تكشف لنا قراءة الباحث اللبناني المرموق هنا لهذا السفر الضخم من الشهادات الفلسطينية المقاومة أننا مازلنا في حاجة إلى خطاب مختلف، أكثر جدّةً وابتكارًا، فلم يبقَ ممكنًا النضال للتحرير بأدوات الماضي والمفردات "الخشبيّة" بل لابد من حيويّة فكريّة متجدّدة تقارع المحتلّ بخبثه وديناميّاته وإمكاناته الفائقة والحديثة.

«رؤيتنا للتحرير» مُجاهرات معلنة لروح فلسطين

وكيف تنبض مقاومة الفلسطينيين بالحياة

جـورج كعـدي

 

صدر حديثًا الكتاب ـ المجلّد "رؤيتنا للتحرير ـ أحاديث صريحة للقادة والمفكّرين الفلسطينيين" (الأصحّ اعتماد: "مجاهرات معلنة لقادة ومثقفين فلسطينيين ملتزمين"، استنادًا إلى العنوان الأصليّ في الإنكليزية، فالعنوان المعتمد بالعربية كأنّه يشمل "جميع" القادة، و"جميع" المثقفين، ويسقط صفة الالتزام Engaged الواردة في العنوان الأصل، كما أنّ عبارة "أحاديث" لا تطابق عبارة Speak out). هذا الكتاب المهمّ أصدرته "المؤسّسة العربية للدراسات والنشر"، بيروت، بترجمة عن الإنكليزية للدكتورة ابتسام محمد الخضراء، وتعاون لتحريره، تقديمًا ومشاركةً وجمعًا لمواده، كلٌّ من الدكتور رمزي بارود (المولود في مخيّم النصيرات في قطاع غزّة، خرّيج جامعة إكستر البريطانية)، واليهوديّ المتنوّر والمناهض للصهيونيّة و"دولتها" الدكتور إيلان بابيه Pappé، الذي هجر إسرائيل ومقعده الأكاديميّ فيها عام 2006 إلى بريطانيا، حيث استقرّ فيها حتى اليوم مديرًا للمركز الأوروبي لدراسات فلسطين التابع لجامعة إكستر، وله عشرون مؤلفًا لعلّ أبرزها وأخطرها كتاب "التطهير العرقيّ في فلسطين" الذي صدرت ترجمته العربية (النافدة حتى اليوم!) لدى مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت، بترجمة مميّزة لأحمد خليفة (ليت المؤسسة الناشرة تعيد إصداره في طبعة جديدة متاحة للباحثين والجيل الحاليّ المهتم بالقضيّة الفلسطينيّة المقدّسة).

فلنعِ، بدءًا، مرامي الكتاب الذي صدر بالإنكليزية قبل ترجمته إلى العربية، وعنوانه الأصليّ"Our Vision For Liberation: Engaged Palestinian and Intellectuals Speak Outوأصدرته Clarity Press البريطانية عام 2022، وحظي عقب صدوره بتعليقات مهمّة، منها للسينمائيّ البريطاني الكبير والمؤيّد للقضيّة الفلسطينيّة كِنْ لوتشKen Loach ، قائلًا: "يستحقّ هذا الكتاب ترحابًا حارًّا. إنّه يحتفي بإنجازات الفلسطينيين، وتنوّع ثقافتهم الغنيّ. من الواضح أنّ روحهم ومقاومتهم تنبضان بالحياة".

