تقدم الباحثة المغربية هنا قراءة في «الميثولوجيا الإغريقية في المسرح العربي المعاصر» عبر تلخيص أهم ما جاء فيه، ومناقشة بعض الأفكار والأطروحات التي ناقشها ودافع عنها في كتابه. وكيف استنتج بعد التحليل والنقد والمقارنة أن المسرحيين العرب استلهموا الأسطورة الإغريقية لدوافع فنية أولا ثم لدوافع سياسية تسعى إلى تتبع مسار النهضة الأوروبية.

الميثولوجيا الإغريقية في المسرح العربي المعاصر

قراءة في الفصل الأول من كتاب يونس لوليدي

نـدى ناجـي

 

إن أول ما يواجه الباحث عند تناول موضوع "الميثولوجيا الإغريقية" هو سؤال الأهمية. لماذا اهتم الكثير من المبدعين بالميثولوجيا الإغريقية؟ ولماذا دراستها أكاديميا؟ فإن كانت الميثولوجيا الإغريقية هي مجموع الحكايات التي وصلتنا عن الآلهة وعلاقاتهم ببعضهم البعض وبالبشر، والأبطال ومغامراتهم وتضحياتهم ومآسيهم، والعالم السفلي ودواليبه، لماذا الاهتمام بها دون غيرها من الحكايات والروايات؟ بين جبار (Titan) يحمل العالم على كتفيه (أطلس)، وبطل يمضي وقته في رفع حجر إلى أعلى الجبل ثم يتدحرج الحجر ليعود البطل إلى محاولة رفعه إلى الأبد (سوزيف)، بين شاب قتل أباه وتزوج أمه (أوديب)، وشابة دفعت أخاها لقتل أمها التي خانت زوجها ثم خططت لقتله رفقة عشيقها (إلكترا)، كيف يمكن إدراج الميثولوجيا الإغريقية في البحث العلمي والأكاديمي؟

إن أسئلة من هذا القبيل تعد مشروعة في عصر السرعة القائم على التكنولوجيا والرقمنة والعولمة والإنتاج الاقتصادي، لكنها تضمحل إذا ما علمنا أن أسطورة أوديب وإلكترا ساعدا في فهم مراحل تطور الطفل، وتفسير بعض تصرفاته. فالميثولوجيا الإغريقية تتميز بكونها حكايات تحاول تفسير ظواهر طبيعية واجتماعية وتحمل في طياتها مغزى، إنها عبارة عن إجابات لأسئلة وإشكاليات كانت تؤرق الإغريق في الماضي. فمنها أسئلة وجودية تهم أصل الحياة وبداية الكون والموت، ومنها إشكالات فلسفية كسؤال الخير والشر، ومنها أسئلة حول الطبيعة البشرية كالغيرة والحسد والحب والغضب وغيرها. فعند الاطلاع على الميثولوجيا الإغريقية، لا نستمتع بأحداث وشخوص الحكايات فقط، وإنما نحصل على لمحات تاريخية وومضات أنثروبولوجية عاشها الإغريق في زمن ماض؛ ونتعرف بالمناسبة نفسها على الثقافة الإغريقية وتمثلات الإغريق لذواتهم ولمحيطهم وللوجود ككل.

هذا الزخم الذي يميز الميثولوجيا الإغريقية هو ما جعلها محور دراسة للعديد من الباحثين ومصدر إلهام (Muse) لعدد من الفنانين والكتاب والروائيين. ودراسة كتاب "الميثولوجيا الإغريقية في المسرح العربي المعاصر" يدخل في هذا الإطار. فبفضل هذا الكتاب الغني معرفيا والمحبوك منهجيا والثري لغة، يمكن:

  • دراسة الميثولوجيا الإغريقية من حيث بنيتها ومكوناتها.
  • دراسة تأثير الميثولوجيا في كل من المسرح الإغريقي والغربي والعربي.
  • التعرف على العوامل الذاتية والموضوعية التي جعلت من الميثولوجيا الإغريقية مصدر إلهام للمسرحيين في العالم العربي وشمال إفريقيا.
  • دراسة مجموعة من المسرحيات العربية التي استلهمت الميثولوجيا الإغريقية وتحليل بنيتها ومقوماتها الفرجوية.

