أعطانا أبي فرصًا عديدة لموته، ومع ذلك لم نعد له مقبرة تليق بغربته الطويلة. أكثر من مرة فكرنا أنا وأخوتي أن نشتري مقبرة للعائلة. في كل مرة كنا نتأكد أن مكانًا للموت لا يقل صعوبة عن مكان للحياة، في كل مرة نجتمع، ونتكلم حول أهمية أن يكون للعائلة مقبرة. نحرق مئات السجائر، ونشرب كثيرًا من الشاي والقهوة، ننفق بسخاء كلمات حماسية، وانفعالات عاطفية، وذكريات حزينة، وفواتير تليفونية، من أجل مقبرة للعائلة.
يالها من عائلة رومانتيكية!
في أيامه الأخيرة، أبي كان يفقد شيئًا من ذاكرته كل صباح. كأنها أوراق جافة لاتستقرعلى أغصانها، تتأرجح قليلاً ثم تسقط في بحيرة راكدة. نوبات من خرف الشيخوخة تراوده وترحل كأطياف خفيفة، فتكشف في وعيه عن بؤر قديمة لحب لم ينطفيء بعد.
بدأت النوبة الأولي بعد منتصف الليل، برغبة في الرحيل. سمعته يحاول فتح باب الشقة، كانت زوجتي قد نامت فعلاً، وأنا غفوت وتركت التلفزيون يعرض صوراَ بلا صوت عن انتفاضة شباب الضواحي في فرنسا.
منذ أحضرت أبي للإقامة معي اعتدنا النوم بعين واحدة وأذن واحدة. نترك نصف حواسنا متيقظة وكأن رجلاً غريبًا يشاركنا البيت. إحساسي بالتقصير في حق أمي يدفعني لتعويضه مع أبي. لم أرغب في أن يموت أبي وأنا بعيد عنه كما ماتت أمي. لهذا نقلته للحياة معي غصبًا.
في صباح ما، استيقظت زوجتي فوجدته ممداَ على الأرض. لاحظت أن بقعة ماء كبيرة على بنطلون بيجامته، ربما خجلتْ من لمسها، لكنها شمت رائحة النشادر بوضوح، ثم نادتني.
عندما حاولتْ رفعه عن الأرض بكى وقال بعصبية: روّحوني بيتي.. أنا تعبت.
بسبب السكّر تباغته رغبة التبول في الليل مرات ومرات، يحاول أن يمشي للحمام وحده، يمشي همسًا حتى لا يحس به أحد. لكنه، كان دائما يفشل في إخفاء أرقه الليلي.
مرات يضل طريق الحمام في ظلام الصالة. مرات يتعثر في شيء ما فنشعر به، هكذا اعتدنا ترك نور الصالة مضاءًا، لكنه ـ أبداً ـ لم يتمكن من حفظ تضاريس شقتي. كانت تلك طريقته في الاحتجاج على مكان لم يحبه.
هذه المرة، سمعت محاولاته في فتح باب الشقة، وسمعت صوته يهمهم بكلمات غير مفهومة، بدا كل شيء مثل حلم يقع بعيدًا وأنا على عتبة النوم. لكني سمعت تكة الترباس ورجرجة الباب بوضوح. ثمة يد هزتني بعنف في الوقت المناسب.
يد من هذه التي أيقظتني؟
أحست بي زوجتي وأنا أترك السرير بسرعة وأجري إلى الصالة ملهوفًا. لحقت بي وهى تغطي ذراعيها وصدرها العاري بالروب.
ـ بتعمل أيه يا بابا؟
نظر ناحيتي فلاحظتُ ابتسامة على شفتيه. إبتسامة لطفل ضبطه أبوه يتسلل في منتصف الليل، ونظرة تروح وتجيء بارتباك بيني وبين الباب.
ـ مروّح بقى. أصلي اتأخرت.
ـ مروّح فين؟
ـ مروّح لأمي.
للحظة تبادلنا نظرات خائفة وصامته أنا وزوجتي. ضربت جبهتي بعنف، ووضعت كفيَّ على وجهي، تلك طريقتي في تلقي الصدمات المؤلمة. ربتت زوجتي على كتفيه وحاولت إعادته إلى حجرته لكنه رفض وبكى، قال إنه تأخر وأن أمه ستغضب منه. كانت كلماته خافتة مرتبكة، لكني سمعتها.
بدا خائفًا ومترعًا بالفقد واليتم. يدور بعينيه بين وجهينا وكأنه يرانا لأول مرة. ثم يعود ويرج الباب بذراعيه الواهنين. فيما كنت أفكر في مظاهر اضطراب الذاكرة للمسنين.
