يحتفل العالم بمئوية بازوليني، وبعد تقديم لحياته وأعماله يترجم لنا الناقد المصري المرموق هنا واحدا من أهم نصوصه وأكثرها تعبيرا عن نفسه ورؤاه، نص تختلط فيه السيرة بالشعر، والسينما بالراوية والحياة، ويصب هذا كله في السياسة والالتزام والرغبة في تغيير الواقع الرديء إلى ما هو أبهى وأفضل بفضل الفن.

بمناسبة الاحتفال بمئوية ميلاده الأولى

من أنا؟: شاعر الرماد

بيير باولو بازوليني

عرض وتقديم وترجمة صلاح هاشم

 

دعونا أولا نسأل، قبل أن نقرأ هذه "الوثيقة" المهمة، التي تركها بيير باولو بازوليني المخرج الإيطالي الكبير (من مواليد 5 مارس1922) وعثر عليها بعد موته، ثم صدرت في كتاب بعنوان" من أنا"QUI JE SUIS عن دار نشر "آرليا" في فرنسا. ترى من يكون هذا الـ"بازوليني"، الذين يحتفلون هنا في باريس - عاصمة السينما في العالم ومن دون جدال - بمرور 100 سنة على ميلاده، ويخصصون له مهرجانا في إحدى دور العرض السينمائي في "الحي اللاتيني في قلب باريس، عاصمة النور، يعرض مجموعة من أبرز الأفلام التي أخرجها، وجعلته يدلف الى تاريخ السينما العالمية، من أوسع باب؟ ثم ماهي الإنجازات والإضافات، الفنية والفكرية، الجمالية والفلسفية، التي حققها  بازوليني، من خلال كتاباته وأعماله، ليصبح هكذا، أحد أهم وأعظم المخرجين في السينما العالمية؟

لم يكن بازوليني، الذي عثر على جثته- المشوهة - مقتولا في الشارع العام، وسط ركام من النفايات بجوار البحر، في منطقة "أوستي" القريبة من مدينة روما العاصمة، في ليلة الثاني من نوفمبر1975، وثبت من تشريح الجثة، التي كانت غارقة في الدم، أنه قد تعرض لضرب مبرح، بآلات حادة، في جميع أنحاء جسده، وأن جثته دهست، بواسطة سيارة، مرت على جسده أكثر من مرة، مما أدى الى انفجار كبده. ثم تبين من خلال التحقيقات الجنائية، أنه لقى مصرعه، على يد شاب مجرم متشرد في السابعة عشرة من عمره، يدعي بينو بيلوسي ، وكان بازوليني  -المعروف بمثليته الجنسية-  اصطاده من حانة، ليمارس معه الجنس، ثم اختلفا لأمر ما، وتعاركا. ولما سقط بازوليني، إثر ضربة عنيفة على الأرض، سارع الشاب الى الهرب، فأخذ سيارة بازوليني من نوع الفا روميا، وانطلق بها، غير أنه لم يكن يحسن قيادة هذا النوع، وفي محاولته التحكم في السيارة، دهس ومن دون قصد، أكثر من مرة، على جثة بازوليني، المنبطحة على الأرض، والغارقة في الدم.

لم يكن بازوليني، الذي راح ضحية لهذه الجريمة الفضائحية البشعة- جريمة أم" مصيدة"، دعنا نرى؟ - وهو في الثالثة والخمسين من عمره، وروجت - أو بالأحرى صفقت -الصحافة البرجوازية اليمينية الفاشية لمقتله، من خلال نشر صورة جثته المشوهة، على صدر صفحاتها الأولى، والذي يحتفل العالم أجمع هذا العام 2022 ،بـ "مئوية" ميلاده الأولى، من خلال العديد من التظاهرات والفعاليات الفنية والسينمائية، في إيطاليا وفرنسا وأنحاء العالم.

بازوليني ..حياة في الشعر:
لم يكن بازوليني، مجرد مخرج سينمائي إيطالي شهير، بعدما ارتبط اسمه بالعديد من الأعمال السينمائية العبقرية الشاعرية المتميزة، مثل فيلم " آكاتون"ACCATTONE- المتسول، وفيلم " ألف ليلة وليلة"، وفيلم - THEOREMEنظرية - وفيلم " حكايات كانتربري " - وفيلم " ديكاميرون"، وفيلمه" إنجيل متى" البديع، سينما" الشعر المصفى "PURE POETRY - التي أضافت الى سينما" الواقعية الجديدة "في إيطاليا، وصارت من كلاسيكيات السينما العظيمة. بل كان يازوليني وأولا شاعرا ، من أعظم الشعراء، الذين أنجبتهم إيطاليا، على حد قول الروائي الإيطالي الكبير ألبرتو مورافيا، ولذا كان موته-  أو بالأحرى قتله وسحله واغتياله، على يد السلطة الفاشية، سلطة الديمقراطية المسيحية، الحكومة والنظام - وبمنطق فليمت إذن لنستريح من شره - " كارثة وخسارة كبيرة وفادحة، للفن والفكر والثقافة، ليس فقط على المستوى الإيطالي والاوروبي، بل على مستوى العالم، والإنسانية جمعاء. لكن لماذا؟

لأن بازوليني لم يكن فقط شاعرا إيطاليا كبيرا - والأعظم بين شعراء عصره - كما ذكر ألبرتو مورافيا، بل كان ايضا مفكرا كبيرا - دعنا نرى. السينما فكر أولا ؟ - اعتنق الماركسية، وانضم الى الحزب الشيوعي الإيطالي، وظل مؤمنا بمبادئ وأفكار الماركسية، والمادية الجدلية، والنضال ضد الفاشية، والتعصب والإرهاب، حتى بعد طرده، وسحب بطاقة عضويته من الحزب الشيوعي الايطالي، إثر اتهامه بارتكابه الفاحشة، وممارسة الجنس، مع ثلاثة من طلبته، عندما كان يعمل مدرسا وعمره 27 سنة، في إحدى قرى الريف الإيطالي، وفصله من المدرسة.

يقول الكاتب الفرنسي رينيه سيكاتي، مؤلف كتابPASOLINI.BIOGRAPHIE  بازوليني .سيرة"- الصادر عن دار نشر جاليمار، أننا لا يجب أن نعتبر مقتل بازوليني، وهو في سن الثالثة والخمسين، أمرا مأسوفا عليه، كما لو كان بازوليني، مات هكذا – وا حسرتاه - في "عز شبابه "، وأن الزمن لم يمهله، لكي ينجز الكثير من مشروعاته. بل يؤكد على أن بازوليني، قد عاش بالفعل حياة قصيرة، لكنها كانت يقينا مليئة بالإنجازات، فقد كان لديه، وقبل أن يقتل- أو بالأحرى يُغتال - من قبل السلطة الفاشية الإيطالية، الكثير من الوقت، لأن يوقع بإسمه، علي العديد من الروايات، ودواوين الشعر، والأفلام، والمقالات النقدية والسياسية والصحافية، والترجمات. بل وكذلك العديد من اللوحات الفنية التي رسمها بفرشاته. كانت "الأعمال الكاملة" - أدبية وفكرية وفلسفية -لبازوليني التي نشرت بعد وفاته، تضم عشر مجلدات، وكان المجلد الواحد، يشتمل على ما بين 1200 و200  صفحة ، وكانت رواياته، من أفضل الرويات مبيعا، كما كانت أعماله السينمائية كلها، في ماعدا عدة أفلام لم يحالفها النجاح التجاري، مثل فيلم " ميديه" - MEDEE - بطولة مغنية الأوبرا الشهيرة ماريا كالاس - كانت من روائع السينما العالمية، التي حصدت له العديد من الجوائز في المهرجانات السينمائية العالمية، وحققت له شهرته في العالم، وبخاصة من خلال تحفته فيلم " إنجيل متى "، وفيلم " نظرية " وفيلم " سالو أو 120 يوما في سدوم ".

