بلغت التعقيدات هذا العام حدًّا استعصى على الفهم، إذ تشابكت جملة من الأزمات على نحو جعل من مجرد متابعة الأخبار وتحليلها ضربًا من العبث. ومع تنامي الإحساس بالدوار، زادت الحاجة إلى الرواية بوصفها ترياقًا للباحثين عن الحقيقة، لا لأن الروائي هو الأدق بين المصادر، حتى الموثوقة منها، بل لأنه يرصد العالم بعين طفل لم تتغبّش عدستها بعد، فإذا ببصيص الضوء ينكسر على الصفحات البيضاء إلى كافة أطيافه المرئية.
هلاوس القارة العجوز
على الرغم من وجود أعمال سردية طويلة منذ العصور الكلاسيكية، مثل "الحمار الذهبي/ The Golden Ass" لأبوليوس، لم تتبلور الرواية الأوروبية الحديثة إلا في القرن السابع عشر مع أوهام "دون كيشوت" لميغيل دي ثيربانتس. إنها إسبانيا؛ البلد المعروف بتقديره للجمال حتى في أدق تفاصيل الحياة اليومية، من إيقاع الفلامنكو إلى موائد التاباس، ومن جلسات القهوة الطويلة على الأرصفة إلى تذوّق إيقاع الزمن ببطء لذيذ.
لكن خيطًا أكيدًا يجمع الروايات الإسبانية لعام 2025: القلق الذي يعكس ما يعتمل في قلب العالم بأسره، كأن عدواه اخترقت كل الحدود. من أبرز الأعمال التي اشتبكت مع هذا الهاجس رواية "إذا عدنا يومًا/ Por si un día volvemos" لماريا دويناس، إحدى أكثر الكاتبات الإسبانيات شهرة وقراءة. سبق أن أحدثت ظاهرة عالمية بروايتها الأولى "الوقت المنقضي بين كل غرزة وغرزة/ El tiempo entre costuras"؛ بيعت ملايين النسخ من الرواية، وتُرجمت إلى أكثر من خمس وثلاثين لغة، محققة نجاحًا حتى في الأسواق غير الناطقة بالإسبانية، بما فيها الولايات المتحدة وأميركا اللاتينية. تمتد الرواية عبر حياة امرأة أجبرتها الظروف على مغادرة الريف الإسباني في عشرينيات القرن العشرين نحو وهران على ضفاف المتوسط، مسلّطة الضوء على قرابة ثلاثين عامًا من الصراع من أجل البقاء، مع منعطفات تاريخية كبرى تشمل الحرب الأهلية الإسبانية، والحرب العالمية الثانية، واستقلال الجزائر.
ولا تقل أهمية الأعمال الأخرى التي تميل إلى التاريخ أو العلاقات الإنسانية، أو تعيد قراءة تجارب الهجرة والتحوّل عبر الزمن، مثل "يوم واحد أكثر/ Sólo un día más" لسوسانا فورتس، باستلهامها قصة الحب الشهيرة بين ألبير كامو وماريا كاساريس، لتقديم سرد يمزج الرومانسي بالتاريخي، ويغدو مرآة لجيل عاش الحب تحت وطأة القلق، حتى بات "يومًا واحدًا أزيد" أقصى ما يتمناه. حين غابت شمس بريطانيا
من إسبانيا إلى بريطانيا، البلد الذي صاغ أحد أكثر التقاليد الروائية رسوخًا في العالم، وراكم عبر ديكنز، وأوستن، والأخوات برونتي، ولاحقًا فيرجينيا وولف، حساسية فريدة تجاه التفاصيل اليومية، والوعي بوصفه مادة سردية لا تقل أهمية عن الحدث. غير أن الروايات البريطانية البارزة في عام 2025 بدت أقل انشغالًا بالذات، وأكثر التفاتًا إلى هموم الكوكب بأسره. في هذا السياق، تتخذ سارة هول في روايتها "هلم/ Helm" من الرياح شخصية محورية، في تجربة سردية واسعة تمتد عبر الأزمنة: من شامانيّي العصر الحجري الحديث، إلى متعصّبين من العصور الوسطى، وخبراء أرصاد في العصر الفيكتوري، وصولًا إلى علماء اليوم. هكذا تضع البشر أمام مرآة الريح المتقلّبة، لا بوصفها ظاهرة طبيعية فحسب، بل استعارة كبرى لأزمة المناخ، وتاريخًا طويلًا للعمى البشري.
