يرى الناقد المصري أن عتبة العنوان توحي بتأكيد السارد لوجود حياة جمالية طيفية محتملة تتصل بنماذج اللاوعي الجمعي، والمدلول الكوني الموسع للوعي والوعي البيئي، وأن هذه الحياة الجمالية الفائقة قد توجد داخل الذات العميقة، أو عبر عناصر بيئية سيميائية متحولة داخل الوعي التأملي المراقب، أو في الفضاءات البيئية المظلمة في كواليس مسرح النو الياباني، أو تحت سطح الأرض.

تيار الوعي التأملي، والوعي البيئي الجمالي

في رواية «سيبو في الأسفل» لكراسناهوركاي

محمد سمير عبدالسلام

 

«سيبو في الأسفل» رواية حديثة للروائي المجري المبدع لازلو كراسناهوركاي، الحاصل على جائزة نوبل في الأدب سنة 2025، وأرى أن كراسناهوركاي يجمع – في خطابه السردي – بين تجربة التداعي الحر بوصفها نوعا من التجلي المتسلسل للانطباعات الذاتية التي تكتسب أصالة الحضور عبر اتصالها بكواليا الوعي؛ وهي التجربة الداخلية الآنية التي تتشكل فيها الداتا السمعية، أو البصرية سواء أتت من العالم الداخلي أو الخارجي في نسيج سيميائي فريد، وآني، أو المشاهد، والقصص، والحبكات التفسيرية المحتملة، والذكريات، والأحلام؛ والتداعي الحر هنا يتصل بتطوير كراسناهوركاي لأسلوب تيار الوعي الذي تواتر عند بروست، وجويس، وولف بطريقة تجريبية تتوافق مع سياقنا الثقافي الراهن الذي يعيد الاعتبار لأصالة تكوين الوعي الآني، وعلاقة الداتا بتجارب الكواليا الداخلية الإدراكية التي تسبق في موثوقيتها عمليات الاستدلال والوصول الواعي في نموذج مساحة العمل العصبية العالمية وفق تصور فيليب غوف، وغيره من منظري أصالة الوعي وتجارب الكواليا الداخلية.

وأرى أنه يمكننا أن نطلق على هذا الشكل من تيار الوعي اسم تيار الوعي التأملي المفاهيمي أو Contemplative Conceptual Stream of Consciousness؛ لأنه يجمع بين التداعي الحر للمشاهد السردية القصصية التأويلية المطولة، وفعل التأمل عبر استخدام مستوى الوعي المراقب لتيارات الصور، والحبكات الافتراضية الممكنة من موقع محايد، وعبر تجربة يقظة ذهنية آنية فائقة توحي بوجود مسافة تأملية بين الذات وتيارات الصور الواقعية، أو الحلمية، أو انطباعات الكواليا الداخلية عن التجارب السردية الافتراضية الممكنة في مشهد كوني بيئي موسع؛ ولأن هذا الشكل التجريبي الجديد من تيار الوعي يتصل بتضمينات مفاهيمية فلسفية حول سيمياء الأشياء والكيانات الكونية الواعية المحتملة فهو ذو طبيعة مفاهيمية أيضا؛ ويؤكد هذا التوجه ارتكاز خطاب كراسناهوركاي السردي – في رواية سيبو في الأسفل – على مفهوم الجمال الفائق الذي لا يحتمل؛ وهو مفهوم فلسفي تأملي في آن، ويتصل بغموض التكوينات الجمالية التي قد تقبع في مناطق مظلمة، أو باطنية، وقد تجمع بين الحضور السيميائي الواقعي الذي لا ينفصل عن حلم اليقظة، والحضور الظاهراتي أو الفينومينولوجي البيئي الموسع فيما وراء المشاهد والحبكات الظاهرة؛ وأتذكر – في هذا السياق – التكوين الظاهراتي للحوت الضخم في رواية كراسناهوركاي كآبة المقاومة؛ والذي يتجلى بصور تفسيرية تأملية في الوعي، ويعيد قراءة الذات، والآخر، والفضاء الممكن، والمناخ الاستعاري الذي يصل بين الشخصيات، والقصص الافتراضية بصورة مكثفة ذات طابع سيميائي تحويلي يؤكد تفاعل الذات الواعية مع المتحف الافتراضي القوطي المظلم داخل بيئة موسعة تتصل بتأملات الوعي.