بازوليني..  ومحاكمة الديمقراطية المسيحية والنظام:
والأهم من كل ذلك أن بازوليني، انحاز في جميع أفلامه الى الفقراء المعدمين المهمشين في كل أرض، وكرس جل أفلامه لمحاربة الفاشية، والسلطة الدينية والديموقراطية المسيحية، وكان فيلمه الأخير" سالو أو 120 يوما في سدوم "علامة من علامات السينما المناهضة للفاشية، بل لقد تجرأ بازوليني وأعلن في أعقاب، بعض التفجيرات والحوادث الإرهابية في إيطاليا في فترة الستينيات، التي سميت بـ"سنوات الرصاص"، وكتب مقالا يشير فيه بأصابع الاتهام الى أشخاص بعينهم في السلطة والبرلمان والقضاء، والحكومة، والبرجوازية، وحكومة الديمقراطية المسيحية. وكانت صديقة بازوليني الممثلة الإيطالية لاورا بيتي-  لعبت دور الخادمة في فيلم " نظرية "- ذكرت في فقرة من فصل" النهاية "الفصل الأخير، في كتاب "بازوليني" آنف الذكر - أن هناك علاقة مابين إغتيال بازوليني. وبين ما كان يكتبه بازوليني في مقالاته الصحفية التي تهاجم النظام الإيطالي الفاشي، وبخاصة ما كتبه في مقال له نشر بتاريخ 28 أغسطس1975، أي قبل 3 شهور على اغتياله.

ويقول فيه بازوليني: «لابد أن يطالب الحزب الاشتراكي الإيطالي والحزب الشيوعي الإيطالي معا، بمحاكمة ممثلي "الديمقراطية المسيحية"، الذين حكموا إيطاليا خلال الثلاثين عاما الماضية، وبخاصة محاكمتهم، وخلال السنوات العشر الماضية، على ما ارتكبوه من جرائم. وأطلب محاكمتهم في "محكمة جنائية، ولابد من سحب" اندروتي "و"فنفاني"و"رمور" وفرقة من الأشراف والأعيان الإيطاليين الأبهة، ومجموعة مكونة على الأقل من" دستة "من رؤساء الجمهورية السابقين، ووضعهم على "مقاعد الإتهام"، كما حدث مع الرئيس الأمريكي "نيكسون" وجره الى المحاكمة، أو كما حدث بالأحرى مع الرئيس اليوناني بابادوبولوس. وفي المحكمة يجب محاكمة هؤلاء..  لارتكابهم مجموعة كبيرة جدا من الجرائم في حق الشعب الإيطالي، من ضمنها :الدناءة، واحتقار المواطنين، ونهب المال العام، بالتواطؤ مع رجال الأعمال، وأصحاب المصانع، والبترول، والبنوك، وعصابات المافيا، ومحاكمتهم أيضا على جريمة  الخيانة العظمي، والعمل لمصلحة قوى عظمى أجنبية، بدعم من CIA وكالة المخابرات الأمريكية.»

أجل لم يكن بازوليني عندما قتل ، مبدعا، وكان - كما يظن البعض-  مازال مبدعا شابا، ويضيف سيكاتي، أن بازوليني كان يشعر، قبل موته، بأنه: قد استهلك حياته وسنوات عمره الـ 53، في ما لا حصر له، من المعارك السياسية، والأخلاقية، والجمالية، التي جعلته يمثل أمام المحاكم الإيطالية، في أكثر من ثلاثين قضية، رفعت ضده، واتهمته بالإساءة الى إيطاليا الوطن، والدين، والكنيسة، والشرطة، والجهر علنا في الإعلام والتليفزيون، بشذوذه الجنسي. كما كان بازوليني يشعر بالوحدة لاشك، على المستوى الشخصي ، على الرغم من ألتفاف مجموعة كبيرة من أصدقائه ومعاونيه- مثل الكاتب الروائي والناقد السينمائي البرتو مورافيا والممثلة لورا بيتي - حوله، كما كان يشعر بالوحدة، في حياته، كشاعر ومفكر ومبدع ومخرج كبير

لماذا؟

 لانه كان يعتقد، بأن " انتصاراته السينمائية" - من خلال نجاح الكثير من أفلامه، وبعد أن طرق باب السينما متأخرا وقد تجاوز سنه الأربعين، - جرّت عليه الكثير من المشاكل، والكثير من سوء الفهم أيضا. وكان بازوليني قبل موته، قد شرع في كتابة رواية بعنوان "قصيدة "- POEME - ، ويفكر في عدة مشروعات لأفلام، ولم. يقل كلمته الأخيرة بعد. لكنه كان قد قضى وقتا كبيرا جدا، في التعليق على، وتبرير، وشرح وتفسير، والدفاع أيضا - وبجسارة، وشجاعة منقطعة النظير - عن قناعاته ،وأفكاره، وخياراته الإيديولوجية،  والفنية، والشخصية أيضا. ذلك لأن بازوليني كان يؤمن ك"شاعر مدني"CIVIL POET  -  كما يضيف سيكاتي مؤلف كتاب "بازوليني.سيرة"  - بأن من واجب كل شاعر، وكل فنان، أن يجهر برأيه- بحرية، وبشكل علني - في القضايا التي تهم وتشغل الناس، وأن تكون له أيضا كلمته، حتى لو لم يكن من رجال السياسية. من الصعب- كما يذكر سيكاتي في كتابه "سيرة بازولينيPASOLINI.BIOGRAPHIE " من الصعب الحديث، عما كان يمثل، هذا المبدع والمفكر الإيطالي الكبير، المتعدد المواهب والمشارب والمشاغل والاهتمامات.

فقد كان لاينتمي الى هذا البلد - إيطاليا - الواقع تحت سيطرة "العولمة"، ولم يكن ينتمي أيضا - وفي ذات الوقت - الى هذا المجتمع الإيطالي الذي صار مشوها، بسبب حركة "التصنيع"، التي قضت تماما على الريف، وفرّغت القرى الإيطالية من أهلها وسكانها، وجعلت بازوليني، يعلن عن موت الريف الإيطالي في ديوانه بعنوان "الشباب الجديد" الصادر عام 1974"، ذلك الديوان الذي يتبرأ فيه بازوليني من أشعاره الريفية الرائعة، التي كتبها في عشق ومديح قرية "فريول" الصغيرة، التي عاش فيها مع أمه، الحب الكبير في حياته، هذه الأم الحنون، والتي شجعته على كتابة الشعر، وهو لم يبلغ الثامنة بعد، من عمره.

بازوليني .. من كوكب آخر:
كان بازوليني متجذرا - وبعمق - في العصر الذي أنجبه، والظروف التي صنعته، كان ابن زمنه، كما يقول عنه سيكاتي - كل يوم .. ويوما بعد يوم
 ..ومع ذلك، فقد كان بازوليني، أكثر قربا من الفنان ميكل أنجلو، والشاعر الإيطالي العظيم دانتي، منه الى الكتاب والمخرجين، الذي نما بازوليني وكبر، وظهرت أعماله الإبداعية وسطهم .كان بازوليني معاصرا لـ إيلسا مورانتي، وآنا ماريا أورتيس، وجورجيو باساني، وستدرو بينا، لكنه كان يبدو -  وسط هذه المجموعة من الكتاب والشعراء والروائيين الإيطاليين التي كان يكن لها كل إعجاب وتقدير، - كما لو كان من سكّان كوكب آخر.

كما كان بازوليني معاصرا، للمخرج الإيطالي الكبير فردريكو فيلليني (شارك بازوليني في كتابة فيلم "الحياة الحلوة" - لا ودلشي فيتا - كما كتب له سيناريو فيلمه "ليالي كابيريا - وكان فيلليني وعده، بأن ينتج له فيلمه الأول، لكنه سرعان ما تراجع، على الرغم من أن بازوليني، استطاع وحده أن يفتح بأفلامه سكة جديدة للسينما. وجعل للسينما "في علاقتها بالواقع والشعر والحقيقة، وظيفة" أخرى، غير تلك الوظيفة، التي كان وضعها لها من قبل، بعض عباقرة هذا الفن من المخرجين المبدعين.

