتجاج على العدوان الذي اتسع دوليا في استنكار للجرائم اليومية التي ارتكبت ضد الأطفال والنساء والمواطنين وتدمير البيوت وتخريب الممتلكات، واندلعت شرارتها الأولى نتيجة الانتهاكات الإسرائيلية لحرمة المسجد الأقصى.

يوميات العدوان الصهيوني على فلسطين المحتلة

مصطفى يوسف اللداوي

 

العصاباتُ الصهيونيةُ تجددُ إرثَها القديمَ وعدوانَها الأثيمَ
تعيدنا جرائم المستوطنين الإسرائيليين في مدينة القدس والضفة الغربية إلى تاريخ العصابات الصهيونية الأسود، شتيرن والأرجون والهاجانا وغيرها، التي عاثت فساداً في فلسطين المحتلة قبل وبعد العام 1948، وقتلت الفلسطينيين ودمرت بيوتهم وحرقت بساتينهم، وخربت ممتلكاتهم ودنست مقدساتهم، برعايةٍ دولة الانتداب إنجلترا التي كانت تحميهم وتدربهم، وتزودهم بالمال والسلاح، قبل أن تتولى سلطات الاحتلال الرسمية جرائمهم، وتعيد تنظيم صفوفهم، وتلحقهم بوحدات الجيش المختلفة، وتبارك أعمالهم وتكرم قادتهم، وتقدمهم في الصفوف الأولى قادة للجيش والحكومة، ووزراء ورؤساء أحزاب، بينما أيدهم ملطخة بالدماء، وسجلهم حافل بالجرائم والموبقات، وتاريخهم يشهد على أشهر المجازر المروعة والمذابح الفظيعة، التي يندى لها جبين البشرية، وتحفظها سجلات العدل الدولية.

حرب العصابات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني لم تتوقف يوماً، على الرغم من "إعلان دولتهم" وتأسيس كيانهم، وادعائهم أنهم دولة حضارية ديمقراطية، تلتزم القانون وتحترم حقوق الإنسان، وأن جيشهم أضحى جيشاً نظامياً لا يخالف، ورسمياً يلتزم الضوابط ولا ينتهك القوانين، إلا أن الحقيقة أنهم يكذبون ويخدعون، ويتسترون ويتخفون، فلا شيء تغير في حقيقتهم أو تبدل في مسلكهم، فالعصابات الصهيونية لم تندثر أو تموت، ولم تغب أو تتفكك، بل تتجدد وتتبدل، وتتغير أسماؤها وتبقى مهامها، وقادتها يصبحون وزراء وقادة أحزاب، يحميهم القانون وتحصنهم المناصب، فلا يسألون عن أعمالهم ولا يعاقبون على جرائمهم.

يطلع علينا الإسرائيليون كل يومٍ بعصاباتٍ إرهابية وتنظيماتٍ عنصرية، ومجموعاتٍ متطرفة، وفرقٍ دينيةٍ متشددة، كلها تستهدف الشعب الفلسطيني قتلاً وعدواناً، وترويعاً وإرهاباً، وقد جعلوا الفلسطينيين وممتلكاتهم هدفاً لهم، يلاحقونهم ويستفزونهم، ويعتدون عليهم بالضرب والتنكيل، والإهانة والإساءة، ويلقون عليهم الحجارة الثقيلة، ويهشمون زجاج سياراتهم أو يحطمونها، ويصبون زيوت الآليات على طرقاتهم، ويلوثون بها جدرانهم ومرافقهم، ويلقون مشاعل النار على بيوتهم، يحرقونها وأصحابها، ويصبون البنزين في أفواه الشبان ويحرقونهم، ويبتدعون في كل يومٍ وسيلةً للترويع والترهيب والقتل، فتارةً يستهدفون الإنسان الفلسطيني، وتارةً أخرى يستهدفون حقوقه وممتلكاته، فيدمرون بيوتهم، ويحرثون أرضهم، ويخربون زرعهم، ويقتلعون شجرهم، ويهدمون حجرهم، وينبشون قبورهم، ويعتدون على مقدساتهم.

المجتمع الإسرائيلي كله مجتمعٌ متطرفٌ، وإن ادعى بعضه الاعتدال والوسطية، وتطاهر بالعقلانية والمنطق، فهم جميعاً ما احتلوا أرضنا واستوطنوا بلادنا وطردوا شعبنا ونهبوا خيراتنا، غزاةً محتلين، ومستوطنين غاصبين، فهم في عدوانهم سواء وفي جيشهم جنودٌ، ولهذا نراهم يخلقون في كل يومٍ عصابةً جديدةً، تحمل اسم حزبٍ مدني، وتنخرط في العمل السياسي، ولكن أفعالها عدوانية، وتصرفاتها إرهابية، تستمد أفكارها من مفاهيم ومعتقدات بيغن وشامير وشارون وكاهانا وغولدشتاين وغيرهم، التي تتبني الدعوة إلى هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل الثالث مكانه، وتعمل على طرد الفلسطينيين جميعاً من أرضهم، وخلق مجتمع يهودي متناغم ومتجانس وخالٍ من العرب المسلمين والمسيحيين على السواء.

كثيرةٌ هي العصابات الصهيونية الإرهابية، ولكن آخرها منظمة "لاهافا" التي تستهدف مدينة القدس، وتريد تطهيرها من أهلها الفلسطينيين، والتي كانت سبباً مباشراً في إشعال فتيل هبة باب العامود، وجماعات "تدفيع الثمن" التي تستهدف الفلسطينيين وممتلكاتهم، وتدعو إلى قتلهم واستباحة أموالهم وممتلكاتهم، ومجموعات "فتية التلال" المفرطة في التطرف والإرهاب، والموغلة في القتل والجريمة، وعشرات المنظمات التي تحمل اسم الهيكل، وجلها من المستوطنين المتطرفين، وتدعي حراسته وتعمل على استعادته، وتقوم يومياً بمحاولات اقتحام المسجد الأقصى المبارك وتدنيس باحاته، وتتطلع إلى السيطرة عليه وهدمه.

لا يترأس هذه المجموعات الإرهابية ويقودها مغمورون أو مجهولون، أو أشخاصٌ بسطاء وعاديون، بل يتقدمهم زعماءٌ ومسؤولون، وقادة أحزابٍ وضباطٌ في الجيش، ووزراءٌ ورجال دين، وأعضاءٌ في الكنيست وزعماء محليون وغيرهم، ورغم أنه لا فرق بينهم ولا شريف فهم، فهم سواء إلا أن بعضهم اشتهر بمواقفه المتطرفة وسياسته العنصر أمثال ايتمار بن غفير وأفيغودور ليبرمان وسموتريتش ونفتالي بينت وغيرهم، ممن لا يخفون أفكارهم، ولا ينكرون توجهاتهم، ولا يترددون في الإعلان عن مواقفهم والدعوة إلى فرضها واقعاً على الأرض، إبادةً وطرداً، وهدماً وتدميراً، ذلك أن مشروعهم لا يقوم إلا على شطب الفلسطينيين، أصحاب الحق وأهل الأرض.

القانون الإسرائيلي يرعى هذه المنظمات ويحمي هذه العصابات، وهو لا يجرمها ولا يخطئها، ولا يحاسبها ولا يعاقبها، بل يشجعها ويمولها، ويتبنى أفكارها ويؤمن بسياستها، وتقوم الحكومة والجيش برعايتهم وحمايتهم، وترافقهم في اقتحاماتهم وتشاركهم في جرائمهم، وتمنع الفلسطينيين من صدهم وكف عدوانهم، وتتهمهم إن هم مارسوا حقهم في الدفاع عن أنفسهم بأنهم إرهابيين مخربين، وأنهم يعتدون على المستوطنين ويعرضون حياتهم للخطر، ولهذا فإن المجتمع الإسرائيلي سيشهد المزيد من هذه التشكيلات العنصرية الإرهابية، وستدخل هذه المجموعات في سباقٍ تنافسيٍ محمومٍ على الجريمة والإرهاب، وسيتسابقون فيما بينهم على عمليات القتل والاغتصاب والسرقة والتدمير والتخريب وغيرها.

لا فرق أبداً بين مناحيم بيغن واسحق شامير وبين غانتس وبينت وبنيامين نتنياهو ومن معه، فهم جميعاً سواء في الجريمة والعدوان، وإن أصبحوا رؤساء للحكومة أو وزراء فيها، فهم في أصلهم زعماء عصابات وقادة تشكيلاتٍ عسكرية إرهابية، فالأوائل ارتكبوا مجازر دير ياسين وقبية والطنطورة وسعسع والدوايمة وغيرها، والجدد يرتكبون مجازر يومية في قطاع غزة والقدس ومدن الضفة الغربية، بل تمتد أيديهم الآثمة إلى أهلنا الصامدين في الأرض المحتلة عام 1948، فيقتلون شبابهم، ويغتالون رموزهم، ويسفكون دماءهم غيلةً وغدراً، وقصداً وعمداً، ثم يظهرون أنفسهم كذباً وتدليسا وبهتناً، بصورة البرئ المسالم، والمظلوم المعتدى عليه. 

 

القدس تنتفض من جديد فما الحكاية "1"
إنها هبةٌ رمضانيةٌ جديدة، يصنعها المقدسيون برجالهم ونسائهم، وشيوخهم وشبانهم، وصبيتهم وأطفالهم، ويساهم في حياكة أطرافها أهلنا في الأرض المحتلة عام 1948، ويسعى للمشاركة فيها والمساهمة في إذكاء جذوتها الأهل في الضفة الغربية، الذين تحول سلطات الاحتلال الإسرائيلي دون وصولهم إلى المدينة والمسجد الأقصى، كما لا تسمح لأحدٍ من أهل غزة بمغادرتها والوصول إلى القدس، زيارةً أو للصلاة في المسجد الأقصى، رغم المطالبات الكثيرة والمساعي المحمومة لتحقيق هذا الأمل، إلا أن الاحتلال يحرمهم ويصر على منعهم، إذ يريد تقليل عدد الفلسطينيين الذين يؤمون المسجد للصلاة فيه، إلا أن إجراءاته الأمنية العنصرية الفاشية، لا تمنع الفلسطينيين من المحاولة، ولا تصدهم عن السعي، فأملهم كبير في عمارة المسجد الأقصى والصلاة فيه، وأن يكون لهم في هبة القدس سهمٌ ودورٌ.

الأصل في الأشياء أن تستمر المقاومة بكل صنوفها حتى يرحل الاحتلال وتتحقق الحرية، ويجلو المستعمر ويتفكك كيانه، وتعلن دولة فلسطين وتعود الحقوق إلى أصحابها، ولكن لما كانت فلسطين وقدسها محتلة، ولما كان مسجدها الأقصى منتهكة حرمته ومصادرة حقوق أمته فيه، ولما كان أهلها يعتقلون ويقتلون، ويهانون ويعاقبون، فإن القدس ومعها فلسطين كلها، ستبقى تنتفض وتثور، وستبقى تقاوم وتناضل، وغير ذلك عيبٌ ومنقصةٌ، ومخالفة للأصول وخروجٌ على عادات الأمم وتقاليد الشعوب، التي اعتادت على المقاومة حتى نيل الحرية وتحقيق الاستقلال، وأهلنا المقدسيون ليسوا استثناءً من الأمم، فقد أثبتوا أنهم رجالٌ في كل المراحل، وأبطالٌ في كل المواجهات.

