في مُنْتصَفِ الليلِ، يُمكنكُمْ رُؤيَة النوافذِ المَفتوحَةِ والأبْوابِ المُوصَدَة. المُوسيقَى تنبعِث من كلِّ الثقوبِ حَيث يُمْكنُنا مُشاهدَةُ المِيكروبَاتِ والديدانِ الكبيرَةِ وهيَ تَموت. لكنْ بَعيداً،دائماً بَعيداً لاَزالتْ هُناكَ صَرَخاتٌ شَديدَةُ الزرْقَةِ تزرعُ فينا اضطراباً قَلِقاً.هنا كُلُّ شيءٍ أزرق. الأزقة والشوارعُ الكبرى
خَاليةٌ منَ المَارَّةِ. الليلُ مُكْتَظّ بِالنجومِ ونَشيدُ هؤلاءِ الناسِ يَصعَدُ إلى السماءِ كمَا البَحرُ يَذهبُ بَاحثاً عنِ القمَرِ، سَعادةٌ ثقيلةٌ جِداً وقليلة الإحْباطِ لِلأرْواحِ الهَشّةِ لِلأمْواجِ. الشواطِىءُ مَليئةٌ بِهذهِ العُيونِ الْبِلاَ أجسادٍ التي نَلتقِيها قرْبَ الكُثبانِ والمَراعِي البَعيدَةِ والحَمراءِ بِدَمِ القُطعَانِ المُزْهِرَة. جُثتُ الأيامِ
المُحبّبَةِ، سِيرْكُ المَشاعِرِ والثمالاتِ الحَمراءِ، الحَمراءِ، لكنْ حَيث القلبُ يَدُقّ كَناقوسٍ رَقِيقٍ وشاحِبٍ أشْحَبَتْهُ الشموسُ الخَارجِية. البابُ الرئيسِي يَسْمَحُ بِسَيَلانِ الأدْخِنَةِ البُرتقالِيَةِ مِثلَ نباتِ الفُطْرِ الذي كُنا نُحِبُّهُ، الغابَةُ قريبَةٌ والنساءُ المُدَوّراتُ يُسْرِعْنَ هُنا وهُناكَ وهُنّ يَجْمَعْنَ الأوراقَ الطرِيَّة
والزائِلة؛ إنهَا الطيورُ مِن كل لَوْنٍ والتي تُغَني أفضلَ منَ الريحِ في المُضَلَّعِ الرُّباعِيِّ حَيث نَخْتنِقُ إلى الأبَدِ، لكنْ عندَ المَخرَجِ نَعرِفُ أن الصيادَ هُنا ، مع كلِّ هذهِ الكلابِ وكلِّ هذهِ العُيونِ، وَلاَ أحَدَ يَنْسَى سَاعةَ الكنيسَةِ العَاهِرَةِ التي تَفْلِقُ رَأسَكَ كصَخرةٍ تتفتّتُ دُون أدْنَى صَرخَة .
***
يَدايَ المَشبُوكتانِ تُمَثلُ القبةَ الزرْقاءَ ورَأسِي إوَزةٌ بَشِعَة وصَلعَاء
لِكيْ يُصَوّرَ المُصَورُ بعضَ النبَاتاتِ، يَلزَمُهُ أخْذُ مِرْوَحَةٍ ويَلزَمُهُ التّظاهُرُ بالرقصْ. * * *
مَنظَرُ التّغيُّراتِ الألْبِّيّةِ، لاَزِمَة ظَبْيِ الجَبلِ، الفندقُ الباذِخُ وتَشققاتُ الدّانْتِيلاَ، تَسْحَرُ الناسَ بِمَصيرٍ خامِلٍ .
* * *
مُغَنّوا الأزقةِ ،العَالَمُ فَسيحٌ ولنْ تَصِلوا أبَداً . *
* *
نَشعُرُ أنهُ هُنا الْبَارُومِيترْالوَحْشِي ،القِيثارَةُ، قِندِيلُ غازِ قاعَاتِ الانْتِظارْ. قِطَاراتٌ
المُنْحَدَراتُ تَذوبُ تحتَ ثِقْلِ حَرارَةِ العَرَباتِ السّريعَةِ وتحتَ خَبَثِ الفحْمِ الحَجَرِيِّ الأحمَرِلِكل البُخارِالذي يَتطايَرُ بَعيداً فوق الأشْجارِ.
