في رواية "أيام زائدة" للكاتب اللبناني حسن داوود، يكاد المرض وإهمال الأبناء يهدّان من حيل العجوز الذي يخصّ روايته كلها بالحكي عن معاناته، ولكنّه يأبى أن يهزمه الموت، فيقول: "لا يستطيع الموت أن يمسّني". أما رواية الكاتبة نجوى بركات الصادرة حديثا (2025)، عن دار الآداب، والتي كُتب عنها العديد من المقالات منذ صدورها الى الآن، فقد شاءت الكاتبة فيها أن تقدّم صورة مختلفة عن العجوز، وهي هنا باسم "مي"، أكثر قدرة على الإمساك بقَدرها- في الظاهر- من ذاك الشيخ في رواية داوود، وأدلّ على ذات متطاولة، ومتحكّمة نوعا ما بخيوط لعبة الحياة، على ما بدا من خطابها الظاهر، وإن تمثّلت للقراء مكوّنة من سلسلة من المخاوف والهواجس التي لا تقوى على ردّها، أو تجاوزها، سوى بمجرّد لفظها.
سيرة الآخر؟
للمرة الثانية، تقرر الروائية نجوى بركات أن تدخل غمار السيرة، بعد "السيد نون"، ولكن مجرّدة من الألغاز والبحث عن الحقيقة الكامنة في طيات الأحداث. وإنما سوف تكتفي الروائية بتخصيص مسرح الحكي كله لشخصية واحدة، هي "مي"، الثمانينية، والتي ألفت نفسها وحيدة، بعد موت زوجها، وهجرة ولديها الى أميركا، وانفضاض كل الأصدقاء والصديقات، إما بالبعد، أو بالموت، عنها. وعندئذ سوف يندفع سيلُ الكلام، على لسان الشخصية النموذجية "مي"، في لحظات هي مشاهد درامية، لا همّ لها سوى إخراج هواجسها الى العلن، لفظها وتحميلها قدرا كبيرا من التعبير الانفعالي، على غرار الشخصية في مسرح الحكواتية "الوان وومن شو ". ثمّ، أو لا يحسب القارىْ، المولع بالمسرح شأني، أنّ لنصّ الرواية هذه صنوا في نوعٍ آخر، هو المسرح من فصول ثلاثة، تؤدّيه شخصية واحدة، ويسمى بالمونو دراما.
ومي بإعلان هواجسها، على هذا النحو، واستحضارها أطياف الشخوص الذين غادروها، وبتخيّلها طيفاً لذاتها، أو "ميّ" ثانية يخاطبها في وحشتها، إنما تسعى الى نوعٍ من التطهّر، على ذمّة أرسطو، يريح ميّ من وطأة هذه الهواجس، ويشدّد من عزيمتها على مواجهة عدوّ مضمر هو الزمن، علّة التحولات الفيزيولوجية (الشيخوخة) المؤدّية الى الموت، في نهاية المطاف. ولعلّ هذا العدوّ نفسه لا يني يمدّ مخالبه، على امتداد الرواية، ومشاهدها، وفصولها الثلاثة غير المتوازية حجما، لينتزع منها، على التوالي، صحّتها، وذهنها الصافي، وزوجها، وقطّتها التي لا تحبّها كثيرا، وحضور ولديها اللذين هيّاتهما جيدا للسفر، تجنّبا لمخاطر الإقامة في بلد دائم التفجر، والاضطراب.