أمّا أهداف الكتاب ومراميه فيفصح عنها رمزي بارود بتمهيد، وإيلان بابيه بمقدمة. والمشاركون في الكتاب ـ الوثيقة هم: إبراهيم عودة، الأب مانويل مسلّم، أنور مخلوف عيسى، تيري بُلاطة، جانّ تشالمرز، جمال جمعة، جوني منصور، جيهان الفرّا، حسن عبد الرحيم أبو نعمة، حمدان طه، حنين زعبي، خالدة جرّار، راجي الصوراني، رندة عبد الفتاح، ريم تلحمي، سامي عبد الرحمن العريان، سماء أبو شرار، سماح السبعاوي، سماح جبر، عوض عبد الفتّاح، غادة عقيل، غادة كرمي، فرح نابلسي، قاسم عزت علي، ليلى المراياتي، مازن قمصيّة، نورا ليستر مراد، وهنادي حلواني.
نظرًا إلى وفرة المشاركين بمداخلات ـ مجاهرات في الكتاب، وبسبب ضيق المجال، نتوقّف عند نماذج من الخلاصات التي يقترحها بعض المفكرين المناضلين في سبيل قضيتهم الفلسطينية.

حمدان طه، الباحث المستقلّ الذي شغل مناصب رسميّة في وزارة السياحة والآثار الفلسطينية، وأدار سلسلة من البحوث والحفريات الإنقاذية في فلسطين، وهو حاليًا منسق مشروع تاريخ فلسطين وتراثها، وله عدد من المؤلفات، يقوّم في مداخلته في الكتاب دور علماء الآثار الفلسطينيين في النضال من أجل التحرير. عالم الآثار الفذّ هذا نال دكتوراة في علم الآثار في جامعة برلين الحرة عام 1990، وكان عنوان رسالته "الفروق الجنائزية في فلسطين من الفترة الموستيريّة حتى بداية التحضّر"، مطبّقًا فيها منهجية التحليل الجنائزي على القطع الأثرية المكتشفة قبل مئات الحفريات الأثرية في فلسطين، بما في ذلك عيّنة من مدافن العصر البرونزي الأوسط من تلّ تعنك، في ما يُعرف بمقبرة الأطفال، والتي عُثر عليها أسفل طبقات المنازل.

ويرى أنّ دور علم الآثار يتمثّل في إعادة استنباط الماضي من أجل بناء المستقبل، وأنّ الفلسطينيين يسهمون اليوم كتابةً في سرد شامل لتاريخهم بالاعتماد على المصادر الأوّلية التي تدمج أصوات جميع الشعوب والجماعات والثقافات والأديان التي عاشت على أرض فلسطين، في تناقض صارخ مع الخيال الإقصائي الذي قدمته الرواية الاستعمارية الاستيطانية الصهيونية. ويستشهد بإنجازات المنقّب الدكتور ديمتري بارامكي، مكتشف أنقاض قصر هشام في أريحا، الذي يؤكد على أن جميع الأدلّة الأثرية والتاريخيّة تُظهر أنّ فلسطين كان يسكنها عدد من الشعوب منذ العصور الأولى للإنسان العاقل (Homo Sapiens)، وأنّ الفلسطينيين هم السكان الأصليّون لهذه الأرض، وقد عانوا ما عانوا ولا يزالون، مختتمًا مداخلته بالقول: "هذا ما يمنحنا الأمل في نضالنا من أجل التحرّر من الاحتلال الاستيطانيّ الإسرائيليّ، ومن نظام الفصل العنصري الذي أقامه الاحتلال على أرض فلسطين".

الإعلامي قاسم علي: خرّيج جامعات بير زيت ونيويورك وأُكسفورد، ومؤسس وكالة "رامتان" الفلسطينية للأنباء، وهو من بيت حانون في غزة، يرى أنّ ثمة فرصة جديدة لوسائل الإعلام لأن تغدو أداة تحرير، ففي الفترة الأخيرة من الصراع المستمرّ تحوّل الشباب الفلسطيني إلى وسائل التواصل الاجتماعي للتعبئة ضد التطهير العرقي في القدس الشرقية، وتوثيق القصف المدمرّ لغزّة المحاصرة، والتحدث عمّا يمكن أن يكون عليه مستقبل القيادة الفلسطينية، في أعقاب مقتل المناضل نزار بنات. فردود الفعل السريعة وغير المقيّدة لوسائل التواصل الاجتماعيّ تعني أنّ الشعوب في جميع أنحاء العالم باتت تسمع وتشاهد أخيرًا القصة الكاملة للقضية الفلسطينية من غير إخضاعها للرقابة، بل مجرّدة وحقيقيّة كما هي وإنسانية. ويختم بالقول: "بعد انقضاء ثلاثين عامًا على التقاطي الكاميرا لأُظهر للعالم ما كان يحدث في غزة، أصبحت لدى الفلسطينيين الآن أداة جديدة ستقود وستشكل وستغيّر طريقة سماع قصتنا والتعامل معها".