ضمن الإطار نفسه، تستعيد رواية "كاشط البحر/ Seascraper" لبنجامين وود الساحل البريطاني بوصفه فضاءً معلّقًا بين الماضي والحداثة، إذ يتحوّل العمل الشاق والعزلة الجغرافية إلى مجاز عن انسداد الأفق. بينما تنفتح رواية إيان ماكيوان "ما يمكننا معرفته/ What We Can Know" على مستقبل قريب غارق في آثار الكارثة البيئية، وقد صارت بريطانيا فيه جزيرة من شظايا الماضي، تُقرأ عبر أرشيف ناقص. على جانب آخر، مالت بعض الروايات إلى الاقتضاب، منقّبة في الإحساس بالضيق والعزلة والبحث عن معنى داخل مجتمع يبدو هادئًا من السطح، لكنه مضطرم في العمق. في روايته "الجسد/ Flesh"، الحائزة جائزة البوكر، يروي ديفيد سزالاي حياة كاملة عبر مقاطع قصيرة وجافة، واضعًا الجسد في مركز السرد، ليغدو أرشيفًا بديلًا للتجربة الإنسانية، ومرآة للتعقيدات النفسية والاجتماعية للعصر الحديث.
تبرز العائلة كساحة للصراع والتمثيل في رواية "حصة النمر/ The Tiger’s Share" لكيشافا غوها، وفيها تتصارع صديقتان في دلهي الأبوية مع إخوتهما الذكور المتسلّطين، بينما يلوح انهيار البيئة مهدّدًا جميع أنماط الحياة، سواء التقليدية أو الحديثة، ليصبح الصراع العائلي انعكاسًا لصراعات الطبيعة، كأننا معلّقون بحبلها السرّي. وتتجلّى السخرية والكوميديا السوداء بقوة في أعمال مثل "المتظاهر/ The Pretender" لجو هاركن، التي توظف الطرافة لقراءة التاريخ والسلطة والهوية. من خلال تتبّع مصير الشاب لامبرت سيمنل في لعبة سياسية معقّدة، تكشف الرواية كيف تُعاد صياغة الأفراد وفق أهواء السلطة، وتطرح تساؤلات حول الهوية الحقيقية مقابل الأدوار المفروضة. الأسلوب الذكي والحوارات الحيّة تجعل القارئ يبتسم ويفكّر في الوقت ذاته، فيما تتحوّل الأحداث الصعلوكية والمواقف الغريبة إلى مرآة لمخاوف الإنسان المعاصر. في المقابل، توظف "الساقطات/ Slags" لإيما جين أنسوورث و"الفوضى/ Havoc" لريبيكا ويت الفكاهة لتفكيك النوستالجيا البريطانية وكشف خوائها.
إعادة الترتيب الفرنسية:
يبدو من الصعب الاقتراب من المشهد الفرنسي اليوم من دون الإحساس بأن ثمة شيئًا ما يُعاد ترتيبه. نستشف ذلك من توجهات الجوائز الكبرى التي لم تعد تكتفي بتكريس الأسماء، بل باتت ترسم ملامح حساسية سردية جديدة. في هذا السياق، برزت رواية "البيت الفارغ/ La Maison vide" للوران موفينييه بوصفها الحدث الأبرز، بعدما حصدت جائزة غونكور، أرفع الجوائز الأدبية الفرنسية. تستعيد الرواية سيرة عائلة تمتد عبر القرن العشرين، كاشفة، من خلال مصائر نسائها، عن آثار الحرب والعنف والتحولات الاجتماعية، بأسلوب أثنى عليه النقاد واعتبروه إنجازًا أدبيًا يخاطب وعي القارئ قبل أن يستدرّ عطفه.
لفتت أعمال أخرى انتباه النقاد والجمهور لأنها جعلت من التاريخ مادة للمساءلة. من بينها رواية "في قلب الليل/ La nuit au cœur"، الفائزة بجائزة فمينا، التي تقارب العنف ضد المرأة. وفي الاتجاه نفسه، حظيت رواية "كولخوز/ Kolkhoze" لإيمانويل كارير بإشادة نقدية واسعة، وتُوّجت بجائزة ميديسيس لعام 2025، بوصفها عملًا يوثّق مأساة القرن الروسي، من الثورة البلشفية إلى انهيار الاتحاد السوفياتي، ومن أوهام الشيوعية إلى إعادة إنتاج السلطة في زمن بوتين.