لا للمرآة، ولكن للمرايا
تقول "مي" في الفصل الأول، والأطول، من الرواية "لا أحبّ المرايا عامة، وأتفادى النظر إليها" (ص:40). وبهذا أقرّت الشخصية أنها تخشى المثول أمام المرآة لئلا تقع على مفارقات العمر، ولا تُفجع للتحولات الدراماتيكية في سحنتها، وقد صارت في أرذل العمر، في الثمانينيات منه. ولكن مهلا. أليست عودتها (ذات مي) مرّات عديدة الى ماضيها القريب، والبعيد، واستحضارها الشخوص الذين تقاطعت حيواتها مع حياتها، مرايا تنعكس على سطحها ملامح أثيرة لها، أو ترتسم فيها صوَرٌ مأنوسة، وأخرى مرذولة (عمّاتها الثلاث، والدها، زوجة والدها بعد وفاة أمها، ولداها في أميركا، شاميلي السنهالية خادمتها) ألا يمكن اعتبار هؤلاء مثابة مرايا مكسورة الأطر، أو نصفية، تجهد الراوية في إثباتها، والاستئناس بوجودها الحقيقي، لا السرابي، وإن بات طيّ الماضي. إذا، لا تنظر مي في مرآتها للداعي الذي ذكرناه سالفا، أي لخشيتها من انهيار صورتها في عين نفسها، وإنما تسمح لنفسها بأن تظهّر فعلها ومكانتها لدى كل من الشخصيات الداخلين في سيرة مي، والمؤثّرين في حياتها. ولئن كانت ذاكرتها أميَلَ الى التعاطي بواقعية مع شخصياتها الواردين على شاشات حافظتها بالتوالي، دليلنا على ذلك عمّتها الباقية عزباء بعد افتضاح أمر خطّيبها الذي كان متزوجا ولديه ثلاثة أبناء، فإنّ وجودها ولو عنصرا نافلاً في ذكريات عمّاتها الميّالة الى الكوميديا ديلاّرتيه أو الميلوديا("ثمّ أشعر بحزن حين أتخيّل عريس عمّتي وداد بجناحين كبيرين ينبتان فجأة في ظهره ويرفعانه بعيدا..."، ص:50) يكفل لها موقعاً ثابتاً في خاطر الآخرين، وإن باتوا بعيدين، جسديا ونفسيا عنها.
تقول الراوية "مي" وهي عليمة في وصفها الذاكرة: "الذاكرة هي للروح، كما الكبدُ للجسد، مركز معالجة كلّ السموم وطردها منه " (ص:52). وبناء عليه، يقوم السردُ، أو الحكي، بتجميع لحظات الأسى، والألم التي راكمها زمن الشيخوخة الذي هو "زمن محوٍ وإفراغ". وفي هذا الشأن، تشير الراوية إلى بعض علائم الشيخوخة في اليدين، مثل البقع والخطوط النافرة وجفاف الجلد، وظهور دوائر صغيرة بنّية عليه، يزيدها حدة ضمور الجلد، وتقلّص مساحته حيث تختلط المياه بالدهون. والحال أنّ الراوية، إذ تبلغ نقطة الدراما هذه، أي ذروة الشعور بانتصار الشيخوخة، حمّالة الموت، على عوامل الصحة، تسارع الى استدعاء الماضي القديم، أي الطفولة، في نوع من آلية دفاع نفسية في مواجهة العدوّ المضمر، عنيتُ الشيخوخة، فتحيي لحظة أو مشهدا عالقا في الذاكرة لأبيها وهو يحاول أن يزيل بقعا زرقاء عن مريول "مي" المدرسي بعد أن دلقت عليه المحبرة كلّها.
إيقاع الزمنين
والواقع أنّ بنية التوازي العميقة، بين زمنين (الشيخوخة/ الطفولة) لا تني تتبلور كلّما تقدّمنا في فصول الرواية- ولا سيما فصلها الأول والأكبر- باعتبار أنّ هذا التوازي حاصل في نفسية العجوز نفسها، وفي تعاطيه مع العالم الخارجي، وإزاء المخاطر الجسمانية المتأتية من الشيخوخة، كما أسلفنا. ولو تتبعنا هذه المشاهد، المتتابعة مطبعيا، وغير المبرزة إخراجيا، لوجدنا إحياء لمشهد "مصارعة الأخوين سعادة المعروضة على تلفزيون لبنان، أوائل الستينيات، مترافقة مع حكاية خطيب عمة الراوية، أسعد، والذي كان متزوّجا، منافقاً في حقّ العمّة.