الصحافية والباحثة المستقلة سماء أبو شرار، التي تترأس "مؤسسة ماجد أبو شرار الإعلامية" في بيروت، وتشرف على الموقع الإلكتروني "شبابيك" المختصّ بتدريب الشباب الفلسطيني في المخيّمات والتجمّعات في لبنان، تخلص بعد سيرتها النضالية المفصّلة إلى "أنّ القضيّة الفلسطينيّة تستحق جهازًا إعلاميًا أفضل، ومتحدثين رسميين أكثر بلاغة من أولئك الحاضرين على المستوى الرسمي. لقد أمضينا، ولسوء الحظ، الأعوام الثلاثة والسبعين الماضية ونحن نتحدث بشكل أساسيّ مع أنفسنا. وعلاوة على ذلك، فشلنا في إنشاء خطاب إعلامي سليم وموحّد في وجه آلة دعاية إسرائيلية متطورة، فلم يجلب ذلك لقضيتنا العادلة إلاّ الكوارث. لذا نأمل من خلال عملنا مع الشباب في المخيّمات أن نبدأ عملية طويلة الأمد لتمكين اللاجئين في مجال الإعلام ليصبحوا متحدثين رسميين لشعبهم، ولقضيتهم في الشتات".

تحرير الذات أولًا وأهمية التعليم
من ناحيتها، ترى رندة عبد الفتّاح، وهي ناشطة ومحامية سابقة، ودكتورة في علم الاجتماع من جامعة ماكواري الأسترالية "أنّ التحرّر الوطني يبدأ بتحرير الذات أولًا، وهذا يتطلب معرفة تلك الذات"، مؤكدة على "أنّ الأطفال والشبّان هم في جوهر حركة التحرير الفلسطينية (...) لقد كان سرد روايتنا المضادّ لرواية المحتلّ محوريًّا في مقاومتنا الجماعية، وخاصة بين أهل الشتات، وبين المقيمين المنفيين في الغرب، ففي قلب الرواية الفلسطينية للنضال والتحرير يوجد شبّان ليسوا أشخاص داعمين فحسب، بل هم رواة قياديّون".

أما الأب مانويل مسلّم، الكاهن الكاثوليكي، والناشط السياسيّ، المولود في بيرزيت وسط الضفة الغربية، ومن أبرز ما في سيرة نضاله المستمرّ ترؤسه "الهيئة الفلسطينية المستقلة لملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين" عام 2002، فيسهم في الكتاب تحت عنوان "طوبى للمقاومين ... رؤية مسيحيّة للتحرّر"، وممّا يقول: "ربّما تخلّى العالم عنّا، ربما يكون القانون الدولي قد خذلنا. لكنّ القانون الإلهي لن يفعل (...) أيّها الفلسطينيون، ازرعوا في أرضكم، وحتى عندما تموتون دعوا قبوركم ترعى تاريخكم وتحافظ عليه، فحتى الموتى والمدفونون لهم وطن (...) وإلى مسيحيي العالم، أودّ أن أذكرهم بمقولة أسقف جنوب أفريقيا ديزموند توتو: {إذا كنتَ محايدًا في حالات الظلم، فقد اخترت أن تقف إلى جانب الظالم}. إنّه الإجرام، لأنّك تخون طهارة الفلسطينيين وبراءتهم ".