ولهذه الأسباب، فإن الكتاب يعد مرجعا أساسيا في العديد من الأطاريح والمقالات التي تعنى بالمسرح أو بالميثولوجيا الإغريقية أو بهما معا، ومن بينها نذكر:

  • بين الديستوبيا وميثولوجيا الصابئة المندائية: البناء الدرامي في "الروهة" لعبد الحليم المسعودي،آمنة الجبلاوي، الشارع المغاربي، العدد 267، 29 يونيو 2021م، ص: 24.
  • دراسة: بين نظريات القراءة وفلسفة التأصيل الدرامي عند المبدع عبد الكريم برشيد، الغزيوي بوعلي وبن المداني ليلى، موقع طنجة الأدبية، 8 ماي 2021م.

https://aladabia.net/2021/05/08/دراسة-بين-نظريات-القراءة-وفلسفة-التأص

  • الدراماتورجيا: سؤال الخانة الفارغة في النقد المسرحي المغربي، محمد أبو العلا، مجلة العربية، يوليوز 2013م، (الصيغة الرقمية)

http://www.arabicmagazine.com/arabic/articledetails.aspx?id=2830

  • الإرشادات المسرحية، د. جميل حمداوي، موقع ديوان العرب، 2011م.

https://www.diwanalarab.com/الإرشادات

  • مشروع أدونيس الفكري والإبداعي: رؤية معرفية، عبد القادر محمد مرزاق، ط1، مكتبة مؤمن قريش، المعهد الدولي للفكر الإسلامي، فيرجينيا-الولايات المتحدة الأمريكية، 2008م.
  • نحو تحليل دراماتورجي للنص الدرامي، أحمد بلخيري، ط1، مطبعة رانكو، المغرب، 2004م.
  1. الدراسات السابقة:
    وفي رغبة لسبر أغوار كتاب "الميثولوجيا الإغريقية في المسرح العربي المعاصر"، لم نتمكن من إيجاد بحوث ودراسات مخصصة له تساعدنا في التحليل والمناقشة، سوى مقالا واحدا يحمل عنوان الكتاب لصاحبه يوسف الطالبي.
  • الميثولوجيا الإغريقية في المسرح العربي المعاصر، يوسف الطالبي، مجلة الفيصل،  العدد 305، دار الفيصل الثقافية، الرياض، فبراير 2002م، صص: 108-110
  1. التأطير النظري:

"إن الميثولوجيا الإغريقية لغة متكاملة من الرموز، تنعكس عليها هموم الإنسان ومشاغله، سواء ما تعلق منها بالدنيوي أو بالخالد أو بالمطلق. إنها انفتاح على المقدس، ومدخل إلى الحقيقة، وإلى الكائن." (صص: 83-84).

  1. الكاتب:

كتاب "الميثولوجيا الإغريقية في المسرح العربي المعاصر" من تأليف يونس لوليدي، وهو باحث مسرحي وأستاذ جامعي بالجامعة المغربية سيدي محمد بن عبد الله بفاس بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز حيث يدرس مادتي الترجمة والمسرح، ومنسق ماستر "تحالف الحضارات وحوار الديانات"، كما أنه عضو بمختبر "الدراسات الأدبية واللسانية وعلوم الإعلام والتواصل" بكلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس- فاس.

له أعمال عديدة من بينها:

  • "الأسطورة بين الثقافة الغربية والثقافة الإسلامية" (1996م)
  • "الميثولوجيا الإغريقية في المسرح العربي المعاصر" (1998م)
  •  "المسرح والمدينة: من مسرح التراث إلى مسرح المقدس" (2006م)

"مسارات القراءة في الأدب المغربي المعاصر" (ط1 2006 م، ط2 2020 م)

  1. تصميم الكتاب:
    الميثولوجيا الإغريقية في المسرح العربي المعاصر كتاب أصدره الدكتور يونس لوليدي سنة 1998م، مازج فيه بين مجالين بحثيين عشقهما وقدم فيهما إسهامات عديدة: الميثولوجيا والمسرح. وهو مكون من مقدمة وخاتمة وثلاث فصول مقسمة على الشكل التالي:

الفصل الأول يحمل عنوان: "علاقة الأسطورة الإغريقية بالمسرح" وهو مكون من أربعة محاور: المحور الأول يناقش "طبيعة الأسطورة الإغريقية" ومكوناتها، بينما يتباحث المحور الثاني التلاقح الحاصل بين "الأسطورة الإغريقية والمسرح الإغريقي" وكيفية استلهام التراجيدي الإغريقي للأسطورة ولشخوصها وأحداثها. والمحور الثالث يزاوج بين "الأسطورة الإغريقية والمسرح الغربي" ويتباحث سبل دخول الأسطورة للمسرح الغربي، وتأثيرها، وهو نفس ما ذهب إليه المحور الرابع الذي هم "الأسطورة الإغريقية والمسرح العربي".

أما الفصل الثاني فقد عنونه ب"علاقة المسرحية ذات البناء الأسطوري بالواقع" حيث تناول الكاتب في المحور الأول للفصل مسرحية "بيجماليون" و"الملك أوديب" لتوفيق الحكيم ومسرحية "أمومة" لعلي عقلة عرسان للنظر إلى "المسرحية ذات البناء الأسطوري المنفصل عن الواقع"، ولتدارس "المسرحية ذات البناء المتصل بالواقع" في المحور الثاني، فقد اختار كل من مسرحية "أوديب" لوليد إخلاصي ومسرحية "الحداد يليق بأنتيجون" لرياض عصمت، قبل أن ينتقل في المحور الثالث إلى "المسرحية التي يمزج بناؤها بين الأسطورة والواقع" من خلال مسرحية "إليكلترا الجديدة" لحسن حمادة، ومسرحة "عودة البصر للضيف الأعمى" لأحمد عثمان ومسرحية "بروميثيوس 91 أو بغداديات" لمحمد الكغاط.

وأما الفصل الثالث والأخير فيعنى ب"مقومات الفرجة في المسرحية ذات البناء الأسطوري" وقسمه الأستاذ الباحث إلى محورين، الأول ينظر إلى "المسرحية ذات البناء الأسطوري بين القراءة والعرض" والثاني يتباحث "عناصر الفرجة في المسرحية ذا البناء الأسطوري من خلال الإرشادات المسرحية" والتي حددها في كل من: أسماء الشخصيات والفضاء الدرامي، والديكور والتوابع المسرحية، والإضاءة والأزياء، والموسيقى والرقص والأصوات الاصطناعي.

هذا وقد اعتمد الأستاذ الباحث في كتابه على مراجع غنية ليس على المستوى المعرفي فقط، باستحضاره لمجموعة من الأسماء البارزة من قبيل "توفيق الحكيم" و"أرتو Artaud" و"ميرسيا إلياد Mircea Eliade" و"جيل جراردGilles Gerard  " وإنما على المستوى اللغوي كذلك، وذلك باعتماده على كتب ومجلات ودوريات باللغة العربية والفرنسية.

ولعل الخلل الوحيد الذي يواجه القارئ من حيث الشكل، يتجلى في اقتصار الفهرس على تقديم تصميم الكتاب دون توفير رقم الصفحات وهو سهو يتحمل الناشر فيه المسؤولية.