وتوحي عتبة العنوان سيبو في الأسفل بتأكيد السارد – في تضمينات الخطاب – لوجود حياة جمالية طيفية محتملة تتصل بنماذج اللاوعي الجمعي، والمدلول الكوني الموسع للوعي والوعي البيئي، وأن هذه الحياة الجمالية الفائقة قد توجد داخل الذات العميقة، أو عبر عناصر بيئية سيميائية متحولة داخل الوعي التأملي المراقب، أو في الفضاءات البيئية المظلمة في كواليس مسرح النو الياباني، أو تحت سطح الأرض مثل وصفه لحصان ترابي غامض وجد بالأسفل؛ هذا الحصان الترابي هو تجسيد علاماتي كثيف لحروب عبثية، وصخب، ولكن في صورة تأمل دائري، وانتظار، وجمود متحفي أيضا، قد يتحول في الكواليا أو في تجربة السارد إلى الجمال الفائق الذي لا يطاق والذي يجمع بين الجمود أو الفراغ، والحضور الطيفي، والحضور البيئي الظاهراتي الآني خلال تأمل اليقظة الفائقة أو ما يعرف في الدراسات الإدراكية ب Mindfulness ؛ وهي حالة تأمل دائرية حيادية تؤدي إلى يقظة الوعي والاستنارة الداخلية بعيدا عن الدراما الصاخبة في الواقع اليومي، وتوحي علامة الحصان الترابي أيضا بظهور للمتحف القوطي المظلم الذي يضع الذات المتأملة في مواجهة صيرورتها السردية الوجودية ككيان ستؤول مسيرته الوجودية إلى شكل يشبه ذلك الحصان الترابي، ولكن مع اكتساب صرخة جمالية روحية متجددة تؤكد دائرية الوعي المصاحب لذلك الحضور الغامض المظلم في متحف كوني بيئي موسع وضمن الذاكرة الجمعية واللاوعي الجمعي.

وعلامة سيبو تشير إلى وجه لرجل حكيم في مسرح النو الياباني؛ هذا الوجه أو القناع يؤثر – عبر علاقة المجاورة – في المتدرب أو مدرب مسرح النو فيكتسب حضورا ظاهراتيا فائقة يضعه بين الأرض والحياة الروحية العليا داخل العرض المسرحي؛ وهو ما يذكرنا بفكرة أن الفن وسيلة في سياق نموذج الرحلة الروحية في مسرح جيرزي جروتوفسكي الباطني الذي يقوم على ارتقاء الممثل عبر اندماجه الروحي البيئي بصورة ذهنية للنمر أو القط أو الشجرة، أو الوردة؛ ومن ثم أرى أن مسرح جروتوفسكي الروحي أو الباطني يتوافق مع اتجاه البيئة العميقة أو التوجه البيئي الفينومينولوجي الذي يقوم على التوسع في إدراك بهجة الاتصال بالعناصر البيئية داخليا كما في تصور آرني نيس، وفريا ماثيوز، ويتوافق أيضا مع فكرة كراسناهوركاي عن الجمال الفائق في الظلمة؛ لأننا تحت طبقة قناع سيبو نستطيع أن نخمن – بواسطة الحدس – حضور طبقة شفافة أو صورة ذهنية إدراكية أو تمثيل ذهني طيفي محتمل من نموذج الرجل الحكيم أو قناع الرجل الحكيم داخل المدرب، أو الممثل، وداخل مرايا الذات المحتملة في تجربة الوعي البيئي والفضاء الممكن اللامرئي للمسرح نفسه أو المتحف الافتراضي المظلم الكامن داخل بنية المتحف الكوني الموسع؛ فقناع سيبو هو كل العلامات السيميائية الممكنة في الداخل، وفي الخارج، وفي النور، وفي الظلام والتي تتصل بالذات في حالات اليقظة الذهنية الدائرية، وضمن تيار الوعي التأملي المفاهيمي العابر للحدود الزمكانية.

يقوم خطاب سارد كراسناهوركاي – إذا – على العلاقة التوافقية أو الهارموني المحتمل بين ثيمات الظهور المتكرر لعلامات الجمال الفائق من العوالم الباطنية الداخلية أو الفضاءات الغريبة المظلمة أو الافتراضية، وتحول علامات الجمال الفائق في تجارب الوعي التأملية الآنية الدائرية، والاتصالية العميقة بين الكيانات الواعية، والنماذج، والأطياف، والأقنعة، والاندماج الممكن بالعناصر البيئية في مستوى الوعي التأملي وأحلام اليقظة مثل التعاطف بين السارد وشجرة الصنوبر أو شجرة الحور في سياق مدلول العبور بين العوالم والفضاءات التجريبية الاستعارية الممكنة.