لكن ما الذي حدث هذه المرة في القدس حتى هب المقدسيون جميعاً هبةً واحدة، واستنفروا صفوفهم بعزمٍ وقوةٍ ووعيٍ وإرادةٍ، في مواجهة الإسرائيليين دفاعاً عن مدينتهم، وتمسكاً بحقهم في الصلاة في مسجدهم، والتزاماً بإحياء ليالي شهر رمضان الفضيل التي اعتادوا عليها، وما هي الأسباب التي دفعتهم للخروج الكبير والتحدي الواسع، وهل كان بإمكانهم الصمت والحفاظ على الهدوء، والقبول بالممارسات الإسرائيلية والسكوت عنها، أم أنهم بالغوا في ردة الفعل، ورفعوا الصوت عالياً لأسباب أخرى ودوافع مختلفة، وأن الهبة لم تكن ردة فعلٍ على ممارسةٍ إسرائيلية جديدةٍ، وإنما جاءت عن تخطيطٍ مسبقٍ وبرنامجٍ معد.

كأن سلطات الاحتلال تريد أن تنغص على الفلسطينيين طقوس شهر رمضان الفضيل، وأن تفسد عليهم أجواءه الروحانية، وأن تحرمهم من نفحاته الكريمة ونسماته الربانية، فهي أصلاً لا تحترم المسلمين ولا تؤمن بحرية العبادة وسلامة دورها وإن ادعت ذلك، بل تضيق على الفلسطينيين وتحرمهم من حقوقهم، ولهذا أطلقت قطعان المستوطنين يستفزون الفلسطينيين، ويمنعونهم من الوصول إلى باحات المسجد الأقصى، ويغلقون الساحات المحيطة بالحرم، وعلى الأخص منها ساحة باب العامود وباب المصرارة، التي اعتاد الفلسطينيون التجمع فيها والجلوس على مدرجاتها، والسمر في أرجائها، والصلاة فيها في حال قيام سلطات الاحتلال بمنعهم من الدخول إلى المسجد الأقصى، حيث يتجمعون في الساحات والشوارع والطرقات العامة، يفترشون الأرض ويؤدون صلاتهم خلف أئمة المسجد وخطائه.

ما يحدث في مدينة القدس وضواحيها وفي مناطق الضفة الغربية جرائم حقيقية، وعدوانٌ سافرٌ يقوم به المستوطنون والجنود الإسرائيليون على السواء، فأن يسقط في يومٍ واحدٍ أكثر من مائة جريحٍ ومصاب نتيجة الاعتداءات الهمجية التي يقوم بها المستوطنون، لهو أمرٌ مستنكرٌ وغير مبرر، خاصةً أن الكثير من الجرحى والمصابين نساءٌ وأطفالٌ وشيوخٌ، ومقعدون ومن ذوي الاحتياجات الخاصة، لكن الاسرائيليين لا يستنكرون هذه الجرائم ولا يدينونها، ولا يعارضونها أو يرفضونها، بل يرونها تصرفاً عادياً وسلوكاً طبيعياً، بحجة أنهم يدافعون عن أنفسهم، ويصدون هجمات الفلسطينيين عنهم.

يشعر المستوطنون أنهم في مأمنٍ من المحاسبة والعقاب، وأنهم بعيدون عن الخطر والمغامرة، إذ أن الجيش يعزز نشاطهم ويحميهم، ويساعدهم وييسر عدوانهم، بل يكمل دورهم ويتم ما بدأوه، ويضيف إلي جرائمهم اعتقالَ عشرات الفلسطينيين وتقديمهم للمحاكمة بتهمة الإخلال بالأمن، بينما يأمن المستوطنون على أنفسهم، ويجدون من الجيش ما يطمئنهم، إذ لا يستخدم ضدهم القوة، ولا يفض جمعهم باستخدام السلاح الحي وقنابل الدخان المسيلة للدموع، ولا يقذفهم بالمياه العادمة القذرة النجسة، ذات الروائحة النفاذة الكريهة، كتلك التي يستخدمها ضد الفلسطينيين والمصلين، رغم أنهم لا يشكلون خطراً على جنودهم ومستوطنيهم.

يشهد العالم كله، والدول العربية والإسلامية، وتلك التي اعترفت بالكيان الصهيوني وطبعت معه، الجرائم الإسرائيلية الموصوفة دولياً، لكنها تقف متفرجةً على الانتهاكات الجسيمة التي يرتكبها المستوطنون في حق الفلسطينيين، وعاجزةً عن صد جرائمهم ووضع حدٍ لعدوانهم وتعدياتهم المستمرة، فعلى مدى أيامٍ قليلةٍ منذ بداية الشهر الفضيل، ما ترك المستوطنون وجيشهم حياً فلسطينياً في القدس إلا هاجموه واعتدوا على سكانه وخربوا ممتلكاته، وقد ناهز عدد المصابين يومياً جراء تعدياتهم أكثر من مائة مصاب، فضلاً عن حرق السيارات، وإلقاء الحجارة على البيوت وسكانها، وتوقيف المواطنين وضربهم والإساءة إليهم، واعتقال بعضهم وتوجيه الاتهامات لهم.

لن يهدأ الفلسطينيون ولن يسلم المقدسيون، ولن يضعف يقينهم ولن يفتر عزمهم، فهم يؤمنون أن للقدس في كل عامٍ هبةً أو هبتين، وانتفاضةً أو انتفاضتين، وثورةً أو ثورتين، وبينهما عملياتُ مقاومة وصورُ صمود، ومشاهدُ تحدي وقصصُ بطولة، وحكاياتُ شعب وثوابتُ وطن، كما كان لها في تاريخها الطويل معاركٌ وانتصاراتٌ، وحروبٌ وفتوحاتٌ، وتحدياتٌ وابتلاءاتٌ، ومذابحٌ ومجازرٌ، وتشريدٌ وطردٌ، وعدوانٌ واعتداءٌ، وانتدابٌ واحتلالٌ، وكأن قدر هذه المدينة المقدسة أن تبقى على أسنة الحراب، تحمل سيفها وتقاتل، وتجهز رجالها وتقاوم، وتبني حصونها وتصمد، وتعلي قلاعها وتناضل، ولكنها أبداً لا تهزمُ أو تضعفُ، ولا تنهارُ أو تسقط، فهي القدس التي يتشرف بها سكانها، ويعلو مقام المنتسبين إليها، ويسمو قدر المدافعين عنها، فطوبى لمن سكنها، وهنيئاً لمن جوارها، وألف تحيةٍ لمن دافع عنها وصمد فيها وقاوم من أجلها.

 

صورٌ ومشاهدٌ من معركة سيف القدس

"1"

شرارةُ البدءِ وصاعقُ التفجيرِ

إنها الحرب الإسرائيلية الكبرى الرابعة على قطاع غزة، بعد حروبها العدوانية الهمجية عليه في الأعوام 2008/2009، و2012، و2014، التي اندلعت شرارتها نتيجة الانتهاكات الإسرائيلية لحرمة المسجد الأقصى، وقيام سلطاتهم الاحتلالية بمنع المصلين من الوصول إلى مدينة القدس والصلاة في المسجد الأقصى، وحرمانهم من إحياء ليلة القدر والاعتكاف في المسجد والرباط فيه، لصد قطعان المستوطنين ومنع مسيرة الأعلام من انتهاك حرمة المسجد والاحتفال بيوم القدس اليهودي في باحاته.

وسبق الانتهاكات الإسرائيلية لحرمة المسجد الأقصى، عدوانٌ على الفلسطينيين في باب العامود، وإعلان الحرب عليهم والتنكيل بهم، ومحاولات الاعتداء على سكان حي الشيخ جراح، وطردهم من بيوتهم واقتلاعهم من أرضهم، وحرمانهم من ممتلكاتهم، والاستعانة بالمحكمة العليا للمصادقة على قرارات الجيش وبلدية القدس، بإخراج أهل حي الشيخ جراح من منازلهم عنوةً وبالقوة، بذرائع مختلفةٍ وحججٍ مختلقة.

لكن العرب الفلسطينيين المرابطين في مدينة القدس، ومن تمكن من الوصول إليهم من سكان الضفة الغربية، ومعهم آلافٌ من أهلنا المرابطين الصامدين في قراهم وبلداتهم في الأرض المحتلة عام 1948، قرروا مواجهة العدو الإسرائيلي والتصدي له، والوقوف في وجهه ومنعه من تنفيذ سياسته وتحقيق أهدافه، وأظهروا استعدادهم للتضحية من أجل القدس، ودفاعاً عن المسجد الأقصى المبارك، ورسموا بتضامنهم وصمودهم، صورةً ناصعةً للفلسطيني الثابت، الصادق المقاومة، الوفي المخلص، الذي ينافح عن الأمة ويذود عن حياضها، ويتقدم صفوفها مضحياً في سبيلها، ومدافعاً عن كرامتها، وغير مبالٍ بحجم التضحيات وعِظَمِ المعاناة، وعمق الجرح وغزارة الدم، فالقدس أغلى وأعزُ، والمسجدُ الأقصى أطهرُ وأشرفُ.

هددت فصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة العدو الإسرائيلي من مغبة الضي في سياسته، والاستمرار في عدوانه، والإصرار على عناده، وأمهلته ساعاتٍ للتراجع عن قراره، والتوقف عن ممارساته، وتمكين الفلسطينيين من حرية الزيارة والصلاة، ومن حق العبادة والاعتكاف، والتوقف عن تهديد سكان حي الشيخ جراح وترويعهم، والكف عن استفزازهم والاعتداء عليهم.

لكن العدو الإسرائيلي الموصوف الصلف والكبرياء، والعنجهية والخيلاء، والعدوان والغباء، أصم أذنيه وأغمض عينيه، ولم يصغِ إلى تهديدات المقاومة، ومضى في سياسته الرعناء، فضيق على المصلين واعتدى على من دخل المسجد منهم، واقتحم عليهم مسجدهم، وأطلق عليهم قنابل الغاز المسيلة للدموع، والطلقات المطاطية، ومضى يعتدي عليهم ضرباً بالهراوات، وركلاً بالأقدام، ودوساً بأقدام الخيول، وفتح عليهم خراطيم المياه العادمة النجسة، ذات الرائحة الكريهة العفنة، وفرق بالقوة جموع الراغبين بالدخول إلى المسجد، وشردهم وطاردهم، في الوقت الذي سهل فيه للمتطرفين مسيرتهم، ونظم جموعهم، وهيأ الظروف لاقتحامهم.

أخطأ العدو فهم المقاومة، ولم يعِ دروسها القديمة، ولم يصغِ إلى تهديداتها الحازمة ووعودها الصادقة، فتجاوز المهلة التي منحته إياها، وأصر على مواقفه وعاند، فاستحق الرد والقصف، والتأديب والصفع، كما استحق المقدسيون العون والنصرة، والمد والنجدة، فكانت بداية "معركة سيف القدس"، التي توالت فصولها تباعاً، وتعددت مشاهدها ظهوراً، ورسمت صورها كثيراً، وهم ما سأميط اللثام عنه في حلقاتٍ متسلسلة ومقالاتٍ قصيرةٍ متوالية، حتى تنتهي المعركة، وتضع الحرب أوزارها، وتنتصر المقاومة لأهلها، وتصدق في وعودها، وتثبت  معادلاتها الذهبية الجديدة.