هذا الاشتباك مع التاريخ بوصفه عبئًا جماعيًا لا ينفصل عن الحاضر، نجده حاضرًا كذلك في الرواية الإيطالية، التي عادت في 2025 إلى موضوعها الأثير: التوتر بين الفرد والعالم. فمن واقعية القرن التاسع عشر، مرورًا بسخرية إيتالو كالفينو، إلى سوداوية بازوليني الأخلاقية، ظلّ السرد الإيطالي مشغولًا بتفكيك العلاقة بين المصير الشخصي والحركة الكبرى للتاريخ. ويتجلّى ذلك بوضوح في رواية "حيث تسقط المذنبات/ Dove cadono le comete" لفيتو دي باتيستا، التي تمزج بين الحكاية الفردية والذاكرة الجماعية في ملحمة عائلية تبدأ في قرية على ساحل أبروتسو عام 1938. عبر مصير فتاة منبوذة تُجبر على التخلي عن طفلها، وتتشابك حياتها مع عائلة أوليمبو وأنيتا، بحيث تتحوّل الحياة اليومية إلى مرآة للأحداث الكبرى، من الحرب العالمية الثانية إلى تحولات المجتمع الإيطالي في الستينيات.
في المقابل، حافظت الرواية اليابانية على توتر خلاق بين الداخل والخارج، منها رواية "برج التعاطف طوكيو/ Sympathy Tower Tokyo" للكاتبة ريه كودان، التي تتخذ من طوكيو المستقبلية مسرحًا لفكرة طموحة ومثيرة للجدل: برج عملاق يُعاد فيه تعريف السجون باعتبارها مساحات تعاطف مع المجرمين بدلًا من مجرد عقابهم، إذ يعيشون في ظروف إنسانية، ويُعاد تصنيفهم كـ Homo miserabilis، أي "البشر المستحقين للتعاطف". كما تستكشف دور اللغة والهوية والتكنولوجيا في تشكيل إدراكنا للواقع، مع استخدام شخصيات تتفاعل مع شات بوت ذكاء اصطناعي كأداة لاستكشاف غموض المعنى والتواصل في عصر تتدهور فيه اللغة وتُستبدل بالعاطفة والمصطلحات المبسّطة. وقد أثارت الرواية نقاشات حول الإبداع والذكاء الاصطناعي بعد أن اعترفت الكاتبة بأنها استخدمت نحو 5% من النص بمساعدة ChatGPT، رغم أن العمل نال جائزة أكوتاغاوا المرموقة في اليابان قبل نشر ترجمته الإنكليزية. سرديات لا تطلب العزاء
إذا كانت الرواية الألمانية في النصف الثاني من القرن العشرين قد استغرقت نفسها في تفكيك ماضٍ لا يمضي، فإنها في السنوات الأخيرة عدلت عن غيّها، واضعة الحاضر نصب عينيها. يظهر هذا التوجه في أعمال مثل "النساء الهولنديات/ Die Holländerinnen" لدوروثي إلميغر، والتي تتبع كاتبة بلا اسم تتلقى، أثناء توقّفها المفاجئ على جانب الطريق، اتصالًا غير متوقّع من مخرج مسرحي شهير يدعوها للمشاركة في عمل مسرحي تدور أحداثه في بيئة استوائية. وهناك، في قلب الغابة الكثيفة، تبدأ الحدود في التلاشي بين الواقع والتمثيل، بين الإنسان والوحش، وبين السرد والحقيقة، لتتحوّل الرحلة إلى اختبار لمعنى الحكاية وقدرتها على احتواء العنف والخوف والضياع. تُوّجت الرواية بجائزة الكتاب الألماني، ورُشِّحت لكلٍّ من جائزة الكتاب السويسرية وجائزة الكتاب البافارية لعام 2025.