ولهذا، يمكن القول، أن بازوليني ينتمي الى عائلة خاصة من المخرجين المبدعين تضم الياباني ميتزوجوشي، والسويسري جان لوك جودار، والإنكليزي شابلن، والدانمركي كارل دراير، والفرنسي بريسون، ومورنو، وكل هؤلاء المخرجين الذين كانوا يفتشون في "التعبير السينمائي"، عن شيء آخر، غير كونه بديلا، للسرد الروائي، والدراما المسرحية، هؤلاء المخرجين الذين كانوا يبحثون ويفتشون ،عن نهج وسبيل ..  الى الواقعية الشعرية. إن دور بازوليني في السينما، والشعر، والرواية، والنقد، والصحافة، والتعليم، والمسرح، والمنشور السياسي، والاخلاقيات الجنسية، لا يمكن فهمه، إلا في إطار الزمن الذي ولد فيه بازوليني، وكبر، لكي يلتقي بالموت، في نهاية المطاف. وكان من الممكن، أن تتغير طبيعة هذا الدور، وبكل ما حققه فيه بازوليني من إنجازات وإضافات، لو كان ولد في زمن آخر، وصار معه مثلا، معاصرا لدانونزو، أو معاصرا لدينو كامباني، أو معاصرا لناني موريتي، وزمنه، في القرن العشرين.

إلا أن بازوليني، كان إبنا للفاشية، وزمنها، وشاهدا على صعود البرليوسكونية - نسبة الى رئيس الوزراء الإيطالي برليسكيوني.. وابنا للناقد الفني الايطالي الكبير روبرتو لونجي- درس بازوليني في جامعة بولونيا على يديه، تاريخ وفلسفة الفن. وإبنا للمخرج الإيطالي الكبير روبرتو روسوليني، ونحن نعرف مثلا، الى أي حد استطاع مخرجنا المصري الكبير شادي عبد السلام- بفضل دعم وتشجيع روسوليني، وأثناء تواجده في مصر- أن ينجز رائعته "المومياء"، ولكل العصور. وإبنا للشاعر الغنائي الإيطالي الكبير باسكولي، وللكاتب الروائي فيرجا من صقلية. كما كان بازوليني أخا وشقيا لمورافيا، وجودار، وجادا، وبينا، وفاعلا ومؤثرا، في المشهد الأدبي والسياسي والسينمائي في إيطاليا فترة الخمسينيات، والستينيات، والسبعينيات.

بازوليني وروما وهوليوود:
وكان من الطبيعي، في بداية فترة الخمسينيات، أن يندمج كاتب شاب، صاعد وواعد، وصاحب موهبة كبيرة مثل بازوليني، يندمج بسهولة مع فرق كتاب السيناريو، التي كانت تعمل آنذاك في الإذاعة الإيطالية، ومدينة السينما الإيطالية "الشيني شيتا
". في تلك الفترة كانت السينما الإيطالية تعيش لحظات تألق وانتصار، انتصار ليس فقط على المستوى الفكري والفني، بل وعلى المستوى التجاري أيضا. لم تكن روما وقتذاك، تقف ضد، أو تحارب هوليوود، فلم تكن مضطرة لذلك، حيث أن هوليوود، هي التي كانت سعت آنذاك الى لقاء روما، وحضرت بالفعل، لتبحث في روما عن حليف وسند، وتتعلم من روما - السينما الإيطالية - وتنهل من ينابيع أفكارها، واختراعاتها الجديدة، وأيضا تمويلاتها.

وقد استفاد بازوليني يقينا من هذا المناخ، وهذه الحالة الاستثنائية للسينما الإيطالية، التي سمحت لبازوليني - بمزاجه الفريد - بأن ينطلق ويعبر عن نفسه ، بمنتهى الحرية، (ونحن نعلم، الثمن الباهظ، الذي دفعه هذا المخرج الكبير، نظير ممارسته لحريته الشاملة، من خلال مطالبته، او بالأحرى جرجرته إن صح التعبير، للمثول أمام المحاكم والقضاء، بتحريض من السلطة الفاشية، لأسباب تافهة، مثل كلمة، أو إشارة، أو لقطة، أو رد لممثل في مشهد من أحد أفلامه.) في إطار الصراع الفكري والسياسي الدائر آنذاك، بين الشيوعية، والكاثوليكية، والديمقراطية المسيحية، الذي كان يحتل صدارة مشهد "الحياة السياسية" العام وأولوياته. وقد كان واضحا أن بازوليني، الذي كان يدين بالولاء، لمجموعة من أساتذته الكبار - من القدامي والمحدثين- الذين حظوا بحبه، وإعجابه، مثل ماركس وإسبينوزا وجرامشي في الفلسفة، ومثل المسيح، والقديس فرانسيس الأسيسي في الروحانيات، ومثل روبرتو لونجي في علم الجمال، ومثل ديستويفسكي ودانتي وباسمولي وبينا في الأدب، ومثل شابلن ومييزوجوتشي وروسوليني وجودار وبريسون في السينما.

لو كان بازوليني قد ولد في زمن وعصر آخر، غير زمنه وعصره، لكان ابدع أعمالا أخرى غير تلك الأعمال التي حققها في حياته، غير أن انتماء بازوليني المزدوج، الى الصوفية الروحانية من جانب، والى الماركسية من جانب آخر، هو الذي تحكم في مسار حياته. كما أن وظيفته المزدوجة، كأديب وشاعر وكاتب من جانب، وكمخرج سينمائي من جانب آخر، هو الذي كان لاشك قد طبع كل أعماله، على مستوى الخلق والإبداع. كما أن الخليط المكون لشخصيته، وتركيبته النفسانية، من التقاليد والأعراف العائلية، وتشبثه بها، ومن حاجة بازوليني الشخصية، في الانعتاق من أسرها، وحاجته- أو بالأحرى ما كان يراه ضروريا لنفسه- الى التفرد والاختلاف؛ هو الذي جعل من حياة بازوليني، جحيما من المشاكل، والمتناقضات.

فقد كانت هذه الحياة قد تحددت بالفعل، كدائرة مغلقة، من خلال ارتباطه بأمه، التي عاش معها معظم حياته، وارتباطه بصديقه وحبيبه - في الفراش - الممثل نينتو دافولي، وكذلك حاجة بازوليني النهمة، الى مغامراته الشبقية الجنسية، والتي لم يكن يشبع منها ابدا. وكانت تجعله لا يعبأ، برفاقه في الفرش، ومن يصطادهم، لينام معهم، ومن ضمنهم، لصوص وأوغاد خطرين، من عصابات المافيا، والجريمة المنظمة، وشباب الحزب الفاشي في إيطاليا، الذين كانوا يتعقبونه في كل مكان، وكان يمكن أن يشكلوا بالقطع تهديدا وخطرا على حياته. بل لقد فكر البعض، أن بازوليني، الذي لا يعبأ بمع من، يمارس الجنس، كان يبدو أحيانا كما لوكان صاحب" نزعة تحريضية" انتحارية، أي خليط من "المقدس" و"الدنيوي" نزعة بمثابة "دعوة الى القتل"، وكأنه كان يريد بها أن يفتدي بروحه الإيطاليين "العبيد"، الذين صاروا "ضحايا" لمجتمعات الاستهلاك الكبرى، في إيطاليا والعالم.