 

صورٌ ومشاهدٌ من معركة سيف القدس "2"

الكيانُ يستدعي احتياطَه وينقلُ إلى الجبهاتِ جنودَه

فيما يبدو أنها تتهيأ لخوض عملية برية، يجتاح فيها جيشها قطاع غزة، فقد أوصى مجلس الوزراء الأمني الإسرائيلي المصغر، في جلسته الأمنية التي عقدت مساء رابع أيام العدوان على قطاع غزة، باستدعاء ستة عشر ألف جندي وضابط من احتياطي الجيش، منهم سبعة آلاف جندي وضابط لدعم وإسناد طواقم منظومة القبة الحديدية، بعد أن أظهرت المنظومة فشلها في التصدي لصواريخ المقاومة الفلسطينية المنطلقة من قطاع غزة، حيث أطلقت فصائل المقاومة حتى الساعة، أكثر من 1150 صاروخاً، لم تتمكن القبة الحديدية من اعتراض أغلبها، التي سقطت على القدس وتل أبيب وهرتسيليا وأسدود وعسقلان ومحيط مطار بن غوريون، فضلاً عن مئات الصواريخ الأخرى التي سقطت على مستوطنات غلاف قطاع غزة، بالإضافة إلى استهداف مطار رامون في النقب بصاروخ عياش، الذي يبلغ مداه 250 كيلو متراً.

كما أوصت باستدعاء تسعة آلاف جندي وضابط آخرين، من المتمرنين على القتال في الجبهات، ومن الخبراء في عمليات القتال البري في سلاح المدفعية والدبابات، وممن شاركوا في مناوراتٍ بريةٍ تحاكي حرباً في غزة، ولديهم الخبرة في خوض معارك برية مع المجموعات العسكرية الفلسطينية، وذلك في أكبر حشدٍ عسكري على الجبهة الجنوبية للكيان، في مواجهة فصائل المقاومة الفلسطينية على حدود قطاع غزة، التي أظهرت أنها قادرة على إلحاق الأذى بهم، ومواصلة قصف مدنها بالصواريخ الدقيقة، المتعددة المديات، والمختلفة القدرات، الأمر الذي كبد الإسرائيليين خسائر بشرية ومادية، وسبب لهم حرجاً داخلياً وخارجياً، مس هيبة الجيش وسيادة الدولة وقوتها.

كما بدأت قيادة جيش الكيان الصهيوني بسحب وحداتٍ كبيرةٍ من قوات حرس الحدود، العاملين في الضفة الغربية، ونقلت بعضاً منهم إلى البلدات الفلسطينية المختلطة في الأرض المحتلة عام 1948، كاللد والرملة وعكا وحيفا، وذلك إثر الأحداث التي شهدتها هذه المدن، حيث وقعت اشتباكات عنيفة بين سكانها العرب والمستوطنين الإسرائيليين، نتج عنها إصاباتٌ خطيرة، أدت إلى إحراج الحكومة الإسرائيلية واهتزاز صورتها داخلياً وعلى المستوى الدولي، علما أن وزارة الحرب الإسرائيلية تصر على عدم دخول وحدات الجيش النظامية إلى البلدات المختلطة، والاكتفاء بتعزيز القوى الشرطية فيها، وإسنادها بوحداتٍ إضافية من المدن والبلدات الإسرائيلية الأخرى.

مما لا شك فيه أن الكيان الصهيوني مضطربٌ يتخبط، وخائفٌ يترقب، فهو يتردد كثيراً في المصادقة على أي عملية عسكرية برية مع قطاع غزة، سواء كانت عملية محدودة أو موسعة، حيث يوجد معارضون كبارٌ لها على المستويات الأمنية والعسكرية والسياسية، ولا يستطيع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أن يأمر بتنفيذها بقرارٍ منه، بل هو في حاجةٍ إلى موافقة أولية من المجلس الوزاري المصغر، ثم إلى مصادقة من المجلس الوزاري الموسع، حيث أن هكذا عملية من شأنها أن تلحق بالكيان الصهيوني خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات.

إذا كان الكيان الصهيوني يخشى من حربٍ ميدانيةٍ بريةٍ محدودةٍ مع قوى المقاومة في قطاع غزة، وهو القطاع الصغير المساحة والمحدود الامتداد، والأقل منه قدرةً عسكريةً وأسلحة هجومية، فكيف سيكون حاله لو أن جيشه انشغل بكل الجبهات، في القدس المحتلة والضفة الغربية، وفي شمال فلسطين وفي جبهة الجولان وعلى الحدود مع سوريا، واضطر إلى المحافظة على وحداته العسكرية المقاتلة على كل هذه الجبهات فقط، فلا أعتقد أنه كان سيستطيع المواجهة أو الصمود، أو يستطيع القتال والاجتياح، إذ لا قدرة لديه ولا عديد عنده، ولا يحتمل مجتمعه ولا يصمد جيشه، ولا تقوى حكومته ولا تنجو قيادته.

فيا أيها الشرفاء المخلصون، الشركاء المقاومون، لا تتركوا قطاع غزة وحده يقاتل، ولا تتخلوا عنه وهو يقاوم، ولا تكتفوا بالإشادة بصموده ومدح قوته، والتغني بجرأته وتعظيم شجاعته، بل هبوا لنجدته، وأسرعوا لإغاثته، وبادروا لنصرته، وسخنوا الجبهات تخفيفاً عنه، فهو الذي انبرى لنصرة القدس وحماية الأقصى، فلم يوقفه بطش العدو ولا تفوقه العسكري، بل مضى على الله عز وجل متوكلاً، ووجهه سبحانه وتعالى قاصداً، فاستحق بذلك النصر المبين، واستأهل العزة والكرامة والتمكين.

 

صورٌ ومشاهدٌ من معركة سيف القدس "3"

 ليلةُ القصفِ المسعورِ والغاراتُ الوحشيةُ

شهدت ساعات الليل المتأخرة من يوم الخميس، وهو اليوم الرابع للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، تصعيداً عسكرياً مجنوناً، وقصفاً جوياً وبرياً وبحرياً مسعوراً، شاركت فيه المقاتلات الحربية والبوارج البحرية، والدبابات الثقيلة ومدافع الميدان، نفذت خلاله قوات الاحتلال قصفاً عنيفاً للغاية، وصف بأنه الأكثر شدة والأوسع انتشاراً، والأطول فترةً والأكثر تواصلاً، حيث شمل كل مناطق القطاع، لكنه تركز بصورةٍ لافتةٍ على شمال وجنوب القطاع في وقتٍ واحدٍ.

وذكر ناطقٌ رسمي باسم جيش العدو، أن 160 طائرة حربية نفذت على مدى ساعاتٍ متوالية، ليل الخميس وفجر الجمعة، غاراتٍ مركزة على أكثر من 150 هدفاً في شمال قطاع غزة، استخدم خلالها الجيش أسلحة حديثةً ذات قدراتٍ تفجيرية عالية، وادَّعَى الناطق الرسمي باسم الجيش أن العملية كانت تستهدف تدمير مقرات عمل حماس في الأنفاق، ومراكز إدارة ومنصات إطلاق الصواريخ.

بدا نتنياهو في هذه الليلة كالثور الهائج المطعون، يتخبط وجيشه، ويترنح وقيادته، يدور حول نفسه كجاموس تدور حول الساقية، يكاد يسقط إعياءً وينهار فشلاً، إذ يريد أن يحقق إنجازا، وأن يسجل نصراً، ويتطلع إلى استهداف رموز المقاومة وقادتها، وتحقيق بعض أهدافه التي أعلن عنها، فذهب بنفسه إلى الجبهات، يزور جنوده ويتفقد مواقعه، ويطلق من بينهم بابتسامةٍ صفراء، ووجهٍ كالحٍ أسود لا يخفي قلقه وخوفه، تصريحاتٍ ناريةٍ، وتهديداتٍ جوفاء، أن جيشه سيواصل القصف، وسيجني من حماس أثماناً باهظة، وأن الآتي أعظم، وأن العملية ستستمر حتى يستقر الهدوء على "حدود كيانه" مع قطاع غزة.

لكن فصائل المقاومة كذبت نتنياهو وصدمته، ولطمته وصفعته، إذ ردت على القصف الإسرائيلي المسعور بأكثر من 190 صاروخاً، أطلقتها على مدن عسقلان وأسدود ومدن غلاف قطاع غزة، أصابت العشرات منها أهدافها، وألحقت أضراراً فادحة بالمباني السكنية، وتسببت في حدوث عددٍ من الإصابات بين المستوطنين، وادَّعَى جيش الاحتلال أن ثلاثين صاروخاً منها سقطت في قطاع غزة، بينما أسقطت قبته الحديدية أغلب ما وصل منها إلى أجوائهم، لكن مصادر إسرائيلية إعلامية مستقلة تؤكد أن المدن الإسرائيلية التي استهدفتها صواريخ المقاومة الفلسطينية قد لحقت بها أضرارٌ كبيرة، وأن سكانها ما عرفوا النوم، إذ نزلوا جميعاً إلى الملاجئ، واستمر بقاؤهم فيها ساعات الصباح الأولى من يوم الجمعة.

حرث جيش العدو أرض قطاع غزة، ولكن النتيجة أظهرت أنه كان يحرث في بحر، وأن أياً من أهدافه التي خطط لها لم تتحقق، رغم أن الغارات العنيفة تسببت في تدمير العديد من المباني، واستشهاد وإصابة العشرات من المواطنين الفلسطينيين، إذ أن أغلب الغارات استهدفت المناطق السكنية المدنية المأهولة بالسكان، إلا أن رد المقاومة السريع والناجز، الذي طال العديد من المدن الإسرائيلية، خيب آمال الإسرائيليين وأغضبهم، وأثبت لهم أنها قادرة على امتصاص الضربات وتحدي الغارات، وأنها قد راكمت من القوة والخبرة ما يمكنها من الصمود وتحدي الأخطار، مما دفع بمسؤولين إسرائيليين إلى الإعلان كذباً عن نجاح جيشهم في تحقيق الأهداف التي وضعها وخطط لها.

لا تستغربوا أن تشهد الساعات القادمة أصواتاً إسرائيلية تعلو بصخبٍ، تطالب حكومتها بوضوحٍ وصراحةٍ، بوقف العمليات الحربية على قطاع غزة، والعمل على التوصل إلى تهدئة سريعة مع الفلسطينيين، فقد بات الإسرائيليون جميعاً في مرمى نيران المقاومة، التي لا تنفك تفاجئهم بالجديد الدقيق، وتداهمهم بالقوي الفتاك، وتقصفهم بالصواريخ بعيدة المدى وبالمسيرات الذكية المحملة بالمتفجرات الثقيلة، وما زال في جعبتها الكثير مما يمكن لها ويثبتها، وبما يسر شعبنا ويسعدنا، وبما يرفع رأس أمتنا ويشرفها، وبما يخزي العدو ويذله، ويضعف إرادته ويكسر شوكته، ويرهق جيشه ويفشله.أما

 

صورٌ ومشاهدٌ من معركة سيف القدس "4"

العدوانُ على غزةَ بين القصفِ الجوي والتهديدِ البري

تتقدم إسرائيل خطوةً إلى الأمام، وتتراجع ألف خطوةٍ إلى الوراء، كلما فكرت في تنفيذ عملية برية ضد قطاع غزة، فهي تحشد قواتها البرية، وتعيد تموضع دباباتها الحديثة، وتنشر مدفعيتها الميدانية، وتجوب بوارجها الحربية شواطئ قطاع غزة، الذي تحاصره وتغلقه، وتغطي طائراتها الحربية والمسيرة سماء قطاع غزة على مدى الساعة فلا تغيب ولا تتوقف، وتعلن من حينٍ إلى آخر عزمها تأديب المقاومة، ونزع سلاحها، وإرغامها على دفع أثمانٍ باهظة، وتتهيأ لدخولٍ بريٍ، وعملياتٍ حربيةٍ على الأرض، لكنها سرعان ما تتراجع وتنكفئ، وتعلن مؤسساتها العسكرية الرسمية أن خبر البدء بعمليةٍ بريةٍ هو خبرٌ خاطئ، وأنه وقع نتيجة ترجمة خاطئة، إذ لا نية لدى الجيش لتنفيذ عمليةٍ بريةٍ الآن، رغم جاهزيته واستعداده، وقدرته على تنفيذها إذا لزم الأمر.