ويدعو الأكاديميّ الدكتور سامي أمين العريان، صاحب السيرة الفكرية الغنيّة والنضال الفكري المستمرّ، إلى "تفكيك المشروع الصهيوني تمهيدًا لإنهائه (...) فالقوة والضعف ليسا من الثوابت الحتمية، بل يتبدّلان على امتداد الصراع الذي يتقدم فيه المؤمنون بالرؤية، والذين يمتلكون إرادة حازمة (...). ولا يعني ذلك تقزيم دور المنخرطين في النضال الفلسطيني في الداخل، بل اندماجهم، إذ يكمل بعضهم البعض الآخر، مع إدراك أنّ جزءًا كبيرًا من النضال سيصبح عالميًا، وسيمسّ الجميع في كل مكان. وسيقود العديد من الفلسطينيين في الخارج والنشطاء من أجل القضيّة الفلسطينية في سائر أنحاء العالم هذا المسعى، وتنفيذ هذه الرؤية وخطط عملها، وسيقومون بدفعها إلى الأمام من خلال إنشاء، أو تفعيل جميع المؤسسات اللازمة لتنفيذها (...) إنّ إنهاء الظلم والعنصرية في فلسطين لن يؤدي إلى استعادة العدالة والحرية للشعب الفلسطيني فحسب، بل سينقذ اليهودية وأتباعها من العقائد العنصرية الصهيونية".

التراث والفنون والحرف الفلسطينيّة هي أيضًا من النضال، ومن أدوات التحرير، تختصرها بشكل خاص تجارب نساء عاملات في حقول متعدّدة، ومتنوّعة كالنسيج واللباس الوطنيين واللوحات التطريزيّة والأغنية والسرد التاريخي الشفويّ والسياحة الثقافية والأغنية والسينما، وسواها. وهذا كلّه تتطرّق إليه مداخلات كلٍّ من هنادي حلواني، وغادة عقيل، وجيهان الفرّا (بالاشتراك مع المطرّزة البريطانية جانّ تشالمرز) وتيري بلاّطة، وريم تلحمي، وفرح نابلسي، ولكلّ منهنّ مسيرتها النضاليّة في مجالها الخاص المنذور لخدمة القضيّة الفلسطينيّة والنضال الفلسطينيّ، من خلال صون الهويّة والتراث وتعريف العالم بالطاقات والقدرات والأصالة التاريخية التي يتمتع بها الشعب الفلسطينيّ، صونًا لإرثه من الطمس والاندثار.
ضمن فئة ثانية من النساء الفلسطينيات المناضلات، خارج موضوع التراث والفن، نقرأ مجاهرة للناشطة في مجال حقوق الإنسان خالدة جرار (مواليد نابلس 1963)، التي اعتقلتها السلطات الإسرائيلية مرارًا لفضحها جرائم الحرب التي ترتكبها إسرائيل أمام المؤسسات العالمية والمحكمة الجنائية الدولية. تكتب تحت عنوان "خلق الأمل بعيدًا عن اليأس ... كيف تقاوم وتنتصر داخل السجون الإسرائيلية": "إنّ كل حكاية صمود هي أيضًا لحظة دفاعية، صراع بين إرادة حارس السجن وكلّ ما يمثّله، وإرادة السجناء وما يمثّلونه كجماعة يمكنها، عندما تتوحّد، أن تتغلّب على الصعاب التي لا تصدّق (...) لقد استطعنا في الواقع أن نهزم أي شعور باقٍ بالدونية، بل وأن نحوّل جدران السجن إلى فرصة. عندما رأيتُ الابتسامات الجميلة على وجوه طالباتي اللاتي أكملن تعليمهنّ الثانويّ في السجن، شعرت بأن مهمّتي قد أُنجزت. الأمل في السجن مثل الزهرة التي تنمو من قلب الحجر. كذلك التعليم بالنسبة إلينا كفلسطينيين، فهو أعظم سلاح، وبه سننتصر دائمًا".