هؤلاء، الفقراء من المشردين والمعذبين الجوعى، الذين يعيشون في الأرض، بلا سقف ولا قانون، ولكي يموت هكذا "شهيدا"، كما مات المسيح عيسى ابن مريم على الصليب، وكأن بازوليني، كان يريد بالفعل أن يموت، مقتولا، أو مذبوحا، أو مسحولا ،على قارعة الطريق، مثل كومة من النفايات. حتى أن السيدة التي عثرت على جثته، في صباح ذلك اليوم البارد في الثاني من شهر نوفمبر عام 1975، لم تحسب أنها جثة لإنسان، فقد نادت على زوجها، وصاحت فيه إن تعال، أنظر جيراننا الأنذال، لقد ألقوا بكومة من أوساخهم، على عتبة الباب. اللعنة على هذا البلد.

وأترككم الآن مع كتاب "من أنا" لبيير باولو بازوليني، وهو عبارة عن وثيقة "ثمينة" وقيّمة ونادرة، كتبها بازوليني بين عامي 1966 و 1967، وعُثر عليها بين أوراقه الشخصية، بعد موته، وصدرت، في شكل كتاب، بعنوان "من أنا" عن دار نشر "آرليا" في باريس عام 2015. وتبدو أهميتها القصوي، كما يقول جان بيير ميليلي مترجم الوثيقة من اللغة الإيطالية الى اللغة الفرنسية، في مقدمة الكتاب، كونها "تجعلنا نفهم بشكل رائع، العلاقة التي توثقت، وربطت بين حياة  بازوليني الشخصية، وبين أعمال الشاعر والروائي والأديب والصحفي والمخرج السينمائي الإيطالي الكبير"..

 

كتاب: «من أنا» شاعر الرماد:  Qui Je Suis: Poeta Della Ceneri
بقلم: بيير باولو بازوليني

 

الحاجة الى الحب:
«إن حياة من كتب عليهم القدر، بأن يحبوا، خارج النموذج المعتاد مثلي، سوف ينتهي بهم الأمر، الى الإعلاء من شأن الحب، بل والمبالغة في تقديره، لأن الشخص العادي، يمكن أن يتخلى، ويالها من كلمة مرعبة حقا، عن الحياء، والفرص المفتقدة: غير أن صعوبة الحب، في ما يخصني، جعلت من الحاجة الى الحب، نوعا من التملك، الذي يستحوذ على كل كياني، بينما كان الحب، يبدو لي، عندما كنت مراهقا، كما لوكان وهما عسير المنال.»

                                                                                بازوليني

من أنا؟

  • أنا إنسان ما ،ولد في مدينة مليئة بالممرات المقنطرة عام 1922.

عمري الآن إذن44 سنة، وصحتي لابأس بها. وحتى بالأمس، التقيت بجنديين أو ثلاثة ،في تعريشة للمومسات، فقالوا لي أن عمري 24 سنة، يالهم من صبيان صغار مساكين حقا.. لقد ظنوا أن طفلا مثلي يمكن أن يكون عمره من عمرهم!

في عام 1959 توفى أبي،

أما أمي،  فهي مازالت على قيد الحياة،

وكلما تذكرت أخي  "جيدو" بكيت،

وتجدني أبكي هكذا ،

كلما فكرت في أخي جيدو.

  • أخي جيدو  كان من الأنصار،

قتله الأنصار الشيوعيون الآخرون، برصاص بنادقهم، وكان بفضل مشورتي، قد انضم الى "حزب العمل" ، و بدأ المقاومة كشيوعي وعلى الجبال اللعينة، تمتد على حدود الأفق،

تلك التلال الرمادية الصغيرة ، التي تفترشها الزهور،

  • أما عن الشعر،  فقد شرعت أكتبه وانا في السابعة من عمري..

كنت "شاعرا في السابعة من عمره "، ولم أكن ناضجا مبكرا حقا، إلا في ما يتعلق فقط بـ "الإرادة" .

كنت شاعرا في السابعة من عمره، مثل الشاعر رامبو، لكن في الحياة فقط.

- لكني أعيش الآن في قرية. بين البحر والجبل، حيت تتفجر الأعاصير الكبيرة، وتمطر السماء في الشتاء بكثرة ، في شهر فبراير، ثم تبدو الجبال ناصعة، مثل الزجاج. في ما وراء الأغصان العارية، حيت تولد تلك الزهور، بلا رائحة، داخل الحفر.

وفي الصيف، تختلط قطع حبات الذرة الصفراء، بأوراق البرسيم الخضراء القاتمة لتشكل ذلك المنظر الطبيعي المرسوم، والمنعكس في السماء، وكأنه لوحة شرقية .والآن ، في هذه القرية، في مكان ما، هناك صندوق، مليء بالوثائق والأوراق التي كتبها شاعر صغير، من ضمن الشعراء الأطفال الكثر في هذه البلدة ..

- كانت أمي هي أهم إنسان في حياتي، ثم يأتي بعد امي مباشرة صديقي نينيتو.

في عام 1942، في مدينة بولونيا التي، حيث توجد بلدي، كما هي، تبدو كما لو كانت حلما، مع كل هذا الشعر الكبير، المنبثق من اللاشعر، عش من النمل، يمور بالفلاحين، والصناعات الصغيرة، والسعادة. النبيذ الطيب، واللحم الطيب، ومن حولك أناس ريفيين ومؤدبين، سوقيين قليلا، لكنهم حساسين، وفي هذه المدينة بولونيا نشرت أول ديوان شعري صغير لي، بعنوان تقليدي "قصائد من كاسارسا" وأهديته الى أبي، الذي تسلم الديوان الصغير، عندما كان محبوسا في كينيا، ضحية جهولة خلف القضبان، ولا تتمتع بأي حس نقدي، ضحية للحرب الفاشية.

أعرف أنه كان سعيدا جدا ،عندما استلم الديوان،

كنا أعداء أبي وأنا، أعداء كبار،

غير أن هذا العداوة، التي فرقت بيننا، كانت جزءا من القدر، قدرنا، وكانت تسكن خارجنا، وعلامة من علامات الكراهية.

علامة واضحة، علامة بحث علمي لا يخيب، ولايخطيء، ولايمكن أن يخطييء..

كانت قصائد هذا الديوان الصغير الذي أهديته الى أبي، مكتوبة بلهجة فريولان،

 القرية التي ولدت فيها أمي،

كانت اللهجة التي تتكلم بها أمي.

لهجة عالم صغير، لهجة عالم، لم يكن يستطيع أبي، أن يضمر له الاحتقار، أو يستطيع على الأقل،  أن يقبله بصبر أب وهذا بسبب تناقض داخلي، تناقض لا يستطيع العلماء خيانته، فحين راح أبي يستمع الى هؤلاء الناس، وهم يتحدثون بهذه اللهجة، لم يكن باستطاعته، سوى أن يقع في التو في حب أمي. ومن خلال عشقه لأمي، استطاع هذا العالم الريفي الصغير، الزنجي تقريبا، والأقل مرتبة وشأنا، والذي كان أبي يحتقره، استطاع أن يجعل من أبي عبدا.

غير أن أبي وقتها لم يكن، مرة أخرى، قد وعي الأمر

لم يكن أدرك أن هذا الحب الذي يكنه لأمي، قد أصبح سيده

لم يكن أبي قد أدرك، من خلال حبه لهذه المرأة الطفل الجميلة، أمي، وروحها البريئة، روح ملاك، أنها لن تستطيع ابدا العيش، خارج حدود قريتها، وخارج حقولها، أو تغادر.

لم يكن أبي المسكين أدرك، أن كل قناعاته اليقينية الأخلاقية، لكي يجعل من نفسه سيدا على أمي، قد سقطت.

ومنذ ذلك الوقت، كانت هذه المسالة، كنوع من الجدل، أصبحت شيئا شيطانيا، ومركزا لألف من المتناقضات، ولم تكن أمي تستطيع أن تسمح بذلك، فقد كانت جد مشغولة، بنشر كتاب شعر، وتتمعن في القصائد الواضحة الصريحة، التي كتبها ابنها المؤلف.