تقفز فجأة أمام رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، وقادة أركان جيشه، صورة عدوانهم على قطاع غزة عام 2014، ويستعيدون صورة جنودهم الفارين، وحجم خسائرهم بينهم، والحالة النفسية التي كانوا فيها، والإصابات المباشرة التي طالت قادتهم الميدانيين، الذين قضوا في المستشفيات شهوراً يتعالجون، وما زال بعضهم يعاني مما واجه، ويشكو مما لاقى، وتظهر لهم النتائج الوخيمة التي وصلوا إليها، والحصاد المر الذي جناه جيشهم، إذ لم يحققوا شيئاً مما حلموا به وخططوا له، حيث بقيت المقاومة صامدة، وحافظ الشعب على رباطة جأشه وصبره، فأيد مقاومته وصبر معها، وساعدها وتحمل الصعاب من أجلها، وضحى بالكثير من أجلها.

كما يستعيدون صورة جنودهم الذين فُقدوا في المعركة، وسُحبوا من الميدان جثتاً أو أحياءً، وما زال مكانهم بالنسبة لهم مجهولاً، ومصيرهم غير معلوم، وهو الأمر الذي أقلقهم على مدى سنوات، وأزعجهم حتى الآن، إذ أظهر عجزهم عن استعادتهم، وكشف عن عدم قدرتهم على تطمين أهلهم واسترضائهم، وأجبرهم على التفكير جدياً في التوصل إلى اتفاقية تبادل أسرى جديدةٍ مع حركة حماس، يكونون فيها على استعداد لدفع أثمانٍ كبيرة، والتراجع عن أخطاء كثيرة، والإفراج عن مئاتِ الأسرى والمعتقلين ثمناً لحرية جنودهم أو استعادة رفاتهم.

ذاك كان في العام 2014، يوم أن كانت صواريخ المقاومة قصيرة المدى غير دقيقة الإصابة، وأسلحتها قليلة، وخبرتها محدودة، أما اليوم في العام 2012، فإن قدرات المقاومة قد تضاعفت كثيراً، ومستودعاتها قد غصت بالصواريخ الحديثة بعيدة المدى دقيقة الإصابة، وأنفاقها غدت مجهزة ومهيأة لحربٍ طويلةٍ ومواجهةٍ دامية، وبات مقاتلوها أكثر خبرةً وأعمق تجربةً، وأكثر تسليحاً وأشد عزيمةً، وهم يتطلعون لمواجهةٍ ميدانيةٍ وقتالٍ بري، يظهرون فيه حماستهم، ويبرزون فيه قوتهم، ويفضحون خلاله زيف عدوهم وضعفه، وجبن جنوده وخوفهم، وترددهم وفرارهم من أرض المعركة خوفاً من القتل أو الأسر، حيث يعلمون أن عين المقاومة على أسر جنودهم، أكثر من سعيها لقتلهم الذي قد يتحقق بسهولةٍ ويسرٍ.

هذه الحقائق كلها تظهر أمام صناع القرار العسكري والسياسي الإسرائيلي، فيجدون أنهم غير قادرين على أن يخوضوا ذات التجربة التي خاضوها من قبل أكثر من مرةٍ، ثم يأملون منها أن تأتي بنتائج مختلفة وثمار أخرى غير تلك الثمار المرة التي جنوها، فلهذا تراهم يقدمون خطوة ويتراجعون ألفاً، ويهددون ويجبنون، ويصرحون ويعتذرون، فالأمر بالنسبة لهم مغامرة كبيرة، وحربٌ طويلة، ومعركة مفتوحة، وعداد الخسائر سيبقى يعمل ضدهم، وصواريخ المقاومة ستستمر في السقوط عليهم، وفي الميدان سينشط المقاومون الفلسطينيون، فهم على الأرض التي خبروها، وفي المناطق التي يعرفونها، وبالقرب من الأنفاق التي حفروها، ومستودعات السلاح التي عمروها، وربما فوق الأرض التي لغموها وهيأوها.

لا ينكر الفلسطينيون أن الحرب البرية ستكون موجعة بالنسبة لهم أيضاً، وستكون مؤلمة وقاسية، وقد يدفعون فيها أثماناً كبيرة، ويقدمون خلالها شهداء ومصابين أكثر، وسيتعرض قطاعهم للتدمير والتخريب نتيجة القصف المدفعي الأهوج، إلا أنهم يدركون في الوقت نفسه أنهم إن كانوا يألمون فإن العدو سيتألم أكثر منهم، وسيدفع ضريبةً تفوق ضريبتهم، وأن المعركة البرية معه ستؤسس لمرحلةٍ جديدةٍ واستراتيجية مختلفة، تقوم على قاعدة أن إعادة احتلال ما تحرر من أرضنا مستحيل، وإخضاع مقاومتنا دون ثمنٍ غير ممكنٍ، وأن القتال البري قد لا يقتصر حصراً على قطاع غزة، بل قد يتطور نحو بلدات الغلاف استعادةً وتحريراً.

 

صورٌ ومشاهدٌ من معركة سيف القدس "5"

تعطيلُ المطاراتِ الإسرائيليةِ وتعليقُ الرحلاتِ الدوليةِ

نجحت المقاومة الفلسطينية في اليوم الثالث للعدوان الهمجي عليها، بصدقِ وعودها وعزم رجالها ومضاءِ مقاومتها، في عزل الكيان الصهيوني عن العالم، وقطعت خطوط اتصاله الخارجية، وأجبرت مطاراته المدنية على التوقف عن العمل والخروج عن الخدمة، إذ أعلنت سلطات الملاحة الجوية في الكيان وقف الرحلات منه وإليه، ومنعت الطائرات من مغادرة مدرجاتها والتحليق في سماء فلسطين المحتلة، وأصدرت توجيهاً للطائرات القادمة إلى مطار اللد الدولي، بتغيير خط نهاية رحلاتها إلى مطارات قبرص واليونان، نتيجة صواريخ المقاومة التي طالتها وهددت سلامة الطيران المدني.

وفي الوقت نفسه علقت شركات الطيران الدولية، الصديقة والحليفة، والتجارية وغيرها، رحلاتها من وإلى فلسطين المحتلة، واعتذرت عن تسيير رحلاتها المدنية بدواعي الخطر، الأمر الذي أدى إلى إجبار الإسرائيليين على مواجهة الأخطار والبقاء تحت القصف، وهم الذين اعتادوا في مثل هذه الظروف والأحداث على السفر والهروب، تجنباً للعيش في الملاجئ، أو ترك بيوتهم ومنازلهم، والبحث عن مناطق آمنة لا يطالها الخطر ولا تهددها الأعمال الحربية.

ظن العدو الصهيوني أن صواريخ المقاومة لن تطال مدنه البعيدة، ولن تهدد مطاراته العتيدة، وأنها ستكون في مأمنٍ من أي خطرٍ قد يتهددها، أو أن قبته الحديدية ستحميها وستدافع عنها، لكن فصائل المقاومة الفلسطينية كانت قد حذرته ونبهته، وأعلنت ذلك صراحةً وبوضوح، من أنها ستقدم على هذه الخطوة في حال أصر وعاند، وبغى وطغى، ودمر واعتدى، إلا أنه استخف بالمقاومة ولم يأخذ تهديداتها على محمل الجد، ظناً منه أنها أعجز من أن تنفذ وعيدها، وأنها لا تملك ما تنفذ به تهديدها، وأن أنظمته المضادة للصواريخ ستسقط صواريخ المقاومة، وستفقدها فاعليتها وأثرها.

 

إلا أن المقاومة الصادقة الوعد، الوفية العهد، نفذت تهديدها وقصفت مطار اللد بعشرات الصواريخ، مما أفقد العدو توازنه وعقله، فأدرك للمرة الأولى في تاريخه أنه مضطرٌ لتعطيل مطاره الكبير، والاعتذار عن استقبال الرحلات الدولية فيه، وأمام هذه الصفعة المؤلمة، أعلن أنه سيستخدم مطاراته البديلة في حيفا والنقب، وأن شيئاً لن يتغير في الملاحة الجوية في حال تحويل الرحلات الدولية إلى هذين المطارين المعدين أصلاً لاستقبال أعدادٍ محدودةٍ من الرحلات.

لم تتأخر المقاومة في ردها، ولم تقف عاجزة أمام الاحتيال الإسرائيلي البديل، فهي قد وعدت بإغلاق المطارات الإسرائيلية على إطلاقها، وتعطيل الرحلات الجوية منها وإليها، ونصحت دول العالم بتعليق رحلاتها وعدم المغامرة بسلامة ركابها، وفجأةً ودون مقدماتٍ، أعلن أبو عبيدة، الناطق الرسمي باسم كتائب الشهيد عز الدين القسام، عن استهداف مطار رامون في صحراء النقب، بصاروخ عياش بعيد المدى، الذي كشف عنه النقاب لأول مرة، والذي يبلغ مداه 250 كيلو متراً، علماً أن مطار رامون يبعد عن قطاع غزة مسافة 200-220 كلم فقط.

صُدم الكيان الصهيوني وذهل، وفقدت قيادته السياسية والعسكرية عقلها، فهم اليوم في مواجهة مقاومة حقيقية، تمتلك قرارها الحر وسيادتها المستقلة، وعندها إمكانياتها ولديها قدراتها، وتستطيع أن تصل بصواريخها المعلنة وقدراتها الخفية، الدقيقة الإصابة الشديدة الأثر، إلى أبعد مكانٍ في فلسطين المحتلة، وإذا حاول العدو تشغيل مطاراته الشمالية فإن صواريخ المقاومة ستلاحقه، وستجبره على إغلاقها وتعطيل رحلاتها، ولن تتمكن صواريخ منظومته الحديدية من حمايته، خاصةً أنها جزءٌ من المشكلة، وسببٌ مباشرٌ في الإغلاق، فصواريخها المضادة تهدد الملاحة الجوية وتعطلها.

باتت الأرض تميد تحت أقدام الإسرائيليين وتتزلزل، وأخذت النار تشتعل بهم ومن حولهم، وتضطرم يوماً بعد آخر وتلتهب، وتحرق أجسادهم وتدمي أطرافهم، وها هي السماء فوقهم تمطر صواريخاً وفي وجوههم تغلق أبوابها وتسد فضاءها، فلا غيث يصلها، ولا تضامن ينفعها، ولا قبة تحميها، وقد صدق من قال فيهم، إن بيتهم أوهى من بيت العنكبوت، فترقبوا نكثه، وانتظروا زواله بإذن الله رب العالمين.

 

صورٌ ومشاهدٌ من معركة سيف القدس "6"

عجزُ مجلسِ الأمنِ الدولي

ظن الفلسطينيون أن السياسة الأمريكية قد تغيرت برحيل الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، الذي أظهر انحيازه السافر وولاءه الفاضح للكيان الصهيوني، وأعلن تأييده المطلق له، ودعم سياسته ولبى حاجته، ومنحه أكثر مما كان يرجو ويتمنى، ففرح الفلسطينيون لخسارته ورحيله، واستبشروا بالإدارة الجديدة خيراً، وظنوا بها الظن الحسن، وتوقعوا منها أن تصلح ما أفسده سلفها، وأن تتراجع عن الجرائم السياسية التي ارتكبها بحق الشعب الفلسطيني، وأن تنصفه ولا تظلمه، ولا تتحالف مع الكيان الصهيوني ضده، ولا تساعده في عدوانه، أو تؤيده في استيطانه.