ينطوي الخطاب – إذا – على تضمين أو فعل كلامي تمثيلي ضمني يوحي بتأكيد السارد لثيمة إعادة النظر في الأشياء والكيانات الجمالية والبيئية بوصفها رؤى تأملية متجددة داخل الوعي المراقب للسارد؛ ونتذكر منها الحوت الاستعاري الغامض في كآبة المقاومة، والحصان الترابي المظلم، وقناع سيبو، ومالك الحزين المنتظر، والكلب الأبيض الذي كان مفتتحا لتجدد الحياة، وتجلي قصر الحمراء في غرناطة داخل الوعي كفضاء يشير إلى المتاهة والتوسع الروحي العابر للكينونة؛ ومن ثم فالشيء دائما ما يشير إلى حضور باطني متجدد داخل التجربة الداخلية للوعي، أو ما يعرف بكواليا الوعي أو تكوين انطباع متجدد وباطني متحول ودائري في الوقت نفسه؛ فهو متحول سيميائيا؛ لأنه لا يلتزم بالنقل الحرفي التسجيلي للداتا× ولكن يشبه سينما تسجيلية شعرية وتأويلية في آن؛ وهو دائري لأنه لا يتشكل في الزمن الخطي أي من الماضي إلى المستقبل، ولكن الكيان الجمالي أو البيئي – عند سارد كراسناهوركاي – لا يتشكل إلا في وعي الآن أو الوعي اللحظي الدائري الذي يتعامل مع الصور الذهنية والتشبيهات والتمثيلات الذهنية التي تشبه تكوين الوعي نفسه، وزمن الوعي التأملي المراقب، وهو هنا بنية الحضور الدائرية التي تتصل بالذاكرة الجمعية، واللاوعي الجمعي، والوعي البيئي الموسع.

وإذا أعدنا قراءة سيبو في الأسفل لكراسناهوركاي وفق نظرية الصلة لسبيربر، وويلسون، سنلاحظ أن نموذج التواصل الإدراكي بين سارد سيبو في الأسفل، والمروي عليه يرتكز على انتخاب المؤشر السياقي الإدراكي الأكثر صلة، والأكثر اقتصادا؛ وهو هنا التجاور المفتوح بين الحبكات التأويلية، وتيارات القصص، والأصوات، والأطياف، وعلامات التراث الثقافي والحضاري المتحولة في الوعي، والأحلام التأملية، ونغمات الانتظار والملل الوجودي، وحالات الاندماج الروحي البيئي الاستعارية الممكنة؛ هذا التجاور كمؤشر سياقي منتخب بواسطة السارد، والمروي عليه يصير هو العنصر المجسد لمبدأ الصلة الإدراكي ومصدر التوسع في بناء الحجاج الاستدلالية الإدراكية للنص؛ ومن ثم تصير الحجة الاستدلالية الإدراكية – طبقا لنظرية الصلة – هي صحة فرضية التجلي الدائري الذي يجمع بين قوتي التشابه والاختلاف لعلامات الجمال المتحفي والبيئي الفائق، والمتحف هنا هو كوني وباطني مظلم ، وواقعي في آن، ومن ثم فالنتيجة هي الاتصالية الدائرية الروحية بين العلامات في الوعي المبدع، وداخل الوعي البيئي الفينومينولوجي الموسع، والذي قد يجمع بين الذات ومالك الحزين، أو الذات وقناع الحكيم سيبو، أو الذات وشجرة الصنوبر الهرمية التي تجمع بين القوة واستشراف ما وراء الواقع، أو الذات ومتاهة قصر الحمراء الجمالية التي تستنزف التجسد من خلال الجمال الدائري للزخارف الدينية، وصور الأسود، والألوان، وأوراق شجرة الرمان، ورمزيتها الجمالية والدينية في المشهد الكوني البيئي.