منذ الفصل الأول من الكتاب، انطلق بنا يونس لوليدي في رحلة استكشافية لمختلف مكونات الأسطورة الإغريقية وخصائصها، معتبرا أن الأسطورة تقوم أساسا على ثلاث ركائز كبرى هي الآلهة والأبطال والكون. ليدخل بنا إلى عوالم الآلهة، ويقيم مقارنة بين الأجناس البشرية الخمسة التي عرفتها الأسطورة الإغريقية، فالجنس الذهبي لا يشيخ ولا يعرف الألم ولا المعاناة، والجنس الفضي كان أقل نبلا وأكثر معصية، والجنس النحاسي محارب، يحيى بالمعارك ويموت بها. أما جنس الحديد، فهو جنس يعيش الحياة كما نعرفها، بآلامها وأمراضها، بإكراهاتها وهمومها، إنه جنس تداخل فيه مفهوم الخير والشر، جنس عرف الشيخوخة والموت، وعرف المرأة باعتبارها وسيلة للإخصاب. ثم هناك جنس خامس يسبق جنس الحديد في الترتيب وهو الجنس الوحيد الذي لم يقرن بأي معدن، ويتعلق الأمر بجنس الأبطال. والأبطال مقاتلون، مغامرون، منحدرون من الآلهة، يموتون بطريقة مأساوية عنيفة إما في مبارزة أو معركة، أو عن طريق الخيانة. يقول الدكتور يونس لوليدي بخصوص الأبطال: "إن البطل في الميثولوجيا الإغريقية، لا يحقق المستحيل لأنه بطل، وإنما هو بطل لأنه يحقق المستحيل. إن ما يقوم به البطل من أعمال خارقة ليس نتيجة فضيلة شخصية، وإنما هو علامة لهبة إلهية، إنها مساعدة خارقة للعادة" (ص: 22).

إن صفحات الكتاب، تشي ليس فقط بعمق تحليل الدكتور يونس لوليدي وخبرته المسرحية، وإنما كذلك بعشقه للميثولوجيا  - وقربه من الإغريقية منها - وقدرته على سبر أغوارها وتفكيك رموزها وتذوقها. يقول: "إن الأسطورة الإغريقية ترسم صورة، ورمزا، وحقيقة على شكل حكاية. (...) وبفضل هذه الأسطورة، فقد المقدس جوانبه المرعبة، وانفتح جانب من الروح على الفكر." (ص: 26)

وفي السياق نفسه، المتعلق بالمقدس، وبالآلهة، وبالعلاقة البشرية معها، فقد أقام الدكتور مقارنة بين الأسطورة الإغريقية وغيرها من الأساطير، مبينا أن الأسطورة الإغريقية تتميز بأنسنتها لعالم الآلهة، بعيدا عن الرعب والخوف الذي يسيطر على باقي الميثولوجيات، فالفكر الإغريقي حسبه "كان يسعى إلى تحرير العالم من تلك الفكرة الرهيبة القائمة على أساس أن كل ما هو غير إنساني، يتحكم بالضرورة في كل ما هو إنساني" (ص: 30)

بعد متعة التعرف على الأسطورة الإغريقية والتقرب منها، تأخذنا صفحات الكتاب إلى رحلة استكشافية موازية، رحلة للتعرف على المسرح الإغريقي وتوظيف التراجيديين الإغريق للأسطورة وكيف أن الإبداع لديهم يتجلى في الحفاظ على نواة الأسطورة واستلهام حدث معين ثم التلاعب بالشخوص، حيث يصبح البطل الأسطوري إنسانا معقدا، مرتبكا، مضطربا، متناقضا. ليعرف القارئ على ثلاث أسماء كبرى هي "إسخيلوس" و"سوفوكليس" و"يوربيدس"، ويقربه من كتاباتهم وخصائصها، عاقدا في الآن نفسه مقارنة بين الثلاثة، ومقدما تحليلا ذو بعد سوسيولوجي وسياسي ونفسي لمسار كل منهم وطريقة تناوله للأسطورة وللمكانة التي أعطاها للآلهة. ليستخلص من خلال قراءته الناقدة لأعمالهم والاطلاع عن مجموعة مهمة من البحوث التي تصب في الاتجاه نفسه "أن الأسطورة الإغريقية كانت تمنح الشاعر التراجيدي الإغريقي حرية اختيار المواضيع والأحداث والشخصيات، كما أنها تمكنه من الإبداع ومن إعطاء التأويلات الخاصة. والأسطورة نفسها عندما يستلهمها أكثر من شاعر، وتخضع لأكثر من تفسير وتأويل، فإنها تعكس التطور الذهني والأخلاقي السريع الذي تعرفه الأجيال المتلاحقة.