لكن الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة جوزيف بايدن خيبت أمالهم، وأكدت ظنونهم بأن السياسة الأمريكية تجاه الكيان الصهيوني ثابتة لا تتغير، ومستقرة لا تتبدل، فقد تعاهدت الولايات المتحدة الأمريكية منذ نشأة الكيان على تأييده ونصرته، ودعمه وتمكينه، والوقوف معه وعدم التخلي عنه، وحمايته والدفاع عنه، والتصويت لصالحه واستخدام الفيتو لحمايته، مهما كان ظلمه بيِّنَاً وعدوانه سافراً.

فقد أجمع أربعة عشر عضواً من أعضاء مجلس الأمن الدولي الخمسة عشر، على ضرورة إصدار بيانٍ صحفي يدين الممارسات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين في حي الشيخ جراح بمدينة القدس، ويدين ممارسات سلطات الاحتلال بحق المصلين في المسجد الأقصى، ويحملها المسؤولية عن تدهور الأوضاع الأمنية، وتشجيع المستوطنين للقيام باقتحام المسجد الأقصى وانتهاك حرمته، ودعت مسودة البيان الصحفي الحكومة الإسرائيلية إلى احترام حقوق المواطنين الفلسطينيين وعدم الاعتداء عليهم وعلى ومقدساتهم، وتمكينهم من حرية العبادة وممارسة الشعائر الدينية.

لكن مندوب الولايات المتحدة الأمريكية في مجلس الأمن رفض البيان الصحفي وأسقط مشروعه، بحجة أنه لن يخدم في خفض العنف في القدس والمناطق الفلسطينية، وأكد أن بلاده تلعب دوراً مباشراً وأكثر أهمية لتهدئة الأحداث الجارية، ثم رفض اقتراح عقد جلسة عامة لمجلس الأمن لمناقشة الأوضاع في القدس والمناطق الفلسطينية، وأصر أن تبقى جلسات مجلس الأمن مغلقة، واعتبر أن إعلانها قد يزيد من حدة التوتر ويرفع من مستوى العنف في المناطق، وما زالت الإدارة الأمريكية على موقفها الرافض لإصدار أي بيانٍ أو قرارٍ قد يدين إسرائيل أو يحملها المسؤولية عما يجري في أحداثٍ في القدس، أو عدوانٍ في قطاع غزة.

رغم أن دولة الصين الشعبية هي التي ترأس مجلس الأمن لهذه الدورة، وأيدها في قرارها بالإضافة إلى الدول العشرة غير الدائمة في مجلس الأمن، كلٌ من روسيا وبريطانيا وفرنسا، إلا أن الدول الأربعة الكبرى، إضافةً إلى الأعضاء غير الدائمين، عجزت عن ثني الولايات المتحدة عن موقفها، واستسلمت أمامها وخضعت لرفضها، وبذا فشل مجلس الأمن الذي يفترض فيه أن يكفل القانون ويحمي الأمم، ويسعى لنشر السلام وتعميم مفاهيم العدالة والأمن، ولم يصدر عنه أي موقف، الأمر الذي فهمته الحكومة الإسرائيلية، على أنه ضوء أخضر أمريكي للمضي أكثر في العمليات العسكرية ضد قطاع غزة، والإصرار على سياستها العنصرية في حي الشيخ جراح، ومواصلة انتهاكاتها لحرمة المسجد الأقصى المبارك.

قد يقول البعض أن الرهان على مجلس الأمن مهزلة، وأنه مضيعة للوقت وهدرٌ للطاقات في غير محلها، فمجلس الأمن الدولي وفق نظامه الحالي القائم على هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية، ضمن نظام العضوية الدائمة، وامتياز حق الاعتراض على القرارات والبيانات وإفشالها، لا يرجى منه الخير، ولا نتوقع منه النصرة والعون، وسيبقى حافظاً للكيان حامياً له، مدافعاً له حريصاً عليه.

رغم ذلك فإنني أرى أهمية كبيرة لمداولات مجلس الأمن سواء كانت سرية أو علنية، وأدعو تونس وهي العضو العربي في المجلس إلى بذل المزيد من الجهد في الساعات القادمة، رغم أن نتيجتها قد تكون الفشل، فأن توافق على القرار أربعة عشر دولة وتعارضه دولة واحدة أكثر من مرة، من شأنه أن يحرجها كثيراً، وأن يدفعها لمراجعة موقفها، أو ممارسة الضغط بصورة سرية وغير معلنة على حكومة الكيان الصهيوني، لتجبرها على تغيير سياستها والتوقف عن أعمالها العدوانية ضد الفلسطينيين، سواء في القدس والضفة الغربية، أو في قطاع غزة.

 

صورٌ ومشاهدٌ من معركة سيف القدس "7"

استهدافُ المدنيين والتجمعاتِ السكنيةِ

على مدى سبعة أيامٍ متواليةٍ يواصل جيش العدوان الإسرائيلي بإصرارٍ وعنادٍ، استهداف المدنيين الفلسطينيين في مختلف مناطق قطاع غزة، مستخدماً أحدث الطائرات القتالية وأكثرها فتكاً وتدميراً، التي تقصف المنازل السكنية بأضخم الصواريخ المدمرة، وتلقي عليها أطناناً من القنابل والمتفجرات، التي تزلزل الأرض وترج المنطقة كلها، وتصدر انفجاراتها الكثيرة أصواتاً مرعبةً مهولةً، وتحدث خراباً ودماراً واسعاً، وتقتل وتصيب كل من يوجد في دائرتها الواسعة، وتتسبب في سقوط المباني وتصدع المنازل، وتشقق الشوارع وتحرث الأرض، وسقوط أعمدة الكهرباء وتمزيق شبكاتها، ما يؤدي إلى انقطاعٍ شاملٍ للكهرباء عن مناطق كثيرة في القطاع.

الصواريخ والقنابل التي يطلقها ويسقطها جيش العدو الإسرائيلي على رؤوس الفلسطينيين، صواريخ عمياء وقنابل غبية، وأسلحة همجية محرمة دولية، وإن ادعى العدو أنها حديثة وذكية، وأنها تصيب أهدافها بدقة ولا تخطئ، وأنها تتوخى الحذر وتتجنب المدنيين، وتبتعد عن المدارس والأسواق، وعن المؤسسات والمستشفيات، ولا تتعمد المراكز والتجمعات، فهي تقتل دون تمييزٍ العشرات من السكان المدنيين من الأطفال والنساء والشيوخ، وقلَّ أن تطال المقاومين والمقاتلين، رغم ادعاءات العدو أنه يستهدفهم بالقصف، ويلاحقهم بطائراته وصواريخه، لكن الحقائق على الأرض تكذبه والصور الحية والأعداد الدقيقة تفضحه.

فقد بلغ حتى اليوم السابع من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، عددُ الشهداء 140 شهيداً، من بينهم 39 طفلاً و22 سيدة، فضلاً عن إصابة أكثر من 1040 فلسطينياً، إصابة الكثير منهم حرجة وخطرة، وقد ارتكب في صبيحة اليوم السابع مجزرةً مروعةً بحق أطفالٍ ونساءٍ، إذ قتلت صواريخه "الذكية" ستة أطفال وامرأتين، خلال غاراتٍ نفذتها طائراته الحربية على مبنى سكنيٍ في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، وقد اعترف العدو بجريمته مدعياً أنه قتل في الغارة عدداً من قادة المقاومة ورموزها، ولعله يعلم أنه يهذي ويكذب، وأنه يرجو ويتأمل.

فما قامت به طائراته الحربية ليس إلا جريمةً نكراء بحق الإنسانية، ارتكبها الجيش الذي يدعي أنه الجيش الأكثر أخلاقية ومناقبية في العالم، بينما هو جيشٌ همجي عدواني، لا يتقن غير التدمير والتخريب، ولا يحسن غير قتل المدنيين وترويع السكان الآمنين.

صورُ الأطفال تفضحهم، وآثار العدوان يكذبهم، وأشلاء أفراد عائلتي "أبو حطب والحديدي" تظهر همجيتهم، وتعري حقيقتهم، وتفند روايتهم، فهذا الكيان الذي نشأ على المذابح المروعة، والمجازر الدمية، ما زال يواصل سياسته ويكرر تاريخه، غير مبالٍ بالقيم الإنسانية والقوانين والأعراف الدولية، فهو اعتاد على صمت دول العالم، وتواطؤ الولايات المتحدة الأمريكية والدول العظمى الأخرى، التي تسانده في باطله، وتدعمه في ظلمه، وتناصره في غيه، وتنحاز إليه وتدافع عنه.

يرتكب العدو الإسرائيلي جرائمه النكراء ويتبرأ منها ويتهم المقاومة بها، ويدعي بأن المقاومة الفلسطينية تستخدم المدنيين دروعاً بشريةً، وتحتمي بهم وتختفي بينهم، وأنها تنصب منصاتها بينهم وتطلق صواريخها من تجمعاتهم، وأنها بهذا العمل تعرض سلامة المدنيين للخطر، وتتسبب في قتلهم وإصابتهم.

ولكن الحقيقة أن العدو عاجزٌ عن الوصول إلى عناصر المقاومة، وقد أعياه رجالها وأتعبوه، وتصدوا له وتحدوه، فاحتار بحثاً عنهم، وتحشرجت نفسه جراء ضرباتهم ونتيجة فعالهم، وشعر بالخزي والهوان أمام شعبه وهو يعتذر له عن عدم قدرته على إسكات فوهات النار، والوصول إلى منصات الصواريخ، التي ما فتأت تقصف مدنه، وتروع مستوطنيه، وترد بالمثل على جرائمه قتلاً وتدميراً، لكنه وهو الجبان الحاقد، الأهوج الكاذب، لا يجد غير الأطفال فيقتلهم، والنساء فيستهدفهم، والبيوت الآمنة فيدمرها، فهذا عهده وديدنه منذ أن تأسس ظلماً، وزرع بيننا في مثل هذه الأيام قبل 73 غريباً شاذاً منبوذاً.

 

صورٌ ومشاهدٌ من معركة سيف القدس "8"

قصفُ الأبراجِ وتدميرُ المباني السكنيةِ

هنادي والشروق والندى والجلاء والجوهرة، خمسة أبراجٍ سكنيةٍ ضخمة، عالية شاهقة، تتوسط مدينة غزة وترتفع في سمائها، قريباً من المناطق السكنية المكتظة، تتكون من عشرة طوابق وأكثر، وتتميز فيها عن غيرها من المباني السكنية وتفخر، تسكنها عشرات العائلات ومئات المواطنين، وفيها مكاتب إعلامية وهندسية، وعيادات طبية وصحية، ومراكز تسوق ومقراتٍ تجاريةٍ، وشقق سكنية كثيرة يسكنها فلسطينيون وأجانب، ولا يوجد فيها مكاتب قيادية ولا مراكز عسكرية، ولا مخازن سلاح أو مقرات تدريب، ولا مراكز تحكم أو سيطرة، ورغم ذلك فقد قصفها جيش العدو بعشرات الصواريخ، فأحالها في دقائق معدودة إلى ركامٍ وحطامٍ.

يستخدم العدو الصهيوني في قصفه للأبراج السكنية العالية صواريخ ضخمة، وقنابل شديدة التفجير، مخصصة لتدمير المباني العالية والمنشآت الضخمة، وتستطيع في لحظاتٍ تقويض المباني مهما علت، وتدميرها مهما كانت قوية، وإحالتها إلى ركام مهما كبرت، وتصدر الصواريخ المستخدمة أصواتاً مرعبةً، وتحدث ارتجاجاً في الأرض كبيراً، وتثير غباراً كثيفاً، وتتسبب في اشتعال حرائق كبيرة، تتصاعد ألسنة لهبها عالياً، وتنتشر سحائب الدخان بعيداً، وتؤدي إلى تخريب شبكات الهاتف والكهرباء، ما يؤدي إلى انقطاع الكهرباء عن مناطق واسعة من القطاع.