ويمكننا بناء حجة استدلالية متدرجة منطقيا وفق سلم ديكرو الحجاجي، ويتضمنها خطاب سارد كراسناهوركاي؛ وسوف تقوم هذه الحجة على صحة الفرضية الأولى؛ أو ف1؛ وهي وجود علامات، وتشكيلات جمالية بيئية غامضة؛ مثل كلب أبيض جائع يوحي بالسلام والوفرة في المستقبل، ومتاهة مكانية جمالية تتضمن عناصر بيئية في قصر الحمراء، وصفاء فائق للون الأحمر على ملابس العذراء في جدارية في فلورنسا، والحصان الترابي المظلم، وقناع الحكيم الفاعل من الداخل في كيوتو اليابانية، ومالك الحزين الذي يظل منتظرا في فضاء خال ومنعزل ويشبه تكوين الوعي المراقب أو الشاهد؛ هذه العلامات الغامضة لها صوت داخلي آخر مستوحى من صورها الذهنية، أو تمثيلاتها الإدراكية، ولا ينتمي لها بالكامل ولكنه موجود في الذات المدركة؛ وزمن ثم فالفرضية الصحيحة الثانية أو الفرضية الأقوى ف2؛ هي إمكانية توليد علامات طيفية هجينة لا تنتمي للواقع؛ وإنما تتجلى داخل تيار البيانات البصرية والسمعية الداخلية في تيار وعي تأملي مفاهيمي يحتفي بطاقة الوعي الشاهد، ومفهوم الجمال الفائق الذي لا يحتمل؛ وهو جمال يتعلق بما وراء الواقع تماما، وبدرجة أكبر من الكيانات المجسدة في المتاحف البيئية الظاهرة، أو المتاحف القوطية المهجورة؛ لأنه ينشأ بصورة دائرية في الوعي المتأمل المبدع؛ ومن ثم تصير النتيجة أو ن؛ هي التوسع في إدراك العناصر الجمالية البيئية المحتملة؛ والتي قد تتبلور في كيانات طيفية، أو تمتزج شعريا بالظلام، أو الفراغ المملوء بالصور الافتراضية.

ولأن خطاب كراسناهوركاي السردي التجريبي يتضمن المزج بين التأويلات الممكنة لكل من العناصر الجمالية، والبيئية، أرى أنه يمكننا أن نقرأ تيارات الصور، والكيانات الجمالية المتضمنة في سيبو في الأسفل وفق المزج بين الدراسات الإدراكية للوعي الشاهد، ودراسات البيئة العميقة التي تحتفي بأهمية العنصر البيئي وفاعليته الأساسية في النص السردي، وفي الصيرورة الحياتية اليومية؛ وبهذا الصدد تشير ميري البحيري – في دراستها الوعي المراقب؛ مفهومه، ومظهره، وحقيقته – إلى سمة التعددية والثراء الدلالي في بنية الوعي المراقب الذي قد يجمع بين كل من الذاتية، والحياد في آن؛ فهو ذاتي؛ لأنه يتصل بتوافقية الذات مع فعل مراقبة الصور، والعلامات آنية داخل اليقظة الذهنية، وهو محايد لأنه يراقب عبر مسافة إدراكية مثل هذا التيار من الصور والأصوات داخل حالة تأمل لا تنتمي كليا إلى الذات التاريخية، وإنما للوعي كشاهد على التجارب الذهنية والانطباعات والصور والصور الهجينة الممكنة.(1) الوعي المراقب – إذا – يحتفي بالذات حين تتوافق مع طبيعة الوعي الإدراكية الآنية التأملية؛ أما فريتوف كابرا فيرى في دراسته نحو نموذج جديد للبيئة العميقة  المتضمنة في كتاب نحو بيئة عميقة في القرن الواحد والعشرين من تحرير جورج سيزونز– أن تيار البيئة العميقة يتضمن التحول من تأكيد الذات الفردية إلى التفاعل والتواصل في مستويات الوعي الكونية البيئية العابرة للذاتية، ويتجه نحو درجة أكبر من التفاعل الحدسي، والتناغم بين الوعي الذاتي، والوعي البيئي.(2)؛ يقوم تيار البيئة العميقة – إذا على قراءة الذات من خلال الآخر أو الاتصال الداخلي الحدسي بالعناصر البيئية الممكنة؛ ونلاحظ أن خطاب سارد كراسناهوركاي التجريبي يؤكد الاتجاهين؛ أو التوافق مع الإعلاء من الوعي المراقب، والتوافق مع تيار البيئة العميقة الذي يحتفي بالتداخل عبر الوعي مع العنصر الطبيعي البيئي، وفاعليته في المشهد الكوني؛ ونلاحظ تأثير الوعي المراقب في ملاحظة السارد لجماليات مدينة كيوتو اليابانية التي تبدو – في الوعي المراقب – مثل مدينة ملاهي، أو مدينة أطياف خفية، ولكنها فاعلة في الفراغ، وتتضمن جمالا فائقا داخلية كأنها توجد ولا توجد، ويوحي الخطاب أيضا بفاعلية مالك الحزين برغم أنه يظل فقط في حالة عزلة، وتأمل، وانتظار وملل وجودي، واستشراف ما وراء الواقع(3)؛ فهو على الهامش وتأتي فاعليته السردية الأساسية من كونه معتزلا ومنتظرا، ومن ثم فهو يتصل بوعي السارد في مستوى داخلي مثل معابد كيوتو الأثرية الصامتة.

