حملت أطروحات محمد عابد الجابري حول إشكالات العقل العربي أسئلة كبيرة، ومواقف قد نختلف أو نتفق معها، بسبب ما حملته من قضايا تحتاج الى كثير من المراجعة المهنية والموضوعية، والى عقل مواز، يمكن أن يصنع خطابا نقديا خلافيا مع أطروحات الجابري، ومع تقسيماته التوصيفية، أو مع ثلاثيته الاشكالية الفارقة التي جمعت بين "الغنيمة والعقيدة والقبيلة" وهي ثلاثية ارتبطت بالتمثيل السياسي اكثر من ارتباطها بالتمثيل الانثربولوجي، حيث انعكست مقارباتها على تمثيل هوية "الدولة" الإسلامية بمرجعيتها الشرعية، والعقائدية، وبمراحلها المتعددة، وعلى نحو جعل من عملية نقدها صعبة، وخاضعة الى مرجعيات لم تتحرر من عقدة الأيديولوجيا، ومن رهاب وضع الماضي تحت "سلطة الناقد الأيديولوجي" الذي جعل من مفهوم "العقل" اكثر تورية وتأويلا، لاسيما في القضايا التي تخص السلطة، والعصبية، والمقدس.
مثلما تخص التقسيم الذي جعله الجابري عنوانا لمشروعه التحليلي في نقد العقل العربي، لا سيما مع ثلاثيته الأخرى التي اشتبك فيها "العقل البرهاني، والعقل العرفاني والعقل البياني" برهانات تاريخية، أيديولوجية وسياسية ودينية، جعلت من هذا التقسيم خارج الاستعمال، وبعيدا عن التعريف الناجز للصراعات والتحولات التي استغرقتها السرديات العربية، والتي تحولت الى مجال خلافي، وربما عقائدي، دفعت الجابري الى اسقاط مرجعياته الطائفية، وايهاماته، عن طريق ربط البرهان بالفلسفة والاستدلال عند بن باجه وابن رشد، وربط العرفان بالعقائد الغنوصية والاشراقية والحلولية، وبما سماه بـ "العقل المستقيل" عند الفارابي وابن سينا، والعقل البياني بالمدارس اللغوية- الكوفية والبصرية" وبالفقه والدرس الفقهي والكلامي.
فكرة التقسيم عند الجابري جزء من منهجه "التحليلي" في تسويغ مشروعه الفكري، وفي تمثيل هذا المشروع عبر اشتغالات نقدية لتلك الاطروحات ذاتها، عن طريق الحفر في انساقها، أو عن طريق وضعها في سياق المساءلة، وبغاية التعرّف على ما يعتقده الجابري بأنه درس ابستمولوجي، وأن الحفر فيها ستجعل من خطابه أكثر تمثيلا لمحنة "العقل" في التاريخ، وأكثر تعبيرا عن علاقته بقضايا السلطة وانهيارها، حيث يربط بين انهيار عقلانيتها البرهانية، وبين الغلو في تمثيل وبيانها وعرفانها اللذين يمثلان محنة "العقل الشرقي"
انهيار عقلانية البرهان، هو كناية عن انهيار وتدهور مظاهر التنوير والإصلاح، حيث تقوّضت الدولة العصابية بتوصيف ابن خلدون، وبدأ عصر الانهيار من مظاهر التشظي، وبروز "دول الطوائف" واللجوء الى رهانات مضللة، تضعضت فيها قدرة العقلانية على التكيّف مع فاعلية السؤال النقدي، السؤال الذي يرهن وجوده وفاعليته بـ "أهلية " العقل العربي" بتوصيف مجازي، لتجاوز عقدة التشظي، وعقدة هزيمته إزاء الآخر، وإزاء رثاثة التعاطي مع الانوارية الغربية/ المسيحية، والتي وجدت في الحروب الصليبية مجالا لكتابة "تاريخ" اكراهي، يقوم على أوهام استعادة قوة المركز، عن طريق التلويح باستعادة الموروث الاغريقي الفلسفي، وموروث السلطة العسكرية عن طريق ذاكرة "روما" و" والقسطنطينية" وصولا الى "غزوة نابيلون" التي جعلت مدافعه تبدو وكأنها "قطيعة تاريخية" أو "جرح انثربولوجي" بتوصيف جورج طرابيشي".