لا تقتصر الأضرار المادية على الأبراج المستهدفة فقط، فهي لا تسقط وحدها، بل قد تسقط معها المباني المجاورة، أو يلحق بها ضررٌ كبيرٌ، وتصبح آيلة للسقوط بسهولةٍ، ولا تعود صالحة للسكن والإقامة، إذ تتصدع جدرانها وتتزعزع قواعدها نتيجة للارتجاجات الضخمة، التي تحدثها الصواريخ الفتاكة والقنابل المدمرة في الأرض، وغالباً ما يترك السكان المباني المجاورة، ولا يعودون للإقامة فيها، إذ يلزم ترميمها أو هدمها من أساسها لمنع سقوطها على المواطنين.

يَدَّعي الإسرائيليون أنهم لا يستهدفون المدنيين، ولا يتعمدون قتلهم أو إلحاق الضرر بهم، ولهذا فهم يحذرون القاطنين الفلسطينيين، وينبهون السكان المجاورين للبرج قبل قصفه، إذ يطلقون على البرج المقصود عدداً من الصواريخ التحذيرية، أو يقومون بالاتصال بملاك الأبراج أو أحد سكانها، ويطلبون منهم المغادرة، ويمنحونهم دقائق معدودة لا تزيد في أحسن أحوالها عن خمسة دقائق، لا تكفي لنزول السكان من الطابق العليا، خاصةً في ظل انقطاع الكهرباء، وعدم وجود مصاعد أو تعذر استخدامها، فضلاً عن حالة التدافع والعجلة في ظل الخوف، الأمر الذي يتسبب في سقوط الكثير من الضحايا، علماً أن جيش العدو لا يعمد دائماً إلى التحذير، رغم قصر مدة التحذير.

يتعمد العدو الإسرائيلي استهداف المباني السكنية الشاهقة المتعددة الطوابق، المأهولة بالسكان والعامرة بالمكاتب المدنية المختلفة التخصصات، ضمن خطةٍ مدروسةٍ بعنايةٍ ومعدةٍ بدقةٍ بصورةٍ مسبقةٍ، في محاولةٍ منه لتحقيق عددٍ من الأهداف، فهو يريد بث الرعب والخوف في صفوف الفلسطينيين، ليضعف روحهم المعنوية،  ويدفعهم للانفضاض من حول المقاومة والابتعاد عنها، أو انتقادها والشكوى منها، حيث أن تماسك الجبهة الداخلية والتفافها حول المقاومة يمكنها من الصمود والثبات.

كما يعمل العدو على زيادة كلفة المقاومة، وتكبيد الشعب الفلسطيني خسائر فادحة لا يقوى على احتمالها، ولا يستطيع الصمود أمامها طويلاً، خاصةً أن الأبراج المدمرة حديثة البناء، ولا يزيد عمر أقدمها عن خمسة عشر عاماً، وقد تكلف بناءها وتجهيزها مبالغ ضخمة جداً، وفيها مراكز تسوق ومعارض ومحلات تجارية، مليئة بالبضائع والمعدات والمواد الغذائية وغيرها، وتعود ملكية شققها وعقاراتها إلى عوائل فلسطينية أنفقت جُلَّ مدخراتها في شرائها وتأسيسها وتأثيثها، وبعد القصف تتشرد وتصبح في العراء، بلا مأوى ولا مسكن، خاصةً في ظل ندرة المساكن وقلة الشقق بسبب القصف والتدمير الأعمى المتوالي.

يخطئ العدو الإسرائيلي إذا ظن أن ممارساته الهمجية، وعدوانه الوحشي، وعملياته المستمرة ضد الأهداف المدنية، ومحاولاته التفريق بين فئات الشعب، تستطيع أن تخضع المقاومة أو أن تضعفها، أو تجبرها على الخضوع والخنوع، والاستسلام والقبول بالشروط الإسرائيلية، ولعل حروبه السابقة وعدوانه الماضي، يؤكد له أن الشعب الفلسطيني أصبر على الأذى، وأحمل للعدوان، وأقدر على الثبات، وأن شعاره الخالد، هيهات منا الذلة، حتى نحقق أهدافنا، ونحرر أرضنا، ونعود إلى وطننا.

 

صورٌ ومشاهدٌ من معركة سيف القدس "9"

المقاومةُ تنقلُ المعركةَ إلى قلبِ الكيانِ وأقصاه

اعتاد الكيان الصهيوني منذ سنواتٍ طويلةٍ أن يقاتل خارج "حدوده"، وأن يخوض حروباً على أرض خصومه بعيداً عن مستوطنيه، وأن يتوسع على حساب "جيرانه"، معتمداً إلى درجةٍ كبيرةٍ على ذراعه العسكرية الطويلة، وسلاحه الجوي الحديث والمتطور، وترسانته الضخمة من الصواريخ والقذائف المدفعية بعيدة المدى، التي تطلقها دباباته ومدافعه الميدانية، وغيرها من الأسلحة الفتاكة المدمرة التي يتميز بامتلاكها، ويصنع بعضها بنفسه، وتزوده بالحديث والمتطور منها الولايات المتحدة الأمريكية ودول أجنبية أخرى غيرها كثيرة، فيشعر وهو يقاتل بعيداً عن حدوده بالطمأنينة على شعبه، ويأمن على مصالحه وممتلكاته، فلا يطالها القصف، ولا تشملها العمليات الحربية، ولا يتهدد مستوطنيه أي خطرٍ.

لكن العدو الإسرائيلي صُدم في حروبه الأخيرة، وذُهل من قدرة المقاومة على نقل المعركة إلى "عقر داره" ووسط مستوطنيه، وأذاقهم من نفس الكأس الذي جرعها للفلسطينيين، فقد نجحت فصائل المقاومة الفلسطينية في تحويل كل فلسطين إلى ساحة معركةٍ حقيقية، وأدخلت ملايين المستوطنين الإسرائيليين الستة وأكثر إلى الملاجئ، وإلى الأماكن المحصنة المخصصة للحماية في ظل الحروب والكوارث، وتمكنت على مدى الساعة من إمطار المدن الإسرائيلية كافةً في العمق والقلب، وفي الشمال البعيد والجنوب القاصي، وفي الجوار القريب ومستوطنات الغلاف، مما حول فلسطين التاريخية إلى ساحة حرب حقيقية وأرض معركة طاحنةٍ، يتألم فيها الإسرائيلي ويشكو، ويقتل فيها ويدمر بيته، ويشرد بسببها ويعاني من ويلاتها.

لم يعد العدو الإسرائيلي يقوى على المواجهة والصمود، فقد صدع رؤوس مستوطنيه لسنواتٍ طويلة، بأن جيشه لا يقهر، وأن سلاحه لا يفل، وطيرانه الحربي لا يتوقف، وحدوده لا تنتهي، وأن صواريخه الدقيقة تطال كل هدف، وتسكت كل فوهة نار، وتدمر كل منصة صواريخ، وتعطل إلى بطارية رادار، ومَنَّى مستوطنيه بطول نومٍ وراحة نفسٍ وطمأنينة بال، فلن تطالهم الحرب، ولن تقض مضاجعهم الصواريخ، ولن يحدث شيءٌ يعكر صفو عيشهم، أو يغير أسلوب حياتهم.

فجأةً انطلقت الشهب تغطي سماءهم، وتحرق "أرضهم"، وتشعل الأرض حولهم، وتنشر الرعب بينهم، وتضامن الفلسطينيون معاً في أرضهم المحتلة عام 1948، وفي القدس والضفة الغربية، فواجهوا العدو صفاً واحداً، وأربكوا جيشه وفرقوا صفه، وأجبروه على إعادة تنظيم عديد جيشه واستدعاء الآلاف من جنود وضباط الاحتياط لمواجهة التحدي الجديد، والتصدي للهبة الفلسطينية التي نقلت شعلة المواجهة إلى كل بيتٍ إسرائيلي، وأوقدت جذوة الحرب بينهم وقريباً منهم، فأدرك العدو أن الزمان قد تغير وأن المقاومة قد تبدلت، وأن ما كان لن يعود، وما اعتاد عليه لن يبقى، وما زال في جعبة المقاومة الكثير والجديد والمفاجئ الصادم، ولعل الأيام القادمة تزيد في قلقه، وتعمق خوفه، وتؤسس لهزيمته ونهايته.

لا شيء يوجع العدو سوى الإحساس بالفقد، والشعور بالألم، ومعاملته بنفس الأسلوب وبذات القدر، فلا يحد العدو سوى القوة، ولا يرغمه على التراجع والانكفاء سوى المقاومة، فقد اعتاد لعقودٍ طويلة ألا يدفع ضريبةً من دمه، وألا يتكلف في المواجهة شيئاً من اقتصاده، وألا تتشوش حياة مستوطنيه خلال الحروب، إذ أنها تجري بعيداً عنهم، وتقع على أرض خصومهم ولا تنعكس عليهم إلا خبراً أو صورة، أما اليوم فهي تجري بينهم، وتنعكس فيهم تابوتاً وجنازة، وبيتاً يهدم وناراً تشتعل، وحافلةً تحرق وسيارةً تدمر، ورعباً يسكن وخوفاً يسيطر، وانهياراً في الاقتصاد وإغلاقاً للأجواء، وتهديداً للطيران المدني ووقفاً للرحلات الجوية، وكأنها إشارات الخاتمة وعلامات النهاية، فالتفكيك قادم والزوال بإذن الله قريب، وإننا وإياهم لعلى موعدٍ لن نخلفه، مكاناً وزماناً سوىً، تعود فيه فلسطين  وتزول فيه إسرائيل اسماً ورسماً، وخارطةً وأرضاً.

 

صورٌ ومشاهدٌ من معركة سيف القدس "10"

أبو عبيدةُ وأبو حمزةُ ناطقانِ صادقانِ ورائدانِ لا يكذبان

وجهان يحبهما الشعب الفلسطيني، ويستبشر بهما العرب والمسلمون، ويشعرون بالطمأنينة لظهورهما، ويفرحون بإطلالتهما، ويثقون بكلامهما، ويبنون على تصريحاتهما، ويصدقون وعودهما، وينظرون إلى عقارب الساعة ثقةً بتهديداتهما، وإيماناً بيقينهما، ويرفعون عيونهم قبلة السماء انتظاراً لردهما وترقباً لوعدهما، الذي يأتي دائماً كالشمس الساطعة في رابعة النهار، مدوياً صاخباً، قوياً مباشراً، وكالأمطار المنهمرة غيثاً، يزفون فيه البشرى لشعبهم وأمتهم، ويلطمون وبه وجه عدوهم ومن حالفه، ويصفعون به وجوه من مالأه ونافقه، فتبيض وجوهٌ بتصريحاتهما، وتفخر وتتيه وتسعد، وتسود بها أخرى وتتوارى خزياً وندماً، وخوفاً وهلعاً.

أما العدو الإسرائيلي فهو يعرفهما جيداً، ويحفظ اسمهما وشكلهما، ويتابع ظهورهما ويصدق كلامهما، ويعرف أنهما ينطقان بالحق فلا يخطئان، ويقولان الصدق ولا يكذبان، ويدرك أن لتصريحاتهما مصداقية ووزن وقيمة وأثر، فأما الحكومة وقادة الجيش والأجهزة الأمنية الإسرائيلية، فإنهم يبنون استراتيجيتهم بناءً على كلامهما، ويغيرون في خطتهم وفقاً لتصريحاتهما، ولا يملكون إلا انتظار ترجمة أقوالهما وتنفيذ وعودهما.