سما جبر طبيبة ومعالجة نفسيّة تعيش في القدس الشرقيّة، ولها عدد من المؤلّفات الصادرة عن دور نشر أجنبيّة بالفرنسيّة والإيطالية، تتحدّث عن علم نفس التحرير وتنمية الوعي النقدي، وتخلص بعد السيرة إلى ضرورة تكوين سياق مناسب للتفكير النفسي الفلسطيني، والتشكيك في المفهوم الغربي لاضطراب ما بعد الصدمة (Traumaواستكشاف مفاهيم مهمة، مثل الجهاد، الشهيد، التضحية، الخيانة، الشرف، الصمود، المقاومة، الوطن والتضامن، إلى مفاهيم أخرى ذات صلة بالرؤية الفلسطينية للتحرير، عادةً "أنّ العمل على إيضاح صحة الاعتبار الطبي لهذه المفاهيم وإثباتها هو إسهام في تفكيك نظم الظلم الراسخة".

الناشطة السياسيّة حنين زعبي، المناهضة لاتفاقيات أوسلو، والممثلة لحزب التجمع الوطني الديمقراطي في الكنيست الإسرائيلي طوال عقد من الزمن، والمشاركة في أسطول الحرية لغزة "مافي مرمرة"، والمتخصصة في دراسات الاتصال وعلم النفس والفلسفة في جامعتي القدس وحيفا، تكتب عن المواطنة الفلسطينية في ظلّ سياق الصهيونية الاستعمارية، راويةً سيرة عملها السياسيّ، ومختتمةً بمفهومها للتحرير، وممّا جاء فيه: "لا يكفي أن يفهم العالم حقيقة إسرائيل. ما نحتاجه أيضًا هو الانقلاب على حقيقة فلسطينية، حقيقة عدم وجود مشروع تحرّر فلسطينيّ جامع، فمثلما تحضر إسرائيل الآن بكامل حقيقتها الاستعماريّة، يُنتظر منا نحن الفلسطينيين أن نحضر بكامل حقيقتنا التحرّرية (...) إنّ ثورة الفلسطيني ليست ضد الاستعمار الخارجيّ فحسب، بل ضدّ مفاعيله الداخلية (...) هي ثورة ضدّ الحرس القديم، ضدّ تنظيمات وأحزاب وسلطة احتلال بالوكالة في رام الله، وأحزاب حكومية في الداخل، ومفاهيم سياسيّة تتحايل لكي تتعايش مع الاستعمار، فتحسّن ظروف الإنسان تحت الاستعمار، أو تحسّن شروط الاستعمار (...) إنّ النضال الفلسطيني الجديد هو أيضًا نضال لفلسطين جديدة".

التضامن الدولي:
المناضل جمال جمعة، ابن القدس وخرّيج جامعتي بير زيت في الضفة، وجامعة سيتي في لندن، الناشط طوال ثلاثة عقود في منظمات المجتمع المدني والحركات الشعبية في المجتمع الفلسطيني، يرى بحسّ واقعيّ "أن الحديث عن دولة، أو دولتين، يصبح رفاهيةً وامتيازًا سياسيًّا في ظلّ الاحتلال الكبير في الميزان لمصلحة المستعمر الذي يستخدم أحدث التقنيات لإخضاع المستعمَر وقمعه وتهجيره (...)"، مذكّرًا بالحقوق الثلاثة الأساسية لـ"حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات" وهي: "حق عودة اللاجئين الفلسطينيين الذن يشكلون 50% من الشعب الفلسطيني. إنهاء التمييز العنصري وعدم المساواة للفلسطينيين الذين يعيشون في فلسطين قبل عام 1948 (إسرائيل الآن) والذين يشكلون 12% من الشعب الفلسطيني. إنهاء احتلال الأراضي العربية، بما في ذلك مرتفعات الجولان السورية المحتلة، والذي لا يزال مستمرًّا منذ عام 1967"، عادًا أن حركة المقاطعة هذه (التي وقعت وثيقة بيانها مئة وإحدى وسبعون جماعة وهيئة فلسطينية من داخل فلسطين وخارجها) أعادت إحساس الفلسطينيين بالوحدة، ووحّدت التضامن الدولي، وزوّدت النشطاء بأدواتٍ فاعلة ومؤثّرة للتضامن، وبذلك عزّز الشعب الفلسطيني مفهوم أمميّة النضال البشريّ المستوحى من التجربة الاستثنائية لشعب جنوب أفريقيا.