ويتجلى المزج بين الوعي الشاهد، والبيئة العميقة في الفصل المخصص لشخصية زيمي، وهو يعاين النهايات في المشهد الطبيعي أو المنفى؛ فهو يمارس التأمل ويلاحظ في صمت شجرة الصنوبر التي تبدو متعاطفة مع الكيانات البيئية الأخرى، وينصت لصوت الرياح في تفاعلاتها الجمالية مع الأشجار، وتكوين الجبل، ويراقب تحت ظل الشجرة المياه وهي تتساقط على الطحالب. (4)؛ ونلاحظ هنا أن السارد يقوم بمراقبة حبكة زيمي بوصفها قصة افتراضية متجددة في تيار وعيه التأملي المفاهيمي؛ أما زيمي نفسه فيراقب عبر الوعي الشاهد حركة العناصر الطبيعية التي توحي بأنه هي الفاعل الرئيسي في المشهد السردي، وتوحي بالسلام، والتناغم، واستنزاف عمليات التجسد باتجاه ما وراء الواقع ضمن وعي ذاتي – بيئي موسع.

ويمارس السارد نفسه نوعا من المراقبة الدائرية بواسطة الوعي الشاهد، وفي سياق بيئي جمالي واسع النظر إلى الكيانات الفنية البيئية في حضور كثيف وتعددي حين تجمع هذه الكيانات بين الحضور المتحفي الصامت أو المظلم في الأسفل، والصرخة الوجودية التي تؤدي غالبا إلى سلام روحي ووجودي داخل فراغ أو فضاء إبداعي تصويري واسع؛ فيشير السارد في نهايات خطابه إلى أن هناك في الأسفل توجد حيوانات صنعت من البرونز بأعداد لا تحصى؛ قد تكون كلابا أو خنازير، وتنانين، وثعابين، أو كائنات أسطورية؛ هذه الكائنات تصرخ صرخات غريبة داخل الوعي. (5)

تجمع التكوينات التي يرصدها سارد كراسناهوركاي – في تيار وعيه التأملي المفاهيمي  إذا – بين التجلي المتحفي الظاهراتي، والفاعلية البيئية ضمن مدلول البيئة العميقة؛ فالتجلي المتحفي الفينومينولوجي يبدو في كونها صامتة ولها شكل جمالي يشبه العمل الفني؛ وبالرغم من كونها متجمدة، وصامتة فحين تلتقي بفعل التأمل الواعي داخل حالة اليقظة الذهنية يصير لها صوت، وحضور دائري؛ مثل التشبيهات، والصور الذهنية، والأطياف، وأصوات الذاكرة الجمعية البعيدة التي تحمل أثر الدراما الصاخبة دون أن تنتمي لأي تجربة فيها دراما صاخبة؛ فهي هنا تشبه حوت رواية كآبة المقاومة في التجلي الخيالي الحي والصامت والمتأمل في آن، والذي يمكن اعتباره جزءا من العلامات البيئية الأخرى في رواية سيبو في الأسفل؛ مثل أشجار الرمان في قصر الحمراء في غرناطة، أو تماثيل الأسود، أو أطياف قناع سيبو الأخرى، أو تعاطف شجرة الصنوبر، أو انتظار مالك الحزين؛ ومن ثم فالعنصر الجمالي المتحفي ينطوي على حياة خفية دائرية في الوعي، وحياة بيئية أساسية في المشهد السردي اليومي، وضمن الحبكات المتداخلة في تأملات تيار الوعي واليقظة الذهنية.