وقد كانت هذه المتناقضات، مثل سحب سوداء ورعود مرعبة، تعلن عن الموت والفشل الكامل، وفي الخلفية أفق لامع، من خيلاء أب سجين.

- حسنا! في نهاية الحرب، عاد أبي  الى إيطاليا، وهو يحمل معه في حقيبته ديوان الشعر الصغير، المكتوب بلهجة فريولان، محتفظا به، مثل ذخيرة مقدسة، أو تذكار عائلي، أو شهادة على العظمة، حتى للمستقبل،

ويجب أن أقول هنا أن أبي ، ضابط المدفعية، كان يعترف بالفاشية، وهذا هو التناقض الأكبر مع أمي،

تناقض علني..

حيث أن الفاشية،

لم تكن تعترف باللهجات الإقليمية الريفية، ولم تكن تتسامح معها

لأن هذه اللهجات، كانت تعكس حقيقة، أن الوحدة القومية الإيطالية - في هذا البلد الذي ولدت فيه -  لم تكن قد تحققت بعد.. وهي حقيقة، ومثلها حقائق،

 كانت تجلب للفاشيين العار، ولم يكن في مقدورهم الاعتراف بها،

ولذلك لم يأت ذكر أيضا لكتابي في الجريدة الرسمية والمجلات،

إلى أن أرسل جان فرانكو كونتيني خبرا عن كتابي - كتاب الشعر - (أعظم فرحة أدبية شعرت بها في حياتي) الى جريدة تصدر في مدينة "لوجانو" فنشرته، ومع نهاية الفاشية ، كانت بداية النهاية لأبي!

هذه الفاشية، كانت وسيلة  أبرر بها كراهيتي لأبي، هذا الرجل المسكين الذي  ظلمته،

ومع ذلك يجب أن أقول، أن كراهيتي للفاشية هي كراهية ممزوجة بالرأفة والرحمة، بشكل مرعب، وإنني في الرابعة والأربعين من عمري الآن، اي في سن أبي، عندما كنت بدأت أكتب قصائدي الأولى، أرى أبي خارج حياتي، وتاريخي الشخصي،

أراه في قصة غريبة عني تماما، وأنا العب فيها، دور البطل المذنب.

لأني يجب أن أذكّر أنه الى جانب حبي الأول الذي يذهب الى امي، كان هناك حب ثاني في حياتي، حبي لأبي، أجل، لقد أحببته أيضا، لكن بحب "حسي" مختلف، وعلي الآن أن تذكر خطواتي، وأنا ما زلت طفلا في الثالثة من عمره، في هذه المدينة "بيلونو"  الضائعة ببؤس بين الجبال، والتي كانت تشبه، في طبيعتها الريفية، القري النمساوية، وتقع عند منابع ذلك النهر، الذي يحمل إسم متحفا للحرب. والبؤس.

نهر "بياف".

نهر كانت مياهه الزرقاء الصافية، تجري بين ممرات الرمال الكبيرة في سفوح الجبال،

بينما تروح الشمس المشرقة في بهاء، حين أخطو بضع خطوات على الطريق، تروح تضربني، وتخبط رأسي،

شمس لم تكن شمسي،

بل شمس والدي،

وأنا أتجه في طريقي الى حفرة،

راح أبي الذي كان شابا آنذاك،

يتبول داخلها،

لكن، على الآن، لكي أنهي هذه القصة،

التي تبدو غير متناسقة وغير منتظمة

مع مجمل أشعاري هنا،

علي أن أشير،

الى أن تلك القصائد الفريولينية FRIOULAINE ،التي كتبتها في صغري، كانت أجمل القصائد التي كتبتها في حياتي .. (بالإضافة طبعا الى القصائد التي كتبها في سن الثالثة والرابعة والعشرين، ونشرت بعد ذلك باسم "أفضل شباب" - LA MEILLEURE JEUNESSE - مع القصائد الإيطالية، التي كتبتها أيضا في تلك الفترة، والتي ولدت في حضن الطبيعة، وتلك السعادة الشاعرية الفيريولونية، والغبطة المتصلة، التي كنت استشعرها دوما، في حضن الريف الإيطالي، والطبيعة. غبطة ماسوكية، واستعراضية وجنسية، لا تخشى أن تمارس عاداتها السرية على العشب، وسط أشجار التوت البري، وأعراش الكروم والزهور، التي تتفرس فيها أصفي عينين في العالم، لروح لا تخاف ابدا، أن تكشف هكذا علنا عن ذاتها.

هذه القصائد، صدرت في ديوان بعنوان "عندليب الكنيسة الكاثوليكية"، وما زلت ولحد الآن، أسمع موسيقاها العذبة التي تشجيني، وتشدني الى تلك الأيام التي عشتها في الريف  - وطن العواصف وأشجار الزهور - وتجعلها  هكذا ، تتردد في أعماق روحي، وتسحرني،

لقد كان هذا العالم الذي عشته في حضن الريف،

أقرب مايكون الى قطعة من الشرق

قطعة تقع على حدود البرجوازية الصغيرة في النمسا

لكني هربت مع أمي من هذا العالم، بعد أن حملنا معنا حقيبة أفراح، مليئة بالذكريات، السعيدة، وركبنا قطارا، كان يسير ببطء جدا، كما لو كان قطارا مخصصا لنقل البضائع، وعندما تطلعت من النافذة، كان السهل الطبيعي في فيوريولان، مغطى بطبقة خفيفة من الثلج المتجمد.

كان القطار يسير بإتجاه روما،

بعد أن هجرنا  هكذ أبي، بجوار مقلاة  للفقراء،

وهربنا منه بجلدنا،

تركناه - ضابط المدفعية - هكذا مع معطفه العسكري القديم،

تركناه نهبا لتلك الحمى الانفصامية، المستعرّة في جسده،

بسبب مرض الكبد، والإدمان على الشرب.

تركناه لنوبات غضبه الهيستيرية المرعبة ،

أجل لقد عشت هذه الصفحة المرعبة،  و الوحيدة،

في رواية حياتي، من خلال علاقتي بأبي،

وعشت في بقية كل صفحات رواية حياتي، في قلب قصيدة غنائية، مثل كل الممسوسين،

كما كنت أحمل، داخل ذات الحقيبة الوحيدة، التي جلبناها معنا في رحلتنا الى العاصمة روما، مجموعة من الوثائق،

من ضمنها روايتي الأولى،

وكان فيلم "سارق الدراجة" قد خرج آنذاك للعرض التجاري، ليكتشف فيه الأدباء والمثقفون إيطاليا، لا علاقة لي بالمثقفين الآن، أنا حاليا أتجنبهم، وليس لدي أية علاقة بهم، أو بصحافتهم، وجوائزهم.

- وصلت مع أمي الى روما.

وبمساعدة خالي الطيب، الذي منحني قليلا من دمه، وكان إنسانا جميلا :

كنت أعيش في روما مثل إنسان، محكوم عليه بالإعدام ، وكنت أفكر في تلك الظروف الصعبة التي نعيشها، ظروف إيطاليا بعد الحرب، وسط البؤس والفقر والمرض والبطالة، والإحساس بالمرارة والعار،

حتى أن أمي، عملت في روما، قي ذلك الوقت، ولبعض الوقت، كخادمة، ولن أستطيع أبدا أن أنسى ذلك في حياتي، ولن أستطيع ابدا أيضا أن أبرأ من ألمه .. لن أشفى منه ابدا

لماذا؟

لأنني أنا أيضا برجوازي صغير، ولأنني لا أستطيع أيضا أن أبتسم مثل موتزارت.

وقد حاولت بالفعل في أحد أفلامي، فيلم "طيور صغيرة وطيور كبيرة" ، أن أصنع فيلما كوميديا، تتحقق معه، أعلى طموحات الكاتب الأديب، لكني لم أنجح إلا جزئيا،  ذلك لأني برجوازي صغير، وأميل الى المبالغة،

في كل شييء.