المحامي المناضل راجي الصوراني، الذي اعتقلته السلطات الإسرائيلية مرارًا، وتعرّض بالمثل لمضايقات من السلطة الفلسطينية نفسها، أسهم في الكتاب بمجاهرة تحت عنوان "السعي من خلال القانون الدولي للطعن في قضيّة اللجوء الفلسطيني"، وممّا قاله: "لقد ثبتت الحجة القانونية لقضايانا من خلال مذكرات الاعتقال التي قمنا بتأمينها في جميع أنحاء العالم، والدور الذي أدّيناه في ضمان بدء المحكمة الجنائية الدولية تحقيقاتها. القانون الدولي هو وسيلة لإثبات أنّنا متساوون (...) إننا نعمل على شقّين، محاسبة إسرائيل على جرائم الاحتلال، ومحاسبة الفصائل الفلسطينية، وكأنه لا يوجد احتلال (...) نحن نعيش في حكم الغاب. نريد حكم القانون. نحن ملتزمون بالعدالة والكرامة للفلسطينيين. لن نلعب دور {الضحايا الطيبين}. ندرك أن الطريق طويل الأمد. ولكن ليس لدينا الحقّ في الاستسلام. الغد سيكون لنا".

الديبلوماسيّ الأردني حسن عبد الرحيم، المولود في فلسطين عام 1935، وخرّيج الجامعة الأميركية في بيروت، يقوم بـ"رحلة شخصية خلال مأساة فلسطين"، وهذا عنوان مداخلته، ناظرًا إلى أفق الصراع المفتوح على هذا النحو: "لا أرى أيّ علامة على أنّ إسرائيل ستتغيّر عن طيب خاطر. ولكنّ العالم والمنطقة يتغيّران حول إسرائيل. ومرّة أخرى، يشكّل الفلسطينيّون الأغلبية الساحقة في فلسطين التاريخية، ولن يغادروا أو يقبلوا القهر بعد الآن. تمامًا كما فعل مواطنو جنوب أفريقيا البيض. يواجه اليهود الإسرائيليون خيارًا، إمّا أن يظلّوا أقلّية محاصرة ومعزولة تحاول فرض إرادتها بالقوّة، أو السعي وراء مسار مختلف. ولكن إذا لم يتخذوا خيار التغيير فسيتمّ إجبارهم في النهاية بالمقاومة والضغط الدولي".

أما جوني منصور، ابن حيفا، المحاضر في التاريخ والعلوم السياسيّة والناشر لعدد من الدراسات والأوراق البحثية، فعنوان مداخلته أو مجاهرته "البحث في العدوّ ... {مدار} كحالة دراسة"، و"مدار" هو مركز أبحاث مستقلّ ومتخصّص في الشؤون الإسرائيلية مقرّه في رام الله، أنشأته عام 2000 مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين. وبعد رواية التجربة والسيرة، يشير إلى "أنّ الرواية الصهيونية الإسرائيلية تسابق الزمن لفرض نفسها كمعيار، بينما تُحرم الرواية الفلسطينية من أيّ شرعية. ومع ذلك، فإنّ الرواية الفلسطينية، على عكس الرواية الصهيونية، تخترق ببطء، وعلى نحو متعمّد، فئات مختلفة من المجتمع الإسرائيلي، وتنتشر الرواية الفلسطينية كذلك خارج حدود إسرائيل، على الرغم من أنّ عملية توعية الجمهور الإسرائيلي بها لا تزال تواجه العديد من التحدّيات، وحتى المعوّقات الضخمة، وتقع أحيانًا على آذان صمّاء".