أعاد الى الاذهان فكرة التغريب الحضاري، والعقلاني، والى سردية هزيمة "العقل ذاته"، وعقد مورثاته العصبية والأيديولوجية، ومنها ما يخص مشغل الجابري الذي ربط موت العقلانية بموت ابن رشد. ودخول المنطقة العربية الى مرحلة الاستعمارات الكبرى، بدءا من "الاستعمار" المغولي والاستعمار العثماني والفارسي وصولا الى الاستعمار الغربي، جعل من موضوع نقد "التراث" مرهونا بنقد الخطاب والسلطة والهوية، بما فيها نقد "السرديات الكبرى" التي تخص الأيديولوجيا، واطروحات "الإصلاح" التي لا تعدو أن تكون تقليدا للآخر الأنواري، وهو ما وضع مفهوم "العقل العربي" إزاء إشكالية تخص هويته، لا سيما بعد غياب كل "الاتجاهات العقلانية" التي ارتبطت بحركة الاعتزال، وهيمنة علم الكلام الاشعري على دوائر الفقه والنقل وأنظمة الفكر، حيث بدت الأيديولوجيا السلفية هي القوة التي جعلت "العقل" خاضعا الى موجهاتها، والى تدجينها بعيدا عن أي نزوع للبرهان، ولتمثلاته في التفكير والتعقل والتحديث والاجتهاد.
غياب العقل النقدي، يعني تشوه "العقل السياسي" و"العقل الأخلاقي" لكن ما كان أكثر تدهورا هو "العقل الأمني" وهو عقل "مسكوت عنه" لم يشأ الجابري الحديث عنه، ليس لأنه يقوم على اجراءات صيانية، بل لأنه يُخفي كثيرا من الممارسات الفكرية والسياسية، لاسيما ما يتعلق باشكالات النظر الى مفاهيم الدولة والأمة، والى علاقتها بالصراع "العقائدي/ الأيديولوجي" وبالمؤسسات التي تخص العلاقة مع الآخر، ومع أزمة الحاكمية التي تحولت الى حاكمية للاستبداد، والعنف، والى ربط مفهوم الأمن بالصراع مع ذلك الآخر، وليس مع القضايا الإشكالية التي تخص موضوعات الهوية والفكر واللغة والوجود والمختلف والمتعدد.
إنّ غياب أيّ ملمح للنهضة والإصلاح لم يكن قرينا بتجريدات أزمة العقل واللاعقل، بقدر ارتباطها بمشكلة عصبوية "الدولة" وتحولها الرث من دولة "للخلافة" الى مؤسسة للاستبداد، تدير وجودها عبر سلطة مركزية، فقهية، وتدير مصالحها عبر "الاقتصاد المتوحش" اقتصاد الغنائم والضرائب، وعبر تضخم سياسة العنف، وأن فشلها في العمران يعني فشلها في تحويل الامن الثقافي الى أداة للبناء والتقدم، وبما اسهم في جعل "العقل الأمني" اكثر تمثيلا لسياسات ذلك الاستبداد، عبر فرضية القوة والعنف والتكفير والمروق والزندقة، وعلى نحو بدت فيه أكثر هيمنة على الأفكار، واكثر رقابة على تمثيلات المؤسسات العامة، وعلى المنابر التي تنتج ما هو برهاني وعرفاني وبياني.