وأرى أنه يمكننا أن نلاحظ ثلاث استعارات إدراكية متضمنة في خطاب سارد سيبو في الأسفل لكراسناهوركاي؛ فالاستعارة الإدراكية الأولى تقوم على علاقة المشابهة الإدراكية بين كل من فضاء الإدخال الأول؛ وهو مدينة كيوتو حيث تتجلى كمدينة لانهائية، أو مدينة تتصل بالبهجة الداخلية الباطنية الصامتة، وفضاء الإدخال الثاني؛ وهو مدينة تجريدية حلمية عابرة للزمكانية، وتتشكل من صيرورة سيميائية من العلامات ذات الطابع الطيفي في فضاء ممكن ممزوج بنغمات الاختفاء، ويتصل الفضاءان عبر مدلول الحياة البيئية الظاهراتية للمدينة في الوعي المبدع، وسيصير فضاء المزج الإدراكي مدينة هجينة تقع بين حضور التراث الثقافي الصامت في الواقع، ومدينة تقوم على احتفالية طيفية بهيجة من الأصوات القديمة المتجددة التي تقع ضمن حبكات درامية وحبكات تفسيرية متناغمة مضادة في آن.

والاستعارة الإدراكية الثانية تقوم على المشابهة بين فضاء الإدخال الأول؛ وهو موقف تفاعل المدرب مع قناع سيبو في مسرح النو؛ وهو موقف روحي يستحضر نموذج الحكيم داخل الذات العميقة للمدرب في بروفات عديدة وقبل انطلاق عرض مسرحية النو، وفضاء الإدخال الثاني؛ وهو موقف التفاعل ليس مع القناع المادي للحكيم سيبو، وإنما التفاعل الفينومينولوجي مع النموذج الأصلي في اللاوعي الجمعي؛ وكان يونغ يطلق عليه نموذج Sage   أو نموذج الحكيم؛ ومن ثم ينشئ الممثل صورة ذهنية نسبية للنموذج بداخله قبل أن يتحدث بصوت النموذج في طبقة مكانية بيئية ممكنة وعميقة في فضاء المسرح؛ ويتصل الفضاءان الذهنيان من خلال مدلول وفرة التمثيلات الذهنية للنموذج في الوعي الآني؛ ومن ثم يصبح فضاء المزج الإدراكي هو مزيج من التمثيل الذهني النسبي لسيبو، وصورته الأولى كفكرة أو كصورة دينامية تتسم بدرجة أكبر من الأصالة والدائرية.

والاستعارة الإدراكية الثالثة تقوم على علاقة المشابهة بين تجسد قصر الحمراء كفضاء ذهني أول بوصفه فضاء للمتاهة والعبور الروحي، وفضاء الإدخال الثاني، وهو فضاء كوني بيئي موسع يتضمن الزخارف الدينية وأوراق الأشجار، وصور البشر، والأسود، والمياه المتدفقة في حالة تجريد روحي كامل وغير مرئي، أو متحول سيميائية خارج الأشكال الجمالية المتجسدة؛ وسوف يتصل الفضاءان ببعضهما عبر مدلول الانتقال المستمر عبر الوعي الآني من المتاهة المكانية إلى التناغم الكوني الداخلي ووفرة الصور الطيفية البهيجة؛ ومن ثم يصير فضاء المزج الإدراكي مكان هجين يقع بين صورة قصر الحمراء الذهنية كفضاء لتكرار علاقات التشابه والاختلاف، وصورته الممكنة كفضاء داخلي مجرد يحتفي بنغمات العمق الروحي، والتشابه العلامات المفرط، وغياب الحدود الواضحة للتكوين المعماري داخل الوعي.

وأخيرا أرى أن كراسناهوركاي قد قدم تجربة سردية نوعية فريدة – في سيبو في الأسفل – تحتفي بالتحول العلاماتي الداخلي للأشياء، وبالوعي البيئي الجمالي الموسع.

*هوامش الدراسة:

(1)Read, Miri Albahari, Witness-Consciousness: Its Definition, Appearance and Reality, on Researchgate at:

https://www.researchgate.net/publication/233692392_Witness-Consciousness_Its_Definition_Appearance_and_Reality

(2)Read, Fritjof Capra, Deep Ecology and a New Paradigm, in Deep Ecology for the Twenty-first Century, Edited by George Sessions,  Shambhala Publications Inc, 1995, p. 24, 25.

(3)Read, László Krasznahorkai, Seiobo There Below Tuskar Rock, 2016, p. 9, 12.

(4)Ibid, p.  459.

(5)Ibid, p. 442.

     msameerster@gmail.com