- تسألني كيف أصبحت ماركسيا ؟

حسنا،

كنت أتجول بين زهور الربيع الصغيرة، البيضاء والزرقاء، وتلك الزهور التي تنبت مباشرة بعد الربيع، وقبل أن تفترش الزهور، أشجار الكاسيا، وتكون لها رائحة مثل رائحة الجلد، الذي يتحلل في حر الشمس الرائع، في أجمل مواسم العام، هناك ، في بلد أمي، حفرت إسمي، على ضفاف البرك الصغيرة، التي كان أبناء الفلاحين الصغار الأبرياء يسبحون فيها، ويعيشون حياتهم بالفطرة، ولا يكترثون لأي شيء، وكأن أمر مستقبلهم لا يعنيهم، في حين كنت أعتقد أنهم يعرفون تماما، ماذا يفعلون بأنفسهم، وواعين بذواتهم.

كتبت قصائد ديوان  "بلبل الكنيسة الكاثوليكي" عام 1943، وفجأة في العام التالي،

في عام 1944 تغير كل شييء،

كان أبناء الفلاحين، الأكبر سنا قليلا، الذين ربطوا المناديل الحمراء، حول أعناقهم، يسيرون باتجاه البلدية، التي فتح لهم عمدة البلدة، أبواب قصورها الصغيرة الفينيسية لاستقبالهم، وعندئذ فقط، أدركت أن أبناء الفلاحين كانوا الأجراء، وأن هناك أجراء وأصحاب عمل،

ووجدتني أقف في معسكر الأجراء، وليس في معسكر أصحاب العمل، وأقرأ لكارل ماركس.

- كم هي كبيرة حقا

روحانيتك يا أمريكا..

أحب الشاعر الأمريكي جنسبرغ، لقد مضى وقت طويل على آخر مرة،  قرأت فيها أشعارا لصديق شاعر،

أتذكر أن آخر مرة قرأت فيها أشعارا، كانت في تلك البلدة، التي حكيت لكم عنها، بلدة العواصف وزهور الربيع، قرية أمي التي قرأت فيها أناشيد الشعراء اليونانيين ، من أمثال الشاعر توماسيو، وماتشادو،

لا يوجد فنان حر، في أي بلد

الفنان يعني "المعارضة" الحية،

الفنان هو "الرفض" الحي.

ولذلك، تم اقتياد الشاعر الأمريكي العظيم عذرا باوند الى الحبس، ووضعوا الشاعر سنيافسكي خلف القضبان، ودانيال، ولذلك أيضا أثار السيد دانيال الذعر في كل مكان، وحتى في روسيا، على ما أعتقد، بسبب فضائحه..

- أما عن نفسي

أقول أني كنت بريئا، وكنت أفكر، ومشغولا دوما بجمال ذلك النهر، الذي كانت مياهه الزرقاء الصافية، تجري بين ممرات الرمال، تحت سفوح الجبال، تجري تحت شمس والدي البريئين، وحيوات أخرى مختلفة، يتم تأويلها، وتفسيرها، بشكل مغاير، ليست حياة الأحلام،  إذا لم تكن حياتنا سوى ظلا، لحياتنا الحقيقية، التي لا نعرفها.

في روما عام 1950، ونحن الآن في عام 1966،

لم يكن لدي ما أفعله سوى العمل، والعمل بتوحش ضاري، والمعاناة والألم، حيث عملت مدرسا، في إحدى المدارس الخاصة، بعد سنوات من البطالة، والعذاب، وكنت أتقاضى مرتبا، لايزيد عن 27 دولارا في الشهر،

وأثناء ذلك لحق بنا أبي في روما،

أبي الذي لم نتحدث معه أبدا، عن عملية هروبنا أمي وأنا، الى روما، وكيف تمت..

- سكنت  مع أمي في روما في بيت بلا سقف، وحيطان عارية. بيت من بيوتات الفقراء، في الصيف كنت تجد الأرض مغطاة بطبقة كثيفة من الأتربة، وفي الشتاء، كان البيت يتحول الى مستنقع من المياه، بسبب المطر.

لكن، هكذا كانت إيطاليا، في ذلك الوقت، بعيالها، ونسائها، و بـ "عطور البنفسج، وتلك الروائح، التي تتصاعد من حساء الأسر الفقيرة"، وبمنظر غروب الشمس فوق الساحات، التي يتراكم فيها الوسخ والقاذورات،

وعن نفسي

كنت احلم حلم الشعراء الكبار، لأني كنت أعرف أنك في الشعر، ستجد دوما حلولا لكل شيء، وكان يبدو لي، كما لو أن إيطاليا، لن ينصلح حالها، إلا إذا كتبت عن قدر إيطاليا ووصفتها في أشعاري، وكأن قدرها، كان يعتمد على ما أكتب، في هذه القصائد الخارجة لتوها من واقعية الآني - الآن وفي اللحظة - وقد تخلصت من كل مشاعر "الحنين" الماضوية، هذا القصائد التي جنيتها في الحال بعرقي، ولم تكن هناك أهمية مطلقا، لكل ما جنيت من ثقافة، وحب.

وقد مرت علي أيام كنت فيها مفلسا جدا، حتى لم يكن لدي في جيبي، حتى مائة ليرة فقط، لكي أدفعها أجرة لحلاقة شعري، وكانت أوضاعي المالية والاقتصادية المجنونة وغير المستقرة في تلك الفترة، وأوضاعي من عدة نواحي، تشبه أوضاع سكان البيئة التي عشت فيها معهم ووسطه. ولذلك توطدت بيننا أواصر الأخوة الإنسانية. كنا أخوة بالفعل، وهذا هو السبب الذي جعلني أقدر ظروفهم، وأفهمهم بشكل جيد بالفعل. وأحيلكم هنا، للتأكد من هذا الأمر، وفهم رواياتي، الى المقدمة التي كتبها عالم الأجناس أوسكار لويس لروايته المسجلة، فهو يقول فيها أيضا كل ما يتعلق برواياتي.

- البرجوازية الإيطالية، تستطيع أن تكون أيضا برجوازية "عنصرية"، لكن أعتقد أنه، لم تتح لها الفرصة بعد. وأظن أني بأقل القليل، استطعت برواياتي تحريضها على الكشف عن وجهها العنصري البغيض، حين كتبت فيها عن تلك المشاعر، المرعبة حقا، التي يمكن أن يشعر معها الإنسان الإيطالي، بسبب التمييز، ، بأنه "زنجي" أمريكي أسود من شيكاغو، وأنه مجرد شيء. شيء أصبح أنا معه، شيء  "خاص" جدا.

هذا الشيء، استطعت أنا أن أخفيه داخلي، حملته بين جدران معدتي، وداخل أحشائي،  فتحول بمرور الوقت الى "قرحة"، مؤلمة ومرعبة، كادت أن تودي بحياتي.

ويالها من ضربة "أيه برجوازية" قاصمة حقا، لذلك الحلم المستمر، حلمي الجميل، الذي كنت أحلمه في شبابي. إن البرجوازية الإيطالية، حولي، هي عصابة من السفاحين والقتلة، ولذلك لا أتوقع أن يكون هناك ترحيبا أكبر برواياتي وأعمالي في أمريكا من قبل البرجوازية الأمريكية.

في عالم الرأسمال،

تتحول الحياة الى رهان، إما أن تكسبه، أو تخسره،

وهذا هو واقع "الظرف الإنساني" في إطار العلمانية البرجوازية، ومن لا يقبل بشروط هذا الظرف وقوانينه، سوف تنتهي حياته، بأسوأ الطرق.

أصدقائي الأعزاء في أمريكا من المسالمين، أنتم يامن تشكلون الأغلبية المفكرة، دعوني أقول لكم أن ربكم إنسان غبي، مثل أغلبية المواطنين الأمريكيين، من الطبقة الوسطى، الذين لا يحلمون، إلا بأن يكونوا مثل بقية الناس.