أما المستوطنون الإسرائيليون فهم يصدقانهما أكثر من قيادتهم، ويثقون في كلامهما أكثر من رئيس حكومتهم، وينفذان أمرهما إذا أصدراه نزولاً إلى الملاجئ أو خروجاً منها، وفق التوقيت الذي يعلنان عنه، وإذا تعارضت تصريحاتهما مع تصريحات حكومتهم، كذبوها وصدقوهما، وخالفوها ونفذوا أمرهما.

إنهما الملثمان الأشهران، والصوتان المبشران، الذليقا اللسان البليغا البيان، أبو عبيدة، الناطق الرسمي باسم كتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية "حماس"، وأبو حمزة الناطق الرسمي باسم كتاب سرايا القدس، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، اللذان عودا شعبهما على الظهور المباشر في الأوقات الحرجة، وعند المنعطفات الخطرة، وخلال الأزمات وفي الحروب والمعارك، ليقولوا لشعبهم وأمتهم بثباتٍ ورباطة جأشٍ، وبكلماتٍ واثقةٍ وعباراتٍ صريحةٍ، أن توكلوا على الله ربكم، وثقوا بمقاومتكم واطمئنوا إلى إخوانكم، ولا تصغوا إلى عدوكم، فردنا قادمٌ، ونصرناً حاسمٌ، وإرادتنا حديدٌ وبأسنا شديدٌ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلبٍ ينقلبون.

استحقا احترام الشعب والأمة، لأنهما دائماً يلعبان دوراً كبيراً في المعركة مع العدو، إما رفعاً للروح المعنوية لشعبهما، وتطميناً لأمتهما وشداً لأزرهما، وإما سخطاً لعدوهما وترويعاً له، فهما كما يعدان شعبهما بالرد القادم والثأر القريب والانتقام الموجع، فإنهما يعدان عدوهما بالصواريخ القادمة، والردود الراعدة، وبأن الانتقام من فعال جيشه الخبيثة سيكون موجعاً وأليماً، وقاسياً ورادعاً.

وقد أثبتت الوقائع والأحداث صدقهما إذا وعدا، ونتيجة تهديداتهما على شعبهما وعدوهما إذا نفذا، وفي معركة "سيف القدس" الجارية كانت لهما كلمتهما الفصل بقصف مطار آرون في النقب، وبوعدهما القاطع بالسماح  للمستوطنين بحرية الحركة والتجوال مدة ساعتين فقط، قبل أن تمطر عليهما السماء دقائق معدودة بعد الفسحة، صواريخ من كل مكانٍ، دكت مدنهم وروعت مستوطنيهم.

يقول الكثير من المحبين لهما والمتابعين لتصريحاتهما، والمنتظرين بشغفٍ لظهورهما، أنهم يعرفونهما جيداً، ويعرفون ملامحهما، كما يميزون نبرة صوتهما، رغم أنهما ملثمين لا يرى من الكوفية غير عيونهما، ولا يظهر منهما إلا يداً تهدد أو أصبعاً يلوح، ورغم ذلك فقد أصبحت صورهما مشهورة، وأسماؤهما معروفة، يتندر بها المواطنون على العدو، ويهددونه بهما، ويتوعدونه بتصريحاتهما، ويعتزون بصدقهما الذي فقدوه مع الناطقين الرسميين قبلهم، والمتشدقين بالأنظمة غيرهم.

لسان حال العرب والفلسطينيين يقول لهما، شكراً لكما أيها الرائدان، شكراً لكما أيها الناطقان، فقد جعلتما كلمتنا محترمة، وتهديدنا فاعلاً، رغم أنكما ترجمانٌ للمقاومة وانعكاسٌ لقرارها، ومعبران عن جاهزيتها وناطقان بحزمها، فالمقاومة هي الأصل، ورجالها هم صناع الصدق، وإنكما منهم وإليهم تنتمون، فشكراً للمقاومة التي قدمتكما، وشكراً لقيادتها التي سمتكما، فلا تتأخران عنا فإننا بكما نستبشر، وبعيونكما نرى النصر، وبكلماتكما نستنهض الهمم ونشحذ العزائم، فجزاكما الله عن شعبكما وأمتكما خيراً، وأراكما النصر الذي تعداننا به، ومتعكما معاً ومعنا بالصلاة في المسجد الأقصى المبارك الذي انتصرتما له.

 

صورٌ ومشاهدٌ من معركة سيف القدس "11"

قصفُ بيتي وبيتِ أهلي في جباليا

الحمد لله الذي لا يحمد على مكروهٍ سواه، ولا يرجى إلا إياه، ولا يلجأ إلا إليه، فقد أصابنا ما أصاب الكثير من شعبنا، ولحق بنا ما لحق بأهلنا، فقد أغارت طائراتٌ حربيةٌ إسرائيلية صبيحة اليوم الثامن من العدوان على غزة، على بيتي وبيت عائلتي في مخيم جباليا شمال غرب القطاع، الكائن في منطقةٍ يطلق عليها "بير النعجة" فأصابته حمم صواريخه ودمرته، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، والحمد لله رب العالمين، ولا نقول إلا ما يرضى الله ربنا، فاللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، وعوضنا اللهم وشعبنا خيراً، وألهمنا صبراً، وجُدُ علينا فضلاً، وأكرمنا بنصرك علينا يتنزل، وثبت اللهم أقدامنا على الحق وفي أرضنا، وعجِّل في خلاصنا من هذا البغي الظالم، المتغطرس القاتل.

كما أغلب البيوت والمباني التي دمرها جيش العدو،  فقد اتصل أحد ضباطه بشقيقي قبل ظهر اليوم، وهو اليوم الثامن للعدوان، وطلب منه مغادرة بيت العائلة، ولما كان أهلي يسكنون جميعاً في بيت شقيقي الذي دمر في عدوان عام 2014، فقد غادروا البيت على عجل، دون أن يتمكنوا كغيرهم من أخذ شيءٍ من مقتنياتهم أو حاجاتهم الخاصة، ولكن الضابط عاد واتصل به مجدداً، قائلاً له ليس هذا البيت، وإنما بيت العائلة الجامع، بيت الوالدة والوالد، البيت الذي يسكنه جميع أهلك، وتلتقون فيه مع أمك، فعلم أخي أن بيتنا الكبير سيقصف لا محالة، وما إن غادر من كان فيه، حتى طالته صواريخ البغي والعدوان ودمرته، وقد ألحقت الغارة كما كل الغارات الأخرى، دماراً في المنطقة، وخراباً في المباني المجاورة، وتصدعاً في الأرض، وتشققاً في الشوارع المحيطة والطرقات. 

ليس هناك من بيتٍ في قطاع غزة غير مهددٍ، ولا يوجد بناءٌ غير مستهدفٍ، فقد دمر عشرات المباني، وخرب مئات المنازل، وكلها مساكنٌ مدنية لا وجود لشبهة العسكر فيها، ولكنه الحقد الأعمى والكره الدفين، والجريمة المستأصلة والعدوان المريد، فقد اعتمد جيش العدو الذي فشل في تحقيق أهدافه، وعجز عن أن ينال من قدرة فصائل المقاومة، التي أعيته صواريخها، وأدمته حمم قذائفها، ولم يتمكن حتى الساعة، ولن يتمكن إن شاء الله، من تحديد مكان منصاتها، أو طريقة إطلاقها، أو الطواقم التي تشغلها وتلك التي تحركها وتنسق عملياتها وتحدد إحداثياتها، إذ ما زالت صواريخها تنطلق إثر كل غارةٍ، وتمطر بها المدن الإسرائيلية البعيدة والقريبة، في ردٍ مباشرٍ وسريعٍ على كل غارةٍ ينفذها العدو ضد شعبنا.

نتيجة فشله الشديد وعجزه العقيم، في تحقيق نصرٍ يتيم يحاول الوصول إليه، وعجزه عن اصطياد قائدٍ عسكري أو سياسي، أو الوصول إلى هدفٍ ثمينٍ يمني به نفسه، ويضحك به على شعبه، فقد لجأ إلى سياسة تدمير المباني والأبراج، وقصف البيوت والمنازل، وحرث الشوارع والطرقات، وتقطيع المناطق عن بعضها البعض، وتدمير البنى التحتية، وتخريب شبكات الكهرباء والهواتف وغيرها، مستخدمةً في عدوانها أحدث الأسلحة الفتاكة المدمرة، التي تحدث في كل غارةٍ زلزالاً في المنطقة، يرج الأرض كلها، ويقوض كل المباني ويحيلها في دقائق معدودةٍ إلى ركامٍ وحطامٍ.

أمي الحبيبة ..... اخوتي الأعزاء، أخواتي الكريمات، وكل أهلي الكرام، أصبروا واحتسبوا، واحمدوا الله عز وجل وأشكروا فضله ونعماءه، ولا تهنوا ولا تحزنوا على ما أصابكم، ولا تبتئسوا على ما حل بكم، ولا تحزنوا على حجارة البيت التي فتتت، وجدرانه التي قوضت، وسقوفه التي سقطت، وذكرياتكم فيه التي ذهبت، فقد اجتباكم الله عز وجل وابتلاكم، واختاركم ليمتحنكم ويختبركم، ولكن ليجزيكم خيراً ويثيبكم أجراً، ويعوضكم في الدنيا وطناً وفي الآخرة جنةً، وكما مَنَّ الله عز وجل علينا فعمرنا بعد عدوان العام 2014 بيت العائلة التي دمر، فإننا وشعبنا سنعيد بناء كل بيتٍ دمر، وسنعمر كل منزلٍ استهدف، وسنرمم كل ضررٍ أحدثوه وخرابٍ سببوه، فلا حجر نبكيه، ولا شهيد نفجعُ به، ولا خسارة تقعدنا ولا عدو يهزمنا، وإنما نصرٌ نتطلع إليه، وعزةٌ نروم بها وكرامةٌ نريدها ونسعى إليها.

 

صورٌ ومشاهدٌ من معركة سيف القدس

الفلسطينيون يكرهون الحربَ والإسرائيليون يصنعونَ الموتَ  "12"

الحربُ موجعةٌ مؤلمةٌ، قاسيةٌ شديدةٌ، كريهةٌ مذمومةٌ، طاحنةٌ ضروسٌ، تدمي القلوب وتقصف الأعمار، وتخلق الحزن، وتتسبب في اليتم، وتفجع الأسر والعائلات، وتثكل الأمهات، وتضعف نفوس الأخوات، وتكسر ظهور الأباء، وتتلف الأموال وتدمر البلاد، وتنشر الخراب وتنثر الدمار، وتهدم الحجر وتحرق الشجر، فلا يحبها أحد إلا الظالم، ولا يتمناها شعبٌ إلا المستوطن، ولا يعمل لها إلا المستعمر، ولا يخطط لها إلا الغاصب، ولا يفرضها إلا المعتدي، وكذا الإسرائيليون اعتدوا علينا ظلماً وعدواناً، فرضوها علينا عنوةً وإكراهاً، وأوجعونا بها، وآلمونا بآلتها، وأصروا عليها واستمروا بها، وساندها الظالمون، ودعمها المستكبرون، وسكت عنها المتخاذلون، ودافع عنها الفاسدون، وبرر لها المنافقون، وما زالت في غيها سادرة، وفي ظلمها ماضية.