المعرفة واسئلة العقل الأمني:
قد يبدو سؤال نقد "العقل الأمني" العربي موضوعا مُفارقا، ومثيرا للجدل، وربما الغرابة، وحتى السخرية، لكنه سيبدو اكثر اثارة عن طريق رهاناته المفتوحة على مقاربات تستفز المكبوت، ولما هو مخفي في البنيات العميقة لـ "العقول المجاورة" وما تعكسه من تمثّلات، تخص أزمة الكائن في الكينونة والمؤسسة والهوية والجسد والنظام، لاسيما وأن طبيعة هذا العقل لا يمكن فصلها عن السلطة وعن مخزنها، ومنها ما يتعلق بالأمن ذاته، بوصفه جزءً من السلطة، وأن تدويره ظل عالقا في الماضي، وظاهرا في الحاضر، لا سيما عن طريق طبائع "الحاكميات" التي ابتدأ حكمها "السياسي" في القرن الماضي" حتى أنّ المنظمات الدولية ادركت خطورة علاقة الأمن الاجتماعي والسياسي بالاستبداد، لذا وضعته على رأس أولوياتها بعد الحروب الدولية، إذ تشكلت "عصبة الأمم" و"مجلس الأمن" فضلا عن ارتباط هذا الأمن بمفاهيم موازية تخص استحقاقات "الأمن الغذائي والأمن الصحي والأمن الثقافي والأمن الاقتصادي والأمن التعليمي والأمن الديمقراطي" لكن هذا الأمر سيظل غائبا وغامضا حين يكون الحديث قرينا بالأمن السياسي وما يُخفيه من أسرار وتعقيدات.
ما كتبه محمد عابد الجابري في مشروعه "نقد العقل العربي" ضمن سلسلة كتبه "تكوين العقل العربي" و"بنية العقل العربي" و" العقل السياسي العربي" و"العقل الأخلاقي العربي" حمل معه نقدا إشكاليا لمنظومات التاريخ العربي، ولطبائع الخذلان العربي في الحضارة والحداثة، فحمّل مسؤوليات ذلك غياب العقل البرهاني، مقابل صعود العقل العرفاني والعقل البياني، بوصف تعالق وجودها بـ"الميتافيزيقيا" واحسب أن إطلاقه تسمية "العقل المستقيل" هي جوهر هذا التمثيل الميتافيزيقي، حيث كشف عن حساسيته إزاء ما يحمله من تمثلات ثقافية وفكرية، خلطها مع ملفات خطابه المرجعي، ومع حمولات حساسيته النقدية والطائفية، فحملت رؤياه كثيرا من النقائض، ومن الاجتهادات التي تحتاج الى المراجعة، لا سيما ما يتعلق بتوصيف الخطاب ونقده، وهي قضية إشكالية ومنهجية استعار ادواتها من أطروحات ميشيل فوكو النقدية، التي وجد فيها ما يعتقده مواجهة نقدية مع "الميتافيزيقيا" فاصطنع لها قراءة افتراضية، كاشفا عن طريقها عن علاقة تلك الميتافيزيقيا بأزمات التخلف والنكوص والتخريف.
لذا هو قصد إلى اختيار خصومه، فوصفهم باللاعقلانيين، ضمن تصوره عن العقلين البياني والعرفاني، مقابل اختيار مفهوم العقل البرهاني – من وجهة نظر محددة – كنقيض لما ورد ذكره عن "العقل المستقيل" ذي الطبيعة العرفانية، فبقطع النظر عن مدى علمية وموضوعية هذا المصطلح وطبيعة خطابه، ومرجعية أفكاره في تقعيد أطروحات التوصيف والتحليل والمعالجة، فإنّ الجابري أثار عصفا ذهنيا، ونقدا تجاوز التاريخ إلى الأيديولوجيا، مأخوذا بفكرة الكشف عن العيوب النسقية التي تستوطننا، والتي نعيش تحت مهيمناتها، إذ تمارس مهيمنة السلطة قوتها في احتكار التوصيف، والتأطير، والحكم، وإقامة الحدّ، وفي ترسيم الحدود التداولية لمفاهيم الحرية والهوية والمواطنة والعلاقة مع الآخر، لكنها ليست بعيدة عن ممارسة "العقل الطائفي" وعن خطابه، وحمولات مهيمنته في ترسيم ملامح عصابية لإدارة السلطة، ولتمثيل الهوية ومظاهر الولاء والحفاظ على فاعلية "العمران" السياسي والثقافي، من منطلق الحفاظ على "أمن الأمة" أي أمن جماعة النقل المُكرّسة عبر الفقهيات التقليدية..