أفيقوا الى ضمائركم، حاسبوا أنفسكم،

ومن لن يذرف منكم، دمعة ندم واحدة ، فهو خنزير.

أنا لم أكتب إلا قصيدة واحدة، وضعت فيها سيرتي الشخصية والأدبية المكتبية- بيو بيبليوغرافيك -  ولنعد الآن الى موضوع الشعر.

لقد كتبت روايتين ، رواية "راجاتسا دي فيتا" و رواية "حياة عنيفة"، واستطعت بالروايتين، أن أطلق وحش الكراهية الإيطالية وعنصريتها البغيضة من عقاله. كتبت الروايتين في فترة الخمسينيات، وصدر لي في نفس الفترة 3 دواوين شعرية هي : "رماد جرامشي" و "دين زمني" و "قصائد على شكل وردة ". وأعتبر أن قضية "الالتزام" في الأدب، صارت ألآن صارت قضية "حتمية"، واليوم، أكثر من أي وقت مضى.

فلم يعد الالتزام في الأدب فقط ، ولكن الالتزام أيضا في الحياة .

يجب أن نقاوم، بالفضيحة،

بالغضب،

ولا نقبل بأن نساق مثل البهائم الى السلخانات.

يجب أن نصرخ لنعلن وبقوة عن احتقارنا للبرجوازية،

احتقارنا لسوقيتها المبتذلة،

وأن نبصق على هذا اللاواقع، الذي اختارته لنا بمعرفتها، وعلى أساس أنه الواقع الوحيد،

ودعونا لا نتخلي عن كلمة واحدة، أو فعل ما، من أجل إعلان كراهيتنا المطلقة والشاملة تجاهها، وكراهيتنا لشرطتها،

وكراهيتنا لمحاكمها وقضاتها،

وتليفزيوناتها،

وكراهيتنا لصحفها،

وهنا، دعوني أعلن هنا،

أنا البرجوازي الصغير، الذي يبالغ في كل شيء،

والذي ربته أمه، بروح أخلاقيات الريفيين، الوديعة البسيطة الحلوة، لكي يكون مهذبا ومؤدبا، ويعرف معنى الحياء، وكيف يتعامل مع الناس،

دعوني أكيل الثناء للقذارة، وأمدح في البؤس،

والمخدرات،

والإنتحار،

أنا الشاعر الماركسي المميز،

الذي يملك م افيه الكفاية، من وسائل وأسلحة أيديولوجية، لكي يناضل،

وما فيه  الكفاية، من قناعات اخلاقية، لكي يدين وبشكل واضح  الفضيحة،

أنا الذي أعتقد أنني إنسان خيّر،

أكتب قصيدة المدح هذه،

لأن المخدرات،

والرعب، والغضب،

والإنتحار،

تمثل مع الدين، الأمل الوحيد الباقي،

في شكل معارضة، وعمل صرف،

يمكن أن نقيس به ظلم العالم، وأخطائه،

وليس من الضروري، أن يكون هناك ضحية، لكي تتكلم وتدين،

-بعد ذلك،

في عام 1960

أخرجت فيلمي الأول،  "آكاتون" - وتعني المتسول .

تسألني لماذا انتقلت من الأدب الى السينما ؟

سؤال متوقع وحتمي، من ضمن الاسئلة التي عادة ما تطرح عليّ، خلال اللقاءات الصحفية التي تجرى معي،

في العادة كنت أجيب هكذا على السؤال،

انتقلت من الأدب الى السينما رغبة مني، في تغيير تقنية ما، بتقنية بديلة، أو تقنيات جديدة.

من تقنية الكتابة الفن، الى تقنية السينما الفن.

كنت بحاجة الى تقنية أو تقنيات جديدة ومغايرة، للحديث أيضا عن أشياء جديدة،

أو ربما عكس ذلك، أعني الحديث ربما أيضا، الحديث عن نفس الأشياء، التي كنت أتحدث عنها في أعمالي الأدبية، ولكن الحديث عنها بتقنيات مختلفة، بما يتفق مع المتغيرات المتصلة بأفكاري وقناعاتي، والقضايا التي تشغلني، كمن به مس، وعادة ما كنت أرد على السؤال بتلك الإجابة التي لم اكن أرضي عنها إلا نصف رضا، لأني اكتشفت أن الامر لا يتعلق بالانتقال من تقنية الى تقنية أخرى، من تقنية أدبية، الى تقنية سينمائية، بل يعني الانتقال من لغة الى لغة أخرى، من لغة الأدب الى لغة السينما، آخر، فن السينما، وكنت في إجابتي على السؤال، أتحدث عن تلك الأسباب الغامضة، التي تتحكم في هذا الاختيار، أعني الانتقال من الأدب الى السينما، وكان أهم تلك الأسباب، رغبتي في التخلي عن جنسيتي الإيطالية.

هذه الرغبة التي أعلنت عنها ، بغضب وهيجان، في العديد من المناسبات، حتى أهجر اللغة الإيطالية تدريجيا، ومعها الكتابة باللغة الإيطالية، وبالتالي الأدب، وأسقط عني هكذا الجنسية الإيطالية،

وكنت أريد أن أقول بذلك،

أنني أريد أن أدير ظهري،

لأصولي الإيطالية البرجوازية الصغيرة، و

كل تلك الأشياء التي جعلت مني إيطاليا،

ولم أكن أيضا صريحا في إجابتي على السؤال،

لأن السينما ليست "تجربة لغوية" فقط،

 بل هي، وعلى اعتبار أنها أيضا "بحث في اللغة"،

هي "تجربة فلسفية" أيضا..

- ما أسمك ؟

سألته.

ماذا تفعل هنا؟

هل سترقص؟

هل لك صديقة صغيرة ؟

هل أنت سعيد بمرتبك

وهل تكسب ما يكفيك؟

هكذا كنت أخاطب الفتى الشاب، وأنا أستشعر جذوة هذا الدافع الجنسي الحيوي الخلاق، يستحوذ على كل كياني، ويجعلني أعود، الى ذكريات الصيف الحارة في الريف، والنوم في الظهيرة، والاسترخاء، بعد شرب زجاجة كوكا كولا، مثل سمكة خشنة.

ثم السؤال من جديد،

هل شاهدت فيلمي "إنجيل متى"؟

هل رأيت وجوه الممثلين في الفيلم؟

لم يكن من الممكن أن أخطئ أبدا في اختيار الوجوه،

فقد تعلمت من خلال ممارسة الإخراج السينمائي، أننا عندما نبدأ في التصوير، هناك قرارات حاسمة وقاطعة، يجب على المخرج اتخاذها في زمن قصير، لا يتعدي الدقيقتين أحيانا، ومن دون تردد.

ولم يكن من الممكن أن أخطئ أبدا في ما يتعلق باختيار وجوه الممثلين في الفيلم، فقد كانت غريزة الحياة الشبقية الشهوانية داخلي- "الليبيدو" - بالإضافة الى خجلي، تلزمني بمعرفة أشباهي، الذين كنت أتعرف عليهم من الوهلة الأولى.

- كنت أحكي لكم عن هذه الأشياء،

بأسلوب غير شعري، حتى لا تقرأوني كما تقرأون لشاعر،

فقط الحب وحده،  الذي أحمله لهذه اللغة، لغة الـ"لا أنا"،  هو الذي يمنح الشاعر قدرته وحيويته، وتميزه،

غير أن مهنة الشاعر، كشاعر ، لم تعد - وبمرور الوقت ذات أهمية تذكر،

حتى ليتساءل المرء، هل من الضروري بالفعل، إدخال هذه اللغة الحية ، على لغة تقليدية، حتى تعود للشعر حيويته، وتحريك ما هو حي بالفعل عند القارئ، وبعثه من جديد؟

ألم يعد بوسع القارئ إذن أن يتحاور مع الواقع؟

- فوق تلك التلال البائسة - مثل مقابر بلا زهور - في الريف

كنا نناضل ضد الفاشيين والألمان،

وكما ذكرت، فقد أخي في سنواته الـ19 مثل صقر، تعلم كيف يحلق بالكاد، صقر أحسن التحليق،

لا أريد أن أعود الى تلك التلال الريفية البائسة،

لا أريد أن أعود إليها كسائح أو زائر يريد أن يزور المقابر،

أعلم أني تعلمت في الريف تمردي كشاب، وربما كنت تعلمت هناك أيضا أخلاقياتي، وكيف أكون صاحب كرامة،

لا أريد أن أعود الى هذا الأماكن، التي ما زالت موجودة لكنها، ظلت خفية، مثل ألغاز.