الفلسطينيون شعبٌ يكره الحرب ولا يعشق القتل، ولا يحب الخراب ولا يستهوي الدمار، ولا يقبل بالظلم ولا يسكت عنه، بل يتمنى كغيره من شعوب الأرض، أن يعيش في وطنه حراً عزيزاً، وفوق أرضه مستقلاً كريماً، تربطه علاقاتٌ طيبة بالآخرين، وتجمعه مصالح ومنافع مشروعة مع الشعوب، ويشترك مع الدول في حفظ الأمن وشيوع السلام، ومحاربة الظلم ووقف العدوان، ومساعدة الشعوب على النهوض والتطور، والدول على الاستقرار والازدهار، ولدى الشعب الفلسطيني بتعداده الذي يقترب من الخمسة عشر مليوناً، وينتشرون في كل بقاع  الأرض، ويقيم أغلبهم في الوطن ثابتاً فيه، الكثير من الطاقات العلمية والكفاءات المهنية، والعقول الفلسفية وأصحاب النظريات الإنسانية والمفاهيم الاجتماعية، ما يجعلهم رواداً بين البشر، وأساتذةً للعالم، وخير أمناء على قيمه وحقوقه، وأحرصهم على حرية الإنسان وكرامته.

لكن هذا العدو الحاقد الخبيث، الظالم المستعلي، القاتل البغي، اعتدى علينا فما أبقى لنا شيئاً من حقوقنا، ولا سمح لنا بمواصلة دورنا واستكمال رسالتنا، وشغلنا عن العمل المبدع والانتاج المبهر، إذ احتل أرضنا، واغتصب حقوقنا، ودنس مقدساتنا، واعتدى على حرماتنا، وأمعن في قتلنا ومصادرة ممتلكاتنا، وطردنا من منازلنا، ودمر بيوتنا، وحرمنا من مستقبلنا، وقاتل فينا أحلامنا، واغتال طفولة أبنائنا وبراءةِ أطفالنا، وجعل مبلغ علمنا وغاية أملنا استعادة وطننا، وتحرير أرضنا، وتطهير مقدساتنا.

لهذا فلا يستغربن أحدٌ إن حمل الفلسطيني بندقيته وقاتل، وامتلك السلاح وقاوم، وبحث عن كل سبيلٍ وناضل، وطرق كل الأبواب ليثبت، وسلك مختلف السبل ليصمد، وتحالف مع الصادقين ليقوى، وتعاون مع المخلصين ليستمر في مقاومته، فهذه هي سنة الشعوب التي أحتلت أرضها واغتصبت حقوقها، وطرد أهلها وشرد شعبها، أن تقاوم وتقاتل، وتكافح وتناضل، وهو أمرٌ طبيعي وعملٌ مشروع، تبيحه الشرائع والأنظمة، وتحترمه النُظُمُ والدولُ، وتمارسه الشعوب وتتبعه الأمم، والتاريخ خير شاهدٍ على الشعوب التي ناضلت، والأمم التي قاومت، التي دوماً تنتصر في قضاياها لأنها على الحق، وتنتصر على أعدائها لأنهم على الباطل، وتصر إلى غايتها لأنها مشروعة، وتحقق أهدافها لأنها طبيعية.

الفلسطينيون يصدون الظلم، ويقاومون الاحتلال، ويدفعون الباغي ويواجهون الطغيان، ويضحون بحياتهم ليضعوا حداً للعدوان، ويصرون على التمسك بحقوقهم والبقاء في أرضهم، وما معركة "سيف القدس" إلا للدفاع عن الحقوق، والحفاظ على المنازل والبيوت، والإصرار على الصلاة والعبادة والطقوس، والثورة ضد القتل والانتفاضة ضد الأسر، ولن يتأخر الفلسطينيون عن واجبهم، ولن يهنوا في مقارعة عدوهم، ولن يضعفوا أمامه وإن كان أقوى منهم، ولن يستسلموا له وإن كان يلقى الدعم والإسناد أكثر منهم، وسيدرك العدو شاء أم أبى، أن هذا الشعب القوي الجبار، العنيد المغوار، صابرٌ حتى تحقيق أهدافه، وثابتٌ حتى يستعيد حقوقه، وباقٍ حتى يعود إلى أرضه ووطنه.

يكره الفلسطينيون الحروب لكنهم مجبرون عليها، ويحبون الحياة لكنهم محرومون منها، ويسعون للاستقرار لكنهم لا يتمتعون به، ويتطلعون للأمن والسلام لكنهم يعانون من غيابه، ويستغربون صمت العالم وعجزه عن نصرتهم ومساندتهم، وقادة العالم يعلمون أن الفلسطينيين مظلومون، وأنهم أصحاب قضية حقٍ مضى عليها أكثر من سبعين عاماً، وأن الكيان الصهيوني ظالمٌ معتدي، قاتلٌ مجرمٌ، فاسدٌ مبيرٌ، يقتل البشر ويدمر الحجر ويحرق الشجر، ولا يبالي بقانونٍ ولا يحترم شريعةً، ولا يخاف من عقوبةٍ، ويتحدى البشرية بصلفة، ويجابه الإنسانية بجرائمه، إلا أن تصده القوة، ويقف في مجابهته الحق، ويتحدى أصحابه ظلمه، ويصبرون على عدوانه وأذاه، ويعدون العدة للثأر منه والانتقام، ومواجهته والانتصار عليه.

 

صورٌ ومشاهدٌ من معركة سيف القدس "13"

صمتُ العربِ الرسمي عجزٌ مهانةٌ

بعد تسعة أيامٍ من الحرب الضارية الضروس التي يشنها العدو الإسرائيلي على شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة، والتي ما زالت مستمرة وتتصاعد عنفاً وتزداد ضراوةً، وتتوزع على أرجاء القطاع الصغير، وتتكسر قذائفه على جسده الضعيف، وتتوالى على أهله المدنيين دون رحمةٍ أو هوادةٍ، حيث يستخدم في حربه المقيتة أحدث ما لديه من أسلحةٍ متطورةٍ تمتلئ بها ترسانته العسكرية، تتقدمها القاذفات الأمريكية العملاقة، والطائرات الحربية المقاتلة، وعشرات القطع البحرية، ومعها مدافع الميدان والدبابات، التي تدك القطاع وتزلزل أرضه، فتهدم بنيانه وتدمر عمرانه، وتحرق حقوله وتسوي بالأرض مساكنه وبيوته، وتقتل أطفاله ونساءه، وشيوخه ورجاله، وتحدث في أرجاء القطاع خراباً غير مسبوقٍ في بنيته التحتية، وشوارعه وطرقه العامة والفرعية.

أمام هول المجازر اليومية والقصف الوحشي المجنون، تقف الدول العربية تراقب الأحداث وكأنها لا تعنيها، وتتابع مجرياتها وكأنها لا تهمها ولا شأن لها بها، فالحرب ليست عليها ولا تقلقها، وهي لا تنعكس عليها ولا تؤثر فيها، وإسرائيل ليست ضدها ولا تعاديها، فقد سالمها أكثرهم وعاهدوها، واعترفوا بها وطبعوا معها، فغدت صديقةً لا عدوةً، وجارةً مسالمةً لا عدواً بواقاً، وأصبحت بالنسبة لهم مهادنةً لا تنكث، وآمنةً لا تغدر، وصادقةً لا تكذب، ومظلومةً لا تظلم، ومضطهدةً لا تعتدي.

محطات التلفزة العربية الرسمية ما زالت على حالها لم تغير شيئاً من برامجها، ولم توقف مسلسلاتها وأفلامها، ولم تمتنع عن بث الأغاني وعرض الحفلات الراقصة، ولم تخصص جزءً من وقتها لتغطية الأحداث وتسليط الضوء على الجرائم الإسرائيلية، واكتفت بخبرٍ مجزوءٍ تبثه عبر نشرة أخبارها عن الأحداث الجارية، وقد يتقدم الخبر ولكنه دوماً يتأخر، ويعرض بطريقةٍ سرديةٍ عامةٍ، وكأن الأحداث وصفيةً عن شعبٍ آخر وأمةٍ غريبةٍ.

 

وقَلَّ أن تستضيف محطاتهم خبراء عسكريين أو محللين سياسيين، ليشرحوا ما يحدث، ويسلطوا الضوء على ما يجري، فالأمر لا يهمهم كثيراً ولا يعنيهم، ولا يريدون لشعوبهم أن تنشغل بها أو أن تقلق، ولا أن تتعاطف معها أو تتأثر، بل إن بعضهم إن استضافوهم يحمل المقاومة المسؤولية، ويعتبرها المسؤولة عما يقع في القطاع، إذ تجرمها في الدفاع عن أهلها، وتخطئها في إطلاق صواريخها، وتراها تتفرد في القرار الوطني ولا تشرك العرب فيه، وتطالبها بالكف عن العدوان والامتناع عن استهداف المدنيين الإسرائيليين، وتحمل فصائل المقاومة المسؤولية عن تفجير الأحداث واندلاع الحرب، إذ أنها بادرت بالقصف وبدأت الحرب.

يستغرب الفلسطينيون كثيراً هذه المواقف العربية الرسمية، التي تخلو من النخوة والشهامة، وتعوزها الرجولة والأصالة، وتفتقر إلى العزة والكرامة، وليس فيها شيءٌ من النبل أو أثرٌ أواصر القرابة، إذ كيف يقبلون على أنفسهم نصرة العدو على أبناء أمتهم، ويصمتون على جرائمه، ولا يحركون ساكناً ضده، علماً أن الفلسطينيين لا يطالبونهم بالقتال نيابةً عنهم، ولا يستحثونهم ليكونوا على الجبهات قبلهم، بل كل ما يتمنونه أن يقوموا بالتخذيل عنهم، وتحريض المجتمع الدولي ضد الكيان الصهيوني، ورفع الصوت السياسي للضغط عليه وعزله، ومحاسبته ومعاقبته، فهذا أقل القليل غير المكلف، وأضعف الإيمان غير المخزي.

ربما رأينا من حكومات بعض الدول الغربية والأجنبية مواقف مختلفة، أشرف وأكثر نبلاً، وأصدق وأكثر جرأةً، وسمعنا من مسؤولين غربيين أصواتاً أعلى ونبرةً أشد ضد العدو الإسرائيلي، يطالبونهم بالتوقف عن العدوان والكف عن اقتراف جرائم القتل والتدمير، ولكن الأنظمة لم تشعر بالغيرة والغضب، ولم تحركها النخوة أو تحرجها الشهامة، واستمر صمتها وتواصل عجزها، وشذ خطابها، وأهمل إعلامها وشوه بصوره قضيتنا، وحَرَّفَ بتصريحاته حقيقة الأحداث ومسؤولية الاحتلال وجرائم جيش العدوان.

لا يستغرب الفلسطينيون وحدهم صمت الأنظمة العربية وعجزها، بل إن شعوب البلاد العربية نفسها يستغربون استخذاء حكوماتهم وسلبية أنظمتهم، ولا يترددون في إبداء غضبهم والتعبير عن سخطهم، ولكن بطش السلطات كبير وسوطهم مؤلمٌ قاسي، لا يرحمون من يعارضهم، ولا يسكتون عمن يخالفهم، ولا يقبلون بمن يتهمهم، ولا يصغون السمع لمن يستحثهم أو يحرضهم، بل ينقلبون عليه ويتهمونه، ويسجنونه ويحاكمونه، وما علموا أن شعوبهم لن ترضى عنهم ولن تقبل مهم ما لم ينتصروا لفلسطين وأهلها، وأن العدو الصهيوني لن يرضى عنهم ولن يقبل بهم حتى ولو اتبعوهم وكانوا لهم عوناً، أو أيدوهم وكانوا لهم خدماً، تلك هي طبيعتهم، وهذه هي جبلتهم التي أخبرنا بها القرآن الكريم ونقلها لنا وحيُه جبريلُ الأمين.