العقل الأمني وصناعة الخطاب:
القضية التي تخصّ الحديث عن نقد العقل الأمني ارتبطت بوجود فاعليات وتمظهرات، تمثلتها أشكال السلطة ووظائفها، فهذا "العقل" ظل افتراضيا، وظل خطابه مواربا، وعالقا بالمخفي من "العصاب" الذي يعني صيانة القوة ومؤسساتها، مثلما يعني تحويل قوة السلطة إلى قوة لا واعية تسوّغ حكم الديكتاتور والطائفة والجماعة، مثلما تؤطّر وجود الآخر عبر ثنائية "المطابقة والاختلاف" وعبر التمثيل المتعسف للمفاهيم الصيانية كالهوية والمكان والصراع والمركزية ونقيضها، وهذه بطبيعة الحال ستجد في تداولية مفهوم الأمن نوعا من القوة الدافعة لتمثيل صيانة "المجتمع السياسي" الذي هو مجتمع مركزي ومحكوم بعوامل ضاغطة تتبدى عن طريق وظائف السلطة في صناعة مظاهر العقاب والسجن والرقابة والمشفى والأنموذج المغلق للسلطة، التي تقوم على مظاهر "الإكراه والقهر والإقصاء" وحتى الجنون، وليبدو مفهوم الأمن وكأنه عبارة عن الاكتفاء بصلاحية العلاقة مع تلك السلطة بوصفها القوة الشرعية، والقانونية التي تمنح الأمن واقعيته وعقلانيته.
من هنا نجد أنّ خطاب الأمن سيظل رهينا بخطاب السلطة ذاتها، حتى الذي ستصنعه المعارضة، ومراكز البحث والاستقصاء سيكون مراقبا ومنظما ومحكوما بجملة من الإجراءات التي تجعله بعيدا عن الخرق الاستراتيجي، ومنعه من أن يتحول الى ثورات، أو الى انقلابات، وبالتالي قطع الطريق على تضخم ظاهرته الثقافية المعارضة، كي لا تنعكس على المصالح السياسية، وعلى زعزعة مركزية العصاب السلطوي/ الطائفي والقومي. وأحسب أن ما حدث خلال تظاهرات "ثورات الربيع العربي" كشف عن طبيعة المرجعيات السياسية والدينية التي تحكمت بنتائجه، وبتوجهاته، رغم علاقته بأسباب داخلية وخارجية، لكنه كان في الجوهر كشفا عن ازمة العصاب القديم ذاته، ازمة الحكم وأزمة السياسات، وأزمة الديكتاتور.
حيث تعرت رثاثة الأنظمة السياسية التي كان ترهل نظامها الأمني قرينا بترهل نظامها الثقافي، الذي فقدت عن طريقه القدرة إدارة التنوع، مقابل الغلو في المراقبة الداخلية، وفي هشاشة تمثيل مظاهر "الحكم الرشيد" وهو ما أعطى لقوى الهامش الاجتماعي، وليس الأيديولوجي للانقضاض على السلطة، والاندفاع الغاضب الى صناعة سلطة لا هوية لها، تقوم فرضية أمنها على الواقع وليس على التاريخ.
تشوهات العقل الأمني العربي لا يعني تشوها ثقافيا، أو خطابيا فقط، بل يعني تشوها في البنى التأسيسية، وفي المؤسسة ذاتها، بما فيها مؤسسة الخطاب والحكم، وهذا ما يجعله أكثر استدعاء لفعل النقد، ليس لأنه "عقل سري" يقوم على الأيديولوجيا وعلى المؤسسات، بل لأنه بدا وكأنه عقل تلفيقي، لا مرجعيات له، ولا توصيف محدد له، وأن ما يؤطر عمله هو التمثيل المعقد لمفهوم السلطة، ولعلائقه النسقية، على مستوى اشباعاته الرمزية، والحمائية، أو على مستوى علاقاته التأطيرية مع "أنماط العقول الأخرى" الأخلاقي والسياسي..
غياب هذه العلائق هي ما تجعل هذا العقل أكثر قربا للدوغمائية، وللهوية القاتلة، و"الفرقة الناجية" والمؤسسة المتعالية، وللنقل المجرد، حيث يؤسس لخطابه، ولمخزنه وسجونه ومشافيه ونظامه الرقابي مصالح ومؤسسات وعلاقات عامة وسياسات مركزية تجعله جزءا من عنف السلطة/ اللوثيان، وتجعل من العنف مقدسا، ومن السلطة قوة شرعية، ومن المؤسسة الرقابية أكثر تمثيلا لمفهوم الوطن والأمة.