خمنت أن حادثًا مشابهًا في طفولته ظل عالقًا بذاكرته. يظن نفسه أنه يلعب في بيت الجيران حتى وقت متأخر وأن عليه أن يعود إلى حضن أمه.
قطعت زوجتي تفكيري وقالت: إنها تناديه .. تلقاه وَحَشها يا روحي.
تعودت على تفكير زوجتي بهذ الطريقة البسيطة التي ترد كل شيء للغيبيات ، فكرت أن أحدثها عن اضطراب الذاكرة، لكني وجدت الموقف غير مناسب لممارسة غروري العلمي.
الحقيقة.. هى التي تتحمل العبء الأكبر في رعاية أبي منذ جاء ليعيش معنا. تفعل ذلك بصمت وحب، لا تمن علىّ به مهما أسأت معاملتها. لهذا كنت أشعر بالخجل من نفسي كلما فقدت أعصابي وصرخت فيها غضًا كما كنت أفعل دائمًا. بالعكس .. الآن أتودد إليها وأتجنب إغضابها مهما كان الأمر. رغم أني لم أحب طريقة تعاملها مع أبي وكأنه طفل.
مرة نبهتها إلى ذلك. قلت: إنه أبي .. إنه رجل .. ليس طفلاً ولا معتوهًا.
أشاحت بوجهها وقالت: أنت لا تفهم، ولن تفهم إلا بعد فوات الأوان كالعادة. ثم عقّبتْ بجملة مختصرة: " خليك في كُتبك ".
ابتلعتُ احتجاجها على مضض. هى تعرف أنني في مواقف أخرى سأرد بقسوة. لهذا أعلنت عن اعتذارها بطريقة عملية. عندما طلبت مني أن أدخل حجرتي وأنام. قالت إن بإمكانها أن تتولى رعاية أبي وحدها، حتى لو اضطرت أن تبقى معه حتى الصباح. قالت إن مازال لديها رصيد من الأجازات وتقدر تغيب عن العمل لترعى أبي.
منذ جاء أبي ليعيش معنا بدأت علاقتي بزوجتي تتحسن. كانت قد توترت بشدة في الأيام الأخيرة ثم وصلنا إلي حالة من الصمت والعزلة الباردة. خدمتنا الظروف عندما شغل أبي الحجرة التي اعتدت النوم فيها وحدي خلال ليالي الصمت البارد. حجرة ابني الذي تركنا ليجرب حظه في العمل بشرم الشيخ. أيام أجازاته أعود للنوم بجوارها، ونرسم سلامًا مؤقتاً في انتظار رحيله، حتى يعود كل منا إلى ثلاجته. الآن .. لم أجد بدًا من النوم على سريري وبجوارها. عادةَ نتبادل بضع كلمات قبل النوم عن أبي. عن جرعات العلاج التي أخذها، والعلاج الذي يجب أن نشتريه لأنه انتهى. وعن برنامجنا في تنظيم الأجازات التي نتبادلها، لأن ترْكنا له وحيدًا أصبح خطراً عليه وعلينا.
اقترحتْ زوجتي أن تحصل على أجازة بدون مرتب لتتفرغ هي لخدمته، وأتفرغ أنا لكتابتي وندواتي. ولم تنس أن تؤنبني بسبب السجائر التي أدخنها طول الليل في حجرة النوم. قالت إنها تختنق ولا تستطيع النوم.
استبعدنا فكرة الأجازة بدون مرتب. كيف نغطي تكاليف العلاج؟
كانت المحادثات الليلية أشبه ـ في ظاهرها ـ بتقارير يومية تضعها زوجتي بين يديَّ عن حالة أبي. لكنها ـ في الواقع ـ كانت محاولات متبادلة لإعادة المياه إلى مجاريها. حتى أيام قليلة، كان بإمكانه أن يعد لنفسه كوب شاي. أو يفتح الثلاجة ويقلي بيضة أو بيضتين. الآن.. هذه الأشياء البسيطة التي طالما مارسها بنفسه، أصبحت تشكل خطرًا عليه، وربما على البيت كله. لهذا حرصت زوجتي أن تعد إفطاره قبل خروجها.
منذ أسبوعين هاتفت جارتنا زوجتي، أخبرتها أنها تشم رائحة دخان يخرج من شباك مطبخنا. عندما دخلت زوجتي المطبخ، وجدته معتمًا، ومعبقًا بالدخان، تحركت في اتجاه البوتجاز، تتحسس الطريق بقلق، عندئذٍ اصطدمت بجسد ملقى على الأرض.