عوض عبد الفتاح، أستاذ اللغة الإنكليزية، والصحافي، وأحد مؤسسي التجمّع الوطني الديمقراطي، والناشط الذي تعرّض للاعتقال هو وعائلته، وللملاحقات السياسيّة، يشارك في الكتاب تحت عنوان "من خطاب المواطنة إلى خطاب التحرّر وتفكيك الأبارتهايد والاستعمار"، مشدّدًا على الحاجة إلى "إطار فلسطيني مسلّح برؤية تحرّرية ديمقراطية إنسانية يشارك فيها اليهود التقدميون كحلفاء في النضال والهدف، في إطار يحشد الشعب الفلسطيني من خلال استقطاب المجموعة والشخصيات والفئات المؤمنة بحلّ الدولة الديمقراطية الواحدة، ويصوغ استراتيجية مقاومة شعبية مدنية في كل فلسطين. وإيجاد الآلية المناسبة للتواصل مع جموع اللاجئين، ومع الشخصيات والأطر الفلسطينية الفاعلة، في أميركا وأوروبا، وإعادة التواصل والترابط مع حركات التغيير في دول العالم العربي".

صوت يهوديّ مناهض للصهيونيّة تمثّله الأميركيّة نورا ليستر مراد، أستاذة الدراسات الإنسانية الدولية في جامعة فوردهام، ومؤلّفة "أستريح في ظلّي" (2018)، و"وجدتُ نفسي في فلسطين" (2020)، متزوّجة من فلسطينيّ، ولديهما ثلاث بنات أميركيّات ـ فلسطينيات. النصّ المنشور لها في هذا الكتاب تحت عنوان "مساعدة التحرير" مؤثّر وإنسانيّ، ويتمحور حول حملات المساعدات العينية والمالية بشكل خاص التي تجمعها في الولايات المتحدة للمحتاجين في فلسطين. ومع ذلك، تؤكّد على "أنّ ما يحتاج إليه الفلسطينيون حقًا هو التضامن السياسي"، إذ سمعت ذات مرة في غزة صرخة مفادها "بالله عليكم لا ترسلوا ملابس! دعوهم يتوقفوا عن إلقاء القنابل علينا!"، وتضيف "يستحقّ الفلسطينيون دعمًا ثابتًا وموثوقًا وكافيًا قبل التصعيد، وليس مساهمات فردية غير استراتيجية مدفوعة بالذنب"، وتعبّر عن إيمانها بأنّ احتمالات تقدّم التحرير الفلسطيني لا حصر لها بقدر ما هي مقنعة.

الإسهام الختاميّ في الكتاب هو لإيلان بابيه، جامع هذه المادة الضخمة، وهو من مواليد حيفا عام 1954، تخرّج في الجامعة العبريّة في القدس عام 1979، وحاز درجة الدكتوراه من جامعة أكسفورد البريطانية عام 1984، وحاضر في قسم العلوم السياسية في جامعة حيفا بين عامي 1984 و2006، ثم اضطرّ إلى مغادرة إسرائيل بسبب دعمه القضية الفلسطينية. ومنذ عام 2007، يشغل منصب مدير المركز الأوروبي لدراسات فلسطين في جامعة إكستر البريطانية. له عشرون مؤلفًا بحثيًّا. عنوان مداخلته هنا "الصراع الدولي من أجل فلسطين"، ويبدأها كاتبًا: "على مرّ السنين، وبصفتي ناشطًا في حركة التضامن الدولية من أجل فلسطين، تعلّمت ثلاثة دروس رئيسة: أولًا، أن حياة النضال من أجل القضيّة الفلسطينية هي رحلة على مسارات متوازية، وهذا صحيح بشكل خاص بالنسبة إلى يهودي إسرائيلي مثلي، رحلة واحدة هي الخروج من الصهيونية ومنطقة الراحة الخاصة بها.