الأمن وصناعة الخطاب:
صناعة الخطاب من أخطر الصناعات التي يمكن أن تجسّد علاقات السلطة بالنظام الاجتماعي والنظام الثقافي، وبما يجعل منها صناعة للقوة، التي تزود السلطة بوسائل السيطرة والرقابة وحتى ب"المعرفة" التي تدخل في النظام التعليمي والنظام الاستهلاكي، وفي الخطاب الديني، وعلى نحوٍ تتسع معه مساحات التحكّم في إدارة الشؤون العامة، وأحسب أن ما طرحه الجابري في نفيه لثنائية "البيان والعرفان" عبر ربطهما بأنماط تفكير معينة، يأتي في سياق تأكيده على أهمية علاقة "البرهان" بالسلطة، بوصفه تمثيلا لفكرٍ ضدي، ولسياق وجوده ضمن فاعلية متعالية، لها دورها الإشكالي في النظر إلى الحكم والعصاب والتأطير الطائفي، وعلى نحو ربط فيه ازمة الأمن الثقافي بالغنوصيات والسحر والخرافة.
النظر إلى تقاطعات هذا الخطاب يعني النظر إلى هوية السلطة التي تمارس وظيفة السيطرة عن طريق تعلية ذلك الخطاب، بوصفه "رأسمالها الرمزي" وأنموذجا لهويتها ولسلطتها، حيث سيكون هذا الخطاب استيلائيا، يقوم على فكرة أدلجة الطاعة، مقابل تسويغ فكرتي القهر والتخويف، إذ تكون فاعلية " نقد العقل الأمني" أكثر ارتباط بفاعليات نقد مؤسسة السلطة والمخزن والأيديولوجيا، وربما بنقد "العقل الفقهي النمطي" بوصفه مسؤولا عن صناعة الخوف الشرعي، والخوف من الآخر عبر تكفيره، وتحويل موضوع "الأمن العقائدي" إلى جزء من إشكاليات العقل الأمني بوصفها قائمة على تغويل النص الغارق في "البدع" والإسقاطات الإكراهية.
النقد الذي أراده الجابري، ليس بعيدا عن المنهج، ولا عن التاريخ، إذ له سياقاته ومرجعياته، وعلى نحوٍ جعل من فرضية سلطة العقل، ترتبط ببرهان "عقلي" له احالاته الطائفية، حيث تغافل أو اهمل فيه تراكمات الصراع بين "العقلي والنقلي" لا سيما في العصر العباسي الثاني، التي انتهت مع الوثيقة الموفقية، التي وهي وثيقة أمنية وايديولوجية تكرس معها العنف الكلامي، والعنف الأيديولوجي، وحتى العنف الاصولي الذي استمر ليشمل في مراحل لاحقة صاحب البرهان ابن رشد ذاته، الذي عاني من السلطة الفقهية، عبر محنة الطرد، والاتهام بما يشبه "الاستقالة الشرعية".
إن مراجعة خطابات النقد ينبغي أن تكون شمولية، في سياق صراع الافكار التي تصنعها السلطة أو الجماعة مع الآخر المختلف، والذي يعني مراجعة فعل النقد عبر مراجعة إرث السلطة، لأن هذا الإرث ظل إشكاليا في توصيفه، رغم أنه يقوم على ذاكرة غاطسة بالعنف، وعلى علاقة هذا العنف بإكراهات العصاب، وبتلازم "المقدّس" بـ "الطاعة" فضلا عن قيمومته على أساس ملكية المخزن والأرشيف والرقيب، واحتكاره لتداوليات كثيرة، تجعله شبيها بـذلك "اللوثيان" الخرافي بتعبير هوبز، الذي يفرض قوته عبر البشاعة، والغلو، وعبر سلطات ثانوية، لكنها أكثر توحشا، مثل البيروقراطية، الرقابة، السجن، المنع، الطرد، وغيرها من وسائل القمع..
