عائلة حوّا غادرت عكا بعد سقوطها بيد الشتيرن وهاغانا في أبريل/ نيسان 1948. لم تكن رحلة المغادرة شاقّة، ففيما كان يقاسي النازحون الآخرون مشاق الطريق إلى أمكنة لا يعرفونها، أمكن لعائلة حوّا أن تصل، بسيّاراتها الفارهة، توّا إلى رأس بيروت حيث ستقيم، ولم تجد مشقّة في الإقامة أيضا، إذ لم يطل العهد على نزولها في ذلك الحيّ، حتى صارت كأنها من أهله. الثراء أتاح أن يكون كل شيء هيّنا. المال والمجوهرات كانت تملأ حقائب الرحلة. يحدّد الكتاب ما كان في حوزة العائلة عند الوصول بكمية من المال وسبائك الذهب، ما يغني عن الحاجة للعمل والقلق. وعلى أي حال، لم يكن شيء يلزم أفراد العائلة بالبقاء في بيروت، التي حين بدأ الأمن فيها يهتز، انتقل البعض من أفرادها إلى لندن.
هي حياة مرفّهة في عالم مضطرب قلق، لكن رواية «لعنة باب عكا» لم تغفل عما قاساه مئات الآلاف من النازحين فصوّرت رحلتهم، الموازية لرحلة العائلة الثرية، قرية قرية ومدينة مدينة. وكان يمكن لقارئ الرواية أن يقتفي أثر الرحلة بتعدادها المتتابع للأسماء. ذاك أن الرواية تحرص على واقعيتها، كما يقول مؤلّفها، الذي استعان بآخرين عديدين لتحقيق المعلومات وتعيين أماكن حدوثها. ذلك لا يختصّ بوقائع النزوح وحدها، بل أيضا بكل ما أعقبها من حروب جرت في لبنان وعليه، منذ 1958، سنة المواجهة الأولى بين الأطراف اللبنانيين، مرورا بالمواجهات والحروب التي راحت تندلع عنيفة مدمّرة ابتداء من 1975.
هنا، في الرواية، يمكن للقارئ أن يلمّ بكل ما جرى في لبنان، متسلسلا ومن دون تفويت واقعة واحدة، كل مواجهة جرى تسجيلها هنا، سواء كانت بين أطراف داخلية فحسب، وهذه هي الأشد فتكا، أو بين أطراف من هؤلاء ومقاتلين فلسطينيين، كما بين أطراف أخرى، بالمشاركة مع الفلسطينيين، والغزاة الإسرائيليين… الحروب تلك شملت أكثر مساحة لبنان، وانخرط فيها ما يصعب حصره من الأطراف والطوائف والمنظّمات والدول، إلخ.
في الرواية نحن أمام ثبت حربي تفصيلي لما جرى على مدار ما يزيد عن أربعة قرون. كل ذلك وأكثر العائلة مقيمة في لندن. لكن حبيب، ابن العائلة، وقد بقي هنا في بيروت، سيتحوّل عن مسار العائلة الهادئ. فها هو يبدأ نشاطه الحربي بالانضمام إلى «الكتيبة الطلابية» التابعة لحركة فتح، بدءا من قتاله الغزاة الإسرائيليين في قلعة الشقيف، واستشهاده الذي لم يُحسم إلا في السطور الأخيرة من الرواية. وهذا ما سيستغرق كل فصولها اللاحقة. كان رفيقاه في القتال (الراضي وأبو عوف) قد نجيا من موقعة الشقيف، التي جرى وصفها بتفصيل يقرب من أن يكون سينمائيا، أما هو فلم يُعثر له على أثر.
ظلّت مشاعر الأهل في لندن تتقلّب بين التفاؤل واليأس في ما هم من هناك، يلاحقون كل معلومة تصلهم، أو كل تخمين، عن احتمال بقاء ابنهم حبيب على قيد الحياة. هنا أيضا، حيث تنعطف الرواية باتجاه البحث عن مصير الإبن، تستمر تغطية الحرب بتفصيل أدقّ ما دام أن رقعتها ستنحصر هذه المرّة في مكان أكثر ضيقا، قلعة الشقيف. في فصول لاحقة من الرواية سيطلب الأهل من حياة، شقيقة الشاب حبيب، أن تغادر لندن إلى بيروت بحثا عن مصير أخيها، مزوّدة بالوديعة التي أبقتها العائلة لأجل ذلك. وها هي «حياة» تأتي لتباشر مهمّتها، ولتفتح ثيمة جديدة في الرواية التي كانت قد أُُشبعت حربا.
قصدت حياة، بعد تيقّنها من وفاة شقيقها، أن تقيم له تمثالا هناك، حيث سقط شهيدا، في تلك القلعة. وهي في سعيها لتحقيق ذلك، كان عليها أن تتعرّف إلى أولئك البشر الذين أعقبوا جيل القتال الذي رُحّل أو استشهد أن نُفي. لن تتأخر في أن تعرف إلى ماذا تحوّل البلد. كانت كلّ الوجوه مريبة. بعد العثور على جثّة حبيب في الشقيف بدأت الأخلاق الفاسدة تعمل جاهدة لابتلاع ما أمكن من المال الذي جاءت به الأخت. المؤسسات أولا، تلك التي تحكم جماعاتها ممثّلة ّإياها في الدولة، لكن على نحو ما تحكم العصابات أفرادها. ثم البشر أنفسهم، أولئك الذين، بعد العثور المفاجئ على بقايا جثّة حبيب، راحوا يدبّرون الخطط لكسب ذاك المال. كانت قد ظنت أنها حقٌّقت ما جاءت من أجله ببناء حديقة قريبا من مدخل القلعة، لكن لم تلبث القوى المتحكّمة أن أقفلتها، بعد إقامتها، بحائط إسمنت مرتفع.
لم يثمر ذاك التاريخ الطويل من العذابات والبطولات، بما قد يدفع إلى العزاء. ذلك القسم الذي تحوّلت إليه الرواية من المفترض أن يمثّل خطّها المنحني نزولا إلى مأساويتها. لكن لم يوصل ذلك إلى أسف أو حزن إن هو إلا مشاهد مجتزأة للذين يعيشون هنا فصولا منها كل يوم.
*«لعنة باب عكّا» رواية مروان طرّاف صدرت عن دار رياض الريّس في 237 صفحة- سنة 2025
عن (القدس العربي)