إننَا لاَنَعرِفُ تَحْدِيداً هذهِ الرائحَةَ لِلذئابِ المَيِّتَةِ جُوعاً والخَانِقَةِ في عَرباتِ الدرَجاتِ الدنيَا. الشجَاعَة لِهذهِ الصّرَخاتِ لِلقَاطِراتِ الهِسْتِيريَّةِ ولِهذا النُّوَاحِ لِلعَجلاتِ المُعَذبَة. في الخَارجِ، تَأخُذ لأشْجارُ السّكرَانَةَ بِكلِّ النّظرَاتِ دَوْخَة هَائِلةٌ لِلجُموعِ أثناءَ إقلاعِ طَائرةٍ في رِحلةٍ أبَديةٍ. عندَ جَميعِ الإشارَاتِ، تتخَفّى دَابّة ضَخمَة وتَنظرُ بِعيْنٍ وَاحدَةٍ إلى هذهِ العَظاءَةِ الكَبيرةِ الضّاجّةِ وهي تنزَلقُ فوْق جَداوِلِ الْمَاسِ وفوْق حَصَى المَناجمِ الجَوية ***
البُحيْرَةُ التي نَجتازُها بِواسِطةِ مِظلةٍ، التّقزّحُ المُحْزِنُ لِلأرضِ،
كلُّ هذا يَمْنحُ الرغبَةَ في الاخْتِفاءِ. رَجُلٌ يَمشِي وهويَكْسِرُ حَبّاتِ البُنْدُقِ ويَنْكفِىءُ أحْياناً على نفسِهِ كَمِرْوَحَة. يَتجِهُ نحوَ الصّالونِ
حَيث سَبَقتْهُ بَناتُ مِقْرَض. لَوْأتَى مِن أجْلِ الإغلاقِ، لَرَأى حَواجزَ
تحْتَمَائيةٍ تَفسَحُ الطريقَ لِقارَبِ صَريمَةِ الجَدْيِ. غداً أو بعدَ غدٍ،
سَيذهبُ لِمُلاَقاةِ زَوجَتِهِ التي تَنتظِرُهُ وهيَ تَخِيط الأضْواءَ وتَنْظِمُ
الدمُوعَ. التفاحُ الزجَاجِيُّ لِلخَنْدَقِ، صَدَى بَحرُ قَزْوِينَ يَسْتعمِلون
كلَّ سُلطتِهِمْ لِلحِفاظِ على مَسْحُوقِ زُمُرُّدِهِمْ. لَهُ أيْدٍ مُتألِّمَةٍ كَقُرونِ
الحَلازينِ، يُصَفّقُ بِها أمامَهُ. كُلُّ بَرْقِ مَنطقتِهِ دَافِىءٌ مِثلَ جِسمٍ لِطائرٍ
يَحْتَضِر؛إنهُ يُنْصِتُ لِتَشنّجَاتِ الأحْجارِعلى الطريق، وهيَ تَلتهِمُ
بَعضَها كأسْماكٍ. بُصاقاتُ المَكْأسَة تَمْنحُهُ ارْتِعاشاتٍ مُنَجَّمَة.إنهُ يَبْحث
عن مَعْرفَةِ مَا صَارَهُ، مُنذ أنْ مَاتَ .
***
العالَمُ الذي يَكتُبُ 365 بِحروفٍ عَرَبِيّةٍ تَعلّمَ أنْ يُضاعِفَهُ بِعَددٍ من رَقمَيْنِ .
***
فوْق سَاعِدِي، منَ الجِهةِ الداخِليةِ،عَلامَة مُرْعِبَة، حَرْفُ(M) أزرَق يَتوَعّدُنِي .
***
عُيُونِي، فقط أنا مَن يَمْتلِكُها وأعَلقُها بِدَبّوسٍ عَلى خُدُودِي الشدِيدَةِ الطرَاوَةِ والشدِيدَةِ التّخْريبِ بِريحِ كَلامِكُمْ .
***
لاشيءَ يَمْنحُ الرغبَةَ بِهذهِ الحَضانَةِ المَطلِيَّةِ بِالْجِيرِ حَيث يَتنَزهُ قَاقَمُ التّقدِيسَاتِ القديمَةِ جِداً لِلِاتفَاقِ المُوَحَّدِ مع قُنْدُسِ الْمِيمُوزَا .