هذا العقل مع افتراض التسمية، هو عقل المستبد والديكتاتور، لا شأن له بالتنوير والإصلاح والحق، ولا حتى بـ "التراث" بمعنى تمثيل سلطة "الشرعية" لأنه سيظل ممارسة لا نسق لها، لكنها قادرة على حكم أيِّ نسق آخر، إذ تؤدي وظائف الرقابة على خطابه، وعلى المؤسسات والجماعات التي تنتجه، وهذا ما يجعله أيضا عقلا فوقيا، أو عقلا مخزنيا، يملك الدربة على ممارسة القوة والعنف والحذر والشك، فهو لا يقبل الجدل، بقدر ما يقبل التواطؤ، فإنه كثيرا ما يتحوّل إلى دوغما تستفز تداولية الخطاب النقدي، وما يمكن أن يطرحه من شكوك، تقوم على إثارة الشبهات حول النصوص والأشخاص، فالشخص في التوصيف الأمني هو خطاب ضدي، أو وثيقة إدانة، أو كشف أسرار المخزن، لذا يظل الخطاب الأمني صانعا للوصية والتعالي والحيازة، والخروج عن سياقه يعني التعرّض لشبهة "الجريمة الأمنية".
مراجعة فكرة "الجريمة الأمنية" أو حتى نقدها يمكن أن تفتح الباب على تاريخ طويل من "المقموع والمسكوت عنه" وعبر وثائق إدانة كثيرة، دونّت كثيرا من الأحداث التي ارتبطت بالسلطة، وبالأيديولوجيا والجماعة، والتي جعلها «العقل الأمني» أي "العقل الصياني" تملك تجويزا شرعيا لتجريم الآخر، وتحت تسويغ تُهمٍ شرعية أو أيديولوجية، تؤكد الطابع المخزني المغلق للسلطة، ولهوية عقلها الأمني الذي لا يثق بـ "العقل السياسي" ولا بـ "العقل الأخلاقي" وربما يتهمهما بـ "الاستقالة" لأنهما يلجآن إلى الجدل والمراجعة في حسم مواقف لا تحتاج إلى عقل قاض، بقدر حاجتها إلى عقل مجرم.
العقل الأمني ورهاب الانساق:
أخطر ما تصنعه السلطة من توصيفات للعقل الأمني هو "الأنساق" تلك التي تتحول إلى أنظمة مغلقة، والى ضوابط، وإكراهات تقوم على مقاييس أو معايير، وأحيانا على ربط الأمن بالاعتراف بالسلطة، وبرمزيتها وقوتها، وبما يجعل مفهوم الأمن اكثر تمثيلا لسجون العزل ولضبط إيقاع السيطرة، ومراقبة المختلف، اجتماعيا وأيديولوجيا، ومن هنا نجد أن ربط العقل الأمني كعنصر هيمنة بالعقل السياسي، والعقل الأيديولوجي، يكشف عن تضخم ظاهرة "العقل الأمني" في واقعنا العربي، بوصفه تمثيلا للقوة والمقدس والشرعية، ولمفهوم النقل، واحسب أن ما جرى بعد "الربيع العربي" كشف عن اللاوعي الأمني لمتخيّل الدولة/ الجهاز الشرعي، حيث صعد الإسلام السياسي بوصفه قوة صيانية، وتنظيما صارما لمفهوم الحاكمية، عن طريق تحويل الديمقراطية الى فاعلية لاستعادة "المركز الغائب" والقوة الشرعية التي يمكن إدارة النظام الاجتماعي والسياسي، وإدارة الأمن عبر السيطرة، وعبر إدارة الثروة، وربما يجعله مرهونا بوجود القوة التي يصنعها العقل الأمني، بوصفه القوة التي تملك أدوات السيطرة، وتأطير فاعليات العقل السياسي للسلطة، عن طريق حماية وتقديس رموزها، بوصفهم الجماعة والمؤسسة والحزب والطائفة، المسؤولة عن تأطير أشكال السلطة، بدءا من سلطة الحاكم وسلطة رجل الأمن والحارس الليلي، وانتهاء بسلطة الفقيه الذي يخضع منظوره للأمن إلى معايير السلطة والتاريخ، ما يعني ضبط علاقة السلطة بالناس، وتحويل المواطن إلى مريد أو تابع.