ثانيًا، هي رحلة لكسب ثقة أصدقائك الفلسطينيين، والتأكيد لهم أنك داعم حقيقيّ لقضيتهم. ثالثًا، أن تحاول أخذ مواطنيك في هذه الرحلات التي قمت بها بنفسك". ويختم مداخلته بكلام بليغ ومعبّر: "كانت جزئيّة عملي المتواضع، ولا تزال، هي عدم السماح بمحو، أو تشويه، تاريخ ما حدث خلال جريمة عام 1948 ضدّ الإنسانيّة التي ارتكبتها إسرائيل بحقّ الفلسطينيين. هذا الصراع الذي لا يزال مستمرًّا حتى يومنا هذا، لأنّه، وعلى الرغم من الخطوات الهائلة التي تمّ اتخاذها لدفع الحلول نحو الأمام، فإنّ الإنكار لا يزال واسع الانتشار، بل ويستمرّ في لعب دور حاسم في الحصانة الدولية لإسرائيل. إنّ هذه الجريمة التأسيسيّة غير معترف بها من قبل الرؤساء، ورؤساء الوزارة، أو الحكومات، أو وسائل الإعلام الرئيسيّة، أو النظم السياسية بشكل عام.

إلاّ أنّ إنكارهم يُعد بمثابة حجر الأساس للتصوّرات الغربيّة حول قضيّة فلسطين. إنّه في قلب الاستثنائية التي تمنح إسرائيل الحصانة. ولكن يمكن للتضامن الدوليّ أن يلعب دوره بطريقة أكثر فاعليّة (إلى جانب دعم حركة مقاطعة إسرائيل). أمّا بالنسبة إليّ فإنّ حلمي الشخصي وأملي الذي بدأ يتجسّد وأنا أكتب هذه المقالة هو إنشاء المركز الأوّل ضدّ إنكار النكبة. هنالك المئات من المراكز التي استحدثت ضدّ إنكار الهولوكوست، وهذا أمر جيّد وواضح، إلا أن النضال الفلسطيني يحتاج، على الأقل، واحدًا ضد إنكار النكبة".

ملاحظتي الأساسية ختامًا:
بالرغم من أنّ قراءة هذا المجلّد الكبير أمر شيّق، إلاّ إنّ "التجربة الذاتية" (مع أهميتها الأكيدة وغناها وتميّزها) تطغى على "المقترح" في معظم المجاهرات والمقاربات التي يتضمّنها الكتاب القيّم، باستثناء القليل منها الذي يقدّم مقترحات عمليّة فريدة وجديدة، إذ ثمة كثير من مفردات الخطاب النضاليّ القديم والتقليديّ التي ملّتها العيون والأسماع.
لقد تبدّى لي من اطلاعي الكامل والدقيق على مضمون هذا المؤلّف الجماعيّ أننا في حاجة إلى خطاب مختلف، أكثر جدّةً وابتكارًا، وإلى منهجيّة تفكير وصوغ أكثر حداثةً وفاعليّة، وإلى مقترحات جديدة وعمليّة تحاكي روح اللحظة الراهنة. فلم يبقَ ممكنًا النضال للتحرير بأدوات الماضي والخطاب المكرور والمفردات "الخشبيّة" حيثما وجدت، وإن قليلة. تعوزنا حيويّة فكريّة متجدّدة تقارع المحتلّ بخبثه وديناميّاته وإمكاناته الفائقة والحديثة. خطابنا وفكرنا يحتاجان إلى مزيد من الاتّقاد والفاعليّة.


٭ناقد وأستاذ جامعي من لبنان.

 

عن (ضفة ثالثة)