***
الحُبُّ في عُمْقِ الغابَاتِ يَشِعُّ مثلَ شَمْعَةٍ كَبيرَة .
من ديوان الشاعريْن المُشترَك (الحُقول المَغْناطِيسِية)، منشورات غاليمار، 1968 . ط. فبراير 2000.
هوالشاعرُ الفذ، مُبتكِر وَمؤسس الحركة السوريالية في الأدب.يَنحدرُ بروتون من أسرة تنتمي إلى البورجوازية الصغيرة لأبٍ دَرَكِي.درَسَ الطب،وشُغِف بالشعر منذ شبابه،لاسيما شعر مالارميه، وبول فاليري الذي التقاه عام1914. جُنِّدَ أثناء الحرب العالمية الأولى وعاين عن قرب فظاعاتها.وعُيِّن بأحد مستشفيات مدينة نانت،قبل أن يلتحق بأحد المراكزالخاصة بمرض الأعصاب،ثم بالجبهة كحامل للجرحى.وفي غضون ذلك،تَعرّف على جاك فاشِّيه،الذي كان آنذاك جنديا مولعا بالأدب ويتماثَل للشفاء. فأطلعَهُ على مؤثرات أدبية جديدة، مثل رامبو، وألفريد جاري، وأبولينير.كما فتح الطب ذهنَهُ على أعمال سيغموند فرويد الذي سيلتقيه عام 1921.لكن المؤثرات الكبرى للشاعر كانت، لوتريامون ،"فوضى الحواس"، والبَّاتَافِيزيَاء(علم الحلول الخيالية)، واللاوعي . بعد نهاية الحرب، سيلتقي بروتون بالشاعريْن فيليب سُوبّو وَلويس أراغون،ويُؤسسون مجلة "أدب"عام1919. ومنذ عام 1917، ورغم المنع، سيتمكنون من الاتصال بحركة " دادا "بمدينة زوريخ السويسرية .
وسيلتحق بهم زعيمُها تريستان تزارا عام1020. وفي نفس السنة سيَصْدُرُ أول عمل شعري سوريالي هام(الحقول المغناطيسية)،وهوالديوان المشترَك بين بروتون وسُوبُّو.والذي كان بمثابة ثمرة الكتابة الآلية التي تجمع بين مَفهومَيْ الإلهام واللاوعي.وهي طريقة تُزيحُ العقل المنطقي، لكي تُفسِحَ المجال لظهورالاشتغال الحقيقي للفكر.وقد نظّربروتون لهذا في كتابه(بيان السوريالية)عام1924. وبينما باشرَتْ مجلة " الثورة السوريالية"
الصدور عام1924،اختصمَ تدريجيا بروتون مع رفاقه الذين بدأوا في الابتعاد عنه عام1927: سُوبو، أراغون، وديسنوس. سيلتحق الشاعر بالحزب الشيوعي، وبدأ مرحلة الالتزام السياسي،لكنه سيُغادرالمؤسسات في سنة 1935 دون التخلي عن الأفكار.وفي عام1938 ، سيلتقي تروتسكي،ويكتب(من أجل فن ثوري مُستقل). نُفِيَ الشاعرإلى نيويورك بدءاً من عام1941،ولم يَعُدْ إلى فرنسا إلا عام 1946، لِينخرطَ في النقاشات والجدالات الصاخبة بين الوجوديين والسورياليين وذوي النزعة الإنسانية، إلى حين وفاته عام1966، مُدافعا بحرارة وحَمِيّة عن شرعية السوريالية وامتداداتها، إلى السوريالية الأبدية التي يُعتبر المفكر والشاعر جان شوستر أحد أقطابها.
من أهم كتابات وإبداعات بروتون :
الحُقول المغناطيسية - الأواني المُسْتَطرَقة – بيان السوريالية – نَادْجَا (ترجمهُ إلى العربية الشاعر المغربي مبارك وساط)- الحب المجنون- المُسدسُ بِشَعَرٍأبيض- هواءُ الماء- أنطولوجيا الفكاهة السوداء- سَمَكٌ قابِلٌ للذوبان.. لَسْتُ دَائِماً نَفْسَ الشَّخْص.. أَنْصِتُوا إلى العَالَمِ الأَبْيَض وَقصَائدُ أخرى قَصَائِد مُختَارَة منَ الشِّعْرِ العَالَمِي
شاعر ومترجم من المغرب