لينتقل من جو المسرح الإغريقي نحو المسرح الغربي، ليدرس تأثر المسرحيين الغربيين بالأسطورة الإغريقية، ومختلف طرق استلهامهم لحكايات الأساطير الإغريقية أحداثا وأبطالا وآلهة وتفاعل الأسطورة الإغريقية الناسوتية بتصوراتهم المسيحية، فلدى روبير جاريني Robert Garnier   تصبح اللعنة التي أصابت أوديب لعنة سابقة لميلاده، ويضحى أوديب لدى كورني Corneille  تمثلا للمسيح المخلص، أما جان كوكتوJean Cocteau  فقد حافظ على فكرة تحكم الآلهة في مصير الإنسان لكنه وضع الإنسان في القرن العشرين، بينما عمل يايا كوناتيYaya Konate  على التدخل في الأسطورة لتناسب واقع الحياة الإفريقية حيث استبدل الطاعون بالمجاعة، للتعبير عن المجاعة التي تصيب الإنسان الإفريقي بفعل استغلال الأغنياء للشباب. وهكذا فقد عمل الدكتور يونس لوليدي على اقتفاء أثر الأسطورة الإغريقية في المسرح الغربي، من المسرح الفرنسي الذي يعتبر كتابه الأكثر استلهاما للأسطورة، إلى المسرح الألماني والإيطالي وغيره، متنقلا من عصر إلى عصر ومن واقع تاريخي وسياسي إلى آخر، ومن الكتابات التقليدية الدينية إلى الكتابات الحداثية المجددة، محللا الأبعاد النفسية والتاريخية والسياسية المتدخلة في كل مسرحية على حدة من جهة ومبرزا الاختيارات الفنية وحمولاتها ودلالاتها وأبعادها من جهة أخرى. مقدما للقارئ موسوعة تاريخية نقدية لمختلف المسرحيات الغربية التي استلهمت الأسطورة الإغريقية ومن بين ما قام بتحليله ونقده ودراسته نجد:

  • La thébaide ou les fréres ennemis : Racine
  • Œdipe chez Admete / Œdipe à Colone : Jean-François Ducis
  • La cruche cassée : Heinrich Von Kleist
  • La machine infernale : Jean Cocteau
  • The gods are not to blame: Ola Rotimi
  • Œdipe noire ou le drame de la jeunesse : Yaya Konate
  • Oreste : Voltaire
  • Agamemnon et Oreste : Vittorio Alfieri
  • Tragédie d’Electe et d’Oreste : André Suarès
  • Elektra : Hugo Von Hofmannsthal
  • Electre / la guerre de trois n’aura pas lieu: Jean Giraudoux
  • Les mouches : Jean-Paul Sartre

مبينا أن تعامل المسرحيين الغربيين مع الأسطورة انقسم إلى شكلين: الأول يستلهم الأسطورة كما هي، ويدخل الجمهور إلى عالمها المختلف عن واقعهم. والثاني يأخذ مسافة من الموضوع الأصلي للأسطورة ويمحورها للتناسب مع قضايا إنسان العصر وواقعه.

ليخرج في دراسته بمجموعة من الملاحظات والتباينات ما بين المسرح الإغريقي والمسرح الغربي القائمين على الأسطورة من أبرزها كون المسرح الإغريقي المستلهم للأسطورة أكثر صفاء وانسجاما لكونه قائما على العقائد المشتركة في عالم ديني يمتزج فيه الإلهي بالإنساني بينما المسرح الغربي المضمن للأسطورة الإغريقية يرسم الحدود بين ما هو رباني وما هو إنساني، وينقل الصراع من الصراع بين الإنسان والآلهة كما هو الأمر في الأساطير، ليصبح الصراع بين الإنسان والإنسان، وبين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان ومحيطه وحضارته. هذه الخلافات، تمس كذلك صورة البطل التراجيدي الذي يرسمه المسرح الغربي كبطل خطاء، يحاول الفكاك من مصير محسوم، مشترك، وهو تصور يحيل على المصير المشترك للإنسانية واستحالة تحقيق فردانية المصير لدى الإنسان المعاصر. وتظل نقطة الالتقاء الأبرز بينهما حسب الدكتور يونس لوليدي هي محاولة تعرية وضع البشرية وسبر أغوار الإنسان. يقول في خلاصته: "إن الكتاب الغربيين يضحون بشكل الأسطورة الإغريقية وببنيتها العامة، بحل عقدتها، ويجعلون شخصيات الأسطورة محملة بدوافع مختلفة وآنية، ويحولون نهاية الأسطورة من كارثة منتظرة إلى حوافز جديدة." (ص: 60)