ومن ثمّ تعود الراوية الى زمنها الحاضر، فتستكمل جلسة الحمّام، بالصابونة المشار إليها، مع كلّ ما يحضر المستحمّة العجوز من أوهان في الجسد (ارتخاء في المثانة، سلس بولي، وارتخاء في الثديين، واتّساخ لا تقوى على التخلّص منه وحدَها. وبينما هي كذلك، تستنهض وعيها، فتعود الى الحاضر، أي زمن السرد الواقعي، لتبدي رأيها في الانهيار المالي والمصرفي الحاصل في البلاد، وفي انفجار مرفأ بيروت الفظيع، وكيف أنها تجرّأت واقتحمت مصرفها بعصاها طالبة من إدارته تسديد ما تستحقه من مال أودعه ولداها لأجلها، ولم تغادر إلاّ بعد أن حطّمت زجاج مكتب المدير، ولم تعتذر. وبعد ذلك العرض الدونكيشوتي، ترى "مي" وقد مالت الى الكائنات الضعيفة، إلى الهرّة التي اقتحمت عليها حياتها، فكانت مناسبة لها للتأمّل، من الطابق التاسع حيث تقيم، في مظاهر المدينة "ما بعد الحداثية"، حيث "يجلس القديم بجانب الجديد، والخَرِبُ يجاور المحدَث، والقبحُ يسامر جاره الحسن. بشاعة وانعدام تناسق، ثم فجأة مشهد يخطف الألباب..." (ص:96). وما ان أسدلت الستارة على المشهد المديني من أعلى، حتى قررت المضي، برفقة سائقها ومساعدها في البناية يوسف، الى حيّ الجمّيزة، الأكثر تضررا من انفجار المرفأ، لتنقل بعضا من مظاهر فجيعة التدمير والقتل التي أصابت السكان، من دون أن تتمكّن من كسر إرادتهم في الحياة الكريمة، وكنس الفاسدين والمهملين بحق الوطن.
تواتر الموتيفات
ولئن كان قارئ الرواية، المتتبع لتفاصيلها، شأني، يسأل صادقا عن مدى مطابقة ذهن شخصية "مي" المتوقّد، والراهن، والدقيق، والعارف، مع تصوّره لذهن امرأة عجوز ثمانينية، أخذ الوهن منها مأخذاً، وأقامها على الحدّ بين الاتّصال السويّ بالواقع وبين ما يفرضه وهن الشيخوخة من تآكل لهذا الذهن، فإنّ قدرة الكاتبة نجوى بركات على وصل الفصول، وابتداع إطار معقول لحركة الشخصية النموذجية "مي"، واستثمار محطات ذاكرتها القريبة والبعيدة، بما يوسّع من أفق تشكّيها من شيخوختها، ويزيد ارتباطها بالزمن الحاضر والمتناقص باستمرار، هذه القدرة هي التي تسوّغ للشخصية النموذجية هذه المقبولية لدينا، ولدى القراء بعامة.
وفي هذا الشأن، يمكن أن نحصي اثنين وعشرين موتيفاً، في الفصل الأول من الرواية وحده (فقدان سنوات العمر بسبب الحرب، موت يوسف زوجها، الامومة الناقصة، العودة الى طفولتها في القرية، شاملي الخادمة السيريلانكية، أغنية بالسنهالية وأطعمة سيريلانكية، بكاء مي لحنوّ الخادمة عليها، ابتراد الأطراف، مشاهد حلمية، نجاسة الجسم وتنظيفه، وخطاب في تبديد أموال المصرف المركزي وتطيم زجاج مكتب مدير البنك،...)