إلى جانب هذا العمل، يتّسع المشهد الروائي الألماني هذا العام لطيف متنوّع من التجارب، من بينها "المدرسة البديلة/ Die Ausweichschule" لكاليب إردمان، التي برعت في التلاعب بالمنظور عبر حادثة إطلاق نار في مدرسة ثانوية، و"بيت الشمس/ Haus zur Sonne" لتوماس ميلي باستخدامها أسلوبًا يمزج بين السرد الكلاسيكي والوصف المكثف للحياة اليومية، لخلق نص يعكس التجربة الإنسانية في لحظات الانكسار والتوتر، ويطرح أسئلة حول المكان الذي يشغله الفرد في العالم، وكيف يمكن للبيوت أو المساحات الشخصية أن تصبح مرايا للذات والآخرين. تبرز أيضًا روايتا "يوم السبت، تذهب الفتيات إلى الغابة وتفجّر الأشياء/ Am Samstag gehen die Mädchen in den Wald und jagen Sachen in die Luft" لفيونا زيرونيك، و"الشمع/ Wachs" لكريستينا فونيكه، اللتان تبتكران أساليب سردية لفتح باب للتأمل في تعدد التجارب الإنسانية وتعقيداتها النفسية والاجتماعية.
في الرواية الروسية، لا تُروى الحياة كي نحتملها، بل لتُفحَص حتى مفاصل العظام. وليس هذا بغريب في بلد وُلدت فيه الرواية بضمير حي، من دوستويفسكي وتولستوي إلى امتداداتهما المعاصرة. من أبرز الأعمال في هذا السياق رواية "ليمنر/ Лемнер" لألكساندر بروخانوف، التي أثارت فور صدورها جدلًا واسعًا داخل روسيا، وحققت انتشارًا لافتًا بيعت معه كامل طبعتها الأولى في زمن قصير. وهي رواية ضخمة تتناول التاريخ الروسي الحديث وصراعات السلطة، مستلهمة جزئيًا من شخصيات قيادية معاصرة، من بينها قادة مجموعة فاغنر.
في المقابل، تروي "إندلينغ/ Endling" للكاتبة الأوكرانية ماريا ريفا قصة ثلاث نساء أوكرانيات يعملن لدى وكالة لتسهيل الزواج للرجال الغربيين، ويخططن لاختطاف مجموعة من الرجال بهدف فضح استغلال النساء في هذه الصناعة. غير أن خطتهن تنهار مع اندلاع الغزو الروسي لأوكرانيا في شباط/ فبراير 2022، لتتحوّل الرواية إلى شهادة على تصادم الأهداف النبيلة مع قذارة الواقع.
من نافذة الحاضر
على امتداد نصفي الكرة الأرضية، يبدو أن الرواية في 2025 تنهض من رحم الهوية والذاكرة، مع اهتمام متزايد بالبيئة وتداعياتها على الحياة اليومية. ففي الولايات المتحدة، يركّز الروائيون على العائلة والهجرة والصراعات الداخلية للشخصيات. في "حالة الحلم/ Dream State" لإريك بوشنر، تمتد الملحمة العائلية على مدى نصف قرن في مونتانا، لتستكشف الزواج، والصعود والسقوط، والتغيرات المناخية التي تهدد الحياة على الأرض. بينما تقدم "الاختبار/ Audition" لكاتي كيتامورا استكشافًا معاصرًا للهوية والعلاقات عبر المسرح والأسرة، في سرد مزدوج ومتناقض، استطاع أن يحوِّل النص إلى صندوق ألغاز، ليصبح لزامًا على القارئ حلها أو الخروج من اللعبة.
من منظور آخر، تسلّط رواية "كشّاف يد/ Flashlight" لسوزان تشوي ضوءًا ساطعًا على تداعيات الهجرة الكورية، متتبعة مسار عائلة بين اليابان وكوريا الشمالية وضواحي الولايات المتحدة، تتقاطع حياتها مع الاضطرابات الجيوسياسية للقرن العشرين. كذلك تقدم رواية "كتاب السجلات/ The Book of Records" للكندية مادلين ثين سردًا فلسفيًا غنيًا يستكشف الهجرة، والذاكرة، والهوية عبر حكاية فتاة ووالدها العالقين في فندق للمهاجرين، حيث تتداخل قصص كبار المفكرين والشعراء مع تجربتهما الشخصية.
وسط هذا التنوّع الجغرافي والزمني، يبدو أن الرواية تصوغ همًّا واحدًا؛ ذلك القلق المستشري في زمن ملؤه الصخب والعنف. إن كل الحكايات، مهما اختلفت مساراتها، تصب عند المنبع ذاته، حيث تتجمع أطياف القلق من غدٍ وشيك، تبدو سماؤه، من نافذة الرواية، ملبّدة بالغيوم.
عن (ضفة ثالثة)