بعد تدارس المسرحيات الغربية المستلهمة للأساطير الإغريقية ومقارنتها مع المسرحيات الإغريقية انتقل الدكتور يونس لوليدي، للبحث عن الأسطورة الإغريقية داخل المسرح العربي، منطلقا من مصر التي تأثرت بأسطورة أوديب أكثر من غيرها، مقدما مسرحية "بيجماليون" لتوفيق الحكيم باعتباره أول من استلهم الأسطورة الإغريقية في مسرحياته وعلي سالم وفوزي أحمد فهمي، مرورا إلى سوريا لاتي يعتبرها الدكتور لوليدي الأكثر تعاملا مع الميثولوجيا الإغريقية، من خلال مسرحية "بيجماليون" و"سارق النار" وغيرها للكاتب خليل هنداوي، وعبد الرحمان أبو قوس في مسرحية "باخوس"، ومحمد حاج حسين من خلال "نهاية بيجماليون" ورياض عصمت عبر مسرحيته "الحداد يليق بأنتيجون" ووليد إخلاصي في "أديب".

وقد خلق مقارنة في هذا السياق بين تعامل الكتاب المسرحيين الغربيين والكتاب المسرحيين العرب، حيث أشار أن كليهما عملا على نقل الأسطورة من الجو المأساوي التي تتميز به إلى جو كوميدي، آخذا أسطورة أوديب كنموذج وذلك من خلال مسرحية "La cruche cassée " (الجرة المكسورة) للألماني Heinrich Von Kleist  و مسرحية "أنت اللي قتلت الوحش" لعلي سالم. ولعل الفارق بين الغربيين والعرب، يتجلى أولا في استحضار العرب لأساطير مغمورة لم يهتم لها المسرحيين الغربيين، ومن بين ما ذكره الدكتور لوليدي نجد أسطورة لايس وفريني ومادوز. وثانيا في مزجهم بين أكثر من أسطورة واحدة في مسرحية واحدة كمسرحية "بيجماليون" لتوفيق الحكيم التي جمعت بين أسطورة بيجماليون ونرسيس وجالاتيا، ومسرحية "أساطير معاصرة" لمحمد الكغاط التي مزجت بين أسطورة أنتيجون وإليكترا.

مبرزا من خلال دراسته ونقده وتحليله أن تعامل المسرحيين العرب مع الأسطورة الإغريقية انقسم إلى شكلين: الأول يعيد صياغة الأسطورة، من خلال استحضار عناصرها وطرح فكرة جديدة أثناء إعادة الصياغة، والثاني سماه الدكتور يونس لوليدي "خلقا للأسطورة" حيث يعمل الكاتب المسرحي على حبكة موازية لحبكة الأسطورة، وقياس عناصر مسرحية على عناصر الأسطورة من شخصيات وأحداث وأمكنة ومواقف. ويصف الدكتور هذه المسألة بقوله حيث تبقى للمسرحية استقلاليتها، وتظل نقط التقاءها بالأسطورة الإغريقية متجلية في عنوان المسرحية، أو أسماء الشخصيات أو غيرها، كمسرحية "أوديب" لوليد إخلاصي.

ليخلص في نهاية تحليله لتعامل المسرحيين العرب مع الأسطورة إلى كون "الدراميين العرب في المراحل الأولى لتعاملهم مع الميثولوجيا الإغريقية، كانوا يعنون بما هو كلي ومطلق، بعيدا عن الحياة اليومية، وكانت تجذبهم القضايا الميتافيزيقية والجدلية التي لا تتصل بقضايا المجتمع العربي ولا بالسياسة المحلية، ولم يتم التحول نحو هذه القضايا ونحو الهموم العربية إلا بعد أن عرف المجتمع العربي عدة هزات سياسية، ونكسات عسكرية، وإحباطات فكرية وثقافية. (صص: 78-79).