في التعدد كشفٌ
لكنّ الفصل الثاني من الرواية، بعنوان "هيَ" يطلق زخماً سرديا ظنّ القارئ أنه قارب على الارتخاء، بنهاية الفصل الأول. إذ تقرر الراوية، بالنيابة عن الكاتبة، مخاطبة شقّها الآخر، والذي ظهر لها في مستهلّ الرواية، من أجل أن تبوح لها بما لطالما حصرته في الفصل الأول، فصل نشيج الشيخوخة العام، عنيتُ به مأساة حياتها، عشق حياتها الذي أفسده عشيقها الاول، بالخيانة، والاستهتار بقيمة من ادّعى حبّها. وحكاية الفصل الثاني، الجديرة برواية مكثّفة، تروي فيها الراوية الى شقّها الآخر "مي"، في حوارات خيالية رائقة، وانفعالية، حدّ الصراخ الجدير بشخصية شبيهة بفيدرا في التراث اليوناني الدرامي، وكيف أنّ حبيبها الذي هامت به وهي طالبة في معهد الفنون الجميلة، بقسم المسرح الذي تهواه هوى غامراً، علِق بها، واستغلّ قدرتها على الكتابة المسرحية لإنتاج مسرحية فيدرا، لكنّ الحرب الأهلية أظهرت فساد أخلاقه، ولم يقرّبه من معشوقته ميّ حملها منه، وإنما زاده عنفا لفسخ العلاقة وإجهاض الجنين. ولم تنته العلاقة إلاّ حين شارفت العاشقة على قتل ذاك الحبيب الجاحد بالحريق، لولا فراره في اللحظة الأخيرة. ولكأنّ المسرحية نفسها، التي عزمت مي على كتابتها اقتباسا من أصلها اليوناني، إنما هي كناية عن حبّها الجارف الذي لم يجد من يتلقفه، ومن يقدّره حقّ قدره. بل انقلب على من أحبته، حتّى فكّرت يوما بالانتحار. أما خاتمة الفصل فكانت زواج ميّ الحقيقية بطبيب، بعد خروجها من العصفورية إثر انهيار عصبي كاد يكون قاتلا.
"الطبيب هذا كان ملاكا أرسله والدي المرحوم، يا مي، لا أشكّ لحظة في ذلك، فقد أحاطني واهتمّ بي وعالجني، ورفعني من الأرض. ثم أحبني، لا أفهم لم أو كيف. بعد خروجي، طلب يدي، وأنا لم أشف بعد. تزوّجته..." (ص:190)
بنية ديكريشيندو
نقولُ إنّ رواية نجوى بركات، الثلاثية الطبقات، بالنظر الى إيقاع مشاهدها، وجريان أحداثها، ورؤية الكاتبة لأصوات الشخصيات وأصدائها وتداعياتها المتروك بعضها للقراء، ذات بنية تنازلية، أو ديكرشيندو بالمفهوم اللاتيني. ففي الفصل الثالث، أصغر الفصول، تُفرد الكاتبة لشخصية يوسف، ناطور البناية ومساعد الثمانينية مي في أمور كثيرة. ويتبيّن القارىْ، من خلال شهادة يوسف في غياب مي، أنها نُقلت الى مصحّة أو مأوى للعجزة، وأنّ ولديها أوكلا إلى يوسف أن يؤجّر الشقة بعد أن يئسا من إمكان بيعها. وعندئذ ينفتح ليوسف مجال الكلام على شخصية "مي" التي عرفها، كريمة وقاسية في الآن نفسه، والتي أقرّت آخر الأمر بوجود المرأة -الطيف الأخرى، شقّها الذي لطالما هجست بوجوده، من خلال صوَر لها، وهي في عزّ مجدها التمثيلي، على خشبة المسرح. وتنتهي المسرحية، عفوا الرواية الثلاثية الأبعاد والأصوات على خشبة المسرح.
"كانت تقف على خشبة مسرح ما، وتؤدّي دورها الأخير!" (ص:223)
عن (المدن)