- وعند هذه النقطة، أريد أن أعود الى تلك الأسباب،

لأقول أن الالتزام لا ينتهي هنا، بل يبدأ من هنا،

حيث أني أعتبر،

أن إيطاليا لم تكن أبدا كريهة في أي وقت، كما هي كريهة الآن،

وبخاصة مع خيانة المثقفين،

ومع تحريفية الحزب الشيوعي،

نعم، الشيوعي هو أيضا برجوازي ،

والبرجوازية، صارت جنس البشرية،

وربما كان الالتزام بالنضال، ضد البرجوازية والشيوعية،

لا يعني فقط ، أن تكتب،

بل يعني أيضا أن تعيش، لتجعل من ذلك النضال أيضا أسلوب حياة..

- ماذا عن أعمالي السينمائية المستقبلية"؟

حسنا،

ذات يوم، سوف يصل شاب الى بيت جميل، لأسرة غنية، مكونة من أم وأب وإبن وإبنة ، ثم نري ماذا سوف يحدث، إن لم تكن هناك أية انتقادات، موجهة الى الدولة التي يقع بها ذلك البيت، كما لو كانت، هذه الدولة صورة للحياة الصافية البسيطة بلا مشاكل. وهناك خادمة من الريف، تعيش مع الأسرة، وتنتمي الى طبقة البروليتاريا الرثة الفقيرة، ويصل الشاب الجميل - مثل شاب أمريكي جميل - الى البيت، فتكون الخادمة أول من يقع في حبه، فتمنحه جسدها، وتجعله يضاجعها،

ثم يقع الابن في حبه، ويترك الشاب الجميل ينام معه في غرفته، التي يحتفظ فيها الابن بلعبه عندما كان طفلا،

ثم يقع الأب بدوره في حب الشاب الجميل،

وتقع الابنة في حبه كذلك،

ثم فجأة يختفي الشاب الجميل ذات يوم،

حيث يظل الطريق الذي سلكه، واختفي في أعماقه، يظل صحراء وإلى الأبد،

ويترك الشاب الجميع ويرحل، ويترك الجميع في حيرة، في انتظار عودته.

كما يترك مسيح لا مصلوب، خادما له، وقد وقع الخادم في حيرة، وصار ضائعا، بعد ان تركه سيده.

إنها فرضية، أريد أحكي من خلالها، عن مأساة عالم مريض، وروح مريضة، العالم الذي يجمعنا معا، يجمعني وإياك،

 أنت بابتسامتك، المناهضة للشيوعية ،

وأنا، وبكل الكراهية التي أحملها في قلبي للبرجوازية.

أريد أن أقول أيضا في فيلمي - THEOREME - أن الدين، أي العلاقة المباشرة مع الرب، من خلال الخادمة التي تتحول الى قديسة قادرة على صنع المعجزات في الفيلم، مازال موجودا، في عالم ما قبل البرجوازية .

- أجل، هذه هي الأفلام التي أريد أن أصنعها في المستقبل، وتمثل ما أريد أن أكونه في المستقبل، والحاضر، والماضي،

وإسمع مني،

لا شيء يساوي الحياةـ،

ولذلك أريد ان أعيش فقط،

ولو حتى كشاعر، ولأن

الحياة تعبر أيضا عن نفسها، بنفسها،

وحيث أني أريد أن أعبر عن هذه الحياة بأمثلة،

سألقي بنفسي وجسدي إذن

في قلب النضال.

وأكرر لك هنا،

أنه لايوجد شعر، غي  حركة "الفعل الواقعي" الآن.

ودعني أعترف لك، وقبل أن أتركك،

بأني كنت أريد فقط، أن أصبح ملحنا، يعيش وسط الآلآت الموسيقية، في برج من أبراج قصر من قصور العصور الوسطى،

قصر يطل على أجمل منظر طبيعي في العالم،

ونري  الشاعر الإيطالي آريوست من عصر النهضة

في المنظر،

وهو يستمتع بجنون وفرح، بإعادة ترتيب

أشجار البلوط،

والتلال الريفية الصغيرة،

وجداول المياه والحفر،

ويلحن :

أي يقوم بهذا العمل السامي الوحيد المعبر،

ولا يمكن تعريفه - التلحين الموسيقي -

مثل حركة الواقع.

 

بازوليني. فيلموغرافيا مختصرة

- بيير باولو بازوليني  ..مخرج وكاتب سيناريو وروائي وشاعر وكاتب صحفي وناقد سينمائي ومنظّر.

- ولد في الخامس من شهر مارس 1922 في مدينة بولونيا، وقتل في الثاني من شهر نوفمبر 1975 في مدينة توتسي بالقرب من روما .إيطاليا.

- درس الأدب وتاريخ الفن في جامعة بولونيا

- بدأ عمله في السينما عام 1954 في استوديوهات" مدينة السينما" في روما، وعمل أولا كممثل كومبارس، ثم ككاتب سيناريو  وتعاون في كتابة السيناريو مع مجموعة كبيرة من المخرجين الايطاليين، وقبل أن يلتقي بالمخر  الإيطالي الكبير فيلليني، ويساعده في كتابة عدة سيناريوهات لأفلامه - فيلليني-  من ضمنها فيلمه البديع "الحياة الحلوة  لادولشي فيتا الحاصل على سعفة مهرجا " كان" الذهبية

أفلامه الوثائقية
وأخرج بازوليني  4 أفلام وثائقية هي (البحث عن موقع تصوير فيلم" إنجيل متى") 1964 و"ملاحظات لفيلم عن الهند "1968 - وملاحظات لفيلم" أورستيه إفريقيا "   1970 - و"جدران صنعاء "1971.

أفلامه الروائية الطويلة:
فيلم " الشحاذ "أو المتسول - ACCATTONE  - من إنتاج 1961

فيلم "ماما روما  "MAMA ROMA – 1962

فيلم " لاريكوتا " LA RICOTTAفيلم روائي متوسط الطول، عرض مع مجموعة أفلام متوسطة الطول من إخراج روسوليني وجان لوك جودار واوجو جريجوريتي في فيلم واحد بعنوان GAROFARO

فيلم " إنجيل متّى" - L EVANGILE SELON SAINT MATTTHIEUإنتاج   1964

فيلم " أوديب ملكا  " EDIPE ROI - 1967

فيلم " نظرية  " THEOREME – 1968

فيلم " حظيرة الخنازيرPORCHERIE- 1969

فيلم " ميديا  " MEDEE - 1970

فيلم " ديكاميرون  " DECAMERON- 1971

فيلم " حكايات كانتربري   "LES CONTES DE CANTERBURY -1972

فيلم " ألف ليلة وليلة  "LES MILLE ET UNE NUIT - 1974

فيلم " سالو أو 120 يوما في سادومSALO OU LES CENT VINGT JOURNEES DE SODOME - 1975

فاز بازوليني بالجائزة الذهبية في مهرجان لوكارنو السينمائي عن فيلمه الروائي ألأول "الشحاذ"  ، كما فاز بجائزة "الدب الفضي" في مهرجان برلين السينمائي عام 1971 عن فيلمه" ديكاميرون "، وبجائزة" الدب الذهبي"عام 1972 عن" حكايات كانتربري "