هذا وقد عمد الدكتور لوليدي في خلاصته إلى استنباط أسباب عودة الدراميين العرب إلى الأسطورة الإغريقية، مقسما إياها إلى أسباب موضوعية وأخرى ذاتية.

 فأما الأسباب الموضوعية فقد حددها في:

  • تميز الأسطورة الإغريقية بأنسنتها للآلهة الإغريق، وتعاملها الناسوتي معهم، وذلك على خلاف التعامل اللاهوتي مع الآلهة المتواجد في غيرها من الأساطير (البابلية أو الفرعونية أو الآشورية أو غيرها).
  • كون فضاء الأسطورة الإغريقية فضاء للحرية والديمقراطية اللتان يعاني الكاتب العربي من انعدامها.
  • تركيز الأسطورة الإغريقية على الإنسان وقضاياه الإنسانية.
  • كون البطل في الأسطورة الإغريقية رمزا للثورة والتمرد، وهو ما يجعل منه الأداة الفضلى لزرع الحس الثوري في المجتمع العربي.
  • تعدد مواضيع الأسطورة الإغريقية وغناها (الحب والكراهية، الخطيئة والثواب، الوطنية والخيانة، الإخلاص والغدر.)

وأما الأسباب الذاتية فقد حددها في:

  • انبهار الدرامي العربي بالإنسان اليوناني وثقافته باعتبارها مهد الفن والفكر والعلم، ومهد قيم الحرية والفردانية والديمقراطية.
  • الاستنجاد بالميثولوجيا الإغريقية والمسرح الإغريقي باعتبارها النبع الأصلي للمسرح وذلك بهدف ترسيخ دعائم المسرح في الثقافية العربية التي لم تعرف المسرح إلا في سنوات متأخرة.

ليستنتج بعد التحليل والنقد والمقارنة أن المسرحيين العرب استلهموا الأسطورة الإغريقية لدوافع فنية أولا ثم لدوافع سياسية تسعى إلى تتبع مسار النهضة الأوروبية. يقول: "إن الكتاب المسرحيين العرب قد عاشوا، ولازالوا يعيشون، في واقع عربي متخلف ومقهور، تسعى فيه الشعوب العربية إلى تحقيق الحرية والعدالة بعيدا عن القمع، والإحباط، وخيبة الأمل. (...)" (ص:82). فالكاتب المسرحي العربي حسب الدكتور لوليدي " (...) يختبئ وراء شخصيات الميثولوجيا الإغريقية ليقول بشكل غير مباشر ما لا يستطيع قوله بشكل مباشر، وليقول تلميحا ما لا يستطيع قوله تصريحا" (ص: 83)

  1. خلاصة:
    يمكن اعتبار كتاب "الميثولوجيا الإغريقية في المسرح العربي المعاصر" موسوعة توثيقية تاريخية لمسار تأثر كل من المسرح الإغريقي والغربي والعربي بالميثولوجيا الإغريقية، كما أنه كتاب نقدي عمد فيه الكاتب على نقد وتحليل مختلف أعلام المسرح الإغريقي والغربي والعربي، وذلك من الناحية السياسية والنفسية والفنية الدراماتورجية، فبلغة عربية جمعت بين الفصاحة والجمالية وسهولة الفهم يتمكن الكاتب ليس فقط من إيصال فكره والتعريف بالمسرحيين وكتاباتهم، وإنما كذلك من فتح شهية القراء للاطلاع على الأساطير المذكورة وحكايات أبطالها، وعلى البحث عن المسرحيات المذكورة والتمتع بفضاءاتها وشخصياتها وسيناريوهاتها، كما أنه يمكن الباحثين المهتمين بكل من الميثولوجيا والمسرح من لائحة غنية من المصادر والمراجع والدوريات، يمكن العودة إليها وتطعيم المعارف بواسطتها.

 

  • كلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس-فاس، جامعة سيدي محمد بن عبد الله

Nada.naji@usmba.ac.ma